بيعه منشرحه بها صدوركم، طيّبة عليها أنفسكم، وليكن أوّل من يبايعك من قومنا وأهلنا الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، وحرّية (١) رقيقهم، وطلاق نسائهم، بالثّبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم، ولا قوّة إلا بالله والسلام».
(الإمامة والسياسة ١: ١٤٩)
٧٤ - كتاب أهل الكوفة إلى الحسين بن على
واجتمعت الشّيعة بالكوفة فى منزل سليمان بن صرد، فذكروا هلاك معاوية، فحمدوا الله عليه، فقال سليمان: إن معاوية قد هلك، وإن حسينا قد تقبّض على القوم بيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن حفتم الوهل (٢) والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه» قالوا: لا، بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه، قال: فاكتبوا إليه، فكتبوا إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن علىّ من سليمان بن صرد، والمسيّب ابن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.
سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذى قصم عدوّك الجبّار العنيد الذى انتزى (٣)
على هذه الأمة، فابتزّها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمّر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله
стр. 632
دولة (١) بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا له كما بعدت (٢) ثمود.
إنه ليس علينا إمام فاقدم علينا لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى، والنعمان بن بشير فى قصر الإمارة، لسنا نجتمع معه فى جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه من الكوفة حتى نلحقه بالشأم، والسلام ورحمة الله عليك».
ثم سرّحوا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمدانى، وعبد الله بن وال، وأمروهما بالنّجاء (٣)، فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من رمضان بمكة، ثم سرّحوا إليه قيس بن مسهر الصّيداوى، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبىّ، وعمارة بن عبيد السّلولىّ، فحملوا معهم نحوا من ثلاث وخمسين صحيفة، من الرجل والاثنين والأربعة.
(تاريخ الطبرى ٦: ١٩٧، والإمامة والسياسة ٢: ٣، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٤: ٨)
٧٥ - كتاب ثان
ثم سرّحوا إليه هانئ بن هانئ السّبيعى، وسعيد بن عبد الله الحنفى، وكتبوا معهما:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن علىّ من شيعته من المؤمنين والمسلمين:
أما بعد: فحىّ هلا (٤)، فإن الناس ينتظرونك، ولا رأى لهم فى غيرك، فالعجل العجل، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٦: ١٩٧)
стр. 633
٧٦ - كتاب ثالث
وكتب شبث بن ربعىّ، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الزّبيدىّ، ومحمد بن عمير التميمىّ:
«أما بعد: فقد اخضرّ الجناب، وأينعت الثّمار، وطمت الجمام (١)، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجنّد، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٦: ١٩٧)
٧٧ - رد الحسين على أهل الكوفة
وتلاقت الرّسل كلها عنده، فقرأ الكتب، وسأل الرسل عن أمر الناس، ثم كتب مع هانئ بن هانئ السّبيعى، وسعيد بن عبد الله الحنفى- وكانا آخر الرسل-:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من حسين بن على إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فإن هانئا وسعيدا قدما علىّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم، وقد فهمت كل الذى اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلّكم: «إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق» وقد بعثت إليكم أخى وابن عمى (٢)، وثقتى من أهل بيتى، وأمرته أن يكتب إلىّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلىّ أنه قد أجمع رأى ملئكم، وذوى الفضل والحجا منكم على مثل ما قدمت علىّ به رسلكم، وقرأت فى كتبكم، أقدم عليكم وشيكا (٣) إن شاء الله، فلعمرى ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٦: ١٩٧، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٤: ٨)
стр. 634
٧٨ - كتاب مسلم بن عقيل إلى الحسين
وبعث الحسين ﵇ إلى ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب، فقال له. سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلىّ، فإن كان حقّا خرجنا إليهم، فخرج مسلم حتى أتى المدينة، واستأجر دليلين من قيس، فأقبلا به فضلّا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، فكتب مسلم مع قيس بن مسهر الصّيداوى إلى الحسين:
«أما بعد: فإنى أقبلت من المدينة، معى دليلان لى، فجارا عن الطريق وضلّا، واشتد علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهيا إلى الماء، فلم ننج إلا بحشاشة (١) أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت، وقد تطيّرت من وجهى هذا، فإن رأيت أعفيتنى منه وبعثت غيرى، والسلام». (تاريخ الطبرى ٦: ١٩٨)
٧٩ - رد الحسين على مسلم
فكتب إليه الحسين:
«أما بعد: فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلىّ فى الاستعفاء من الوجه الذى وجّهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذى وجهتك له، والسلام عليك».
(تاريخ الطبرى ٦: ١٩٨)
٨٠ - كتاب عبد الله بن مسلم الحضرمى إلى يزيد
ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دار المختار بن أبى عبيد، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فبلغ ذلك النعمان بن بشير والى الكوفة فخطب الناس وحثّهم ألا يسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فقام إليه عبد الله بن مسلم الحضرمى حليف بنى أميّة وضعّفه (٢)، وخرج عبد الله وكتب إلى يزيد بن معاوية:
стр. 635
«أما بعد: فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، فبايعته الشيعة للحسين بن على، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا، ينفّذ أمرك، ويعمل مثل عملك فى عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف، أو هو يتضعّف»:
فكان أول من كتب إليه، ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه، ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبى وقّاص بمثل ذلك». (تاريخ الطبرى ٦: ١٩٩)
٨١ - كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد
فلما اجتمعت الكتب عند يزيد، بعث إلى عبيد الله بن زياد بعهده على الكوفة، وكان عاملا له على البصرة، فضم إليه المصرين، وكتب إليه:
«أما بعد: فإنه كتب إلىّ شيعتى من أهل الكوفة، يخبروننى أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا (١) المسلمين، فسر حين تقرأ كتابى هذا، حتى تأتى أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه (٢) فتوثقه، أو تقتله، أو تنفيه، والسلام».
فاستخلف عبيد الله أخاه عثمان بن زياد على البصرة وأقبل إلى الكوفة».
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٠٠)
٨٢ - كتاب الحسين إلى أهل البصرة
وقد كان الحسين كتب مع مولى لهم يقال له سليمان كتابا إلى أهل البصرة إلى رءوس الأخماس، وإلى الأشراف، فكتب إلى مالك بن مسمع البكرى، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عمرو، وإلى قيس بن
стр. 636
الهيثم، وإلى عمر بن عبيد الله بن معمر، فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها، وهى:
«أما بعد: فإن الله اصطفى محمدا ﷺ على خلقه، وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلّغ ما أرسل به ﷺ ، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته، وأحقّ الناس بمقامه فى الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا، وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممّن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا وتحرّوا الحقّ فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم.
وقد بعثت رسولى إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، فإنّ السّنّة قد أميتت، وإنّ البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولى وتطيعوا أمرى أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله»:
فكل من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه غير المنذر بن الجارود، فإنه خشى بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عبيد الله، فجاءه بالرسول من العشيّة التى يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة، وأقرأه كتابه، فقدم الرسول فضرب عنقه.
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٠٠)
٨٣ - كتاب مسلم بن عقيل إلى الحسين
ودخل عبيد الله بن زياد الكوفة، فتهدّد الناس وتوعدهم، وأخذهم أخذا شديدا، وبلغ ذلك مسلم بن عقيل فخرج من دار المختار، ولاذ بدار هانئ بن عروة المرادىّ، وقد كتب مسلم حيث تحول إلى دار هانئ كتابا إلى الحسين مع عابس ابن أبى شبيب الشاكرىّ:
стр. 637
«أما بعد: فإن الرّائد (١) لا يكذب أهله، وقد بايعنى من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابى، فإن الناس كلّهم معك، ليس لهم فى آل معاوية رأى ولا هوى والسلام»:
وجدّ ابن زياد فى طلب مسلم بن عقيل حتى ظفر به فضرب عنقه، وعنق هانئ.
(تاريخ الطبرى ٦: ٢١١)
٨٤ - كتاب عبيد الله بن زياد إلى يزيد
ولما قتل ابن زياد مسلما وهانئا بعث برءوسهما مع هانئ بن أبى حيّة الوادعىّ، والزّبير بن الأروح التميمىّ إلى يزيد بن معاوية، وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بما كان من مسلم وهانئ، فكتب إليه كتابا أطال فيه- وكان أول من أطال فى الكتب- فلما نظر فيه عبيد الله بن زياد كرهه وقال: ما هذا التطويل، وهذه الفضول (٢)؟ اكتب:
«أما بعد: فالحمد لله الذى أخذ لأمير المؤمنين بحقّه، وكفاه مؤنة عدوه، أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادىّ، وأنى جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال (٣)، وكدتهما حتى استخرجتهما،
стр. 638
وأمكن الله منهما، فقدّمتهما فضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك برءوسهما مع هانئ ابن أبى حية الهمدانى والزبير بن الأروح التميمى، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عما أحبّ من أمر، فإنّ عندهما علما وصدقا، وفهما وورعا، والسلام». (تاريخ الطبرى ٦: ٢١٤)
٨٥ - رد يزيد على ابن زياد
فكتب إلى ابن زياد:
«أما بعد: فإنك لم تعد أن كنت كما أحبّ، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرّابط الجأش (١)، فقد أغنيت وكفيت، وصدّقت ظنى بك، ورأيى فيك، وقد دعوت رسوليك، فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما فى رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيرا.
وإنه قد بلغنى أن الحسين بن علىّ قد توجّه نحو العراق، فضع المناظر (٢) والمسالح، واحترس على الظن، وخذ على التّهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلىّ فى كلّ ما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة الله». (تاريخ الطبرى ٦: ٢١٣)
٨٦ - كتاب عبد الله بن جعفر إلى الحسين
ولما جاء الحسين ﵇ كتاب مسلم بن عقيل، يدعوه فيه إلى تعجيل الإقبال، خرج من مكة قاصدا إلى الكوفة:
стр. 639
وقد كتب إليه حين خرج من مكة عبد الله بن جعفر بن أبى طالب مع ابنيه عون ومحمد:
«أما بعد: فإنى أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر فى كتابى فإنى مشفق عليك من الوجه الذى توجّه له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ (١) نور الأرض، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين.
فلا تعجل بالسير فإنى فى إثر الكتاب والسلام».
(تاريخ الطبرى ٦: ٢١٩، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٤: ٧)
٨٧ - كتاب من عمرو بن سعيد بن العاص إلى الحسين
وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص- وكان عامل يزيد على مكة- فقال له: اكتب إلى الحسين كتابا: تجعل له فيه الأمان، وتمنّيه فيه البرّ والصلة، وتوثّق له فى كتابك، وتسأله الرجوع، لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع، فقال له عمرو:
اكتب ما شئت وأتنى به أختمه، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثم أتى به عمرو ابن سعيد، فقال له: اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنه أحرى أن تطمئنّ نفسه إليه، ويعلم أنه الجدّ منك ففعل، وكان كتابه إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علىّ.
أما بعد: فإنى أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك (٢)، وأن يهديك لما يرشدك، بلغنى أنك قد توجّهت إلى العراق، وإنى أعيذك بالله من الشّقاق، فإنى أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر، ويحيى بن سعيد، فأقبل إلىّ معهما، فإن لك عندى الأمان والصلة والبر، وحسن الجوار، لك الله علىّ بذلك شهيد وكفيل ومراع ووكيل، والسلام عليك».
стр. 640
ولحقه يحيى بن سعيد، وعبد الله بن جعفر، ودفعا إليه الكتاب، وجهدا به أن يرجع، فأبى عليهما. (تاريخ الطبرى ٦: ٢١٩)
٨٨ - رد الحسين بن علىّ على عمرو بن سعيد
وكتب إلى عمرو بن سعيد:
«أما بعد: فإنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله : وعمل صالحا وقال إنّنى من المسلمين، وقد دعوت إلى الأمان والبر والصلة، فخير الأمان أمان الله ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه فى الدنيا، فنسأل الله مخافة فى الدنيا، توجب لنا أمانة يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتى وبرى فجزيت خيرا فى الدنيا والآخرة والسلام». (تاريخ الطبرى ٦: ٢١٩)
٨٩ - كتاب الحسين إلى أهل الكوفة
وأقبل الحسين ﵇ حتى إذا بلغ «الحاجر» بعث قيس بن مسهر الصّيداوى إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علىّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو.
أما بعد: فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءنى يخبرنى فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصّنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجّة يوم التّروية (١)، فإذا قدم عليكم رسولى فاكمشوا (٢) فى أمركم وجدّوا، فإنى قادم
стр. 641
عليكم فى أيامى هذه إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١)».
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٢٣)
٩٠ - كتاب ابن زياد إلى الحر بن يزيد
ولما بلغ ابن زياد إقبال الحسين، بعث الحصين بن نمير التميمى، فأمره أن ينزل القادسيّة، وأن يضع المسالح، وقدّم الحرّ بن يزيد التميمى بين يديه فى ألف فارس من القادسية، فيستقبل حسينا، وكان الحسين قد سبقه إلى ذى حسم ونزل به، فسار إليه الحرّ حتى وقف مقابله، وكثر بينهما الكلام، ثم سار الحسين فى أصحابه، والحرّ يسايره، فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا إلى نينوى، فإذا رسول مقبل من الكوفة، فلما انتهى إليهم دفع إلى الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد، فإذا فيه:
«أما بعد: فجعجع (٢) بالحسين حين يبلغك كتابى، ويقدم عليك رسولى، فلا تنزله إلا بالعراء (٣) فى غير حصن، وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولى أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتينى بإنفاذك أمرى، والسلام».
ونزل الحسين قرية تسمّى العقر، وذلك فى الثانى من المحرم سنة ٦١ هـ.
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٣٢)
٩١ - كتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد
فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبى وقّاص من الكوفة فى أربعة آلاف، فبعث إلى الحسين ﵇ رسولا، فقال: ائته فسله ما الذى جاء به، وماذا يريد؟
стр. 642
فأبلغه الرسول رسالة عمر إليه، فقال له الحسين: كتب إلىّ أهل مصركم هذا أن أقدم، فأمّا إذ كرهونى فأنا أنصرف عنهم، فكتب عمر إلى ابن زياد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنى حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولى فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إلىّ أهل هذه البلاد، وأتتنى رسلهم فسألونى القدوم، ففعلت، فأمّا إذ كرهونى، فبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم، فأنا منصرف عنهم».
فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال:
الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولات حين مناص (١)
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٣٤)
٩٢ - رد ابن زياد على عمر بن سعد
وكتب إلى عمر بن سعد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد بلغنى كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام». (تاريخ الطبرى ٦: ٢٣٤)
٩٣ - كتاب آخر من ابن زياد إلى عمر
وجاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد:
«أما بعد: فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتّقىّ الزّكىّ (٢) المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان».
فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة (٣)، وحالوا بين حسين وأصحابه، وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث.
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٣٤)
стр. 643
٩٤ - كتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد
والتقى الحسين ﵇، وعمر بن سعد مرارا ثلاثا أو أربعا، ثم كتب عمر إلى ابن زياد:
«أما بعد: فإن الله قد أطفأ النّائرة (١)، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هذا حسين قد أعطانى أن يرجع إلى المكان الذى منه أتى، أو أن نسيّره إلى أى ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتى يزيد أمير المؤمنين، فيضع يده فى يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفى هذا لكم رضا، وللأمة صلاح».
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت، فقام إليه شمر بن ذى الجوشن فثناه عن القبول (٢)، فدعاه عبيد الله فقال له: اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمى، فإن فعلوا فليبعث بهم إلىّ سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتلهم فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه، وابعث إلىّ برأسه.
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٣٥)
٩٥ - كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد
وكان كتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد:
«أما بعد: فإنى لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندى شافعا، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم
стр. 644
واستسلموا، فابعث بهم إلىّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل حسين فأوط الخيل صدره وظهره، فإنه عاقّ مشاقّ قاطع ظلوم، وليس دهرى (١) فى هذا أن يضرّ بعد الموت شيئا، ولكن علىّ قول (٢) لو قد قتلته فعلت هذا به، إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر، فإما قد أمرناه بأمرنا، والسلام».
فأقبل شمر بن ذى الجوشن بكتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد فقرأه عليه وقال له:
أخبرنى ما أنت صانع؟ أتمضى لأمر أميرك وتقتل عدوه؟ وإلّا فخلّ بينى وبين الجند قال: لا، ولا كرامة لك وأنا أتولى ذلك، قال فدونك فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وزحف عليه، وعبّأ الحسين أصحابه، ونشب القتال بين الفريقين، واستمات أصحاب الحسين فى القتال حتى فنوا، وقتل الحسين ﵇ قتله سنان بن أنس لعنه الله- وكان قتله بالطّفّ (٣) يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ، وأمر ابن سعد أصحابه أن يوطئوا خيلهم الحسين، فوطئوه بخيلهم، ثم حمل النساء، ورأسه إلى يزيد بن معاوية بدمشق.
(تاريخ الطبرى ٦: ٢٣٦)
٩٦ - كتاب عبد الله بن عمر إلى يزيد
وكان عبيد الله بن زياد قد أمر بالمختار بن أبى عبيد الثّقفى أن يسجن، لما كان من مناصرته لمسلم بن عقيل، فلم يزل فى السجن حتى قتل الحسين رضى الله عنه، ثم إن
стр. 645
المختار بعث إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب بالمدينة، يسأله أن يكتب له إلى يزيد ابن معاوية، فيكتب إلى ابن زياد بتخلية سبيله، وعلمت صفيّة أخت المختار بمحبس أخيها، وهى تحت عبد الله بن عمر، فبكت وجزعت، فلما رأى ذلك ابن عمر كتب إلى يزيد:
«أما بعد: فإن عبيد الله بن زياد حبس المختار وهو صهرى، وأنا أحبّ أن يعافى ويصلح من حاله، فإن رأيت «رحمنا الله وإياك» أن تكتب إلى ابن زياد فتأمره بتخليته فعلت، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٧: ٥٩)
٩٧ - كتاب يزيد إلى ابن زياد
فلما قرأ يزيد كتاب ابن عمر ضحك ثم قال: يشفّع أبو عبد الرحمن، وأهل ذلك هو، وكتب إلى ابن زياد:
«أما بعد: فخلّ سبيل المختار بن أبى عبيد حين تنظر فى كتابى والسلام عليك».
فدعا ابن زياد بالمختار فأخرجه، ثم قال له قد أجّلتك ثلاثا، فإن أدركتك بالكوفة بعدها، فقد برئت منك الذّمة، فخرج إلى الحجاز.
(تاريخ الطبرى ٧: ٥٩)
٩٨ - كتاب عبد الله بن الزبير إلى يزيد
وعزل يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد بن العاص عن الحجاز (١)، وولّى الوليد ابن عتبة (سنة ٦١ هـ) فكتب عبد الله بن الزبير إلى يزيد:
стр. 646
«إنك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتّجه لأمر رشد، ولا يرعوى لعظة الحكيم، ولو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق، ليّن الكنف (١)، رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر (٢) منها، وأن يجتمع ما تفرّق، فانظر فى ذلك فإن فيه صلاح خواصّنا وعوامّنا، إن شاء الله، والسلام».
فعزل يزيد الوليد بن عتبة، وبعث عثمان بن محمد بن أبى سفيان.
(تاريخ الطبرى ٧: ٣)
٩٩ - كتاب يزيد إلى أهل المدينة
وكره أهل المدينة خلافة يزيد، وأجمعوا على الخلاف عليه (٣)، فكتب إليه عثمان ابن محمد بن أبى سفيان بذلك، فكتب يزيد إليهم:
«أما بعد فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال» وإنى والله قد لبستكم فأخلقتكم (٤)، ورفعتكم على رأسى، ثم على عينى، ثم على فمى، ثم على بطنى، وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمى لأطأنّكم وطأة أقلّ بها عددكم، وأترككم بها أحاديث، تنتسخ أخباركم مع أخبار عاد وثمود». (صبح الأعشى ٦: ٣٩٠، والعقد الفريد ٢: ٢٥٦)
стр. 647
١٠٠ - كتاب بنى أمية بالمدينة إلى يزيد
وخلع أهل المدينة يزيد، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الأنصارى، ووثبوا على من كان بالمدينة من بنى أمية وحصروهم وأخافوهم، فكتب هؤلاء إلى يزيد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنا قد حصرنا فى دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذاب (١)، ورمينا بالجبوب (٢)، فيا غوثاه، يا غوثاه».
(تاريخ الطبرى ٧: ٥)
١٠١ - كتاب مسلم بن عقبة إلى يزيد
فوجّه يزيد مسلم بن عقبة المرّى إلى المدينة، فقمع فتنتها، وأخمد ثورتها، ثم كتب إلى يزيد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين من مسلم بن عقبة، سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: تولّى الله حفظ أمير المؤمنين والكفاية له، فإنى أخبر أمير المؤمنين- أبقاه الله- أنّى خرجت من دمشق، ونحن على التّعبئة التى رأى أمير المؤمنين يوم فراقنا بوادى القرى (٣)، فرجع معنا مروان بن الحكم (٤)، وكان لنا عونا على عدونا، وأنّا انتهينا إلى المدينة، فإذا أهلها قد خندقوا عليها بالخنادق، وأقاموا على
стр. 648
أنقابها (١) الرجال بالسلاح، وأدخلوا ماشيتهم، وما يحتاجون لحصارهم سنة فيما يقولون، وأنّا أعذرنا إليهم وأخبرناهم بعهد أمير المؤمنين، وما بذل لهم فأبوا، ففرّقت أصحابى على أفواه الخنادق، فولّيت الحصين بن نمير ناحية ذناب، وما والاها عليها الوالى، ووجّهت حبيش بن دلجة إلى ناحية بنى سلمة، ووجهت عبد الله بن مسعدة إلى ناحية بقيع الغرقد، وكنت ومن معى من قوّاد أمير المؤمنين ورجاله فى وجوه بنى حارثة، فأدخلنا الخيل عليهم حين ارتفع النهار من ناحية عبد الأشهل، بطريق فتحه لنا رجل منهم (٢)، مما دعاه إليه مروان بن الحكم إلى صنيع أمير المؤمنين، وقد تضمّن (٣) له عنه من قرب المكان، وجزيل العطاء، وإيجاب الحقّ، وقضاء الذّمام (٤)، وقد بعث به أمير المؤمنين، وأرجو من الله أن يلهم خليفته وعبده عرفان ما أولى من الصّنع، وأسدى من الفضل، وكان- أكرم الله أمير المؤمنين- من محمود مقام مروان بن الحكم، وجميل مشهده، وشديد بأسه، وعظيم نكايته لعدو أمير المؤمنين، مالا إخال ذلك ضائعا عند إمام المسلمين، وخليفة رب العالمين، إن شاء الله.
وسلّم الله رجال أمير المؤمنين، فلم يصب أحد منهم بمكروه، ولم يقم لهم عدوهم ساعة من ساعات نهارهم، فما صلّيت الظهر- أصلح الله أمير المؤمنين- إلا فى مسجدهم بعد القتل الذريع (٥)، والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوف، وقتلنا من أشرف لنا منهم، واتّبعنا مدبرهم، وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناها ثلاثا كما قال
стр. 649
أمير المؤمنين (١) - أعز الله نصره- وجعلت دور بنى الشهيد المظلوم عثمان بن عفان فى حرز وأمان، فالحمد لله الذى شفى صدرى من قتل أهل الخلاف القديم، والنّفاق العظيم، فطالما عتوا، وقديما ما طغوا، وكتبت إلى أمير المؤمنين، وأنا فى منزل سعيد ابن العاص مدنفا مريضا، ما أرانى إلا لما بى، فما كنت أبالى متى متّ بعد يومى هذا».
وكتب لهلال المحرم سنة أربع وستين (٢) هـ. (الإمامة والسياسة ١: ١٥٠)
стр. 650
بعد موت يزيد الخوارج وابن الزبير
١٠٢ - كتاب نجدة بن عامر إلى نافع بن الأزرق
وسار الخوارج بعد أن نصروا ابن الزبير بمكة إلى الأهواز (١)، وقد أمّروا عليهم نافع ابن الأزرق الحنفى، ثم شجر بينهم الخلاف، فنفر عنه جماعة منهم بزعامة نجدة بن عامر (٢).
стр. 651
ومضوا إلى اليمامة (١)، وكتب نجدة وهو باليمامة إلى نافع:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنّ عهدى بك وأنت لليتيم كالأب الرّحيم، وللضعيف كالأخ البرّ، لا تأخذك فى الله لومة لائم، ولا ترى معونة ظالم، كذلك كنت أنت وأصحابك، أما تذكر قولك: «لولا أنّى أعلم أنّ للإمام العادل مثل أجر جميع رعيّته، ما تولّيت أمر رجلين من المسلمين»، فلما شريت (٢) نفسك فى طاعة ربك ابتغاء رضوانه، وأصبت من الحق فصّه (٣)، وركبت مرّه، تجرّد لك الشيطان، ولم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك ومن أصحابك، فاستمالك واستهواك، واستغواك وأغواك، فغويت (٤) فأكفرت الذين عذرهم الله فى كتابه من
стр. 652
قعد (١) المسلمين وضعفتهم، فقال جل ثناؤه، وقوله الحق، ووعده الصّدق: «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» ثم سمّاهم أحسن الأسماء، فقال: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (٢)».
ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلهم، وقال الله عزّ ذكره: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» * (٣) وقال سبحانه فى القعد خيرا، وفضّل الله من جاهد عليهم، ولا تدفع منزلة أكثر الناس عملا منزلة من هو دونه (٤)، أو ما سمعت قوله : «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٥)» فجعلهم الله من المؤمنين، وفضل عليهم المجاهدين بأعمالهم.
ورأيت ألّا تؤدّى الأمانة إلى من خالفك، والله يأمر أن تؤدّى الأمانات إلى أهلها (٦)، فاتّق الله وانظر لنفسك، واتّق يوما لا يجزى والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا فإن الله عز ذكره بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل، والسلام».
(الكامل للمبرد ٢: ١٧٧، وشرح ابن أبى الحديد م ١ ص ٣٨٢، والعقد الفريد ١: ٢١٤)
стр. 653
١٠٣ - رد نافع على نجدة
فكتب إليه نافع:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد أتانى كتابك تعظنى فيه وتذكرنى، وتنصح لى وتزجرنى، وتصف ما كنت عليه من الحق، وما كنت أوثره من الصواب، وأنا أسأل الله جلّ وعزّ أن يجعلنى من «الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه» وعبت علىّ ما دنت به من إكفار القعد وقتل الأطفال واستحلال الأمانة، فسأفسّر لك لم ذلك إن شاء الله:
أما هؤلاء القعد: فليسوا كما ذكرت ممّن كان بعهد رسول الله ﷺ لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين، لا يجدون إلى الهرب سبيلا، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا، وهؤلاء قد فقهوا فى الدين، وقرءوا القرآن، والطريق لهم نهج واضح، وقد عرفت ما قال الله فيمن كان مثلهم، إذ «قالوا كنا مستضعفين فى الأرض» فقيل لهم «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» وقال «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ» (١) وقال «وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ» (٢) فخبّر بتعذيرهم وأنهم كذبوا الله ورسوله، وقال: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» فانظر إلى أسمائهم وسماتهم (٣)».
стр. 654
وأمّا أمر الأطفال. فإن نبى الله نوحا ﵇ كان أعلم بالله يا نجدة منى ومنك فقال. «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (١)، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً» فسماهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يولدوا، فكيف كان ذلك فى قوم نوح، ولا نكون نقوله فى قومنا؟ والله يقول:
«أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٢)»، وهؤلاء كمشركى العرب لا تقبل منهم جزية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام.
وأما استحلال أمانات من خالفنا، فإن الله أحلّ لنا أموالهم كما أحل لنا دماءهم، فدماؤهم حلال طلق (٣)، وأموالهم فىء للمسلمين، فاتق الله وراجع نفسك، فإنه لا عذر لك إلا بالتوبة، ولن يسعك خذلاننا، والقعود عنا، وترك ما نهجناه لك من طريقتنا ومقالتنا، والسلام على من أقرّ بالحق وعمل به».
(الكامل للمبرد ٢: ١٧٨، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٨٢، والعقد الفريد ١: ٢١٤)
١٠٤ - كتاب ابن عباس إلى نجدة بن عامر
وكتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوى القربى: لمن هو؟
فكتب إليه ابن عباس:
«كتبت إلىّ تسألنى عن سهم ذوى القربى لمن هو، وهو لنا، وإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه دعانا إلى أن ننكح منه أيّمنا (٤)، ونقضى منه مغرمنا، ونخدم منه عائلتنا، فأبينا إلا أن يسلّمه لنا: وأبى ذلك علينا». (كتاب الخراج لأبى يوسف ص ٢٤)
стр. 655
١٠٥ - كتاب نافع إلى خوارج البصرة
وكتب نافع إلى من بالبصرة من المحكّمة (١):
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: «فإنّ الله اصطفى لكم الدّين فلا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون، والله إنكم لتعلمون أنّ الشريعة واحدة، والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفار، ترون الظّلم ليلا ونهارا؟ وقد ندبكم الله إلى الجهاد، فقال:
«وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً» ولم يجعل لكم فى التخلّف عذرا فى حال من الأحوال فقال: «انْفِرُوا (٢) خِفافاً وَثِقالًا» وإنما عذر الضّعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون (٣)، ومن كانت إقامته لعلّة، ثم فضّل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال:
стр. 656
«لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فلا تغترّوا، ولا تطمئنوا إلى الدنيا، فإنها غرّارة مكّارة، لذّتها نافدة (١)، ونعمتها بائدة، حفّت بالشهوات اغترارا، وأظهرت حبرة (٢)، وأضمرت عبرة، فليس آكل منها أكلة (٣) تسرّه، ولا شارب شربة تؤنقه (٤)، إلّا دنا بها درجة إلى أجله، وتباعد بها مسافة من أمله، وإنما جعلها الله دارا لمن تزوّد منها إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم دارا، ولا حليم (٥) بها قرارا، فاتقوا الله «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى» والسلام على من اتبع الهدى».
(الكامل للمبرد ٢: ١٧٩، وشرح ابن أبى الحديد م ١، ص ٣٨٢)
١٠٦ - كتاب نافع إلى عبد الله بن الزبير
وكتب نافع إلى عبد الله بن الزبير يدعوه إلى أمره:
«أما بعد: فإنى أحذّرك من الله «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» فاتّق الله ربّك ولا تتولّ الظالمين، فإن الله يقول: «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» وقال «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ» وقد حضرت عثمان يوم قتل، فلعمرى لئن كان قتل مظلوما لقد كفر قاتلوه وخاذلوه ولئن كان قاتلوه مهتدين- وإنهم لمهتدون- لقد كفر من يتولاه وينصره ويعضده، ولقد علمت أن أباك وطلحة وعليّا كانوا أشد الناس عليه، وكانوا فى أمره من بين قاتل وخاذل، وأنت تتولّى أباك وطلحة
стр. 657
وعثمان، وكيف ولاية قاتل متعمّد ومقتول فى دين واحد؟ ولقد ملك علىّ بعده، فنفى الشّبهات، وأقام الحدود، وأجرى الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقائقها فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثم خلعاه ظالمين له، وإن القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس: «إن يكن علىّ فى وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمنا، أما لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمة العدل، ولئن كان كافرا كما زعمتم، وفى الحكم جائرا، لقد بؤتم بغضب من الله لفراركم من الزّحف» ولقد كنت له عدوّا، ولسيرته عائبا، فكيف تولّيته بعد موته؟ ». (الكامل للمبرد ٢: ١٧٩، والعقد الفريد ١: ٢١٤)
١٠٧ - كتاب من عبد الله بن الزبير إلى المهلب بن أبى صفرة
واشتدت شوكة الخوارج الأزارقة بالأهواز، وخشى أهل البصرة أن يجتاحوا مصرهم، فهبّوا لمدافعتهم، ونشبت بين الفريقين عدّة وقعات (١).
стр. 658
ثم أجمع رأى القوم على أنه ليس لهذا الأمر إلا المهلّب بن أبى صفرة فكلموه أن يتولى قتال الخوارج- وكان ابن الزبير قد كتب له عهدا على خراسان- فقال لهم:
لا أفعل، هذا عهد أمير المؤمنين معى على خراسان، فلم أكن لأدع عهده وأمره، فدعاه أمير البصرة الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المعروف بالقباع، فكلمه فى ذلك، فقال له مثل ذلك، فاتفق رأى الأمير ورأى أهل البصرة على أن كتبوا على لسان ابن الزبير:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن الزبير إلى المهلب بن أبى صفرة، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الحارث بن عبد الله كتب إلىّ أن الأزارقة المارقة أصابوا جندا للمسلمين كان عددهم كثيرا، وأشرافهم كثيرا، وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البصرة، وقد كنت وجّهتك إلى خراسان، وكتبت لك عليها عهدا، وقد رأيت حيث ذكر أمر هذه الخوارج أن تكون أنت تلى قتالهم، فقد رجوت أن يكون ميمونا طائرك، مباركا على أهل مصرك، والأجر فى ذلك أفضل من المسير إلى خراسان، فسر إليهم راشدا، فقاتل عدو الله وعدوك، ودافع عن حقك وحقوق أهل مصرك، فإنه لن يفوتك من سلطاننا خراسان ولا غير خراسان إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله». (تاريخ الطبرى ٧: ٨٦)
١٠٨ - كتاب المهلب إلى الحارث بن عبد الله
ونهض المهلب لقتال الخوارج، ومضى يؤم سوق الأهواز (١) فدخلها، وكتب بذلك إلى الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة أمير البصرة كتابا يقول فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنا منذ خرجنا نؤمّ هذا العدو، فى نعم من الله متصلة علينا، ونعمة من الله متتابعة عليهم، نقدم ويحجمون، ونحلّ ويرتحلون،
стр. 659
إلى أن حللنا سوق الأهواز، والحمد لله رب العالمين، الذى من عنده النصر وهو العزيز الحكيم».
١٠٩ - رد الحارث بن عبد الله عليه
فكتب إليه الحارث:
«هنيئا لك «أخا الأزد (١)» الشّرف فى الدنيا، والذّخر فى الآخرة إن شاء الله».
(الكامل للمبرد ٢: ١٨٩)
١١٠ - كتاب المهلب إلى الحارث بن عبد الله
وكانت وقعة سلّى وسلّبرى (٢) من أشد الوقعات بين المهلب والخوارج، دارت عليهم فيها الدائرة، وقتل أميرهم عبيد الله بن بشير بن الماحوز.
وكتب المهلّب بن أبى صفرة إلى الحارث بن عبد الله بعد الوقعة:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنا لقينا الأزارقة المارقة بحدّ وجدّ، فكانت فى الناس جولة، ثم ثاب (٣) أهل الحفاظ والصّبر بنيّات صادقة، وأبدان شداد، وسيوف حداد (٤)، فأعقب الله خير عاقبة، وجاوز بالنّعمة مقدار الأمل، فصاروا دريئة (٥) رماحنا، وضرائب (٦) سيوفنا، وقتل الله أميرهم ابن الماحوز، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأوّلها، والسلام». (الكامل للمبرد ٢: ١٩٥)
стр. 660
١١١ - رد الحارث بن عبد الله على المهلب
فكتب إليه الحارث:
«قد قرأت كتابك يا أخا الأزد، فرأيتك قد وهب الله لك شرف الدنيا وعزّها، وذخر لك ثواب الآخرة إن شاء الله وأجرها، ورأيتك أوثق حصون المسلمين، وهادّ أركان المشركين، وأخا السّياسة، وذا الريّاسة، فاستدم الله بشكره، يتمم عليك نعمه والسلام (١)». (الكامل للمبرد ٢: ١٩٦)
صورة أخرى لكتاب المهلب إلى الحارث
وروى الطبرى كتاب المهلب السابق إلى الحارث بن عبد الله بصورة أخرى قال:
ولما ظهر المهلّب على الأزارقة «فى وقعة سلّى وسلّبرى» كتب إلى الحارث بن عبد الله:
«بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير الحارث بن عبد الله من المهلّب بن أبى صفرة، سلام عليك: فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذى نصر أمير المؤمنين، وهزم الفاسقين، وأنزل بهم نقمته، وقتلهم كلّ قتلة، وشرّدهم كل مشرّد.
أخبر الأمير «أصلحه الله» أنّا لقينا الأزارقة بأرض من أرض الأهواز يقال لها «سلّى وسلّبرى» فزحفنا إليهم، ثم ناهضناهم، فاقتتلنا كأشدّ القتال مليّا (٢) من النهار، ثم إن كتائب الأزارقة اجتمع بعضها إلى بعض، ثم حملوا على طائفة من
стр. 661
المسلمين فهزموهم، وكانت فى المسلمين جولة قد كنت أشفقت أن تكون هى إلّا صرّى (١) منهم، فلما رأيت ذلك عمدت إلى مكان يفاع (٢) فعلوته، ثم دعوت إلىّ عشيرتى خاصّة والمسلمين عامة، فثاب إلىّ أقوام شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، من أهل الدين والصبر والصدق والوفاء، فقصدت بهم إلى عسكر القوم، وفيه جماعتهم وحدّهم، وأميرهم قد أطاف به أولو فضلهم فيهم وذوو النيّات (٣) منهم، فاقتتلنا ساعة، رميا بالنّبل وطعنا بالرماح، ثم خلص الفريقان إلى السيوف، فكان الجلاد بها ساعة من النهار مبالطة (٤) ومبالدة، ثم إن الله أنزل نصره على المؤمنين، وضرب وجوه الكافرين، ونزل طاغيتهم فى رجال كثير من حماتهم وذوى نيّاتهم، فقتلهم الله فى المعركة، ثم أتبعت الخيل شرّادهم، فقتلوا فى الطريق والإخاذ (٥) والقرىّ، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله».
فلما أتى هذا الكتاب الحارث بن عبد الله بعث به إلى ابن الزبير فقرئ على الناس بمكة.
(تاريخ الطبرى ٧: ٨٩)
صورة أخرى لرد الحارث على المهلب
وروى الطبرى أيضا رد الحارث بن عبد الله على كتاب المهلب بصورة أخرى، وهى:
وكتب الحارث بن أبى ربيعة إلى المهلب:
«أما بعد: فقد بلغنى كتابك تذكر فيه نصر الله إياك وظفر المسلمين، فهنيئا لك يا أخا الأزد بشرف الدنيا وعزّها، وثواب الآخرة، وفضلها، والسلام عليك ورحمة الله». (تاريخ الطبرى ٧: ٨٩)
стр. 662
١١٢ - كتاب مصعب بن الزبير إلى المغيرة بن المهلب
ولم يزل المهلب يقاتل الخوارج فى ولاية الحارث بن عبد الله حتى عزل الحارث وولى مصعب بن الزبير، فكتب إليه: أن اقدم علىّ واستخلف ابنك المغيرة، ففعل ثم مضى إلى مصعب فولّاه الموصل.
وكتب مصعب إلى المغيرة بن المهلب بولايته: كتب إليه:
«إنك إن لم تكن كأبيك فإنك كاف لما ولّيتك، فشمّر واتّزر (١)، وجدّ واجتهد». (الكامل للمبرد ٢: ١٩٨)
١١٣ - كتاب عمر بن عبيد الله إلى مصعب بن الزبير
وولّى مصعب بن الزبير عمر بن عبيد الله بن معمر قتال الخوارج بعد المهلب، فزحف إليهم فقاتلهم قتالا شديدا قتل فيه ابنه عبيد الله، فحمل عليهم حملة هزمهم فيها، وانتهبهم، ثم كتب إلى مصعب:
«أما بعد: فإنى قد لقيت الأزارقة، فرزق الله عبيد الله بن عمر الشهادة، ووهب له السعادة، ورزقنا عليهم الظّفر، فتفرّقوا شذر مذر (٢)، وبلغتنى عنهم عودة فيمّمتهم (٣)، وبالله أستعين، وعليه أتوكل». (الكامل للمبرد ٢: ١٩٩)
стр. 663
طلب التوابين بدم الحسين رضى الله عنه
وفى سنة ٦٥ هـ تحركت الشّيعة بالكوفة، واتّعدوا الاجتماع بالنّخيلة للمسير إلى أهل الشأم، للطلب بدم الحسين بن على رضى الله عنهما، وذلك أنهم بعد مقتله تلاقوا بالتلاوم والتندّم، ورأوا أنهم قد أخطأوا خطا كبيرا بدعائهم إياه إلى النّصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم فى مقتله إلا بقتل من قتله أو القتل فيه، وتابوا مما فرط منهم فى ذلك- فسمّوا التّوّابين، وولّوا أمرهم سليمان بن صرد الخزاعىّ.
١١٤ - كتاب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان
وكتب سليمان إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن كتابا يقول فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد: فإن الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفا، وأقبل منها ما كان منكرا، وأصبحت قد تشنّأت (١) إلى ذوى الألباب، وأزمع (٢) التّرحال منها عباد الله الأخيار، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى، بجزيل مثوبة عند الله لا يفنى، إن أولياء الله من إخوانكم وشيعة آل نبيكم، نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيّهم الذى دعى فأجاب، ودعا فلم يجب، وأراد الرّجعة فحبس، وسأل
стр. 664
الأمان فمنع، وترك الناس فلم يتركوه، وعدوا عليه فقتلوه، ثم سلبوه وجرّدوه ظلما وعدوانا، وغرّة بالله وجهلا، وبعين الله ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» فلما نظر إخوانكم، وتدبّروا عواقب ما استقبلوا، رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزّكىّ الطيّب، وإسلامه (١)، وترك مواساته، والنصر له خطأ كبيرا، ليس لهم منه مخرج ولا توبة دون قتل قاتليه أو قتلهم، حتى تفنى على ذلك أرواحهم، فقد جد إخوانكم، فجدوا وأعدّوا واستعدوا، وقد ضربنا لإخواننا أجلا يوافوننا إليه وموطنا يلقوننا فيه، فأما الأجل فغرّة (٢) شهر ربيع الآخر سنة ٦٥، وأما الموطن الذى يلقوننا فيه فالنّخيلة، أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخوانا وإلّا (٣)، وقد رأينا أن ندعوكم إلى هذا الأمر الذى أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون ويظهرون لنا أنهم يتوبون، وإنكم جدراء (٤) بتطلاب الفضل والتماس الأجر، والتوبة إلى ربكم من الذنب، ولو كان فى ذلك حزّ الرقاب، وقتل الأولاد، واستيفاء الأموال، وهلاك العشائر، ما ضرّ أهل عذراء (٥) الذين قتلوا ألّا يكونوا اليوم أحياء وهم عند ربهم يرزقون، شهداء قد لقوا الله صابرين محتسبين، فأثابهم ثواب الصابرين- يعنى حجرا وأصحابه- وما ضرّ إخوانكم المقتّلين صبرا (٦)، والمصلبين ظلما، والممثول بهم، المعتدى عليهم، ألّا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم، قد خير (٧) لهم فلقوا ربّهم ووفّاهم الله «إن شاء الله» أجرهم، فاصبروا «رحمكم الله» على البأساء والضّرّاء وحين البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب، فو الله إنكم لأحرياء (٨) أن لا يكون أحد من إخوانكم، صبر على شىء من البلاء إرادة ثوابه،
стр. 665
إلا صبرتم التماس الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاء الله طالب بشىء من الأشياء- ولو أنه القتل- إلا طلبتم رضاء الله به، إن التقوى أفضل الزاد فى الدنيا، وما سوى ذلك يبور (١) ويفنى، فتعزف (٢) عنها أنفسكم، ولتكن رغبتكم فى دار عافيتكم، وجهاد عدوّ الله وعدوّكم، وعدوّ أهل بيت نبيكم، حتى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإياكم حياة طيّبة، وأجارنا وإياكم من النار، وجعل منايانا قتلا فى سبيله على يدى أبغض خلقه إليه، وأشدّهم عداوة له، إنه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه فى الأشياء، والسلام عليكم».
فقرأ سعد بن حذيفة كتب سليمان بن صرد على الشّيعة بالمدائن، وقال لهم: إن إخوانكم قد بعثوا إليكم يستنجدونكم ويستمدونكم، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ فقال القوم بأجمعهم:
نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا فى ذلك مثل رأيهم. (تاريخ الطبرى ٧: ٤٩)
١١٥ - رد سعد بن حذيفة على ابن صرد
فكتب سعد بن حذيفة إلى سليمان بن صرد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، إلى سليمان بن صرد من سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد: فقد قرأنا كتابك، وفهمنا الذى دعوتنا إليه، من الأمر الذى عليه رأى الملإ من إخوانك، فقد هديت لحظّك، ويسّرت لرشدك، ونحن جادّون مجدّون (٣)، معدّون مسرجون ملجمون، ننتظر الأمر ونستمع للداعى فإذا جاء الصّريخ (٤) أقبلنا ولم نعرّج إن شاء الله والسلام».
فلما قرأ كتابه سليمان بن صرد قرأه على أصحابه فسرّوا بذلك.
(تاريخ الطبرى ٧: ٥١)
стр. 666
١١٦ - كتاب المثنى بن مخرّبة إلى ابن صرد
وكتب ابن صرد إلى المثنّى بن مخرّبة العبدى نسخة الكتاب الذى كتب به إلى سعد بن حذيفة، فكتب إليه المثنى:
«أما بعد: فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن موافوك «إن شاء الله» للأجل الذى ضربت، وفى الموطن الذى ذكرت والسلام عليك».
وكتب فى أسفل كتابه:
تبصّر كأنّى قد أتيتك معلما ... على أتلع الهادى أجشّ هزيم (١)
طويل القرا نهد السّواء مقلّص ... ملحّ على فأس اللّجام أزوم (٢)
بكل فتى لا يملأ الرّوع نحره ... محسّ لعضّ الحرب غير سئوم (٣)
أخى ثقة ينوى الإله بسعيه ... ضروب بنصل السيف غير أثيم
(تاريخ الطبرى ٧: ٥١)
стр. 667
١١٧ - كتاب عبد الله بن يزيد إلى ابن صرد
فلما استهلّ هلال ربيع الآخر سنة ٦٥ هـ خرج سليمان بن صرد فى أصحابه إلى النّخيلة، وبلغ ذلك عبد الله بن يزيد الأنصارى أمير الكوفة من قبل ابن الزبير- وكان ابن الزبير ولّاه أميرا عليها على حربها وثغرها، وولى إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أميرا على خراجها- فخرجا إليه، وحاولا أن يثنياه عن رأيه فأبى، وأجمع القوم على الشّخوص واستقبال عبيد الله بن زياد.
ثم أدلج (١) ابن صرد عشيّة الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر، وقد كتب إليه عبد الله بن يزيد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين، سلام عليكم، أما بعد: فإن كتابى هذا إليكم كتاب ناصح ذى إرعاء (٢)، وكم من ناصح مستغشّ، وكم من غاشّ مستنصح محبّ، إنه بلغنى أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير، وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها (٣) تكلّ معاوله، وينزع وهو مذموم العقل والفعل، يا قومنا لا تطمعوا عدوّكم فى أهل بلادكم، فإنكم خيار كلكم، ومتى ما يصبكم عدوّكم يعلموا أنكم أعلام (٤) مصركم فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم، يا قومنا «إنّهم إن يظهروا (٥) عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملّتهم ولن تفلحوا إذن أبدا» يا قومنا إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإن عدوّنا وعدوكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على
стр. 668
عدونا، ومتى تحتلف تهن (١) شوكتنا على من خالفنا، يا قومنا لا تستغشّوا نصحى، ولا تخالفوا أمرى، وأقبلوا حين يقرأ عليكم كتابى، أقبل الله بكم إلى طاعته، وأدبر بكم عن معصيته، والسلام». (تاريخ الطبرى ٧: ٧١)
١١٨ - رد ابن صرد عليه
فكتب إليه ابن صرد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير عبد الله بن يزيد من سليمان بن صرد ومن معه من المؤمنين، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويت، فنعم والله الوالى، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت والله من نأمنه بالغيب، ونستنصحه فى المشورة، ونحمده على كل حال، إنا سمعنا الله يقول فى كتابه: «إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقّا فى التّوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الّذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم، التّائبون العابدون الحامدون السّائحون (٢) الرّاكعون السّاجدون الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين»:
إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التى بايعوا، إنهم قد تابوا من عظيم جرمهم، وقد توجّهوا إلى الله، وتوكّلوا عليه، ورضوا بما قضى الله، «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» والسلام عليك».
стр. 669
وسار ابن صرد بأصحابه حتى انتهى إلى عين الوردة (١) فنزل فى غربيّها، وأقبل عبيد الله بن زياد بجيشه، ودارت رحى الحرب بين الفريقين، واستشهد (٢) فى المعركة سليمان بن صرد بعد أن قتل من القوم مقتلة عظيمة، وقتل أيضا كثير من رءوس أصحابه، فلما رأى من بقى من التّوابين أن لا طاقة لهم بمن بإزائهم من أهل الشأم انحازوا عنهم وارتحلوا وعليهم رفاعة بن شدّاد البجلىّ، وكان ذلك فى ربيع الآخر سنة ٦٥ هـ. (تاريخ الطبرى ٧: ٧٢)
стр. 670
طلب المختار بن أبى عبيد الثقفى بدم الحسين رضى الله عنه
١١٩ - كتاب المختار إلى عبد الله بن عمر
وقدم المختار بن أبى عبيد الثّقفى (١) الكوفة فى رمضان سنة ٦٤ هـ، فأتاه بعض الشيعة ليلا، فساءلهم عن أمر الناس، وعن حال الشيعة، فقالوا له: إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعىّ، وإنه لن يلبث يسيرا حتى يخرج، فجعل يزعم لهم أن محمد بن الحنفيّة قد بعثه إليهم أمينا ووزيرا، وأنه أمره بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته، وما زال حتى استمال طائفة من الشيعة، وعظمهم يومئذ مع ابن صرد: