١١٦ - كتاب المثنى بن مخرّبة إلى ابن صرد
وكتب ابن صرد إلى المثنّى بن مخرّبة العبدى نسخة الكتاب الذى كتب به إلى سعد بن حذيفة، فكتب إليه المثنى:
«أما بعد: فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن موافوك «إن شاء الله» للأجل الذى ضربت، وفى الموطن الذى ذكرت والسلام عليك».
وكتب فى أسفل كتابه:
تبصّر كأنّى قد أتيتك معلما ... على أتلع الهادى أجشّ هزيم (١)
طويل القرا نهد السّواء مقلّص ... ملحّ على فأس اللّجام أزوم (٢)
بكل فتى لا يملأ الرّوع نحره ... محسّ لعضّ الحرب غير سئوم (٣)
أخى ثقة ينوى الإله بسعيه ... ضروب بنصل السيف غير أثيم
(تاريخ الطبرى ٧: ٥١)
стр. 667
١١٧ - كتاب عبد الله بن يزيد إلى ابن صرد
فلما استهلّ هلال ربيع الآخر سنة ٦٥ هـ خرج سليمان بن صرد فى أصحابه إلى النّخيلة، وبلغ ذلك عبد الله بن يزيد الأنصارى أمير الكوفة من قبل ابن الزبير- وكان ابن الزبير ولّاه أميرا عليها على حربها وثغرها، وولى إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أميرا على خراجها- فخرجا إليه، وحاولا أن يثنياه عن رأيه فأبى، وأجمع القوم على الشّخوص واستقبال عبيد الله بن زياد.
ثم أدلج (١) ابن صرد عشيّة الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر، وقد كتب إليه عبد الله بن يزيد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين، سلام عليكم، أما بعد: فإن كتابى هذا إليكم كتاب ناصح ذى إرعاء (٢)، وكم من ناصح مستغشّ، وكم من غاشّ مستنصح محبّ، إنه بلغنى أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير، وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها (٣) تكلّ معاوله، وينزع وهو مذموم العقل والفعل، يا قومنا لا تطمعوا عدوّكم فى أهل بلادكم، فإنكم خيار كلكم، ومتى ما يصبكم عدوّكم يعلموا أنكم أعلام (٤) مصركم فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم، يا قومنا «إنّهم إن يظهروا (٥) عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملّتهم ولن تفلحوا إذن أبدا» يا قومنا إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإن عدوّنا وعدوكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على
стр. 668
عدونا، ومتى تحتلف تهن (١) شوكتنا على من خالفنا، يا قومنا لا تستغشّوا نصحى، ولا تخالفوا أمرى، وأقبلوا حين يقرأ عليكم كتابى، أقبل الله بكم إلى طاعته، وأدبر بكم عن معصيته، والسلام». (تاريخ الطبرى ٧: ٧١)
١١٨ - رد ابن صرد عليه
فكتب إليه ابن صرد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير عبد الله بن يزيد من سليمان بن صرد ومن معه من المؤمنين، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويت، فنعم والله الوالى، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت والله من نأمنه بالغيب، ونستنصحه فى المشورة، ونحمده على كل حال، إنا سمعنا الله يقول فى كتابه: «إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقّا فى التّوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الّذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم، التّائبون العابدون الحامدون السّائحون (٢) الرّاكعون السّاجدون الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين»:
إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التى بايعوا، إنهم قد تابوا من عظيم جرمهم، وقد توجّهوا إلى الله، وتوكّلوا عليه، ورضوا بما قضى الله، «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» والسلام عليك».
стр. 669
وسار ابن صرد بأصحابه حتى انتهى إلى عين الوردة (١) فنزل فى غربيّها، وأقبل عبيد الله بن زياد بجيشه، ودارت رحى الحرب بين الفريقين، واستشهد (٢) فى المعركة سليمان بن صرد بعد أن قتل من القوم مقتلة عظيمة، وقتل أيضا كثير من رءوس أصحابه، فلما رأى من بقى من التّوابين أن لا طاقة لهم بمن بإزائهم من أهل الشأم انحازوا عنهم وارتحلوا وعليهم رفاعة بن شدّاد البجلىّ، وكان ذلك فى ربيع الآخر سنة ٦٥ هـ. (تاريخ الطبرى ٧: ٧٢)
стр. 670
طلب المختار بن أبى عبيد الثقفى بدم الحسين رضى الله عنه
١١٩ - كتاب المختار إلى عبد الله بن عمر
وقدم المختار بن أبى عبيد الثّقفى (١) الكوفة فى رمضان سنة ٦٤ هـ، فأتاه بعض الشيعة ليلا، فساءلهم عن أمر الناس، وعن حال الشيعة، فقالوا له: إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعىّ، وإنه لن يلبث يسيرا حتى يخرج، فجعل يزعم لهم أن محمد بن الحنفيّة قد بعثه إليهم أمينا ووزيرا، وأنه أمره بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته، وما زال حتى استمال طائفة من الشيعة، وعظمهم يومئذ مع ابن صرد:
стр. 671
فلما خرج ابن صرد نحو الجزيرة- خاف عبد الله بن يزيد الأنصارى وإبراهيم ابن محمد بن طلحة أميرا الكوفة أن يثب عليهما المختار، فزجّاه (١) فى السجن، فكتب المختار إلى صهره عبد الله بن عمر بن الخطاب.
«أما بعد: فإنى قد حبست مظلوما، وظن بى الولاة ظنونا كاذبة، فاكتب فىّ «يرحمك الله» إلى هذين الظالمين كتابا لطيفا، عسى الله أن يخلّصنى من أيديهما، بلطفك وبركتك ويمنك، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٧: ٩٣)
١٢٠ - كتاب ابن عمر إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن طلحة
فكتب عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن يزيد، وإبراهيم بن محمد بن طلحة:
«أما بعد: فقد علمتما الذى بينى وبين المختار بن أبى عبيد من الصّهر، والذى بينى وبينكما من الودّ، فأقسمت عليكما بحقّ ما بينى وبينكما لما خلّيتما سبيله حين تنظران فى كتابى هذا، والسلام عليكما ورحمة الله».
فلما أتاهما كتاب ابن عمر، دعوا للمختار بكفلاء يضمنونه بنفسه، فأتاه أناس من أصحابه كثير فضمنوه، فدعوا به فحلّفاه بالله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشّهادة الرحمن الرحيم: لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج (٢) الكعبة، ومماليكه كلّهم ذكرهم وأنثاهم أحرار، فحلف لهما بذلك (٣)، فأطلقاه من السجن». (تاريخ الطبرى ٧: ٩٣)
стр. 672
١٢١ - كتاب المختار إلى أصحاب ابن صرد
وكتب المختار وهو فى سجنه إلى أصحاب سليمان بن صرد حين قدموا من قتال عبيد الله بن زياد:
«أما بعد، فإنّ الله أعظم لكم الأجر، وحطّ عنكم الوزر، بمفارقة القاسطين، وجهاد المحلّين، إنكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة (١)، ولم تخطوا خطوة، إلا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة، إلى ما لا يحصيه إلا الله من التضعيف، فأبشروا، فإنى لو قد خرجت إليكم قد جرّدت فيما بين المشرق والمغرب فى عدوكم السيف بإذن الله، فجعلتهم بإذن الله ركاما (٢)، وقتلتهم فذّا وتوءما (٣)، فرحّب الله بمن قارب منكم واهتدى، ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى، والسلام يا أهل الهدى».
فبعثوا إليه رسولا منهم فقالوا: قوله قد قرأنا الكتاب، ونحن بحيث يسرّك، فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا، فأتاه فدخل عليه السجن فأخبره بما أرسل به إليه، فسرّ باجتماع الشيعة له، وقال لهم: لا تريدوا هذا، فإنى أخرج فى أيامى هذه.
(تاريخ الطبرى ٧: ٩٣)
١٢٢ - كتاب إلى إبراهيم بن مالك الأشتر افتعله على محمد بن الحنفية
واختلفت الشيعة إلى المختار بعد خروجه من السجن، واجتمعت عليه، واتفق رأيها على الرضا به، ولم يزل أصحابه يكثرون، وأمره يقوى ويشتد حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن طلحة عن الكوفة، وبعت على عملهما عبد الله بن مطيع العدوى، لخمس بقين من رمضان سنة ٦٥ هـ.
стр. 673
وساورت الشيعة ريبة فيما ادعاه المختار من أن ابن الحنفية بعث به إليهم، فأوفدوا وفدا منهم إلى ابن الحنفية يستثبت منه، فقالوا له: إن المختار قد قدم علينا وهو يزعم أنه جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى الطلب بدماء أهل البيت، فبايعناه على ذلك، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه، فقال لهم: أما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فو الله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، فخرجوا من عنده وهم يقولون، قد أذن لنا، قد قال: لوددت أن الله انتصر لنا ...... ولو كره لقال: لا تفعلوا، وجاءوا المختار فقالوا: قد أمرنا بنصرتك، فكبّر واستبشر، واستجمعت له الشيعة وحدبت (١) عليه:
ودعا أصحاب المختار إبراهيم بن الأشتر أن ينضم إلى زمرتهم، فقال لهم: إنى قد أجبتكم إلى ما دعوتمونى إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، على أن تولونى الأمر، فقالوا: هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدىّ، وهو الرسول، والمأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته فلم يجبهم ابن الأشتر، فانصرفوا إلى المختار، فأخبروه بما ردّ عليهم، فسار المختار إلى ابن الأشتر فقال له: هذا كتاب إليك من المهدى محمد ابن أمير المؤمنين الوصىّ يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، ودفع إليه الكتاب، ففض خاتمه وقرأه فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد المهدىّ إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد: فإنى قد بعثت إليكم بوزيرى، وأمينى ونجيبى (٢) الذى ارتضيته لنفسى، وقد أمرته بقتال عدوى، والطّلب بدماء أهل بيتى، فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإنك لو نصرتنى، وأجبت دعوتى، وساعدت وزيرى، كانت لك عندى بذلك فضيلة، ولك بذلك أعنّة
стр. 674
الخيل (١) وكل جيش غاز، وكل مصر، ومنبر، وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهل الشأم، علىّ الوفاء بذلك، علىّ عهد الله، فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله أبدا، والسلام عليك».
فلما قضى إبراهيم قراءة الكتاب قال: قد كتب إلىّ ابن الحنفية، وقد كتبت إليه قبل اليوم، فما كان يكتب إلىّ إلا باسمه واسم أبيه، قال له المختار: إن ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلىّ؟ فقال أصحاب المختار:
نشهد أن هذا كتاب محمد بن علىّ إليك، فقال إبراهيم للمختار: ابسط يدك أبايعك، فبسط المختار يده، فبايعه إبراهيم.
وجعل المختار وأصحابه يدبّرون أمورهم حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ٦٦ هـ، فثاروا بالكوفة وقاتلوا جند ابن مطيع فهزموهم، وحصروا ابن مطيع حتى اشتد عليه الحصار فهرب إلى البصرة، وخلص الأمر للمختار فبايعه الناس، وغلب على الكوفة (٢).
(تاريخ الطبرى ٧: ٩٩، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٤: ٨٤)
١٢٣ - كتاب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى المختار
وكان مروان بن الحكم قد بويع بالخلافة بالشام «لثلاث خلون من ذى القعدة سنة ٦٤ هـ» فلما استوثقت له الشام بالطاعة، بعث جيشا إلى العراق عليه عبيد الله بن زياد، وجعل له إذ وجّهه إلى العراق ما غلب عليه، وأمره أن ينهب (٣) الكوفة إذا هو
стр. 675
ظفر بأهلها ثلاثا، وكان من أمره وأمر التوابين بعين الوردة ما قدمنا، ثم إنه أقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار على الموصل إلى المختار:
«أما بعد: فإنى أخبرك أيها الأمير أن عبيد الله بن زياد قد دخل أرض الموصل، وقد وجّه قبلى خيله ورجاله، وإنى انحزت إلى «تكريت» حتى يأتينى رأيك وأمرك، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٧: ١١٣)
١٢٤ - رد المختار على عبد الرحمن بن سعيد
فكتب إليه المختار:
«أما بعد: فقد بلغنى كتابك، وفهمت كل ما ذكرت فيه، فقد أصبت بانحيازك إلى «تكريت» فلا تبرحنّ مكانك الذى أنت به حتى يأتيك أمرى إن شاء الله، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٧: ١١٣)
١٢٥ - كتاب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد
ودعا المختار يزيد بن أنس، فوجّهه إلى الموصل، وكتب إلى عبد الرحمن بن قيس ابن سعيد:
«أما بعد: فخلّ بين يزيد وبين البلاد إن شاء الله، والسلام عليك».
وفصل يزيد بن أنس من الكوفة على رأس جيش انتخبه، وسار إلى الموصل، فقاتل جيش ابن زياد وهزمه.
ثم سيّر المختار إلى ابن زياد جيشا عليه إبراهيم بن الأشتر، فالتقى به على شاطئ نهر خازر من أرض الموصل، ودارت الدائرة على ابن زياد، وقتله ابن الأشتر، وكان ذلك سنة ٦٧ هـ.
стр. 676
١٢٦ - كتاب المختار بالأمان لعمر بن سعد بن أبى وقاص
ووثب المختار سنة ٦٦ هـ بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين رضى الله عنه والمشايعين على قتله، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفة بعضهم فلم يقدر عليه.
وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلى (١)، فكلم عمر بن سعد بن أبى وقّاص عبد الله بن جعدة، وقال له: إنى لا آمن هذا الرجل- يعنى المختار- فخذلى منه أمانا ففعل، وكتب له:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمان من المختار بن أبى عبيد لعمر بن سعد بن أبى وقّاص، إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك، وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما، ما سمعت وأطعت، ولزمت رحلك وأهلك، ومصرك، فمن لقى عمر بن سعد من شرطة (٢) الله وشيعة آل محمد، ومن غيرهم من الناس، فلا يعرض له إلا بخير».
شهد السّائب بن مالك، وأحمر بن شميط، وعبد الله بن شدّاد، وعبد الله ابن كامل، وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفينّ لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان، إلّا أن يحدث حدثا (٣)، وأشهد الله على نفسه، وكفى بالله شهيدا». (تاريخ الطبرى ٧: ١٢٦)
стр. 677
١٢٧ - كتاب المختار إلى محمد بن الحنفية
ولم يرع المختار هذا العهد، فقتل عمر بن سعد وابنه حفص بن عمر، وبعث برأسيهما إلى محمد بن الحنفية وكتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، للمهدىّ محمد بن على من المختار بن أبى عبيد، سلام عليك يأيّها المهدى، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله بعثنى نقمة على أعدائكم، فهم بين قتيل وأسير وطريد وشريد، فالحمد لله الذى قتل قاتليكم، ونصر مؤازريكم (١)، وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه، وقد قتلنا من شرك فى دم الحسين وأهل بيته «رحمة الله عليهم» كلّ من قدرنا عليه، ولن يعجز الله من يقى، ولست بمنجم (٢) عنهم حتى لا يبلغنى أنّ على أديم الأرض منهم إرميّا (٣)، فاكتب إلىّ أيها المهدى برأيك أتّبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهدى ورحمة الله وبركاته». (تاريخ الطبرى ٧: ١٢٧)
١٢٨ - كتاب المختار إلى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو
وكان المثنّى بن مخرّبة العبدىّ ممن بايع المختار، فقال له المختار: الحق ببلدك بالبصرة، فادع الناس، وأسرّ أمرك، فقدم البصرة فدعا، فأجابه رجال من قومه وغيرهم، فوجّه إليهم أمير البصرة الحارث بن عبد الله عبّاد بن حصين، فهزمهم وحوى ما كان فى معسكرهم، ولاذ المثنّى وأصحابه بعبد القيس فمنعوهم وأبوا أن يسلّموهم، فأرسل الأمير الأحنف بن قيس ليصلح أمر الناس، فأتى عبد القيس فقال لهم: ألستم
стр. 678
على بيعة ابن الزبير؟ قالوا: بلى، ولكنا لا نسلّم إخواننا، قال: فمروهم فليخرجوا إلى أى بلاد أحبّوا، ولا يفسدوا هذا المصر على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاءوا، فمشى مالك بن مسمع، وزياد بن عمرو، ووجوه أصحابهم إلى المثنى، فأشاروا عليه أن يلحق بصاحبه المختار، فقبل قولهما، وشخص إلى المختار بالكوفة، وأخبره حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مسمع، وزياد بن عمرو، ومسيرهما إليه وذبّهما عنه حين شخص عن البصرة، فطمع المختار فيهما، فكتب إليهما:
«أما بعد: فاسمعا وأطيعا أوتكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنّة».
فقال مالك لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاق (١) إعطاءنا الدنيا والآخرة، فقال زياد مازحا لمالك: يا أبا غسّان، أمّا أنا فلا أقاتل نسيئة (٢)، من أعطانا الدراهم قاتلنا معه. (تاريخ الطبرى ٧: ١٠١)
١٢٩ - كتاب المختار إلى الأحنف بن قيس
وكتب المختار إلى الأحنف بن قيس:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من المختار بن أبى عبيد إلى الأحنف بن قيس، ومن قبله، فسلم أنتم، أما بعد: فويل أمّ (٣) ربيعة من مضر، فإن الأحنف مورد قومه
стр. 679
سقر (١)، حيث لا يستطيع لهم الصّدر (٢)، وإنى لا أملك ما خطّ فى القدر، وقد بلغنى أنكم تسموننى كذّابا، وإن كذّبت فقد كذّبت رسل من قبلى، ولست بخير من كثير منهم (٣)». (تاريخ الطبرى ٧: ١٣١ - ١٣٢، والعقد الفريد ٢، ٢٦٥)
стр. 680
١٣٠ - كتاب المختار إلى ابن الزبير
ولما استجمع الأمر للمختار بالكوفة- وهو عند الشّيعة إنما يدعو إلى ابن الحنفية، والطلب بدماء أهل البيت- أخذ يخادع ابن الزبير، فكتب إليه:
«أمّا بعد: فقد عرفت مناصحتى إياك، وجهدى على أهل عداوتك، وما كنت أعطيتنى- إذا أنا فعلت ذلك- من نفسك، فلما وفيت لك وقضيت الذى كان لك علىّ، خست (١) بى ولم تف بما عاهدتنى عليه (٢)، ورأيت منى ما قد رأيت، فإن ترد مراجعتى أراجعك، وإن ترد مناصحتى أنصح لك»:
стр. 681
وهو يريد بذلك كفّه عنه حتى يستجمع له الأمر، وهو لا يطلع الشيعة على شىء من هذا الأمر، وإذا بلغهم شىء منه أراهم أنه أبعد الناس عن ذلك».
(تاريخ الطبرى ٧: ١٣٣)
١٣١ - كتاب المختار إلى ابن الزبير
وقال أبو العباس المبرّد فى الكامل:
«ويروى أن المختار بن أبى عبيد حيث كان واليا لابن الزبير على الكوفة (١)، اتّهمه ابن الزبير، فولّى رجلا من قريش الكوفة، فلما أطلّ قال لجماعة من أهلها:
اخرجوا إلى هذا المغرور فردوه، فخرجوا إليه فقالوا: أين تريد؟ والله لئن دخلت الكوفة ليقتلنّك المختار، فرجع، وكتب المختار إلى ابن الزبير:
«إن صاحبك جاءنا، فلما قاربنا رجع، فما أدرى ما الذى ردّه؟ ».
فغضب ابن الزبير على القرشى وعجّزه وردّه إلى الكوفة، فلما شارفها قال المختار:
اخرجوا إلى هذا المغرور فردوه، فخرجوا إليه، فقالوا: إنه والله قاتلك، فرجع، وكتب المختار إلى ابن الزبير بمثل كتابه الأول، فلام القرشىّ، فلما كان فى الثالثة فطن (٢) ابن الزبير، وعلم بذلك المختار (٣).
стр. 682
فلما رأى المختار أن ابن الزبير قد فطن لما أراد، كتب إليه.
من المختار بن أبى عبيد الثّقفى خليفة الوصىّ محمد بن على أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن أسماء.
ثم ملأ الكتاب بسبه وسب أبيه. (الكامل للمبرد ٢: ١٦٧)
١٣٢ - كتاب المختار إلى ابن الزبير
وأخبر المختار أن أهل الشأم قد أقبلوا نحو العراق، فخشى أن يأتيه أهل الشأم من قبل المغرب، ويأتيه مصعب بن الزبير من قبل البصرة، فوادع ابن الزبير، وداراه وكايده.
وكان عبد الملك بن مروان- وقد بويع بالخلافة فى غرّة رمضان سنة ٦٥ هـ- بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص إلى وادى القرى، والمختار لابن الزبير مكايد موادع، فكتب المختار إلى ابن الزبير:
«أما بعد: فقد بلغنى أن عبد الملك بن مروان قد بعث إليك جيشا، فإن أحببت أن أمدّك بمدد أمددتك».
١٣٣ - رد ابن الزبير على المختار
فكتب إليه ابن الزبير:
«أما بعد: فإن كنت على طاعتى فلست أكره أن تبعث الجيش إلى بلادى، وتبايع لى الناس قبلك، فإذا أتتنى بيعتك صدّقت مقالتك، وكففت جنودى عن
стр. 683
بلادك، وعجّل علىّ بتسريح الجيش الذى أنت باعثه، ومرهم فليسيروا إلى من بوادى القرى من جند ابن مروان، فليقاتلوهم، والسلام».
فسرّح المختار شرحبيل بن ورس فى جيش، وقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إلىّ بذلك حتى يأتيك أمرى- وهو يريد إذا دخلوا المدينة أن يبعث عليهم أميرا من قبله، ويأمر ابن ورس أن يمضى إلى مكة حتى يحاصر ابن الزبير ويقاتله- وخشى ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل بن سعد فى جيش، وقال له: إن رأيت القوم فى طاعتى فاقبل منهم، وإلّا فكايدهم حتى تهلكهم، فأقبل ابن سهل حتى لقى ابن ورس بالرّقم (١)، فدعاه أن يسير معه لقتال جند ابن مروان بوادى القرى، فأبى وقال: إنما أمرت أن أسير حتى آتى المدينة، فإذا نزلتها رأيت رأيى، فكايده ابن سهل حتى أخذه على غرّة وقتله، وأثخن أصحابه وأوسعهم قتلا (٢). (تاريخ الطبرى ٧: ١٣٤)
стр. 684
١٣٤ - كتاب المختار إلى ابن الحنفية
فلما بلغ المختار أمرهم كتب إلى ابن الحنفية:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنى كنت بعثت إليك جندا، ليذلّوا لك الأعداء، وليحوزوا لك البلاد، فساروا إليك حتى إذا أطلّوا على طيبة (١)، لقيهم جند الملحد (٢)، فخدعوهم بالله، وغرّوهم بعهد الله، فلما اطمأنوا إليهم، ووثقوا بذلك منهم، وثبوا عليهم فقتلوهم، فإن رأيت أن أبعث إلى أهل المدينة من قبلى جيشا كشيفا، وتبعث إليهم من قبلك رسلا، حتى يعلم أهل المدينة أنى فى طاعتك، وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك، فافعل، فإنك ستجد عظمهم بحقكم أعرف، وبكم- أهل البيت- أرأف منهم بآل الزبير الظّلمة الملحدين، والسلام عليك».
(تاريخ الطبرى ٧: ١٣٥)
١٣٥ - رد ابن الحنفية على المختار
فكتب إليه ابن الحنفية:
«أما بعد: فإن كتابك لمّا بلغنى قرأته، وفهمت تعظيمك لحقى، وما تنوى به من سرورى، وإن أحبّ الأمور كلّها إلىّ ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم أنى لو أردت القتال لوجدت الناس إلىّ سراعا، والأعوان لى كثيرا، ولكنى أعتزلهم، وأصبر حتى يحكم الله لى وهو خير الحاكمين (٣)».
(تاريخ الطبرى ٧: ١٣٥)
стр. 685
١٣٦ - كتاب ابن الحنفية إلى الشيعة بالكوفة
وأخبر ابن الحنفية بخبر نفر من غلاة الشيعة بالكوفة، فكتب إلى الشيعة يحذّرهم هؤلاء الغلاة:
«من محمد بن على إلى من بالكوفة من شيعتنا، أما بعد: فاخرجوا إلى المجالس والمساجد، فاذكروا الله علانية وسرّا، ولا تتخذوا من دون المؤمنين بطانة، فإن خشيتم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذّابين، وأكثروا الصلاة والصيام والدعاء، فإنه ليس أحد من الخلق يملك لأحد ضرّا ولا نفعا إلا ما شاء الله، وكلّ نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والله قائم على كل نفس بما كسبت، فاعملوا صالحا وقدّموا لأنفسكم حسنا، ولا تكونوا من الغافلين، والسلام عليكم».
*** ثم إن ابن الزبير عزل الحارث بن عبد الله عن البصرة، وولّاها أخاه مصعب ابن الزبير (سنة ٦٧) وقدم على مصعب أشراف الكوفة، فسألوه أن يسير معهم إلى المختار، فسار إليه وقاتله، وانهزم أصحاب المختار، وقتل (فى رمضان سنة ٦٧ هـ).
(تاريخ الطبرى ٧: ١٥٣)
стр. 686
١٣٧ - كتاب عبد الله بن الزبير إلى عبد الله بن عباس
وروى المدائنى قال:
لما أخرج عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس من مكة إلى الطائف، تلقّاه أهلها، فقالوا: مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، أنت والله أحبّ إلينا وأكرم علينا ممّن أخرجك، هذه منازلنا تخيّرها، فانزل منها حيث أحببت، فنزل منزلا، فكان يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر وبعد العصر، فيتكلم بينهم، كان يحمد الله، ويذكر النبىّ صلى الله عليه وآله والخلفاء بعده، ويقول: ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم، ولا أشباههم، ولا من يدانيهم، ولكن بقى أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن تحتها قلوب الذئاب والنمور، ليظن الناس أنهم من الزاهدين فى الدنيا، يراءون الناس بأعمالهم، ويسخطون الله بسرائرهم، فادعوا الله أن يقضى لهذه الأمة بالخير والإحسان، فيولّى أمرها خيارها وأبرارها، ويهلك فجّارها وأشرارها، ارفعوا أيديكم إلى ربكم وسلوه ذلك، فيفعلون، وبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إليه:
«أما بعد: فقد بلغنى أنك تجلس بالطائف العصرين (١)، فتفتيهم بالجهل، تعيب أهل العقل والعلم، وإن حلمى عليك، واستدامتى فيئك، جرّآك علىّ، فاكفف- لا أبا لغيرك- من غربك (٢)، واربع على ظلعك (٣)، واعقل إن كان
стр. 687
لك معقول (١)، وأكرم نفسك، فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا، ألم تسمع قول الشاعر:
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما
وإنى أقسم بالله لئن لم تنته عما بلغنى عنك، لتجدنّ جانبى خشنا، ولتجدنّنى إلى ما يردعك عنى عجلا فإن أشفى (٢) بك شقاؤك على الرّدى، فلا تلم إلا نفسك».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٤٨٧)
١٣٨ - رد ابن عباس عليه
فكتب إليه ابن عباس:
«أما بعد فقد بلغنى كتابك، قلت: إنى أفتى الناس بالجهل، وإنما يفتى بالجهل من لم يعرف من العلم شيئا، وقد آتانى الله من العلم ما لم يؤتك، وذكرت أن حلمك عنى واستدامتك فيئى جرّءانى عليك، ثم قلت: اكفف من غربك، واربع على ظلعك، وضربت لى الأمثال «أحاديث الضّبع (٣)» متى رأيتنى لعرامك (٤) هائبا، ومن حدّك ناكلا (٥)؟ وقلت: لئن لم تكفف لتجدنّ جانبى خشنا، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا أرعى عليك إن أرعيت (٦)، فو الله لا أنتهى عن قول الحق، وصفة أهل العدل والفضل، وذمّ الأخسرين أعمالا الّذين ضلّ سعيهم فى الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، والسلام».
(شرح ابن أبى الحديد م ٤: ص ٤٨٨)
стр. 688
خلافة عبد الملك بن مروان (سنة ٦٥ - ٨٦ ه ـ)
١٣٩ - كتاب عبد الملك إلى عمرو بن سعيد بن العاص
ولما خرج عبد الملك بن مروان سنة ٦٩ هـ لقتال زفر بن الحارث الكلابى (١) بقرقيسياء (٢)، غلب عمرو بن سعيد بن العاص (٣) على دمشق، ودعا الناس إلى بيعته (٤)، وكتب عبد الملك إليه حين خرج عليه:
стр. 689
«أما بعد: فإن رحمتى لك، تصرفنى عن الغضب عليك، لتمكّن الخدع منك، وخذلان التوفيق إياك، نهضت بأسباب وهّمتك أطماعك أن تستفيد بها عزّا، وكنت جديرا- لو اعتدلت- أن تدفع (١) بها ذلّا، ومن رحل عنه حسن النظر، واستوطنته الأمانى، ملك الحين (٢) تصريفه، واستترت عنه عواقب أمره، وعن قليل يتبيّن من سلك سبيلك، ونهض بمثل أسبابك، أنه أسير غفلة، وصريع خدع، ومغيض ندم، والرّحم (٣) تحمل على الصفح عنك، ما لم تحلل بك عواقب جهلك، وتزجر عن الإيقاع بك، وأنت إن ارتدعت كنت فى كنف وستر، والسلام».
وقال المسعودى: وكان فيما كتب إليه عبد الملك:
«إنك لتطمع نفسك بالخلافة، ولست لها بأهل»:
١٤٠ - رد عمرو بن سعيد على عبد الملك
فكتب إليه عمرو:
«استدراج النّعم إياك أفادك البغى، ورائحة القدرة أورثتك الغفلة، رجرت عما وافقت عليه، وندبت إلى ما تركت سبيله، ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطّلّاب، ما انتقل سلطان ولا ذلّ عزيز، وعن قريب تتبيّن: من أسير الغفلة، وصريع الخدع، والرّحم تعطف على الإبقاء عليك مع دفعك عما غيرك أقوم به منك، والسلام».
(البيان والتبيين ٣: ٢٢٩، ومروج الذهب ٢: ١١٦)
стр. 690
حروب الخوارج الأزارقة
١٤١ - كتاب خالد بن عبد الله بن أسيد إلى عبد الملك بن مروان
ولما دانت العراق لعبد الملك بن مروان بعد مقتل مصعب بن الزبير سنة ٧١ هـ، ولّى على الكوفة أخاه بشر بن مروان، وولّى على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد ابن أسيد (١)، وخرج خالد إلى الأهواز، وندب للناس رجلا يقاتل الأزارقة، فجعلوا يطلبون المهلّب، فقال خالد: ذهب المهلب بحظ هذا المصر، إنى قد وليت أخى قتال الأزارقة، فولّى أخاه عبد العزيز بن عبد الله، وجعل المهلّب على خراج الأهواز، ومضى عبد العزيز فى ثلاثين ألفا، فجعل يقول فى طريقه: يزعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب! فسيعلمون، ثم ناهض الأزارقة فكايدوه (٢) وهزموه، واتبعوا جنده يقتلونهم كيف شاءوا، وسبوا امرأته، ثم قتلوها (٣)، وبلغ خالدا خبر الهزيمة فكتب إلى عبد الملك بن مروان:
стр. 691
«أما بعد، فإنى أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنى بعثت عبد العزيز ابن عبد الله فى طلب الخوارج، وأنهم لقوه بفارس، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عبد العزيز لمّا انهزم عنه الناس، وقتل مقاتل بن مسمع (١)، وقدم الفلّ (٢) إلى الأهواز، فأحببت أن أعلم أمير المؤمنين ذلك، ليأتينى رأيه وأمره أنزل عنده إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله». (تاريخ الطبرى ٧: ١٩٣)
١٤٢ - رد عبد الملك عليه
فكتب إليه عبد الملك بن مروان:
«أما بعد، فقد قدم رسولك فى كتابك (٣)، تعلمنى فيه بعثك أخاك على قتال الخوارج، وهزيمة من هزم، وقتل من قتل، وسألت رسولك عن مكان المهلب، فحدّثنى أنه عامل لك على الأهواز، فقبح الله رأيك! حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال، وتدع المهلب إلى جنبك يجبى الخراج، وهو الميمون النّقيبة (٤)، الحسن السياسة، البصير بالحرب، المقاسى لها، ابنها وابن أبنائها، انظر أن تنهض بالناس، حتى تستقبلهم بالأهواز ومن وراء الأهواز، وقد بعثت إلى بشر أن يمدّك بجيش من أهل الكوفة، فإذا أنت لقيت عدوّك فلا تعمل فيهم برأى، حتى تحضره المهلب وتستشيره فيه إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله».
стр. 692
فشقّ عليه أن فيّل (١) رأيه فى بعثة أخيه وترك المهلب، وفى أنه لم يرض رأيه خالصا حتى قال: أحضره المهلب، واستشره فيه. (تاريخ الطبرى ٧: ١٩٣)
١٤٣ - كتاب عبد الملك بن مروان إلى أخيه بشر
وكتب عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان:
«أما بعد فإنى قد كتبت إلى خالد بن عبد الله آمره بالنهوض إلى الخوارج، فسرّح إليه خمسة آلاف رجل، وابعث عليهم رجلا من قبلك ترضاه، فإذا قضوا غزاتهم (٢) تلك، صرفتهم إلى «الرّىّ» (٣) فقاتلوا عدوهم، وكانوا فى مسالحهم (٤) وجبوا فيئهم، حتى تأتى أيام عقهم، فتعفيهم وتبعث آخرين مكانهم».
فقطع على أهل الكوفة خمسة آلاف، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال: إذا قضيت غزاتك هذه فانصرف إلى «الرّىّ» وكتب له عليها عهدا.
(تاريخ الطبرى ٧: ١٩٣)
١٤٤ - كتاب خالد بن عبد الله بن أسيد إلى عبد الملك
وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز، وجاء عبد الرحمن بن الأشعث يبعث (٥) أهل الكوفة حتى وافاهم بالأهواز، وجاءت الأزارقة حتى دنوا من مدينة الأهواز ومن معسكر القوم، فزحف إليهم خالد فرأوا أمرا هالهم من عدد الناس وعدّتهم، فانهزموا مولّين، وأتبعهم خالد داود بن قحذم فى جيش من أهل البصرة، وانصرف هو إلى البصرة، وكتب إلى عبد الملك بن مروان:
«أما بعد، فإنى أخبر أمير المؤمنين- أصلحه الله- أنى خرجت إلى الأزارقة الذين مرقوا من الدين، وخرجوا من ولاية المسلمين، فالتقينا بمدينة الأهواز،
стр. 693
فتناهضنا فاقتتلنا كأشدّ قتال كان فى الناس، ثم إن الله أنزل نصره على المؤمنين والمسلمين، وضرب الله وجوه أعدائه، فاتّبعهم المسلمون يقتلونهم ولا يمنعون ولا يمتنعون، وأفاء الله ما فى عسكرهم على المسلمين، ثم أتبعتهم داود بن قحذم، والله- إن شاء الله- مهلكهم ومستأصلهم، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٧: ١٩٤)
١٤٥ - كتاب عبد الملك إلى أخيه بشر
فلما قدم هذا الكتاب على عبد الملك كتب إلى أخيه بشر:
«أما بعد، فابعث من قبلك رجلا شجاعا بصيرا بالحرب فى أربعة آلاف فارس، فليسيروا إلى «فارس» فى طلب المارقة، فإن خالدا كتب إلىّ يخبرنى أنه قد بعث فى طلبهم داود بن قحذم، فمر صاحبك الذى تبعث أن لا يخالف داود بن قحذم إذا ما التقيا، فإن اختلاف القوم بينهم عون لعدوهم عليهم، والسلام عليك».
فبعث بشر عتّاب بن ورقاء فى أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة، فخرجوا حتى التقوا هم وداود بن قحذم بأرض فارس، ثم اتبعوا القوم يطلبونهم حتى نفقت (١) خيول عامّتهم، وأصابهم الجهد والجوع، ورجع عامّة ذينك الجيشين مشاة إلى الأهواز.
(تاريخ الطبرى ٧: ١٩٤)
هذه رواية الطبرى فى هذا الصّدد، وروى أبو العباس المبرد فى الكامل كتاب عبد الملك الذى ردّ به على خالد بن عبد الله بن أسيد بصورة أخرى قال:
صورة أخرى لرد عبد الملك على خالد
وكتب خالد إلى عبد الملك بعذر عبد العزيز، وقال للمهلّب: ما ترى عبد الملك صانعا بى؟ قال: يعزلك، قال: أتراه قاطعا رحمى؟ قال: نعم، أتته هزيمة أميّة أخيك
стр. 694
من البحرين (١)، وتأتيه هزيمة أخيك عبد العزيز من فارس! فكتب عبد الملك إلى خالد:
«أما بعد، فإنى كنت حددت لك حدّا فى أمر المهلب، فلما ملكت أمرك نبذت طاعتى واستبددت برأيك، فولّيت المهلّب الجباية، ووليت أخاك حرب الأزارقة، فقبح الله هذا رأيا! أتبعث غلاما غرّا لم يجرّب الحروب، وتترك سيدا شجاعا مدبّرا حازما قد مارس الحروب ففلج (٢)، تشغله بالجباية؟ أما لو كافأتك على قدر ذنبك لأتاك من نكيرى ما لا بقيّة لك معه، ولكن تذكرت رحمك (٣) فلفتتنى عنك، وقد جعلت عقوبتك عزلك، والسلام».
(الكامل للمبرد: ٢١٠، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٩٥)
١٤٦ - كتاب عبد الملك إلى أخيه بشر
قال أبو العباس: وولى بشر بن مروان وهو بالكوفة، وكتب إليه:
«أما بعد، فإنك أخو أمير المؤمنين يجمعك وإياه مروان بن الحكم، وإن خالدا لا مجتمع له مع أمير المؤمنين دون أميّة (٤)، فانظر المهلب فولّه حرب الأزارقة، فإنه سيّد بطل مجرّب، فأمدده من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل، والسلام».
(الكامل للمبرد ٢: ٢١١ وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٣٩٥)
стр. 695
١٤٧ - كتاب عبد الملك إلى أخيه بشر
وننعد إلى رواية الطبرىّ، قال:
«وفى سنة ٧٤ هـ عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وولاها أخاه بشر ابن مروان، فصارت ولايتها وولاية الكوفة إليه، فشخص بشر إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث.
فلما صار بشر بالبصرة كتب عبد الملك إليه:
«أما بعد، فابعث المهلب فى أهل مصره إلى الأزارقة، ولينتخب من أهل مصره وجوههم وفرسانهم وأولى الفضل والتجربة منهم، فإنه أعرف بهم، وخلّه ورأيه فى الحرب، فإنى أوثق شىء بتجربته ونصيحته للمسلمين، وابعث من أهل الكوفة بعثا كثيفا، وابعث عليهم رجلا معروفا شريفا حسيبا صليبا يعرف بالبأس والنجدة والتجربة للحرب، ثم أنهض إليهم أهل المصرين فليتبعوهم أىّ وجه ما توجّهوا، حتى يبيدهم الله ويستأصلهم، والسلام عليك».
فدعا بشر المهلب فأقرأه الكتاب وأمره أن ينتخب من شاء، وشقّ على بشر أن إمرة المهلب جاءت من قبل عبد الملك، فلا يستطيع أن يبعث غيره، فأوغرت صدره عليه حتى كأنه كان له إليه ذنب، ودعا بشر عبد الرحمن بن مخنف، فبعثه على أهل الكوفة، وأمره أن ينتخب فرسان الناس ووجوههم، وأولى الفضل منهم والنجدة.
(تاريخ الطبرى ٧: ٢٠٧)
стр. 696
١٤٨ - كتاب خالد بن عبد الله بن أسيد إلى المرفضّين من الجند
وخرج المهلب بأهل البصرة حتى نزل رامهرمز فلقى بها الخوارج، وأقبل عبد الرحمن بن مخنف بأهل الكوفة، فلم يلبث الناس إلا عشرا. (١) حتى أتاهم نعى بشر ابن مروان، وتوفّى بالبصرة، وكان قد استخلف خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فارفضّ (٢) ناس كثير من أهل البصرة وأهل الكوفة، فبلغ ذلك خالدا، فكتب إلى الناس كتابا، وبعث رسولا يضرب وجوه الناس ويردّهم، فقدم بكتابه مولى له، فقرأه على الناس وقد جمعوا له، وفيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن عبد الله إلى من بلغه كتابى هذا من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله كتب على عباده الجهاد، وفرض طاعة ولاة الأمر، فمن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، ومن ترك الجهاد فى الله كان الله عنه أغنى، ومن عصى ولاة الأمر والقوّام بالحق أسخط الله عليه، وكان قد استحق العقوبة فى بشره (٣)، وعرّض نفسه لاستفاءة (٤) ماله، وإلقاء عطائه، والتسيير إلى أبعد الأرض وشر البلدان.
أيها المسلمون: اعلموا على من اجترأتم، ومن عصيتم؟ إنه عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الذى ليست فيه غميزة (٥)، ولا لأهل المعصية عنده رخصة (٦)، سوطه على
стр. 697
من عصى، وعلى من خالف سيفه، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، فإنى لم آلكم نصيحة (١).
عباد الله: ارجعوا إلى مكتّبكم (٢)، وطاعة خليفتكم، ولا ترجعوا عاصين مخالفين فيأتيكم ما تكرهون، أقسم بالله لا أثقف (٣) عاصيا بعد كتابى هذا إلا قتلته، إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله».
فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناس إلى ما فى كتابه. (تاريخ الطبرى ٧: ٢٠٨)
١٤٩ - كتاب المرفضين إلى عمرو بن حريث
وأقبل فريق منهم حتى نزلوا قرية لآل الأشعث إلى جانب الكوفة، وكتبوا إلى عمرو بن حريث:
«أما بعد: فإن الناس لمّا بلغهم وفاة الأمير- رحمة الله عليه- تفرقوا، فلم يبق معنا أحد، فأقبلنا إلى الأمير وإلى مصرنا، وأحببنا ألا ندخل الكوفة إلا بإذن الأمير وعلمه». (تاريخ الطبرى ٧: ٢٠٨)
١٥٠ - رد عمرو بن حريث عليهم
فكتب إليهم:
«أما بعد: فإنكم تركتم مكتّبكم وأقبلتم عاصين مخالفين، فليس لكم عندنا إذن ولا أمان».
فانتظروا حتى إذا كان الليل دخلوها بغير إذن، فلم يزل المهلب فى عدد قليل حتى ولى الحجاج بن يوسف العراق (سنة ٧٥ هـ). (تاريخ الطبرى ٧: ٢٠٨)
стр. 698
١٥١ - كتاب عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز
وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة أن بشر بن مروان ولى البصرة أوّلا، ثم ضمت إليه الكوفة، قال:
لما أراد عبد الملك بن مروان أن يولّى أخاه بشر بن مروان على العراق، كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر، وبشر معه يقود الجنود، وكان يومئذ حديث السّن:
«إنى قد ولّيت أخاك بشرا البصرة فأشخص معه موسى بن نصير وزيرا ومشيرا، وقد بعثت إليك بديوان العراق فادفعه إلى موسى وأعلمه أنه المأخوذ بكل خلل وتقصير».
فشخص بشر من مصر إلى العراق، ومعه موسى بن نصير حتى نزل البصرة، فلما نزلها دفع إلى موسى بن نصير خاتمه، وتخلّى عن جميع العمل، حتى أتته ولاية الكوفة، وقد ضمّت إليه مع البصرة. (الإمامة والسياسة ٢: ٤٢)
١٥٢ - كتاب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك بن مروان
وكان عبد الملك قد وجّه الحجاج إلى الحجاز لقتال عبد الله بن الزبير فحاصره بمكة، وما زال ابن الزبير يقاتل حتى قتل سنة ٧٣ هـ، وبعث عبد الملك إلى الحجاج عهده بولاية الحجاز، واليمن، واليمامة، وكتب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك ببيعته لما قتل ابن الزبير، وكان كتابه إليه يقول:
«لعبد الملك بن مروان من عبد الله بن عمر، سلام عليك، فإنى أقررت لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ، وبيعة نافع مولاى على مثل ما بايعتك عليه». (العقد الفريد ٢: ٢٦٦)
***
стр. 699
وروى صاحب صبح الأعشى هذا الكتاب قال:
كتب عبد الله بن عمر رضى الله عنهما إلى عبد الملك بن مروان فى خلافته:
«أما بعد: لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأمرى السمع والطاعة على كتاب الله، وسنة نبيه فيما استطعت». (صبح الأعشى ٦: ٤٨٠)
١٥٣ - كتاب محمد بن الحنفية إلى عبد الملك بن مروان
وكتب محمد بن الحنفية ببيعته لما قتل ابن الزبير، وكان فى كتابه:
«إنى اعتزلت الأمة، عند اختلافها، فقعدت فى البلد الحرام الذى من دخله كان آمنا، لأحرز دينى، وأمنع دمى، وتركت الناس، «قل كلّ يعمل على شاكلته (١) فربّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا» وقد رأيت الناس قد اجتمعوا عليك، ونحن عصابة من أمّتنا لا نفارق الجماعة، وقد بعثت إليك منا رسولا ليأخذ لنا منك ميثاقا، ونحن أحق بذلك منك، فإن أبيت فأرض الله واسعة، والعاقبة للمتقين». (العقد الفريد ٢: ٢٦٢)
١٥٤ - رد عبد الملك على ابن الحنفية
فكتب إليه عبد الملك:
«قد بلغنى كتابك بما سألته من الميثاق لك وللعصابة التى معك، فلك عهد الله وميثاقه أن لا تهاج فى سلطاننا: غائبا ولا شاهدا، ولا أحد من أصحابك، ما وفوا ببيعتهم، فإن أحببت المقام بالحجاز فأقم، فلن ندع صلتك وبرّك، وإن أحببت المقام عندنا فاشخص إلينا فلن ندع مواساتك، ولعمرى لئن ألجأناك إلى الذهاب
стр. 700
فى الأرض خائفا لقد ظلمناك وقطعنا رحمك، فاخرج إلى الحجاج فبايع، فإنك أنت المحمود عندنا دينأ ورأيا، وخير من ابن الزبير، وأرضى وأتقى».
(العقد الفريد ٢: ٢٦٢)
١٥٥ - كتاب عبد الملك إلى الحجاج
وكتب إلى الحجاج بن يوسف:
«لا تعرض لمحمد ولا لأحد من أصحابه» وكان فى كتابه:
«جنّبنى دماء بنى عبد المطلب، فليس فيها شفاء من الحرب (١)، وإنى رأيت بنى حرب (٢) سلبوا ملكهم لمّا قتلوا الحسين بن على».
فلم يتعرض الحجاج لأحد من الطالبيين فى أيامه (٣).
(العقد الفريد ٢: ٢٦٣، ٢٥٥)
١٥٦ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
وكتب الحجاج إلى عبد الملك يقول:
«إنى حزت الحجاز بشمالى، وبقيت يمينى فارغة (٤) - يعرّض بالعراق-» فبعث إليه بعهده على العراق، فوليه بعد بشر بن مروان. (سرح العيون ص ١١٤)
١٥٧ - كتاب خالد بن أبان إلى موسى بن نصير
وكان عبد الملك قد أراد موسى بن نصير لأمر عتب عليه منه، فكتب خالد بن أبان من الشأم إلى موسى بن نصير:
стр. 701
«إنك معزول، وقد وجّه إليك الحجاج بن يوسف، وقد أمر فيك بأغلظ أمر، فالنجاة النجاة، والوحى الوحى (١)، فإما أن تلحق بالفرس فتأمن، وإما أن تلحق بعبد العزيز بن مروان مستجيرا به، ولا تمكّن ملعون ثقيف من نفسك فيحكم فيك».
فلما أتاه الكتاب ركب النجائب ولحق بالشأم وبها يومئذ عبد العزيز بن مروان قد وفد بأموال مصر». (الإمامة والسياسة ٢: ٤٣)
١٥٨ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
وكتب الحجاج من العراق:
«يا أمير المؤمنين، إنه لا قدر لما اقتطعه موسى بن نصير من أموال العراق، وليس بالعراق فابعث به إلىّ».
وكانت لموسى يد عظيمة عند عبد العزيز بن مروان فأدخله عبد العزيز على عبد الملك، فقرّره عبد الملك بأنه اقتطع الفىء، وتنصّل موسى من تلك التّهمة، فأقسم عبد الملك ليغر منّه، فأعانه عبد العزيز بخمسين ألفا، وأدّى خمسين ألفا فى ثلاثة أشهر نجّمها (٢) عليه».
(الإمامة والسياسة ٢: ٤٣)
١٥٩ - كتاب موسى بن نصير إلى عبد العزيز بن مروان
ورجع عبد العزيز بن مروان إلى مصر وسار موسى معه فكان من أشرف الناس عنده، فأقام بها ما أقام حتى قدم حسّان بن النّعمان من إفريقية يريد الشام إلى عبد الملك وقد فتح له بها فتحا، فأجازه عبد الملك وزاده «برقة» وردّه إلى إفريقية واليا،
стр. 702
فأقبل حتى نزل مصر، وبلغ عبد العزيز أن عبد الملك ولّاه برقة، فبعث إليه وأراده على أن ينزل عنها فأبى فقال له: اقعد فى بيتك وسيولّى هذا الأمر من هو خير منك، وأولى به منك فى تجربته ومعرفته وسياسته، ويغنى الله أمير المؤمنين عنك، وأخذ عهده ومزّقه، ودعا بموسى بن نصير فعقد له على إفريقية سنة ٧٩ هـ فقدمها واليا عليها.
وكان بزغوان (١) قوم من البربر عليهم عظيم من عظمائهم، فكانوا يغيرون على سرح (٢) المسلمين ويرصدون غرّتهم- والذى بين زاغون وبين القيروان يوم إلى الليل- فوجّه إليهم موسى خمسمائة فارس فقاتلوهم وهزمهم الله وقتل صاحبهم، وفتحها الله على موسى، فبلغ سبيهم يومئذ عشرة آلاف رأس- وكان أول سبى دخل القيروان فى ولاية موسى- ثم وجه ابنه عبد الرحمن إلى بعض نواحيها فأتاه بمائة ألف رأس، ثم وجه ابنه مروان فأتاه بمثلها، فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس.
وكتب موسى بن نصير إلى عبد العزيز بن مروان بمصر «يخبره بالذى فتح الله عليه، وأمكن له؛ ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا» وكان ذلك وهما من الكاتب.
١٦٠ - رد عبد العزيز على موسى
فلما قرأ عبد العزيز الكتاب دعا الكاتب فقال له: ويحك، اقرأ هذا الكتاب! فلما قرأه قال: هذا وهم من الكاتب فراجعه، فكتب إليه عبد العزيز:
«إنه بلغنى كتابك تذكر فيه أنه قد بلغ خمس ما أفاء الله عليك ثلاثين ألف رأس، فاستكثرت ذلك، وظننت أن ذلك وهم من الكاتب، فاكتب إلىّ بعد ذلك على حقيقة واحذر الوهم».
стр. 703
١٦١ - رد موسى على عبد العزيز
فلما قدم الكتاب على موسى كتب إليه:
«بلغنى أن الأمير- أبقاه الله- يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدّة التى أفاء الله علىّ، وأنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب، فقد كان ذلك وهما على ما ظنّه الأمير، والخمس أيها الأمير ستون ألفا، حقّا ثابتا بلا وهم».
فلما أتى الكتاب إلى عبد العزيز وقرأه، ملأه سرورا.
(الإمامة والسياسة ٢: ٤٦)
١٦٢ - كتاب عبد الملك إلى عبد العزيز
وذكروا أن عبد العزيز بن مروان لما عزل حسّان بن النعمان، وولى موسى ابن نصير، وفتح الله لموسى، بلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فكره ذلك وأنكره، ثم كره ردّ رأى عبد العزيز، ثم همّ بعزل موسى لسوء رأيه فيه، ثم رأى أن لا يردّ ما صنع عبد العزيز، فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز:
«أما بعد: فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك فى عزل حسان وتوليتك موسى مكانه، وعلم الأمر الذى له عزلته، وقد كنت أنتظر منك مثلها فى موسى، وقد أمضى لك أمير المؤمنين من رأيك ما أمضيت وولايتك من ولّيت، فاستوص بحسّان خيرا فإنه ميمون الطائر، والسلام». (الإمامة والسياسة ٢: ٤٦)
١٦٣ - رد عبد العزيز على عبد الملك
فلما قدم الكتاب على عبد العزيز كتب إلى أخيه عبد الملك:
«أما بعد: فقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين فى عزل حسان، وتوليتى موسى ابن نصير، وقد كان لمثلها منى منتظرا فى موسى، ويعلمنى أنه قد أمضى لى من رأيى
стр. 704
ما أمضيت: وولايتى من ولّيت، وقد علمت أن أمير المؤمنين يتفاءل بحسان للّذى فتح الله على يديه، ولم أعد مع نظرى لأمير المؤمنين بأن عزلت حسان وولّيت موسى فى يمن طائره وحسن أثره، فأمّا قول أمير المؤمنين «قد كنت أنتظرها منك فى موسى» فلعمرى لقد كنت لها فيه مرصدا، ولأمير المؤمنين أن يسبق بها إليه منتظرا، حتى حضر أمر جهدت فيه نفسى لأمير المؤمنين ولنفسى الرأى والنصيحة، والسلام». (الإمامة والسياسة ٢: ٤٦)
١٦٤ - كتاب عبد العزيز إلى عبد الملك
وكتب عبد العزيز إلى عبد الملك:
«أما بعد: فإنى كنت وأنت يا أمير المؤمنين فى موسى وحسان، كالمتراهنين أرسلا فرسيهما إلى غايتهما، فأتيا معا، وقد مدّت الغاية لأحدهما، ولك عنده مزيد إن شاء الله، وقد جاءنى يا أمير المؤمنين كتاب من موسى، وقد وجّهته إليك لتقرأه، وتحمد الله عليه، والسلام». (الإمامة والسياسة ٢: ٤٧)
١٦٥ - رد عبد الملك على عبد العزيز
فكتب إليه عبد الملك:
«أما بعد: فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم المثل الذى مثّلته فى حسّان وموسى، ويقول لك: عند أحدهما مزيد، وكلّ قد عرف الله على يده خيرا ونصرا، وقد أجريت وحدك، وكلّ مجر بالخلاء مسرور (١)، والسلام».
(الإمامة والسياسة ٢: ٤٧)
стр. 705
١٦٦ - كتاب الحجاج إلى المهلب
ولما ولى الحجاج العراق، قدم الكوفة فخطب أهلها خطبته المشهورة، واستنفرهم لقتال الخوارج مع المهلّب، وتوعّد من تخلّف، ثم خرج إلى البصرة، فقام فيها بخطبة مثل التى قام بها فى أهل الكوفة، وتوعدهم مثل وعيده إياهم، فتدفّق الناس على المهلب فقال:
جاء الناس رجل ذكر (١)، وكتب الحجاج إلى المهلب، وإلى عبد الرحمن بن مخنف «أما بعد: إذا أتاكم كتابى هذا فناهضوا الخوارج، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٧: ٢١٥)
١٦٧ - كتاب الحجاج إلى المهلب
وكتب الحجاج إلى المهلب:
«أما بعد: فإن بشرا- ﵀ استكره (٢) نفسه عليك، وأراك غناه عنك، وأنا أريك حاجتى إليك، فأرنى الجدّ فى قتال عدوك، ومن خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله، فإنى قاتل من قبلى، ومن كان عندى من ولىّ من هرب عنك فأعلمنى مكانه، فإنى أرى أن آخذ الولىّ بالولىّ (٣)، والسّمىّ بالسّمىّ»
١٦٨ - رد المهلب على الحجاج
فكتب إليه المهلب:
«ليس قبلى إلا مطيع، وإن الناس إذا خافوا العقوبة كبّروا الذنب، وإذا أمنوا العقوبة صغّروا الذنب، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك، فهب لى هؤلاء الذين سميّتهم عصاة، فإنما هم فرسان أبطال، أرجو أن يقتل الله بهم العدوّ، ونادم (٤) على ذنبه».