«يا أبا رافع، إنّى رافعك إلىّ ومطهّرك من الّذين كفروا (١)».
ورفع إليه أهل السّواد قصة فى إتيان الجراد على غلّاتهم، فوقع فيها:
«نحن أولى بضيافة الجراد، من أهل السواد، فليحطّ عنهم نصف الخراج».
وكتب إليه عبد الله بن طاهر يشكو إليه بعده عن حضرته، ويسأله الإذن له فى الإلمام (٢) بها، فوقع فى كتابه:
«قربك يا أبا العباس إلىّ حبيب، وأنت من قلبى حيث كنت قريب، وإنما بعّدت دارك، نظرا بك، ورغبة إليك، مع قول الشاعر:
«رأيت دنوّ الدار ليس بنافع ... إذا كان ما بين القلوب بعيد»
ولما مات عمرو بن مسعدة رفعت إلى المأمون رقعة أنه خلّف ثمانين ألف ألف درهم، فوقّع فى ظهرها:
«هذا قليل لمن اتصل بنا، وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيما خلّف، وأحسن لهم النظر فيما ترك».
الواثق
وكتب محمد بن حماد يعرّض فى حاجة له ببيتى شعر إلى الواثق يقول:
جذبت دواعى النّفس عن طلب المنى ... وقلت لها كفّى عن الطلب المزرى
فإن أمير المؤمنين بكفّه ... مدار رحى بالرزق دائبة تجرى
فوقع تحتهما: «جذبك نفسك عن امتهانها بالمسألة دعانى إلى صونك بسعة فضلى عليك، فخذ ما طلبت هنيا».
стр. 1962
أبو مسلم الخراسانى
ووقع أبو مسلم الخراسانى فى كتاب سليمان (١) بن كثيّر الخزاعىّ:
«لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ».
وإلى أبى العباس فى يزيد بن عمر بن هبيرة:
«قلّ طريق سهل تلقى فيه الحجارة إلا عاد وعرا، والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة أبدا (٢)».
وإلى محمد بن صول- وكتب إليه بسلامة أطرافه-:
«وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ»
وإلى عامله ببلخ: «لا تؤخر عمل يوم لغد».
وإلى أبى سلمة الخلّال حين أنكر نيته:
«وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ».
عمرو بن عبيد
وكتب أبو جعفر المنصور إلى عمرو (٣) بن عبيد.
«أبا عثمان، أعنّى بأصحابك، فإنهم أهل العدل، وأصحاب الصدق، والمؤثرون له» فوقع فى كتابه: «ارفع علم الحق يتبعك أهله».
стр. 1963
أبو عبيد الله
وكتب إلى أبى عبيد الله كاتب المهدى رجل يعتذر ولا يحسن، فوقّع فى كتابه:
«ما رأيت عذرا أشبه باستئناف ذنب من هذا».
الفيض بن أبى صالح
ووقع الفيض (١) بن أبى صالح فى رقعة معتذر تائب:
«التوبة للمذنب كالدواء للمريض، فإن نصحت (٢) توبته، أتمّ الله شفاءه، وإن تكن الأخرى أدام الله داءه».
يحيى بن خالد البرمكى
ووقع يحيى بن خالد البرمكى فى جواب رقعة لابنه الفضل «ما أهون التدبير بالوصف».
وفى رقعة متظلّم ليعرض التوقيع على من شكاه: «أنصف من وليت أمره، وإلّا أنصفه منك من يلى أمرك (٣)».
وإلى رجل استبطأه واستزاره: «أجنح إليك بغالب الفضل، وأعتذر إليك بصادق النيّة».
стр. 1964
جعفر بن يحيى البرمكى
ووقّع جعفر بن يحيى البرمكى فى قصة محبوس التمس الإطلاق: «لكلّ أجل كتاب» (١).
ووقّع فى مثله: «العدل أوقعه، والتوبة تطلقه».
وفى قصة متنصّح (٢): «بعض الصدق قبيح».
وأكثر الناس شكيّة عامل فوقع إليه فى قصتهم:
«يا هذا، قد كثر شاكوك، وقلّ شاكروك، فإمّا اعتدلت، وإما اعتزلت» (٣).
وفى قصة رجل شكا بعض خدمه:
«خذ بأذنه ورأسه، فهو مالك»
وإلى عامل فارس فى رجل كتب إليه بالوصاة:
«كن له كأبيه ولو كان مكانك»
وإلى عامل مصر فى رجل من بطانته يوصيه:
«إنه رغب إلى شعبك (٤)، فارغب فى اصطناعه»
وفى قصة متظلم من بعض عماله: «إنى ظلمتك دونه».
وفى قصة محبوس: «الجناية حبسته، والتوبة تطلقه».
стр. 1965
وإلى قوم: «عين الخليفة تكلؤكم (١)، ونظره يعمّكم».
وفى رقعة صرورة استأذنه فى الحج: «من سافر إلى الله أنجح» (٢)
وفى قصة رجل شكا عزبة (٣): «الصوم لك وجاء» (٤).
وفى رقعة رجل سأل ولاية: «لا أولّى بعض الظالمين بعضا».
وفى قصة رجل سأل أن يقفل (٥) ابنه، فقد طالت غيبته عنه:
«غيبة يوسف ﷺ كانت أطول».
وفى قصة رجل تظلم من أحد عماله: «إنّ (٦) لمثله حتى ينصفك».
وفى قصة قوم شكوا سوء جوار بعض قرابته: «يرحل عنكم».
وفى قصة مستمنح كان قد وصله مرارا:
«دع الضّرع يدرّ لغيرك كما درّ لك» (٧)
وإلى الفضل بن الربيع، وجاء منه كتاب غمّه وأكربه:
«كثرة ملاحاة (٨) الرجال، ربّما أراقت الدماء»
وإلى منصور بن زياد فى أمر عاتبه فيه: «لم نزرعك لنحصدك».
وإلى بعض عماله: «اجعل وسيلتك إلينا ما يزيدك عندنا».
وكتب إليه رجل يستبطئه، فوقع فى ظهر كتابه:
стр. 1966
«أحتجّ عليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصادق النّيّة» (١).
وإلى بعض ندمائه: لا تبعد من ضمّك».
ووقّع إلى متنصّل من ذنب: «حكم الفلتات خلاف حكم الإصرار».
وكتب إليه أنّ صاحب الطريق قد اشتطّ فيما يطلب من الأموال فوقّع: «هذا رجل منقطع عن السلطان، وبين ذؤبان (٢) العرب، بحيث العدد والعدّة، والقلوب القاسية، والأنوف الحميّة، فليمدد من المال بما يستصلح به من معه، ليدفع به عدوّه، فإن نفقات الحروب يستظهر لها، ولا يستظهر عليها».
ووقّع فى رقعة معتذر من ذنب:
«قد تقدّمت طاعتك، وسبقت (٣) نصيحتك، فإن بدرت منك هفوة فلن تغلب سيئة حسنتين».
ووقّع- وقد قرأ كتابا فاستحسن خطّه-:
«الخطّ خيط الحكمة، ينظم فيه منثورها، ويفصّل فيه شذورها (٤)».
ووقّع: «الخراج عمود الملك، وما استعزر (٥) بمثل العدل، وما استنزر بمثل الجور».
وكتب عمرو بن مسعدة إلى ضمرة الحرورىّ (٦) كتابا، فنظر فيه جعفر بن يحيى فوقع فى ظهره:
стр. 1967
«إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز مقصّرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا».
ويروى أن جعفر بن يحيى قال لكتّابه: «إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم كلها توقيعات فافعلوا (١)».
وقال ابن خلدون فى مقدمته (٢): «وقد كان جعفر بن يحيى يوقّع فى القصص بين يدى الرشيد، ويرمى بالقصة إلى صاحبها، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء فى تحصيلها، للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها، حتى قيل إنها كانت تباع كل قصة منها لدينار».
وقال ابن خلّكان فى وفيات الأعيان (٣): «ويقال إن جعفر بن يحيى وقّع ليلة بحضرة هرون الرشيد زيادة على ألف توقيع، ولم يخرج فى شىء منها عن موجب الفقه».
وقال الجاحظ فى البيان والتبيين (٤): «وخبرنى جعفر بن سعيد رضيع أيوب بن جعفر وحاجبه قال: ذكرت لعمرو بن مسعدة توقيعات جعفر بن يحيى قال:
قد قرأت لأم جعفر توقيعات فى حواشى الكتب وأسافلها، فوجدتها أجود اختصارا، وأجمع للمعانى».
الفضل بن يحيى
ووقّع أخوه الفضل: «بئس الزاد إلى المعاد، التعدّى على العباد».
стр. 1968
الفضل بن سهل
وكتب الفضل بن سهل إلى أخيه الحسن:
«احمد الله يا أخى، فما يبيت خليفة الله إلا على ذكرك».
وإلى طاهر بن الحسين: «تخيّر ما اصطنعت».
وإليه أيضا: «لشرّ ما سموت».
وإلى هرثمة- وأشار عليه برأى- «لا يحلّ ما عقدت».
وفى قصة متظلّم: «كفى بالله للمظلوم ناصرا».
وفى قصة من نقب بيت المال: «يدرأ (١) عنه الحدّ إن كان له فيه سهم».
ووقّع إلى حاجبه: «تمهّل وتسهّل».
وإلى صاحب الشّرطة: «ترفّق توفّق».
وفى قصة متظلّم: «طب نفسا، فإن الله مع المظلوم».
وإلى رجل شكا غلبة الدّين:
«قد أمرنا لك بثلاثين ألفا، وسنشفعها بمثلها، ليرغب المنتصحون» (٢).
وإلى رجل شكا إليه الدّين:
«الدّين سوء يهيض (٣) الأعناق، وقد أمرنا بقضائه».
وفى قصة قوم قطعوا الطريق:
«إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ».
стр. 1969
وفى امرئ قاتل شهد عليه العدول فشفع فيه: «كتاب الله أحقّ أن يتّبع».
وفى قصة رجل شهد عليه أنه شتم أبا بكر وعمر: «يضرب دون الحدّ ويشهر (١) ضربه».
وفى رقعة ساع:
«نحن نرى قبول السّعاية شرا منها، لأن السّعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شىء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعى فإنه لو كان فى سعايته صادقا، لكان فى صدقه آثما، إذ لم يحفظ الحرمة، ويستر العورة، والشىء يقرن مع جنسه».
ووقّع إلى تميم بن خزيمة (٢):
«الأمور بتمامها، والأعمال بخواتمها، والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية يجرى الجواد، فهناك كشفت الخبرة قناع الشكّ، فحمد السابق، وذمّ الساقط».
الحسن بن سهل
ووقع الحسن بن سهل فى قصة متظلّم:
«ينظر فيما رفع، فإن الحق متّبع، وإلّا فشأن السّليم دواء السّقيم».
وفى قصة قوم تظلّموا من واليهم:
«الحقّ أولى بنا، والعدل بغيتنا، وإن صحّ ما ادّعيتم عليه صرفناه وعاقبناه».
وفى قصة امرأة حبس زوجها: «الحقّ يحبسه والإنصاف يطلقه».
стр. 1970
وكتب إلى رجل من الشعراء يقول له:
رأيت فى النوم أنى راكب فرسا ... ولى وصيف وفى كفى دنانير (١)
فقال قوم لهم فهم ومعرفة: ... رأيت خيرا وللأحلام تعبير
رؤياك فسّر غدا عند الأمير تجد ... فى الحلم درّا وفى النوم التباشير
فوقع فى أسفل كتابه: «أَضْغاثُ أَحْلامٍ (٢) وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ، والحق له ما التمسه (٣)».
وكتب إليه رجل يتوسل بسالف إحسانه، فوقّع:
«مرحبا بمن توسّل إلينا بنا» وأمر له بصلة.
طاهر بن الحسين
ووقع طاهر بن الحسين فى رقعة متنصّح: «سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين».
وفى رقعة مستبطئ إياه فى الجواب: «ترك الجواب جواب».
ورفع إليه مستمنح وكذب فى عدد عياله- وكان طاهر يعرفهم- فوقّع:
«لا جواب لكذّاب» ثم عاود وصدق فى عددهم، فوقّع: «الآن جئت بالحقّ» وأمر له بصلة.
ووقّع فى كتاب رجل تظلّم من أصحاب نصر بن شبث (٤):
стр. 1971
«طلبت الحقّ فى دار الباطل».
ووقّع فى قصة قهرمان (١) له شكا سوء معاملة:
«اسمح يسمح لك».
ووقّع فى قصة رجل طلب قبالة (٢) بعض عماله:
«القبالة مفتاح الفساد، ولو كانت صلاحا ما كنت لها موضعا».
وإلى السّندىّ بن شاهك- وجاءه منه كتاب يسأله الأمان-:
«عش ما لم أرك».
وإلى العباس بن موسى الهادى- واستبطأه فى خراج الكوفة-:
وليس أخو الحاجات من بات نائما ... ولكن أخوها من يبيت على وجل
ووقّع فى قصة رجل شكا أنّ بعض قواده نزل فى دار له وفيها حرمه (٣):
«إذا رأيته فى ناحية دارك فقد حلّ لك قتله».
ووقّع فى قصة رجل ذكر أنّ أخاه قتل فى طاعة المأمون:
«سالك طاعة الله: والله ولىّ جزائه».
ووقّع فى قصة رجل ذكر أنه قتل فى يوم واحد عشرة من أصحاب المخلوع «الأمين».
«لو كنت كما وصفت لم يخف علينا ما ذكرت».
ووقع فى قصة رجل ذكر أن منزله أحرق بالنار:
«أخطأك من قصدك».
ودخل على طاهر كاتب العباس بن موسى- وكان ركيكا- فقال: أخيّك
стр. 1972
ابن موسى يقرئك السلام، قال: وما تلى من أمره؟ قال: أنا كاتبه الذى أطعمه الخبز، فوقّع:
«يعزل العباس، بسوء اختياره للكفاء (١)».
وفى قصة محبوس: «يخرج ولا يحوج».
ووقع فى قصة آخر: «يطلق ويعتق».
ووقع فى قصة مستمنح: «يبلّ حاله» (٢).
ووقع فى رقعة مستوصل: «يقام أوده (٣)».
ووقع فى قصة مستجير: «أنا جاره».
ووقع فى قصة مستأمن: «يؤمّن سربه (٤)».
ووقع فى قصة قاتل: «لا يؤخّر قتله».
ووقع فى قصة شاعر: «يعجّل ثوابه».
ووقع فى قصة لصّ: «ينفّذ حكم الله فيه».
ووقع فى قصة ساع: «لا يلتفت إليه».
ووقع فى قصة قوم شغبوا على عاملهم:
«الشّغب للفرقة سبب، فلتمح أسماؤهم، وتحسن آدابهم، وتقطع بالنفى آثارهم».
стр. 1973
عبد الله بن طاهر
وأدّب عبد الله بن طاهر بعض قواده فمات، فرفع إليه أن الناس يقولون: إنه قتله، فوقع: «إنما أدّبنا فوافق الأدب الأجل».
وأهدى نصر بن شبث (١) إليه هدايا كثيرة، فردّها، فزاد فيها وبعثها ليلا مع رقعة فى معناها، فردّها ووقّع فى الرقعة:
«لو قبلت الهدية ليلا لقبلتها نهارا، وما آتانى الله خير ممّا آتاكم، بل أنتم بهديّتكم تفرحون (٢)».
ووقع إلى عمّال له شكاهم الرعية:
«قد قدّمت إليكم الإعذار، واحتججت إليكم بالإنذار، وليت العتاب بالغا ما أردت، ولقد هممت بأن أجعل معاقدتى لكم معاقبة، فانتبهوا من سنتكم (٣)، وانظروا لأنفسكم، وأحسنوا بالأكرة (٤)، فإن الله تعالى جعل أيديهم لنا طعاما، وألسنتهم سلاما، وظلمهم حراما، وما عند الله خير وأبقى أفلا تذكّرون؟ ».
وكتب إليه بعض قواده يسأله حطّ خراجه والزيادة فى أرزاقه، فوقع فى كتابه:
«أفى النوم أبصرت ذا كلّه؟ ... فخيرا رأيت، وخيرا يكون! »
стр. 1974
يوسف بن القاسم
ووقع يوسف (١) بن القاسم- والد أحمد بن يوسف- إلى عامل:
«إن كنت منصفا من نفسك فلم تظلم لغيرك؟ وإن ظلمت لغيرك فكيف تنتصف من نفسك؟ ».
ووقع فى رقعة رجل استماحه:
«قد أمرنا لك بشىء هو دون قدرك على الاجتهاد، وفوق كفايتك مع الاقتصاد (٢)».
ولما ولّى الرشيد على بن عيسى بن ماهان خراسان، سأل الرشيد أشياء ثقلت عليه، فقال ليوسف، عرّفه مقدار ما فعلت به، فإنى أظنّه جهله، فوقّع إليه:
«قد كفيناك بما ولّيناك، وخراسان تسعك ما وسعك عمر».
ووقّع إلى بعض ولده:
«إذا لم يكن معروفك إلّا عند من تعرف، لم يجز معروفك رواق بيتك».
ووقّع: «من جور الدنيا أنها لا تعطى أحدا ما يستحق، إمّا أن تزيده وإما أن تنقصه».
ووقع إلى بعض ولده:
«إياك وصحبة فلان، وإن كان قريب النسب منك، فإنه بعيد الشّبه بك، فقد يفسد على الإنسان بعض جسده فيقطعه وهو أولى به وأقرب».
ووقّع: إنّ إساءة المحسن أن يكفّ عنك إحسانه، وإحسان المسىء أن يكفّ عنك إساءته، وابعد ما بينهما! ».
стр. 1975
ووقّع إلى رجل كذبه فى شىء:
«لو صوّر الصدق لكان أسدا، ولو صوّر الكذب لكان ثعلبا، وما صاحباهما ببعيدين من هاتين الصورتين».
أحمد بن يوسف
ووقع أحمد بن يوسف إلى عامل ظالم:
«الحقّ واضح لمن طلبه، تهديه محجّته، ولا تخاف عثرته، وتؤمن فى السّرّ مغبّته، فلا تنتقلنّ منه، ولا تعدلنّ عنه، فقد بالغت فى مناصحتك، فلا تحوجنى إلى معاودتك، فليس بعد التقدمة إليك، إلا سطوة الإنكار عليك».
*** ووقع فى كتاب رجل يحثه على استتمام صنائعه عنده:
«مستتمّ الصّنيعة من صابرها، فعدّل زيغها، وأقام أودها، صيانة لمعروفه، ونصرة لرأيه، فإنّ أول المعروف مستخفّ، وآخره مستثقل، تكاد أوائله تكون للهوى، وأواخره تكون للرأى، ولذلك قيل: (١) ربّ الصنيعة أشدّ من ابتدائها».
*** ووقّع فى عناية بإنسان إلى بعض العمال:
«أنا بفلان تامّ العناية، وله شديد الرعاية، وكنت أحبّ أن يكون ما أرعيته طرفك من أمره فى كتابى، مستودعا سمعك من خطابى، فلا تعدلنّ بعنايتك إلى غيره، ولا تمنحنّ تفقّدك سواه، حتى تنيله إرادته، وتتجاوز به أمنيّته، إن شاء الله».
***
стр. 1976
ووقع إلى رجل غصب رجلا على ضيعة وكان غائبا فاستغلّها سنين، وقدم الرجل فطالبه فقال: الضيعة لى وفى يدى، فوقع إليه أحمد بن يوسف:
«الحق لا تخلق (١) جدّته، وإن تطاولت بالباطل مدته، فإن أنطقت حجتك بإفصاح، وأزلت مشكلها بإيضاح- غير «لى وفى يدى» فكثيرا ما أراها ذريعة الغاصب، وحجة المغالب- وفّر حقك عليك، وسيق بلا كدّ إليك، وإن ركنت من البيان إليها، ووقفت من الاحتجاج عليها، كانت حجّته بالبينة أعلى، وكان بما يدّعيه أولى، إن شاء الله».
*** ومن توقيعاته:
«ما عند هذا فائدة ولا عائدة (٢)، ولا له عقل أصيل، ولا فعل جميل».
*** ووقع إلى عامل قد أخّر حمل مال:
«قد استبطأك الإغفال، وأبطرك الإهمال، فما تصحب قولك فعلا، ولا تتبع وعدك إنجازا، وقد دافعت بمال نجم (٣) لزمك حمله، حتى وجب عليك مثله، فاحمل مال ثلاثة أنجم، ليكون ما يتعجّل منك أداء ما أخّر عنك إن شاء الله».
*** ووقع إلى رجل استماحه:
«وددت لو ملكت بغيتك، لبلّغتك أمنيّتك، ولكنى فى عمل قصدت فيه
стр. 1977
اتخاذ المحامد، وعدلت عن اقتناء الفوائد، فخسّ (١) نصيبى من الوفر، ووفر حظى من الشكر، وقد أمرت لك بما يجلّ عنه قدرك، غير مختار له، بل مضطرا إليه، فليكن منك عذر فيه، وشكر عليه، إن شاء الله».
عمرو بن مسعدة
وقال عمرو بن مسعدة: كنت أوقّع بين يدى جعفر بن يحيى البرمكى، فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه فى رواتبهم، فرمى بها إلىّ، وقال: أجب عنها، فكتبت:
«قليل دائم خير من كثير منقطع» فضرب بيده على ظهرى وقال: «أىّ وزير فى جلدك (٢)! ».
محمد بن يزداد
ومن توقيعات محمد بن يزداد (٣):
«أبواب الملوك معادن الحاجات (٤)، ومواطن الطّلبات، وليس لاستنجاحها واستنجازها كالصبر والملازمة، والمغاداة والمراوحة».
ومنها: «ما استحالت لى فيك نيّة، ولا تغيّرت عقيدة، فكيف أخلف وعدك، وأحلّ عقدك، وأنقض عهدك، وأنسى رفدك؟ (٥)».
стр. 1978
عبد الله بن محمد بن يزداد
ووقع عبد الله بن محمد بن يزداد إلى بعض أصحابه:
«يا أبا العباس، ليس عليك باس، ما لم يكن منك باس».
ووقع إلى عامل اغترّ (١) بكفايته وزاد:
«يا هذا: أسرفت، وما أنصفت، وأوجفت (٢) حتى أعجفت، وأدللت حتى أمللت، فاستصغر ما فعلت تبلغ ما أمّلت».
إبراهيم بن العباس
وورد كتاب بعض الكتاب إلى إبراهيم بن العباس بمدح رجل وذم آخر، فوقّع فى كتابه:
«إذا كان للمحسن من الجزاء ما يقنعه، وللمسىء من النّكال ما يقمعه (٣)، بذل المحسن الواجب على رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة».
فوثب الناس يقبلون يده.
ووقع لرجل متّ (٤) إليه بحرمة:
«قد متتّ بحرمة مألوفة، ووسيلة معروفة، أقوم بواجبها، وأرعاها من جميع جوانبها».
стр. 1979
محمد بن عبد الله بن طاهر
ووقع محمد بن عبد الله بن طاهر إلى الكتّاب، وقد ضاقت بهم الكواغد (١) فى أيام فتنة المستعين والمعتز.
«دقّقوا الأقلام، وأوجزوا الكلام، فإن القراطيس لا ترام، والسلام».
واعتذر رجل إلى محمد بن عبد الله بن طاهر من شىء بلغه عنه، فرأى خطه قبيحا فوقّع فى رقعته:
«أردنا قبول عذرك، فاقتطعنا عنه ما قابلنا من قبيح خطك، ولو كنت صادقا فى اعتذارك، لساعدتك حركة يدك، أو ما علمت أن حسن الخط يناضل عن صاحبه بوضوح الحجة، ويمكّن له درك البغية؟ ».
عبيد الله بن سليمان بن وهب
ورفع إلى عبيد الله بن وهب عامل من عماله: «إن فى بيت النار كانونا من آثار الأكاسرة، وفيه أكثر من ألفى رطل فضة، وفى فضّته توفير لبيت المال» فوقع:
«حرصك على ثقفية آثار الأوائل، يدلّ على لؤم أصلك، فبعدا وسحقا (٢) لك».
ووقع فى كتاب متنجّز إياه وعدا: «الشرط أملك، والوعد كأخذ باليد، والوفاء من سجايا الكرام».
وفى كتاب مثله: ليس كل من أنسيناه أهملناه، ولا من أخّرناه تركناه، مع اقتطاع
стр. 1980
الشغل إيانا، واقتسامه زماننا (١)».
ووقع فى شأن عامل: «أنا قادر على إخراج هذه النّعرة (٢) من رأسه، والوحرة (٣) من صدره، والنّخوة (٤) من نفسه».
ووقع إلى ابن طولون: «اتق الله فى الأرصاد، فإن الله بالمرصاد».
عبد الله بن المعتز
وكتب إلى عبد الله بن المعتز قهرمانه (٥) ينسب وكيله إلى الخيانة والسّرقة، ويستأمره فى الاستذلال به، فوقّع فى رقعته:
«أغن من ولّيته عن السّرقة، فليس يكفيك من لم تكفه».
وكتب إليه بعض مواليه يذكر جدّه فى خدمته وتوقّعه زيادة نظر له، فوقّع:
«من نصح الخدمة نصحته المجازاة».
على بن عيسى
وكتب إلى على بن عيسى (٦) بعض العمال فى ذكر أموال متخيّرة، وتفاصح فى كتابه:
стр. 1981
«دعنى من تشديقك وتقعيرك، وتفاصح على نظيرك، فخير الكلام ما قلّ ودلّ ولم يملّ».
وكتب إليه ابن الفرات يستشهده على زور فوقع فى رقعته:
«لا تلمنى على نكوصى عن الشهادة لك بالزّور، فإنه لا بقاء لاتّفاق على نفاق، ولا وفاء لذى مين (١) واختلاق (٢)، وأحرى بمن تعدّى الحق فى موافقتك إذا رضى، أن يتخطّى إلى الباطل فى مخالفتك إذا سخط، وبمن كذب لك، أن يكذب عليك».
(العقد الفريد ١: ٨٣، ٢: ١٦٥، ١٨٧ - ١٩١ وزهر الآداب ١: ٢٣٠، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٣٤ و ٢: ٤٣ و ٣: ١٩٩، ٣٥٤ وخاص الخاص للثعالبى ص ٦٨ - ٧٢ ووفيات الأعيان ١: ١٠٥، ٣٩٠ والكامل للمبرد ١: ١٤٣ ونهاية الأرب ٧: ٢٦١ ومقدمة ابن خلدون ص ٢٧٤ وعيون الأخبار م ٣: ص ١٠٠ وتاريخ الطبرى ٩: ٣١٥ وكتاب الاوراق لأبى بكر الصولى ١: ١٥٨، ١٦١، ١٦٢، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١ ومعجم الأدباء ٦: ٩٠ (طبع هندية) وأدب الكتاب ص ٥٣ وغرر الخصائص الواضحة ص ٣٥، ص ٢٩٥ وكتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٢٧ - ١٢٩).
стр. 1982
استدراك
فاتنا أن نورد هذه الرسالة فى موضعها من الجزء الثالث، وها هى ذى:
رسالة الإمام مالك فى السّنن والمواعظ والآداب
كتبها الى أمير المؤمنين هارون الرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكى
стр. 1983
بسم الله الرحمن الرحيم «الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإنى كتبت إليك بكتاب لم آلك فيه رشدا، ولم أدّخرك فيه نصحا، تحميدا لله، وأدبا عن رسول الله ﷺ ، فتدبّره بعقلك، وردّد فيه بصبرك، وأرعه سمعك، ثم اعقله بقلبك، وأحضره فهمك، ولا تغيبنّ عنه ذهنك، فإن فيه الفضل فى الدنيا، وحسن ثواب الله تعالى فى الآخرة.
أذكر نفسك غمرات الموت وكربه، وما هو نازل بك منه، وما أنت موقوف عليه بعد الموت، من العرض على الله سبحانه، ثم الحساب، ثم الخلود بعد الحساب، وأعدّ لله ما يسهّل به عليك أهوال تلك المشاهد وكربها، فإنك لو رأيت أهل سخط الله تعالى، وما صاروا إليه من ألوان العذاب، وشدة نقمته عليهم، وسمعت زفيرهم فى النار وشهيقهم، مع كلوح (١) وجوههم، وطول غمهم وتقلّبهم فى دركاتها على وجوههم، لا يسمعون ولا يبصرون، ويدعون بالويل والثّبور (٢) - وأعظم من ذلك حسرة إعراض الله تعالى عنهم، وانقطاع رجائهم، وإجابته إياهم بعد طول الغم بقوله:
«اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ» - لم يتعاظمك (٣) شىء من الدنيا إن أردت النجاة من ذلك، ولا أمّنك من هوله، ولو قدّمت فى طلب النجاة منه جميع ما ملك أهل الدنيا، كان فى معاينتك ذلك صغيرا، ولو رأيت أهل طاعة الله تعالى، وما صاروا إليه من كرم الله ، ومنزلتهم مع قربهم من الله ، ونضرة وجوههم،
стр. 1984
ونور ألوانهم، وسرورهم بالنعيم المقيم، والنظر إليه، والمكانة منه، لتقلّل فى عينك عظيم ما طلبت به صغير ما عند الله، ولصغر فى عينك جسيم ما طلبت به صغير ذلك من الدنيا، فاحذر على نفسك حذرا غير تغرير، وبادر بنفسك قبل أن تسبق إليها، وما تخاف الحسرة منه عند نزول الموت، وخاصم نفسك على مهل، وأنت تقدر بإذن الله على جرّ المنفعة إليها، وصرف الحجّة عنها، قبل أن يتولى الله حسابها، ثم لا تقدر على صرف المكروه عنها.
واجعل من نفسك لنفسك نصيبا بالليل والنهار، وصلّ من النهار اثنتى عشرة ركعة، واقرأ فيهن ما أحببت، إن شئت فصلّهن جميعا، وإن شئت متفرقات، فإنه بلغنى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «من صلّى من النهار اثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتا فى الجنة»، وصلّ من الليل ثمانى ركعات بجزء من القرآن، وأعط كلّ ركعة حقّها والذى ينبغى فيها من تمام الركوع والسجود، وصلّهن مثنى مثنى، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يصلى من الليل ثمانى ركعات، والوتر ثلاث ركعات، سوى ذلك، يسلّم من كل اثنتين، وصم ثلاثة أيام من كل شهر: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ذلك صيام الدهر».
وأعط زكاة مالك طيبة بها نفسك، حين يحول عليها الحول، ولا تؤخّرها بعد حلّها (١)، وضعها فيمن أمر الله تعالى، ولا تضعها إلا فى أهل ملّتك من المسلمين، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى لم يرض من الصّدقة بحكم نبى ولا غيره حتى حدّها هو على ثمانية أجزاء»، قال : «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ» واحجج حجة الإسلام من أطيب مالك، وأزكاه عندك، فإن الله تعالى
стр. 1985
لا يقبل إلا طيّبا، وبلغنى أن قوله تعالى: «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» غفر (١) له.
مر بطاعة الله، وحبب عليها، وأنه عن معاصى الله تعالى، وأبغض عليها، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فإنما هلك من كان قبلكم بتركهم نهيهم عن المعاصى، ولم ينههم الرّبّانيّون والأحبار (٢)، فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، من قبل أن ينزل بكم الذى نزل بهم، فإن الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، لا يقدّم أجلا، ولا يقطع رزقا».
أحسن إلى من خوّلك (٣) الله تعالى، واشكر تفضيله إياك عليهم، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ «أنه كان يصلّى فانصرف وقال: أطّت (٤) السماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه جبهة ملك ساجد، فمن كان له خول (٥) فليحسن إليه، ومن كره فليستبدل، ولا تعذّبوا خلق الله». ألزم الأدب من وليت أمره وأدبه، ومن يجب عليك النظر فى أمره، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال قال للفضل بن العباس: «لا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم فى الله»،
لا تستسلم إلى الناس، واستجرهم (٦) فى طاعة الله، لا تغمص (٧) الناس، واخفض لهم جناحك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ألا أحدّثكم بوصية نوح ابنه، قال: آمرك باثنين، وأنهاك عن اثنين: آمرك بقول: لا إله إلا الله، فإنها لو كانت فى كفّة، والسموات والأرض فى كفة، وزنتها، ولو وضعتها على
стр. 1986
حلقة قصمتها، وقل: سبحان الله وبحمده، فإنها عبادة الخلق، وبها تقطع (١) أرزاقهم، فإنهما يكثران لمن قالهما الولوج على الله . وأنهاك عن الشّرك والكبر، فإن الله محتجب عنهما، فقال له بعض أصحابه: أمن الكبر أن يكون لى الدابة النّجيبة (٢)؟
قال: لا، قال: أمن الكبر أن يكون لى الثوب الحسن؟ قال: لا، قال: أفمن الكبر أن يكون لى الطعام أجمع عليه الناس؟ قال: لا، إنما الكبر أن تسفه (٣) الحق، وتغمص الخلق».
وإياك والكبر والزّهو، فإن الله لايحبّهما، وبلغنى عن بعض العلماء أنه قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة فى صور الذّرّ (٤)، تطؤهم الناس بتكبّرهم على الله »، لا تأمن على شىء من أمرك من لا يخاف الله، فإنه بلغنى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: «شاور فى أمرك الذين يخافون الله».
احذر بطانة السوء وأهل الردى على نفسك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: ما من نبىّ ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا (٥)، وهو مع التى استولت عليه، ومن وقى بطانة السوء فقد وقى» واستبطن أهل التقوى من الناس. وأكرم ضيفك فإنه يحق عليك إكرامه. وارع حقّ جارك: ببذل المعروف، وكف الأذى عنه، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وتكلم بخير أو اسكت، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليمسك».
واتّق فضول المنطق، فإنه بلغنى عن ابن مسعود أنه قال: «أنذركم فضول المنطق».
стр. 1987
وأكر من وادّك وكافئه بمودته، وإياك والغضب فى غير الله، لا تأمر بخير إلا بدأت بفعله، ولا تنه عن سوء إلا بدأت بتركه، دع من الأمر ما لا يعنيك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إنها أفضل أخلاق الدنيا والآخرة».
اتّق كثرة الضحك، فإنه يدعو إلى السّفه، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أن ضحكه كان تبسّما. لا تمزح فتذمّ نفسك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إنى لأمزح ولا أقول إلا حقّا»، لا تخالف إلى ما نهيت عنه، وإذا نطقت فأوجز، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «وهل يكبّ الناس فى نار جهنم إلا هذا؟ يعنى لسانه»، لا تصاعر (١) خدّك للناس، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إن أهل الجنة كلّ هين لين سهل طلق».
اترك من أعمال السّر ما لا يحسن بك أن تعمله فى العلانية. اتّق كل شىء تخاف فيه تهمة فى دينك ودنياك، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم».
أقلل طلب الحوائج من الناس، فإن فى ذلك غضاضة (٢)، وبلغنى عن النبى ﷺ أنه قال لرجل: «لا تسأل الناس». وليكن مجلسك بيتك أو مسجدك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال «المساجد بيوت المتّقين». لا تكثر الشّخوص من بيتك إلا فى أمر لا بدّ منه، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ستة مجالس المسلم ضامن على الله ما كان فى شىء منهن فى سبيل الله، أو فى بيت الله، أو فى عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو جمعة، أو عند إمام مقسط (٣) يعزّره ويوقّره»
стр. 1988
أحسن خلقك مع أهلك ومن اعتزّ بك، فإن فى ذلك رضا لربك، ومحبة فى أهلك، ومثراة (١) فى مالك، ومنسأة (٢) فى أجلك، فإنه بلغنى عن بعض العلماء من الصحابة أنه قال ذلك أحسن البشر إلى عامّة الناس، واتّق شتمهم وغيبتهم، فإن الله تعالى قال:
«أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» وبلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا تشتم الناس».
اتق أهل الفحش، ومجالسة أهل الرّدى، ومحادثة الضّعفة (٣) من الناس، فإنه بلغنى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: «اعتبر الناس بأخدانهم (٤)، فإنما يخادن الرجل الرجل مثله».
أكرم اليتيم وارحمه واعطف عليه، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من كفل يتيما له أو لغيره كنت أنا وهو فى الجنة كهاتين» وأشار بأصبعيه، فضمّهما.
اعرف لابن السبيل حقّه، واحفظ وصيّة الله تعالى فيه، فإنه بلغنى أن أول من أضاف (٥) الضيف إبراهيم الخليل ﵇.
أعن المظلوم، وانصره ما استطعت، وخذ على يد الظالم، وادفعه عن ظلمه، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقّه، ثبّت الله قدمه يوم تزول الأقدام».
اتق اتباع الهوى فى ترك الحق، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال:
«إنى أخاف عليكم اثنين: اتّباع الهوى وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسى الآخرة».
стр. 1989
أنصف الناس من نفسك، ولا تستطل عليهم، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ انه قال: «أشرف الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، ومواساة الأخ من المال (١)، وإنصاف الناس من نفسك». اغضض بصرك عن محارم الله، فإنه بلغنى عن على كرم الله وجهه أنه قال: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك النظرة الأولى، وليست لك الأخرى».
اتّق المطعم الوبىّ (٢)، والمشرب الوبىّ، والملبس الوبىّ، فإن ذلك تذهب أنفته (٣)، وتبقى عاقبته، وإن الله سبحانه أدّب رسله، فقال: «كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً» وقال النبى ﵊: «من أكل بأخيه المسلم أكلة أطعمه الله مكانها أكلة من نار، ومن سمّع (٤) بأخيه المسلم سمّع الله به يوم القيامة، ومن لبس بأخيه المسلم ثوبا ألبسه الله مكانه ثوبا من نار».
اقبل عذر من اعتذر إليك، ورجع عما كرهت، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يعذره، كان عليه مثل وزر صاحب مكس (٥)».
لتكن يدك العليا على كل من خالطت، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «اليد العليا (٦) خير من اليد السّفلى».
стр. 1990
اصحب الأخيار، فإنهم يعينونك على أمر الله ، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ما تحابّ رجلان فى الله إلا كان أفضلهما أشدّهما حبّا لصاحبه».
صل رحمك وإن قطعك، ولا تكافئه بمثل ما أتى إليك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ «أن رجلا قال له: إن لى أقرباء، أعفو ويظلمونى (١)، وأصل ويقطعونى، وأحسن ويسيئون إلىّ (٢)، أفأكافئهم؟ فقال ﷺ : إذن تتركوا جميعا، ولكن إذا أساءوا فأحسن فإنه لن يزال لك عليهم من الله ظهير (٣)».
ارحم المسكين المضطرّ، والغريب المحتاج، وأعنه على ما استطعت من أمره، فإنه بلغنى عن ابن عباس أنه قال: «كل معروف صدقة».
ارحم السائل واردده من بابك بفضل معروفك، بالبذل منك، أو قول معروف تقوله له، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ردّ عنك مذمّة السائل، [ولو] بمثل رأس الطير من الطعام».
لا تزهد فى المعروف عند من تعرفه، وعند من لا تعرفه، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا تزهد فى المعروف، ولو أن تصبّ من دلوك فى إناء
стр. 1991
المستقى». أرد بكل ما يكون منك من خير إلى أحد الله، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أن قوله : «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، الَّذِينَ. هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» قال: «المنافق». الذى إن صلى راءى، وإن فاتته لم يبلغ إليها، «وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ» قال. الماعون. الزكاة التى فرضها الله .
إياك والرّياء، فإنه بلغنى أنه لا يصعد عمل المرائى إلى الله ، ولا يزكّيه عنده. إن استطعت أن تعمل ما عملت فيما بينك وبين الله فافعل، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال. «نضّر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها حتى يبلّغها غيره، فربّ غائب أحفظ من شاهد، وربّ حامل فقه غير فقيه» لا يغفل قلب امرئ مسلم عن ثلاث خصال: إخلاص العمل لله، والنصيحة للإمام العادل، والنصيحة لعامة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم. إياك وسوء الخلق، فإنه يدعو إلى معاصى الله تعالى، وقد بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «خياركم أحسنكم أخلاقا».
اخضع لله إذا خلوت بعملك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ «أن ملكا أتاه فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن شئت أجعلك ملكا نبيا، أو عبدا نبيا، فأشار إليه جبريل ﵇ أن تواضع، فما أكل متكئا حتى مات».
لا تظلم الناس فيديلهم (١) الله عليك، فإنه بلغنى عن بعض العلماء من الصحابة أنه قال: «ما ظلمت أحدا أشدّ علىّ ظلما من أحد لا يستعين علىّ إلا بالله تعالى.
احذر البغى، فإنه عاجل العقوبة، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال:
«إن أعجل الخير ثوابا صلة الرحم، وإن أعجل الشر عقوبة اليمين الغموس (٢)،
стр. 1992
تترك الديار بلاقع (١)». لا تحلف بغير الله فى شىء، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا تحلفوا بآبائكم، ليحلف حالف بالله أو ليسكت» ولا تحلف بالله فى كل شىء، فإنه بلغنى أن ذلك قوله تعالى: «وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ».
ارحم الناس يرحمك الله، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». أحبب طاعة الله يحبّك الله ويحبّبك إلى خلقه، قال لنبيّه: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» وقال ﵊: «إن الله جعل قرّة عينى فى السجود» وقال بعض العلماء: «ما أسرّ عبد قطّ سريرة خير إلا ألبسه الله رداءها، ولا أسرّ سريرة شرّ قطّ إلا ألبسه الله رداءها».
وليكن عليك السكينة والوقار فى منطقك ومجلسك ومركبك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال، والناس يزحفون حوله: «عليكم بالسكينة».
أعط دابتك إذا ركبتها حظّها من الأرض، وحظّها من المقصد عليها، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إذا ركبتم هذه الدوابّ العجم فأعطوها حظّها من الأرض».
عليك بالحلم والإغضاء عما كرهت، ولا تمنع (٢) ذلك من أحد بلغك عنه أذى ولا تكافئه، فإن فى ذلك الفضل فى الدنيا والآخرة، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إن الله يحب الحليم الحيىّ العفيف المتعفّف». ادفع السيّئة بالتى هى أحسن، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «أيها السّلمىّ: اتق العقوق وقطيعة الرّحم، فإن فى ذلك شينا فى الدنيا، وتباعدا فى الآخرة»، وبلغنى عن النبى
стр. 1993
صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اشتكت الرّحم إلى الله ممن يقطعها، فردّ الله عليها: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك! ».
إذا غضبت من شىء من أمر الله، فاذكر ثواب الله على كظم الغيظ، قال : «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».
وبلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ما امتلأ رجل غيظا، فكظمه لله، إلا ملأه الله رضوانا يوم القيامة».
إذا وعدت موعدا فى طاعة الله فلا تخلفه، وإذا قلت قولا فيه رضا الله فأوف به ودم عليه، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من تكفّل لى بستّ أتكفّل له بالجنة: إذا حدّث لم يكذب، وإذا وعد لم يخلف، وإذا اؤتمن لم يخن، وغضّ يصره، وحفظ فرجه، وكفّ يده».
إذا حلفت على يمين ليست من طاعة الله فلا تهمّنّ بها وكفّرها، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا نذر فى معصية الله» وكفارتها كفارة يمين، والنذر يمين، وإذا حلفت على يمين ثم رأيت غيرها خيرا منها، فأت الذى هو خير وكفّر عن يمينك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال ذلك. إياك والتزيّد فى القول، وأن تقول قولا وأنت تعلم أنه لم يكن، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: الإمام الكذاب، والعائل المزهوّ (١)، والشيخ الزانى».
برّ (٢) والديك وخصّهما منك بالدعاء فى كل صلاة، وأكثر لهما الاستغفار، وابدأ بنفسك قبلهما، فإن إبراهيم ﵇ قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ» فبدأ بنفسه قبل والديه، وبلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من سرّه أن
стр. 1994
ينسأ (١) له فى عمره، ويزاد فى رزقه، فليتق الله ربه، وليصل رحمه». اشكر للناس ما أتوا إليك من خيرهم، وكافئهم إن قدرت عليه، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله».
إذا ركبت داية فوضعت رجلك فى الرّكاب فقل: باسم الله، وإذا استويت راكبا فقل: «سبحان الّذى سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين (٢)». فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يقول ذلك كلما ركب دابة. إذا أكلت وشربت فاذكر اسم الله، فإن نسيت فى أول حالك فاذكره إذا ذكرت، بلغنى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: «تذكّر اسم الله حين تأكل (٣)، فإنه يحول بين الخبيث وبين أن يأكل معك (٤)، ويتقيّأ ما أكل»، فإذا فرغت فقل: الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يقول ذلك إذا أكل وشرب، وإذا أكلت ومعك آخر فكل مما يليك بيمينك، ولا تأكل من فوق الطعام، ولا من بين يدى أحد. فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال لرجل يفعله: «اذكر اسم الله، وكل مما يليك، وكل بيمينك ولا تأكل بشمالك»، وبلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إنها إكلة الشيطان».
لا تسافر ما استطعت إلا فى يوم الخميس، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يستحبّ أن يسافر يوم الخميس، لا يسافر إلا فيه. إذا أصابك كرب فقل:
يا حىّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يقول ذلك عند الكرب.
стр. 1995
احترس ممن يقرب إليك بالنّميمة، ويبلّغ الكلام عن الناس، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ملعون من لعن أباه ملعون من لعن أمّه، ملعون من غيّر تخوم (١) الأرض، ملعون كلّ صقّار، وهو النمّام». لا تجرّ ثيابك، فإن الله لا يحب ذلك. وبلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من جرّ ثيابه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». أطع الله فى معصية الناس، ولا تطع الناس فى معصية الله، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق».
إذا أصابك حزن أو سقم أو ذلة أو لأواء (٢) - يعنى الجوع- فقل: الله ربى لا أشرك به شيئا، ثلاث مرات، بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يأمر بذلك من أصابه شىء من ذلك. اصبر على ما أصابك من فجائع الدنيا وأحزانها، لقول الله تعالى: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
لا تمارينّ أحدا وإن كنت محقّا، بلغنى أن قول الله : «فَلا رَفَثَ (٣) وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ» أنه المراء (٤). إذا هممت بأمر من أمور الدنيا ففكّر فى عاقبته، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إذا هممت بأمر من أمور الدنيا ففكّر فى عاقبته، فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيّا فانته عنه».
إياك والتجريد (٥) خاليا، فإنه ينبغى لك أن تستحيى من الله إذا خلوت، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا أحبّ أن بلى لى شيئا من لا يستحيى
стр. 1996
من الله فى الخلاء». وإياك أن تدخل الحمّام والماء إلا بإزار، ولا يدخل معك أحد الحمّام إلا بإزار، ولن تقدر على ذلك، فإن لم تقدر فغضّ طرفك عن كل أحد كان مكشوفا، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا يحلّ لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخل الحمام إلا بإزار». أفش السلام، وإن استطعت ألّا يسبقك أحد إليه فافعل، تعط بذلك فضلا عن الناس، وبلغنى عن ابن مسعود أنه قال: «السلام اسم من أسماء الله وضعه فيكم فأفشوه فيكم، فإن الرجل إذا سلّم كتب له عشر حسنات».
أدّب ولدك ومن وليت أمره على خلقك وأدبك، حتى يتأدبوا على ما أنت عليه، فيكونوا لك عونا على طاعة الله، بلغنى عن ابن مسعود أنه قال: «كل مؤدّب يحبّ أن يؤخذ بأدبه، وإنّ أدب الله هو القرآن». وإذا استشارك أحد فإن شئت تكلمت، وإن شئت سكتّ، واجتهد رأيك، فإنه بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «المستشار بالخيار، إن شاء تكلم، وإن شاء سكت». لا تفش على أحد سرا أفشاه إليك، فإنما هى أمانة استودعكها وائتمنك عليها، إلا أن يكون إفشاؤه خيرا له فى دنياه وآخرته، فأفشها عليه وانصحه فيها، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «من حقّ المسلم على المسلم إذا استنصحه أن ينصحه».
إذا تعلّمت علما من طاعة الله فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلّم للذى تعمله، وتعلّم له السكينة والحلم والوقار، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «العلماء ورثة الأنبياء». ردّ جواب الكتاب إلى كلّ أحد كتب إليك، فإنما هو كردّ السلام، قال الله : «وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها» وقال ابن عباس رضى الله عنهما: «أرى رجع الكتاب علىّ حقا، كما أرى رجع السلام». الزم الحياء فإنه خلق الإسلام، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال:
«لكل شىء خلق، وخلق الإسلام الحياء». إذا سافرت فقل: اللهم إنى أعوذ بك
стр. 1997
من وعثاء (١) السفر، وكآبة المنقلب، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر فى الأهل والمال، والحور بعد الكور (٢)، بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يقول ذلك إذا سافر.
إياك وظلم الضعيف ومن لا يستعين عليك إلا بالله، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم فإنها تصعد فوق الغمام، فيقول الله لها: وعزّتى وجلالى لأنصرنّك ولو بعد حين». إذا ودّعت مسافرا فقل: زوّدك الله التقوى، وغفر لك ذنبك، ويسّر لك الخير حيثما كنت، أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يأمر بها أصحابه.
إذا حضرت أمرا ليس لله بطاعة، ولا تقدر على أن تدفعه، فقم عنه ولا تقعد، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لا يمنعنّ أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا شهده أو علمه». الزم السّواك فإنه سنّة، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «السّواك من سنن المرسلين». أفش الصّدقة فإنها تدفع ميتة السوء، وليكن ذلك من أطيب مالك، فإن الله تعالى لا يقبل إلا الطيّب، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إن أحدكم ليتصدّق بالتمرة إذا كانت من طيّب- ولا يقبل الله إلا الطيّب- فيجعلها فى كفّه، فيربّيها له كما يربى أحدكم فلوه (٣) أو فصيله، حتى تكون فى يده مثل الجبل».
إذا نزلت بك كربة من كرب الدنيا فليكن مفزعك فيها إلى الله حين تنزل بك. بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «لن ينزل بعبد قطّ أمر
стр. 1998
كان مفزعه فيه إلى الله إلا فرّج الله عنه». لا تضطجع على بطنك إذا نمت، ولا فى غير نومك، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إنها لضجعة يبغضها الله». أوف بالعهد إذا أعطيته من نفسك لكل أحد، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «أحقّ ما وفّى به عهد الله».
إذا حضرت السلطان فاشفع بخير، وإياك والكلام عنده إلا بما يرضى الله، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب له بها سخطه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب له بها رضوانه إلى يوم القيامة». أسرّ ما أردت به الله ما استطعت، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «صدقة السّر تطفئ غضب الرب». اتق كثرة التزكية لنفسك، أو ترضى بها من أحد يقولها لك فى وجهك. بلغنى أن رجلا امتدح رجلا عند النبى ﷺ فقال: «ويحك قطعت عنقه! ولو سمعها ما أفلح أبدا». إياك ومدح الناس والثناء عليهم فى وجوههم، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال:
«احثوا (١) التراب فى وجوه المدّاحين». طهّر ثيابك ونقّها من معاصى الله تعالى، فإنه بلغنى أن قوله «وثيابك فطهّر» يأمره ألّا يلبسها على عذرة (٢). واكره لكل أحد ما تكره لنفسك، بلغنى عن النبى ﷺ أنه بايع جريرا البجلىّ على الإسلام والنصيحة لكل مسلم.
إياك والحسد والشّره، بلغنى أنهما خلقان مرديان لصاحبهما فى الدنيا والآخرة، وقال ﷺ : «لا حسد إلا فى اثنتين: رجل آتاه الله مالا وسلّطه على إنفاقه فى الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضى بها ويعلّمها». اقتد فى أمورك برأى
стр. 1999
ذوى الإنصاف من أهل التقوى، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال «خياركم شبانكم المتشبّهون بشيوخكم، وشراركم شيوخكم المتشبّهون بشبانكم». لا تحتكر (١) أحدا، ولا تجالس مأبونا (٢)، فإن الوحدة خير من جليس السوء.
عليك بمعالى الأخلاق وكريمها، واتق رذائلها وما سفسف منها، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «إن الله يحب معالى الأخلاق، ويكره سفسافها (٣)».
إذا رأيت من فضلت عليه فى دينك ودنياك فأكثر حمد الله عليه، فإن ذلك من الشكر، بلغنى أن النبى ﷺ قال: «ما أنعم الله على عبد بنعمة فقال الحمد لله، إلا كان ذلك أعظم من تلك النعمة وإن عظمت».
لا تركب الميثرة (٤) الحمراء، ولا تلبس المعصفر، فإنه بلغنى عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن ذلك. إذا غضبت وأنت قائم فاقعد، وإن كنت قاعدا فاضطجع، بلغنى ذلك عن النبى ﷺ . لا تتطيرنّ من شىء تراه أو تسمعه، وإذا كان من ذلك شىء فقل: اللهم لا يأتى بالخير إلا أنت، ولا يدفع السوء إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، بلغنى أنّ النبى ﷺ كان يأمر بذلك لمن رأى من ذلك شيئا. لا تتوضأ بشىء مما تأكل من الطعام، ولا تدلك به فى الحمام، فإن ذلك من الجفاء، لا تتخلّقنّ بالخلوق (٥) إلا أن يكون فى إثر النّورة (٦) ليذهب ريحها، بلغنى عن النبى ﷺ أنه قال: «بينما رجل فى بردتين له متخلّق
стр. 2000
يتبختر فيهما إذ ساخت به الأرض فهو يتجلجل (١) فيها إلى يوم القيامة.
لا تغبّرنّ (٢) أظفارك بالحنّاء ولا يديك إذا دخلت الحمام، فإنه ليس من سيمى أهل الفضل، ولا تحلف بالطلاق ولا بالعتاق، فإنها من أيمان الفسّاق. بلغنى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه قال: «أربع جائزة إذا تكلّم بهن: الطلاق والعتاق والنكاح والنذر، وأربعة يمسون والله عليهم ساخط، ويصبحون والله عليهم غضبان:
المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، ومن أتى بهيمة، أو عمل عمل قوم لوط». لا نتطيبنّ بشىء من الطيب يظهر لونه، فإن النبى ﷺ قال: «طيب الرجل ما بطن لونه وظهر ريحه، وطيب النساء ما ما ظهر لونه وبطن ريحه».
الزم الرأى الحسن، والهدى (٣) الحسن، والاقتصاد. بلغنى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: «الرأى الحسن جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة».
إن استطعت ألّا تدع العمامة والبرد فى العيدين والجمعة فافعل. بلغنى عن النبى ﷺ أنه كان يلبس العمامة والبرد فى العيدين والجمعة، وقال: «إن الله تعالى أعزّ الإسلام بالعمائم والألوية». إذا طلاك أحد بالنّورة فبلغ المراقّ (٤) فلا يل ذلك منك إلا نفسك ومن يحسن ذلك من نسائك، فإنه بلغنى عن بعض العلماء أنه كان يلى ذلك من نفسه.
لا بأس أن تغتسل بماء الحمّام وأنت جنب وتصلّى، بلغنى عن ابن عباس أنه سئل عن الجنب يغتسل فى الحمام، فقال: إن الماء لا يجنب (٥)، وإذا تنخّمت