٣٩٠ - رد علىّ على معاوية
فكتب إليه الإمام علىّ رضى الله عنه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من على بن أبى طالب إلى معاوية بن صخر: أما بعد، فقد أتانى كتابك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه، ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاتّبعه؛ زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتى خفرى (١) بعثمان، ولعمرى ما كنت إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فلزمتنى خطيئة الأمر، ولا قتلت فأخاف على نفسى قصاص القاتل.
وأما قولك إن أهل الشأم هم حكام أهل الحجاز، فهات رجلا من قريش الشأم يقبل فى الشّورى، أو تحلّ له الخلافة، فإن سمّيت كذّبك المهاجرون والأنصار، ونحن نأتيك به من قريش الحجاز.
وأما قولك ادفع إلىّ قتلة عثمان، فما أنت وذاك؟ وها هنا بنو عثمان، وهم أولى بذلك منك (٢) فإن زعمت أنك أقوى على طلب دم عثمان منهم، فارجع إلى البيعة التى لزمتك (٣) وحاكم القوم إلىّ (٤).
وأما تمييزك بين أهل الشأم والبصرة، وبينك وبين طلحة والزّبير، فلعمرى
стр. 352
فما الأمر هناك إلا واحد، لأنها بيعة عامّة، لا يتأتّى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار.
وأما شرفى فى الإسلام وقرابتى من رسول الله ﷺ ، وموضعى من قريش، فلعمرى لو استطعت دفعه لدفعته».
(العقد الفريد ٢: ٢٣٣، والكامل للمبرد ١: ١٥٧، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٥٢، والإمامة والسياسة ١: ٧٧، ونهج البلاغة ٢: ٥)
٣٩١ - كتاب معاوية إلى علىّ
وفى رواية عن جرير قال: إن معاوية لما جاءه كتاب الوليد بن عقبة الأخير، وصل بين طومارين أبيضين، ثم طواهما وكتب عنوانهما:
«من معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب» ودفعهما إلىّ لا أعلم ما فيهما، ولا أظنهما إلا جوابا، وبعث معى رجلا من بنى عبس لا أدرى ما معه، فخرجنا حتى قدمنا الكوفة، واجتمع الناس فى المسجد لا يشكون أنها بيعة أهل الشأم، فلما فتح علىّ ﵇ الكتاب لم يجد شيئا، وقام العبسىّ فدفع إلى علىّ كتابا من معاوية ففتحه فوجد فيه:
أتانى أمر فيه للنفس غمّة ... وفيه اجتداع للنفوس أصيل
مصاب أمير المؤمنين، وهدّة ... تكاد لها صمّ الجبال تزول
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٣٠١)
٣٩٢ - كتاب معاوية إلى أهل مكة والمدينة
وكتب معاوية- أيام كان جرير عنده ينتظر جوابه- إلى أهل مكة والمدينة:
«أما بعد، فإنه مهما غاب عنا من الأمور، فلم يغب عنّا أن عليّا قتل عثمان،
стр. 353
والدليل على ذلك أن قتلته عنده (١)، وإنما نطلب بدمه حتى يدفع إلينا قتلته، فنقتلهم بكتاب الله تعالى، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه، وجعلناها شورى بين المسلمين، على ما جعلها عليه عمر بن الخطاب، فأمّا الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا على أمرنا هذا يرحمكم الله، وانهضوا من ناحيتكم، فإن أيدينا وأيديكم إذا اجتمعت على أمر واحد هاب علىّ ما هو فيه والسلام».
(الإمامة والسياسة ١: ٧٥، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٥٨)
٣٩٣ - رد المسور بن مخرمة على معاوية
فلما قرئ عليهم كتابه، اجتمع رأيهم على أن يسندوا أمرهم إلى المسور بن مخرمة فجاوب عنهم، فكتب إليه:
«أما بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما، وأخطأت مواضع النّصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة (٢) يا معاوية، وأنت طليق وأبوك من الأحزاب؟
فكفّ عنا فليس لك قبلنا ولىّ ولا نصير».
(الإمامة والسياسة ١: ٧٥)
*** وفى رواية ابن أبى الحديد:
فكتب عبد الله بن عمر إلى معاوية، وعمرو بن العاص:
«أما بعد: فلعمرى لقد أخطأتما موضع النّصرة، وتناولتماها من مكان بعيد، وما زاد الله من شكّ فى هذا الأمر بكتابكما إلا شكّا، وما أنتما والمشورة؟ وما أنتما والخلافة؟ أمّا أنت يا معاوية فطليق، وأما أنت يا عمرو فظنين (٣)، ألا فكفّا أنفسكما، فليس لكما فينا ولىّ، ولا نصير».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٥٨)
стр. 354
٣٩٤ - كتاب رجل من الأنصار إلى معاوية وعمرو
قال أيضا: وكتب رجل من الأنصار إلى معاوية وعمرو بن العاص مع كتاب عبد الله بن عمر:
معاوى: إن الحقّ أبلج واضح ... وليس بما ربّصت أنت ولا عمرو (١)
نصبت ابن عفّان لنا اليوم خدعة ... كما نصب الشيخان إذ قضى الأمر (٢)
فهذا كما ذاك البلا حذو نعله ... سواء كرقراق يغرّ به السّفر (٣)
رميتم عليّا بالذى لا يضيره ... وإن عظمت فيه المكيدة والمكر (٤)
وما ذنبه أن نال عثمان معشر ... أتوه من الأحياء تجمعهم مصر
فثار إليه المسلمون ببيعة ... علانية ما كان فيها لهم قسر (٥)
وبايعه الشيخان ثم تحمّلا ... إلى العمرة العظمى وباطنها الغدر (٦)
فكان الذى قد كان، ممّا اقتصاصه ... يطول، فيا لله ما أحدث الدّهر
وما أنتما والنصر منا؟ وأنتما ... بعيثا حروب ما يبوخ لها جمر (٧)
وما أنتما؟ لله درّ أبيكما! ... وذكركما الشّورى وقد وضح الفجر (٨)
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٥٨)
стр. 355
٣٩٥ - كتاب معاوية إلى ابن عمر
وكتب معاوية إلى عبد الله بن عمر كتابا خاصّا دون كتابه إلى أهل المدينة:
«أما بعد: فإنه لم يكن أحد من قريش أحبّ إلىّ أن يجتمع الناس عليه بعد قتل عثمان منك، فذكرت خذلك إياه، وطعنك على أنصاره، فتغيّرت لك، وقد هوّن ذلك علىّ خلافك عليّا (١) وطعنك عليه، ومحا عنك بعض ما كان منك، فأعنّا يرحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم، فإنى لست أريد الإمارة عليك، ولكنى أريدها لك، فإن أنت أبيت كانت شورى بين المسلمين».
(الإمامة والسياسة ١: ٧٥، وشرح ابن أبى الحديد م ١ ص ٢٦٠)
٣٩٦ - رد ابن عمر على معاوية
فكتب إليه عبد الله بن عمر:
«أما بعد: فإن الرأى الذى أطمعك فىّ هو الذى صيّرك إلى ما صيّرك إليه، تركت عليّا فى المهاجرين والأنصار، وتركت طلحة والزبير وعائشة وأتّبعك! وأمّا قولك إنى طعنت على علىّ، فلعمرى ما أنا كعلى فى الإسلام والهجرة ومكانه من رسول الله ﷺ ، ولكن أحدث أمرا لم يكن إلينا فيه من رسول الله ﷺ عهد، ففزعت إلى الوقوف، وقلت: إن كان هذا هدى، ففضل تركته، وإن كان ضلالة، فشرّ منه نجوت، فأغن عنى نفسك، والسلام».
(الإمامة والسياسة ١: ٧٦، وشرح ابن أبى الحديد م ١ ص ٢٦٠)
стр. 356
٣٩٧ - كتاب معاوية إلى سعد بن أبى وقاص
وكتب معاوية إلى سعد بن أبى وقاص، يدعوه إلى القيام معه فى دم عثمان:
«سلام عليك، أما بعد: فإن أحقّ الناس بنصرة عثمان أهل الشورى من قريش، الذين أثبتوا حقّه واختاروه على غيره، وقد نصره طلحة والزبير، وهما شريكاك فى الأمر والشورى، ونظيراك فى الإسلام وخفّت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهن ما رضوا، ولا تردّنّ ما قبلوا، وإنما نريد أن نردّها شورى بين المسلمين، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٣٥، والإمامة والسياسة ١: ٧٦، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٦٠)
٣٩٨ - رد سعد على معاوية
فأجابه سعد:
«أما بعد، فإن عمر رضى الله عنه لم يدخل فى الشّورى إلا من تحلّ له الخلافة، فلم يكن أحد منا أولى بها من صاحبه إلا باجتماعنا عليه، غير أن عليّا كان فيه ما فينا ولم يكن فينا ما فيه، ولو لم يطلبها ولزم بيته لطلبته العرب ولو بأقصى اليمن، وهذا الأمر قد كرهنا أوّله وكرهنا آخره، وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما، والله يغفر لأم المؤمنين ما أتت، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٣٥، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٦٠)
*** وفى رواية الإمامة والسياسة:
فكتب إليه سعد: «أما بعد فإن أهل الشورى ليس منهم أحد أحق بها من صاحبه، غير أن عليا كان من السّابقة، ولم يكن فينا ما فيه، فشاركنا فى محاسننا ولم نشاركه فى محاسنه، وكان أحقّنا كلنا بالخلافة، ولكن مقادير الله تعالى التى صرفتها عنه حيث شاء لعلمه وقدره، وقد علمنا أنه أحقّ بها منا، ولكن لم يكن بدّ
стр. 357
من الكلام فى ذلك والتشاجر فدع ذا، وأما أمرك يا معاوية فإنه أمر كرهنا أوّله وآخره، وأما طلحة والزبير فلو لزما بيعتهما لكان خيرا لهما، والله تعالى يغفر لعائشة أم المؤمنين».
(الإمامة والسياسة ١: ٧٦)
٣٩٩ - كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصارى
وكتب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصارى- وكان فارس الأنصار وذا النجدة فيهم-: .
«أما بعد: فإنى لم أكتب إليك وأنا أرجو مبايعتك، ولكنى أردت أن أذكّرك النعمة التى خرجت منها، والشكّ الذى صرت إليه، إنك كنت فارس الأنصار وعدّة المهاجرين، وقد ادّعيت على رسول الله ﷺ أمرا لم تستطع أن تمضى عليه، وهو أنه نهاك عن قتال أهل القبلة. أفلا نهيت أهل القبلة عن قتال بعضهم بعضا؟ فقد كان عليك أن تكره لهم ما كره رسول الله ﷺ ، ألم تر عثمان وأهل الدار (١) من أهل القبلة! فأمّا قومك الأنصار فقد عصوا الله تعالى، وخذلوا عثمان، والله سائلهم وسائلك عن الذى كان يوم القيامة والسلام».
(الإمامة والسياسة ١: ٧٦، وشرح ابن أبى الحديد ١: ص ٢٦٠)
٤٠٠ - رد ابن مسلمة على معاوية
فكتب إليه ابن مسلمة:
«أما بعد: فقد اعتزل هذا الأمر من ليس فى يده من رسول الله ﷺ مثل الذى فى يدى، وقد أخبرنى رسول الله بالذى هو كائن قبل أن يكون، فلما كان كسرت سيفى، ولزمت بيتى، واتّهمت الرأى على الدين، إذ لم يصحّ لى معروف آمر به، ولا منكر أنهى عنه، ولعمرى يا معاوية ما طلبت إلا الدنيا،
стр. 358
ولا اتّبعت إلا الهوى، ولئن كنت نصرت عثمان ميّتا، لقد خذلته حيّا، ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصواب».
(الإمامة والسياسة ١: ٧٧، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٦٠)
٤٠١ - كتاب معاوية إلى أبى أيوب الأنصارى
وروى ابن أبى الحديد قال:
كتب معاوية إلى أبى أيّوب خالد بن زيد الأنصارى- وكان سيدا معظما من سادات الأنصار، وكان من شيعة علىّ ﵇ كتابا: سطرا واحدا، وهو:
«حاجيتك (١): لا تنسى الشّيباء أبا عذرها (٢)، ولا قاتل بكرها» فلم يدر أبو أيوب ما هو! فأتى به عليّا ﵇ فقال: يا أمير المؤمنين إن معاوية كهف المنافقين كتب إلىّ بكتاب لا أدرى ما هو؟ قال علىّ: فأين الكتاب؟ فدفعه إليه فقرأه وقال: «نعم، هذا مثل ضربه لك، يقول: لا تنسى الشيباء أبا عذرها، والشيباء: المرأة البكر ليلة افتضاضها (٣)، لا تنسى بعلها الذى افترعها أبدا، ولا تنسى قاتل بكرها وهو أول ولدها، كذلك لا أنسى أنا قتل عثمان».
وروى أن معاوية كتب فى أسفل كتابه إلى أبى أيوب:
أبلغ لديك أبا أيّوب مألكة ... أنّا وقومك مثل الذئب والنّقد (٤)
стр. 359
إمّا قتلتم أمير المؤمنين فلا ... ترجوا الهوادة منا آخر الأبد
إن الذى نلتموه ظالمين له ... أبقت حزازته صدعا على كبدى (١)
إنى حلفت يمينا غير كاذبة ... لقد قتلتم إماما غير ذى أود (٢)
لا تحسبوا أننى أنسى مصيبته ... وفى البلاد من الأنصار من أحد
قد أبدل الله منكم خير ذى كلع ... واليحصبيّين أهل الجوف والجند (٣)
إن العراق لنا فقع بقرقرة ... أو شحمة بزّها شاو ولم يكد (٤)
والشام ينزلها الأبرار، بلدتها ... أمن، وبيضتها عرّيسة الأسد (٥)
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٨٠)
٤٠٢ - رد أبى أيوب على معاوية
فكتب أبو أيوب إلى معاوية:
«أما بعد: فإنك كتبت «لا تنسى الشيباء أبا عذرها، ولا قاتل بكرها» فضربتها مثلا بقتل عثمان، وما نحن وقتل عثمان؟ إنّ الذى تربّص بعثمان، وثبّط يزيد بن أسد وأهل الشأم عن نصرته لأنت (٦)، وإن الذين قتلوه لغير الأنصار».
وكتب فى آخر كتابه:
لا توعدنّا ابن حرب، إننا نفر ... لا نبتغى ودّ ذى البغضاء من أحد
стр. 360
واسعوا جميعا بنى الأحزاب كلّكم ... لسنا نريد رضاكم آخر الأبد
نحن الذين ضربنا الناس كلّهم ... حتى استقاموا وكانوا بيّنى الأود
والعام قصرك منّا إن ثبتّ لنا ... ضرب يزيّل بين الرّوح والجسد (١)
أمّا علىّ فإنا لا نفارقه ... ما رفّت الآل فى الدّوّيّة الجرد (٢)
إمّا تبدّلت منا بعد نصرتنا ... دين الرسول أناسا ساكنى الجند
لا يعرفون (أضلّ الله سعيهم) ... إلّا اتّباعكم يا راعى النّقد
فقد بغى الحقّ هضما شرّ ذى كلع ... واليحصبيّون طرّا بيضة البلد (٣)
فلما أتى معاوية كتاب أبى أيوب كسره.
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٨١)
*** وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة قال:
وكتب معاوية إلى أبى أيوب الأنصارى- وكان أشد الأنصار على معاوية-:
«أما بعد: فإنى نسيتك ما لا تنسى الشّيباء».
стр. 361
فلما قرأ كتابه أتى به عليّا، فأقرأه إياه، قال على: يعنى بالشيباء المرأة الشّمطاء لا تنسى ثكل ابنها (١)، فأنا لا أنسى قتل عثمان.
فكتب إليه أبو أيوب:
«إنه لا تنسى الشيباء ثكل ولدها، وضربتها مثلا لقتل عثمان، فما نحن وقتلة عثمان؟ إن الذى تربّص بعثمان، وثبّط أهل الشأم عن نصرته لأنت، وإن الذين قتلوه غير الأنصار، والسلام».
(الإمامة والسياسة ١: ٨٢)
٤٠٣ - كتاب شرحبيل بن السمط إلى معاوية
وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة: أن معاوية دعا أهل الشأم إلى الطلب بدم عثمان، فقاموا إليه فقالوا: هو ابن عمك وأنت وليّه، ونحن الطالبون معك بدمه، فبايعوه أميرا عليهم، وكتب وبعث الرسل إلى كور الشأم، وكتب إلى شرحبيل ابن السّمط الكندىّ، وهو بحمص أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشأم، فقال شرحبيل: هذه سقطة، ولكنا نبايع له بالخلافة، ولا نطلب بدم عثمان مع غير خليفة، فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص، ثم كتب إليه:
«أمّا بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما حين كتبت إلىّ أن أبايع لك بالإمرة، وأنك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم، وأنت غير خليفة، وقد بايعت ومن قبلى لك بالخلافة».
فلما قرأ معاوية كتابه سرّه ذلك، وأخبر الناس بما قال شرحبيل، ودعاهم إلى
стр. 362
بيعته بالخلافة، فأجابوه ولم يتخلف منهم أحد (١).
(الإمامة والسياسة ١: ٦٢)
٤٠٤ - كتاب معاوية إلى على
قال ابن قتيبة: فلما بايع القوم له بالخلافة، واستقام له الأمر، كتب إلى على:
«سلام الله على من اتبع الهدى.
أما بعد: فإنا كنا نحن وإياكم يدا جامعة، وألفة أليفة، حتى طمعت يا بن أبى طالب، فتغيّرت وأصبحت تعدّ نفسك قويا على من عاداك بطغام (٢) أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق، وحمقى الفسطاط (٣)، وغوغاء السّواد، وايم الله لينجلينّ عنك حمقاها، ولينقشعنّ عنك غوغاؤها انقشاع السّحاب (٤) عن السماء.
قتلت عثمان بن عفّان، ورقيت سلّما أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا لك، وقتلت الزبير وطلحة، وشرّدت أمك عائشة، ونزلت بين المصرين فمنّيت وتمنّيت، وخيّل لك أن الدنيا قد سخّرت لك بخيلها ورجلها (٥)، وإنما تعرف أمنيّتك، لو قد زرتك فى المهاجرين من أهل الشأم بقيّة الإسلام، فيحيطون بك من ورائك، ثم يقضى الله علمه فيك والسلام على أولياء الله»
(الإمامة والسياسة ١: ٦٢)
стр. 363
٤٠٥ - رد علىّ على معاوية
فأجابه علىّ:
«أما بعد، فقدّر الأمور تقدير من ينظر لنفسه دون جنده، ولا يشتغل بالهزل من قوله، فلعمرى لئن كانت قوّتى بأهل العراق أوثق عندى من قوتى بالله ومعونتى به ليس (١) عند من كان على هذا بالله تعالى يقين، فناج نفسك مناجاة من يستغنى بالجدّ دون الهزل، فإن فى القول سعة، ولن يعذر مثلك فيما طمح إليه الرجال.
وأما ما ذكرت من أنا كنا وإياكم يدا جامعة، فكنا كما ذكرت، ففرّق بيننا وبينكم أن الله بعث رسوله منا فآمنّا به وكفرتم، ثم زعمت أنى قتلت طلحة والزبير، فذلك أمر غبت عنه ولم تحضره، ولو حضرته لعلمته، فلا عليك، ولا العذر فيه إليك، وزعمت أنك زائرى فى المهاجرين، وقد انقطمت الهجرة حين أسر أخوك (٢)، فإن كان فيك عجل فاستبقه، وإن أزرك فجدير أن يكون الله بعثنى عليك للنّقمة منك، والسلام».
(الإمامة والسياسة ١: ٦٢)
وروى هذان الكتابان بصورة أخرى، وهاكها:
стр. 364
٤٠٦ - كتاب معاوية إلى علىّ
روى ابن أبى الحديد قال:
كتب معاوية إلى علىّ:
«من معاوية بن أبى سفيان إلى علىّ بن أبى طالب:
أما بعد: فإنا بنى عبد مناف لم نزل من قليب (١) واحد، ونجرى فى حلبة واحدة، ليس لبعضنا على بعض فضل، ولا لقائمنا على قاعدنا فخر، كلمتنا مؤتلفة، وألفتنا جامعة، ودارنا واحدة، يجمعنا كرم العرق (٢)، ويحوينا شرف النّجار، ويحنو قويّنا على ضعيفنا، ويواسى غنيّنا ففيرنا، قد خلصت قلوبنا من غلّ الحسد، وطهرت أنفسنا من خبث النيّة، فلم نزل كذلك حتى كان منك ما كان من الإدهان (٣) فى أمر ابن عمك والحسد له، وتضريب (٤) الناس عليه! حتى قتل بمشهد منك لا تدفع عنه بلسان ولا يد، فليتك أظهرت نصره حيث أسررت ختره (٥)، فكنت كالمتعلّق بين الناس بعذر وإن ضعف، والمتبرّى من دمه بدفع وإن وهن، ولكنك جلست فى دارك تدسّ إليه الدواهى، وترسل إليه الأفاعى، حتى إذا قضيت وطرك (٦) منه أظهرت شماتة، وأبديت طلاقة، وحسرت (٧) للأمر عن ساعدك، وشمّرت عن ساقك، ودعوت الناس إلى نفسك، وأكرهت أعيان المسلمين على بيعتك.
ثم كان منك بعد ما كان من قتلك شيخى المسلمين أبى محمد طلحة، وأبى عبد الله
стр. 365
الزبير، وهما من الموعودين بالجنة، والمبشّر قاتل أحدهما (١) بالنار فى الآخرة، هذا إلى تشريدك (٢) بأم المؤمنين عائشة، وإحلالهما محلّ الهون (٣)، مبتذلة بين أيدى الأعراب، وفسقة أهل الكوفة، فمن بين منتهر (٤) لها، وبين شامت بها، وبين ساخر منها، ترى ابن عمك كان بهذه العوراء (٥) راضيا؟ أم كان يكون عليك ساخطا، ولك عنه زاجرا أن تؤذى أهله، وتشرّد بحليلته، وتسفك دماء أهل ملته!
ثم تركك دار الهجرة التى قال رسول الله ﷺ عنها: «إن المدينة لتنفى خبثها، كما ينفى الكير خبث الحديد (٦)» فلعمرى لقد صحّ وعده، وصدق قوله، ولقد نفت خبثها، وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها، فأقمت بين المصرين، وبعدت عن بركة الحرمين، ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة، وبمجاورة الخورنق والحيرة، عوضا عن مجاورة خاتم النبوة.
ومن قبل ذلك ما عيّبت خليفتى رسول الله ﷺ أيام حياتهما، فقعدت عنهما، وألّبت (٧) عليهما، وامتنعت من بيعتهما، ورمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا، ورقيت سلّما وعرا، وحاولت مقاما دحضا (٨)، وادّعيت ما لم تجد عليه ناصرا، ولعمرى لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلا فسادا واضطرابا، ولا أعقبت
стр. 366
ولا يتكها إلا انتشارا وارتدادا، لأنك الشامخ بأنفه، الذاهب بنفسه، المستطيل على الناس بلسانه ويده.
وها أنا سائر إليك فى جمع من المهاجرين والأنصار، تحفّهم سيوف شامية، ورماح قحطانيّة، حتى يحاكموك إلى الله، فانظر لنفسك وللمسلمين، وادفع إلىّ قتلة عثمان، فإنهم خاصّتك وخلصاؤك (١) والمحدقون بك، فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللّجاج والإصرار على الغىّ والضلال، فاعلم أن هذه الآية إنما نزلت فيك، وفى أهل العراق معك: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٢٠١)
٤٠٧ - رد علىّ على معاوية
وروى الشريف الرضى ﵀ أن عليّا ﵇ كتب إلى معاوية جوابا عن كتابه:
«أما بعد: فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة، ففرّق بيننا وبينكم أمس أنّا آمنّا وكفرتم، واليوم أنّا استقمنا وفتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا
стр. 367
كرها (١)، وبعد أن كان أنف (٢) الإسلام كلّه لرسول الله صلى الله عليه وآله حربا.
وذكرت أنى قتلت طلحة والزبير، وشرّدت بعائشة، ونزلت المصرين، وذلك أمر غبت عنه، فلا عليك، ولا العذر فيه إليك.
وذكرت أنك زائرى فى المهاجرين والأنصار، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك (٣)، فإن كان فيك عجل فاسترفه (٤)، فإنى إن أزرك فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثنى إليك للنّقمة منك، وإن تزرنى فكما قال أخو بنى أسد:
стр. 368
مستقبلين رياح الصّيف تضربهم ... بحاصب بين أغوار وجلمود (١)
وعندى السيف الذى أعضضته (٢) بجدّك وخالك وأخيك فى مقام واحد، وإنك والله- ما علمت- الأغلف (٣) القلب، المقارب العقل، والأولى أن يقال لك إنك رقيت سلّما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك، لأنك نشدت غير ضالتّك (٤)، ورعيت غير سائمتك، وطلبت أمرا لست من أهله ولا فى معدنه، فما أبعد قولك من فعلك (٥) وقريب ما أشبهت (٦) من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة، وتمنّى الباطل على الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله، فصرعوا مصارعهم، حيث لم يدفعوا عظيما، ولم يمنعوا حريما، بوقع سيوف ما خلا منها الوغى، ولم تماشها (٧) الهوينى.
وقد أكثرت فى قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلىّ، أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى، وأمّا تلك التى تريد فإنها خدعة الصبىّ عن اللّبن (فى أوّل الفصال (٨)، والسلام لأهله)».
(نهج البلاغة ٢: ٨٩)
стр. 369
٤٠٨ - كتاب علىّ إلى معاوية
وكتب على إلى معاوية:
«من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان:
«أما بعد: فإن الدنيا دار تجارة، وربحها أو خسرها الآخرة، فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة، ومن رأى الدنيا بعينها وقدّرها بقدرها، وإنى لأعظك مع علمى بسابق العلم فيك مما لا مردّ له دون نفاذه، ولكنّ الله تعالى أحذ على العلماء أن يؤدّوا الأمانة، وأن ينصحوا الغوىّ والرّشيد، فاتّق الله ولا تكن ممّن لا يرجون لله وقارا، ومن حقّت عليه كلمة العذاب، فإن الله بالمرصاد، وإن دنياك ستدبر عنك، وستعود حسرة عليك، فأقلع عما أنت عليه من الغىّ والضلال على كبر سنّك، وفناء عمرك، فإن حالك اليوم كحال الثوب المهلهل (١) الذى لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر.
وقد أرديت جيلا (٢) من الناس كثيرا خدعتهم بغيّك، وألقيتهم فى موج بحرك، تغشاهم الظّلمات، وتتلاطم بهم الشّبهات، فجاروا عن وجهتهم ونكصوا (٣) على أعقابهم، وتولّوا على أدبارهم، وعوّلوا على أحسابهم، إلا من فاء (٤) من أهل البصائر، فإنهم فارقوك بعد معرفتك، وهربوا إلى الله من موازرتك، إذ حملتهم على الصّعب، وعدلت بهم عن القصد (٥)، فاتّق الله يا معاوية فى نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥٠، ونهج البلاغة ٢: ٤١)
стр. 370
٤٠٩ - رد معاوية على علىّ
فكتب إليه معاوية:
«من معاوية بن أبى سفيان إلى علىّ بن أبى طالب:
أما بعد: فقد وقفت على كتابك، وقد أبيت على الفتن إلا تماديا، وإنى لعالم أن الذى يدعوك إلى ذلك مصرعك الذى لا بدّ لك منه، وإن كنت موائلا (١)، فازدد غيّا إلى غيك، فطالما خفّ عقلك، ومنّيت نفسك ما ليس لك، والتويت على من هو خير منك، ثم كانت العاقبة لغيرك، واحتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥٠)
٤١٠ - رد علىّ على معاوية
فكتب علىّ ﵇ إليه:
«أما بعد: فإن ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشّبه مما أتى به أهلك وقومك، الذين حملهم الكفر، وتمنّى الأباطيل على حسد محمد صلى الله عليه وآله حتى صرعوا مصاعهم حيث علمت، لم يمنعوا حريما، ولم يدفعوا عظيما، وأنا صاحبهم فى تلك المواطن، الصّالى (٢) بحربهم، والفالّ لحدّهم، والقاتل لرءوسهم رءوس الضّلالة، والمتبع إن شاء الله خلفهم بسلفهم، فبئس الخلف خلف اتّبع سلفا محلّه ومحطّه النار، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥٠)
٤١١ - رد معاوية على علىّ
فكتب إليه معاوية:
«أما بعد: فقد طال فى الغىّ ما استمررت أدراجك (٣)، كما طالما تمادى عن
стр. 371
الحرب نكوصك وإبطاؤك، فتوعد وعيد الأسد، وتروغ روغان الثعلب، فحتّام تحيد عن لقاء مباشرة (١) اللّيوث الضارية، والأفاعى القاتلة، ولا تستبعدنّها فكلّ ما هو آت قريب، إن شاء الله، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م: ٤ ص ٥٠)
٤١٢ - رد علىّ على معاوية
فكتب إليه علىّ ﵇:
«أما بعد: فما أعجب ما يأتينى منك، وما أعلمنى بمنزلتك التى أنت إليها صائر ونحوها سائر، وليس إبطائى عنك إلا ترقّبا لوقت أنت له مكذّب، وأنا به مصدق، وكأنّى بك غدا وأنت تضجّ من الحرب ضجيج الجمال من الأثقال، وستدعونى أنت وأصحابك إلى كتاب تعظّمو نه بألسنتكم، وتجحدونه بقلوبكم، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤ ص ٥٠، وم ٣ ص ٤١١)
٤١٣ - رد معاوية على علىّ
فكتب إليه معاوية:
«أما بعد: فدعنى من أساطيرك، واكفف عنى من أحاديثك، وأقصر (٢) عن تقولّك على رسول الله ﷺ ، وافترائك من الكذب ما لم يقل، وغرور من معك والخداع لهم، فقد استغويتهم ويوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك، ويعلموا أنّ ما جئت به باطل مضمحلّ، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤ ص ٥٠)
стр. 372
٤١٤ - رد علىّ على معاوية
فكتب إليه علىّ ﵇:
«أما بعد: فطالما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحقّ أساطير، ونبذتموه وراء ظهوركم، وحاولتم إطفاء نور الله بأيديكم وأفواهكم، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، ولعمرى ليتمنّ النور على كرهك، ولينفذنّ العلم بصغارك (١) وقمأتك، ولتخسأنّ طريدا مدحورا، أو قتيلا مثبورا، ولتجزين بعملك حيث لا ناصر لك ولا مصرخ (٢) عندك، فعث فى دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك، فكأنك بباطلك وقد انقضى، وبعملك وقد هوى، ثم تصير إلى لظى (٣)، لم يظلمك الله شيئا، وما ربّك بظلّام للعبيد.
وقد أسهبت فى ذكر عثمان، ولعمرى ما قتله غيرك، ولا خذله سواك، ولقد تربّصت به الدوائر (٤)، وتمنّيت له الأمانىّ، طمعا فيما ظهر منك، ودل عليه فعلك، وإنى لأرجو أن ألحقك به على أعظم من ذنبه، وأكبر من خطيئته، فأنا ابن عبد المطلب صاحب السيف، وإنّ قائمته (٥) لفى يدى، وقد علمت من قتلت به من صناديد بنى عبد شمس، وفراعنة بنى سهم وجمح وبنى مخزوم، وأيتمت أبناءهم، وأيمت نساءهم.
وأذكرّك ما لست له ناسيا يوم قتلت أخاك حنظلة، وجررت برجله إلى القليب (٦)،
стр. 373
وأسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا، وطلبتك ففررت، ولك حصاص (١)، فلولا أنى لا أتبع فارّا لجعلتك ثالثهما، وأنا أولى (٢) لك بالله أليّة برّة غير فاجرة: لئن جمعتنى وإياك جوامع الأقدار، لأتركنّك مثلا يتمثّل به الناس أبدا، ولأجعجعنّ (٣) بك فى مناخك، حتى يحكم الله بينى وبينك وهو خير الحاكمين، ولئن أنسأ الله (٤) فى أجلى قليلا، لأغزينّك سرايا المسلمين، ولأنهدنّ إليك فى جحفل من المهاجرين والأنصار، ثم لا أقبل لك معذرة ولا شفاعة، ولا أجيبك إلى طلب وسؤال، ولترجعنّ إلى تحيّرك، وتردّدك وتلدّدك (٥)، فقد شاهدت وأبصرت، ورأيت سحب الموت كيف هطلت عليك بصيّبها، حتى اعتصمت بكتاب (٦) أنت وأبوك أوّل من كفر وكذّب بنزوله.
ولقد كنت تفرّستها (٧) وآذنتك أنك فاعلها، وقد مضى منها ما مضى، وانقضى من كيدك فيها ما انقضى، وأنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب، فاختر لنفسك وانظر لها وتداركها، فإنك إن فطرت (٨)، واستمررت على غيّك وغلوائك حتى ينهد إليك عباد الله، أرتجت عليك الأمور، ومنعت أمرا هو اليوم منك مقبول.
стр. 374
يا بن حرب، إنّ لجاجك فى منازعة الأمر أهله من سفاه (١) الرأى، فلا يطمعنك أهل الضلال، ولا يوبقنّك سفه رأى الجهال، فو الذى نفس علىّ بيده، لئن برقت فى وجهك بارقة من ذى الفقار (٢) لتصعقنّ صعقة لا تفيق منها حتى ينفخ فى الصّور النفخة التى يئست (٣) منها كما يئس الكفّار من أصحاب القبور».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥١ وم ٣: ص ٤١١)
٤١٥ - رد معاوية على علىّ
فكتب إليه معاوية:
«أما بعد: فما أعظم الرّين على قلبك (٤)، والغطاء على بصرك، الشّره من شيمتك، والحسد من خليقتك، فشمّر للحرب، واصبر للضرب، فو الله ليرجعنّ الأمر إلى ما علمت (٥)، والعاقبة للمتقين، هيهات هيهات! أخطأك ما تمنّى (٦)، وهوى قلبك مع من هوى، فاربع على ظلعك (٧)، وقس شبرك بفترك، لتعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه، ويفصل بين أهل الشك علمه، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤ ص ٥١، وم ٣ ص ٤١٠)
стр. 375
٤١٦ - رد علىّ على معاوية
فكتب إليه علىّ ﵇:
«أما بعد: فإن مساويك مع علم الله تعالى فيك حالت بينك وبين أن يصلح لك أمرك، وأن يرعوى قلبك، يابن صخر، يا بن اللّعين (١)، زعمت أن يزن الجبال حلمك، ويفصل بين أهل الشك علمك، وأنت الجلف المنافق، الأغلف القلب، القليل العقل، الجبان الرّذل (٢)، وقلت: فشمّر للحرب، واصبر للضرب، فإن كنت صادقا فيما تزعم، ويعينك عليه ابن النابغة (٣)، فدع الناس جانبا، وتيسّر لما دعوتنى إليه من الحرب، والصبر على الضرب، وأنف الفريقين من القتال، وابرز إلىّ لتعلم أيّنا المرين (٤) على قلبه، المغطّى على بصره؟ فأنا أبو الحسن قاتل جدّك وأخيك وخالك شدخا (٥) يوم بدر، وذلك السيف معى، وبذلك القلب ألقى عدوى، وما أنت منهم ببعيد».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥١ وم ٣ ص ٤١١)
٤١٧ - كتاب معاوية إلى علىّ
وروى صاحب العقد قال:
وكتب معاوية إلى علىّ:
«أما بعد: فإنك قتلت ناصرك، واستنصرت واترك (٦)، فايم الله لأرمينّك
стр. 376
بشهاب تذكيه الريح، ولا يطفئه الماء، فإذا وقع وقب (١)، وإذا مسّ ثقب، فلا تحسبنّى كسحيم (٢)، أو عبد القيس، أو حلوان الكاهن».
(العقد الفريد ٢: ٢٣٣)
٤١٨ - رد علىّ على معاوية
فأجابه علىّ:
«أما بعد: فو الله ما قتل ابن عمك غيرك، وإنى أرجو أن ألحقك به، على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته، وإن السيف الذى ضربت به أباك (٣) وأهلك لمعى دائم، والله ما استحدثت دينا، ولا استبدلت نبيّا، وإنى على المنهاج الذى تركتموه طائعين وأدخلتم فيه كارهين».
(العقد الفريد ٢: ٢٣٣)
٤١٩ - كتاب علىّ إلى معاوية
وروى الشريف الرضى ﵀ فى نهج البلاغة قال:
ومن كتاب لعلىّ ﵇ إلى معاوية:
«وكيف أنت صانع إذا تكشّفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا:
قد تبهّجت (٤) بزينتها، وخدعت بلذّتها، دعتك فأجبتها، وقادتك فاتّبعتها، وأمرتك فأطعتها، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجنّ (٥)،
стр. 377
فاقعس (١) عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، وشمّر لما قد نزل بك، ولا تمكّن الغواة من سمعك، وإلّا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك، فإنك مترف (٢) قد أخذ الشيطان منك مأخذه، وبلغ فيك أمله، وجرى منك مجرى الرّوح والدم (٣).
ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرّعيّة، وولاة أمر الأمّة (٤)، بغير قدم سابق، ولا شرف باسق (٥)؟ ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشفاء، وأحذّرك أن تكون متماديا فى غرّة الأمنيّة، مختلف العلانية والسريرة.
وقد دعوت إلى الحرب، فدع الناس جانبا واخرج إلىّ، وأعف الفريقين من القتال، لتعلم أينا المرين على قلبه، والمغطّى على بصره؟ فأنا أبو حسن قاتل جدّك وخالك وأخيك شدخا يوم بدر، وذلك السيف معى، وبذلك القلب ألقى عدوى، ما استبدلت دينا، ولا استحدثت نبيّا، وإنى لعلى المنهاج الذى تركتموه طائعين، ودخلتم فيه مكرهين.
وزعمت أنك جئت ثائرا (٦) بعثمان، ولقد علمت حيث وقع دم عثمان، فاطلبه من هناك إن كنت طالبا، فكأنى قد رأيتك تضجّ من الحرب إذا عضتك، ضجيج الجمال بالأثقال، وكأنى بجماعتك تدعونى- جزعا من الضرب المتتابع، والقضاء الواقع، ومصارع بعد مصارع- إلى كتاب الله، وهى كافرة جاحدة، أو مبايعة حائدة».
(نهج البلاغة ٢: ٧)
صورة أخرى
وقال ابن أبى الحديد فى شرح النهج:
إن هذه الخطبة- يريد الرسالة- قد ذكرها نصر بن مزاحم فى كتاب صفين على
стр. 378
وجه يقتضى أن ما ذكره الرضى ﵀ منها قد ضم إليه بعض خطبة أخرى، وهذه عادته، لأن غرضه التقاط الفصيح والبليغ من كلامه.
والذى ذكره نصر بن مزاحم هذه صورته:
«من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان:
سلام على من اتّبع الهدى، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد:
فإنك قد رأيت مرور الدنيا وانقضاءها وتصرّمها (١)، وتصرّفها بأهلها، وخير ما اكتسب من الدنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى، ومن بقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بعيدا.
واعلم يا معاوية أنك قد ادّعيت أمرا لست من أهله، لا فى القديم (٢)، ولا فى الحديث، ولست تقول فيه بأمر بيّن يعرف له أثر، ولا عليك منه شاهد، ولست متعلّقا بآية من كتاب الله، ولا عهد من رسول الله ﷺ .
فكيف أنت صانع إذا تقشّعت عنك غيابة (٣) ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها، وركنت إلى لذّاتها، وخلّى بينك وبين عدوك (٤) فيها، وهو غدوّ كلب مضلّ جاهد ملحّ مليح، مع ما قد ثبت فى نفسك من جهتها. دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها، فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجنّ.
ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية، أو ولاة لأمر هذه الأمة، بلا قدم حسن، ولا شرف تليد (٥) على قومكم؟ ، فاستيقظ من سنتك، وارجع إلى خالقك، وشمّر لما سينزل بك، ولا تمكّن عدوك الشيطان من بغيته فيك، مع أنى أعرف أن الله ورسوله صادقان، نعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء.
стр. 379
وإلّا تفعل فإنى أعلمك ما أغفلت من نفسك، إنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه: فجرى منك مجرى الدم فى العروق، ولست من أئمة هذه الأمة، ولا من رعاتها.
واعلم أن هذا الأمر لو كان إلى الناس، أو بأيديهم لحسدوناه ولا متنّوا علينا به، ولكنه قضاء ممن منحناه، واختصّنا به، على لسان نبيه الصادق المصدّق، لا أفلح من شكّ بعد العرفان والبيّنة، ربّ احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ٤١٢)
٤٢٠ - رد معاوية على علىّ
فكتب معاوية إليه:
من معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب:
أما بعد فدع الحسد، فإنك طالما لم تنتفع به، ولا تفسد سابقة جهادك بشرّة نخوتك (١)، فإن الأعمال بخواتيمها، ولا تمحّص (٢) سابقتك بقتال من لا حقّ لك فى حقه، فإنك إن تفعل لا تضرّ بذلك إلا نفسك، ولا تمحق (٣) إلا عملك، ولا تبطل إلا حجّتك، ولعمرى إن ما مضى لك من السابقات، لشبيه أن يكون ممحوقا، لمّا اجترأت عليه من سفك الدماء، وخلاف أهل الحق، فأقرأ السّورة التى يذكر فيها الفلق (٤)، وتعوّذ من نفسك، فإنك الحاسد إذا حسد».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤١٢)
стр. 380
٤٢١ - كتاب علىّ إلى معاوية
وكتب على إلى معاوية:
«أما بعد: فقد بلغنى كتابك تذكر مشاغبتى، وتستقبح موازرتى، وتزعمنى متحيّرا، وعن حقّ الله مقصّرا، فسبحان الله! كيف تستجيز الغيبة، وتستحسن العضيهة (١)؟ إنى لم أشاغب إلا فى أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، ولم أضجر إلا على باغ مارق، أو ملحد منافق، ولم آخذ فى ذلك إلا بقول الله سبحانه:
«لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ (٢) اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ». وأما التقصير فى حق الله تعالى: فمعاذ الله! والمقصّر فى حق الله جل ثناؤه من عطّل الحقوق المؤكّدة، وركن إلى الأهواء المبتدعة، وأخلد إلى الضّلالة المحيّرة.
ومن العجب أن تصف يا معاوية الإحسان، وتخالف البرهان، وتنكث الوثاق التى هى لله طلبة (٣)، وعلى عباده حجّة، مع نبذ الإسلام، وتضييع الأحكام، وطمس الأعلام، والجرى فى الهوى، والتّهوّس فى الرّدى!
فاتّق الله فيما لديك، وانظر فى حقه عليك، وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته فإن للطاعة أعلاما واضحة، وسبلا نيّرة، ومحجّة نهجة (٤) وغاية مطلبة (٥)، يردها الأكياس (٦)، ويخالفها الانكاس، من نكب عنها جار عن الحق، وخبط
стр. 381
فى التّيه، وغيّر الله نعمته، وأحلّ به نقمته، فنفسك نفسك، فقد بيّن الله لك سبيلك.
وحيث تناهت بك أمورك، فقد أجريت (١) إلى غاية خسر، ومحلة كفر، فإن نفسك قد أولجتك شرّا، وأقحمتك غيّا، وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك.
وإن للناس جماعة يد الله عليها، وغضب الله على من خالفها، فنفسك نفسك قبل حلول رمسك (٢)، فإنك إلى الله راجع، وإلى حشره مهطع (٣)، وسيبهظك كربه، ويحلّ بك غمّه، يوم لا يغنى النادم ندمه، ولا يقبل من المعتذر عذره، يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٣، ونهج البلاغة ٢: ٢٦).
٤٢٢ - كتاب على إلى معاوية
«أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الدنيا لما بعدها، وابتلى (٤) فيها أهلها، ليعلم أيّهم أحسن عملا، ولسنا للدنيا خلقنا، ولا بالسّعى فيها أمرنا (٥)، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها، وقد ابتلانى الله بك وابتلاك بى، فجعل أحدنا حجّة على الآخر، فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن (٦)، وطلبتنى بما لم تجن يدى ولا لسانى،
стр. 382
وعصبته (١) أنت وأهل الشأم بى، وألّب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم، فاتق الله فى نفسك ونازع الشيطان قيادك، واصرف إلى الآخرة وجهك، فهى طريقنا وطريقك، واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة (٢) تمسّ الأصل، وتقطع الدّابر، فإنى أولى لك بالله أليّة غير فاجرة: لئن جمعتنى وإياك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين».
(نهج البلاغة ٢: ٨١)
٤٢٣ - كتاب معاوية إلى علىّ
وكتب معاوية مع أبى مسلم الخولاتى إلى علىّ قبل مسيره إلى صفّين (٣):
«من معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب:
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، «أما بعد: فإن الله اصطفى محمدا بعلمه، وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خلقه، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده بهم، وكانوا فى منازلهم عنده على قدر فضائلهم فى الإسلام، فكان أفضلهم فى الإسلام، وأنصحهم لله ولرسوله، الخليفة من بعده، ثم خليفة الخليفة، ثم الخليفة الثالث المظلوم عثمان، فكلّهم حسدت، وعلى كلّهم بغيت، عرفنا ذلك فى نظرك الشّزر (٤)، وقولك الهجر، وتنفّسك الصّعداء، وإبطائك عن الخلفاء، وأنت فى كل ذلك تقاد كما يقاد البعير المخشوش (٥) حتى تبايع وأنت كاره، ولم تكن لأحد منهم أشدّ حسدا منك لابن عمك عثمان، وكان أحقّهم ألّا تفعل ذلك به، فى قرابته
стр. 383
وصهره (١)، فقطعت رحمه، وقبّحت محاسنه، وألّبت عليه الناس، وبطينت وظهرت حتى ضربت إليه آباط (٢) الإبل، وشهر عليه السلاح فى حرم الرسول، فقتل معك فى المحلّة وأنت تسمع فى داره الهائعة (٣)، لا تؤدّى عن نفسك فى أمره بقول، ولا فعل برّ (٤)، وأقسم قسما صادقا: لو قمت فى أمره مقاما واحدا تنهنه (٥) الناس عنه، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحا ذلك عنك ما كانوا يعرفونك (٦) به من المجانية لعثمان والبغى عليه، وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنين: إيواؤك قتلة عثمان، فهم بطانتك وعضدك وأنصارك، وقد بلغنى أنك تنتفى من دمه، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به، ثم نحن أسرع الناس إليك، وإلّا فليس لك ولأصحابك عندنا إلا السيف، والذى نفس معاوية بيده: لأطلبنّ قتلة عثمان فى الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم، أو تلحق أرواحنا بالله».
(العقد الفريد ٢: ٢٣٣، وصبح الأعشى ١: ٢٢٨، وشرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤٠٧)
٤٢٤ - رد علىّ على معاوية
فكتب إليه على:
«من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان:
أما بعد: فإن أخا خولان قدم علىّ بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلى الله عليه وآله، وما أنعم الله به عليه من الهدى والوحى، فالحمد لله الذى صدقه الوعد، وأبّده
стр. 384
بالنصر، ومكّن له فى البلاد، وأظهره على أهل العداوة والشّنآن (١) من قومه الذين وثبوا عليه، وشنفوا له (٢)، وأظهروا تكذيبه، ونابذوه بالعداوة، وظاهروا على إخراجه وإخراج أصحابه وأهله، وألبوا عليه العرب، وحزّبوا الأحزاب (٣)، وجهدوا فى أمره كل الجهد، وقلبوا له الأمور، حتى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون، وكان أشدّ الناس عليه تأليبا وتحريضا أسرته، والأدنى فالأدنى من قومه إلّا من عصم الله.
وذكرت أن الله تعالى اجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده بهم، فكانوا فى منازلهم عنده على قدر فضائلهم فى الإسلام، فكان أفضلهم (زعمت) فى الإسلام، وأنصحهم لله ولرسوله، الخليفة وخليفة الخليفة من بعده، ولعمرى إن كان مكانهما فى الإسلام لعظيما، وإن المصاب بهما لجرح فى الإسلام شديد، فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا، وذكرت أن عثمان كان فى الفضل تاليا، فإن يك عثمان محسنا فسيقى ربّا شكورا يضاعف له الحسنات، ويجزيه الثواب العظيم، وإن يك مسيئا فسيقى ربّا غفورا لا يتعاظمه (٤) ذنب أن يغفره.
ولعمرى إنى لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم فى الإسلام، ونصيحتهم لله ولرسوله، أن يكون سهمنا فى ذلك- أهل البيت- أوفر نصيب، إن محمدا صلى الله عليه وآله لمّا دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد له، كنا أهل البيت أول من آمن به وصدّقه فيما جاء، فبتنا أحوالا كاملة محرّمة تامة، وما يعبد الله فى ربع (٥) ساكن من العرب غيرنا.
стр. 385
فأراد قومنا قتل نبينا، واجتياح (١) أصلنا، وهمّوا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل (٢)، ومنعونا المسيرة، وأمسكوا عنا العذب، وأحلسونا (٣) الخوف، وجعلوا علينا الأرصاد والعيون، واضطرّونا إلى جبل وعر (٤)، وأوقدوا لنا نار الحرب، وكتبوا بينهم كتابا (٥): لا يؤا كلوننا ولا يشاربوننا ولا ينا كحوننا ولا يبايعوننا، ولا نأمن منهم حتى ندفع إليهم محمدا يقتلونه ويمثّلون به، فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم،
стр. 386
فعزم (١) الله لنا على منعه، والذّبّ عن حوزته، والرّمى من وراء حرمته (٢)، والقيام بأسيافنا دونه، فى ساعات الخوف بالليل والنهار، مؤمننا يبغى بذلك الأجر، وكافرنا يحامى عن الأصل (٣)، وأما من أسلم من قريش فإنهم مما نحن فيه خلاء (٤)، منهم الحليف الممنوع، ومنهم ذو العشيرة التى تدافع عنه، فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التّلف، فهم من القتل بمكان نجوة (٥) وأمن، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون.
ثم أمر الله تعالى رسوله بالهجرة، وأذن له بعد ذلك فى قتال المشركين، فكان إذا احمرّ الباس (٦)، وأحجم الناس ودعيت نزال، أقام أهل بيته فاستقدموا، فوقى بهم أصحابه حدّ الأسنّة والسيوف، فقتل عبيدة (٧) بن الحارث يوم بدر، وقتل حمزة يوم أحد، وقتل جعفر وزيد يوم مؤتة، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه (٨) مثل الذى أرادوا من
стр. 387
الشهادة مع النبى صلّى الله عليه وآله غير مرّة، إلا أن آجالهم عجّلت، ومنيّته أجّلت، والله ولىّ الإحسان إليهم، والمنّة عليهم، بما أسلفوا من أمر الصالحات، فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح فى طاعة الله ورسوله، ولا أصبر على الّلأواء (١)، والسّرّاء والضّرّاء، وحين البأس، ومواطن المكروه مع النبى صلى الله عليه وآله، من هؤلاء البّفر الذين سمّيت لك، وفى المهاجرين خير كثير يعرّف، جزاهم الله خيرا بأحسن أعمالهم.
فيا عجبا للدهر! إذ صرت يقرن بى من لم يسع بقدمى، ولم تكن له كسابقتى التى لا يدلى أحد بمثلها، إلّا أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه، ولا أظنّ الله يعرفه، والحمد لله على كل حال.
وذكرت حسدى الخلفاء وإبطائى عنهم وبغيى عليهم، فأما البغى فمعاذ الله أن يكون، وأما الإبطاء عنهم والكراهية لأمرهم فلست أعتذر إلى الناس من ذلك، إن الله تعالى ذكره لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله، قالت قريش: منا أمير. وقالت الأنصار: منا أمير، فقالت قريش: منا محمد، فنحن أحقّ بالأمر، فعرفت ذلك الأنصار، فسلّمت لهم الولاية والسلطان، فإذا استحقوها بمحمد صلى الله عليه وآله دون الأنصار، فإن أولى الناس بمحمد أحقّ به منهم، وإلّا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا، فلا أدرى: أصحابى سلموا من أن يكونوا حقّى أخذوا، أو الأنصار ظلموا؟
بل عرفت أن حقى هو المأخوذ، وقد تركته لهم، تجاوز الله عنهم.
وأما ما ذكرت من أمر عثمان، وقطيعتى رحمه، وتأليبى عليه، فإن عثمان عمل ما قد بلغك، فصنع الناس به ما رأيت، وإنك لتعلم أنى قد كنت فى عزلة عنه، إلا أن تتجنّى، فتجنّ ما بدا لك. وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان، فإنى نظرت فى هذا الأمر، وضربت أنفه وعينه (٢)، فلم أره يسعنى دفعهم إليك ولا إلى غيرك، ولعمرى
стр. 388
لئن لم تنزع (١) عن غيّك وشقاقك، لتعرفنّهم عمّا قليل يطلبونك، لا يكلّفونك أن تطلبهم فى برّ ولا بحر، ولا جبل ولا سهل، إلا أنه طلب يسوءك وجدانه، وزور (٢) لا يسرّك لقيانه.
وقد كان أبوك أبو سفيان أتانى حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:
أنت أحقّ بمقام محمد، وأولى الناس بهذا الأمر، وأنا زعيم (٣) لك بذلك على من خالف، ابسط يدك أبايعك (٤)، فلم أفعل، وأنت تعلم أن أباك قد قال ذلك وأراده، حتى كنت أنا الذى أبيت عليه، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام، لقرب عهد الناس بالكفر، فأبوك كان أعرف بحقّى منك، فإن تعرف من حقّى ما كان أبوك يعرف تصب رشدك، وإلّا فنستعين الله عليك، والسلام لأهله».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤٠٨، ونهج البلاغة ٢: ٦، والعقد الفريد ٢: ٢٣٤)
٤٢٥ - كتاب معاوية إلى علىّ
وكتب معاوية إلى علىّ كتابا أنفذه إليه مع أبى أمامة الباهلى، ونسخته:
«من عبد الله معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب:
أما بعد: فإن الله تعالى جدّه اصطفى محمدا ﵊ لرسالته، واختصّه بوحيه وتأدية شريعته، فأنقذ به من العماية (٥)، وهدى به من الغواية، ثم قبضه إليه
стр. 389
رشيدا حميدا، قد بلّغ الشرع، ومحق الشّرك، وأخمد نار الإفك، فأحسن الله جزاءه، وضاعف عليه نعمه وآلاءه (١)، ثم إن الله سبحانه اختص محمدا ﵊ بأصحاب أيّدوه ونصروه وكانوا كما قال الله سبحانه لهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» فكان أفضلهم مرتبة، وأعلاهم عند الله والمسلمين منزلة الخليفة الأول، الذى جمع الكلمة، ولمّ الدّعوة وقاتل أهل الرّدّة، ثم الخليفة الثانى الذى فتح الفتوح، ومصّر الأمصار، وأذلّ رقاب المشركين، ثم الخليفة الثالث المظلوم الذى نشر الملّة، وطبّق (٢) الآفاق بالكلمة الحنيفيّة.
فلما استوثق الإسلام وضرب بجرانه (٣)، عدوت عليه، فبغيته الغوائل، ونصبت له المكايد، وضربت له بطن الأمر وظهره، ودسست عليه وأغريت به، وقعدت- حيث استنصرك- عن نصره، وسألك أن تدركه قبل أن يمزّق فما أدركته، وما يوم المسلمين منك بواحد، لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه، ورمت إفساد أمره، وقعدت فى بيتك، واستغويت عصابة من الناس حتى تأخّروا عن بيعته، ثم كرهت خلافة عمر وحسدته، واستطلت مدته وسررت بقتله، وأظهرت الشماتة بمصابه، حتى إنك حاولت قتل ولده (٤) لأنه قتل قاتل أبيه، ثم لم تكن أشدّ منك
стр. 390
حسدا لابن عمك عثمان، نشرت مقابحه، وطويت محاسنه، وطعنت فى فقهه، ثم فى دينه، ثم فى سيرته، ثم فى عقله، وأغريت به السّفهاء من أصحابك وشيعتك، حتى قتلوه بمحضر منك، لا تدفع عنه بلسان ولا يد، وما من هؤلاء إلا من بغيت عليه، وتلكّأت فى بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بحزائم الاقتسار (١) كما يساق الفحل المخشوش، ثم نهضت الآن تطلب الخلافة، وقتلة عثمان خلصاؤك وسجراؤك (٢) والمحدقون بك، وتلك من أمانى النفوس وضلالات الأهواء.