← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المسجد، وابتزّوا ما قدروا عليه بالمدينة، كتبت إليكم كتابى هذا وهم يخيّروننى إحدى ثلاث: إمّا يقيدوننى بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شئ، وإمّا أعتزل الأمر فيؤمّرون آخر غيرى، وإمّا يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد، وأهل المدينة فيتبرّءون من الذى جعل الله سبحانه لى عليهم من السمع والطاعة، فقلت لهم: أمّا إقادتى من نفسى فقد كان من قبلى خلفاء تخطئ وتصيب، فلم يستقد (١) من أحد منهم، وقد علمت أنما يريدون نفسى، وأمّا أن أتبرّأ من الإمارة فأن يكلبونى (٢) أحبّ إلىّ من أن أتبرّأ من عمل الله وخلافته، وأما قولهم: يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرّءون من طاعتى، فلست عليهم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السّمع والطاعة، ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة الله وإصلاح ذات البين، ومن يكن منكم إنما يبتغى الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله له، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمّة وابتغاء مرضاة الله ، والسّنة الحسنة التى استنّ بها رسول الله ﷺ والخليفتان من بعده رضى الله عنهما، فإنما يجزى بذلكم الله، وليس بيدى جزاؤكم، ولو أعطيتكم الدنيا كلّها، لم يكن فى ذلك ثمن لدينكم، ولم يغن عنكم شيئا، فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده، فمن يرض بالنّكث منكم فإنى لا أرضاه له، ولا يرضى الله سبحانه أن تنكثوا عهده، وأمّا الذى يخيّروننى فإنما كله النّزع والتأمير، فملكت نفسى ومن معى، ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء. فإنى أنشدكم (٣) بالله والإسلام أن لا تأخذوا إلا الحقّ وتعطوه منى، وترك البغى على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله ، فإنى أنشدكم الله سبحانه

стр. 282

الذى جعل عليكم العهد والموازرة (١) فى أمر الله، فإن الله سبحانه قال وقوله الحق: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا» فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذّكّرون. «أما بعد: فإنى لا أبرّئ نفسى إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّى إنّ ربّى غفور رحيم، وإن عاقبت أقواما فما أبتغى بذلك إلا الخير، وإنّى أتوب إلى الله من كل عمل عملته وأستغفره، إنه لا يغفر الذّنوب إلا هو، إنّ رحمة ربى وسعت كلّ شئ، إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضّالّون، وإنه يقبل التّوبة عن عباده ويعفو عن السّيّئات ويعلم ما يفعلون. وأنا أسأل الله أن يغفر لى ولكم، وأن يؤلّف قلوب هذه الأمة على الخير، ويكرّه إليها الفسق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون». فقرأ ابن عباس هذا الكتاب على الناس قبل التروية (٢) بمكة بيوم، ثم قفل إلى المدينة وإذا عثمان قد قتل. (تاريخ الطبرى ٥: ١٤٠) ٣١٨ - كتاب آخر إلى أهل الموسم وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة. قال: وكتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم، فوافى به نافع يوم عرفة بمكة، وابن عباس يخطب- وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم- فقام نافع ففتح الكتاب فقرأه فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى من حضر الحج من المسلمين. أما بعد: فإنى كتبت إليكم كتابى هذا، وأنا محصور، أشرب من بئر القصر، ولا آكل من الطعام ما يكفينى، خيفة أن تنفد ذخيرتى فأموت جوعا أنا ومن معى،

стр. 283

لا أدعى إلى توبة أقبلها، ولا تسمع منى حجة أقولها، فأنشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابى إلّا قدم علىّ، فأخذ الحق فىّ، ومنعنى من الظلم والباطل». (الإمامة والسياسة ١: ٢٩) ٣١٩ - كتاب أبى الدرداء إلى معاوية وكتب أبو الدّرداء (١) إلى معاوية: «أما بعد: فإنه من يلتمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس». (العقد الفريد ١: ٢٠) ٣٢٠ - كتاب أبى الدرداء إلى سلمان الفارسى وكان رسول الله ﷺ قد آخى بين سلمان الفارسى (٢)، وبين أبى الدّرداء، فسكن أبو الدّرداء الشام، وسكن سلمان العراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: «سلام عليك، أما بعد: فإن الله رزقنى بعدك مالا وولدا، ونزلت الأرض المقدّسة».

стр. 284

٣٢١ - رد سلمان الفارسى على أبى الدرداء فكتب إليه سلمان: «سلام عليكم، أما بعد: فإنك كتبت إلىّ أنّ الله رزقك مالا وولدا، فاعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يكثر حلمك، وأن ينفعك علمك، وكتبت إلىّ أنك نزلت الأرض المقدسة، وإن الأرض لا تعمل لأحد، اعمل كأنك ترى؛ واعدد نفسك من الموتى». (أسد الغابة ٢: ٣٣١) ٣٢٢ - كتاب سلمان الفارسى إلى أبى الدرداء وكتب سلمان الفارسىّ إلى أبى الدّرداء: «أما بعد: فإنك لن تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهى، ولن تنال ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره، فليكن كلامك ذكرا، وصمتك فكرا، ونظرك عبرا، فإن الدنيا تتقلب، وبهجتها تتغيّر، فلا تغترّ بها، وليكن بيتك المسجد والسلام». ٣٢٣ - رد أبى الدرداء على سلمان فأجابه أبو الدرداء: «سلام عليك، أما بعد: فإنى أوصيك بتقوى الله، وأن تأخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن حياتك لموتك، ومن جفائك لمودتك، واذكر حياة لا موت فيها فى إحدى المنزلتين إما فى الجنة، وإما فى النار، فإنك لا تدرى إلى أيهما تصير (١)». (العقد الفريد ١: ٣٠٠)

стр. 285

٣٢٤ - كتاب نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية وروى أن نائلة بنت الفرافصة زوج عثمان رضى الله عنه كتبت إلى معاوية، وبعثت بقميص عثمان مع النّعمان بن بشير، أو عبد الرحمن بن حاطب بن أبى بلتعة: «من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبى سفيان: أما بعد: فإنى أذكّركم بالله الذى أنعم عليكم، وعلّمكم الإسلام، وهداكم من الضّلالة، وأنقذكم من الكفر، ونصركم على العدو، وأسبغ (١) عليكم النعمة، وأنشدكم (٢) بالله وأذكّركم حقّه وحقّ خليفته الذى لم تنصروه وبعزمة الله عليكم فإنه قال: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتى تبغى حتّى تفئ (٣) إلى أمر الله» وإن أمير المؤمنين بغى عليه، ولو لم يكن له عليكم حقّ إلّا حق الولاية، ثم أتى إليه ما أتى، لحقّ على كل مسلم يرجو أيام الله أن ينصره لقدمه فى الإسلام، وحسن بلائه، وأنه أجاب داعى الله، وصدّق رسوله، والله أعلم به إذ انتخبه فأعطاه شرف الدنيا، وشرف الآخرة. وإنى أقصّ عليكم خبره لأنى كنت مشاهدة أمره كلّه، حتى قضى الله عليه، إن أهل المدينة حصروه فى داره، يحرسونه ليلهم ونهارهم قياما على أبوابه بسلاحهم، يمنعونه كلّ شئ قدروا عليه حتى منعوه الماء يحضرونه الأذى، ويقولون له الإفك (٤) فمكث هو ومن معه خمسين ليلة، وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبى بكر، وعمّار بن ياسر، وكان علىّ مع الحضريّين من أهل المدينة، ولم يقاتل مع أمير المؤمنين، ولم ينصره، ولم يأمر بالعدل الذى أمر الله ﵎ به، فظلّت تقاتل خزاعة،

стр. 286

وسعد بن بكر، وهذيل، وطوائف من مزينة وجهينة، وأنباط (١) يثرب، ولا أدرى سائرهم، ولكنى سمّيت لكم الذين كانوا أشد الناس عليه فى أول أمره وآخره. ثم إنه رمى بالنّبل والحجارة فقتل ممن كان فى الدار ثلاثة نفر، فأتوه يصرخون إليه ليأذن لهم فى القتال، فنهاهم عنه وأمرهم أن يردّوا عليهم نبلهم، فردوها إليهم، فلم يزدهم ذلك على القتال إلا جراءة، وفى الأمر إلا إغراء، ثم أحرقوا باب الدار فجاءهم ثلاثة نفر من أصحابه فقالوا: إن فى المسجد ناسا يريدون أن يأخذوا أمر الناس بالعدل، فاخرج إلى المسجد حتى يأتوك، فانطلق فجلس فيه ساعة، وأسلحة القوم مظلّة عليه من كل ناحية، وما أرى أحدا يعدل، فدخل الدار وقد كان نفر من قريش على عامّتهم السلاح، فلبس درعه، وقال لأصحابه: لولا أنتم ما لبست درعا، فوثب عليه القوم فكلمهم ابن الزبير، وأخذ عليهم ميثاقا فى صحيفة وبعث بها إلى عثمان: إن عليكم عهد الله وميثاقه ألّا تغزوه بشئ، فكلموه وتحرّجوا فوضع السلاح فلم يكن إلا أن وضعه حتى دخل عليه القوم يقدمهم (٢) ابن أبى بكر، حتى أخذوا بلحيته ودعوه بالّلقب (٣)، فقال أنا عبد الله وخليفته، فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، وطعنوه فى صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدّم الجبين فوق الأنف ضربة أسرعت فى العظم فسقطت عليه وقد أثخنوه (٤) وبه حياة، وهم يريدون قطع رأسه ليذهبوا به، فأتتنى بنت شيبة بن ربيعة، فألقت نفسها معى عليه، فتوطّئنا (٥) وطأ شديدا،

стр. 287

وعرّينا من ثيابنا (١)، وحرمة أمير المؤمنين أعظم، فقتلوه رحمة الله عليه فى بيته وعلى فراشه، وقد أرسلت إليكم بثوبه وعليه دمه، وإنه والله لئن كان أثم من قتله لما سلم من خذله، فانظروا أين أنتم من الله جل وعز، فإنا نتشكّى ما مسّنا إليه، ونستنصر وليّه وصالحى عباده، ورحمة الله على عثمان، ولعن الله من قتله، وصرعهم فى الدنيا مصارع الخزى والمذلّة، وشفى منهم الصدور». فحلف رجال من أهل الشأم أن لا يطئوا النساء حتى يقتلوا قتلته، أو تذهب أرواحهم. (الأغانى ١٥: ٦٨)

стр. 288

[فى الزمان] خلافة الامام على بن أبى طالب كرّم الله وجهه ٣٢٥ - كتاب الإمام على إلى عثمان بن حنيف وبويع الإمام على كرم الله وجهه بالخلافة، لخمس بقين من ذى الحجّة سنة ٣٥ هـ، فبعث عمّاله على الأمصار، فكان عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصارى، ثم بلغه أن ابن حنيف دعى إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها، فكتب إليه الإمام علىّ: «أما بعد: يابن حنيف، فقد بلغنى أن رجلا من فتية (١) أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان (٢)، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم (٣)، عائلهم مجفوّ، وغنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه (٤) من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه. ألا وإن لكلّ مأموم إماما يقتدى به، ويستضئ بنور علمه، ألا وإن إمامكم

стр. 289

قد اكتفى من دنياه بطمريه (١)، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينونى بورع واجتهاد، وعفّة وسداد، فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادّخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالى ثوبى طمرا (٢)، ولا حزت من أرضها شبرا، ولا أخذت منها إلّا كقوت أتان دبرة (٣)، ولهى فى عينى أوهى وأهون من عفصة مقرة، بلى كانت فى أيدينا «فدك (٤)» من كل ما أظلّته السماء فشحّت عليها نفوس قوم (٥)، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك؟ والنفس مظلّتها فى غد جدث (٦)، تنقطع فى ظلمته

стр. 290

آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد فى فسحتها، وأوسعت يدا حافرها، لأضغطها الحجر والمدر، وسدّ فرجها التراب المتراكم، وإنما هى نفسى أروضها (١) بالتقوى، لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبّت على جوانب المزلق. ولو شئت لا هتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل. ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبنى هواى، ويقودنى جشعى (٢) إلى تخير الأطعمة، ولعلّ بالحجاز وباليمامة من لا طمع له فى القرص، ولا عهد له بالشّبع، أو أبيت مبطانا وحولى بطون غرثى، وأكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل: وحسبك عارا أن تبيت ببطنة ... وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ (٣) أأقنع من نفسى بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم فى مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم فى جشوبة العيش (٤)؟ فما خلقت ليشغلنى أكل الطيّبات. كالبهيمة المربوطة، همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها (٥)، تكترش من أعلافها، وتلهو عما يراد بها، أو أترك سدّى وأهمل عابثا، أو أجرّ حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة (٦).

стр. 291

وكأنى بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبى طالب، فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران، ومنازلة الشّجعان، ألا وإن الشجرة البرّيّة أصلب عودا (١)، والروائح الخضرة أرق جلودا، والنابتات البدوية (٢) أقوى وقودا: وأبطأ خمودا، وأنا من رسول الله كالصّنو من الصّنو (٣)، والذراع من العضد، والله لو تظاهرت العرب على قتالى لما وليّت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها، وسأجهد فى أن أطهّر الأرض من هذا الشخص المعكوس (٤)، والجسم المركوس، حتى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد. إليك عنى يا دنيا، فحبلك على غاربك (٥)، قد انسللت من مخالبك، وأفلتّ من حبائلك، واجتنبت الذّهاب فى مداحضك، أين القوم الذين غررتهم بمداعبك؟ أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك، هاهم رهائن القبور، ومضامين اللّحود، والله لو كنت شخصا مرئيّا، وقالبا حسّيّا، لأقمت عليك حدود الله فى عباد غررتهم بالأمانى، وأمم ألقيتهم فى المهاوى، وملوك أسلمتهم إلى التّلف، وأوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد ولا صدر (٦)، هيهات! من وطئ دحضك زلق، ومن ركب لججك غرق، ومن ازورّ عن حبائلك وفّق، والسالم منك لا يبالى إن ضاق به مناخه،

стр. 292

والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه، اعزبى (١) عنى، فو الله لا أذلّ لك فتستذلّينى، ولا أسلس لك فتقودينى، وايم الله يمينا أستثنى فيها بمشيئة الله، لأروضنّ نفسى رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما، ولأدعنّ مقلتى كعين ماء نضب (٢) معينها، مستفرغة دموعها. أتمتلئ السائمة من رعيها (٣) فتبرك، وتشبع الرّبيضة من عشبها فتربض، ويأكل علىّ من زاده فيهجع؟ قرّت إذن عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة (٤)، والسّائمة المرعيّة! طوبى لنفس أدّت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها (٥)، وهجرت فى الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها، افترشت أرضها، وتوسّدت كفّها، فى معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت (٦) بذكر ربهم شفاههم، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم أولئك حزب الله، ألا إنّ حزب الله هم المفلحون. فاتق الله يا بن حنيف، ولتكفك أقراصك، ليكون من النار خلاصك». (نهج البلاغة ٢: ٥٠) ٣٢٦ - كتاب معاوية إلى الزبير بن العوام وكان أول الأحداث فى خلافة الإمام على، أن السيدة عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم خرجوا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان رضى الله عنه.

стр. 293

وروى ابن أبى الحديد أن عليا ﵇ لما بويع بالخلافة كتب إلى معاوية يأمره أن يبايع له (١)، فلما قدم رسوله على معاوية وقرأ كتابه، بعث رجلا من بنى عميس، وكتب معه كتابا إلى الزّبير بن العوّام، وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبى سفيان سلام عليك، أما بعد فإنى قد بايعت لك أهل الشأم، فأجابوا واستوسقوا (٢) كما يستوسق الحلب، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليهما ابن أبى طالب، فإنه لا شئ بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك، فأظهرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجدّ والتشمير، أظفر كما الله، وخذل مناوئكما (٣)». فسرّ الزبير بهذا الكتاب، وأعلم به طلحة، ولم يشكّا فى النّصح لهما من قبل معاوية، وأجمعا عند ذلك على خلاف على ﵇. (شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٧٧)

стр. 294

٣٢٧ - كتاب مروان بن الحكم إلى معاوية وإلى يعلى بن منية وروى ابن أبى الحديد عن الزبير بن بكّار قال: لما حصر عثمان أبرد مروان بن الحكم بخبره (١) بريدين: أحدهما إلى الشأم، والآخر إلى اليمن- وبها يومئذ يعلى بن منية- ومع كل واحد منهما كتاب فيه: «إن بنى أميّة فى الناس كالشّامة (٢) الحمراء، وإن الناس قد قعدوا لهم برأس كلّ محجّة (٣)، وعلى كل طريق، فجعلوهم مرمى العرّ والعضيهة (٤)، ومقذف القشب والأفيكة (٥)، وقد علمتم أنها لم (٦) تأت عثمان إلا كرها تجبذ من ورائها، وإنى خائف- إن قتل- أن تكون من بنى أمية بمناط الثريّا (٧)، إن لم نصر كرصيف (٨) الأساس المحكم، ولئن وهى (٩) عمود البيت لتتداعينّ جد رانه، والذى عيب عليه إطعامكما (١٠) الشام واليمن، ولا شكّ أنكما تابعاه (١١) إن لم تحذرا، وأما أنا فمساعف كلّ مستشير، ومعين كل مستصرخ (١٢)، ومجيب كلّ داع،

стр. 295

أتوقّع الفرصة فأثب وثبة الفهد أبصر غفلة مقتنصه، ولولا مخافة عطب البريد وضياع الكتب، لشرحت لكما من الأمر ما لا تفزعان معه إلى أن يحدث الأمر، فجدّا فى طلب ما أنتما وليّاه، وعلى ذلك فليكن العمل إن شاء الله، وكتب فى آخره: وما بلغت عثمان حتى تخطّمت ... رجال ودانت للصّغار رجال (١) لقد رجعت عودا على بدء كونها ... وإن لم تجدّا فالمصير زوال سيبدى مكنون الضمائر قولهم ... ويظهر منهم بعد ذاك فعال فإن تقعدا لا تطلبا ما ورثتما ... فليس لنا طول الحياة مقال نعيش بدار الذّل فى كل بلدة ... وتظهر منا كأبة وهزال (٢) ٣٢٨ - كتاب مروان بن الحكم إلى معاوية فلما ورد الكتاب على معاوية أذّن فى الناس: الصلاة جامعة، ثم خطبهم خطبة المستنصر المستصرخ، وفى أثناء ذلك ورد عليه قبل أن يكتب الجواب كتاب مروان بقتل عثمان، وكانت نسخته: «وهب الله لك- أبا عبد الرحمن (٣) - قوّة العزم، وصلاح النية، ومنّ عليك بمعرفة الحقّ واتّباعه، فإنى كتبت إليك هذا الكتاب بعد قتل عثمان أمير المؤمنين، وأىّ قتلة قتل؟ نحر كما ينحر البعير الكبير عند اليأس من أن ينوء (٤) بالحمل،

стр. 296

بعد أن نقبت صفحته بطىّ المراحل، وسير الهجير، وإنى معلمك من خبره غير مقصّر ولا مطيل: إن القوم استطالوا مدّته، واستقلّوا ناصره، واستضعفوه فى بدنه، وأمّلوا بقتله بسط أيديهم فيما كان قبضه عنهم، واعصوصبوا (١) عليه، فظلّ محاصرا قد منع من صلاة الجماعة، وردّ المظالم، والنظر فى أمور الرعية، حتى كأنه هو فاعل لما فعلوه، فلما دام ذلك أشرف عليهم، فخوّفهم الله وناشدهم وذكّرهم مواعيد رسول الله ﷺ وقوله فيه (٢)، فلم يجحدوا فصله ولم ينكروه، ثم رموه بأباطيل اختلقوها ليجعلوا ذلك ذريعة إلى قتله، فأظهر لهم التوبة مما كرهوا، ووعدهم الرّجعة إلى ما أحبوا، فلم يقبلوا ذلك، ونهبوا داره، وانتهكوا حرمته، ووثبوا عليه فسفكوا دمه، وانقشعوا (٣) عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها، منكفئين قبل ابن أبى طالب انكفاء الجراد أبصر المرعى، فأخلق ببنى أمية أن يكونوا من هذا الأمر بمجرى

стр. 297

العيّوق (١)، إن لم يثأره ثائر، فإن شئت أبا عبد الرحمن أن تكونه فكنه، والسلام». فلما ورد الكتاب على معاوية أمر يجمع الناس، ثم خطبهم خطبة أبكى منها العيون، وقلقل القلوب، حتى علت الرّنّة (٢)، وارتفع الضجيج، وهمّ النساء أن يتسلّحن. ثم كتب إلى طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، وسعيد بن العاص، وعبد الله ابن عامر، والوليد بن عقبة، ويعلى بن منية (٣). ٣٢٩ - كتاب معاوية إلى طلحة بن عبيد الله فكان كتاب طلحة: «أما بعد: فإنك أقلّ قريش فى قريش وترا (٤)، مع صباحة وجهك، وسماحة كفّك (٥)، وفصاحة لسانك، فأنت بإزاء من تقدّمك فى السابقة (٦)، وخامس المبشّرين بالجنّة (٧)، ولك يوم أحد وشرفه وفضله (٨)، فسارع- رحمك الله- إلى ما تقلّدك

стр. 298

الرعية من أمرها، مما لا يسعك التخلف عنه، ولا يرضى الله منك إلا بالقيام به، فقد أحكمت لك الأمر قبلى، والزبير فغير متقدّم عليك بفضل، وأيّكما قدّم صاحبه فالمقدّم الإمام، والأمر من بعد للمقدّم له، سلك الله بك قصد (١) المهتدين، ووهب لك رشد الموفّقين، والسلام». ٣٣٠ - كتاب معاوية إلى الزبير بن العوام وكتب إلى الزبير: «أما بعد: فإنك الزبير بن العوام، ابن أبى خديجة (٢)، وابن عمّة (٣) رسول الله ﷺ ، وحواريّه (٤) وسلفه (٥)، وصهر أبى بكر، وفارس المسلمين، وأنت الباذل فى الله مهجته بمكة عند صيحة الشيطان، بعثك المنبعث، فخرجت كالثعبان المنسلخ بالسيف المنصلت، تخبط خبط الجمل الرّديع (٦)، كل ذلك قوة إيمان وصدق يقين، وسبقت لك من رسول الله ﷺ البشارة بالجنة، وجعلك عمر أحد المستخلفين (٧) على الأمة. واعلم يا أبا عبد الله أن الرعية أصبحت كالغنم المتفرقة لغيبة الراعى، فسارع

стр. 299

- رحمك الله- إلى حقن الدماء، ولمّ الشّعث (١)، وجمع الكلمة، وصلاح ذات البين، قبل تفاقم الأمر، وانتشار الأمة، فقد أصبح الناس على شفا جرف هار (٢)، عمّا قليل ينهار إن لم يرأب، فشمّر لتأليف الأمة وابتغ إلى ربك سبيلا، فقد أحكمت الأمر من قبلى لك ولصاحبك على أن الأمر للمقدّم، ثم لصاحبه من بعده، جعلك الله من أئمّة الهدى، وبغاة الخير والتقوى، والسلام». ٣٣١ - كتاب معاوية إلى مروان وكتب إلى مروان بن الحكم: «أما بعد: فقد وصل إلىّ كتابك بشرح خبر أمير المؤمنين، ومار كبوه به، ونالوه منه، جهلا بالله، وجراءة عليه، واستخفافا بحقه، ولأمانىّ لوّح الشيطان بها فى شرك الباطل، ليدهدههم (٣) فى أهويّات الفتن، ووهدات الضلال، ولعمرى لقد صدق عليهم إبليس ظنّه، ولقد اقتنصهم (٤) بأنشوطة فخّه، فعلى رسلك (٥) أبا عبد الله تمشى الهوينى وتكون أوّلا، فإذا قرأت كتابى هذا فكن كالعهد لا يصطاد إلا غيلة (٦)، ولا يتشازر إلا عن حيلة، وكالثعلب لا يفلت إلا روغانا، وأخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأكفّ، وامتهن (٧) نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره، وابحث عن أمورهم بحث الدّجاجة عن حبّ الدّخن عند فقاسها (٨)، وأنغل (٩) الحجاز، فإنى منغل الشام، والسلام».

стр. 300

٣٣٢ - كتاب معاوية إلى سعيد بن العاص وكتب إلى سعيد بن العاص: «أما بعد: فإن كتاب مروان ورد علىّ من ساعة وقعت النازلة، تقبل به البرد (١) بسير المطىّ الوجيف، تتوجّس (٢) توجّس الحيّة الذّكر خوف ضربة الفأس، وقبضة الحاوى، ومروان الرائد (٣) لا يكذب أهله، فعلام الإفكاك (٤) يا بن العاص ولات حين مناص؟ ذلك أنكم يا بنى أمية عمّا قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة، فينكر كم من كان منكم عارفا، ويصدّ عنكم من كان لكم واصلا، متفرّقين فى الشّعاب (٥)، تتمنّون لماظة (٦) المعاش. إن أمير المؤمنين عتب عليه فيكم، وقتل فى سبيلكم، ففيم القعود عن نصرته، والطلب بدمه! وأنتم بنو أبيه وذوو رحمه، وأقربوه وطلّاب ثأره، أصبحتم مستمسكين بشظف (٧) معاش زهيد، عمّا قليل ينزع منكم عند التخاذل، وضعف القوى، فإذا قرأت كتابى هذا فدبّ دبيب البرء فى الجسد النّحيف، وسر سير النجوم تحت الغمام، واحشد حشد (٨) الذرّة فى الصيف لانجحارها فى الصّرد، فقد أيّدتكم بأسد وتيم. وكتب فى الكتاب:

стр. 301

تالله لا يذهب شيخى باطلا ... حتى أبير مالكا وكاهلا (١) القاتلين الملك الحلاحلا ... خير معدّ حسبا ونائلا ٣٣٣ - كتاب معاوية إلى عبد الله بن عامر وكتب إلى عبد الله بن عامر: «أما بعد: فإن المنبر مركب ذلول سهل الرياضة لا ينازعك اللّجام، وهيهات ذلك إلا بعد ركوب أثباج (٢) المهالك، واقتحام أمواج المعاطب، وكأنى بكم يا بنى أميّة شعارير كالأوارق تقودها الحداة (٣)، أو كرخم الخندمة (٤) تذرف خوف العقاب، فثب الآن- رحمك الله- قبل أن يستشرى (٥) الفساد، وندب السّوط جديد، والجرح لمّا يندمل، ومن قبل استضراء (٦) الأسد، والتقاء لحييه على فريسته، وساور الأمر مساورة الذئب الأطلس كسيرة القطيع، ونازل الرأى، وانصب الشّرك، وارم عن تمكن، وضع الهناء مواضع النّقب (٧)، واجعل أكبر عدّتك الحذر، وأحدّ سلاحك التحريض، وأغض عن العوراء، وسامح اللّجوج، واستعطف الشارد، ولاين الأشوس (٨). وقوّ عزم المريد، وبادر العقبة، وازحف زحف الحيّة، واسبق

стр. 302

أن تسبق، وقم قبل أن يقام لك، واعلم أنك غير متروك ولا مهمل، فإنى لكم ناصح أمين، والسلام». وكتب فى أسفل الكتاب أبياتا: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته، ما شاء أن يترحّما (١) تحية من أهدى السلام لأهله ... إذا شطّ دارا عن مزارك سلّما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما ٣٣٤ - كتاب معاوية إلى الوليد بن عقبة وكتب إلى الوليد بن عقبة: «يا بن عقبة: كنّ الجيش، وطيب العيش، أطيب من سفع سموم (٢) الجوزاء عند اعتدال الشمس فى أفقها، إن عثمان أخاك (٣) أصبح بعيدا منك، فاطلب لنفسك ظلّا تستكنّ به، إنى أراك على التراب رقودا، وكيف بالرّقاد بك؟ لا رقاد لك! فلو قد استتبّ هذا الأمر لمريده ألفيت كشريد النعام يفزع من ظلّ الطائر، وعن قليل تشرب الرّنق (٤)، وتستشعر الخوف، أراك فسيح الصدر، مسترخى اللّبب (٥)، رخو الحزام، قليل الاكتراث، وعن قليل يجتث أصلك، والسلام»:

стр. 303

وكتب فى آخر الكتاب: اخترت نومك أن هبّت شآمية ... عند الهجير وشربا بالعشيات (١) على طلابك ثأرا من بنى حكم ... هيهات من راقد طلّاب ثارات ٣٣٥ - كتاب معاوية إلى يعلى بن أمية وكتب إلى يعلى بن أمية: «حاطك الله بكلاءته (٢)، وأيّدك بتوفيقه، كتبت إليك صبيحة ورد علىّ كتاب مروان بخبر قتل أمير المؤمنين، وشرح الحال فيه، وإن أمير المؤمنين طال به العمر حتى نقصت قواه، وثقلت نهضته، وظهرت الرّعشة فى أعضائه، فلما رأى ذلك أقوام لم يكونوا عنده موضعا للإمامة والأمانة، وتقليد الولاية، وثبوا به وألّبوا عليه (٣): فكان أعظم ما نقموا عليه وعابوه به، ولا يتك اليمن، وطول مدّتك عليها، ثم ترامى بهم الأمر حالا بعد حال، حتى ذبحوه ذبح النّطيحة (٤) مبادرا بها الموت، وهو مع ذلك صائم، معانق المصحف، يتلو كتاب الله فيه، عظمت مصيبة الإسلام بصهر (٥) الرسول، والإمام المقتول على غير جرم، سفكوا دمه، وانتهكوا حرمته، وأنت تعلم أن بيعته فى أعناقنا، وطلب ثأره لازم لنا، فلا خير فى دنيا تعدل بنا عن الحق، ولا فى إمرة توردنا النار، وإن الله جل ثناؤه لا يرضى بالتّعذير (٦) فى دينه، فشمّر لدخول العراق، فأما الشام فقد كفيتك أهلها، وأحكمت أمرها، وقد كتبت إلى طلحة بن عبيد الله أن يلقاك بمكة، حتى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة،

стр. 304

والطلب بدم عثمان أمير المؤمنين المظلوم، وكتبت إلى عبد الله بن عامر، يمهّد لكم العراق، ويسهّل لكم حزونة عقابها (١)، واعلم يا بن أمية أن القوم قاصدوك بادئ بدء، لاستنزافّ ما حوته يداك من المال، فاعلم ذلك واعمل على حسبه إن شاء الله». وكتب فى أسفل الكتاب: ظلّ الخليفة محصورا يناشدهم ... بالله طورا، وبالقرآن أحيانا وقد تألّف أقوام على حنق ... عن غير جرم، وقالوا فيه بهتانا فقام يذكرهم وعد الرسول له ... وقوله فيه إسرارا وإعلانا فقال: كفّوا، فإنى معتب لكم ... وصارف عنكم يعلى ومروانا (٢) فكذّبوا ذاك منه، ثم ساوره ... من حاض لبّته ظلما وعدوانا (٣) ٣٣٦ - كتاب مروان إلى معاوية فكتب إليه مروان جوابا عن كتابه: «أما بعد: فقد وصل كتابك، فنعم كتاب زعيم العشيرة، وحامى الذّمار (٤) وأخبرك أن النوم على سنن استقامة إلا شظايا (٥) شعب، شننت بينهم مقولى على غير مجابهة، حسب ما تقدّم من أمرك، وإنما كان ذلك دسيس (٦) العصاة، ورمى الجذر من أغصان الدّوحة، ولقد طويت أديمهم (٧) على نغل يحلم منه الجلد، كذبت

стр. 305

نفس الظّانّ بنا ترك المظلمة، وحبّ الهجوع إلا تهويمة (١) الراكب العجل، حتى تجذّ الجماجم جذّ العراجين المهدّلة حين ابتياعها، وأنا- على صحة نيّتى، وقوة عزيمتى، وتحريك الرحم لى وغليان الدم منى- غير سابقك بقول، ولا متقدّمك بفعل، وأنت ابن حرب طلّاب التّرات (٢)، وآبى الضّيم، وكتابى إليك وأنا كحرباء السّبسب فى الهجير ترقب عين الغزالة، وكالسّبع المفلت من الشرك يفرق من صوت نفسه، منتظرا لما تصحّ به عزيمتك، ويرد به أمرك، فيكون العمل به والمحتذى عليه». وكتب فى أسفل الكتاب: أيقتل عثمان وترقا دموعنا ... ونرقد هذا الليل لا نتفزّع؟ (٣) ونشرب برد الماء ريّا، وقد مضى ... على ظمإ، يتلو القران ويركع؟ فإنى ومن حجّ الملبّون بيته ... وطافوا به سعيا، وذو العرش يسمع سأمنع نفسى كلّ ما فيه لذّة ... من العيش حتى لا يرى فيه مطمع وأقتل بالمظلوم من كان ظالما ... وذلك حكم الله ما فيه مدفع ٣٣٧ - كتاب عبد الله بن عامر إلى معاوية وكتب إليه عبد الله بن عامر: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين كان لنا الجناح الحاضنة تأوى إليها فراخها تحتها، فلما أقصده (٤) السهم صرنا كالنّعام الشارد، ولقد كنت مشرّد الفكر، ضالّ الفهم، ألتمس دريّة أستجنّ بها من خطأ الحوادث، حتى دفع إلىّ كتابك فانتبهت من

стр. 306

غفلة طال فيها رقادى، فأنا كواجد المحجّة كان إلى جانبها حائرا، وكأنى أعايز ما وصفت من تصرّف الأحوال، والذى أخبرك به أن الناس فى هذا الأمر: تسعة لك، وواحد عليك، وو الله للموت فى طلب العزّ أحسن من الحياة فى الذّلة، وأنت ابن حرب فتى الحروب، ونصّار بنى عبد شمس، والهمم بك منوطة وأنت منهضها، فإذا نهضت فليس حين قعود، وأنا اليوم على خلاف ما كانت عليه عزيمتى: من طلب العافية، وحبّ السلامة، قبل قرعك سويداء (١) القلب بسوط الملام، ولنعم مؤدّب العشيرة أنت، وإنا لنرجوك بعد عثمان، وهأنا متوقع ما يكون منك لأمتثله (٢) وأعمل عليه إن شاء الله. وكتب فى أسفل الكتاب: لا خير فى العيش فى ذلّ ومنقصة ... والموت أحسن مضن يم ومن عار إنا بنو عبد شمس معشر أنف ... غرّ جحاجحة طلّاب أوتار (٣) والله لو كان ذمّيّا مجاورنا ... ليطلب العز، لم تقعد عن الجار فكيف عثمان لم يدفن بمزبلة ... على القمامة مطروحا بها عارى (٤) فازحف إلىّ فإنى زاحف لهم ... بكل أبيض ماضى الحدّ بتّار ٣٣٨ - كتاب الوليد بن عقبة إلى معاوية وكتب إليه الوليد بن عقبة: «أما بعد: فإنك أسدّ قريش عقلا، وأحسنهم فهما، وأصوبهم رأيا، معك حسن السياسة، وأنت موضع الرّياسة، تورد بمعرفة، وتصدر عن منهل روىّ،

стр. 307

مناويك (١) كالمنقلب من العيّوق، فهوى به عاصف الشّمال إلى لجّة البحر. كتبت إلىّ تذكر كنّ الجيش، ولين العيش، فملأت بطنى على حرام، إلّا مسكة (٢) الرّمق، حتى أفرى أوداج قتلة عثمان فرى الأهب بشبا الشّفار، وأما اللّين فهيهات، إلا خفية المرتقب يرتقب غفلة الطالب، إنا على مداجاة (٣)، ولمّا نبد صفحاتنا بعد، وليس دون الدّم بالدم مزحل، إن العار منقصة، والضعف ذل، أيخبط قتلة عثمان زهرة الحياة الدنيا، ويسقون برد المصير، ولمّا يمتطوا (٤) الخوف، ويستحلسوا الحذر بعد مسافة الطّرد، وامتطاء العقبة الكئود فى الرّحلة؟ لا دعيت لعقبة إن كان ذلك، حتى أنصب لهم حربا تضع الحوامل لها أطفالها، قد ألوت (٥) بنا السّاقة، ووردنا حياض المنايا، وقد عقلت نفسى على الموت عقل البعير، واحتسبت أنى ثانى عثمان أو أقتل قاتله، فعجّل علىّ ما يكون من رأيك، فإنّا منوطون بك متّبعون عقبك، ولم أحسب الحال تتراخى بك إلى هذه الغاية لما أخافه من إحكام القوم أمرهم». وكتب فى أسفل الكتاب: نومى علىّ محرّم إن لم أقم ... بدم ابن أمّى من بنى العلّات (٦) قامت علىّ (إذا قعدت ولم أقم ... بطلاب ذاك) مناحة الأموات عذبت حياض الموت عندى بعدما ... كانت كريهة مورد النّهلات (٧)

стр. 308

٣٣٩ - كتاب يعلى بن أمية إلى معاوية وكتب إليه يعلى بن أمية: «إنا وأنتم يا بنى أمية كالحجر، لا يبنى بغير مدر (١)، وكالسيف لا يقطع إلا بضاربه، وصل كتابك بخبر القوم وحالهم، فلئن كانوا ذبحوه ذبح النّطيحة بودر بها الموت، لينحرنّ ذابحه نحر البدنة (٢) وافى بها الهدى الأجل، ثكلتنى من أنا ابنها إن تمت عن طلب وتر عثمان، أو يقال لم يبق فيه رمق، إنى أرى العيش بعد قتل عثمان مرّا، إن أدلج (٣) القوم فإنى مدلج، وأما قصدهم ما حوته يدى من المال، فالمال أيسر مفقود إن دفعوا إلينا قتلة عثمان، وإن أبوا ذلك أنفقنا المال على قتالهم، وإن لنا ولهم لمعركة نتناحر فيها نحر الجزّار النقائع (٤) عن قليل تصلّ لحومها». وكتب فى أسفل الكتاب: لمثل هذا اليوم أوصى الناس ... لا تعط ضيما أو يخرّ الراس فكلّ هؤلاء كتبوا إلى معاوية يحرّضونه ويغرونه ويحركونه، إلا سعيد بن العاص، فإنه كتب بخلاف ما كتب به هؤلاء، كان كتابه:

стр. 309

٣٤٠ - كتاب سعيد بن العاص إلى معاوية «أما بعد: فإن الحزم فى التثبّت، والخطأ فى العجلة، والشّؤم فى البدار، والسهم سهمك ما لم ينبض به الوتر، ولن يردّ الحالب فى الضّرع اللبن، ذكرت حقّ أمير المؤمنين علينا، وقرابتنا منه، وأنه قتل فينا، فخصلتان ذكرهما نقص، والثالثة تكذّب (١)، وأمرتنا بطلب دم عثمان، فأىّ جهة نسلك فيها أبا عبد الرحمن؟ ردمت الفجاج (٢)، وأحكم الأمر عليك، وولى زمامه غيرك، فدع مناوأة من لو كان افترش فراشه صدر الأمر لم يعدل به غيره، وقلت: كأنا عن قليل لا نتعارف، فهل نحن إلا حىّ من قريش، إن لم تنلنا الولاية لم يضق عنا الحقّ؟ إنها خلافة منافيّة (٣)، وبالله أقسم قسما مبرورا لئن صحّت عزيمتك على ما ورد به كتابك لألفينّك بين الحالين طليحا (٤)، وهبنى إخالك بعد خوض الدماء تنال الظّفر، هل فى ذلك عوض من ركوب المأثم، ونقص الدين؟ أمّا أنا فلا على بنى أميّة ولا لهم، أجعل الحزم دارى، والبيت سجنى، وأتوسّد الإسلام، وأستشعر العافية، فاعدل أبا عبد الرحمن زمام راحلتك إلى محجّة الحق، واستوهب العافية لأهلك، واستعطف الناس على قومك، وهيهات من قبولك ما أقول حتى يفجّر مروان ينابيع الفتن تأجّج فى البلاد، وكأنى بكما عند ملاقاة الأقران تعتذران بالقدر، ولبئس العاقبة الندامة، وعمّا قليل يضح لك الأمر والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٥٧٩)

стр. 310

٣٤١ - كتاب السيدة أم سلمة إلى السيدة عائشة وكانت السيدة عائشة خرجت إلى مكة للحجّ عام مقتل عثمان، فلما قضت حجّها بلغها وهى عائدة مقتل عثمان، فارتدّت إلى مكة، وأزمعت أن تطلب بدمه، وجاءت إلى السيدة أم سلمة زوج رسول الله ﷺ وكانت أم سلمة بمكة فى هذا العام- تغريها بالخروج معها للطلب بدم عثمان، فأبت أن تجيبها، وأظهرت موالاة علىّ ﵇ ونصرته. وكثبت إلى السيدة عائشة إذ عزمت على الخروج إلى البصرة: «من أم سلمة زوج النبى ﷺ إلى عائشة أم المؤمنين: سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنك سدّة (١) بين رسول الله ﷺ وبين أمّته، وحجابك مضروب على حرمته (٢)، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه (٣)، وسكّن عقيراك (٤) فلا تصحريها، الله من

стр. 311

وراء هذه الأمّة (١)، لو علم رسول الله ﷺ أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك (٢)، علت علت! (٣) بل قد نهاك عن الفرطة (٤) فى البلاد، إن عمود الدين لا يثاب (٥) بالنساء إن مال، ولا يرأب (٦) بهنّ إن صدع، حماديات (٧) النساء غضّ الأطراف وخفض الأصوات، وخفر الأعراض، وضمّ الذيول، وقصر الوهازة (٨)، ما كنت قائلة لرسول الله ﷺ لو عارضك ببعض الفلوات، ناصّة (٩) قعودا من

стр. 312

منهل إلى منهل، قد وجّهت سدافته (١)، وتركت عهّيداه (٢)، إنّ بعين الله مهواك (٣)، وعلى رسوله تردين، وأقسم لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لى: يا أمّ سلمة: ادخلى الفردوس، لاستحييت أن ألقى محمدا ﷺ هاتكة حجابا قد ضربه علىّ. اجعلى بيتك حصنك، ووقاعة (٤) السّتر قبرك، حتى تلقيه وأنت على تلك، أطوع ما تكونين لله إذا لزمته، وأنصر ما تكونين للدين ما حللت فيه، ولو ذكّرتك فولا من رسول الله ﷺ تعرفينه، لهشت به نهش الرّقشاء المطرقة (٥)، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد ٢: ٧٩، والعقد الفريد ٢: ٢٢٧، والإمامة والسياسة ١: ٤٥)

стр. 313

٣٤٢ - رد السيدة عائشة على السيدة أم سلمة فأجابتها السيدة عائشة: «من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة: سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فما أقبلنى لو عظك، وأعرفنى لحق نصحك، وما أنا بعمية عن رأيك، وليس مسيرى على ما تظنّين، ولنعم المسير مسير فزعت فيه إلىّ فئتان متناجزتان (١) من المسلمين، فإن أقعد ففى غير حرج (٢)، وإن أمض فإلى ما لا بدّ لى من الازدياد منه، والسلام». (شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٧٩، والعقد الفريد ٢: ٢٢٧، والإمامة السياسة ١: ٤٥) ٣٤٣ - كتاب السيدة أم سلمة إلى على وكتبت السيدة أم سلمة إلى علىّ ﵇ من مكة: «أما بعد: فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضّلالة يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة، ومعهم ابن الحزان (٣) عبد الله بن عامر بن كريز، ويذكرون

стр. 314

أن عثمان قتل مظلوما، وأنهم يطلبون بدمه، والله كافيهم بحوله وقوّته، ولولا ما نهانا الله عنه من الخروج، وأمرنا به من لزوم البيوت (١)، لم أدع الخروج إليك، والنّصرة لك، ولكنى باعثة نحوك ابنى، عدل (٢) نفسى، عمر بن أبى سلمة، فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا». فلما قدم عمر على علىّ ﵇، أكرمه ولم يزل مقيما معه حتى شهد مشاهده كلّها، ووجّهه أميرا على البحرين. (شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٧٨) ٣٤٤ - كتاب الأشتر إلى السيدة عائشة وكتب الأشتر من المدينة إلى السيدة عائشة، وهى بمكة: «أما بعد: فإنك ظعينة (٣) رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أمرك أن تقرّى فى بيتك، فإن فعلت فهو خير لك، وإن أببت إلا أن تأخذى منسأتك (٤)، وتلقى جلبابك، وتبد للناس شعيراتك، قاتلتك حتى أردّك إلى بيتك، والموضع الذى يرضاه لك ربك». (شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٨٠) ٣٤٥ - رد السيدة عائشة على الأشتر فكتبت إليه فى الجواب: «أما بعد: فإنك أول العرب شبّ الفتنة، ودعا إلى الفرقة، وخالف الأئمّة، وسعى فى قتل الخليفة، وقد علمت أنك لن تعجز الله حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها

стр. 315

منك للخليفة المظلوم، وقد جاءنى كتابك، وفهمت ما فيه، وسيكفينيك الله، وكلّ من أصبح مماثلا لك فى ضلالك، وغيّك إن شاء الله». (شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٨٠) ٣٤٦ - كتاب طلحة والزبير إلى كعب بن سور ولمّا أجمعت عائشة وطلحة والزبير وأشياعهم على المسير إلى البصرة، قال الزبير لعبد الله بن عامر- وكان عامل عثمان على البصرة، وهرب عنها حين مصير عثمان ابن حنيف عامل علىّ إليها-: من رجال البصرة؟ قال: ثلاثة، كلّهم سيّد مطاع: كعب ابن سور فى اليمن، والمنذر بن ربيعة فى ربيعة، والأحنف بن قيس فى البصرة. فكتب طلحة والزبير إلى كعب بن سور. «أما بعد، فإنك قاضى عمر بن الخطاب، وشيخ أهل البصرة، وسيّد أهل اليمن، وقد كنت غضبت لعثمان من الأذى، فاغضب له من القتل، والسلام». (الإمامة والسياسة ١: ٤٧) ٣٤٧ - كتابهما إلى الأحنف بن قيس وكتبا إلى الأحنف بن قيس: «أما بعد، فإنك وافد عمر (١)، وسيّد مضر، وحليم أهل العراق، وقد بلغك مصاب عثمان، ونحن قادمون عليك، والعيان (٢) أشفى لك من الخبر، والسلام». (الإمامة والسياسة ١: ٤٨)

стр. 316

٣٤٨ - كتابهما إلى المنذر بن ربيعة وكتبا إلى المنذر: «أما بعد: فإن أباك كان رئيسا فى الجاهلية، وسيّدا فى الإسلام، وإنك من أبيك بمنزلة المصلّى (١) من السابق، يقال كاد أو لحق (٢)، وقد قتل عثمان من أنت خير منه، وغضب له من هو خير منك، والسلام». (الإمامة والسياسة ١: ٤٨) ٣٤٩ - رد كعب بن سور على طلحة والزبير فكتب كعب بن سور إلى طلحة والزبير: «أما بعد: فإنا غضبنا لعثمان من الأذى والغير (٣) باللسان، فجاء أمر الغير فيه بالسيف، فإن يكن عثمان قتل ظالما فما لكما وله؟ وإن كان قتل مظلوما فغير كما أولى به، وإن كان أمره أشكل على من يشهده، فهو على من غاب عنه أشكل». (الإمامة والسياسة ١: ٤٨) ٣٥٠ - رد الأحنف عليهما وكتب الأحنف إليهما: «أما بعد: فإنه لم يأتنا من قبلكم أمر لا نشكّ فيه إلا قتل عثمان، وأنتم قادمون علينا، فإن يكن فى العيان فضل نظرنا فيه ونظرتم، وإلّا يكن فيه فضل فليس فى أيدينا ولا أيديكم ثقة، والسلام». (الإمامة والسياسة ١: ٤٨)

стр. 317

٣٥١ - رد المنذر عليهما وكتب المنذر إليهما: «أما بعد: فإنه لم يلحقنى بأهل الخير إلا أن أكون خيرا من أهل الشر، وإنما أوجب حقّ عثمان اليوم حقّه أمس، وقد كان بين أظهركم فخذ لتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم، وبدا لكم هذا الرأى؟ ». فلما قرأ اكتب القوم ساءهما ذلك وغضبا. (الإمامة والسياسة ١: ٤٨) ٣٥٢ - كتاب السيدة عائشة إلى زيد بن صوحان وكتبت السيدة عائشة إلى زيد بن صوحان العبدى (١) إذ قدمت البصرة: «من عائشة ابنة أبى بكر أم المؤمنين حبيبة رسول الله ﷺ إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان: سلام عليك، أما بعد: فإن أباك كان رأسا فى الجاهلية، وسيّدا فى الإسلام، وإنك من أبيك بمنزلة المصلّى من السابق، يقال: كاد أو لحق، وقد بلغك الذى كان فى الإسلام من مصاب عثمان بن عفّان، ونحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر. فإذا أتاك كتابى هذا، فاقدم فانصرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل فثبّط (٢) الناس عن علىّ بن أبى طالب، وكن مكانك حتى يأتيك أمرى، والسلام». ***

стр. 318

وفى رواية ابن أبى الحديد: «أما بعد: فأقم فى بيتك، وخذّل الناس عن علىّ، وليبلغنى عنك ما أحب، فإنك أوثق أهلى عندى والسلام». (العقد الفريد ٢: ٢٢٧، تاريخ الطبرى ٥: ١٨٣، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٨١) ٣٥٣ - رد زيد بن صوحان على السيدة عائشة فكتب إليها زيد: «من زيد بن صوحان إلى عائشة أم المؤمنين: سلام عليك: أما بعد: فإن الله أمرك بأمر وأمرنا بأمر: أمرك أن تقرّى فى بيتك، وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة (١)، فتركت ما أمرت به، وكتبت تنهيننا عما أمرنا به (٢)، فأمرك عندى غير مطاع، وكتابك غير مجاب، والسلام». *** وفى رواية الطبرى: فكتب إليها: من زيد بن صوحان إلى عائشة ابنة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، حبيبة رسول الله ﷺ : أما بعد: فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت هذا الأمر، ورجعت إلى بيتك، وإلّا فأنا أول من نابذك (٣)»: (العقد الفريد ٢: ٢٢٧، تاريخ الطبرى ٥: ١٨٤، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٨١)

стр. 319

٣٥٤ - كتاب الصلح بين أصحاب الجمل وبين عثمان بن حنيف وخطب طلحة والزبير والسيدة عائشة أهل البصرة، وحثّوهم على مؤازرتهم فى الطلب بدم الخليفة المظلوم، حتى استمالوا فريقا منهم، ونشب القتال بين أصحاب عائشة وبين أصحاب ابن حنيف، وفشت الجراحات فى الفريقين، حتى إذا مسّ الشرّ أصحاب ابن حنيف وعضّهم، نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح، فأجابوهم، وكتبوا بينهم كتابا على أن يبعثوا رسولا إلى المدينة، وحتى يرجع الرسول من المدينة، فإن كان طلحة والزبير أكرها على بيعة علىّ، خرج ابن حنيف عنهما، وأخلى لهما البصرة، وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة والزبير، ونص الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومن معهما من المؤمنين والمسلمين، وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين: أنّ عثمان يقيم حيث أدركه الصّلح على ما فى يده، وأن طلحة والزبير يقيمان حيث أدركهما الصلح على ما فى أيديهما، حتى يرجع أمين الفريقين ورسولهم كعب بن سور من المدينة، ولا يضارّ واحد من الفريقين الآخر فى مسجد. ولا سوق، ولا طريق، ولا فرضة (١)، بينهم عيبة (٢) مفتوحة، حتى يرجع كعب بالخبر، فإن رجع بأن القوم أكرهوا طلحة والزبير، فالأمر أمرهما، وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيّته (٣)، وإن شاء دخل معهما، وإن رجع بأنهما لم يكرها فالأمر أمر عثمان، فإن شاء طلحة والزبير أقاما على طاعة علىّ، وإن شاءا خرجا حتى يلحقا بطيّتهما، والمؤمنون أعوان الفالج (٤) منهما».

стр. 320

فخرج كعب حتى قدم المدينة، واجتمع الناس لقدومه، فقام فقال: «يا أهل المدينة إنى رسول أهل البصرة إليكم: أأكره هؤلاء القوم هذين الرجلين على بيعة علىّ، أم أتياها طائعين؟ فلم يجبه أحد من القوم، إلا ما كان من أسامة بن زيد، فإنه قام فقال: اللهم إنهما لم يبايعا إلا وهما كارهان». (تاريخ الطبرى ٥: ١٧٧) ٣٥٥ - كتاب علىّ إلى عثمان بن حنيف وبلغ عليّا الخبر، فبادر بالكتاب إلى عثمان بن حنيف يعجّزه ويقول: «والله ما أكرها إلا كرها على فرقة، ولقد أكرها على جماعة وفضل (١)، فإن كانا يريدان الخلع، فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظرا»: فقدم الكتاب على عثمان بن حنيف، وقدم كعب، فأرسلوا إلى عثمان أن اخرج عنا، فاحتجّ بالكتاب، وقال: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، فجمع طلحة والزبير الرجال، ثم قصدا المسجد وقت صلاة العشاء، وأبطأ ابن حنيف، فقدّما عبد الرحمن ابن عتّاب، فشهر الزّطّ والسّبابجة (٢) السلاح، ووضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا فى المسجد. ثم أخذ أصحاب عائشة ابن حنيف فضربوه أربعين سوطا، ونتفوا شعر لحيته، ورأسه وحاجبيه، وأشفار عينيه وحبسوه. (تاريخ الطبرى ٥: ١٧٨)
следующие страницы →