لأنفسهم، وأموالهم، وملّتهم: ألّا يضارّوا، ولا ينتقصوا، وعلى أهل أرمينية والأبواب: الطّرّاء منهم والتّنّاء (١)، ومن حولهم فدخل معهم أن ينفروا لكل غارة، وينفذوا لكل أمر ناب أو لم ينب رآه الوالى صلاحا، على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلى ذلك: إلى (٢) الحشر، والحشر عوض من جزائهم، ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء والدّلالة، والنّزل يوما كاملا، فإن حشروا وضع ذلك عنهم، وإن تركوا أخذوا به».
شهد عبد الرحمن بن ربيعة، وسلمان بن ربيعة، وبكير بن عبد الله، وكتب مرضىّ بن مقرّن وشهد.
ووجّه سراقة بعد ذلك، بكير بن عبد الله، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسيد، وسلمان بن ربيعة إلى أهل الجبال المحيطة بأرمينية، فوجّه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللّان، وسلمان إلى الوجه الآخر.
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٥٧)
٢٦٤ - عهد بكير بن عبد الله لأهل موقان
ومضى أولئك القواد، فلم يفتح أحد منهم ما وجه له إلا بكير، فإنه فضّ موقان، ثم تراجعوا على الجزية، فكتب لهم كتابا، نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى بكير بن عبد الله أهل موقان من جبال القبج: الأمان على أموالهم وأنفسهم وملتهم وشرائعهم على الجزاء دينار عن كل حالم أو قيمته، والنّصح ودلالة المسلم، ونزله يومه وليلته، فلهم الأمان ما أقرّوا ونصحوا، وعلينا الوفاء، والله المستعان، فإن تركوا ذلك واستبان منهم غش فلا أمان لهم إلا أن يسلّموا الغششة برمّتهم، وإلّا فهم متمالئون (٣)».
стр. 247
شهد الشّمّاخ بن ضرار، والرّسارس بن جنادب، وحملة بن جوية، وكتب سنة إحدى وعشرين.
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٥٧)
٢٦٥ - كتاب عمر إلى الأحنف بن قيس
وسار الأحنف بن قيس إلى خراسان لملاقاة يزدجرد- وقد نزل بمر ويثير أهل فارس على المسلمين- فلاقى جموعه، وانهزم يزدجرد حتى عبر النهر، وكتب الأحنف إلى عمر بفتح خراسان، فكتب إليه عمر:
«أما بعد: فلا تجوزنّ النهر، واقتصر على ما دونه. وقد عرفتم بأى شئ دخلتم خراسان، فداوموا على الذى دخلتم به خراسان يدم لكم النصر، وإياكم أن تعبروا فتنفضّوا».
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٦٤)
٢٦٦ - كتاب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله
وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله رضى الله عنهما:
«أمّا بعد: فإنه من اتقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن أقرضه (١) جزاه، فاجعل التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لانيّة له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له».
(زهر الآداب ١: ٤١ ومجمع الأمثال ٢: ٢٧٧)
стр. 248
٢٦٧ - كتاب عمر إلى شريح
وعن شريح (١) بن الحارث أن عمر رضى الله عنه كتب إليه:
«لا تشار (٢)، ولا تمار، ولا تبع، ولا تبتع فى مجلس القضاء، ولا تقض بين اثنين وأنت غضبان».
(البيان والتبيين ٢: ٧٥)
٢٦٨ - كتاب عمر إلى النعمان بن عدىّ
واستعمل عمر النّعمان بن عدىّ بن نضلة على ميسان (٣)، فبلغه عنه الشعر الذى قاله، وهو:
ومن مبلغ الحسناء أنّ خليلها ... بميسان يسقى من زجاج وحنتم (٤)
إذا شئت غنّتنى دهاقين قرية ... وصنّاجة يحدو على كل منسم (٥)
فإن كنت ندمانى قبالأ كبر اسقنى ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلّم (٦)
لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدّم (٧)
فكتب إليه:
стр. 249
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ (١) لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ»، أما بعد: فقد بلغنى قولك: «لعل أمير المؤمنين يسوءه ..... البيت، وايم الله إنه ليسوءنى، فاقدم فقد عزلتك» فلما قدم عليه، قال: يا أمير المؤمنين، والله ما شربتها قط، وإنما هو شعر طفح على لسانى، وإنى لشاعر، فقال عمر: أظنّ ذاك، ولكن لا تعمل لى على عمل أبدا.
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٩٨)
٢٦٩ - كتاب نصر بن حجاج إلى عمر
وروى أنه بينا كان عمر بن الخطاب يعسّ (٢) ذات ليلة فى سكك المدينة إذ سمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجّاج؟
فقال عمر: أمّا ما عشت فلا، لا أرى معى فى المدينة رجلا تهتف به العواتق (٣) فى خدورهن، علىّ بنصر بن حجاج، فلما أصبح أتى به، فإذا هو من أحسن الناس وجها وعينا وشعرا، فقال له: فتنت نساء المدينة يا بن حجاج، والله لا تساكننى ببلدة أنا فيها، فقال: يا أمير المؤمنين ما ذنبى؟ قال: هو ما أقول لك، وسيّره إلى البصرة.
وأبرد عمر بريدا إلى عتبة بن أبى سفيان بالبصرة فأقام بها أياما، ثم نادى منادى عتبة: من أراد أن يكتب إلى أهله بالمدينة أو إلى أمير المؤمنين شيئا فليكتب، فإن بريد المسلمين خارج، فكتب الناس، ودسّ نصر بن حجاج كتابا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصر بن حجاج، سلام عليك، أما بعد يا أمير المؤمنين:
стр. 250
لعمرى لئن سيّرتنى أو حرمتنى ... لما نلت من عرضى عليك حرام
أأن غنّت الذّلفاء يوما بمنية ... وبعض أمانىّ النساء غرام (١)
ظننت بى الظنّ الذى ليس بعده ... بقاء، وما لى جرمه فألام (٢)
فأصبحت منفيّا على غير ريبة ... وقد كان لى بالمكّتين مقام (٣)
سيمنعنى مما تظنّ تكرّمى ... وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها مما تمنّت صلاتها ... وحال لها فى دينها وصيام
فهاتان حالانا، فهل أنت راجعى؟ ... فقد جبّ منى كاهل وسنام (٤)
فقال عمر: أما ولى ولاية فلا، وأقطعه أرضا بالبصرة ودارا، فلما قتل عمر ركب راحلته، ولحق بالمدينة.
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٩٩. وثمرات الأوراق ص ٢٤٦)
٢٧٠ - كتاب عمر لأنس بن مالك
عن أنس بن مالك قال: بعثنى عمر بن الخطاب رضى الله عنه على العشور، وكتب لى عهدا: «أن آخذ من المسلمين مما اختلفوا فيه لتجاراتهم ربع العشر، ومن أهل الذّمّة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر».
(كتاب الخراج ص ١٦١)
٢٧١ - كتاب أبى موسى الأشعرى إلى عمر
وكتب أبو موسى الأشعرى إلى عمر بن الخطاب:
«إن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر».
стр. 251
٢٧٢ - رد عمر عليه
فكتب إليه عمر:
«خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة نصف العشر، ومن المسلمين من كل أربعين درهما درهما، وليس فيما دون المائتين شئ، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، وما زاد فبحسابه».
(كتاب الخراج ص ١٦١)
٢٧٣ - كتاب عمر إلى عماله
وكتب عمر إلى عماله يوصيهم، فقال فى جملة الكتاب:
«ارتدوا وأتزرا وانتعلوا، وألقوا الخفاف والسّراويلات (١)، وألقوا الرّكب (٢)، وانزوا نزوا على الخيل، واخشوشنوا وعليكم بالمعدّيّة- أو قال وتمعددوا (٣) - وارموا الأغراض، وعلّموا فتيانكم العوم والرّماية، وذروا التنعّم وزىّ العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عنه وقال:
لا تلبسوا من الحرير (٤) إلا ما كان هكذا وأشار بإصبعيه».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ١١٩)
стр. 252
٢٧٤ - كتاب أمير الطائف إلى عمر
وكتب بعض أمراء الطائف إلى عمر:
«إن أصحاب النخل لا يؤدّون إلينا ما كانوا يؤدّون إلى النبى ﷺ ، ويسألون مع ذلك أن نحمى أوديتهم، فاكتب إلىّ برأيك فى ذلك».
٢٧٥ - رد عمر عليه
فكتب إليه عمر:
«إن أدّوا إليك ما كانوا يؤدّون إلى النبى ﷺ ، فاحم لهم أوديتهم، وإن لم يؤدّوا إليك ما كانوا يؤدون إليه فلا تحم لهم».
(كتاب الخراج ص ٦٦)
٢٧٦ - كتاب عمر إلى يعلى بن أمية
عن يعلى بن أميّة قال: لما بعثنى عمر بن الخطاب رضى الله عنه على خراج أرض نجران- بعنى نجران التى قرب اليمن- كتب إلىّ أن:
«انظر كل أرض جلا أهلها عنها، فما كان من أرض بيضاء تسقى سيحا (١)، أو تسقيها السماء، فما كان فيها من نخيل أو شجر، فادفعه إليهم يقومون عليه ويسقونه، فما أخرج الله من شئ فلعمر وللمسلمين منه الثلثان، ولهم الثلث، وما كان منها يسقى، بغرب (٢)، فلهم الثلثان، ولعمر وللمسلمين الثلث.
وادفع إليهم ما كان من أرض بيضاء يزرعونها، فما كان منها يسقى سيحا أو تسقيه السماء، فلهم الثلث، ولعمر وللمسلمين الثلثان، وما كان من أرض بيضاء تسقى بغرب، فلهم الثلثان، ولعمر وللمسلمين الثلث».
(كتاب الخراج ص ٨٩)
стр. 253
٢٧٧ - كتاب غلام لعبد الله بن عمر إليه
وكتب غلام لعبد الله بن عمر إلى عبد الله بن عمر:
«أما بعد: فقد أعطيت بفضل (١) مائى ثلاثين ألفا بعد ما أرويت زرعى ونخلى وأصلى، فإن رأيت أن أبيعه وأشترى به رقيقا أستعين بهم فى عملك فعلت».
٢٧٨ - رد عبد الله بن عمر على غلامه
فكتب إليه:
«قد جاءنى كتابك، وفهمت ما كتبت به إلىّ، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من منع فضل ماء ليمنع به فضل كلأ منعه الله فضله يوم القيامة» فإذا جاءك كتابى فاسق نخلك وزرعك وأصلك، وما فضل فاسق جيرانك الأقرب فالأقرب، والسلام.
(كتاب الخراج ص ١١٤)
٢٧٩ - كتاب عمر إلى الحصين بن الحر
وكتب الحصين بن الحرّ كتابا إلى عمر، فلحن فى حرف منه، فكتب إليه عمر:
«أن قنّع (٢) كاتبك سوطا».
(البيان والتبيين ٢: ١١٢)
٢٨٠ - كتاب عمر إلى المغيرة بن شعبة
وكتب عمر إلى المغيرة بن شعبة:
«إن النساء يعطين على الرّغبة والرّهبة، وأيّما امرأة نحلت (٣) زوجها فأرادت أن تعتصر (٤) فهو لها».
(لسان العرب ٦: ٢٥٦)
стр. 254
٢٨١ - كتاب المغيرة بن شعبة إلى عمر
وكان عمر رضى الله عنه لا يترك أحدا من العجم يدخل المدينة، فكتب إليه المغيرة بن شعبة:
«إن عندى غلاما نقاشا نجّارا حدادا فيه منافع لأهل المدينة، فإن رأيت أن تأذن لى فى الإرسال به فعلت».
فأذن له، وكان يدعى أبا لؤلؤة، وكان مجوسيّا من أهل نهاوند، وهو الذى قتل عمر (١).
(مروج الذهب ١: ٤٢٦)
стр. 255
[فى الزمان] خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه
سنة ٢٤ - ٣٥
٢٨٢ - كتابه إلى عماله
كان أول كتاب كتبه عثمان بن عفّان رضى الله عنه إلى عماله:
«أما بعد: فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدّم (١) إليهم أن يكونوا جباة، وإنّ صدر هذه الأمة خلقوا رعاة لم يخلقوا جباة، وليوشكنّ أئمتكم أن يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإن أعدل السّيرة أن تنظروا فى أمور المسلمين، وفيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنّوا بالذّمّة فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالذى عليهم، ثم العدوّ الذى تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء».
(تاريخ الطبرى ٥: ٤٤)
٢٨٣ - كتابه إلى أمراء الأجناد
وكان أول كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد فى الفروج (٢):
«أما بعد: فإنكم حماة المسلمين وذادتهم (٣)، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملا (٤) منا، ولا يبلغنى عن أحد منكم تغيير، ولا تبديل، فيغيّر الله
стр. 256
ما بكم، ويستبدل بكم غير كم، فانظروا كيف تكونون، فإنى أنظر فيما ألزمنى الله النظر فيه، والقيام عليه».
(تاريخ الطبرى ٥: ٤٤)
٢٨٤ - كتابه إلى عمال الخراج
وكان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج:
«أما بعد: فإن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق، والأمانة الامانة قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد فإن الله خصم لمن ظلمهم».
(تاريخ الطبرى ٥: ٤٤)
٢٨٥ - كتابه إلى العامة
وكان كتابه إلى العامة:
«أما بعد: فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتّباع، فلا تلفتنّكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السّبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن، فإن رسول الله ﷺ قال: «الكفر فى العجمة» فإذا استعجم عليهم أمر تكلّفوا وابتدعوا».
(تاريخ الطبرى ٥: ٤٥)
٢٨٦ - كتابه إلى عماله
وكتب إلى عمّاله:
«أما بعد: استعينوا على الناس وكلّ ما ينوبكم بالصّبر والصلاة، وأمر الله أقيموه، ولا تدهنوا (١) فيه، وإياكم والعجلة فيما سوى ذلك، وارضوا من الشرّ بأيسره،
стр. 257
فإن قليل الشرّ كثير، واعلموا أن الذى ألّف بين القلوب هو الذى يفرّقها، ويباعد بعضها من بعض، سيروا وسيرة قوم يريدون الله لئلا تكون لهم على الله حجّة».
٢٨٧ - كتابه إلى عماله
وكتب إليهم أيضا:
«إن الله ألّف بين قلوب المسلمين على طاعته، وقال سبحانه: «لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ» وهو مفرّقها على معصيته، ولا تعجلوا على أحد بحدّ قبل استيجابه، فإن الله تعالى قال: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ» من كفر داويناه بدوائه، ومن تولّى عن الجماعة أنصفناه وأعطيناه حتى نقطع حجته وعذره، إن شاء الله».
(أشهر مشاهير الإسلام ج: ٤ ص ٧٥٥)
٢٨٨ - كتاب عثمان إلى الوليد بن عقبة
وولّى عثمان الوليد بن عقبة الكوفة، ومنع أهل أذربيجان وأرمينية ما كانوا صالحوا المسلمين عليه أيام عمر، فغزاهم الوليد ووطئهم بجيشه، فانقادوا له، وطلبوا إليه أن يتمّ لهم على ذلك الصلح، فقبل وقبض منهم المال- وكان ذلك سنة ٢٤ - هـ
ولما أصاب حاجته من أرمينية، ودخل الموصل فنزل الحديثة، أتاه كتاب من عثمان رضى الله عنه:
«أما بعد: فإن معاوية بن أبى سفيان كتب إلىّ يخبرنى أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدّهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابى هذا، فابعث رجلا ممن ترضى بحدته وبأسه وشجاعته وإسلامه، فى ثمانية آلاف، أو تسعة آلاف، أو عشرة آلاف إليهم، من المكان الذى يأتيك فيه رسولى والسلام».
стр. 258
فسيّر الوليد إلى الشام ثمانية آلاف رجل بقيادة سلمان بن ربيعة الباهلى، فشنوا الغارات مع جند الشام على أرض الروم، فأصاب الناس ما شاءوا من سبى، وملئوا أيديهم من المغنم، وافتتحوا بها حصونا كثيرة.
(تاريخ الطبرى ٥: ٤٦)
٢٨٩ - كتابه إلى عماله
وكتب عثمان إلى عماله:
«أما بعد: فقوموا على ما فارقتم عليه عمر ولا تبدّلوا، ومهما أشكل عليكم فردّوه إلينا نجمع عليه الأمة ثم نردّه عليكم، وإياكم وأن تغيّروا فإنى لست قابلا منكم إلا ما كان عمر يقبل».
(تاريخ الطبرى ٥: ٥٣)
٢٩٠ - كتابه إلى أهل الأمصار
وكتب عثمان إلى الناس فى الأمصار:
«أن ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ولا يذلّ المؤمن نفسه، فإنى مع الضعيف على القوىّ ما دام مظلوما، إن شاء الله».
(تاريخ الطبرى ٥: ١٣٤)
٢٩١ - كتاب عثمان إلى أهل الكوفة
وعزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة حين اتهم بشرب الخمر (١) سنة ٣٠ - هـ وولاها سعيد بن العاص، وكتب إلى أهل الكوفة:
«أما بعد: فإنى كنت ولّيتكم الوليد بن عقبة غلاما حين ذهب شرهه وثاب حلمه، وأوصيته بكم ولم أوصكم به، فلما أعيتكم علانيته طعنتم فى سريرته، وقد ولّيتكم سعيد بن العاص وهو خير عشيرته، وأوصيكم به خيرا، فاستوصوا به خيرا».
(العقد الفريد ٢: ٢٢٣)
стр. 259
٢٩٢ - كتاب سعيد بن العاص إلى عثمان
ولما قدم سعيد بن العاص الكوفة سأل عن أهلها، فأقيم على حالهم، فكتب إلى عثمان بالذى انتهى إليه:
«إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشّرف منهم والبيوتات والسّابقة والقدمة (١)، والغالب على تلك البلاد روادف (٢) ردفت، وأعراب لحقت، حتى ما ينظر إلى ذى شرف ولا بلاء من نازلتها، ولا نابتتها».
٢٩٣ - رد عثمان على كتاب سعيد
فكتب إليه عثمان:
«أمّا بعد: ففضّل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد. وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق، وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكلّ منزلته، وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل».
(تاريخ الطبرى ٥: ٦٣)
٢٩٤ - كتب بين عثمان وبين سعيد بن العاص
وروى أن سعيد بن العاص تزوّج وهو على الكوفة هند بنت الفرافصة (٣) بن الأحوص بن عمر بن ثعلبة الكلبى، فبلغ ذلك عثمان فكتب إليه:
«أما بعد: فإنه قد بلغنى أنك تزوجت امرأة من كلب، فاكتب إلىّ بنسبها وجمالها».
стр. 260
فكتب إليه:
«أما بعد: فإن نسبها أنها بنت الفرافصة بن الأحوص، وجمالها أنها بيضاء مديدة».
فكتب إليه:
«إن كانت لها أخت فزوّجنيها».
فبعث سعيد إلى الفرافصة يخطب إحدى بناته على عثمان، فأمر الفرافصة ابنه ضبّا فزوجها إياه.
(الأغانى ١٥: ٦٧)
٢٩٥ - كتاب معاوية إلى عثمان
وقام أبو ذرّ الغفارى (١) بالشام- سنة ٣٠ هـ- وجعل يقول: «يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشّر الذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها فى سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم» فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس (٢)، فكتب معاوية إلى عثمان.
«إن أبا ذرّ قد أعضل (٣) بى، وإنه تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك فى القوم حاجة فاحمله إليك».
(تاريخ الطبرى ٥: ٦٦، ومروج الذهب ١: ٤٣٨)
стр. 261
٢٩٦ - كتاب عثمان إلى معاوية
فكتب إليه عثمان:
«إن الفتنة قد أخرجت خطمها (١) وعينيها، فلم يبق إلّا أن تثب، فلا تنكأ (٢) القرح، وجهّز أبا ذر إلىّ وابعث معه دليلا وزوّده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما اسقطعت، فإنما تمسك ما استمسكت.
فأشخصه معاوية إلى عثمان، فقال له: يا أباذر ما لأهل الشأم يشكون ذربك (٣)؟
فأخبره أنه لا ينبغى أن يقال مال الله، ولا ينبغى للأغنياء أن يقتنوا مالا، فقال:
يا أباذر علىّ أن أقضى ما علىّ وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد. وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد، قال: فتأذن لى فى الخروج، فإن المدينة ليست لى بدار؟
فأذن له فخرج فنزل الرّبذة (٤).
(تاريخ الطبرى ٥: ٦٦)
٢٩٧ - كتاب عثمان إلى عبد الرحمن بن ربيعة
وكتب عثمان إلى عبد الرحمن بن ربيعة وهو على «الباب».
«إن الرعية قد أبطر كثيرا منهم البطنة (٥)، فقصّر ولا تقتحم بالمسلمين، فإنى خاش أن يبتلوا».
فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، وكان لا يقصّر عن بلنجر، فحصرها وقاتله الترك فأصيب وانهزم المسلمون وتفرقوا.
وكان ذلك سنة ٣٢ هـ.
(تاريخ الطبرى ٥: ٧٨)
стр. 262
٢٩٨ - كتاب مرزبان مرو إلى الأحنف بن قيس
وسار الأحنف بن قيس سنة ٣٢ هـ إلى مروروذ فحصر أهلها، فخرجوا إليهم فقاتلوهم، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصنهم، فأشرفوا عليهم فقالوا: امهلونا ننظر يومنا وارجعوا إلى عسكركم، فرجع الأحنف، فلما أصبح غاداهم، فخرج رجل من العجم معه كتاب من المدينة فإذا رسول من مرزبان مرو: ابن أخيه وترجمانه، وإذا كتاب المرزبان إلى الأحنف. فقرأ الكتاب فإذا هو:
«إلى أمير الجيش:
إنا نحمد الله الذى بيده الدّول يغيّر ما شاء من الملك، ويرفع من شاء بعد الذّلة، ويضع من شاء بعد الرّفعة:
إنه دعانى إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدى، وما كان رأى من صاحبكم من الكرامة والمنزلة، فمرحبا بكم وأبشروا، وأنا أدعوكم إلى الصلح فيما بينكم وبيننا، على أن أؤدّى إليكم خراجا ستين ألف درهم: وأن تقرّوا بيدى ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جدّ أبى، حيث قتل الحية التى أكلت الناس، وقطعت السّبل من الأرضين والقرى بما فيها من الرجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتى شيئا من الخراج، ولا تخرج المرزبة (١) من أهل بيتى إلى غيرهم، فإن جعلت ذلك لى خرجت إليك وقد بعثت إليك ابن أخى «ماهك» ليستوثق منك بما سألت».
стр. 263
٢٩٩ - رد الأحنف على كتابه
فكتب إليه الأحنف:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من صخر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مروروذ، ومن معه من الأساورة (١) والأعاجم:
سلام على من اتبع الهدى، وآمن واتقى، أما بعد: فإن ابن أخيك ماهك قدم علىّ، فنصح لك جهده، وأبلغ عنك، وقد عرضت ذلك على من معى من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء، وقد أجبناك إلى ما سألت وعرضت، على أن تؤدى عن أكرتك (٢) وفلّاحيك والأرضين ستين ألف درهم، إلىّ وإلى الوالى من بعدى من أمراء المسلمين، إلا ما كان من الأرضين التى ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه أقطع جدّ أبيك، لما كان من قتله الحيّة التى أفسدت الأرض، وقطعت السّبل، والأرض لله ولرسوله يورثها من يشاء من عباده، وإن عليك نصرة المسلمين، وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة إن أحب المسلمون ذلك وأرادوه، وإن لك على ذلك نصرة المسلمين على من يقاتل من وراءك من أهل ملتك، جار لك بذلك منى كتاب يكون لك بعدى، ولا خراج عليك، ولا على أحد من أهل بيتك من ذوى الأرحام.
وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول، كان لك من المسلمين العطاء والمنزلة والرزق وأنت أحوهم، ولك بذلك ذمتى وذمة أبى، وذمم المسلمين وذمم آبائهم».
شهد على ما فى هذا الكتاب جزء بن معاوية السّعدى، وحمزة بن الهرماس، وحميد بن الخيار المازنيّان، وعياض بن ورقاء الأسيدىّ.
وكتب كيسان مولى بنى ثعلبة، يوم الأحد من شهر الله المحرم سنة ٣٢ هـ.
стр. 264
وكتب أمير الجيش الأحنف بن قيس، ونقش خاتم الأحنف «نعبد الله».
(تاريخ الطبرى ٥: ٨١)
٣٠٠ - عهد حبيب بن مسلمة لأهل دبيل
وكتب عثمان إلى معاوية وهو عامله على الشام يأمره أن يوجّه حبيب بن مسلمة الفهرى إلى أرمينية- وقيل بل كتب عثمان إلى حبيب يأمره بغزو أرمينية- فنهض إليها ففتح ما مرّ به إلى أن وصل إلى دبيل فغلب عليها وعلى قراها، فطلب أهلها منه الأمان والصلح، فصالحهم، وكتب لهم كتابا نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من حبيب بن مسلمة الفهرى لنصارى أهل دبيل ومجوسها ويهودها، شاهدهم وغائبهم: إنى أمّنتكم على نفسكم وأموالكم وكنائسكم وبيعكم وسور مدينتكم، فأنتم آمنون، وعلينا الوفاء لكم بالعهد ما وفيتم وأدّيتم الجزية والخراج، شهد الله وكفى بالله شهيدا».
وختم حبيب بن مسلمة.
(فتوح البلدان للبلاذرى ص ٢٠٨، ومعجم البلدان ٤: ٢٥)
٣٠١ - كتاب حبيب بن مسلمة إلى أهل جرزان
وافتتح حبيب أكثر مدن أرمينية، ثم سار يريد جرزان (١)، فجاءه بالطريق رسول بطريق جرزان وأهلها يسأله الصلح وأمانا يكتبه لهم، فكتب حبيب إليهم:
«أما بعد: فإن «نقلى» رسولكم قدم علىّ وعلى الذين معى من المؤمنين، فذكر عنكم أنكم قلتم إننا أمّة أكرمنا الله وفضّلنا، وكذلك فعل الله بنا، وله الحمد كثيرا، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وخيرته من خلقه وعليه السلام.
стр. 265
وذكرتم أنكم أحببتم سلمنا، وقد قوّمت هديتكم وحسبتها (١) من جزيتكم، وكتبت لكم أمانا، واشترطت فيه شرطا فإن قبلتموه ووفيتم به، وإلّا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، والسلام على من اتبع الهدى».
(فتوح البلدان للبلاذرى ص ٢٠٩، ومعجم البلدان ٢: ٣٩٦)
٣٠٢ - عهد حبيب لأهل جرزان
ثم ورد تفليس، وكتب لهم كتابا بالصلح والأمان، وهو:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لأهل تفليس من رستاق (٢) منجليس من جرزان الهرمز، بالأمان على أنفسهم وبيعهم وصوامعهم وصلواتهم ودينهم، على إقرار بالصّغار (٣) والجزية على كل أهل بيت دينار، وليس لكم أن تجمعوا بين أهل البيوتات تخفيفا للجزية، ولا لنا أن نفرّق بينهم استكثارا منها.
ولنا نصيحتكم وضلعكم (٤) على أعداء الله ورسوله ﷺ ما استطعتم، وقرى المسلم المحتاج ليلة بالمعروف من حلال طعام أهل الكتاب لنا، وإن انقطع (٥) برجل من المسلمين عندكم فعليكم أداؤه إلى أدنى فئة من المؤمنين، إلا أن يحال دونهم.
وإن أنبتم وأقمتم الصلاة فإخواننا فى الدين، وإلّا فالجزية عليكم، وإن عرض للمسلمين شغل عنكم فقهر كم عدوّكم فغير مأخوذين بذلك، ولا هو ناقض عهدكم، هذا لكم، وهذا عليكم، شهد الله وملائكته. وكفى بالله شهيدا (٦)».
(فتوح البلدان للبلاذرى ص ٢٠٩، ومعجم البلدان ٢: ٣٩٧)
стр. 266
٣٠٣ - كتاب سعيد بن العاص إلى عثمان
ولما قدم سعيد بن العاص الكوفة، جعل يختار وجوه الناس يدخلون عليه ويسمرون عنده فسمر عنده ليلة وجوه أهل الكوفة، وفيهم مالك الأشتر فى رجال، فقال سعيد: إنما هذا السّواد بستان لقريش، فقال الأشتر: أتزعم أن السّواد الذى أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟ والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبا إلّا أن يكون كأحدنا، وتكلم معه القوم، فقال عبد الرحمن الأسدىّ- وكان على شرطة سعيد- أتردّون على الأمير مقالته؟ وأغلظ لهم، فقال الأشتر: من هاهنا لا يفوتنكم الرجل، فوثبوا عليه، فوطئوه وطأ شديدا حتى غشى عليه، ثم جرّ برجله، فألقى فنضح (١) بماء فأفاق، فقال له سعيد: أبك حياة؟ فقال: قتلنى من انتخبت- زعمت- للإسلام، فقال: والله لا يسمر مهم عندى أحد أبدا، فجعلوا يجلسون فى مجالسهم وبيوتهم يشتمون عثمان وسعيدا، واجتمع الناس إليهم، حتى كثر من يختلف إليهم، فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك، ويقول:
«إن رهطا من أهل الكوفة سمّاهم له، عشرة، يؤلّبون (٢) ويجتمعون على عيبك وعيبى، والطعن فى ديننا، وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن يكثروا» فكتب عثمان إلى سعيد أن سيّرهم إلى معاوية- وهو يومئذ على الشأم-.
٣٠٤ - كتاب عثمان إلى معاوية
وكتب عثمان إلى معاوية:
«إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرا خلقوا للفتنة، فراعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدا فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليهم.
стр. 267
فلما قدموا على معاوية أنزلهم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجرى عليهم بالعراق، وجعل ينصح لهم بلزوم الجماعة، وكراهة الفرقة، وأن يوقّروا أئمتهم، ويدلّوهم على كل حسن ما قدروا، ويعظوهم فى لين ولطف فى شئ إن كان منهم، وطال بينه وبينهم الجدل واللّجاج، حتى وثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته.
٣٠٥ - كتاب معاوية إلى عثمان
فكتب إلى عثمان:
«بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبى سفيان:
أما بعد، يا أمير المؤمنين فإنك بعثت إلىّ أقواما يتكلمون بألسنة الشياطين وما يملون عليهم، ويأتون الناس- زعموا- من قبل القرآن، فيشبّهون (١) على الناس، وليس كلّ الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة، ويقرّبون فتنة، قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكنّت رقى (٢) الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرا من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة، ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشأم أن يغرّوهم بسحرهم وفجورهم، فارددهم إلى مصرهم. فلتكن دارهم فى مصرهم الذى نجم (٣) فيه نفاقهم والسلام».
وفى خبر آخر أن معاوية كتب إلى عثمان:
«إنه قدم علىّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أثقلهم الإسلام وأضجرهم العدل، لا يريدون الله بشئ، ولا يتكلمون بحجة، إنما همّهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم، وليسوا بالذين ينكون (٤) أحدا إلا مع غيرهم، فانه سعيدا ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير».
стр. 268
فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردهم إليه، فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا، وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم، فكتب عثمان إلى سعيد:
أن سيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد» وكان أميرا على حمص.
٣٠٦ - كتاب عثمان إلى الأشتر وأصحابه
وكتب إلى الأشتر وأصحابه:
«أما بعد: فإنى قد سيّرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابى هذا فاخرجوا إليها، فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شرا، والسلام».
فلما قرأ الأشتر الكتاب، قال: اللهم أسوأنا نظر للرعية، وأعملنا فيهم بالمعصية، فعجّل له النّقمة، وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص، فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل، وأجرى عليهم رزقا.
وكان ذلك سنة ٣٣ هـ.
(تاريخ الطبرى ٥: ٩٠)
٣٠٧ - كتاب عثمان إلى أهل الكوفة
واستغوى يزيد بن قيس الناس على سعيد بن العاص، واستعفوا عثمان منه، وطلبوا أبا موسى الأشعرى، فكتب إليهم عثمان:
«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد أمّرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من سعيد، والله لأفرشنّكم (١) عرضى، ولأبذلنّ لكم صبرى، ولأستصلحنّكم بجهدى، فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصى الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه. أنزل فيه عند ما أحببتم حتى لا يكون لكم علىّ حجّة».
وكتب بمثل ذلك فى الأمصار- وكان ذلك سنة ٣٤ هـ.
(تاريخ الطبرى ٥: ٩٦)
стр. 269
٣٠٨ - كتاب عثمان إلى أهل الأمصار
وفشت المقالة فى الطعن على عثمان وولاته، ونسبوا إليه أمورا، ونقموا منه أحداثا أهمّها إيثار أقربائه- ونمت هذه الأنباء إلى أهل المدينة فأتوا عثمان، فقالوا:
يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذى يأتينا؟ قال: لا والله، ما جاءنى إلا السلامة، فأخبروه بما نمي إليهم، فكتب إلى أهل الأمصار:
«أما بعد: فإنى آخذ العمال بموافاتى فى كل موسم، وقد سلّطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فلا يرفع علىّ شئ ولا على أحد من عمّالى إلا أعطيته، وليس لى ولعيالى حقّ قبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إلىّ أهل المدينة أن أقواما يشتمون، وآخرون يضربون، فيامن ضرب سرّا، وشتم سرّا، من ادّعى شيئا من ذلك فليواف الموسم، فليأخذ بحقّه حيث كان: منى، أو من عمّالى، أو تصدّقوا فإن الله يجزى المتصدّقين».
فلما قرئ الكتاب فى الأمصار أبكى الناس ودعوا لعثمان، وقالوا: إن الأمة لتمخّض بشرّ.
(تاريخ الطبرى ٥: ٩٩)
٣٠٩ - كتاب أهل المدينة إلى من بالآفاق
وروى الطبرى قال:
«لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبى ﷺ إلى من بالآفاق منهم، وكانوا قد تفرّقوا فى الثغور:
«إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا فى سبيل الله تطلبون دين محمد ﷺ فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك، فهلمّوا فأقيموا دين محمد ﷺ ».
فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه.
(تاريخ الطبرى ٥: ١١٥)
стр. 270
٣١٠ - كتاب أهل المدينة إلى أهل مصر
وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة أنه جاء أهل مصر كتاب من المدينة صورته:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من المهاجرين الأولين، وبقية الشّورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين:
أما بعد: أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فإن كتاب الله قد بدّل، وسنّة رسوله قد غيّرت، وأحكام الخليفتين قد بدّلت، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلّا أقبل إلينا، وأخذ الحق لنا وأعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وأقيموا الحقّ على المنهاج الواضح الذى فارقتم عليه نبيّكم وفارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا، واستولى على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوّة ورحمة، وهى اليوم ملك عضوض (١)، من غلب على شئ «أكله».
(الإمامة والسياسة ١: ٢٩)
٣١١ - كتاب مفتعل على عثمان
وتكاتب أهل الأمصار المتحرفون عن عثمان، وتواعدوا جميعا أن يخرجوا فى شوّال (سنة ٣٥ هـ) مظهرين الحجّ، فخرجت جموعهم من البصرة والكوفة ومصر ونزلوا فى ضواحى المدينة، وعلم بأمرهم عثمان، فبعث إلى علىّ كرم الله وجهه وسأله أن يخرج إليهم، ويضمن لهم عنه كل ما يريدون من العدل، وحسن السيرة، فركب إليهم،
стр. 271
وردهم عنه، فسمعوا لقوله، وانصرفوا مظهرين الرجوع إلى بلادهم، ثم كرّوا راجعين، فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير فى نواحى المدينة، وأحاطوا بعثمان، فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علىّ فقال: ما ردّكم بعد ذهابكم؟ قال المصريون: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا، وذكروا أنهم بيناهم سائرون إذا بغلام على بعير وهو مقبل من المدينة فتأمّلوه فإذا هو ورش غلام عثمان، ففتّشوه فوجدوا معه كتابا إلى عبد الله بن أبى سرح عامل مصر، ونصه (كما ورد فى مروج الذهب).
«إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان، واقتل فلانا، وافعل بفلان كذا» وأحصى أكثر من فى الجيش وأمر فيهم بما أمر.
وفى إحدى روايتى الطبرى: «أما بعد، فانظر فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك، وانظر فلانا وفلانا فعاقبهم بكذا وكذا».
وفى روايته الأخرى:
«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة، واحلق رأسه ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمرى، وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك، وسودان بن حمران مثل ذلك وعروة بن النّباع اللّيثى مثل ذلك (١)».
وفى رواية العقد الفريد: «إذا جاءك محمد (٢) وفلان وفلان، فاحتل لقتلهم، وأبطل كتابهم، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيى، وأحتبس من جاء يتظلم منك، ليأتيك فى ذلك رأيى إن شاء الله».
وسألوا عثمان عن الكتاب، فأقسم أنه ما كتب، ولا أمر، ولا علم، فقال علىّ ومن معه من كبار الصحابة: صدق عثمان، وقال محمد بن مسلمة، والله إنه لصادق،
стр. 272
ولكن هذا عمل مروان، قالوا: يكتب إلى عاملك بهذه الأمور للعظام، وأنت لا تدرى؟ قال نعم، قالوا: ما أنت إلا صادق، أو كاذب، فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع، لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها، وإن كنت صادقا فقد استحققت الخلع، لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك، ولا ينبغى لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه.
(تاريخ الطبرى ٥: ١١٥، ١١٩، والعقد الفريد ٢: ٢١٦، ومروج الذهب: ١: ٤٤٠، والإمامة والسياسة ١: ٣١)
٣١٢ - كتاب عثمان إلى أهل الأمصار
وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، فبلّغ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذى عليه، وخلّف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه وبيان الأمور التى قدّر، فأمضاها على ما أحبّ العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر رضى الله عنه، وعمر رضى الله عنه، ثم أدخلت فى الشّورى عن غير علم ولا مسألة، عن ملإ من الأمة، ثم أجمع أهل الشّورى عن ملإ منهم، ومن الناس على غير طلب منى ولا محبّة، فعملت فيهم ما يعرفون، ولا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متّبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلّف، فلما انتهت الأمور، وانتكث (١) الشّرّ بأهله، بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام، ولا ترة (٢) فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمرا، وأعلنوا غيره بغير حجّة، ولا عذر، فعابوا علىّ أشياء مما كانوا يرضون، وأشياء عن ملإ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسى، وكففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على الله
стр. 273
جرأة، حتى أغاروا علينا فى جوار رسول الله ﷺ ، وحرمه، وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب (١) أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحد إلّا ما يظهرون (٢)، فمن قدر على اللّحاق بنا فليلحق».
(تاريخ الطبرى ٥: ١٠٥)
٣١٣ - كتاب أهل مصر إلى عثمان
وكتب أهل مصر- الذين ساروا إلى عثمان- بكتاب، فكان فيما كتبوا إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فاعلم أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فالله الله، ثم الله الله، فإنك على دنيا فاستتمّ إليها معها آخرة، ولا تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ (٣) لك الدنيا. واعلم أنا والله لله نغضب، وفى الله نرضى، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا، حتى تأتينا منك توبة مصرّحة (٤)، أو ضلالة مجلّحة مبلجة، فهذه مقالتنا لك، وقضيّتنا إليك، والله عذيرنا منك والسلام».
وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله.
(تاريخ الطبرى ٥: ١١٦)
٣١٤ - كتاب عثمان إلى الامام على
وتفاقمت الفتنة واستطار شررها، حتى حصر الثوار عثمان فى داره، وكانوا يهتفون باسم الإمام على كرم الله وجهه للخلافة، فبعث عثمان عبد الله بن عباس إلى الإمام على
стр. 274
وقال: قل له فليخرج إلى ماله بينبع (١) فلا أغتمّ به ولا يغتمّ بى، فخرج علىّ إلى ينبع، فكتب إليه عثمان حين اشتد الأمر:
«أما بعد: فإنه قد بلغ السّيل الزّبى (٢)، وجاوز الحزام الطّبيين (٣)، وتجاوز الأمر بى قدره (٤)، وطمع فىّ من لا يدفع عن نفسه (٥).
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ضعيف ... ولم يغلبك مثل مغلّب (٦)
ورأيت القوم لا يقصّرون دون دمى، فأقبل إلىّ، على أىّ أمريك أحببت: معى كنت أو علىّ، صديقا كنت أو عدوّا.
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق (٧)
فرجع علىّ.
(الكامل للمبرد ١: ٩، والعقد الفريد ٢: ٢٢٤، وزهر الآداب ١: ٤٤، ومجمع الأمثال ١: ١١١، وجمهرة الأمثال ١: ١٥٥، وصبح الأعشى ٦: ٣٨٨، والإمامة والسياسة ١: ٢٨، وإعجاز القرآن ص ١١٩)
***
стр. 275
ثم جاءه ابن عباس برسالة من عثمان وهو محصور، يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع، ليقلّ هتف الناس باسمه للخلافة- بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل، كما رأيت- فقال:
«يا بن عباس، ما يريد عثمان إلا أن يجعلنى جملا ناضحا بالغرب (١) أقبل وأدبر، بعث إلىّ أن أخرج، ثم بعث إلىّ أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إلىّ أن أخرج، والله لقد دفعت عنه، حتى خشيت أن أكون آثما».
(نهج البلاغة ١: ٢٩٥)
٣١٥ - كتاب عثمان إلى معاوية وأهل الشام والبصرة
وروى الطبرى قال:
فلما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس، كتب إلى معاوية ابن أبى سفيان وهو بالشأم:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إلىّ من قبلك من مقاتلة أهل الشأم على كل صعب وذلول».
فلما جاء معاوية الكتاب تربّص به، وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله ﷺ وقد علم اجتماعهم. فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن أسد ابن كرز وإلى أهل الشأم «يستنفرهم ويعظّم حقّه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله به من طاعتهم ومناصحتهم، ووعدهم أن يتخذهم جندا أو بطانة دون الناس، وذكّرهم بلاءه عندهم وصنيعه إليهم، فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل، فإن القوم معاجلىّ».
فلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد فعظّم حق عثمان، وحضّهم على نصره، وأمرهم بالمسير إليه، فتابعه ناس كثير، حتى إذا كانوا بوادى القرى بلغهم قتل عثمان فرجعوا
стр. 276
وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أمير البصرة أن اندب إلىّ أهل البصرة- نسخة كتابه إلى أهل الشأم- فصار إليه جمع كثير حتى إذا نزلوا الرّبذة (١) ونزلت مقدّمتهم عند صرار أتاهم قتل عثمان».
(تاريخ الطبرى ٥: ١١٥)
٣١٦ - كتاب عثمان إلى معاوية وأهل الشام
وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة قال:
وكتب عثمان إلى أهل الشأم عامة، وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة:
«أما بعد: فإنى فى قوم طال فيهم مقامى، واستعجلوا القدر فىّ، وقد خيّرونى بين أن يحملونى على شارف (٢) من الإبل الدّخيل (٣)، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذى كسانى، وبين أن أقيدهم (٤) ممن قتلت، ومن كان على سلطان يخطئ ويصيب، فيا غوثاه يا غوثاه، ولا أمير عليكم دونى، فالعجل العجل يا معاوية، وأدرك ثم أدرك، وما أراك تدرك».
(الإمامة والسياسة ١: ٣٠)
٣١٦ - كتاب عثمان إلى أهل الموسم
وأمر عثمان عبد الله بن عباس أن يحجّ بالناس فى السنة التى قتل فيها- سنة ٣٥ هـ- وكتب معه إلى أهل الموسم بكتاب يسألهم أن يأخذوا له بالحق ممن حصره، وهو:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين:
سلام عليكم، فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنى أذكّركم بالله
«أما بعد: فإن الله جلّ وعزّ رضى لكم السّمع والطاعة والجماعة، وحذّركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبّأكم ما قد فعله بالذين من قبلكم، وتقدّم إليكم فيه، ليكون له الحجّة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله جل وعزّ واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمّة هلكت إلا من بعد أن تختلف، إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلون ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا، وسلّط عليكم عدوكم، ويستحلّ بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعا، وقد قال الله جل وعزّ لرسوله ﷺ : «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» وإنى أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذّركم عذابه، فإن شعيبا ﷺ قال لقومه: «ويا قوم لا يجرمنّكم (١) شقاقى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد، واستغفروا ربّكم ثمّ توبوا إليه إنّ ربّى رحيم ودود».
«أما بعد: فإن أقواما ممّن كان يقول فى هذا الحديث أظهروا للناس أنّما يدعون إلى كتاب الله والحقّ، ولا يريدون الدنيا ولا منازعة فيها، فلما عرض عليهم الحقّ إذا النّاس فى ذلك شتّى (٢)، منهم آخذ للحق ونازع (٣) عنه حين يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه فى الأمر يريد أن يبتزّه (٤) بغير الحق، طال عليهم عمرى، وارث عليهم أملهم الإمرة (٥)، فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذى أعطيتهم، ولا أعلم أنى تركت من الذى عاهدتهم عليه شيئا، كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت: أقيموها على من علمتم تعدّاها فى أحد، أقيموها على من
стр. 280
ظلمكم من قريب أو بعيد، قالوا: كتاب الله يتلى، فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله فى الكتاب، وقالوا: المحروم يرزق، والمال يوفّى ليستنّ فيه السّنّة الحسنة، ولا يعتدى فى الخمس ولا فى الصّدقة، ويؤمّر ذو القوة والأمانة، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها، فرضيت بذلك واصطبرت له، وجئت نسوة النبى ﷺ حتى كلمتهنّ فقلت: ما تأمرننى؟ فقلن: تؤمّر عمرو بن العاص (١)، وعبد الله بن قيس (٢)، وتدع معاوية، فإنما أمّره أمير قبلك، فإنه مصلح لأرضه، راض به جنده، واردد عمرا فإن جنده راضون به، وأمِه فليصلح أرضه، فكلّ ذلك فعلت (٣) وإنه اعتدى علىّ بعد ذلك، وعدى على الحق، كتبت إليكم وأصحابى الذى زعموا فى الأمر استعجلوا القدر، ومنعوا منّى الصلاة (٤)، وحالوا بينى وبين
стр. 281
المسجد، وابتزّوا ما قدروا عليه بالمدينة، كتبت إليكم كتابى هذا وهم يخيّروننى إحدى ثلاث: إمّا يقيدوننى بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شئ، وإمّا أعتزل الأمر فيؤمّرون آخر غيرى، وإمّا يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد، وأهل المدينة فيتبرّءون من الذى جعل الله سبحانه لى عليهم من السمع والطاعة، فقلت لهم: أمّا إقادتى من نفسى فقد كان من قبلى خلفاء تخطئ وتصيب، فلم يستقد (١) من أحد منهم، وقد علمت أنما يريدون نفسى، وأمّا أن أتبرّأ من الإمارة فأن يكلبونى (٢) أحبّ إلىّ من أن أتبرّأ من عمل الله وخلافته، وأما قولهم:
يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرّءون من طاعتى، فلست عليهم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السّمع والطاعة، ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة الله وإصلاح ذات البين، ومن يكن منكم إنما يبتغى الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله له، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمّة وابتغاء مرضاة الله ، والسّنة الحسنة التى استنّ بها رسول الله ﷺ والخليفتان من بعده رضى الله عنهما، فإنما يجزى بذلكم الله، وليس بيدى جزاؤكم، ولو أعطيتكم الدنيا كلّها، لم يكن فى ذلك ثمن لدينكم، ولم يغن عنكم شيئا، فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده، فمن يرض بالنّكث منكم فإنى لا أرضاه له، ولا يرضى الله سبحانه أن تنكثوا عهده، وأمّا الذى يخيّروننى فإنما كله النّزع والتأمير، فملكت نفسى ومن معى، ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء.
فإنى أنشدكم (٣) بالله والإسلام أن لا تأخذوا إلا الحقّ وتعطوه منى، وترك البغى على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله ، فإنى أنشدكم الله سبحانه
стр. 282
الذى جعل عليكم العهد والموازرة (١) فى أمر الله، فإن الله سبحانه قال وقوله الحق:
«وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا» فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذّكّرون.
«أما بعد: فإنى لا أبرّئ نفسى إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّى إنّ ربّى غفور رحيم، وإن عاقبت أقواما فما أبتغى بذلك إلا الخير، وإنّى أتوب إلى الله من كل عمل عملته وأستغفره، إنه لا يغفر الذّنوب إلا هو، إنّ رحمة ربى وسعت كلّ شئ، إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضّالّون، وإنه يقبل التّوبة عن عباده ويعفو عن السّيّئات ويعلم ما يفعلون. وأنا أسأل الله أن يغفر لى ولكم، وأن يؤلّف قلوب هذه الأمة على الخير، ويكرّه إليها الفسق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون».
فقرأ ابن عباس هذا الكتاب على الناس قبل التروية (٢) بمكة بيوم، ثم قفل إلى المدينة وإذا عثمان قد قتل.
(تاريخ الطبرى ٥: ١٤٠)
٣١٨ - كتاب آخر إلى أهل الموسم
وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة. قال:
وكتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم، فوافى به نافع يوم عرفة بمكة، وابن عباس يخطب- وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم- فقام نافع ففتح الكتاب فقرأه فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى من حضر الحج من المسلمين.
أما بعد: فإنى كتبت إليكم كتابى هذا، وأنا محصور، أشرب من بئر القصر، ولا آكل من الطعام ما يكفينى، خيفة أن تنفد ذخيرتى فأموت جوعا أنا ومن معى،
стр. 283
لا أدعى إلى توبة أقبلها، ولا تسمع منى حجة أقولها، فأنشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابى إلّا قدم علىّ، فأخذ الحق فىّ، ومنعنى من الظلم والباطل».
(الإمامة والسياسة ١: ٢٩)
٣١٩ - كتاب أبى الدرداء إلى معاوية
وكتب أبو الدّرداء (١) إلى معاوية:
«أما بعد: فإنه من يلتمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس».
(العقد الفريد ١: ٢٠)
٣٢٠ - كتاب أبى الدرداء إلى سلمان الفارسى
وكان رسول الله ﷺ قد آخى بين سلمان الفارسى (٢)، وبين أبى الدّرداء، فسكن أبو الدّرداء الشام، وسكن سلمان العراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان:
«سلام عليك، أما بعد: فإن الله رزقنى بعدك مالا وولدا، ونزلت الأرض المقدّسة».
стр. 284
٣٢١ - رد سلمان الفارسى على أبى الدرداء
فكتب إليه سلمان:
«سلام عليكم، أما بعد: فإنك كتبت إلىّ أنّ الله رزقك مالا وولدا، فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يكثر حلمك، وأن ينفعك علمك، وكتبت إلىّ أنك نزلت الأرض المقدسة، وإن الأرض لا تعمل لأحد، اعمل كأنك ترى؛ واعدد نفسك من الموتى».
(أسد الغابة ٢: ٣٣١)
٣٢٢ - كتاب سلمان الفارسى إلى أبى الدرداء
وكتب سلمان الفارسىّ إلى أبى الدّرداء:
«أما بعد: فإنك لن تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهى، ولن تنال ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره، فليكن كلامك ذكرا، وصمتك فكرا، ونظرك عبرا، فإن الدنيا تتقلب، وبهجتها تتغيّر، فلا تغترّ بها، وليكن بيتك المسجد والسلام».
٣٢٣ - رد أبى الدرداء على سلمان
فأجابه أبو الدرداء:
«سلام عليك، أما بعد: فإنى أوصيك بتقوى الله، وأن تأخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن حياتك لموتك، ومن جفائك لمودتك، واذكر حياة لا موت فيها فى إحدى المنزلتين إما فى الجنة، وإما فى النار، فإنك لا تدرى إلى أيهما تصير (١)».
(العقد الفريد ١: ٣٠٠)
стр. 285
٣٢٤ - كتاب نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية
وروى أن نائلة بنت الفرافصة زوج عثمان رضى الله عنه كتبت إلى معاوية، وبعثت بقميص عثمان مع النّعمان بن بشير، أو عبد الرحمن بن حاطب بن أبى بلتعة:
«من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبى سفيان:
أما بعد: فإنى أذكّركم بالله الذى أنعم عليكم، وعلّمكم الإسلام، وهداكم من الضّلالة، وأنقذكم من الكفر، ونصركم على العدو، وأسبغ (١) عليكم النعمة، وأنشدكم (٢) بالله وأذكّركم حقّه وحقّ خليفته الذى لم تنصروه وبعزمة الله عليكم فإنه قال: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتى تبغى حتّى تفئ (٣) إلى أمر الله» وإن أمير المؤمنين بغى عليه، ولو لم يكن له عليكم حقّ إلّا حق الولاية، ثم أتى إليه ما أتى، لحقّ على كل مسلم يرجو أيام الله أن ينصره لقدمه فى الإسلام، وحسن بلائه، وأنه أجاب داعى الله، وصدّق رسوله، والله أعلم به إذ انتخبه فأعطاه شرف الدنيا، وشرف الآخرة.
وإنى أقصّ عليكم خبره لأنى كنت مشاهدة أمره كلّه، حتى قضى الله عليه، إن أهل المدينة حصروه فى داره، يحرسونه ليلهم ونهارهم قياما على أبوابه بسلاحهم، يمنعونه كلّ شئ قدروا عليه حتى منعوه الماء يحضرونه الأذى، ويقولون له الإفك (٤) فمكث هو ومن معه خمسين ليلة، وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبى بكر، وعمّار بن ياسر، وكان علىّ مع الحضريّين من أهل المدينة، ولم يقاتل مع أمير المؤمنين، ولم ينصره، ولم يأمر بالعدل الذى أمر الله ﵎ به، فظلّت تقاتل خزاعة،