وبعث الحجاج إلى المدائن مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وقدم عثمان بن قطن على ابن الأشعث ومن معه، فخرج بهم للقاء شبيب، فقتله شبيب وهزم جنده.
(تاريخ الطبرى ٧ - ٢٣٩، وشرح ابن أبى الحديد م ١ - ص ٤١٧)
٢٠٨ - كتاب مطرف بن المغيرة بن شعبة إلى الحجاج
وأقبل شبيب نحو المدائن، فكتب مطرّف إلى الحجاج:
«أما بعد فإنى أخبر الأمير- أكرمه الله- أن شبيبا قد أقبل نحونا، فإن رأى الأمير أن يمدّنى برجال أضبط بهم المدائن فعل، فإن المدائن باب الكوفة وحصنها».
وفى رواية أخرى للطبرى أيضا أنه كتب إليه: «إن شبيبا قد أطل علىّ، فابعث إلى المدائن بعثا» فأمده الحجاج بما طلب. (تاريخ الطبرى ٧: ٢٤٩ - ٢٥٩)
٢٠٩ - كتاب ماذر واسب إلى الحجاج
وجاء شبيب حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان، فكتب ماذر واسب عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج:
«أما بعد، فإنى أخبر الأمير- أصلحه الله- أن شبيبا قد أقبل حتى نزل قناطر حذيفة، ولا أدرى أين يريد».
فقام الحجاج فى الناس فقال: «أيها الناس، والله لتقاتلنّ عن بلادكم وعن فيئكم، أو لأبعثنّ إلى قوم هم أطوع وأسمع وأصبر على اللّأواء (١) والغيظ منكم، فيقاتلون عدوّكم ويأكلون فيئكم».
فقاموا إليه من كل جانب فقالوا: نحن نقاتلهم، ونعتب (٢) الأمير، فليندبنا إليهم فإنا حيث سرّه. (تاريخ الطبرى ٧: ٢٤٣)
стр. 737
٢١٠ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان
وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان:
«أما بعد فإنى أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أن شبيبا قد شارف المدائن، وإنما يريد الكوفة، وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله فى مواطن كثيرة، فى كلّها يقتل أمراءهم ويفلّ جنودهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلىّ أهل الشأم، فيقاتلوا عدوّهم، ويأكلوا بلادهم فليفعل، والسلام».
فبعث إليه عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبى فى أربعة آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمى فى ألفين.
(تاريخ الطبرى ٧: ١٤٣، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ص، ٤١٩)
٢١١ - كتاب الحجاج إلى جند الشام
وخاف الحجاج غارة شبيب على من أقبل إليه من أهل الشام، فبعث إليهم رسولا بكتاب فيه:
«أما بعد، فإذا حاذيتم هيت (١) فدعوا طريق الفرات والأنبار، وخذوا على عين التمر (٢) حتى تقدموا الكوفة إن شاء الله، وخذوا حذركم، وعجّلوا السير، والسلام».
وجهز الحجاج جيشا عظيما من أهل الكوفة، واستقدم عتّاب بن ورقاء الرّياحى- وكان مع المهلّب بن أبى صفرة على قتال الأزارقة- فبعثه على ذلك الجيش، فسار عتاب لقتال شبيب، وحمل عليه شبيب فتفرّق عنه كثير من أصحابه وخذلوه، وثبت فى عصابة قليلة صبرت معه وقاتل حتى قتل.
ثم قدم جيش الشام فشدّوا للحجاج ظهره، فاستغنى بهم عن أهل الكوفة.
стр. 738
وجدّ شبيب حتى دخل الكوفة دخلته الثانية، ومعه زوجته غزالة (١) - وقد كانت نذرت أن تصلى فى مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران ففعلت- وتحصن الحجاج فى دار الإمارة، ثم هبّ لمدافعة شبيب، وخرج إليه بنفسه، فانهزم شبيب وقتلت زوجته وانصرف عن الكوفة.
(تاريخ الطبرى ٧: ٢٤٤، وشرح ابن أبى الحديد م ١: ٤١٩)
٢١٢ - كتاب الحجاج إلى الحكم بن أيوب
وأتبعه الحجاج جيشا يقوده سفيان بن الأبرد، وكتب إلى الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبى عقيل- وهو زوج ابنة الحجاج، وعامله على البصرة-:
«أما بعد فابعث رجلا شجاعا شريفا من أهل البصرة فى أربعة آلاف إلى شبيب، ومره فليلحق بسفيان بن الأبرد، وليسمع له وليطع».
فبعث إليه زياد بن عمرو العتكىّ فى أربعة آلاف، فلم ينته إلى سفيان حتى التقى سفيان وشبيب على جسر دجيل (٢)، وحمى بينهما وطيس (٣) القتال حتى جنّ الليل، فقال شبيب لأصحابه: اعبروا معاشر المسلمين، فإذا أصبحنا باكرناهم، فعبروا أمامه، وزلّ حافر فرسه عن حرف السفينة فسقط فى الماء، فقال: ليقضى الله أمرا كان مفعولا، فارتمس (٤) فى الماء، ثم ارتفع فقال: ذلك تقدير العزيز العليم، وكان هلاكه سنة ٧٧ هـ. (تاريخ الطبرى ٧: ٢٥٦)
стр. 739
٢١٣ - كتاب عمران بن حطان إلى الحجاج
وروى صاحب الأغانى قال:
«لما دخلت غزالة الحروريّة (١) على الحجاج هى وشبيب الكوفة، تحصّن منها وأغلق عليه قصره، فكتب إليه عمران بن حطّان (٢) - وقد كان الحجاج لج فى طلبه- قال:
أسد علىّ وفى الحروب نعامة ... ربداء تجفل من صفير الصّافر (٣)
هلّا برزت إلى غزالة فى الوغى ... بل كان قلبك فى جناحى طائر
صدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت كتائبه كأمس الدّابر (٤)
ثم لحق بالشام فنزل على روح بن زنباع». (الأغانى ج ١٦: ص ١٥٠)
стр. 740
فتنة مطرف بن المغيرة بن شعبة
٢١٤ - كتاب مطرف إلى أخيه حمزة
وفى سنة ٧٧ هـ خرج مطرّف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك ابن مروان، ومضى فيمن بايعه من أصحابه حتى دنوا من همذان، وكان أخوه حمزة بن المغيرة على همذان- فكره أن يدخلها فيتّهم أخوه عند الحجاج، فتركها وأخذ ذات اليسار إلى ماه دينار، وكتب إلى أخيه حمزة:
«أما بعد، فإن النفقة قد كثرت، والمؤنة قد اشتدّت، فأمدد أخاك بما قدرت عليه من مال وسلاح» فسرّح إليه بمال وسلاح». (تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٣)
٢١٥ - كتاب مطرف إلى سويد بن سرحان الثقفى وبكير بن هرون البجلى
وكتب مطرف بن المغيرة إلى سويد بن سرحان الثقفى، وإلى بكير بن هرون البجلىّ بالرىّ:
«أما بعد فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، وإلى جهاد من عند (١) عن الحق، واستأثر بالفىء، وترك حكم الكتاب، فإذا ظهر الحقّ ودمغ (٢) الباطل، وكانت كلمة الله هى العليا، جعلنا هذا الأمر شورى بين الأمة يرتضى المسلمون لأنفسهم
стр. 741
الرّضا، فمن قبل هذا منا كان أخانا فى ديننا، ووليّنا (١) فى محيانا ومماتنا، ومن ردّ علينا جاهدناه واستنصرنا الله عليه، فكفى بنا عليه حجّة، وكفّى بتركه الجهاد فى سبيل الله غبنا، وبمداهنة الظالمين فى أمر الله وهنا (٢)، إن الله كتب القتال على المسلمين وسمّاه كرها (٣)، ولن ينال رضوان الله إلا بالصبر على أمر الله، وجهاد أعداء الله فأجيبوا- رحمكم الله- إلى الحقّ، وادعوا إليه من ترجون إجابته، وعرّفوه مالا يعرفه، وليقبل إلىّ كلّ من رأى رأينا، وأجاب دعوتنا، ورأى عدوّه عدوّنا، أرشدنا الله وإياكم، وتاب علينا وعليكم، إنه هو التواب الرحيم، والسلام».
فلما قدم الكتاب على ذينك الرجلين دبّا فى رجال من أهل الرىّ، ودعوا من تابعهما، ثم خرجوا سرا لا يفطن بهم حتى وافوا مطرّفا. (تاريخ الطبرى ٧: ٢٤٦)
٢١٦ - كتاب البراء بن قبيصة إلى الحجاج
وكتب البراء بن قبيصة، وهو عامل الحجاج على أصبهان إليه:
«أما بعد، فإن كان للأمير- أصلحه الله- حاجة فى أصبهان، وغير أصبهان، فليبعث إلى مطّرف جيشا كثيفا يستأصله ومن معه، فإنه لا تزال عصابة قد انتفجت (٤) له من بلدة من البلدان، حتى توافيه بمكانه الذى هو به، فإنه قد استكثف وكثر تبعه، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٤)
٢١٧ - رد الحجاج على البراء
فكتب إليه الحجاج:
«أما بعد، إذا أتاك رسولى فعسكر بمن معك، فإذا مرّ بك عدىّ بن وتّاد فاخرج معه فى أصحابك واسمع له وأطع والسلام». (تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٤)
стр. 742
٢١٨ - كتاب الحجاج إلى قيس بن سعد العجلى
وبلغ الحجاج ما أتاه حمزة بن المغيرة من إمداده أخاه بالمال والسلاح، وكان قيس بن سعد العجلى يومئذ على شرطة حمزة، ولبنى عجل وربيعة عدد بهمذان، فبعث الحجاج إلى قيس بعهده على همذان، وكتب إليه أن:
«أوثق حمزة بن المغيرة فى الحديد، واحبسه قبلك حتى يأتيك أمرى» فأقرأه قيس كتاب الحجاج إليه وأراه عهده، فقال حمزة: سمعا وطاعة، فأوثقه وحبسه فى السجن، وتولى أمر همذان وبعث عماله عليها. (تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٥)
٢١٩ - كتاب قيس بن سعد إلى الحجاج
وكتب إلى الحجاج:
«أما بعد، فإنى أخبر الأمير- أصلحه الله- أنى قد شددت حمزة بن المغيرة فى الحديد، وحبسته فى السجن، وبعثت عمّالى على الخراج، ووضعت يدى فى الجباية فإن رأى الأمير- أبقاه الله- أن يأذن لى فى المسير إلى مطرّف أذن لى، حتى أجاهده فى قومى ومن أطاعنى من أهل بلادى، فإنى أرجو أن يكون الجهاد أعظم أجرا من جباية الخراج، والسلام»: (تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٥)
٢٢٠ - كتاب الحجاج إلى عدى بن وتاد
وكتب الحجاج إلى عدىّ بن وتّاد الإيادى وهو على الرّىّ:
«أما بعد، فإذا قرأت كتابى هذا، فانهض بثلاثة أرباع من معك من أهل الرّىّ ثم أقبل حتى تمرّ بالبراء بن قبيصة بجىّ، ثم سيرا جميعا، فإذا التقيتما فأنت أمير الناس حتى يقتل الله مطرفا، فإذا كفى الله المؤمنين مؤنته، فانصرف إلى عملك فى كنف (١) من الله وكلاءته (٢) وستره».
стр. 743
وفعل عدى ما أمر به وسارا حتى انتهى إلى جىّ، ووافاه بها قبيصة وسارا إلى مطرف، ثم نشب القتال بين الفريقين، ودارت الدائرة على جيش مطرف فما زال يقاتل حتى قتل.
(تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٧)
٢٢١ - كتاب الحجاج إلى عدى بن وتاد
وكان على ميمنة جيش مطرّف الحجاج بن جارية، فكتب الحجاج بن يوسف إلى عدىّ بن وتاد:
«أما بعد، فإن كان الله قتل الحجاج بن جارية فبعدا له، فذاك ما أهوى وأحبّ، وإن كان حيّا فاطلبه قبلك حتى توثقه، ثم سرّح به إلىّ إن شاء الله، والسلام».
فلم يزل الحجاج بن جارية خائفا حتى عزل عدى بن وتاد، وقدم خالد بن عتّاب ابن ورقاء، فكلّم فيه فآمنه. (تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٨)
٢٢٢ - كتاب الحجاج إلى خالد بن عتاب
وروى أبو الفرج الأصبهانى فى الأغانى قال:
وكان الحجاج قد استعمل على الرّىّ خالد بن عتّاب الرّياحى، وكانت أمه أمّ ولد، فكتب إليه الحجاج يلخّن (١) أمه، ويقول: «يا بن اللّخناء، أنت الذى هربت عن أبيك (٢) حتى قتل». (تاريخ الطبرى ٧: ٢٦٧)
٢٢٣ - رد خالد على الحجاج
وقد كان حلف أن لا يسبّ أحد أمه إلا أجابه كائنا من كان، فكتب إليه خالد:
«كتبت إلىّ تلخّننى، وتزعم أنى فررت عن أبى حتى قتل، ولعمرى لقد فررت عنه، ولكن بعد أن قتل، وحين لم أجد مقاتلا، ولكن أخبرنى عنك يا بن اللخناء
стр. 744
المستفرمة (١) بعجم زبيب الطائف، حين فررت أنت وأبوك يوم «الحرّة» (٢) على على جمل ثقال (٣)، أيّكما كان أمام صاحبه؟ ».
فقرأ الحجاج الكتاب، وقال: صدق:
أنا الذى فررت يوم الحرّة ... ثم ثنّيت كرّة بفرّه
* والشيخ لا يفرّ إلا مرّه (٤) *
ثم طلبه، وهرب خالد إلى الشام وسلّم بيت المال، ولم يأخذ منه شيئا، وكتب الحجاج إلى عبد الملك بما كان منه، واستجار خالد بزفر بن الحرث الكلابى فأجاره، فراجعه عبد الملك فى أمره، ثم أجاره.
(الأغانى ١٦: ٤١)
стр. 745
فتنة ابن الأشعث
٢٢٤ - كتاب الحجاج إلى عبيد الله بن أبى بكرة
قدّمنا أن الحجاج ولّى عبيد الله بن أبى بكرة سجستان سنة ٧٨ هـ، وكان رتبيل ملك الترك مصالحا للعرب يدفع لهم خراجا، وربما امتنع فلم يفعل، فبعث الحجاج إلى عبيد الله ابن أبى بكرة أن:
«ناجزه بمن معك من المسلمين، فلا ترجع حتى تستبيح أرضه، وتهدم قلاعه، وتقتل مقاتلته، وتسبى ذرّيته».
فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة، وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ الحارثى، وعلى أهل البصرة عبيد الله، وهو أمير الجماعة، فمضى حتى وغل فى بلاد رتبيل، فأضاب من البقر والغنم والأموال ما شاء، وهدم قلاعا وحصونا، وغلب على أرض من أرضهم كثيرة، والترك يخلّون لهم عن أرض بعد أرض حتى أمعنوا فى بلادهم، فأخذوا عليهم العقاب والشّعاب (١)، فسقط فى أيدى المسلمين (٢)، وظنوا أن قد هلكوا.
(تاريخ الطبرى ٧: ٢٨٢)
٢٢٥ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
فبعث ابن أبى بكرة إلى شريح بن هانئ: إنى مصالح القوم على أن أعطيهم مالا ويخلّوا بينى وبين الخروج، فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمائة ألف درهم، فقال له:
إنك لا تصالح على شىء إلا حسبه السلطان عليكم فى أعطياتكم، فقال: لو منعا العطاء
стр. 746
ما حيينا، كان أهون علينا من هلاكنا، فخالفه شريح، ونادى: يا أهل الإسلام من أراد منكم الشهادة فإنىّ، فاتبعه فرسان الناس، وأهل الحفاظ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، وقاتل حتى قتل فى ناس من أصحابه، ونجا من نجا، فخرجوا من بلاد رتبيل، وبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك:
«أما بعد، فإن جند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصيبوا فلم ينج منهم إلا القليل وقد اجترأ العدوّ بالذى أصابه على أهل الإسلام، فدخلوا بلادهم، وغلبوا على كل حصونهم وقصورهم، وقد أردت أن أوجّه إليهم جندا كثيفا من أهل المصرين، فأحببت أن أستطلع رأى أمير المؤمنين فى ذلك، فإن رأى لى بعثة ذلك الجند أمضيته، وإن لم ير ذلك فإن أمير المؤمنين أولى بجنده مع أنى أتخوّف إن لم يأت رتبيل ومن معه من المشركين جند كثيف عاجلا، أن يستولوا على ذلك الفرج (١) كلّه». (تاريخ الطبرى ٧: ٢٨٢)
٢٢٦ - رد عبد الملك على الحجاج
فكتب إليه عبد الملك:
«أما بعد، فقد أتانى كتابك تذكر فيه مصاب المسلمين بسجستان، وأولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وعلى الله ثوابهم، وأما ما أردت أن يأتيك فيه رأيى من توجيه الجنود وإمضائها إلى ذلك الفرج الذى أصيب فيه المسلمون أو كفّها، فإن رأيى فى ذلك أن تمضى رأيك راشدا موفّقا».
فجهّز الحجاج عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، ومثلهم من أهل البصرة، وجدّ فى ذلك وشمر، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فخرج بهم حتى قدم سجستان سنة ٨٠ هـ. فجمع أهلها وخطبهم، فقال: إن الأمير الحجاج ولّانى ثغركم،
стр. 747
وأمرنى بجهاد عدوكم الذى استباح بلادكم، وأباد خياركم، فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحلّ بنفسه العقوبة، اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس».
فعسكر الناس كلهم فى معسكرهم.
فبلغ ذلك رتبيل، فكتب إلى عبد الرحمن: يعتذر إليه من مصاب المسلمين، ويخبره أنه كان لذلك كارها، وأنهم ألجئوه إلى قتالهم، ويسأله الصلح، ويعرض عليه أن يقبل منه الخراج، فلم يجبه، ولم يقبل منه.
ولم ينشب عبد الرحمن أن سار فى الجنود إليه حتى دخل أول بلاده، وأخذ رتبيل يضم إليه جنده، ويدع له الأرض رستاقا رستاقا (١)، وحصا حصنا، وطفق ابن الأشعث كلما حوى بلدا بعث إليه عاملا، وبعث معه أعوانا، ووضع البرد (٢) فيما بين كل بلد وبلد، وجعل الأرصاد على العقاب والشّعاب، ووضع المسالح (٣) بكل مكان مخوف، حتى إذا حاز من أرضه أرضا عظيمة، وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة، حبس الناس عن الوغول فى أرض رتبيل، وقال: نكتفى بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها، ويجترئ المسلمون على طرقها، ثم نتعاطى فى العام المقبل ما وراءها، ثم لم نزل ننتقصهم فى كل عام طائفة من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريّهم، وفى أقصى بلادهم وممتنع حصونهم، ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله، ثم كتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه من بلاد العدو، وبما صنع الله للمسلمين، وبهذا الرأى الذى رآه لهم.
(تاريخ الطبرى ٨: ٣)
стр. 748
٢٢٧ - كتاب الحجاج إلى ابن الأشعث
فكتب إليه الحجاج جواب كتابه:
«أما بعد، فإن كتابك أتانى، وفهمت ما ذكرت فيه، وكتابك كتاب امرئ يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، قد صانع عدوا قليلا ذليلا، قد أصابوا من المسلمين جندا كان بلاؤهم حسنا، وغناؤهم (١) فى الإسلام عظيما.
لعمرك يا بن أمّ عبد الرحمن، إنك حيث تكفّ عن ذلك العدوّ بجندى وحدّى، لسخىّ النفس عمن أصيب من المسلمين! ! إنى لم أعدد رأيك الذى زعمت أنك رأيته رأى مكيدة، ولكنى رأيت أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك والتياث (٢) رأيك، فامض لما أمرتك به من الوغول فى أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريّهم». (تاريخ الطبرى ٨: ٨)
٢٢٨ - كتاب آخر من الحجاج إلى ابن الأشعث
ثم أردفه كتابا فيه:
«أما بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم». (تاريخ الطبرى ٨: ٨)
٢٢٩ - كتاب ثالث من الحجاج إليه
ثم أردفه كتابا آخر فيه:
«أما بعد، فامض لما أمرتك به من الوغول فى أرضهم، وإلّا فإن إسحق بن محمد أخاك أمير الناس فخلّه وما وليته».
стр. 749
فدعا عبد الرحمن الناس إليه، فقال لهم: قد كان من رأيى فيما بينكم وبين عدوّكم رأى استشرت فيه ذوى أحلامكم وأولى التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأيا، ورأوه لكم فى العاجل والآجل صلاحا، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج، فجاءنى منه كتاب يعجّزنى، ويضعّفنى، ويأمرنى بتعجيل الوغول بكم فى أرض العدو، وهى البلاد التى هلك إخوانكم فيها بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم». فثار إليه الناس، فقالوا: لا، بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له، ولا نطيع، وقام خطباؤهم فسفّهوا رأى الحجاج، ونادوا بخلعه، ومبايعة عبد الرحمن، فأجابهم الناس، ووثبوا إلى عبد الرحمن فبايعوه على النّصرة له، والجهاد معه حتى ينفى الحجاج من أرض العراق، وبعث عبد الرحمن إلى رتبيل فصالحه على أن ابن الأشعث إن ظهر فلا خراج عليه أبدا ما بقى، وإن هزم فأراده ألجأه عنده، وخرج من سجستان مقبلا إلى العراق، فلما دخل الناس فارس اجتمع بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فخلعوه إلا قليل منهم، ووثبوا إلى عبد الرحمن فبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه، وخلع أئمة الضلالة، وجهاد المحلّين. (تاريخ الطبرى ٨: ٨)
٢٣٠ - كتب بين ابن الأشعث والحجاج وصاحب اليمن وعبد الملك
قال الطبرى:
فلما بلغ الحجاج خلعه، كتب إلى عبد الملك يخبره خبر عبد الرحمن ويسأله أن يعجّل بعثة الجنود إليه، وبعث كتابه (أى كتاب عبد الرحمن) إلى عبد الملك يتمثّل فى آخره بهذه الأبيات- وهى للحارث بن وعلة (الجرمىّ) -:
стр. 750
سائل مجاور حرم هل جنيت لهم ... حربا نفرّق بين الجيرة الخلط (١)
وهل سموت بجرّار له لجب ... جمّ الصّواهل بين الجمّ والفرط (٢)
وهل تركت نساء الحىّ ضاحية ... فى ساحة الدار يستوقدن بالغبط (٣)
وقال أبو العباس المبرّد فى الكامل:
وكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك بن مروان فى وقت محاربته ابن الأشعث:
«إنى قد وجّهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتها بمال عظيم، ولم ير مثلها قطّ».
فلما دخل بها عليه رأى وجها جميلا، وخلقا نبيلا، فألقى إليها قضيبا كان فى يده فنكست لتأخذه، فرأى منها جسما بهره، فلما همّ بها أعلمه الآذن أن رسول الحجاج بالباب فأذن له، ونحّى الجارية، فأعطاه كتابا من عبد الرحمن فيه سطور أربعة بقول فيها:
سائل مجاور جرم هل جنيت لها ... حربا تزيّل بين الجيرة الخلط (٤)
وهل سموت بجرّار له لجب ... جمّ الصواهل بين الجمّ والفرط
وهل تركت نساء الحىّ ضاحية ... فى ساحة الدار يستوقدن بالغبط
وتحتها (بيت آخر على غير الروىّ من الأبيات الأول، وهو: )
قتل الملوك، وصار تحت لوائه ... شجر العرا وعراعر الأقوام (٥)
стр. 751
فكتب إليه عبد الملك كتابا، وجعل فى طيّه جوابا لابن الأشعث:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوى من سفاهته كسرى (١)
أظنّ خطوب الدهر بينى وبينهم ... ستحملهم منى على مركب وعر
وإنى وإياهم كمن نبّه القطا ... ولو لم تنبّه باتت الطّير لا تسرى
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا ... فما أنا بالوانى ولا الضّرع الغمر (٢)
ثم بات يقلّب كف الجارية، ويقول: ما أفدت فائدة أحبّ إلىّ منك، فتقول:
فما لك يا أمير المؤمنين، وما يمنعك؟ فقال: يمنعنى ما قاله الأخطل، لأنى إن خرجت منه كنت ألأم العرب:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
فما إليك سبيل، أو يحكم الله بينى وبين عدوّى عبد الرحمن بن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٠، والكامل للمبرد ١: ١٣٠)
٢٣١ - كتاب من ابن الأشعث إلى الحجاج (كتبه ابن القرّية)
وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة قال:
فلما أجمع عبد الرحمن على إظهار خلع الحجاج، كتب إلى أيوب ابن القرّيّة التميمى، وهو مع الحجاج فى عسكره خاصّ المنزلة منه، يسأله أن يصدر إليه رسالة إلى الحجاج، يخلع فيها طاعة الحجاج، فكتب له ابن القرّية رسالة فيها:
стр. 752
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل طاعة الله وأوليائه الذين يحكمون بعدله، ويوفون بعهده، ويجاهدون فى سبيله، ويتورّعون لذكره، ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطّلون للرّبّ أحكاما، ولا يدرسون (١) له أعلاما ولا يتنكّبون النّهج (٢)، ولا يبرمون السّيئ، ولا يسارعون فى الغىّ، ولا يدلّلون الفجرة، ولا يتراضون الجورة، بل يتمكّنون عند الاشتباه، ويتراجعون عند الإساءة.
أما بعد، فإنى أحمد الله حمدا بالغا فى رضاه، منتهيا إلى الحق فى الأمور الحقيقة لله علينا، وبعد فإن الله أنهضنى لمصاولتك، وبعثنى لمناضلتك، حين تحيّرت أمورك، وتهتّكت ستورك، فأصبحت عريان حيران مهينا لا توافق وفقا، ولا ترافق رفقا، ولا تلازم صدقا، أؤمّل من الله الذى ألهمنى ذلك أن يصيّرك فى حبالك، وأن يجىء بك فى القرن (٣)، ويسحبك للذّقن، وينصف منك من لم تنصفه من نفسك، ويكون هلاكك بيدى من اتهمته وعاديته، فلعمرى لقد طالما تطاولت وتمكّنت وأخطأت، وخلت أن لن تبور (٤)، وأنت فى فلك الملك تدور، وأظن مصداق ما أقول ستخبره عن قريب، فسر لأمرك، ولاق عصابة خلعتك من حبالها (٥) خلعها نعالها، وتدرّعت حلالها، تدرّعها مطالها (٦)، لا يحذرون منك جهدا، ولا يرهبون منك وعيدا، يتأملون خزايتك، ويتجرّعون إمارتك، عطاشا إلى دمك، يستطعمون الله لحمك (٧)
стр. 753
وايم الله ليناقفنّك (١) منهم الأبطال الذين بيتّهّم (٢) فيما يحاولونك به على طاعة الله، شروا (٣) أنفسهم تقرّبا إلى الله، فأغض (٤) عن ذلك يا بن أم الحجاج، فسنحمل عليك إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، والسلام على أهل طاعة الله».
(الإمامة والسياسة ٢: ٢٦)
٢٣٢ - رد الحجاج على ابن الأشعث
فلما قدم الكتاب على الحجاج قال: اكتب يا نافع، وكان نافع مولاه وكاتبا بين يديه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، سلام على أهل النزوع عن الزّيغ وأسباب الرّدى (٥)، لا إلى معادن السّيّئ، والتقحّم (٦) فى الغىّ، فإنى أحمد الله الذى خلّاك فى حيرتك، إذ بهتك (٧) فى السيرة، ووهّلك للضرورة، حتى أقحمك أمورا أخرجك بها عن طاعته، وجانبت ولايته، وعسكرت بها فى الكفر، وذهلت بها عن الشكر، فلا تشكر فى السّرّاء، ولا تصبر فى الضّرّاء أقبلت مستنّا (٨) بحريم الحرّة، تستوقد الفتنة لتصلى بحرّها، وجلبت لغيرك ضرها
стр. 754
وقلت: وثاق (١) الاحتجاج، ومبارزة الحجاج، ألا بل لأمّك الهبل (٢)، وعزة ربّك لتكبّنّ لنحرك، ولتقلبنّ لظهرك، ولتتخبّطنّ فريصتك (٣)، ولتدحضنّ حجّتك، وليذمّنّ مقامك، ولتشانّ (٤) سهامك، كأنى بك تصير إلى غير مقبول منك إلا السيف، هوجا هوجا عند كشف الحرب عن ساقها، ومبارزة أبطالها، والسلام على من أناب إلى الله، وسمع وأجاب». (الإمامة والسياسة ٢: ٢٨)
٢٣٣ - كتاب المهلب إلى عبد الرحمن بن الأشعث
وقد كان بلغ المهلّب (وكان على خراسان) شقاق عبد الرحمن، وهو بسجستان فكتب إليه:
«أما بعد، فإنك وضعت رجلك يا بن محمد فى غرز (٥) طويل الغىّ على أمة محمد ﷺ ، الله الله فانظر لنفسك لا تهلكها، ودماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا تفرّقها، والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت: أخاف الناس على نفسى، فالله أحقّ أن تخافه عليها من الناس، فلا تعرّضها لله فى سفك دم، ولا استحلال محرّم، والسلام عليك». (تاريخ الطبرى ٨: ١٠)
٢٣٤ - كتاب المهلب إلى الحجاج
قال الطبرى: وكتب المهلّب إلى الحجاج:
«أما بعد: فإنّ أهل العراق قد أقبلوا إليك، وهم مثل السّيل المنحدر من عل، ليس شىء يردّه حتى ينتهى إلى قراره، وإن لأهل العراق شرّة (٦) فى أوّل مخرجهم،
стр. 755
وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شىء يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم، ويشمّوا أولادهم، ثم واقفهم عندها، فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله».
فلما قرأ كتابه، قال: فعل الله به وفعل، لا والله، مالى نظر، ولكن لابن عمّه (١) نصح. (تاريخ الطبرى ٨: ١٠)
وروى ابن نباتة هذا الكتاب فى سرح العيون بصورة أطول، قال:
وحكى أن عبد الرحمن بن الأشعث لما خرج على الحجاج بالجيش الذى كان بعثه معه إلى قتال رتبيل، كاتب المهلّب، وهو بخراسان يدعوه إلى خلع الحجاج، فقال المهلب: لا غدر بعد سبعين سنة، ثم كتب إلى الحجاج:
«أما بعد: فإن أهل العراق مع ابن الأشعث قد أقبلوا إليك، وهم مثل السيل المنحطّ من أعلى إلى أسفل، ليس يرده شىء حتى ينتهى إلى قراره، ولأهل العراق شدّة فى أول حربهم، وبهم صبابة إلى نسائهم وأبنائهم، فلا شىء يردهم دون أهليهم، فلا تستقبلهم وخلّ لهم السبيل حتى يأتوا البصرة، فيضاجعوا نساءهم، ويتشهّوا أبناءهم، فترقّ قلوبهم، ويخلدوا إلى المقام فى منازلهم، ويتفرقوا عن ابن الأشعث، فأوقع بمن حاربك منهم، فإن الله ناصرك عليهم».
فلما قرأ الحجاج كتابه قال: ويلى على ابن المزونىّ، والله مالى نظر، وإنما نظر إلى ابن عمه، ولم يقبل منه ذلك. (سرح العيون ١٣٧)
٢٣٥ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
وتجهز الحجاج للقاء ابن الأشعث، وتتابعت إليه جنود الشأم، فسار بهم حتى نزل «تستر» (٢)، وحمل ابن الأشعث عليهم فهزمهم، فارتحل الحجاج إلى البصرة
стр. 756
ونزل «الزّاوية» (١) وخلّى البصرة لأهل العراق فنزلوها، وبايع ابن الأشعث على حرب الحجاج وخلع عبد الملك، جميع أهلها، ودارت رحى الحرب، فانهزم أهل الشام فصبروا وصدقوا القتال حتى انتصروا، وانهزم جيش ابن الأشعث، فأقبل نحو الكوفة حتى دخلها فبايعه أهلها، وأقبل الحجاج بجيوشه نحوها فنزل دير قرّة، فخرج ابن الأشعث إلى دير الجماجم (٢)، واجتمع أهل العراق جميعا على حرب الحجاج، جمعهم عليه بغضهم وكراهيتهم له، واشتد القتال بين الفريقين، وأراد عبد الملك أن يترضّى أهل العراق، فبعث يعرض عليهم عزل الحجاج عنهم، وأن ينزل ابن الاشعث أىّ بلد من العراق شاء، يكون عليه واليا ما دام حيا، وكان عبد الملك واليا، فلم يأت الحجاج أمر قطّ كان أشدّ عليه، ولا أغيظ له، ولا أوجع لقلبه منه، مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك:
«يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعى، لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفّان؟ فلما سألهم: ما يريدون؟ قالوا: نزع سعيد ابن العاص (٣) فلما نزعه لم تتمّ لهم السّنة حتى ساروا إليه فقتلوه، إن الحديد بالحديد يفلج (٤)، خار (٥) الله لك فيما ارتأيت، والسلام عليك».
فأبى عبد الملك إلا عرض ذلك على أهل العراق إرادة العافية من الحرب، فجمعهم عبد الرحمن، وحثّهم أن ينتهزوا تلك الفرصة، ويقبلوا ما عرض عليهم، فأبوا وركبوا رءوسهم، وقالوا: لا والله لا نقبل، وأعادوا خلع عبد الملك ثانية، وبرزوا للقتال، فوقعت بينهم وبين الحجاج بدير الجماجم مواقع هائلة استمرت مائة يوم، وانتهت بهزيمة ابن الأشعث وجنده (فى ١٤ من جمادى الآخرة سنة ٨٣).
(تاريخ الطبرى ٨: ١٦)
стр. 757
٢٣٦ - كتاب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم
ولما انهزم الناس يوم دير الجماجم، قال الحجاج: اتركوهم فليتبدّدوا ولا تتبعوهم، ونادى مناديه: من رجع فهو آمن، ومن لحق بقتيبة بن مسلم بالرّىّ فهو أمانه، فلحق ناس كثير بقتيبة، وكان فيمن لحق به عامر الشّعبى (١)، فذكر الحجّاج الشّعبىّ يوما، فقال: أين هو؟ وما فعل؟ فقيل له: إنه لحق بقتيبة بالرّىّ، فكتب الحجاج إلى قتيبة:
«أما بعد، فابعث إلىّ بالشّعبىّ حين تنظر فى كتابى هذا، والسلام عليك» فسرّح إليه، فلما دخل عليه اعتذر إليه، فقبل منه الحجاج وعفا عنه:
(تاريخ الطبرى ٨: ٣١)
٢٣٧ - كتاب عبد الملك إلى الحجاج
ودخل الحجاج الكوفة بعد وقعة دير الجماجم، وأقبل الناس يبايعونه، وكان عبد الملك كتب إليه فى أسرى دير الجماجم: «أن يعرضهم على السيف، فمن أقرّ منهم بالكفر بخروجه علينا فخلّ سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه» فكان الحجاج لا يبايعه أحد إلا قال له: أتشهد أنك قد كفرت؟ فإذا قال: «نعم» بايعه وإلا قتله (٢).
(العقد الفريد ١: ١٥١ و ٣: ٢٠، وتاريخ الطبرى ٨: ٢٥)
стр. 758
٢٣٨ - كتاب عبد الملك إلى الحجاج
ولما أسرف الحجاج فى قتل أسارى دير الجماجم وأعطى الأموال، بلغ ذلك عبد الملك، فكتب إليه:
«أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين سرفك فى سفك الدماء، وتبذيرك فى الأموال، فى الباطل، ومنعك الحقّ، ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين الخصلتين لأحد من الناس، وقد حكم عليك أمير المؤمنين: فى الدماء، فى الخطإ الدّية، وفى العمد القود (١)، وفى الأموال ردّها إلى مواضعها، ثم العمل فيها برأيه، فإنما أمير المؤمنين أمين الله، وسيّان عنده منع حق وإعطاء باطل، فإن كنت أردت الناس له فما أغناهم عنك، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك من أمير المؤمنين أمران:
لين وشدّة، فلا يؤنسنّك إلا الطاعة، ولا يوحشنّك إلا المعصية، وظنّ بأمير المؤمنين كلّ شىء إلا احتمالك على الخطإ، وإذا أعطاك الظّفر على قوم فلا تقتلنّ جانحا ولا أسيرا» وكتب فى أسفل كتابه:
إذا أنت لم تطلب أمورا كرهتها ... وتطلب رضائى بالذى أنت طالبه
وتخشى الذى يخشاه مثلى هاربا ... إلى الله منه، ضيّع الدّرّ حالبه (٢)
فإن تر منى غفلة قرشيّة ... فيا ربّما قد غصّ بالماء شاربه
وإن تر منّى وثبة أمويّة ... فهذا وهذا كلّ ذا أنا صاحبه
стр. 759
فلا تلحينّى والحوادث جمّة ... فإنك مجزىّ بما أنت كاسبه (١)
ولا تعد ما يأتيك منى، وإن تعد ... يقوم بها يوما عليك نوادبه
ولا تدفعن للناس حقا علمته ... ولا تعطين ما ليس لله جانبه
(مروج الذهب ٢: ١٣٦، وأدب الكتاب ص ٢٣٦)
٢٣٩ - رد الحجاج على عبد الملك
فلما قرأ الحجاج كتابه كتب إليه:
«أما بعد، فقد أتانى كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفى فى الدماء، وتبذيرى فى الأموال، ولعمرى ما بلغت فى عقوبة أهل المعصية ما هم أهله وما قضيت حقّ أهل الطاعة بما استحقّوه، فإن كان قتلى أولئك العصاة سرفا، وإعطائى أولئك المطيعين تبذيرا، فليسوّغنى (٢) أمير المؤمنين ما سلف، وليحدّ لى فيه حدا أنتهى إليه إن شاء الله تعالى، ولا قوة إلا بالله، وو الله ما علىّ من عقل (٣) ولا قود، ما أصبت القوم خطأ فأفديهم، ولا أعطيتهم إلا لك، ولا قتلت إلا فيك، وأما ما أنا منتظره من أمريك، فألينهما عدة، وأعظمهما محنة، فقد عبّأت للعدة الجلاد، وللمحنة الصبر.
وكتب فى أسفل كتابه:
إذا أنا لم أتبع رضاك وأتّقى ... أذاك، فيومى لا تزول كواكبه
وما لامرئ بعد الخليفة جنّة ... تقيه من الأمر الذى هو كاسبه (٤)
أسالم من سالمت من ذى قرابة ... ومن لم تسالمه فإنى محاربه
стр. 760
إذا قارف الحجاج منك خطيئة ... فقامت عليه فى الصباح نوادبه (١)
إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه ... وأقصى الذى تسرى إلىّ عقاربه
فمن ذا الذى يرجو نوالى، ويتّقى ... مصاولتى؟ والدهر جمّ نوائبه
فقف بى على حدّ الرضا لا أجوزه ... مدى الدهر حتى يرجع الدّرّ حالبه (٢)
وإلّا فدعنى والأمور، فإننى ... شفيق رفيق أحكمتنى تجاربه
فلما انتهى كتابه إلى عبد الملك قال: خاف أبو محمد صولتى، ولن أعود لشىء يكرهه
(مروج الذهب ٢: ١٣٧، وأدب الكتاب ص ٢٣٦)
٢٤٠ - كتب الحجاج إلى رتبيل
وما زال ابن الأشعث ينهزم من بلد إلى بلد حتى دخل بلاد رتبيل، فأنزله عنده وأكرمه وعظّمه، فكتب الحجاج إلى رتبيل:
«أما بعد: فإنى قد بعثت إليك عمارة بن تميم (٣) فى ثلاثين ألفا من أهل الشأم، لم يخالفوا طاعة، ولم يخلعوا خليفة، ولم بتّبعوا إمام ضلالة، يجرى على كل رجل منهم فى كل شهر مائة درهم، يستطعمون الحرب استطعاما، يطلبون ابن الأشعث».
فأبى رتبيل أن يسلمه، وتتابعت كتب الحجاج إليه فى ابن الأشعث أن:
«ابعث به إلىّ، وإلّا فو الذى لا إله إلا هو لأوطئنّ أرضك ألف ألف مقاتل».
ثم عاهده الحجاج ليكفّنّ الخراج عن أرضه سبع سنين على أن يدفع إليه ابن الأشعث فوجّه به إليه، فألقى ابن الأشعث نفسه من فوق قصر فمات، فاحتزّ رتبيل رأسه،
стр. 761
وبعث به إلى الحجاج، وكتب إليه: «أنه أخذ ثمانية عشر رجلا من أهل بيت عبد الرحمن»، فكتب إليه:
«أن اضرب رقابهم وابعث إلىّ برءوسهم».
وكره أن يؤتى بهم إليه أحياء فيطلب فيهم إلى عبد الملك، فيترك منهم أحدا، وكان ذلك سنة ٨٥ هـ. (تاريخ الطبرى ٨: ٤٠)
٢٤١ - كتاب عبد الملك إلى الحجاج
وروى أنه لما هزم الحجّاج ابن الأشعث، كتب إليه عبد الملك:
«أما بعد: فما لك عندى مثل إلا قدح ابن مقبل (١)»
٢٤٢ - كتاب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم
فلم يدر الحجاج ما أراد، فكتب إلى قتيبة بن مسلم الباهلىّ- وكان عالما برواية الشعر-:
«إن ابن مقبل من أهلك، وقد كتب إلىّ أمير المؤمنين بكذا، فعرّفنى قدحه».
٢٤٣ - رد قتيبة على الحجاج
فكتب إليه قتيبة:
«إن هذا القدح فاز تسعين مرة (٢)، لم يخب فيها مرة واحدة، حتى ضرب به المثل (٣)، فقال ابن مقبل ينعته:
стр. 762
خروج من الغمّى إذا صكّ صكّة ... بدا والعيون المستكفّة تلمح (١)
مفدّى، مؤدّى باليدين، منعّم ... خليع قداح فائز متمنّح (٢)
غدا وهو مجدول فراح كأنه ... من المسّ والتّقليب بالكفّ أفطح (٣)
إذا امتنحته من معد قبيلة ... غدا ربّه قبل المفيضين يقدح (٤)
(جمهرة الأمثال ٢: ١٩، وسرح العيون ص ١٢٨)
٢٤٤ - كتاب الحجاج إلى المهلب
وولّى الحجاج المهلّب خراسان سنة ٧٨ هـ كما قدمنا، فلما كانت سنة ٨٠ هـ قطع المهلب نهر بلخ فنزل على «كشّ» وأقام بها سنتين، ثم صالح أهلها على فدية، واتهم وهو بكش قوما من مضر فحبسهم بها، فلما قفل وصار صلح خلّاهم، فكتب إليه الحجاج:
«إن كنت أصبت بحبسهم فقد أخطأت فى تخليتهم، وإن كنت أصبت بتخليتهم فقد ظلمتهم إذ حبستهم».
فقال المهلّب: «خفتهم فحبستهم، فلما أمنت خلّيتهم».
(تاريخ الطبرى ٨: ٣)
стр. 763
٢٤٥ - كتاب المهلب إلى حريث بن قطبة
وقفل المهلب من «كشّ» وخلّف حريث بن قطبة وقال له: إذا استوفيت الفدية فردّ عليهم الرّهن، وقطع النهر فلما صار ببلخ أقام بها وكتب إلى حريث:
«إنى لست آمن إن رددت عليهم الرّهن أن يغيروا عليك، فإذا قبضت الفدية فلا تخلّ الرّهن حتى تقدم أرض بلخ». (تاريخ الطبرى ٨: ١٨)
٢٤٦ - كتاب يزيد بن المهلب إلى الحجاج
وتوفى المهلب سنة ٨٢ هـ فولى الحجاج خراسان ابنه يزيد، وفى سنة ٨٤ هـ غزا يزيد «يا ذاغيس (١)» فصالحه ملكها «نيزك» على أن يدفع إليه ما فى قلعته من الخزائن، ويرتحل عنها بعياله (٢)، وكتب يزيد إلى الحجاج بالفتح- وكانت كتب يزيد إلى الحجاج يكتها يحيى بن يعمر العدوانى- فكتب:
«إنّا لقينا العدوّ، فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة، وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة برءوس الجبال، وعراعر (٣) الأودية، وأهضام الغيطان، وأثناء الأنهار».
وقال أبو العباس المبرّد فى الكامل عقب شرحه: «وعراعر الأقوام» الواردة فى كتاب ابن الأشعث السابق:
ومن ذلك كتاب يزيد بن المهلّب إلى الحجاج بن يوسف:
«وإن العدوّ نزل بعرعرة الجبل، ونزلنا بالحضيض (٤)».
стр. 764
ورواية الجاحظ فى البيان والتبيين:
«إنا لقينا العدو. فقتلنا طائفة، وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة بعرائر (١) الأودية، وأهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة الجبل، وبات العدو بحضيضه».
فقال الحجاج: ما يزيد بأبى عذرة هذا الكلام (٢)، فمن هناك؟ قيل: يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد أن يشخصه إليه (٣).
(تاريخ الطبرى ٨: ٣٩، والكامل للمبرد ١: ١٣٣، والبيان والتبيين ١: ٢٠١)
٢٤٧ - كتب بين الحجاج وعبد الملك ويزيد والمفضل ابنى المهلب
وظهرت مناقب يزيد وعظمت آثاره، فحسده الحجاج وعمل على عزله، ولم يكن بتخوف بعد ابن الأشعث غيره، واتفق أن وفد الحجاج إلى عبد الملك، ثم عاد إلى العراق فمرّ فى منصرفه بدير فنزله، فقيل له: إن فى هذا الدير شيخا من أهل الكتب عالما، فدعا به وسأله: أتعلم ما إلىّ؟ قال: نعم، قال: فمن يليه بعدى؟ قال: رجل يقال له يزيد، فوقع فى نفسه أنه يزيد بن المهلّب، وارتحل وهو وجل من قول الشيخ،
стр. 765
وقدم فكتب إلى عبد الملك يستعفيه من العراق، فكتب إليه:
«يا بن أمّ الحجاج قد علمت الذى تغزو (١)، وإنك تريد أن تعلم رأيى فيك، ولعمرى إنى لأرى مكان نافع بن علقمة، فاله عن هذا حتى يأتى الله بما هو آت».
وأجمع الحجاج على عزل يزيد، فلم يجد له شيئا، حتى قدم الخيار بن سبرة- وكان من فرسان المهلب، وكان مع يزيد- فقال له الحجاج: أخبرنى عن يزيد، قال: حسن الطاعة، ليّن السيرة، قال: كذبت، أصدقنى عنه، قال: الله أجلّ وأعظم، قد أسرج ولم يلجم، قال: صدقت، ثم كتب إلى عبد الملك:
يشير عليه بعزل يزيد بن المهلّب، ويخبره بطاعة آل المهلّب لابن الزبير، وأنه لا وفاء لهم.
فكتب إليه عبد الملك:
«إنى لا أرى نقصا بآل المهلّب طاعتهم لآل الزّبير، بل أراه وفاء منهم لهم، وإن وفاءهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لى».
فكتب إليه الحجاج يخوّفه غدرهم لما أخبره به الشيخ.
فكتب إليه عبد الملك: «قد أكثرت فى يزيد وآل المهلّب، فسمّ لى رجلا يصلح لخراسان».
فسمّى له مجّاعة بن سعر (٢) السّعدى- ولم يكن يصلح، وإنما جعل ذلك دهاء منه حتى لا يعرف ميله إلى قتيبة بن مسلم-.
فكتب إليه عبد الملك: «إنّ رأيك الذى دعاك إلى استفساد آل المهلّب، هو الذى دعاك إلى مجّاعة بن سعر، فانظر لى رجلا صارما ماضيا لأمرك».
стр. 766
فسمّى له قتيبة بن مسلم، فكتب إليه «ولّه».
وبلغ يزيد أن الحجاج عزله، فقال لأهل بيته: من ترون الحجاج يولّى خراسان؟
قالوا: رجلا من ثقيف، قال كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده، فإذا قدمت عليه عزله وولّى رجلا من قيس، وأخلق بقتيبة.
فلما أذن عبد الملك للحجاج فى عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه:
«أن استخلف المفضّل وأقبل».
فاستشار يزيد حضين بن المنذر، فقال له: أقم واعتلّ، فإن أمير المؤمنين حسن الرأى فيك، وإنما أوتيت من الحجاج، فإن أقمت ولم تعجل رجوت أن يكتب إليه أن يقرّ يزيد، قال: إنا أهل بيت بورك لنا فى الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف، فأخذ فى الجهاز، وأبطأ ذلك على الحجاج، فكتب إلى المفصّل «إنى قد وليتك خراسان»:
فجعل المفضّل يستحثّ يزيد، فقال له يزيد: إن الحجاج لا يقرّك بعدى، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، قال: بل حسدتنى، قال يزيد: يا بن بهلة (١) أنا أحسدك! ستعلم، وخرج يزيد فى ربيع الآخر سنة ٨٥، فعزل الحجاج المفضل، وولّى قتيبة بن مسلم.
وفى رواية أخرى أن الحجاج كتب إلى يزيد «أن اغز خوارزم».
فكتب إليه: «أيها الأمير إنها قليلة السّلب (٢)، شديدة الكلب».
فكتب إليه الحجاج: «استخلف واقدم».
فكتب إليه: «إنى أريد أن أغزو خوارزم».
стр. 767
فكتب إليه: «لا تغزها فإنها كما وصفت»
فغزا ولم يطعه، فصالحه أهل خوارزم وأصاب سبيا مما صالحوه، وقفل فى الشتاء فاشتد عليهم البرد، فأخذ الناس ثياب الأسرى فلبسوها، فمات ذلك السبى من البرد، فكتب إليه الحجاج أن «اقدم» فقدم.
(تاريخ الطبرى ٨: ٤٢، وشرح العيون ص ١٢٤)
٢٤٨ - كتاب الحجاج إلى أعراب قطعوا الطريق
وبلغ الحجاج أن قوما من الأعراب من عمرو بن تميم وحنظلة يفسدون الطريق، فكتب إليهم:
«من الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنكم قد استخلصتم (١) الفتنة فلا عن حق تقاتلون، ولا عن منكر تنهون، وايم الله إنى لأهمّ أن يكون أوّل ما يرد عليكم من قبلى، خيل تنسف الطّارف والتالد (٢)، وتدع النّساء أيامى (٣)، والأبناء يتامى، والديار خرابا، والسواد بياضا، فأيّما رفقة (٤) مرّت بأهل ماء، فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذى يليه، تقدمة منى إليكم، والسعيد من وعظ بغيره، والسلام».
فلما بلغهم كتابه كفّوا عن الطريق.
(البيان والتبيين ١: ٢١٢، والعقد الفريد ١: ١٧)
стр. 768
٢٤٩ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان:
«وبلغنى أن أمير المؤمنين عطس عطسة، فشمّته (١) قوم، فقال: «يغفر الله لنا ولكم»، ف «يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما».
(الكامل للمبرد ١: ٢٤٨، والعقد الفريد ٣: ٢٠)
٢٥٠ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان:
«أما بعد: فإنّا تخبر أمير المؤمنين أنه لم يصب أرضنا وابل (٢) منذ كتبت أخبره عن سقيا الله إيانا، إلا ما بلّ وجه الأرض من الطّشّ (٣) والرّشّ والرّذاذ، حتى دقعت (٤) الأرض واقشعرّت واغبرّت، وثارت فى نواحيها أعاصير (٥) تذرو دقاق الأرض من ترابها، وأمسك الفلّاحون بأيديهم، من شدة الأرض واعترازها (٦) وامتناعها، وأرضنا أرض سريع تغيّرها، وشيك (٧) تنكّرها، سيّئ ظنّ أهلها عند قحوط المطر، حتى أرسل الله بالقبول (٨) يوم الجمعة، فأثارت زبرجا متقطّعا متمصّرا،
стр. 769
ثم أعقبته الشّمال يوم السبت، فطحطحت (١) عنه جهامه، وألّفت متقطّعه، وجمّع متمصّره، حتى انتضد (٢) فاستوى، وطمى وطحى، وكان جونا مرثعنّا قريبا رواعده، واعتدّت عوائده بوابل منهمل منسحل، بردف (٣) بعضه بعضا، كلما أردف شؤبوب ارتدفته شآبيب، لشدة وقعه فى العرض.
وكتبت إلى أمير المؤمنين، وهى ترمى بمثل قطع القطن، قد ملأ اليباب (٤)، وسدّ الشّعاب، وسقى منها كل ساق، فالحمد لله الذى أنزل غيثه، ونشر رحمته من بعد ما قنطوا، وهو الولىّ الحميد، والسلام».
(البيان والتبيين ٣: ٢٣٥)
٢٥١ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه أن يستكتب محمد بن يزيد الأنصارى، وكتب إليه:
«إن أردت رجلا مأمونا، فاضلا، عاقلا وديعا، مسلما، كتوما تتخذه لنفسك، وتضع عنده سرّك، وما لا تحبّ أن يظهر، فاتخذ محمد بن يزيد».
فكتب إليه عبد الملك «احمله إلىّ» فحمله فاتخذه عبد الملك كاتبا.
قال محمد: فلم يكن يأتيه كتاب إلا دفعه إلىّ، ولا يستر شيئا إلا أخبرنى به وكتمه الناس، ولا يكتب إلى عامل من عماله إلا أعلمنيه».
(تاريخ الطبرى ٨: ٥٥)
стр. 770
٢٥٢ - كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الملك
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الملك:
«أما بعد، فإنك راع، وكل راع مسئول عن رعيته، حدّثنى أنس بن مالك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «كلّ راع مسئول عن رعيته، «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً».
فغضب عبد الملك حين بدأ باسمه، فقيل له: إنه كان يفعل ذلك مع من قبلك، فسكن غضب عبد الملك.
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص: ٣٦)
٢٥٣ - كتاب عبد الملك إلى ابنه مسلمة
واستبطأ عبد الملك بن مروان ابنه مسلمة فى مسيرة إلى الروم، فكتب إليه:
لمن الظّعائن سيرهن تزحّف ... سير السّفين إذا تقاعس تجدف (١)
٢٥٤ - رد مسلمة عليه
فلما قرأ مسلمة الكتاب كتب إليه:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم (٢)
(البيان والتبيين ٣: ٩٦)
стр. 771
٢٥٥ - كتاب عبد الملك بن مروان إلى بعض ولده
وكتب عبد الملك بن مروان إلى بعض ولده- وقد خالفه فى شىء-:
«أما بعد، فإنى أمرتك بأمر فأتيت غيره، ووصّيتك بوصية فأبيت إلا عصيانها (١)، وخفت أنك بمنزلة الصبى الذى إذا أمر بشىء أباه، وإذا نهى عن شىء أتاه، فيحتال له فيما ينفعه بأن ينهى عنه، وفيما يضرّه بأن يؤمر به، ويا سوءتى لمن هذه حاله! والسلام». (أدب الكتاب ص ٢٣٦)
٢٥٦ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك
وكان عروة بن الزّبير عاملا على اليمن لعبد الملك بن مروان، فاتّصل به أن الحجاج مجمع على مطالبته بالأموال التى بيده وعزله عن عمله، ففرّ إلى عبد الملك، وعاذ به تخوفا من الحجاج، واستدفاعا لضرره وشرّه، فلما بلغ ذلك الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان:
«أما بعد: فإن لواذ (٢) المعترضين بك، وحلول الجانحين إلى المكث بساحتك، واستلانتهم دمث (٣) أخلاقك، وسعة عفوك، كالعارض (٤) المبرق لأعدائه لا يعدم له شائما (٥)، رجاء استمالة عفوك، وإذا أدنى الناس بالصفح عن الجرائم، كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل ضالّ، والناس عبيد العصا، هم على الشدة أشدّ استباقا منهم على اللّين، ولنا قبل عروة بن الزّبير مال من مال الله، وفى استخراجه منه
стр. 772
قطع لطمع غيره، فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك، والسلام».
فلما قرأ الكتاب، بعث إلى عروة، ثم قال له: إن كتاب الحجاج قد ورد فيك، وقد أبى إلا إشخاصك (١) إليه، ثم قال لرسول الحجاج: شأنك به، فالتفت إليه عروة مقبلا عليه، وقال: أما والله ما ذلّ وخزى من مات، ولكن ذلّ وخزى من ملكتموه! والله لئن كان الملك بجواز الأمر ونفاذ النّهى، إن الحجاج لسلطان عليك، ينفذ أموره دون أمورك، إنك لتريد الأمر بزينك عاجله، ويبقى لك أكرومة (٢) آجله، فيجذبك عنه، ويلقاه دونك، ليتولّى من ذلك الحكم فيه، فيحظى بشرف عفو إن كان، أو بجرم عقوبة إن كانت، وما حاربك من حاربك إلا على أمر هذا بعضه.
فنظر فى كتاب الحجاج مرة، ورفع بصره إلى عروة تارة، ثم دعا بدواة وقرطاس، فكتب إليه:
٢٥٧ - رد عبد الملك على الحجاج
«أما بعد: فإن أمير المؤمنين رآك- مع ثقته بنصيحتك- خابطا فى السّياسة خبط عشواء (٣) الليل، فإن رأيك الذى يسوّل لك أن الناس عبيد العصا، هو الذى أخرج رجالات العرب إلى الوثوب عليك، وإذا أخرجت العامة بعنف السياسة، كانوا أوشك (٤) وثوبا عليك عند الفرصة، ثم لا يلتفتون إلى ضلال الداعى ولا هداه، إذا رجوا بذلك إدراك الثّأر منك، وقد وليت العراق قبلك ساسة، وهم يومئذ أحمى أنوفا، وأقرب من عمياء الجاهلية، وكانوا عليهم أصلح منك عليهم، وللشدّة واللّين أهلون، والإفراط فى العفو أفضل من الإفراط فى العقوبة، والسلام».
(العقد الفريد ٣: ١٧)
стр. 773
٢٥٨ - كتاب عبد الملك إلى الحجاج
وروى صاحب العقد الفريد قال:
حدّث سعيد بن جويرية قال: خرجت خارجة على الحجّاج بن يوسف، فأرسل إلى أنس بن مالك أن يحرج معه فأبى، فكتب إليه يشتمه، فكتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان يشكوه، وأدرج كتاب الحجاج فى جوف كتابه.
قال إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر: بعث إلىّ عبد الملك بن مروان فى ساعة لم يكن يبعث إلىّ فى مثلها، فدخلت عليه، وهو أشدّ ما كان حنقا وغيظا، فقال:
يا إسمعيل، ما أشدّ علىّ أن تقول الرعية: ضعف أمير المؤمنين، وضاق ذرعه فى رجل من أصحاب النبى ﷺ ، لا يقبل له حسنة، ولا يتجاوز له عن سيّئة.
فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أنس بن مالك خادم رسول الله كتب إلىّ يذكر أن الحجاج قد أضرّ به، وأساء جواره، وقد كتبت فى ذلك كتابين: كتابا إلى أنس بن مالك والآخر إلى الحجاج، فاقبضهما ثم اخرج على البريد، فإذا وردت العراق فابدأ بأنس بن مالك، فادفع له كتابى، وقل له: اشتدّ على أمير المؤمنين ما كان من الحجاج إليك، ولن يأتى إليك أمر تكرهه إن شاء الله، ثم ائت الحجاج فادفع إليه كتابه وقل له: قد اغتررت بأمير المؤمنين غرّة لا أظنه يخطئك شرّها، ثم افهم ما يتكلم به، وما يكون منه، حتى تفهمنى إياه إذا قدمت علىّ إن شاء الله.
قال إسماعيل: فقبضت على الكتابين وخرجت على البريد، حتى قدمت العراق فبدأت بأنس بن مالك فى منزله، فدفعت إليه كتاب أمير المؤمنين، وأبلغته رسالته، فدعا له وجزاه خيرا، فلما فرغ من قراءة الكتاب، قلت له: أبا حمزة، إن الحجاج عامل، ولو وضع لك فى جامعة (١) لقدر أن يضرّك وينفعك. فأنا أريد أن تصالحه
стр. 774
قال: ذلك إليك. لا أخرج عن رأيك، ثم أتيت الحجاج، فلما رآنى رحّب بى وقال: والله لقد كنت أحبّ أن أراك فى بلدى هذا، قلت: وأنا والله قد كنت أحبّ أن أراك، وأقدم عليك بغير الذى أرسلت به إليك، قال: وما ذاك؟ قلت:
فارقت الخليفة وهو أغضب الناس عليك، قال: ولم؟ قال: فدفعت إليه الكتاب، فجعل يقرؤه وجبينه يعرق، فيمسحه بيمينه، ثم قال: اركب بنا إلى أنس بن مالك، قلت له: لا تفعل، فإنى سأتلطّف به حتى يكون هو الذى يأتيك- وذلك للّذى أشرت عليه من مصالحته- قال: فألقى كتاب أمير المؤمنين، فإذا فيه:
*** «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد: فإنك عبد طمت (١) بك الأمور فطغيت، وعلوت فيها حتى جزت قدرك، وعدوت طورك (٢)، وايم الله يا بن المستفرمة (٣) بعجم زبيب الطائف، لأغمزنّك كبعض غمزات اللّيوث الثّعالب، ولأركضنّك ركضة تدخل منها فى وجارك (٤)، اذكر مكاسب آبائك بالطائف، إذ كانوا ينقلون الحجارة على أكتافهم، ويحفرون الآبار والمناهل (٥) بأيديهم، فقد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤك من الدناءة واللؤم والضّراعة (٦)، وقد بلغ أمير المؤمنين استطالة منك على أنس ابن مالك خادم رسول الله ﷺ ، جرأة منك على أمير المؤمنين، وغرّة
стр. 775
بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله، وعمد إلى غير محجّته (١)، ونزل عند سخطته.
وأظنّك أردت أن تروزه (٢) بها؛ لتعلم ما عنده من التغيير والنكير فيها، فإن سوّغتها (٣) مضيت قدما، وإن غصصت بها ولّيت دبرا، فعليك لعنة الله من عبد أخفش (٤) العينين، أصكّ الرّجلين، ممسوح الجاعرتين، وايم الله لو أن أمير المؤمنين علم أنك اجترمت منه جرما، وانتهكت له عرضا فيما كتب به إلى أمير المؤمنين، لبعث إليك من يسحبك ظهرا لبطن، حتى ينتهى بك إلى أنس بن مالك، فيحكم فيك بما أحبّ، ولن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك (٥)، ولكلّ نبإ مستقرّ وسوف تعلمون».
قال إسماعيل: فانطلقت إلى أنس فلم أزل به حتى انطلق معى إلى الحجاج، فلما دخلنا عليه قال: يغفر الله لك أبا حمزة، عجلت باللّائمة، وأغضبت علينا أمير المؤمنين! ثم أخذ بيده، فأجلسه معه على السرير، فقال أنس: إنك كنت تزعم أنّا الأشرار! والله سمّانا الأنصار، وقلت: إنّا من أبخل الناس! والله يقول فينا: «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (٦)» وزعمت أنّا أهل نفاق! والله تعالى يقول فينا: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا». فكان المخرج والمشتكى فى ذلك