فعزم (١) الله لنا على منعه، والذّبّ عن حوزته، والرّمى من وراء حرمته (٢)، والقيام بأسيافنا دونه، فى ساعات الخوف بالليل والنهار، مؤمننا يبغى بذلك الأجر، وكافرنا يحامى عن الأصل (٣)، وأما من أسلم من قريش فإنهم مما نحن فيه خلاء (٤)، منهم الحليف الممنوع، ومنهم ذو العشيرة التى تدافع عنه، فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التّلف، فهم من القتل بمكان نجوة (٥) وأمن، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون.
ثم أمر الله تعالى رسوله بالهجرة، وأذن له بعد ذلك فى قتال المشركين، فكان إذا احمرّ الباس (٦)، وأحجم الناس ودعيت نزال، أقام أهل بيته فاستقدموا، فوقى بهم أصحابه حدّ الأسنّة والسيوف، فقتل عبيدة (٧) بن الحارث يوم بدر، وقتل حمزة يوم أحد، وقتل جعفر وزيد يوم مؤتة، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه (٨) مثل الذى أرادوا من
стр. 387
الشهادة مع النبى صلّى الله عليه وآله غير مرّة، إلا أن آجالهم عجّلت، ومنيّته أجّلت، والله ولىّ الإحسان إليهم، والمنّة عليهم، بما أسلفوا من أمر الصالحات، فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح فى طاعة الله ورسوله، ولا أصبر على الّلأواء (١)، والسّرّاء والضّرّاء، وحين البأس، ومواطن المكروه مع النبى صلى الله عليه وآله، من هؤلاء البّفر الذين سمّيت لك، وفى المهاجرين خير كثير يعرّف، جزاهم الله خيرا بأحسن أعمالهم.
فيا عجبا للدهر! إذ صرت يقرن بى من لم يسع بقدمى، ولم تكن له كسابقتى التى لا يدلى أحد بمثلها، إلّا أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه، ولا أظنّ الله يعرفه، والحمد لله على كل حال.
وذكرت حسدى الخلفاء وإبطائى عنهم وبغيى عليهم، فأما البغى فمعاذ الله أن يكون، وأما الإبطاء عنهم والكراهية لأمرهم فلست أعتذر إلى الناس من ذلك، إن الله تعالى ذكره لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله، قالت قريش: منا أمير. وقالت الأنصار: منا أمير، فقالت قريش: منا محمد، فنحن أحقّ بالأمر، فعرفت ذلك الأنصار، فسلّمت لهم الولاية والسلطان، فإذا استحقوها بمحمد صلى الله عليه وآله دون الأنصار، فإن أولى الناس بمحمد أحقّ به منهم، وإلّا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا، فلا أدرى: أصحابى سلموا من أن يكونوا حقّى أخذوا، أو الأنصار ظلموا؟
بل عرفت أن حقى هو المأخوذ، وقد تركته لهم، تجاوز الله عنهم.
وأما ما ذكرت من أمر عثمان، وقطيعتى رحمه، وتأليبى عليه، فإن عثمان عمل ما قد بلغك، فصنع الناس به ما رأيت، وإنك لتعلم أنى قد كنت فى عزلة عنه، إلا أن تتجنّى، فتجنّ ما بدا لك. وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان، فإنى نظرت فى هذا الأمر، وضربت أنفه وعينه (٢)، فلم أره يسعنى دفعهم إليك ولا إلى غيرك، ولعمرى
стр. 388
لئن لم تنزع (١) عن غيّك وشقاقك، لتعرفنّهم عمّا قليل يطلبونك، لا يكلّفونك أن تطلبهم فى برّ ولا بحر، ولا جبل ولا سهل، إلا أنه طلب يسوءك وجدانه، وزور (٢) لا يسرّك لقيانه.
وقد كان أبوك أبو سفيان أتانى حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:
أنت أحقّ بمقام محمد، وأولى الناس بهذا الأمر، وأنا زعيم (٣) لك بذلك على من خالف، ابسط يدك أبايعك (٤)، فلم أفعل، وأنت تعلم أن أباك قد قال ذلك وأراده، حتى كنت أنا الذى أبيت عليه، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام، لقرب عهد الناس بالكفر، فأبوك كان أعرف بحقّى منك، فإن تعرف من حقّى ما كان أبوك يعرف تصب رشدك، وإلّا فنستعين الله عليك، والسلام لأهله».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤٠٨، ونهج البلاغة ٢: ٦، والعقد الفريد ٢: ٢٣٤)
٤٢٥ - كتاب معاوية إلى علىّ
وكتب معاوية إلى علىّ كتابا أنفذه إليه مع أبى أمامة الباهلى، ونسخته:
«من عبد الله معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب:
أما بعد: فإن الله تعالى جدّه اصطفى محمدا ﵊ لرسالته، واختصّه بوحيه وتأدية شريعته، فأنقذ به من العماية (٥)، وهدى به من الغواية، ثم قبضه إليه
стр. 389
رشيدا حميدا، قد بلّغ الشرع، ومحق الشّرك، وأخمد نار الإفك، فأحسن الله جزاءه، وضاعف عليه نعمه وآلاءه (١)، ثم إن الله سبحانه اختص محمدا ﵊ بأصحاب أيّدوه ونصروه وكانوا كما قال الله سبحانه لهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» فكان أفضلهم مرتبة، وأعلاهم عند الله والمسلمين منزلة الخليفة الأول، الذى جمع الكلمة، ولمّ الدّعوة وقاتل أهل الرّدّة، ثم الخليفة الثانى الذى فتح الفتوح، ومصّر الأمصار، وأذلّ رقاب المشركين، ثم الخليفة الثالث المظلوم الذى نشر الملّة، وطبّق (٢) الآفاق بالكلمة الحنيفيّة.
فلما استوثق الإسلام وضرب بجرانه (٣)، عدوت عليه، فبغيته الغوائل، ونصبت له المكايد، وضربت له بطن الأمر وظهره، ودسست عليه وأغريت به، وقعدت- حيث استنصرك- عن نصره، وسألك أن تدركه قبل أن يمزّق فما أدركته، وما يوم المسلمين منك بواحد، لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه، ورمت إفساد أمره، وقعدت فى بيتك، واستغويت عصابة من الناس حتى تأخّروا عن بيعته، ثم كرهت خلافة عمر وحسدته، واستطلت مدته وسررت بقتله، وأظهرت الشماتة بمصابه، حتى إنك حاولت قتل ولده (٤) لأنه قتل قاتل أبيه، ثم لم تكن أشدّ منك
стр. 390
حسدا لابن عمك عثمان، نشرت مقابحه، وطويت محاسنه، وطعنت فى فقهه، ثم فى دينه، ثم فى سيرته، ثم فى عقله، وأغريت به السّفهاء من أصحابك وشيعتك، حتى قتلوه بمحضر منك، لا تدفع عنه بلسان ولا يد، وما من هؤلاء إلا من بغيت عليه، وتلكّأت فى بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بحزائم الاقتسار (١) كما يساق الفحل المخشوش، ثم نهضت الآن تطلب الخلافة، وقتلة عثمان خلصاؤك وسجراؤك (٢) والمحدقون بك، وتلك من أمانى النفوس وضلالات الأهواء.
стр. 391
فدع اللجاج والعبث (١) جانبا، وادفع إلينا قتلة عثمان، وأعد الأمر شورى بين المسلمين، ليتفقّوا على من هو لله رضا، فلا بيعة لك فى أعناقنا، ولا طاعة لك علينا، ولا عتبى (٢) لك عندنا، وليس لك ولأصحابك عندى إلا السيف، والذى لا إله إلا هو لأطلبنّ قتلة عثمان أين كانوا وحيث كانوا حتى أقتلهم، أو تلحق روحى بالله.
فأمّا ما لا تزال تمنّ به من سابقتك وجهادك، فإنى وجدت الله سبحانه يقول:
«يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ولو نظرت فى حال نفسك لو جدتها أشد الأنفس امتنانا على الله بعملها، وإذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة، فالامتنان على الله يبطل أجر الجهاد، ويجعله كصفوان (٣) عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ ممّا كسبوا والله لا يهدى القوم الكافرين».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤٤٨)
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤٤٨)
٤٢٦ - رد علىّ على معاوية
فكتب إليه علىّ:
«أما بعد: فقد أتانى كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمدا صلى الله عليه وآله لدينه وتأييده إياه بمن أيّده به من أصحابه، فلقد خبّأ لنا الدهر منك عجبا، إذ طفقت تخبرنا ببلاء (٤) الله عندنا، ونعمته علينا فى نبيّنا، فكنت فى ذلك كناقل التّمر إلى هجر (٥)، أو داعى مسدّده إلى النّضال، وزعمت أن أفضل الناس فى الإسلام
стр. 392
فلان وفلان (١)، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كلّه، وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس؟ وما للطّلقاء، وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين الأولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد حنّ قدح ليس منها (٢)، وطفق يحكم فيها (٣) من عليه الحكم لها! ألا تربع أيها الإنسان على ظلمك، وتعرف قصور ذرعك (٤)، وتتأخّر حيث أخّرك القدر؟ فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر!
وإنك لذهّاب فى التّيه (٥)، روّاغ عن القصد، ألا ترى- غير مخبر لك، ولكن بنعمة الله أحدّث- أن قوما استشهدوا فى سبيل الله تعالى من المهاجرين والأنصار- ولكلّ فضل- حتّى إذا استشهد شهيدنا، قيل: سيّد الشهداء (٦)، وخصّه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه (٧)، أولا ترى أن قوما
стр. 393
قطعت أبديهم فى سبيل الله- ولكلّ فضل- حتى إذا فعل بواحدنا (١) ما فعل بواحدهم، قيل الطّيّار فى الجنة وذو الجناحين، ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه، لذكر ذاكر (٢) فضائل جمّة، تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجّها آذان السامعين.
فدع عنك من مالت به الرّميّة (٣)، فإنا صنائع ربنا (٤)، والناس بعد صنائع لنا، لم يمنعنا قديم عزّنا، ولا عادىّ طولنا (٥) على قومك، أن خلطناكم بأنفسنا، فنكحنا وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك، وأنّى يكون ذلك كذلك (٦)؛
_________
وقال ابن أبى الحديد: «قال الراوندى: المكذب من كان يكذب رسول الله صلى الله عليه وآله عنادا من قريش، وأسد الأحلاف: أسد بن عبد العزى، قال: لأن بنى أسد بن عبد العزى كانوا أحد البطون الذين اجتمعوا فى حلف المطيبين، وهذا كلام ظريف جدا، لأنه لم يلحظ أنه يجب أن يجعل بإزاء النبى ﷺ مكذب من بنى عبد شمس، فقال: المكذب من كذب النبى من قريش عنادا، وليس كل من كذبه ﵊ من قريش يعير معاوية به، ثم قال: أسد الأحلاف أسد بن عبد العزى، وأى عار يلزم معاوية من ذلك؟ ثم إن بنى عبد مناف كانوا فى هذا الحلف، وعلى ومعاوية من بنى عبد مناف ولكن الراوندى يظلم نفسه بتعرضه لما لا يعلمه اه».
وهاك كلمة عن حلف المطيبين: كان قصى بن كلاب جعل إلى ابنه عبد الدار الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ثم إن بنى عبد مناف بن قصى (عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا) أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدى بنى عبد الدار بن قصى من ذلك، ورأوا أنهم أولى به منهم لشرفهم عليهم وفضلهم فى قومهم، فتفرقت عند ذلك قريش فكانت طائفة مع بنى عبد مناف على رأيهم، كان معهم بنو أسد بن عبد العزى بن قصى وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالك، وكانت طائفة أخرى مع بنى عبد الدار، يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصى جعل إليهم، كان معهم بنو مخزوم بن يقظة بن مرة وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمع بن عمرو بن هصيص وبنو عدى بن كعب، فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، ما بل بحر صوفة، فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها لأحلافهم فى المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسموا «المطيبين» بفتح الياء المشددة- وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على أن يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا «الأحلاف» - انظر سيرة ابن هشام ١: ٨٢.
أما حلف الفضول: فسببه أن رجلا من زبيد من أهل اليمن قدم مكة معتمرا ببضاعة فاشتراها منه العاص ابن وائل السهمى ومطله بالثمن، فجاء إلى بنى سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا له- وكان بنو سهم وبنو جمح أهل بغى وعدوان- فطوف فى قبائل قريش يستصرخهم فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبى قبيس حين أخذت قريش مجالسها حين ناشدهم ظلامته، فاجتمع بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم فى دار عبد الله بن جدعان التيمى، فتحالفوا وغمسوا أيديهم فى ماء زمزم بعد أن غسلوا به أركان البيت وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غير هم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وأن يأخذوا على يد الظالم وينهوا عن كل منكر، مابل بحر صوفة، ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل فقالوا له: أد إلى هذا حقه، فأدى إليه حقه فمكثوا كذلك دهرا، لا يظلم أحد بمكة إلا أخذوا له حقه. وكان حلف الفضول بعد حلف المطيبين بزمان، وقد شهده رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة، قال ﵊: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم (به أى بدله: أى مقابل نقضه) ولو دعيت به اليوم لأجبت، ولا يزيده الإسلام إلا شدة» وإنما سمى حلف الفضول لأنهم تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها (فالفضول: جمع فضل وهو الزيادة، لأن الظالم يأخذ فضلا عن حقه) وقيل إنه كان قد سبق قريشا إلى مثل هذا الحلف «جرهم» فى الزمن الأول، فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم: أحدهم الفضل بن فضالة-
стр. 396
ومنا سيّدا شباب أهل الجنة (١)، ومنكم صبية النار (٢)؛ ومنا خير نساء العالمين (٣)،
стр. 397
ومنكم حمّالة الحطب (١)، فى كثير مما لنا وعليكم:
فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليّتنا لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، وهو قوله : «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» * وقوله تعالى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة، ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة (٢) برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.
وزعمت أنّى لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلّهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك، فيكون العذر إليك:
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (٣) *
وقلت إنى كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت
стр. 398
أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة (١) فى أن يكون مظلوما، ما لم يكن شاكّا فى دينه، ولا مرتابا بيقينه، وهذه حجّتى إلى غيرك قصدها (٢)، ولكنى أطلقت لك منها بقدر ما سنح (٣) من ذكرها.
ثم ذكرت ما كان من أمرى وأمر عثمان، فلك أن تجاب عن هذه، لرحمك (٤) منه، فأيّنا كان أعدى (٥) له، وأهدى إلى مقاتله، أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفّه (٦)، أم من استنصره فتراخى عنه (٧)، وبث المنون إليه، حتى أتى قدره عليه؟ كلّا والله، لقد علم الله المعوّقين (٨) منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلّا قليلا.
وما كنت لأعتذر من أبى كنت (٩) أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب إليه إرشادى وهدايتى له، فربّ ملوم لا ذنب له (١٠).
стр. 399
* وقد يستفيد الظّنّة المتنصّح (١) * وما أردت إلّا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.
وذكرت أنه ليس لى ولأصحابى عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار (٢)! متى ألفيت بنى عبد المطلب عن الأعداء ناكلين (٣)، وبالسيوف مخوّفين؟ «فلبّث قليلا يلحق الهيجا حمل (٤)» فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل (٥) نحوك فى جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد
стр. 400
زحامهم، ساطع قتامهم (١)، متسربلين سرابيل الموت، أحبّ اللّقاء إليهم لقاء ربهم، وقد صحبتهم ذرّيّة بدرية (٢)، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها فى أخيك وخالك وجدك وأهلك، وما هى من الظّالمين ببعيد».
(نهج البلاغة ٢: ٢١، وصبح الأعشى ١: ٢٢٩ ونهاية الأرب ٧: ٢٣٣)
٤٢٧ - كتاب على إلى مخنف بن سليم
ولما أجمع علىّ ﵇ أن يسير إلى الشأم لقتال معاوية، كتب إلى عمّاله يستفزّهم، فكتب إلى مخنف بن سليم عامله على أصبهان وهمذان:
«سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن جهاد من صدف (٣) عن الحق رغبة عنه، وهبّ فى نعاس العمى والضلال اختيارا له، فريضة على العارفين أنّ الله يرضى عمن أرضاه، ويسخط على من عصاه.
وإنا قد هممنا بالسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا فى عباد الله بغير ما أنزل الله، واستأثروا بالفئ، وعطّلوا الحدود، وأماتوا الحقّ، وأظهروا فى الأرض الفساد، واتخذوا الفاسقين وليجة (٤) من دون المؤمنين: فإذا ولىّ الله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبّوه وأدنوه وبرّوه، فقد أصرّوا على الظلم، وأجمعوا على الخلاف، وقديما صدّوا عن الحق، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين.
فإذا أتيت بكتابى هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك فى نفسك، وأقبل إلينا
стр. 401
لعلك تلقى معنا هذا العدوّ المحلّ (١)، فتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتجامع المحقّ، وتباين المبطل، فإنه لا غنى بنا ولا بك عن أجر الجهاد، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
وكتبه عبيد الله بن أبى رافع فى سنة سبع وثلاثين.
فاستخلف مخنف على أصبهان الحرث بن أبى الحرث بن الربيع، واستعمل على همذان سعيد بن وهب وكلاهما من قومه، وأقبل حتى شهد مع علىّ ﵇ صفّين».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٢)
٤٢٨ - كتاب على إلى عبد الله بن عباس
وكتب عبد الله بن عباس من البصرة إلى علىّ ﵇ يذكر له اختلاف أهل البصرة، فكتب إليه علىّ ﵇:
«أما بعد: فقد قدم علىّ رسولك، وقرأت كتابك تذكر فيه حال أهل البصرة واختلافهم بعد انصرافى عنهم، وسأخبرك عن القوم:
هم بين مقيم لرغبة يرجوها، أو خائف من عقوبة يخشاها، فأرغب راغبهم بالعدل عليه، والإنصاف له، والإحسان إليه، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم،
стр. 402
وانته إلى أمرى ولا تعده، وأحسن إلى هذا الحىّ من ربيعة وكلّ من قبلك فأحسن إليه ما استطعت إن شاء الله».
وكتب إلى أمراء عماله كلهم بنحو ما كتب به إلى مخنف بن سليم، وأقام ينتظرهم.
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٢)
٤٢٩ - كتاب على إلى عبد الله بن عباس
وكتب إلى ابن عباس أيضا:
«أما بعد: فاشخص إلىّ بمن قبلك من المسلمين والمؤمنين وذكّرهم بلائى عندهم، وعفوى عنهم فى الحرب، وأعلمهم الذى لهم فى ذلك من الفضل، والسلام».
فقدم عليه ابن عباس بأهل البصرة.
(شرح ابن أبى الحديد ١: ص ٢٨٣)
٤٣٠ - كتاب زياد بن النضر إلى علىّ
وأمر علىّ فنودى فى الناس أن اخرجوا إلى معسكركم بالنّخيلة، واستخلف على الكوفة، ثم خرج وخرج الناس معه، ودعا زياد بن النّضر وشريح بن هانئ، وكانا على مذحج والأشعريين، فأوصى زيادا وقال له: إنى قد وليتك هذا الجند، ثم أمرهما أن يأخذا فى طريق واحد ولا يختلفا، وبعثهما فى اثنى عشر ألفا على مقدّمته، وكل واحد منهما على جماعة من ذلك الجيش، فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة، ولا يقرب زيادا فكتب زياد إلى علىّ ﵇:
«لعبد الله علىّ أمير المؤمنين من زياد بن النّضر:
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنك ولّيتنى أمر الناس، وإن شريحا لا يرى بى عليه طاعة ولا حقا، وذلك من فعله بى استخفاف بأمرك، وترك لعهدك، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٥)
стр. 403
٤٣١ - كتاب شريح بن هانئ إلى على
وكتب شريح بن هانئ إلى علىّ ﵇:
«لعبد الله علىّ أمير المؤمنين من شريح بن هانئ:
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن زياد ابن النّضر حين أشركته فى أمرك، وولّيته جندا من جندك، طغى واستكبر، ومال به العجب والخيلاء والزّهو إلى ما لا يرضى الله تعالى به من القول والفعل، فإن رأى أمير المؤمنين ﵇ أن يعزله عنا، ويبعث مكانه من يحبّ فليفعل، فإنا له كارهون، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٥)
٤٣٢ - كتاب على إلى زياد وشريح
فكتب علىّ ﵇ إليهما:
«من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر، وشريح بن هانئ:
سلام عليكما، فإنى أحمد إليكما الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنى قد وليت مقدّمتى زياد بن النضر وأمّرته عليها، وشريح بن هانئ على طائفة منها أمير، فإن انتهى جمعكما إلى بأس فزياد بن النضر على الناس كلهم، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير الطائفة التى ولّيناه أمرها.
واعلما أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تسأما من توجيه الطلائع، ومن نفض الشّعاب (١) والشجر والخمر فى كل جانب، كى لا يغترّكما (٢) عدو، أو يكون لهم كمين، ولا تسيّرنّ الكتائب
стр. 404
والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلّا على قعبية (١)، فإن دهمكم عدوّ أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدّمتم فى التعبية، فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم فى قبل الأشراف (٢)، وأسفاح الجبال، وأثناء الأنهار، كيما يكون ذلك لكم ردءا، وتكون مقاتلتكم من وجه واحد، أو اثنين، واجعلوا رقباء كما فى صياصى (٣) الجبال، وبأعالى الأشراف، ومناكب الأنهار، يرون لكم، لا يأتيكم عدوّ من مكان مخافة أو أمن، وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا رحتم فارحلوا جميعا، فإذا غشيكم الليل فنزلتم فحفّوا عسكركم بالرّماح والتّرسة، ولتكن رماتكم من وراء تراسكم، ورماحكم يلونهم، وما أقمتم فكذلك فافعلوا، كى لا يصاب لكم غفلة، ولا يلفى لكم غرّة، فما قوم يحفّون عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار، إلا كانوا كأنهم فى حصون، واحرسا عسكركما بأنفسكما، وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا (٤) أو مضمضة، ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدو كما، وليكن كلّ يوم عندى خبر كما ورسول من قبلكما، فإنى- ولا شئ إلا ما شاء الله- حثيث (٥) السير فى إثركما، وعليكما فى جريكما بالتّؤدة، وإياكما والعجلة إلا أن تمكنكما فرصة بعد الإعذار والحجة، وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما، إلا أن تبدأا، أو يأتيكما أمرى إن شاء الله».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٥)
стр. 405
٤٣٣ - كتاب على إلى أمراء الأجناد
وكتب على ﵇ إلى أمراء الأجناد:
«أما بعد فإنى أبرأ إليكم من معرّة الجنود، فأعزبوا (١) الناس عن الظلم والعدوان، وخذوا على أيدى سفهائكم، واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا، فيردّ بها علينا وعليكم دعاءنا، فإنه تعالى يقول: «ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ» وإن الله إذا مقت قوما من السماء هلكوا فى الأرض، فلا تألوا أنفسكم خيرا، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرّعيّة معونة، ولا دين الله قوة، وأبلوا فى سبيله ما استوجب عليكم، فإن الله قد اصطنع (٢) عندنا وعندكم ما يجب علينا أن فشكره بجهدنا، وأن ننصره ما بلغت قوّتنا، ولا قوة إلا بالله».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٥)
٤٣٤ - كتاب على إلى الأجناد
وكتب علىّ ﵇ إلى جنوده يخبرهم بالذى لهم وعليهم:
«أما بعد: فإن الله جعلكم فى الحق جميعا سواء: أسودكم وأحمركم (٣)، وجعلكم من الوالى منكم بمنزلة الولد من الوالد، والوالد من الولد، فحقّكم عليه إنصافكم والتعديل بينكم والكفّ عن فيئكم، فإذا فعل معكم ذلك وجبت عليكم طاعته فيما وافق الحق، ونصرته والدفع عن سلطان الله، فإنكم وزعة (٤) الله فى الأرض، فكونوا
стр. 406
له أعوانا، ولدينه أنصارا، ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها إنّ الله لا يحبّ المفسدين».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٨٥)
٤٣٥ - كتاب على إلى معاوية ومن قبله من قريش
وسار على ﵇ حتى نزل الرّقّة (١)، فقالت له طائفة من أصحابه:
يا أمير المؤمنين، اكتب إلى معاوية ومن قبله من قومك، فإن الحجّة لا تزداد عليهم بذلك إلا عظما، فكتب إليهم:
«من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى معاوية ومن قبله من قريش:
سلام عليكم فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل، وعرفوا التأويل، وفقهوا فى الدين، وبيّن الله فضلهم فى القرآن الحكيم، وأنتم فى ذلك الزمان أعداء للرسول تكذّبون بالكتاب، مجمعون على حرب المسلمين، من ثقفتم (٢) منهم حبستموه أو عذّبتموه أو قتلتموه، حتى أراد الله تعالى إعزاز دينه، وإظهار أمره، فدخلت العرب فى الدين أفواجا، وأسلمت له هذه الأمة طوعا وكرها، فكنتم فيمن دخل فى هذا الدين إمّا رغبة وإمّا رهبة، على حين فاز أهل السّبق بسبقهم، وفاز المهاجرون الأولون بفضلهم، ولا ينبغى لمن ليست له مثل سوابقهم فى الدين، ولا فضائلهم فى الإسلام، أن ينازعهم الأمر الذى هم أهله وأولى به فيحوب (٣) ويظلم، ولا ينبغى لمن كان له عقل أن يجهل قدره، ويعدو طوره، ويشقى نفسه بالتماس ما ليس بأهله، فإن أولى الناس بأمر هذه الأمة قديما وحديثا أقربها من الرسول، وأعلمها بالكتاب، وأفقهها فى الدين؛ أولهم إسلاما، وأفضلهم جهادا، وأشدهم بما تحمله الأئمة من أمر الأمة اضطلاعا (٤)، فاتقوا الله الذى إليه ترجعون
стр. 407
ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون، واعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون، وإن شرارهم الجهّال الذين ينازعون الجهل أهل العلم، فإن للعالم بعلمه فضلا، وإن الجاهل لا يزداد بمنازعته العالم إلا جهلا، ألا وإنى أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وحقن دماء هذه الأمة، فإن قبلتم أصبتم رشدكم، واهتديتم لحظّكم، وإن أبيتم إلا الفرقة وشقّ عصا هذه الأمة، لم تزدادوا من الله إلّا بعدا، ولا يزداد الرّب عليكم إلا سخطا، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٩٠)
٤٣٦ - رد معاوية على علىّ
فكتب إليه معاوية جواب هذا الكتاب سطرا واحدا وهو:
«أما بعد: فإنه:
ليس بينى وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرّقاب (١)
فقال علىّ ﵇ لما أتاه هذا الجواب: «إنّك لا تهدى من أحببت ولكنّ الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٢٩٠)
٤٣٧ - كتاب عمرو بن العاص إلى ابن عباس
ولم تجد الكتب بين على ومعاوية نفعا، فعبّا كل منهما جيشه، ودارت رحى الحرب بين الفريقين فى صفّين، على ما هو مشهور.
فلما اشتد الأمر وعظم على أهل الشأم، بعث معاوية أخاه عتبة للقاء الأشعث ابن قيس الكندى (٢)، فجعل يستهويه ويستكفّه، وكان فيما قال له: إنا لا ندعوك إلى ترك علىّ ونصرة معاوية، ولكنا ندعوك إلى البقيّة التى فيها صلاحك وصلاحنا، فقال له الأشعث: لستم بأحوج إلى البقية منا، ولم يلق عند عتبة ما يحبّ.
стр. 408
فلما يئس معاوية من الأشعث قال لعمرو بن العاص: إن رأس أهل العراق بعد علىّ هو عبد الله بن عباس، فلو كتبت إليه كتابا لعلك ترقّقه، ولعله لو قال شيئا لم يخرج علىّ منه، وقد أكلتنا الحرب ولا أرانا نصل إلى العراق إلا بهلاك أهل الشأم، فقال عمرو: إن ابن عباس لا يخدع، ولو طمعت فيه لطمعت فى على. قال معاوية:
على ذلك فاكتب، فكتب عمرو إلى ابن عباس:
«أما بعد: فإن الذى نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء، وأنت رأس هذا الجمع بعد علىّ، فانظر فيما بقى ودع ما مضى، فو الله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياة ولا صبرا. واعلم أن الشأم لا تهلك إلا بهلاك العراق، وأن العراق لا تهلك إلا بهلاك الشأم، فما خيرنا بعد هلاك أعدادنا منكم؟ وما خيركم بعد هلاك أعدادكم منا؟
ولسنا نقول: ليت الحرب عادت، ولكنا نقول: ليتها لم تكن، وإن فينا من يكره اللّقاء كما أن فيكم من يكرهه، وإنما هو: أمير مطاع، ومأمور مطيع، ومؤتمن مشاور وهو أنت، فأما الأشتر (١) الغليظ الطبع القاسى القلب فليس بأهل أن يدعى فى ثقات أهل الشّورى، ولا فى خواصّ أهل النّجوى».
وكتب فى أسفل الكتاب:
طال البلاء وما يرجى له آسى ... بعد الإله سوى رفق ابن عبّاس (٢)
قولا له قول من يرجو مودّته ... لا تنس حظّك، إن الخاسر النّاسى
انظر (تفدّيك نفسى) قبل قاصمة ... للظهر ليس لها راق ولا آسى (٣)
إن العراق وأهل الشأم لن يجدوا ... طعم الحياة مع المستغلق القاسى (٤)
стр. 409
يا بن الذى زمزم سقيا الحجيج له ... أعظم بذلك من فخر على الناس (١)
إنى أرى الخير فى سلم الشآم لكم ... والله يعلم ما بالسّلم من باس (٢)
فيها التّقى وأمور ليس يجهلها ... إلا الجهول، وما نوكى كأكياس (٣)
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٨٨، والإمامة والسياسة ١: ٨٣)
٤٣٨ - رد ابن عباس على ابن العاص
فلما انتهى كتاب عمرو إلى ابن عباس أتى به إلى علىّ ﵇: فأقرأه إياه فضحك، وقال: قاتل الله (٤) ابن العاص! ما أغراه بك يا عبد الله أجبه، وليردّ عليه شعره الفضل بن العباس فإنه شاعر، فكتب ابن عباس إلى عمرو:
«أما بعد: فإنى لا أعلم أحدا من العرب أقلّ حياء منك، إنك مال بك الهوى إلى معاوية، فبعته دينك بالثمن الأوكس (٥)، ثم خبطت الناس فى عشواء (٦) طمعا فى الدنيا فأعظمتها إعظام أهل الدنيا، فلما ترامينا أعظمت الحرب والرّماء إعظام أهل الدين، وأظهرت فيها كراهية أهل الورع لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت تريد الله، فارجع إلى بيتك، ودع الطمع فى مصر، والركون
стр. 410
إلى الدنيا الفانية. واعلم أن هذه الحرب ليس فيها معاوية كعلى، بدأها علىّ بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالبغى، وانتهى فيها إلى السّرف، وليس أهل الشأم فيها كأهل العراق: بايع أهل العراق عليّا وهو خير منهم، وبايع أهل الشأم معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها سواء: أردت الله، وأنت أردت مصر، وقد عرفت الشئ الذى باعدك منى، ولا أعرف الشئ الذى قرّبك من معاوية، فإن ترد شرا لا نسبقك به، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه، والسلام».
ثم دعا أخاه الفضل فقال: يا بن أمّ أجبه، فقال الفضل:
يا عمرو: حسبك من مكر ووسواس ... فاذهب فليس لداء الجهل من آسى (١)
إلّا تواتر طعن فى نحوركم ... يشجى النفوس ويشفى نخوة الراس (٢)
أمّا علىّ فإن الله فضّله ... بفضل ذى شرف عال على الناس (٣)
إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيّسة ... او تبعثوها فإنا غير أنكاس (٤)
قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة ... هذا بهذا، وما بالحق من باس
ثم عرض الشعر والكتاب على علىّ ﵇، فقال: لا أراه يجيبك بعدها أبدا بشئ إن كان يعقل، وإن عاد عدت عليه، فلما انتهى الكتاب إلى عمرو بن العاص عرضه على معاوية فقال: إن قلب ابن عباس وقلب على قلب واحد، وكلاهما ولد عبد المطلب، وإن كان قد خشن فلقد لان، وإن كان قد تعظّم وعظّم صاحبه فلقد قارب وجنح إلى السّلم.
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٨٨ والإمامة والسياسة ١: ٨٤)
стр. 411
٣٣٩ - كتاب معاوية إلى ابن عباس
وقال معاوية لأكتبنّ إلى ابن عباس كتابا أستعرض فيه عقله، وأنظر ما فى نفسه، فكتب إليه:
«أما بعد: فإنكم معشر بنى هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمساءة إلى أنصار ابن عفان، حتى إنكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما بدمه، واستعظامهما ما نيل منه، فإن كان ذلك منافسة لبنى أمية فى السلطان، فقد وليها عدىّ وتيم (١)، فلم تنافسوهم وأظهرتم لهم الطاعة.
وقد وقع من الأمر ما قد ترى، وأدالت (٢) هذه الحرب بعضنا من بعض حتى استوبنا فيها، فما يطمعكم فينا يطمعنا فيكم، وما يؤيسنا منكم يؤيسكم منا، ولقد رجونا غير الذى كان، وخشينا دون ما وقع، ولستم ملاقينا اليوم بأحدّ من حدّكم أمس، ولا غدا بأحدّ من حدكم اليوم وقد قنعنا بما فى أيدينا من ملك الشأم، فاقنعوا بما فى أيديكم من ملك العراق، وأبقوا على قريش، فإنما بقى من رجالها ستة: رجلان بالشأم، ورجلان بالعراق، ورجلان بالحجاز، فأما اللذان بالشأم فأنا وعمرو، وأما اللذان بالعراق، فأنت وعلىّ، وأما اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر (٣)، فاثنان من الستة ناصبان (٤) لك، واثنان واقفان فيك، وأنت رأس هذا الجمع، ولو بايع لك الناس بعد عثمان كنا أسرع منا إلى علىّ».
(شرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٢٨٩، والإمامة والسياسة ١: ٨٥)
стр. 412
٤٤٠ - رد ابن عباس على معاوية
فلما أتى كتاب معاوية إلى ابن عباس ضحك ثم قال: حتى متى يخطب ابن هند إلىّ عقلى، وحتى متى أجمجم (١) عنه ما فى نفسى؟ فكتب إليه:
«أما بعد: فقد جاءنى كتابك وقرأته، فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان وكراهتنا لسلطان بنى أمية، فلعمرى لقد أدركت فى عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبينى وبينك فى ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عقبة، وأما طلحة والزبير، فإنهما أجلبا عليه وضيّقا خناقه (٢)، ثم خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك، فقاتلناهما على النّكث كما قاتلناك على البغى، وأما قولك إنه لم يبق من قريش غير ستة، فما أكثر رجالها، وأحسن بقيّتها! وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، ولم يخذلنا إلا من خذلك. وأما إغراؤك إيانا بعدى وتيم، فإن أبا بكر وعمر خير من عثمان كما أن عثمان خير منك، وقد بقى لك منا ما ينسيك ما قبله وتخاف ما بعده، وأما قولك: إنه لو با يعنى الناس استقمت، فقد بايع الناس عليّا، وهو خير منى فلم تستقم له، وما أنت وذكر الخلافة يا معاوية؟ وإنما أنت طليق، وابن طليق والخلافة للمهاجرين الأولين وليس الطّلقاء منها فى شئ، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م: ٢ ص ٢٨٩، والإمامة والسياسة ١: ٨٥)
٤٤١ - كتاب على إلى معاوية
وكتب معاوية إلى علىّ ﵇ يسأله إقراره على الشأم، فكتب إليه علىّ:
«أما بعد: فإن الدنيا حلوة خضرة (٣) ذات زينة وبهجة، لم يصب إليها أحد إلا
стр. 413
شغلته بزينتها عما هو أنفع له منها، وبالآخرة أمرنا، وعليها حثثنا، فدع يا معاوية ما يفنى، واعمل لما يبقى، واحذر الموت الذى إليه مصيرك، والحساب الذى إليه عاقبتك، واعلم أن الله تعالى إذا أراد بعيد خيرا حال بينه وبين ما يكره، ووفقّه لطاعته.
وإذا أراد الله بعبد سوءا أغراه بالدنيا وأنساه الآخرة، وبسط له أمله، وعاقه عما فيه صلاحه، وقد وصلنى (١) كتابك فوجدتك ترمى غير غرضك، وتنشد غير ضالّتك، وتخبط فى عماية (٢)، وتتيه فى ضلالة، وتعتصم بغير حجّة، وتلوذ بأضعف شبهة.
فأما سؤالك المتاركة والإقرار لك على الشأم، فلو كنت فاعلا ذلك اليوم لفعلته أمس، وأما قولك إن عمر ولّا كه فقد عزل (٣) من كان ولّاه صاحبه، وعزل عثمان من كان عمر ولّاه (٤)، ولم ينصب للناس إمام إلا ليرى من صلاح الأمة ما (٥) قد كان ظهر لمن قبله، أو أخفى عنهم عيبه، والأمر يحدث بعده الأمر، ولكل وال رأى واجتهاد.
فسبحان الله! ما أشدّ لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتّبعة، مع تضييع الحقائق، واطّراح الوثائق، التى هى لله تعالى طلبة، وعلى عباده حجّة، فأما إكثارك الحجاج فى عثمان وقتلته، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك (٦)، وخذلته حيث كان النصر (٧) له، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٥٧، ونهج البلاغة ٢: ٤٤)
стр. 414
٤٤٢ - كتاب معاوية إلى ملك الروم
وبلغ معاوية أن صاحب الروم يريد قصد بلاد الشأم أيام صفّين، فكتب إليه:
«تالله لئن تممت (١) على ما بلغنى لأصالحنّ صاحبى، ولأكوننّ مقدّمته إليك، ولأجعلنّ القسطنطينيّة الحمراء حممة (٢) سوداء، ولأنزعنّك من الملك نزع الإصطفلينة (٣)، ولأردّنّك إرّيا (٤) من الأرارسة ترعى الدّوابل (٥)».
وفى رواية: «كما كنت ترعى الخنانيص (٦)».
(لسان العرب ٧: ٣٠٠)
٤٤٣ - كتاب معاوية إلى علىّ
وكتب معاوية إلى علىّ فى أواخر حرب صفّين:
«من عبد الله معاوية بن أبى سفيان إلى علىّ بن أبى طالب:
أما بعد: فإن الله تعالى يقول فى محكم كتابه: «وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (٧) وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» وإنى أحذّرك الله أن تحبط عملك وسابقتك بشقّ عصا (٨) هذه الأمة، وتفريق
стр. 415
جماعتها، فاتّق الله واذكر موقف القيامة، وأقلع عما أسرفت فيه من الخوض فى دماء المسلمين، وإنى سمعت رسول الله صلى الله ﷺ يقول: «ولو تمالأ (١) أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين، لأكبّهم الله على مناخرهم فى النار» فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين، وسادات المهاجرين، بله (٢) ما طحنت رحى حربه من أهل القرآن، وذوى العبادة والإيمان، من شيخ كبير، وشابّ غرير (٣)، كلّهم بالله تعالى مؤمن، وله مخلص، وبرسوله مقرّ عارف، فإن كنت- أبا حسن- إنما تحارب على الإمرة والخلافة، فلعمرى لو صحّت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر فى حرب المسلمين، ولكنها ما صحّت لك، أنّى بصحّتها، وأهل الشأم لم يدخلوا فيها، ولم يرتضوها؟ وخف الله وسطواته، واتّق بأسه ونكاله، وأغمد سيفك عن الناس، فقد والله أكلتهم الحرب، فلم يبق منهم إلا كالثّمد (٤) فى قرارة الغدير، والله المستعان».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٣٠٢)
٤٤٤ - رد علىّ على معاوية
فكتب علىّ ﵇ إليه جوابا عن كتابه:
«من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان.
стр. 416
أما بعد: فقد أتتنى منك موعظة موصّلة (١)، ورسالة محبّرة، نمقّتها بضلالك، وأمضيتها بسوء رأيك، وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه، ولا قائد يرشده، قد دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتّبعه، فهجر (٢) لا غطا، وضلّ خابطا، فأما أمرك بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها، وأستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزّة بالإثم، وأما تحذيرك إياى أن يحيط عملى وسابقتى فى الإسلام، فلعمرى لو كنت الباغى عليك، لكان لك أن تحذّرنى ذلك، ولكنى وجدت الله تعالى يقول: «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ (٣) إِلى أَمْرِ اللَّهِ» فنظرنا إلى الفئتين، أما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التى أنت فيها، لأن بيعتى بالمدينة لزمتك وأنت بالشأم، كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة، وأنت أمير لعمر على الشأم، وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر، وهو أمير لأبى بكر على الشأم.
وأما شقّ عصا هذه الأمة، فأنا أحق أن أنهاك عنه، فأما تخويفك لى من قتل أهل البغى، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنى بقتالهم وقتلهم وقال لأصحابه:
«إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» وأشار إلىّ، وأنا أولى من اتّبع أمره، وأما قولك إن بيعتى لم تصح، لأن أهل الشأم لم يدخلوا فيها، فكيف؟ وإنما هى بيعة واحدة، تلزم الحاضر والغائب، لا يثنّى (٤) فيها النظر، ولا يستانف فيها الخيار (٥)، الخارج منها طاعن (٦)، والمروّى (٧) فيها مداهن، فاربع
стр. 417
على ظلعك، وانزع سربال غيّك، واترك ما لا جدوى له عليك، فليس لك عندى إلّا السيف، حتى تفئ إلى أمر الله صاغرا، وتدخل فى البيعة راغما (١)، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٣٠٢، ونهج البلاغة ٢: ٥)
٤٤٥ - كتاب معاوية إلى على
وكتب معاوية إلى على ثانية (قبل ليلة الهرير (٢) بيومين أو ثلاثة) يسأله إقراره
стр. 418
على الشأم، وذلك أن عليّا ﵇ قال: لأناجزنّهم (١) مصبحا، وتناقل الناس كلمته، ففزع أهل الشأم لذلك، فقال معاوية: قد رأيت أن أعاود عليّا وأسأله إقرارى على الشأم، فقد كنت كتبت إليه فى ذلك فلم يجب إليه، ولأكتبنّ ثانية، فألقى فى نفسه الشك والرّقة، فكتب إليه:
«أما بعد: فإنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت، لم يجنها بعضنا على بعض، ولئن كنا قد غلبنا على عقولنا، لقد بقى لنا منها ما نندم (٢) به على ما مضى، ونصلح به ما بقى، وقد كنت سألتك الشأم على أن لا تلزمنى لك بيعة وطاعة، فأبيت ذلك علىّ، فأعطانى الله ما منعت، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنى لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، ولا أخاف من الفناء (٣) إلا ما تخاف، وقد والله رقّت الأجناد، وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل، إلّا فضل لا يستذلّ به عزيز، ولا يسترقّ به حرّ، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٢٤، ومروج الذهب ٢: ٦٠ والإمامة والسياسة ١: ٨٨)
стр. 419
٤٤٦ - رد علىّ على معاوية
فأجابه علىّ:
«أما بعد: فقد جاءنى كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، فإنى (١) لو قتلت فى ذات الله وحييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة، لم أرجع عن الشدة فى ذات الله، والجهاد لأعداء الله، وأما قولك إنه قد بقى من عقولنا مانندم به على ما مضى، فإنى ما تنقّصت (٢) عقلى، ولا ندمت على فعلى، وأما طلبك (٣) إلىّ الشأم، فإنى لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات (٤) أنفس بقيت، ألا ومن أكله الحقّ فإلى الجنة (٥)، ومن أكله الباطل فإلى النار، وأما استواؤنا فى الخوف والرجاء، فلست بأمضى على الشك منى على اليقين، وليس أهل الشأم بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنّا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل، فلعمرى إنا بنو أب واحد، ولكن ليس
стр. 420
أميّة كهاشم (١)، ولا حرب كعبد المطلب (٢)، ولا أبو سفيان كأبى طالب، ولا
стр. 421
المهاجر كالطّليق (١)، ولا الصّريح كاللّصيق (٢)، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل (٣)، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى فى نار جهنم (٤).
وفى أيدينا بعد فضل النبوّة التى أذللنا بها العزيز، ونعشنا (٥) بها الذليل، ولما أدخل الله العرب فى دينه أفواجا، وأسلمت له هذه الأمة طوعا وكرها، كنتم ممن دخل فى الدين إما رغبة وإما رهبة، على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم، فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا، ولا على نفسك سبيلا».
(شرح ابن أبى الحديد م ٣: ص ٤٢٤، ونهج البلاغة ٢: ١٢، ومروج الذهب ٢: ٦١، والإمامة والسياسة ١: ٨٨)
٤٤٧ - كتاب معاوية إلى على
واشتد القتال بين الفريقين ليلة الهرير، واقتتل الناس تلك الليلة كلّها حتى الصباح ولما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق اشتد، وخاف فى ذلك الهلاك، دعاهم إلى تحكيم كتاب الله، فرفع أصحاب معاوية المصاحف بالرماح وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، فوقعت الفرقة بين أصحاب على، فريق يقول: نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه، وفريق يأبى إلا القتال حتى يتم الأمر، ويرون أنّ رفع
стр. 422
المصاحف خدعة، وعلىّ فى جانب هؤلاء، ورجحت كفّة الفريق الأول، فأجاب علىّ إلى التحكيم على كره منه.
وكتب معاوية إلى على:
«أما بعد: فإن هذا الأمر قد طال بيننا وبينك، وكل واحد منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه، ولن يعطى واحد منا الطاعة للآخر، وقد قتل فيما بيننا بشر كثير، وأنا أتخوّف أن يكون ما بقى أشدّ مما مضى، وإنا سوف نسأل عن هذه المواطن، ولا يحاسب غيرى وغيرك، وقد دعوتك إلى أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وبراءة وصلاح للأمة، وحقن للدماء، وألفة للدين، وذهاب للضغائن والفتن:
أن نحكّم بينى وبينكم حكمين مرضيّين، أحدهما من أصحابى، والآخر من أصحابك، فيحكمان بيننا بما أنزل الله، فهو خير لى ولك، وأقطع لهذه الفتن، فاتّق الله فيما دعيت إليه، وأرض بحكم القرآن إن كنت من أهله، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٨٨)
٤٤٨ - رد علىّ على معاوية
فكتب إليه على ﵇:
«من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان: أما بعد فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه اتباع ما حسن به فعله، واستوجب فضله، وسلم من عيبه، وإن البغى والزّور يزريان (١) بالمرء فى دينه ودنياه، ويبديان خلله عند من يعيبه، فاحذر الدنيا فإنه لا فرح بشئ وصلت إليه منها، ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضى
стр. 423
فواته، وقد رام قوم أمرا بغير الحق فتأوّلوا (١) على الله جل وعزّ فأكذبهم ومتّعهم قليلا، ثم اضطرّهم إلى عذاب غليظ، فاحذر يوما يغتبط (٢) فيه من أحمد عاقبة عمله، وبندم فيه من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه، وغرّته الدنيا، واطمأن إليها.
ثم إنك قد دعوتنى إلى حكم القرآن، ولقد علمت أنك لست من أهل القرآن، ولا حكمه تريد، والله المستعان، ولسنا إياك أجبنا، ولكنا أجبنا القرآن فى حكمه، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضلّ ضلالا بعيدا».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٨٨، ونهج البلاغة ٢: ٥٦)
٤٤٩ - رد معاوية على علىّ
فكتب معاوية إلى علىّ:
«أما بعد: عافانا الله وإياك، فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا وألفة بيننا، وقد فعلت الذى فعلت، وأنا أعرف حقى، ولكنى اشتريت بالعفو صلاح الأمة، ولم أكثر فرحا بشئ جاء ولا ذهب، وإنما أدخلنى فى هذا الأمر، القيام بالحق فيما بين الباغى والمبغىّ عليه، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، فدعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك، فإنه لا يجمعنا وإياك إلا هو، نحيى ما أحيا القرآن، وعميت ما أمات القرآن، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٨٩)
стр. 424
٤٥٠ - كتاب على إلى عمرو بن العاص
فكتب علىّ ﵇ إلى عمرو بن العاص- وهو أول كتاب كتبه إليه-:
«أمّا بعد: فإن الدنيا مشغلة عن الآخرة، وصاحبها منهوم عليها (١)، لم يصب شيئا منها قطّ إلا فتحت له حرصا عليها، ولهجا بها (٢)، وأدخلت عليه مؤنة تزيده رغبة فيها، ولن يستغنى صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، ونقض ما أبرم، والسعيد من وعظ بغيره، فلا تحبط (٣) أجرك أبا عبد الله، ولا تشرك معاوية فى باطله، فإن معاوية غمص (٤) الناس، وسفه الحقّ، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٨٩، وم ٤ ص ١١٤، ونهج البلاغة: ٢: ٥٦)
٤٥١ - رد عمرو على علىّ
فكتب إليه عمرو جوابه:
«أما بعد: فإن الذى فيه صلاحنا، وألفة ذات بيننا الإنابة (٥) إلى الحق وقد جعلنا القرآن بيننا حكما، وأجبنا إليه، فصبر (٦) الرجل منّا نفسه على ما حكم عليه القرآن، وعذره النّاس بعد المحاجزة، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٨٩، وم ٤: ص ١١٤)
стр. 425
٤٥٢ - رد علىّ على عمرو
فكتب إليه على:
«أما بعد: فإن الذى أعجبك من الدنيا مما نازعتك إليه نفسك، ووثقت به منها، لمنقلب عنك، ومفارق لك، فلا تطمئنّ إلى الدنيا فإنها غرّارة، ولو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقى، وانتفعت منها بما وعظت به والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٨٩)
٤٥٣ - رد عمرو على علىّ
فأجابه عمرو:
«أما بعد: فقد أنصف من جعل القرآن إماما، ودعا الناس إلى أحكامه، فاصبر أبا حسن، فإنا غير منيليك إلّا ما أنالك القرآن، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ١٨٩)
٤٥٤ - رد علىّ على عمرو
وفى رواية أخرى أن عليّا كتب إلى عمرو كتابا غليظا جوابا عن رده الأول، وهو:
«أما بعد: فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرى (١) ظاهر غيّه، مهتوك ستره (٢)، يشين الكريم بمجلسه (٣)، ويسفّه الحليم بخلطته، فاتّبعت أثره، وطلبت فضله، اتّباع الكلب للضّرغام، يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يلقى إليه من