← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

٢٤٤ - وله فصل «تولى الله عنى مكافأتك، وأعان على فعل الخير نيتك، وأصحب بقاءك عزّا يبسط يدك لوليّك، وعلى أعدائك، وكلاءة (١) تذبّ عن ودائع مننه عندك، وزاد فى نعمك وإن عظمت، وبلّغك آمالك وإن انفسحت». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٤) ٢٤٥ - وله فصل «لا أزال الله عنا ظلّك، وأعلى فى شرف المنازل مرتقاك، ولا أعدمنا فيك إحسانا باقيا، ومزيدا متصلا، ويوما محمودا، وغدا مأمولا، وعزا يمكّن قبضتك، ويمدّ بسطتك». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٤) ٢٤٦ - وله فصل «لن تكسب- أعزك الله- المحامد، وتستوجب الشرف، إلا بالحمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال، وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مؤنة، لاشترك فيها السّفل والأحرار، وتساهمها الوضعاء من ذوى الأخطار، ولكن الله تعالى خص الكرماء الذين جعلهم أهلها، فخفّف عليهم حملها، وسوّغهم فضلها، وحظرها على السّفلة لصغر أقدارهم عنها، وبعد طباعهم منها، ونفورها عنهم، واقشعرارها منهم». (زهر الآداب ٣: ٣١٣)

стр. 1892

٢٤٧ - وله فى وصف البيان «البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول، ومجلّى الشبهة، وموجب الحجّة، والحاكم عند اختصام الظنون، والمفرّق بين الشك واليقين، وهو من سلطان الرّسل الذى انقاد به المستصعب، واستقام الأصيد (١)، وبهت الكافر، وسلّم الممتنع، حتى أشب (٢) الحقّ بأنصاره، وخلا ربع الباطل من عمّاره. وخير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى، ليسرع إلى الفهم تلقيّه، وموجزا ليخفّ على اللفظ تعاطيه، وفضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول، وظاهر غير خفىّ، يشهد بذلك عجز المتعاطين، ووهن المتكلّفين، وتحيّر الكذّابين وهو المبلّغ الذى لا يملّ، والجديد الذى لا يخلق، والحق الصادع، والنور الساطع، والماحى لظلم الضلال، ولسان الصدق النافى للكذب، ونذير قدّمته الرحمة قبل الهلاك، وفاعى الدنيا المنقولة، وبشير الآخرة المخلّدة، ومفتاح الخيرة، ودليل الجنّة، إن أوجز كان كافيا، وإن أكثر كان مذكّرا، وإن أومأ كان مقنعا، وإن أطال كان مفهما، وإن أمر فناصحا، وإن حكم فعادلا، وإن أخبر فصادقا، وإن بيّن فشافيا، سهل على الفهم، صعب على المتعاطى، قريب المأخذ، بعيد المرام، سراج تستضىء به القلوب، حلو إذا تذوّقته العقول، بحر العلوم، وديوان الحكم، وجوهر الكلم، ونزهة المتوسّمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به الرّوح الأمين، على محمد خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، فخصم الباطل، وضدع بالحق، وتألّف من النّفرة، وأنقذ من الهلكة، فوصل الله له النصر، وأضرع (٣) به خدّ الكفر». (زهر الآداب ١: ١١٤)

стр. 1893

٢٤٨ - وله فى وصف الكتاب والقلم «الكتاب والج الأبواب، جرىء على الحجّاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، إذا أقعده الفراق (١). والقلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، يسكت واقفا، وبنطق سائرا (٢)، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضىء، وكأنه يقبّل بساط سلطان، أو يفتتّح نوّار بستان (٣)». (زهر الآداب ٢: ٣٢، والعقد الفريد ٢: ١٨١، والأوراق للصولى ٢: ٢٩٢) ٢٤٩ - كتاب أحمد بن إسمعيل إلى بعض الكتاب وكتب أحمد بن إسمعيل إلى بعض الكتاب- وقد نال رتبة فتقص إخوانه فى الدعاء-: «الكبر- أعزّك الله- معرض يستوى فيه النبيه ذكرا، والخامل قدرا، ليس أمامه حجاب يمنعه، ولا حاجز يحظره، والناس أشدّ تحفّظا على الرئيس المحظوظ، وأكثر اجتلاء لأفعاله، وتتبّعا لمعايبه: وتصفّحا لأخلاقه، وتنقيرا (٤) عن خصاله، منهم، عن خامل لا يعبأ به، وساقط لا يكترث له فيسير عيب الجليل يقدح فيه، وصغير الذّنب يكبر منه، وقليل الذم يسرع إليه. والحال التى جدّدها الله لك- وإن كنت أراها دون حقّك، وناقصة عن همّتك، وأرضا عند سمائك- حال: الحاسد عليها كثير، وآمال المنافسين إليها

стр. 1894

تسير، والمودّة تقتضى النصيحة، والمقة (١) تدعو إلى صدق المشورة، وليس يحرس النعمة ويحوطها، وبحسم الأطماع ويصرفها، ويستجيب القلوب النافرة ويطلقها، إلّا ترك ما أراك تستعمله فى ترتيب المكاتبة، وتمييز المخاطبة والمحاصّة (٢) فى ألفاظ الدعاء، والبخل بيسير الثناء، وتطبيق (٣) إخوانك ومعامليك فى ذلك، حتى صار عندك كأنه نسب لا تتعدّاه، ونعت لهم لا تتخطّاه، فأمّا إخوانك فليس من حقك أن تحطّهم حال رفعتك، وأن تنقصهم دولة زادتك، كما ليس من حقك عليهم أن يغالطوك، فيمسكوا عن خطابك، ويتحاموا عن عتابك». (أدب الكتاب ص ١٠٥) ٢٥٠ - كتاب أحمد بن إسمعيل إلى صديق له وكتب أحمد بن إسمعيل إلى صديق له نقصه فى دعائه، ولحن فى كتابه: «وما أنا والكتاب إلى صديق ... أدين من الوفاء بغير دينه؟ أعظّمه ويحقرنى، وأدعو ... له باللفظ يدعو لى بدونه! وبنقصنى ولم أنقصه حقّا ... ويخشن لفظه من بعد لينه! فقام كتابه بالردّ عنى ... لكثرة ما تضمّن من لحونه» (أدب الكتاب ص ١٦١) ٢٥١ - كتاب أحمد بن يحيى الأسدى إلى الحسين بن سعد وقال أحمد بن يحيى الأسدى: كتب إلىّ الحسين بن سعد، فنقصنى فى الدعاء، فكتبت إليه:

стр. 1895

«قد علمت- أعزك الله- أن السبب فى العداوة بين محمد بن عبد الملك الزيات وإبراهيم بن العباس الصّولى، أنه لما ولى وزارة المعتضد (١) نقص إبراهيم عما يستحقه من الدعاء، فلم تحتمل ذلك نفسه ورياسته وموضعه من الصّناعة والدّولة، فعاتب فى ذلك فلم يعتبه، فألهب له نار هجاء لا يطفئها الدهر، وعلامة ذلك قوله فى كلام منثور قد ذكره: «ولى هذا الأمر فما ظنّ أن الرياسة تنجذب إليه، ولا أن العزّ يتحصل له، إلّا بحطّ إخوانه عن منزلتهم، ونقصهم عن مرتبتهم، فبخسنى (٢) فى المكاتبة، وساءنى فى المعاملة» فى كلام له طويل، ثم نظم ذلك فى شعر فقال: من رأى فى الأنام مثل أخ لى؟ ... كان عونى على الزمان وخلّى رفعته حال، فحاول حطّى ... وأبى أن يعزّ إلّا بذلّى وكان هذا الخطاب فى أول الأمر، ثم أنحى عليه بالهجاء، فافتقد- أعزك الله- إنصاف إخوانك، وتجنّب ظلمهم، يصف لك غدير ودّهم». (أدب الكتاب ص ١٥٩) ٢٥٢ - كتاب أحمد بن على المازرانى إلى ابن بشر المرثدى وروى الصّولى أيضا فى أدب الكتاب قال: لما ولى ابن بشر المرثدىّ كتابة الموفّق بالله، نقص أحمد بن على المازرانىّ فى الدعاء حين كاتبه، فكتب إليه: كلما رمت أن أخلّف من كا ... ن أمامى خلفت عمّن ورائى (٣) أنقصت الدّعاء لى منك لمّا ... زادك الله رفعة فى دعائى؟

стр. 1896

فلئن تمّ ما أراه وأصبحت وزيرا لتطعمنّ جزائى (١) فاعتذر إليه وزاده فى الدعاء. وكان هذا فى كلام منثور لمن كان قبل المازرانى: «وكنت آمل لك الرفعة، ولم أدر أنها تكسبنى الضّعة، وأرجو لك الثروة ولم أدر أنها تؤدينى إلى الإضافة، فكان المنى طرد العنا، والدعاء سبب الثراء». (أدب الكتاب ص ١٦٠) ٢٥٣ - فصل لعبد الله بن أحمد فى الشكر «إن من حقّ النعمة أن تذكر وتنشر، ومن كفرها أن تنسى وتستر، وما أحبّ أن أتزيّن بنعمتك وأكون عطلا (٢) من شكرك، ولا أن تكون مننك موفّرة عندى وأنا ناقص الحظ من رعاية ما أوليتنى، لنعم إذن ما أتيت إلىّ، إذ صرفت أفضل نظرك نحوى، ولبئس ما اخترت لنفسى، إذ حرمتها فضل الشكر لمن أنعم علىّ فجعلت حظّى فى قضاء حقّ النعمة، وما فى الشكر من استيجاب الزيادة». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٠) ٢٥٤ - كتاب ابن عبد كان عن أحمد بن طولون إلى ابنه العباس وكتب ابن عبد كان (٣) عن أحمد بن طولون إلى ابنه العباس حين عصى عليه بالإسكندرية (٤)، منذرا له وموبّخا له على فعله.

стр. 1897

«من أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين (١)، إلى الظالم لنفسه، العاصى لربّه، الملمّ بذنبه، المفسد لكسبه، العادى (٢) لطوره، الجاهل لقدره، الناكص على عقبه، المركوس (٣) فى فتنته، المبخوس من حظّ دنياه وآخرته. سلام على كل منيب مستجيب، تائب من قريب، قبل الأخذ بالكظم (٤)، وحلول الفوت والندم. وأحمد الله الذى لا إله إلا هو حمد معترف له بالبلاء الجميل، والطّول الجليل، وأسأله مسألة مخلص فى رجائه، مجتهد فى دعائه، أن يصلّى على محمد المصطفى، وأمينه المرتضى، ورسوله المجتبى، ﷺ .

стр. 1898

أما بعد، فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية بقرنيها، والنملة يكون حتفها فى جناحيها، وستعلم- هبلتك (١) الهوابل! أيها الأحمق الجاهل، الذى ثنى على الغىّ عطفه، واغترّ بضجاج المواكب خلفه- أىّ موردة هلكة بإذن الله تورّدت، إذ على الله جل وعز تمرّدت وشردت، فإنه ﵎ قد ضرب لك فى كتابه مثلا: «قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ». وإنا كنا نقرّبك إلينا، وننسبك إلى بيوتنا، طمعا فى إنابتك، وتأميلا لفيئتك (٢)، فلما طال فى الغىّ انهما كك، وفى غمرة الجهل ارتباكك، ولم نر الموعظة تلين كبدك، ولا التذكير يقيم أودك (٣)، لم تكن لهذه النسبة أهلا، ولا لإضافتك إلينا موضعا ومحلّا، بل لا نكنى بأبى العباس إلا تكرّها، وطمعا بأن يهب الله منك خلفا نقلّده اسمك، ونكنى به دونك، ونعدّك كنت نسيا منسيّا (٤)، ولم تك شيئا مقضيّا، فانظر- ولا نظر بك- إلى عار نسبته تقلّدت، وسخط من قبلنا تعرّضت، واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلّك، والمكروه إن شاء الله قد أحاط بك، والعساكر بحمد الله قد أتتك كالسّيل فى الليل، تؤذنك بحرب وبويل، فإنا نقسم- ونرجو أن لا نجور ونظلم- ألا نثنى عنك عنانا، ولا نؤثر على شانك شانا، ولا تتوقّل (٥) ذروة جبل، ولا تلج بطن واد، إلا تبعناك (٦) بحول الله وقوته فيهما، وطلبناك حيث أممت منهما، منفقين فيك كلّ مال خطير، ومستصغرين بسببك كل خطب جليل، حتى تستمرّ من طعم العيش ما استحليت، وتستدفع من البلايا ما استدعيت، حين لا دافع بحول الله عنك، ولا مزحزح لنا

стр. 1899

عن ساحتك، وتعرف من قدر الرخاء ما حهلت، وتودّ أنك هبلت ولم تكن بالمعصية عحلت، ولا رأى من أضلّك من غواتك قبلت، فحينئذ يتفرّى (١) لك الليل عن صبحه، ويسفر لك الحقّ عن محضه، فتنظر بعينين لا غشاوة عليهما، وتسمع بأذنين لا وقر (٢) فيهما، وتعلم أنك كنت متمسّكا بحبائل غرور، متماديا فى مقابح أمور، من عقوق لا ينام طالبه، وبغى لا ينجو هاربه، وغدر لا ينتعش صريعه، وكفران لا يودى (٣) قتيله، وتقف على سوء رويتّك، وعظم جريرتك، فى تركك قبول الأمان، إذ هو لك مبذول، وأنت عليه محمول، وإذ السيف عنك مغمود، وباب التوبة إليك مفتوح، وتتلهّف والتلهف غير نافعك، إلا أن تكون أجبت إليه مسرعا، وانقدت إليه منتصحا. وإن مما زاد فى ذنوبك عندى ما ورد به كتابك علىّ بعد نفوذى على الفسطاط من التمويهات والأعاليل (٤)، والعدات بالأباطيل، من مصيرك- بزعمك- إلى إصلاح ما ذكرت أنه فسد علىّ، حتى ملت إلى الاسكندرية فأقمت بها طول هذه المدة، واستظهارا عليك بالحجة، وقطعا لمن عسى أن يتعلّق به معذرة علم بأن الأناة غير صادّة، ولا أنه خالجنى شكّ ولا عارضنى ريب فى أنك إنما أردت النزوح (٥) والاحتيال للهرب والنزوع إلى بعض المواضع التى لعلّ قصدك إياها يوديك (٦)، ولعل مصيرك إليها يكفينيك، ويبلّغ إلىّ أكثر من الإرادة فيك، لأنك إن شاء الله

стр. 1900

لا تقصد موضعا إلا تلوتك، ولا تأتى بلدا إلا قفوتك، ولا تلوذ بعصمة تظن أنها تنجيك إلا استعنت بالله فى جدّ حبلها، وفصم (١) عروتها، فإنّ أحدا لا يؤوى مثلك ولا ينصره إلا لأحد أمرين من دين أو دنيا، فأمّا الدّين فأنت خارج من جملته، لمقامك على العقوق، ومخالفة ربك وإسخاطه، وأما الدنيا فما أراه بقى معك من الحطام الذى سرقته وحملت نفسك على الإيثار به، ما يتهيأ لك مكاثرتنا بمثله، مع ما وهب الله لنا من جزيل النعمة التى نستودعه ﵎ إياها، ونرغب إليه فى إنمائها، إلى ما أنت مقيم عليه من البغى الذى هو صارعك، والعقوق الذى هو طالبك. وأما ما منّيتناه من مصيرك إلينا فى حشودك وجموعك ومن دحل فى طاعتك، لإصلاح عملنا، ومكافحة أعدائنا، بأمر أظهروا فيه الشماتة بنا، فما كان إلا بسببك، فأصلح أيها الصبىّ الأخرق أمر نفسك قبل إصلاحك عملنا، واحزم فى أمرك قيل استعمالك الحزم لنا، فما أحوجنا الله- وله الحمد- إلى نصرتك وموازرتك، ولا اضطررنا إلى التكثّر بك على شقاقك ومعصيتك «وما كنت متّخذ المضلّين عضدا». وليت شعرى على من تهوّل بالجنود، وتمخرق (٢) بذكر الجيوش؟ ومن هؤلاء المسخّرون لك، الباذلون دماءهم وأموالهم وأديانهم دونك، دون رزق ترزقهم إياه، ولا عطاء تدرّه عليهم؟ فقد علمت- إن كان لك تمييز، أو عندك تحصيل- كيف كانت حالك فى الوقعة التى كانت بناحية أطرابلس (٣)، وكيف خذلك أولياؤك والمرتزقة معك حتى هزمت، فكيف تغترّ بمن معك من الجنود الذين لا اسم لهم

стр. 1901

معك، ولا رزق يجرى لهم على يدك؟ فإن كان يدعوهم إلى نصرتك هيبتك والمداراة لك، والخوف من سلطانك، فإنهم ليجذبهم أضعاف ذلك منا، ووجودهم من البذل الكثير والعطاء الجزيل عندنا ما لا يجدونه عندك، وإنهم لأحرى بخذلك، والميل إلينا دونك، ولو كانوا جميعا معك، ومقيمين على نصرتك، لرجونا أن يمكن الله منك ومنهم، ويجعل دائرة السّوء عليك وعليهم، ويجرينا من عادته فى النصر وإعزاز الأمر على ما لم يزل يتفضل علينا بأمثاله، ويتطوّل بأشباهه، فما دعانى إلى الإرجاء لك، والتسهيل من خناقك (١)، والإطالة من عنانك، طول هذه المدة إلا أمران: أغلبهما كان علىّ احتقار أمرك واستصغاره وقلة الاحتفال والاكتراث به، وأنى اقتصرت من عقوبتك على ما أحللته (٢) بنفسك من الإباق إلى أقاصى بلاد المغرب، شريدا عن منزلك وبلدك، فريدا من أهلك وولدك، والآخر أنى علمت أن الوحشة دعتك إلى الانحياز إلى حيث انحزت إليه، فأردت التسكين من نفارك، والطّمأنينة من جأشك (٣)، وعملت على أنك تحنّ إلينا حنين الولد، وتتوق إلى قربنا توقان ذى الرّحم والنسب، فإن فى رفقنا بك ما يعطفك إلينا، وفى تآخينا إياك ما يردّك علينا، ولم يسمع منا سامع فى خلاء ولا ملإ (٤) انتقاصا بك، ولا غضّا منك، ولا قدحا فيك، رقّة عليك، واستتماما لليد عندك، وتأميلا لان تكون الراجع من تلقاء نفسك، والموفّق بذلك لرشدك وحظّك، فأمّا الآن مع اضطرارك إياى إلى ما اضطررتنى إليه من الانزعاج نحوك، وحبسك رسلى النافذين بعهد كثير إلى ما قبلك، واستعمالك المواربة والخداع فيما يجرى عليه تدبيرك، فما أنت بموضع للصيّانة، ولا أهل للإبقاء والمحافظة، بل اللعنة عليك حالّة، والذّمّة منك بريّة، والله طالبك ومؤاخذك بما استعملت من العقوق والقطيعة، والإضاعة

стр. 1902

لرحم الأبوّة، فعليك من ولد عاقّ مشاق (١) لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، ولا قبل الله لك صرفا ولا عدلا (٢)، ولا ترك لك منقلبا ترجع إليه، وحذلك خذلان من لا يؤبه (٣) له، وأثكلك ولا أمهلك، ولا حاطك ولا حفظك، فو الله لأستعملنّ لعنك فى دبر كل صلاة، والدعاء عليك فى آناء الليل والنهار، والغدوّ والآصال، ولأكتبنّ إلى مصر وأجناد الشامات والثغور وقنّسرين والعواصم والجزيرة والحجاز ومكّة والمدينة، كتبا تقرأ على منابرها فيك، باللّعن لك، والبراءة منك، والدّلالة على عقوقك وقطيعنك، يتناقلها آخر عن أوّل، ويأثرها (٤) غابر عن ماض، ونخلّد فى بطون الصحائف، وتحملها الرّكبان، ويتحدّث بها فى الآفاق، وتلحق بك وبأعقابك عارا، ما اطّرد الليل والنهار، واختلف الظلام والأنوار. فحينئذ تعلم أيها المخالف أمر أبيه، القاطع رحمه، العاصى ربّه، أىّ جناية على نفسك جنيت، وأىّ كبيرة اقترفت واجتنيت؟ وتتمنى لو كانت فيك مسكة (٥)، أو فيك فضل إنسانية، أنك لم تكن ولدت، ولا فى الخلق عرفت، إلا أن تراجع من طاعتنا، والإسراع إلى ما قبلنا، خاضعا ذليلا كما يلزمك، فتقيم الاستغفار مقام اللعنة، والرّقّة مقام الغلظة، والسلام على من سمع الموعظة فوعاها، وذكر الله فاتقاه، إن شاء الله تعالى». (صبح الأعشى ٧: ٥) ٢٥٥ - كتاب بمذهب القرامطة قال الطبرى: وفى سنة ٢٧٨ هـ وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد

стр. 1903

الكوفة (١)، وكان فيما حكوا عن هؤلاء القرامطة من مذهبهم أن جاءوا بكتاب فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان، وهو من قرية يقال لها نصرانة: إنه داعية إلى المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدىّ، وهو أحمد بن محمد ابن الحنفيّة، وهو جبريل، وذكر أن المسيح تصوّر له فى جسم إنسان، وقال له: إنك الداعية، وإنك الحجّة، والناقة، وإنك الدّابة، وإنك روح القدس، وإنك يحيى بن زكرياء، وعرّفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها، وأن الأذان فى كل صلاة أن يقول: الله أكبر

стр. 1904

الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحا رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله، وأن يقرأ فى كل ركعة الاستفتاح، وهى من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة إلى بيت المقدس، والحجّ إلى بيت المقدس، ويوم الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شىء، والسّورة الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المتخذ لأوليائه بأوليائه، قل إن الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والأشهر والأيام، وباطنها أوليائى الذين عرّفوا عبادى سبيلى اتّقون يا أولى الألباب، وأنا الذى لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذى أبلو عبادى، وأمتحن خلقى، فمن صبر على بلائى ومحنتى واختبارى ألقيته فى جنتى، وأخلدته فى نعمتى، ومن زال عن أمرى وكذّب رسلى، أخلدته مهانا فى عذابى، وأتممت أجلى، وأظهرت أمرى على ألسنة رسلى، وأنا الذى لم يعل علىّ جبّار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذى أصرّ على أمره، وداوم على جهالته، وقالوا لن نبرح عليه عاكفين، وبه مؤمنين، أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول فى ركوعه: سبحان ربى رب العزة وتعالى عما يصف الظالمون، يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله أعلى الله أعلى، الله أعظم الله أعظم. ومن شرائعه أن الصوم يومان فى السنة، وهما المهرجان والنّوروز، وأن النبيذ حرام، والخمر حلال (١)، ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأن من حاربه وجب قتله، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذت منه الجزية، ولا يؤكل (٢) كلّ ذى ناب، ولا كل ذى مخلب [ويشترك فى المرأة جماعة من الرجال (٣)]. (تاريخ الطبرى ١١: ٣٣٩، وغرر الخصائص الواضحة ص ٢١٣)

стр. 1905

٢٥٦ - من كتاب عن المعتضد إلى خمارويه بن أحمد ابن طولون ولما حملت قطر النّدى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد (١)، كتب معها أبوها يذكّره بخدمة سلفها (٢)، ويذكر ما ترد عليه من أبّهة الخلافة، وجلالة الخليفة، وسأل إيناسها وبسطها، فبلغت من قلب المعتضد لمّا زفّت إليه مبلغا عظيما، وسرّ بها غاية السرور، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب، فأراد أن يكتبه بخطه، فسأله أبو الحسين بن ثوابة أن يؤثره بذلك ففعل وغاب أياما، وأتى بنسخة يقول فى فصل منها: «وأمّا الوديعة فهى بمنزلة شىء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، وحياطة عليها، ورعاية لمودّتك فيها». ثم أقبل على عبيد الله يعجب من حسن ما وقع له من هذا، وقال: تسميتى لها بالوديعة نصف البلاغة، فقال عبيد الله: ما أقبح هذا! تفاءلت لامرأة زفّت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعة مستردّة، وقولك: من يمينك إلى شمالك أقبح، لأنك جعلت أباها اليمين، وأمير المؤمنين الشّمال، ولو قلت على حال: «وأما الهدية فقد حسن موقعها منا، وجلّ خطرها عندنا، وهى- وإن بعدت عنك- بمنزلة ما قرب منك، لتفقّدنا لها، وأنسنا بها، ولسرورها بما وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه لكان أحسن، فنفذ الكتاب». (زهر الآداب ٢: ٢٨٩)

стр. 1906

٢٥٧ - كتاب عن المعتضد بلعن معاوية بن أبى سفيان وروى الطبرى قال: وفى سنة ٢٨٤ هـ عزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس. وذكر أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذى كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية، فأخرج له من الديوان، فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، وكانت نسخة الكتاب الذى أنشىء للمعتضد بالله: «بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله العلىّ العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المنفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته، الخالق بمشيئته وحكمته، الذى يعلم سوابق الصدور وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة فى السموات العلى ولا فى الأرضين السّفلى، قد أحاط بكل شىء علما، وأحصى كلّ شىء عددا، وضرب لكل شىء أمدا، وهو العليم الخبير، والحمد لله الذى برأ خلقه لعبادته، وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه فى طاعة مطيعهم، وماضى أمره فى عصيان عاصيهم، فبيّن لهم ما يأتون وما يتّقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذّرهم مسالك الهلكة، وظاهر عليهم الحجّة، وقدّم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذى ارتضى لهم وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسّكين بعروته أولياءه وأهل طاعته، والعائدين (١) عنه والمخالفين له أعداءه وأهل معصيته: «ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حىّ عن بيّنة وإنّ الله لسميع عليم» والحمد لله الذى اصطفى محمدا رسوله من جميع بريّته، واختاره لرسالته، وابتعثه بالهدى والدّين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذّن له بالنصر والتمكين، وأيّده بالعز والبرهان المتين، فاهتدى به من اهتدى، واستنقذ به من

стр. 1907

استجاب له من العمى، وأضلّ من أدبر وتولّى، حتى أظهر الله أمره، وأعز نصره، وقهر من خالفه، وأنجز له وعده، وختم به رسله، وقبضه مؤدّيا لأمره، مبلّغا لرسالته، ناصحا لأمته، مرضيا مهتديا إلى أكرم مآب المنقلبين، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين، وعباده الفائزين، فصلّى الله عليه أفضل صلاة وأتمّها، وأجلّها وأعظمها، وأزكاها وأطهرها، وعلى آله الطيّبين، والحمد لله الذى جعل أمير المؤمنين وسلفه الراشدين المهتدين، ورثة خاتم النبيين، وسيّد المرسلين، والقائمين بالدين، والمقوّمين لعباده المؤمنين، والمستحفظين ودائع الحكمة ومواريث النبوّة، والمستخلفين فى الأمة، والمنصورين بالعز والمنعة، والتأييد والغلبة، حتى يظهر الله دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامّة، من شبهة قد دخلتهم فى أديانهم، وفساد قد لحقهم فى معتقدهم، وعصبيّة قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت بها ألسنتهم، على غير معرفة ولا رويّة، وقلّدوا فيها قادة الضلالة بلا بيّنة ولا بصيرة، وخالفوا السّنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة، قال الله : «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» خروجا عن الجماعة، ومسارعة إلى الفتنة، وإيثارا للفرقة، وتشتيتا للكلمة، وإظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبتر منه العصمة، وأخرجه من الملّة، وأوجب عليه اللعنة، وتعظيما لمن صغّر الله حقّه، وأوهن أمره، وأضعف ركنه، من بنى أمية الشجرة الملعونة، ومخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة، وأسبغ عليهم به النعمة، من أهل بيت البركة والرحمة، قال الله : «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» * فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى فى ترك إنكاره حرجا عليه فى الدين، وفسادا لمن قلّده الله أمره من المسلمين، وإهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين، وتبصير الجاهلين، وإقامة الحجة على الشاكّين، وبسط اليد على العابدين.

стр. 1908

وأمير المؤمنين يخبركم معاشر المسلمين، أن الله لما ابتعث محمدا بدينه، وأمره أن يصدع بأمره، بدأ بأهله وعشيرته، فدعاهم إلى ربه وأنذرهم وبشّرهم، ونصح لهم وأرشدهم، فكان من استجاب له وصدّق قوله واتّبع أمره نفر يسير من بنى أبيه، من بين مؤمن بما أتى به من ربه، وبين ناصر له وإن لم يتّبع دينه، إعزاز له وإشفاقا عليه، لماضى علم الله فيمن اختار منهم، ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإرث نبيّه، فمؤمنهم مجاهد ببصيرته، وكافرهم مجاهد بنصرته وحميّته، يدفعون من نابذه، ويقهرون من عارّه (١) وعانده، ويتوثّقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون له من سمح بنصرته (٢)، ويتجسّسون له أخبار أعدائه (٣) ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأى العين، حتى بلغ المدى، وحان وقت الاهتداء، فدخلوا فى دين الله وطاعته وتصديق رسوله والإيمان به، بأثبت بصيرة،

стр. 1909

وأحسن هدى ورغبة، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة، وأهل بيت الدين، أذهب عنهم الرّجس (١) وطهّرهم تطهيرا، ومعدن الحكمة، وورثة النبوّة، وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة، وألزم العباد لهم الطاعة. وكان ممن عانده ونابذه وكذّبه وحاربه من عشيرته العدد الأكثر، والسّواد الأعظم، يتلقّونه بالتكذيب والتثريب (٢)، ويقصدونه بالأذيّة والتخويف، ويبارزونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدّون عنه من قصده، وينالون بالتعذيب من اتّبعه، وكان أشدّهم فى ذلك عداوة، وأعظمهم له مخالفة، أوّلهم فى كل حرب ومناصبة، ورأسهم فى كل إجلاب (٣) وفتنة، لا يرفع على الإسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها فى كل مواطن الحرب، من بدر وأحد والخندق والفتح، أبو سفيان بن حرب وأشياعه من بنى أمية الملعونين فى كتاب الله، ثم الملعونين على لسان رسول الله فى عدّة مواطن وعدة مواضع، لسابق علم الله فيهم، وماضى حكمه فى أمرهم وكفرهم ونفاقهم، فلم يزل- لعنه الله- يحارب مجاهدا، ويدافع مكايدا، ويجلب منابذا، حتى قهره السيف، وعلا أمر الله وهم كارهون، فتقوّل (٤) بالإسلام غير منطو عليه، وأسرّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله ﷺ والمسلمون، وقبله وقبل ولده على علم منه بحاله وحالهم، وميّز له المؤلّفة قلوبهم (٥).

стр. 1910

فما لعنهم الله به على لسان نبيه ﷺ ، وأنزل به كتابا قوله «وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً» ولا اختلاف بين أحد أنه ﵎ أراد بها بنى أمية (١)، ومما ورد من ذلك فى السّنّة، ورواه ثقات الأمة، قول رسول الله ﷺ فيه، وقد رآه مقبلا على حمار، ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه يسوق به: لعن الله الراكب والقائد والسائق (٢)».

стр. 1911

ومنه ما روته الرواة عنه من قوله يوم بيعة عثمان: «يا بنى عبد مناف تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جنة ولا نار» وهذا كفر صراح يلحقه به اللعنة من الله، كما لحقت الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ومنه ما يروون من وقوفه على ثنيّة أحد بعد ذهاب بصره (١) وقوله لقائده: ها هنا رمينا (٢) محمدا وقتلنا أصحابه. (ومنه الكلمة التى قالها للعباس قبل الفتح، وقد عرضت عليه الجنود: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما! فقال له العباس: ويحك! إنه ليس بملك، إنها النبوة. ومنه قوله يوم الفتح، وقد رأى بلالا على ظهر الكعبة يؤذّن ويقول: أشهد أن محمدا رسول الله: لقد أسعد الله عتبة (٣) بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد (٤))، ومنه الرؤيا التى رآها النبى ﷺ فوجم (٥) لها. فما رئى ضاحكا بعدها، فأنزل الله: «وما جعلنا الرّؤيا الّتى أريناك إلّا فتنة للنّاس» فذكروا أنه رأى نفرا من بنى أمية ينزون (٦) على منبره. ومنه طرد رسول الله ﷺ الحكم بن أبى العاص لمحاكاته إياه فى مشيته، وألحقه الله- بدعوة رسوله- آفة باقية، حين التفت إليه فرآه يتخلّج يحكيه، فقال له: كن كما أنت، فبقى على ذلك سائر عمره (٧)، هذا إلى ما كان من مروان ابنه

стр. 1912

فى افتتاحه أول فتنة كانت فى الإسلام (١)، واحتقابه (٢) لكل دم حرام سفك فيها، أو أريق بعدها، وما أنزل الله منه على نبيّه فى سورة القدر «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» قالوا: ملك بنى أمية (٣)، ومنه أنّ رسول الله ﷺ دعا بمعاوية ليكتب بين يديه، فدافع بأمره واعتلّ بطعامه، فقال النبى: «لا أشبع الله بطنه (٤)» فبقى لا يشبع، وهو يقول: والله ما أترك الطعام شبعا، ولكن إعياء (٥) ومنه أن رسول الله ﷺ قال: «يطلع من هذا الفجّ (٦) رجل من أمتى

стр. 1913

يحشر على غير ملتى» فطلع معاوية (١)، ومنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم معاوية على منبرى فاقتلوه» ومنه الحديث المرفوع المشهور أنه قال: «إن معاوية فى تابوت من نار فى أسفل درك من جهنم ينادى: يا حنّان يا منّان، فيقال له: «آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ! » ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين فى الإسلام مكانا، وأقدمهم إليه سبقا، وأحسنهم فيه أثرا وذكرا: علىّ بن أبى طالب، ينازعه حقّه بباطله، ويجاهد أنصاوه بضلّاله وغواته، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه من إطفاء نور الله وجحود دينه «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» ويستهوى أهل الغباوة، ويموّه على أهل الجهالة، بمكره وبغيه اللّذين قدّم رسول الله ﷺ الخبر عنهما، فقال لعمّار (٢) ابن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار (٣)» مؤثرا

стр. 1914

للعاجلة، كافرا بالآجلة، خارجا من ربقة الإسلام، مستحلّا للدم الحرام، حتى سفك فى فتنته، وعلى سبيل غوايته وضلالته، ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين الذّابّين عن دين الله، والناصرين لحقه، مجاهدا فى عداوة الله، مجتهدا فى أن يعصى الله فلا يطاع، وتبطل أحكامه فلا تقام، ويخالف دينه فلا يدان (١)، وأن تعلو كلمة الضّلالة، وترتفع دعوة الباطل «وكلمة الله هى العليا» ودينه المنصور، وحكمه النافذ، وأمره الغالب، وكيد من عاداه وحادّه (٢) المغلوب الداحض، حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما تبعها، وتطوّق تلك الدماء وما سفك بعدها، وسنّ سنن الفساد التى عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها، واغترّه الإملاء (٣)، واستدرجه الإمهال، والله له بالمرصاد. ثم مما أوجب الله له به اللعنة، قتله من قتل صبرا (٤) من خيار الصحابة والتابعين، وأهل الفضل والدين، مثل عمرو بن الحمق الخزاعىّ، وحجر بن عدىّ الكندىّ (٥) فيمن قتل من أمثالهم، فى أن تكون لهم العزّة والملك والغلبة، ولله العزة والملك والقدرة، والله يقول «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً» ومما استحق به اللعنة من الله ورسوله ادّعاؤه زياد بن سميّة أخاه، ونسبته إياه إلى أبيه جرأة على الله، والله يقول «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ، هُوَ أَقْسَطُ (٦) عِنْدَ اللَّهِ» ورسول الله صلى الله عليه

стр. 1915

وسلم يقول «ملعون من ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه» ويقول: «الولد للفراش وللعاهر الحجر (١)» فخالف حكم الله وسنّة نبيه ﷺ جهارا، وجعل الولد لغير الفراش، والحجر لغير العاهر (٢)، فأحلّ بهذه الدّعوة من محارم الله ومحارم رسوله فى أم حبيبة (٣) زوجة النبى ﷺ وفى غيرها من سفور وجوه ما قد حرّمه الله، وأثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله، مما لم يدخل على الإسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهه، ومنه إيثاره لخلافة الله على عباده ابنه يزيد السّكّير الخمّير، صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعّد والإخافة والتهدّد والرهبة، وهو يعلم سفهه، ويطّلع على خبثه ورهقه (٤)، ويعاين سكرانه (٥) وفجوره وكفره، فلما تمكن- قاتله الله- فيما مكّنه منه، ووطأه له، وعصى الله ورسوله فيه، طلب بثارات المشركين وطوائلهم (٦) عند المسلمين، فأوقع بأهل المدينة فى وقعة الحرّة (٧) الوقعة التى لم يكن فى الإسلام أشنع منها، ولا أفحش مما ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد (٨) نفسه وغليله، وظن أنه قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النّوى (٩) لأعداء الله، فقال مجاهرا بكفره، ومظهرا لشركه: ليت أشياخى ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل قد قتلنا القرم من ساداتهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل (١٠)

стр. 1916

لأهلّوا واستهلّوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تشلّ (١) لست من خندف إن لم أنتقم ... من بنى أحمد ما كان فعل (٢) لقنت هاشم الملك، فلا ... خبر جاء ولا وحى نزل (٣) هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله، ولا إلى دينه، ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله، ثم من أغلظ ما انتهك، وأعظم ما اجترم، سفكه دم الحسين بن علىّ، وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، مع موقعه من رسول الله ﷺ ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله ﷺ له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراء على الله، وكفرا بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنما يقتل منه ومن أهل بيته قوما من كفّار أهل التّرك والدّيلم، لا يخاف من الله نقمة، ولا يرقب منه سطوة، فبتر (٤) الله عمره، واجتثّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده (٥)، وأعدّ له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته. هذا إلى ما كان من بنى مروان، من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه، واتخاذ مال الله دولا (٦) بينهم، وهدم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيق

стр. 1917

عليه، ورميهم إياه بالنيران، لا يألون (١) له إحراقا وإخرابا، ولما حرّم الله منه استباحة وانتهاكا، ولمن لجأ إليه قتلا وتنكيلا، ولمن أمّنه الله به إخافة وتشريدا، حتى إذا حقّت عليهم كلمة العذاب، واستحقّوا من الله الانتقام، وملئوا الأرض بالجور والعدوان، وعمّوا عباد الله بالظلم والاقتسار (٢)، وحلّت عليهم السّخطة، ونزلت بهم من الله السّطوة، أتاح الله لهم من عترة نبيه وأهل وراثته من استخلصهم منهم لخلافته، مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين، وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين، فسفك الله بهم دماءهم مرتدّين، كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين، وقطع الله دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين، ومكّن الله المستضعفين، وردّ الله الحقّ إلى أهله المستحقين، كما قال جل شأنه: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ». واعلموا أيها الناس أن الله إنما أمر ليطاع، ومثّل ليتمثّل، وحكم ليقبل، وألزم الأخذ بسنّة نبيه ﷺ ليتّبع، وأن كثيرا ممن ضل فالنوى وانتقل من أهل الجهالة والسّفاه، ممن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وقد قال الله : «فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ» وقال: «إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً» وقال: «أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» فانتهوا معاشر الناس عما يسخط الله عليكم، وراجعوا ما يرضيه عنكم، وارضوا من الله بما اختار لكم، والزموا ما أمركم به، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتّبعوا الصراط المستقيم، والحجة البيّنة، والسّبل الواضحة، وأهل بيت الرحمة الذين هداكم الله بهم بديئا (٣)، واستنقذكم بهم من الجور والعدوان أخيرا، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعزّ بدولتهم، وشملكم الصلاح فى أديانكم ومعايشكم فى أيامهم، والعنوا من لعنه الله ورسوله، وفارقوا من لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته، اللهم العن أبا سفيان

стр. 1918

ابن حرب ومعاوية ابنه ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وولده وولد ولده، اللهم العن أئمة الكفر، وقادة الضلالة، وأعداء الدين، ومجاهدى الرسول، ومغيّرى الأحكام، ومبدّلى الكتاب، وسفّاكى الدم الحرام، اللهم إنا نتبرأ إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك كما قلت: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» يأيها الناس، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله، وتأمّلوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها، فإنه إنما يبين عن الناس أعمالهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم، فلا يأخذكم فى الله لومة لائم. ولا يميلنّ بكم عن دين الله استهواء من يستهويكم، وكيد من يكيدكم، وطاعة من تخرجكم طاعته إلى معصية ربكم. أيها الناس، بنا هداكم الله، ونحن المستحفظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله، والقائمون بدين الله، فقفوا عند ما نقفكم عليه، وانفذوا لما نأمركم به، فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأئمة الهدى، على سبيل الإيمان والتقوى، وأمير المؤمنين يستعصم الله لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب إلى الله فى هدايتكم لرشدكم، وفى حفظ دينكم عليكم، حتى تلقوه مستحقّين طاعته، مستحقبين (١) لرحمته، والله حسب أمير المؤمنين فيكم، وعليه توكّله، وبالله على ما قلّده من أموركم استعانته، ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله، والسلام عليكم». وكتب أبو القاسم عبيد الله بن سليمان فى سنة ٢٨٤ (٢). (تاريخ الطبرى ١١: ٣٥٥، وشرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤٤٢)

стр. 1919

٢٥٨ - كتاب أم الشريف إلى ابن أخيها محمد ابن أحمد بن عيسى وفى سنة ٢٨٦ هـ أناخ المعتضد بحنده على «آمد (١)»، وقد تحصّن بها محمد بن أحمد ابن عيسى، فبثّ المعتضد جيوشه حولها وحاصرها، ووجّه شعلة بن شهاب اليشكرىّ إليه، ليأخذ بالحجة عليه، فسار إليه، واتصل الخبر بأم الشريف عمة محمد ابن أحمد، فتحدثت إليه فى أمر ابن أخيها، ثم كتبت معه إليه كتابا لطيفا حسنا، أجزلت فيه الموعظة، وأخلصت فيه النصيحة. وكتبت فى آخره هذه الأبيات: إقبل نصيحة أمّ قلبها وجع ... عليك خوفا وإشفاقا وقل سددا (٢) واستعمل الفكر فى قولى، فإنك إن ... فكّرت ألفيت فى قولى لك الرّشدا ولا تثق برجال فى قلوبهم ... ضغائن تبعث الشّنآن والحسدا (٣) مثل النّعاج خمول فى بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا وداو ذلك والأدواء ممكنة ... وإذ طبيبك قد ألقى إليك يدا أعط الخليفة ما يرضيه منك، ولا ... تمنعه مالا ولا أهلا ولا ولدا واردد أخا يشكر ردّا يكون له ... ردءا من السّوء، لا تشمت به أحدا فأخذ شعلة الكتاب وسار به إلى محمد بن أحمد، فلما نظر فيه رمى به إليه، ثم قال: يا أخا يشكر، ما بآراء النساء تساس الدول، ولا بعقولهن يساس الملك، ارجع إلى صاحبك، فرجع إلى المعتضد وأخبره الخبر وأراه كتاب أم الشريف فأعجبه شعرها وعقلها. (مروج الذهب ٢: ٤٦٨)

стр. 1920

٢٥٩ - كتاب أم الشريف إلى المعتضد فلما عضّته الحرب وجّه إلى المعتضد يطلب الأمان فأجابه إليه، ثم وجه المعتضد شعلة بن شهاب فى طلب أم الشريف، فلما رأته بكت وضربت بيدها على الأخرى وقالت: يا شهاب، كأنى والله كنت أرى ما أرى، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فقال لها: إن أمير المؤمنين قد وجهنى إليك، وما ذاك إلا لحسن رأى منه فيك، فقالت له: فهل لك أن توصل إليه كتابى هذا بما قلت فيه؟ قال: نعم، فكتبت إليه بهذه الأبيات: قل للخليفة والإمام المرتضى ... رأس الخلائق من قريش الأبطح بك أصلح الله البلاد وأهلها ... بعد الفساد وطالما لم تصلح (١) وتزحزحت بك قبّة العزّ التى ... لولاك بعد الله لم تتزحزح وأراك ربّك ما تحبّ، فلا ترى ... ما لا تحبّ، فجد بعفوك واصفح يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها ... هب ظالمىّ ومفسدىّ لمصلح فسار بالكتاب إلى المعتضد فأعجبته الأبيات، وأمر أن يحمل إليها تخوت (٢) من الثياب وجملة من المال، وإلى ابن أخيها محمد بن أحمد مثل ذلك، وشفعها فى كثير من أهلها، ممن عظم جرمه، واستحق العقوبة عليه (مروج الذهب ٢: ٤٦٩) ٢٦٠ - كتاب صاحب الشامة إلى بعض عماله ومن كتاب صاحب الشامة الحسين بن زكرويه القرمطىّ (٣) إلى بعض عماله:

стр. 1921

«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أحمد بن عبد الله المهدىّ المنصور بالله الناصر لدين الله، القائم بأمر الله، الحاكم بحكم الله، الداعى إلى كتاب الله، الذّابّ عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين، خليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين (١)، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتّت المخالفين، والقيّم بسنّة سيد المرسلين، وولد خير الوصيّين، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطّيبين، وسلم كثيرا، إلى جعفر بن حميد الكردىّ: سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّى على جدّى محمد رسول الله ﷺ ، أما بعد: فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك، وأظهروه من الظلم والعيث (٢) والفساد فى الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هناك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائه الظالمين، الذين يسعون فى الأرض فسادا، وأنفذنا «عطيرا» داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص، وأمددناهم بالعساكر، ونحن فى إثرهم،

стр. 1922

وقد أوعزنا إليهم فى المصير إلى ناحيتك، لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو أن يجرينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا فى أمثالهم، فينبغى أن تشدّ قلبك وقلوب من معك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذى لم يزل يعوّدناه فى كل من مرق عن الطاعة، وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما بتجدد فيها، ولا تخف عنا شيئا من أمرها إن شاء الله، سبحانك اللهمّ وتحيّتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين»، وصلى الله على جدّى محمد رسول الله وعلى أهل بيته وسلم كثيرا». (تاريخ الطبرى ١١: ٣٨٤) ٢٦١ - كتاب بعض عماله إليه وهذه نسخة كتاب عامل له إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أحمد الإمام المهدى المنصور بالله (ثم الصّدر كله على مثال صدر كتابه السابق إلى قوله: وعلى أهل بيته الطيبين وسلم كثيرا) ثم بعد ذلك: من عامر بن عيسى العنقائىّ. سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد: أطال الله بقاء أمير المؤمنين وأدام عزّه وتأييده، ونصره وسلامته، وكرامته ونعمته وسعادته، وأسبغ نعمه عليه، وزاد فى إحسانه إليه، وفضله لديه. فقد كان وصل كتاب سيدى أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- يعلمنى فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش المنصورة مع قائد من قوّاده إلى ناحيتنا، لمجاهدة أعداء الله بنى الفصيص، والخائن ابن دحيم، وطلبهم حيث كانوا، والإيقاع بهم وضياعهم، ويأمرنى- أدام الله عزه- عند نظرى فى كتابه، بالهوض فى كلّ من قدرت عليه من أصحابى وعشائرى، للقائهم ومكانفة الجيش ومعاضدتهم، والمسير

стр. 1923

بسيرهم، والعمد إلى كلّ ما يؤمّون إليه ويأمرون به، وفهمته، ولم يصل إلىّ هذا الكتاب- أعزّ الله أمير المؤمنين- حتى وافت الجيوش المنصورة، فنالت طرفا من ناحية ابن دحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن أحمد الداعية، ليلقوه بمدينة «أفامية (١)» ثم ورد علىّ كتاب مسرور بن أحمد فى درج (٢) الكتاب الذى اقتصصت ما فيه فى صدر كتابى هذا، يأمرنى فيه بجمع من تهيّأ من أصحابى وعشيرتى، والنهوض إلى ما قبله، ويحذّرنى التخلف عنه، وكان ورود كتابه علىّ وقت صحّ عندنا نزول المارق سبك عبد مفلح مدينة «عرقة (٣)» فى زهاء ألف رجل، ما بين فارس وراجل، وقد شارف بلدنا، وأطلّ على ناحيتنا، وقد وجّه أحمد ابن الوليد عبد أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- إلى جميع أصحابه، ووجّهت إلى جميع أصحابى، فجمعناهم إلينا، ووجّهنا العيون إلى ناحية «عرقة» لنعرف أخبار هذا الخائن، وأين يريد؟ فيكون قصدنا ذلك الوجه، ونرجو أن يظفر الله به، ويمكن منه، بمنّه وقدرته، ولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق فى هذه الناحية، وإشرافه على بلدنا، لما تأخرت فى جماعة أصحابى عن النهوض إلى مدينة «أفامية» لتكون يدى مع أيدى القوّاد المقيمين بها، لمجاهدة من بتلك الناحية، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وأعلمت سيدى أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- السبب فى تخلّفى عن مسرور بن أحمد، ليكون على علم منه، ثم إن أمرنى- أدام الله عزه- بالنفوذ إلى «أفامية»، كان نفوذى برأيه، وامتثلت ما يأمرنى به إن شاء الله، أتمّ الله على أمير المؤمنين نعمه، وأدام عزه وسلامته، وهنأه كرامته، وألبسه عفوه

стр. 1924

وعافيته والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبى وعلى أهل بيته الطّاهرين الأخيار». (تاريخ الطبرى ١١: ٣٨٤) ٢٦٢ - كتاب محمد بن سليمان الكاتب إلى القاسم بن عبيد الله وفى سنة ٢٩١ هـ وجّه القاسم (١) بن عبيد الله وزير المكتفى بالله (٢) محمد بن سليمان الكاتب- وكان إليه ديوان الجيش- وضمّ جميع القواد إليه لمناهضة ذى الشامة وأصحابه، فالتقوا به قرب «حماة»، وهزم أصحاب القرمطىّ وقتلوا، وأسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون فى البوادى. وكتب محمد بن سليمان إلى الوزير بالفتح: «بسم الله الرحمن الرحيم، قد تقدمت كتبى إلى الوزير- أعزه الله- فى خبر القرمطى اللعين وأشياعه، بما أرجو أن يكون قد وصل إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١١: ٣٨٦) ٢٦٣ - كتاب ابن المعتز إلى القاسم بن عبيد الله وكتب عبد الله بن المعتز إلى القاسم بن عبيد الله يعتذر. «ترفّع- أعزك الله- عن ظلمى إن كنت بريئا، وتفضّل بالعفو عنى إن كنت مسيئا، فو الله إنى لأطلب غفر ذنب لم أجنه، والتمس الإقالة مما لا أعرفه، لتزداد تطوّلا، وأزداد تذلّلا، وأنا أعيذ حالى عندك بكرمك من واش يكيدها،

стр. 1925

وأحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظّى منك بقدر ودّى لك، ومحلّى من رجائك بحيث أستحقّ منك». (زهر الآداب ١: ٢٠٨، والأوراق للصولى ٢: ٢٩٢) ٢٦٤ - كتاب ابن المعتز إلى القاسم وله إليه: «لو كان فى الصّمت موضع يسع حالى، لخفّفت عن سمع الوزير ونظره، ولم أشغل وجها من فكره، وما زالت الشكوى تعرب عن لسان البلوى، ومن اختلّت حالته، كان فى الصمت هلكته، وقد كان الصبر ينصرنى على ستر أمرى حتى خذلنى». (زهر الآداب ١: ٢٠٨) ٢٦٥ - كتابه إلى بعض الرؤساء وله إلى بعض الرساء: «لا تشن حسن الظّفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن مذنب لم يسلك بإقرار طريقا، حتى اتخذ من رجاء عفوك رفيقا». (زهر الآداب ١: ٢٠٧، والأوراق للصولى ٢: ٢٩٣) ٢٦٦ - كتابه إلى عليل وكتب إلى عليل: «أذن الله فى شفائك، وتلقّى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجّه وافد السلامة إليك، وجعل علّتك ماحية لذنوبك، مضاعفة لثوابك». (زهر الآداب ١: ٢٠٧، والأوراق للصولى: ٢٩٠)

стр. 1926

٢٦٧ - كتاب ابن المعتز إلى بعض الوزراء وكتب إلى بعض الوزراء: «ما زال الحاسد لنا عليك أيها الوزير ينصب الحبائل، ويطلب الغوائل، حتى انتهز فرصته، وأبلغك شيئا زخرفه، وكذبا زوّره، وكيف الاحتراس ممن أحضر ويغيب؟ ويقول وأمسك؟ مرتصد لا يغفل، وماكر لا يفتر، وربما استنصح الغاشّ، وصدّق الكاذب، والحظوة لا تدرك بالحيلة، ولا يجرى أكثرها على حسب السبب والوسيلة». ٢٦٨ - رده عليه فأجابه: «حصول الثقة بك- أعزك الله- يغنى عن حضورك، وصدق حالتك يحتجّ عنك، وما تقرّر عندنا من نيتك وطويّتك يغنى عن اعتذارك». (زهر الآداب ٣: ٢٠٤) ٢٦٩ - كتاب قينة إلى ابن المعتز قال أبو العباس بن المعتز: كان لنا مجلس حظّ، أرسلت بسببه خادمة إلى قينة (١)، فأجابت، فلما مرت فى الطريق وجدت فيه حارسا حراميّا (٢)، فرجعت، فأرسلت أعاتبها. فكتبت إلىّ: «لم أتخلف عن المسير إلى سيدى فى عشّيتى أمس، لأرى وجهه المبارك، وأجيب دعاءه، إلّا لعلّة قد عرفتها فلانة، ثم خفت أن يسبق إلى قلبه الطاهر أنى قد تخلفت

стр. 1927

بغير عذر، فأحببت أن تقرأ عذرى بخطى، ووالله ما أقدر على الحركة، ولا شىء أسرّ إلىّ من رؤيتك والجلوس بين يديك، وأنت يا مولاى جاهى وسندى، لافقدت سندى، ورأيك فى بسط العذر موفّقا» وكتبت فى أسفل الكتاب. أليس من الحرمان حظّ سلبته ... وأحوجنى فيه البلاء إلى العذر؟ فصبرا، فما هذا بأوّل حادث ... رمتنى به الأقدار من حيث لا أدرى ٢٧٠ - رده عليها فأجبتها: «كيف أردّ عذر من لا تتسلط التّهمة عليه، ولا تهتدى الموجدة (١) إليه، وكيف أعلّمه قبول المعاذير، ولا آمن بعض جواهره إلىّ يسير إلى انتهاز فرصة فيما عاد إلى الفرطة (٢)، فإن سلمت من ذلك، فمن يجيرنى من تواكله على تقديم العذر، ووقوعه موقع التصديق فى كل وقت، فتتصل أيام الشغل والعلّة، وتنقضى أيام الفراغ والصحة، فتطول مدة الغيبة، وتدرس آثار المودة»، وكتبت آخر الرقعة. إذا غبت لم تعرف مكانى لذة ... ولم يلق نفسى لهوها وسرورها وبدّلت سمعا واهيا غير ممسك ... لقول، وعينا لا يرانى ضميرها (زهر الآداب ٣: ٢٠٣)

стр. 1928

٢٧١ - كتاب ابن المعتز إلى بعض إخوانه يصف سرّ من رأى وكتب عبد الله بن المعتز إلى بعض إخوانه يصف سرّ من رأى، ويذكر خرابها، ويذمّ بغداد وأهلها، ويفضّل سامرّا (١): «كتبت إليك من بلدة قد أنهض (٢) الدهر سكانها، وأقعد جدرانها، فشاهد اليأس فيها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر، فكأنّ عمرانها يطوى، وكأنّ خرابها ينشر، وقد وكّلت إلى الهجر نواحيها، واستحثّ باقيها إلى فانيها، وقد تمزّقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حقّ جوار، فالظاعن (٣) منها ممحوّ الأثر، والمقيم بها على طرف سفر، نهاره إرجاف (٤)، وسروره أحلام، ليس له زاد فيرحل، ولا مرعى فيرتع، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا، بعد ما كانت بالمرأى القريب جنة الأرض، وقرار الملك، تفيض بالجنود أقطارها، عليهم أردية السيوف، وغلائل (٥) الحديد كأن رماحهم قرون الوعول، ودروعهم زبد السّيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنّقع (٦) سرادقها، قد نشرت فى وجوهها غرر (٧) كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللّجين، وقرّطت (٨) عذرا كالشّنوف، فى جيش يتلقّف الأعداء أوائله، ولم تنهض أواخره،

стр. 1929

وقد صبّ عليه وقار الصبر، وهبّت له روائح النّصر، يصرّفه ملك يملأ العيون جمالا والقلوب جلالا، لا تخلف مخيلته (١)، ولا تنقض مريرته، ولا يخطئ بسهم الرأى غرض الصواب، ولا يقطع بمطايا اللهو سفر الشّباب، قابضا بيد السياسة على قطار (٢) ملك لا ينتشر حبله، ولا تتشظّى عصاه، ولا تطفأ جمرته، فى سنّ شباب لم يجن مأثما، وشيب لم يراهق (٣) هرما، قد فرش مهاد عدله، وخفض جناح رحمته، راجما بالعواقب الظنون، لا يطيش، عن قلب فاضل الحزم، بعيد العزم، ساعيا على الحق يعمل به، عارفا بالله يقصد إليه، مقرا للحلم ويبذله، قادرا على العقاب ويعدل فيه، إذ الناس فى دهر غافل، قد اطمأنت بهم سيرة (٤) ليّنة الحواشى، خشنة المرام، تطير بها أجنحة السرور، ويهبّ فيها نسيم الحبور (٥)، فالأطراف على مسرّة والنظرة إلى مبرّة، قبل أن تخبّ (٦) مطايا الغير، وتسفر وجوه الحذر، وما زال الدهر مليئا بالنوائب، طارقا بالعجائب، يؤمن يومه، ويغدر غده. على أنها- وإن جفيت- معشوقة السّكنى، حبيبة المثوى (٧)، كوكبها يقظان، وجوّها عريان (٨)، وحصباؤها جوهر، ونسيمها معطّر، وترابها مسئك أذفر (٩)، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنىء، وشرابها مرىء، وتاجرها مالك، وفقيرها فانك (١٠)، لا كبغدادكم الوسخة السماء، الومدة (١١) الهواء، جوها

стр. 1930

نار، وأرضها خبار (١)، وماؤها حميم، وترابها سرجين، وحيطانها نزور (٢)، وتشرينها تموز، فكم من شمسها من محترق، وفى ظلّها من غرق، ضيّقة الديار، قاسية الجوار، ساطعة الدخان، قليلة الصّيفان، أهلها ذئاب، وكلامهم سباب، وسائلهم محروم، ومالهم مكتوم، لا يجوز إنفاقه، ولا يحلّ خناقه (٣)، حشوشهم مسايل، طرقهم مزابل، وحيطانهم أخصاص، وبيوتهم أقفاص، ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول، والدهر يسير بالمقيم، ويمزج البؤس بالنعيم، وبعد اللّجاجة انتهاء: والهمّ إلى فرجة، ولكل سائلة قرار، وبالله أستعين. وهو المحمود على كل حال. غدت سرّ من را فى العفاء، ... «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (٤)» وأصبح أهلوها شبيها بحالها ... «لما نسجتها من جنوب وشمأل (٥)» إذا ما امرؤ منهم شكا سوء حاله ... «يقولون لا تهلك أسى وتجمّل» (معجم البلدان ٥: ١٨ و ٢: ٢٤١ وزهر الآداب ١: ٢٠٧)
следующие страницы →