← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

٢٥٥ - كتاب عبد الملك بن مروان إلى بعض ولده وكتب عبد الملك بن مروان إلى بعض ولده- وقد خالفه فى شىء-: «أما بعد، فإنى أمرتك بأمر فأتيت غيره، ووصّيتك بوصية فأبيت إلا عصيانها (١)، وخفت أنك بمنزلة الصبى الذى إذا أمر بشىء أباه، وإذا نهى عن شىء أتاه، فيحتال له فيما ينفعه بأن ينهى عنه، وفيما يضرّه بأن يؤمر به، ويا سوءتى لمن هذه حاله! والسلام». (أدب الكتاب ص ٢٣٦) ٢٥٦ - كتاب الحجاج إلى عبد الملك وكان عروة بن الزّبير عاملا على اليمن لعبد الملك بن مروان، فاتّصل به أن الحجاج مجمع على مطالبته بالأموال التى بيده وعزله عن عمله، ففرّ إلى عبد الملك، وعاذ به تخوفا من الحجاج، واستدفاعا لضرره وشرّه، فلما بلغ ذلك الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان: «أما بعد: فإن لواذ (٢) المعترضين بك، وحلول الجانحين إلى المكث بساحتك، واستلانتهم دمث (٣) أخلاقك، وسعة عفوك، كالعارض (٤) المبرق لأعدائه لا يعدم له شائما (٥)، رجاء استمالة عفوك، وإذا أدنى الناس بالصفح عن الجرائم، كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل ضالّ، والناس عبيد العصا، هم على الشدة أشدّ استباقا منهم على اللّين، ولنا قبل عروة بن الزّبير مال من مال الله، وفى استخراجه منه

стр. 772

قطع لطمع غيره، فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك، والسلام». فلما قرأ الكتاب، بعث إلى عروة، ثم قال له: إن كتاب الحجاج قد ورد فيك، وقد أبى إلا إشخاصك (١) إليه، ثم قال لرسول الحجاج: شأنك به، فالتفت إليه عروة مقبلا عليه، وقال: أما والله ما ذلّ وخزى من مات، ولكن ذلّ وخزى من ملكتموه! والله لئن كان الملك بجواز الأمر ونفاذ النّهى، إن الحجاج لسلطان عليك، ينفذ أموره دون أمورك، إنك لتريد الأمر بزينك عاجله، ويبقى لك أكرومة (٢) آجله، فيجذبك عنه، ويلقاه دونك، ليتولّى من ذلك الحكم فيه، فيحظى بشرف عفو إن كان، أو بجرم عقوبة إن كانت، وما حاربك من حاربك إلا على أمر هذا بعضه. فنظر فى كتاب الحجاج مرة، ورفع بصره إلى عروة تارة، ثم دعا بدواة وقرطاس، فكتب إليه: ٢٥٧ - رد عبد الملك على الحجاج «أما بعد: فإن أمير المؤمنين رآك- مع ثقته بنصيحتك- خابطا فى السّياسة خبط عشواء (٣) الليل، فإن رأيك الذى يسوّل لك أن الناس عبيد العصا، هو الذى أخرج رجالات العرب إلى الوثوب عليك، وإذا أخرجت العامة بعنف السياسة، كانوا أوشك (٤) وثوبا عليك عند الفرصة، ثم لا يلتفتون إلى ضلال الداعى ولا هداه، إذا رجوا بذلك إدراك الثّأر منك، وقد وليت العراق قبلك ساسة، وهم يومئذ أحمى أنوفا، وأقرب من عمياء الجاهلية، وكانوا عليهم أصلح منك عليهم، وللشدّة واللّين أهلون، والإفراط فى العفو أفضل من الإفراط فى العقوبة، والسلام». (العقد الفريد ٣: ١٧)

стр. 773

٢٥٨ - كتاب عبد الملك إلى الحجاج وروى صاحب العقد الفريد قال: حدّث سعيد بن جويرية قال: خرجت خارجة على الحجّاج بن يوسف، فأرسل إلى أنس بن مالك أن يحرج معه فأبى، فكتب إليه يشتمه، فكتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان يشكوه، وأدرج كتاب الحجاج فى جوف كتابه. قال إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر: بعث إلىّ عبد الملك بن مروان فى ساعة لم يكن يبعث إلىّ فى مثلها، فدخلت عليه، وهو أشدّ ما كان حنقا وغيظا، فقال: يا إسمعيل، ما أشدّ علىّ أن تقول الرعية: ضعف أمير المؤمنين، وضاق ذرعه فى رجل من أصحاب النبى ﷺ ، لا يقبل له حسنة، ولا يتجاوز له عن سيّئة. فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أنس بن مالك خادم رسول الله كتب إلىّ يذكر أن الحجاج قد أضرّ به، وأساء جواره، وقد كتبت فى ذلك كتابين: كتابا إلى أنس بن مالك والآخر إلى الحجاج، فاقبضهما ثم اخرج على البريد، فإذا وردت العراق فابدأ بأنس بن مالك، فادفع له كتابى، وقل له: اشتدّ على أمير المؤمنين ما كان من الحجاج إليك، ولن يأتى إليك أمر تكرهه إن شاء الله، ثم ائت الحجاج فادفع إليه كتابه وقل له: قد اغتررت بأمير المؤمنين غرّة لا أظنه يخطئك شرّها، ثم افهم ما يتكلم به، وما يكون منه، حتى تفهمنى إياه إذا قدمت علىّ إن شاء الله. قال إسماعيل: فقبضت على الكتابين وخرجت على البريد، حتى قدمت العراق فبدأت بأنس بن مالك فى منزله، فدفعت إليه كتاب أمير المؤمنين، وأبلغته رسالته، فدعا له وجزاه خيرا، فلما فرغ من قراءة الكتاب، قلت له: أبا حمزة، إن الحجاج عامل، ولو وضع لك فى جامعة (١) لقدر أن يضرّك وينفعك. فأنا أريد أن تصالحه

стр. 774

قال: ذلك إليك. لا أخرج عن رأيك، ثم أتيت الحجاج، فلما رآنى رحّب بى وقال: والله لقد كنت أحبّ أن أراك فى بلدى هذا، قلت: وأنا والله قد كنت أحبّ أن أراك، وأقدم عليك بغير الذى أرسلت به إليك، قال: وما ذاك؟ قلت: فارقت الخليفة وهو أغضب الناس عليك، قال: ولم؟ قال: فدفعت إليه الكتاب، فجعل يقرؤه وجبينه يعرق، فيمسحه بيمينه، ثم قال: اركب بنا إلى أنس بن مالك، قلت له: لا تفعل، فإنى سأتلطّف به حتى يكون هو الذى يأتيك- وذلك للّذى أشرت عليه من مصالحته- قال: فألقى كتاب أمير المؤمنين، فإذا فيه: *** «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد: فإنك عبد طمت (١) بك الأمور فطغيت، وعلوت فيها حتى جزت قدرك، وعدوت طورك (٢)، وايم الله يا بن المستفرمة (٣) بعجم زبيب الطائف، لأغمزنّك كبعض غمزات اللّيوث الثّعالب، ولأركضنّك ركضة تدخل منها فى وجارك (٤)، اذكر مكاسب آبائك بالطائف، إذ كانوا ينقلون الحجارة على أكتافهم، ويحفرون الآبار والمناهل (٥) بأيديهم، فقد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤك من الدناءة واللؤم والضّراعة (٦)، وقد بلغ أمير المؤمنين استطالة منك على أنس ابن مالك خادم رسول الله ﷺ ، جرأة منك على أمير المؤمنين، وغرّة

стр. 775

بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله، وعمد إلى غير محجّته (١)، ونزل عند سخطته. وأظنّك أردت أن تروزه (٢) بها؛ لتعلم ما عنده من التغيير والنكير فيها، فإن سوّغتها (٣) مضيت قدما، وإن غصصت بها ولّيت دبرا، فعليك لعنة الله من عبد أخفش (٤) العينين، أصكّ الرّجلين، ممسوح الجاعرتين، وايم الله لو أن أمير المؤمنين علم أنك اجترمت منه جرما، وانتهكت له عرضا فيما كتب به إلى أمير المؤمنين، لبعث إليك من يسحبك ظهرا لبطن، حتى ينتهى بك إلى أنس بن مالك، فيحكم فيك بما أحبّ، ولن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك (٥)، ولكلّ نبإ مستقرّ وسوف تعلمون». قال إسماعيل: فانطلقت إلى أنس فلم أزل به حتى انطلق معى إلى الحجاج، فلما دخلنا عليه قال: يغفر الله لك أبا حمزة، عجلت باللّائمة، وأغضبت علينا أمير المؤمنين! ثم أخذ بيده، فأجلسه معه على السرير، فقال أنس: إنك كنت تزعم أنّا الأشرار! والله سمّانا الأنصار، وقلت: إنّا من أبخل الناس! والله يقول فينا: «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (٦)» وزعمت أنّا أهل نفاق! والله تعالى يقول فينا: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا». فكان المخرج والمشتكى فى ذلك

стр. 776

إلى الله وإلى أمير المؤمنين، فتولّى من ذلك ما ولّاه الله، وعرف من حقنا ما جهلت، وحفظ منا ما ضيّعت، وسيحكم فى ذلك ربّ هو أرضى للمرضى، وأسخط للمسخط، وأقدر على الغير فى يوم لا يشوب الحقّ عنده الباطل، ولا النور الظلمة، ولا الهدى الضلالة، والله لو أن اليهود أو النصارى رأت من خدم موسى بن عمران أو عيسى ابن مريم يوما واحدا، لرأت له ما لم تروا لى فى خدمة رسول الله ﷺ عشر سنين. قال: اعتذر إليه الحجاج وترضّاه حتى قبل عذره، ورضى عنه، وكتب برضاه وقبوله عذره، ولم يزل الحجاج له معظّما هائبا له، حتى هلك رضى الله عنه. ٢٥٩ - رد الحجاج على عبد الملك وكتب الحجاج إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان: «بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك بن مروان: «أما بعد: أصلح الله أمير المؤمنين وأبقاه، وسهّل حظّه وحاطه (١) ولا أعدمناه، فإن إسمعيل بن أبى المهاجر رسول أمير المؤمنين- أعزّ الله نصره- قدم علىّ بكتاب أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- وجعلنى من كل مكروه فداءه- يذكر شتمى وتوبيخى بآبائى، وتعييرى بما كان قبل نزول النعمة بى من عند أمير المؤمنين- أتمّ الله نعمته عليه، وإحسانه إليه- ويذكر أمير المؤمنين- جعلنى الله فداءه- استطالة منى على أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، جرأة على أمير المؤمنين، وغرّة بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله، وعمد إلى غير محجّته، ونزل عند سخطته، وأمير المؤمنين- أصلحه الله- فى قرابته من محمد رسول الله- ﷺ إمام الهدى وخاتم الأنبياء، أحقّ من أقال عثرتى، وعفا

стр. 777

عن ذنبى، وأمهلنى ولم يعجبنى عند هفوتى، للّذى جبل عليه من كريم طبائعه، وما قلّده الله من أمور عباده، فرأى أمير المؤمنين- أصلحه الله- فى تسكين روعتى، وإفراج كربتى، فقد ملئت رعبا وفرقا (١) من سطوته، وفجاءة نقمته (٢)، وأمير المؤمنين- أقاله الله العثرات، وتجاوز له عن السيئات، وضاعف له الحسنات، وأعلى له الدّرجات- أحقّ من صفح وعفا، وتغمّد (٣) وأبقى، ولم يشمت بى عدوّا مكبّا (٤)، ولا حسودا مضبّا (٥)، ولم يجرّعنى غصصا، والذى وصف أمير المؤمنين من صنيعته إلىّ، وتنويهه (٦) بى، بما أسند إلىّ من عمله، وأوطأنى من رقاب رعيّته، فصادق فيه، مجزىّ بالشكر عليه، والتوسّل منى إليه بالولاية، والتقرّب له بالكفاية. وقد عاين إسماعيل بن أبى المهاجر رسول أمير المؤمنين وحامل كتابه، من نزولى عند مسرّة أنس بن مالك، وخضوعى عند كتاب أمير المؤمنين، وإقلاقه إياى، ودخوله بالمصيبة علىّ، ما سيعلمه أمير المؤمنين ويشهد إليه، فإن رأى أمير المؤمنين- طوّقنى الله بشكره، وأعاننى على تأدية حقه، وبلّغنى إلى ما فيه موافقة مرضاته، ومدّ لى فى أجله، أن يأمر لى بكتاب من رضاه وسلامة صدره، يؤمّننى به من سفك دمى، ويردّ ما شرد من نومى، ويطمئنّ به قلبى، فعل، فقد ورد علىّ أمر جليل خطبه، عظيم أمره، شديد علىّ كربه، أسأل الله أن لا يسخط أمير المؤمنين علىّ، وأن ينيله فى حزمه، وعزمه، وسياسته، وفراسته، ومواليه، وحشمه، وعمّاله، وصنائعه، ما يحمد به حسن رأيه، وبعد همته، إنه ولىّ أمير المؤمنين، والذابّ عن سلطانه، والصانع له فى أمره، والسلام».

стр. 778

فحدّث إسماعيل أنه لما قرأ أمير المؤمنين الكتاب، قال: يا كاتب أفرخ روع (١) أبى محمد، فكتب إليه بالرضا عنه. (العقد الفريد ٣: ١٤، وصبح الأعشى ٦: ٣٨٩ و ٤٧٨، وغرر الخصائص الواضحة ص ٧٣) رواية أخرى لكتاب عبد الملك وروى أن الحجاج قال لأنس بن مالك حين دخل عليه فى شأن ابنه عبد الله- وكان خرج مع ابن الأشعث-: لا مرحبا بك ولا أهلا، لعنة الله عليك من شيخ جوّال فى الفتنة- مرّة مع أبى تراب (٢)، ومرة مع ابن الأشعث، والله لأقلعنّك قلع الصّمغة (٣)، ولأجزرنّك جزر الهرب (٤)، ولأعصبنّك عصب السّلمة (٥)، ولأجردّنّك تجريد الضّبّ (٦)». قال أنس: من يعنى الأمير، أبقاه الله؟ قال: إياك أعنى، أصمّ الله صداك (٧). قال: فكتب أنس بذلك إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا بن المستفرمة بعجم الزّبيب، والله لقد هممت أن أركلك (٨) برجلى ركلة تهوى بها فى نار جهنم، وأضغمك (٩) ضغمة كبعض ضغمات

стр. 779

الليوث الثعالب، وأخبطك خبطة تودّ أنك زاحمت مخرجك من بطن أمك، قاتلك الله (١) أخيفش (٢) العينين، أصكّ الرجلين، أسود الجاعرتين، والسلام». (البيان والتبيين ١: ٢٠٥، وبجمع الأمثال ٢: ٨٩) ٢٦٠ - كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج وروى صاحب العقد قال: قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: كان عبد الملك بن مروان سنان قريش وسيفها رأيا وحزما، وعابدها قبل أن يستخلف ورعا وزهدا، فجلس يوما فى خاصّته فقبض على لحيته فشمّها مليّا، ثم اجترّ نفسه، ونفخ نفخة أطالها، ثم نظر فى وجوه القوم فقال: «ما أقول يوم ذى المسألة عن أمر الحجاج، وأدحض المحتجّ على العليم (٣) بما طوته الحجب؟ أما إنّ تمليكى له قرن بى لوعة يحثّها التّذكار! كيف وقد علمت فتعاميت، وسمعت فتصاممت، وحمله الكرام الكاتبون! والله لكأنى آلف ذا الطّعن على نفسى، بعد أن نعت الأيام بتصرّفها أنفسا حقّ لها الوعيد بتصرّم الزوال، وما أبقت الشّبهة للباقى متعلّقا، وما هو إلا الغلّ الكامن، والغشّ المندمل من ذى النفس بجوبها (٤) ، اللهم أنت لى أوسع، غير منتصر ولا معتذر» يا كاتب، هات الدّواة والقرطاس، فقعد كاتبه بين يديه وأملى عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد، فقد أصبحت بأمرك برما (٥)، يقعدنى الإشفاق، ويقيمنى الرجاء، عجزت فى دار السّعة، وتوسّط الملك، وحين المهل، واجتماع الفكر، ألتمس العذر فى أمرك،

стр. 780

فأنا لعمر الله فى دار الجزاء، وعدم السلطان واشتغال النفس، والركون إلى الذّلة من نفسى، والتوقع لما طويت عليه الصّحف، أعجز، وقد كنت أشركتك فيما طوّقنى الله حمله، ولاث بحقوى (١) من أمانة الله فى هذا الخلق المرعىّ، فدللت منه على الحزم والجدّ فى إماتة بدعة، وإنعاش سنّة، فقعدت عن تلك، ونهضت بما عاندها (٢)، حتى صرت حجّة الغائب، وعذر اللّاعن والشاهد القائم. فلعن الله أبا عقيل (٣) وما نجل، فألأم والد، وأخبث نسل، فلعمرى، ما ظلمكم الزمان، ولا قعدت بكم المراتب، لقد ألبستكم ملبسكم، وأقعدتكم على روابى خططكم (٤)، وأحلّتكم على منعتكم، فمن حافر وناقل وماتح (٥) للفلوات القفرة المتفيهقة (٦)، ما تقدّم فيكم الإسلام، ولقد تأخرتم (٧)، وما الطائف منا ببعيد يجهل أهله، ثم قمت بنفسك، وطمحت بهمّتك، وسرّك انتضاء (٨) سيفك،

стр. 781

فاستخرجك أمير المؤمنين من أعوان روح بن زنباع وشرطه (١)، وأنت على معاونته يومئذ محسود، فهفا أمير المؤمنين- والله يصلح بالتوبة والغفران زلّته- وكان ما لو لم يكن لكان خيرا مما كان، كلّ ذلك من تجاسرك وتحاملك على المخالفة لرأى أمير المؤمنين، فصدعت صفاتنا (٢)، وهتكت حجبنا، وبسطت يديك تحفن بهما

стр. 782

من كرائم (١) ذوى الحقوق اللازمة، والأرحام الواشجة فى أوعية ثقيف، فاستغفر الله لذنب ماله عذر، فلئن استقال (٢) أمير المؤمنين فيك الرأى، لقد جالت البصيرة فى ثقيف بصالح النبى ﷺ ، إذ ائتمنه على الصّدقات وكان عبده، فهرب بها عنه (٣)، وما هو إلا اختيار للثّقة، والمطلب لمواضع الكفاية، فقعد فيه الرجاء، كما قعد بأمير المؤمنين فيما نصبك له، فكأنّ هذا ألبس أمير المؤمنين ثوب العزاء، ونهض بعذره إلى استنشاق نسيم الرّوح (٤)، فاعتزل عمل أمير المؤمنين، واظعن (٥) عنه باللعنة اللّازمة، والعقوبة النّاهكة (٦) إن شاء الله، إذ استحكم لأمير المؤمنين ما يحاول من رأيه، والسلام». ودعا عبد الملك مولى له يقال له: نباتة، له لسان وفضل (٧) رأى، فناوله الكتاب، ثم قال له يا نباتة: العجل ثم العجل حتى تأتى العراق، فضع هذا الكتاب فى يد الحجاج، وترقّب ما يكون منه، فإذا جبن عند قراءته واستيعاب ما فيه فاقلعه عن عمله وانقلع معه حتى تأتى به، وهدّئ الناس حتى يأتيهم أمرى، بما تصفنى به فى حين انقلاعك، من حبّى لهم والسلامة، وإن هشّ للجواب ولم تكشفه أرنبة (٨) الحيرة، فخذ منه ما يجيب به، وأقرره على عمله، ثم اعجل علىّ بجوابه. قال نباتة: فخرجت قاصدا إلى العراق، فضمّتنى الصحارى والفيافى (٩)، واحتوانى

стр. 783

القرّ (١)، وأخذ منى السّفر، حتى وصلت، فلما وردته، أدخلت عليه فى يوم ما يحظر (٢) فيه الخلق، وعلىّ شحوب مضنى، وقد توسّط خدمه من نواحيه، وتدثّر بمطرف (٣) خزّ أدكن، ولاث (٤) به الناس من بين قائم وقاعد، فلما نظر إلىّ- وكان لى عارفا- قعد ثم تبسّم تبسّم الوجل، ثم قال: أهلا بك يا نباتة، أهلا بمولى أمير المؤمنين، لقد أثر فيك سفرك، وأعرف أمير المؤمنين بك ضنينا، فليت شعرى ما دهمك أو دهمنى عنده؟ قال: فسلّمت وقعدت، فسأل: ما حال أمير المؤمنين وخوله (٥)؟ ، فلما هدأ أخرجت له الكتاب فناولته إياه، فأخذه منى مسرعا، ويده ترعد، ثم نظر فى وجوه الناس فما شعرت إلا وأنا معه، ليس معنا ثالث، وصار كل من يطيف به من خدمه يلقاه خاليا، لا يسمعون منا إلا الصوت، ففكّ الكتاب فقرأه، وجعل يتثاءب ويردّد تثاؤبه، ويسيل العرق على جبينه وصدغيه- على شدة البرد- من تحت قلنسوته من شدة العرق، وعلى رأسه عمامة خزّ خضراء، وجعل يشخص إلىّ ببصره ساعة كالمتوهّم، ثم يعود إلى قراءة الكتاب، ويلاحظنى النظر كالمتفهّم إلا أنه واجم (٦)، ثم يعاود الكتاب، وإنى لأقول. ما أراه يثبت حروفه من شدة اضطراب يده، حتى استقصى قراءته، ثم مالت يده حتى وقع الكتاب على الفراش، ورجع إليه ذهنه، فمسح العرق عن جبينه، ثم قال متمثلا: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع (٧) قبح والله منا الحسن يا نباتة! وتواكلتنا عند أمير المؤمنين الألسن، وما هذا

стр. 784

إلا سأنح فكرة نمقّها مرصد (١) يكلب بقصّتنا، مع حسن رأى أمير المؤمنين فينا، يا غلام، فتبادر الغلمان الصّيحة فملئ علينا منهم المجلس، حتى دفّأتنى منهم الأنفاس، فقال: الدواة والقرطاس، فأتى بدواة وقرطاس، فكتب بيده، وما رفع القلم إلا مستمدّا حتى سطّر مثل خدّ الفرس، فلما فرغ قال لى: يا نباتة، هل علمت ما جئت به، فنسمعك ما كتبنا؟ قلت: لا، قال: إذن حسبك منا مثله، ثم ناولنى الجواب، وأمر لى بجائزة فأجزل، وجرّد لى كساء، ودعا لى بطعام فأكلت، ثم قال: نكلك إلى ما أمرت به من عجلة أو توان، وإنى لأحبّ مقارنتك والأنس برؤيتك، فقلت: كان معى قفل مفتاحه عندك، ومفتاح قفلك عندى، فأجدت لك الوافية بالأمرين، فأقفلت المكروه وفتحت العافية، وما ساءنى ذلك، وما أحبّ أن أزيدك بيانا، وحسبك منى استعجال القيام، ثم نهضت وقام مودّعا لى، فالتزمنى وقال: بأبى أنت وأمى، ربّ لفظة مسموعة (٢)، ومحتقر نافع، فكن كما أظنّ، فخرجت مستقبلا وجهى، حتى وردت أمير المؤمنين، فوجدته منصرفا من صلاة العصر، فلما رآنى، قال: ما احتواك المضجع يا نباتة؟ فقلت: من خاف من وجه الصباح أدلج (٣) فسلّمت وانتبذت (٤) عنه، فتركنى حتى سكن جأشى، ثم قال: مهيم (٥)، فدفعت إليه الكتاب، فقرأه متبسما، فلما مضى فيه ضحك حتى بدت له سنّ سوداء، ثم استقصاه فانصرف إلىّ، فقال: كيف رأيت إشفاقه؟ قال: فقصصت عليه ما رأيت منه، فقال: صلوات الله على الصادق الأمين «إن من البيان لسحرا» ثم قذف الكتاب إلىّ فقال: اقرأ، فقرأته فإذا فيه:

стр. 785

٢٦١ - رد الحجاج على عبد الملك «بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أمير المؤمنين، وخليفة ربّ العالمين، المؤيّد بالولاية، المعصوم من خطل (١) القول، وزلل الفعل، بكفالة الله الواجبة لذوى أمره، من عبد اكتنفته الزّلّة، ومدّ به الصّغار (٢) إلى وخيم المرتع، ووبيل المكرع (٣) من جائل قادح، ومعتزّ فادح (٤)، والسلام عليك ورحمة الله التى اتسعت فوسعت، وكان بها التقوى إلى أهلها قائدا، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو راجيا لعطفك بعطفه (٥). أما بعد، كان الله لك بالدّعة (٦) فى دار الزّوال، والأمن فى دار الزّلزال، فإنه من عنّت (٧) به فكرتك يا أمير المؤمنين مخصوصا، فما هو إلا سعيد يؤثر، أو شقىّ يوتر (٨)، وقد حجبنى عن نواظر السّعد لسان مرصد، ونافس (٩) حقد، انتهز (١٠) به الشيطان حين الفكرة، فافتتح به أبواب الوسواس بما تحتويه الصدور، فواغوثاه! باستعاذة أمير المؤمنين من رجيم، إنّما سلطانه على الّذين يتولّونه، واعتصاما بالتوكل على من خصّه بما أجزل له من قسم (١١) الإيمان وصادق السّنّة، فقد أراد اللّعين أن يفتق

стр. 786

لأوليائه فتقا، نبا عنه كيده، وكثر عليه تحسّره، بلية قرع بها فكر أمير المؤمنين ملبّسا (١) وكادحا ومؤرّشا، ليفلّ من غربه (٢) الذى نصبنى، ويصيب ثأرا لم يزل به مؤتزّا (٣)، وأذكّره مامتّ (٤) به الأوائل قديما حتى لحقت بمثله منهم، ممّا كنت أبلوه (٥) من خسّة أقدار، ومزاولة أعمال، إلى أن وصلت ذلك بالتشرّط لروح ابن زنباع، وقد علم أمير المؤمنين- بفضل ما اختار الله له ﵎ من العلم المأثور الماضى- بأن الذى عيّر به القوم مصانعهم (٦)، من أشدّ ما كان يزاوله أهل القدمة (٧) الذين اجتبى الله منهم، وقد اعتصموا وامتعضوا (٨) من ذكر ما كان، وارتفعوا بما يكون، وما جهل أمير المؤمنين- وللبيان موقعه غير محتج ولا متعدّ (٩) - أنّ متابعة روح بن زنباع طريق إلى الوسيلة لمن أراد من فوقه، وأن روحا لم يلبسنى العزم الذى به رفعنى أمير المؤمنين عن خوله، وقد ألصقتنى بروح بن زنباع همّة لم تزل نواظرها ترمى بى البعيد، وتطالع الأعلام، وقد أخذت أمير المؤمنين نصيبا اقتسمه

стр. 787

الإشفاق من سخطه، والمواظبة على موافقته، فما بقى لنا بعد إلا صبابة (١) وإرث به تجول النفس، وتطرف (٢) النواظر، ولقد سرت بعين (٣) أمير المؤمنين سير المثبّط لمن يتلوه، المتطاول لمن يقدمه، غير مبتّ موجف (٤)، ولا متثاقل مجحف، ففتّ الطالب، ولحقت الهارب، حتى ثارت السّنّة (٥)، وبادت البدعة، وخسئ الشيطان، وحملت الأديان إلى الجادّة العظمى، والطريقة المثلى، فهأنذا يا أمير المؤمنين نصب المسألة لمن رامنى، وقد عقدت الحبوة (٦)، وقرنت الوظيفين لقائل محتجّ، أو لائم ملتجّ (٧) وأمير المؤمنين ولىّ المظلوم، ومعقل الخائف، وستظهر له المحنّة (٨) نبأ أمرى، ولكل نبأ مستقرّ، وما حفنت يا أمير المؤمنين فى أوعية ثقيف حتى روى الظمآن، وبطن الغرثان (٩)، وغصّت الأوعية، وانقدّت الأوكية (١٠) فى آل مروان، فأخذت ثقيف فضلا (١١) صار لها، لولاهم لقطته السائلة، ولقد كان ما أنكره أمير المؤمنين من تحاملى وكان ما لو لم يكن لعظم الخطب فوق ما كان، وإن أمير المؤمنين لرابع أربعة:

стр. 788

أحدهم ابنة (١) شعيب النبى ﷺ ، إذ رمت بالظن غرض اليقين، تفرّسا فى النجىّ (٢) المصطفى بالرسالة، فحقّ لها فيه الرجاء، وزالت شبهة الشك بالاختبار، وقبلها العزيز (٣) فى يوسف، ثم الصّديق (٤) فى الفاروق رحمة الله عليهما، وأمير المؤمنين فى الحجاج، وما حسد الشيطان يا أمير المؤمنين خاملا، ولا شرف بغير سجافكم (٥)، غبطة (٦) يا أمير المؤمنين الرّجيم أدبر منها، وله غواة ومرساة (٧)، وقد قلّت

стр. 789

حيلته، ووهن (١) كيده يوم كيت وكيت، ولا أظن أذكر لها من أمير المؤمنين، ولقد سمعت لأمير المؤمنين فى صالح صلوات الله عليه، وفى ثقيف مقالا هجم بى الرّجاء لعدله عليه، بالحجّة فى ردّه بمحكم التنزيل على لسان ابن عمه خاتم النبيين وسيد المرسلين، ﷺ ، فقد أخبر عن الله وحكاية غرّ الملأ (٢) من قريش عند الاختيار والافتخار، وقد نفخ الشيطان فى مناخرهم، فلم يدعوا خلف ما قصدوا إليه مواسى (٣)، «وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين (٤) عظيم» فوقع اختيارهم- عند المباهاة بنفخة الكبر وكبر الجاهلية- على الوليد ابن المغيرة المخزومى وأبى مسعود (٥) الثقفى، فصارا فى الافتخار بهما صنوين (٦)، ما أنكر اجتماعهما من الأمة منكر، فى مدّ صوت القرآن، ومبلّغ الوحى، وإن كان ليقال للوليد فى الأمة يومئذ «ريحانة قريش»، وما ردّ ذلك العزيز تعالى إلا بالرحمة الشاملة فى القسم السابق؛ فقال : «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»، وما قدّمتنى يا أمير المؤمنين ثقيف فى الاحتجاج لها، وإنّ لها مقالا رحبا، ومعاندة قديمة، إلا أن هذا من أيسر ما يحتجّ

стр. 790

به العبد المشفق على سيده المغضب، والأمر إلى أمير المؤمنين: عزل أم أقرّ (١)، وكلاهما عدل متّبع، وصواب معتدل، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله». قال نباتة: «فأتيت على الكتاب بمحضر أمير المؤمنين عبد الملك، فلما استوعبته سارقته النظر من الهيبة منه، فصادف لحظى لحظه، فقال: اقطعه ولا تعلمن بما كان أحدا، فلما مات عبد الملك فشا عنى الخبر بعد موته. (العقد الفريد ١: ٧٧) ٢٦٢ - كتاب الشعبى إلى الحجاج وكتب الشّعبى إلى الحجاج يسأله حاجة فاعتلّ عليه، فكتب إليه الشعبى: «والله لا عذرتك وأنت والى العراق، وابن عظيم (٢) القريتين» فقضى حاجته. (العقد الفريد ٣: ٨) ٢٦٣ - كتاب امرأة إلى زوجها (وكان مع الحجاج يحضر طعامه وهى فى سوء حال) روى أبو على القالى فى أماليه قال: كان رجل من أهل الشام مع الحجاج يحضر طعامه (٣)، فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك، فكتبت إليه:

стр. 791

أيهدى لى القرطاس، والخبز حاجتى ... وأنت على باب الأمير بطين (١) إذا غبت لم تذكر صديقا ولم تقم ... فأنت على ما فى يديك ضنين (٢) فأنت ككلب السوء جوّع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمين (الأمالى ٢: ١٣٨) ٢٦٤ - كتاب البخترى بن أبى صفرة إلى أخيه المهلب وروى أيضا قال: كان البخترىّ بن أبى صفرة من أكمل فتيان العرب جمالا وبيانا ونجدة وشعرا، وكان بنو المهلب يحسدونه لفضله، فدسّت إليه أمّ ولد عمارة بن قيس اليحمدى فراودته عن نفسه فأبى، فحملت عليه عمارة حتى شكاه إلى المهلب، وأكثر فى ذلك بنوه القول، فعرف ذلك فى وجه المهلّب فكتب إليه: جفوت امرأ لم ينب عما تريده ... وكان إلى ما تشتهيه يسارع تموت حفاظا دون ضيمك نفسه ... وأنت إلى ما ساءه متطالع كأنى أخو ذنب، وما كنت مذنبا ... ولكن دهتنى السّاريات الشّبادع (٣)

стр. 792

دببن (وقد نام الغفول) بعيبنا ... إليك إماء مومسات جوالع (١) فأوقدن نيران العداوة بيننا ... جهارا، ولم تسدد علىّ المطالع بغين أمورا لست ممّن أشاؤها ... ولو جعلت فى ساعدىّ الجوامع (٢) أأصبو بعرس الجار أن كان غائبا ... وتلك التى تستكّ منها المسامع (٣) فلست وربّ البيت أصبو بمثلها ... وربّى راء ما صنعت وسامع فإن تك عرس اليحمدىّ وأخته ... سرين فلا قاهن أليس خالع (٤) ببيت يراعى المومسات إذا دجا الظلام ... ، وجار البيت وسنان هاجع (٥) فما أنا ممن تطّبيه خريدة ... ولو أنها بدر من الأفق طالع (٦) وإنى لتنهانى خلائق أربع ... عن الفحش فيها للكريم روادع حياء وإسلام وشيب وعفّة ... وما المرء إلا ما حبته الطبائع (٧) وقد كنت فى عصر الشباب مجانبا ... صباى، فأنّى الآن والشيب شائع! فلا تقطعن منى وشائج سهمة ... فلا يصل الأبناء ما أنت قاطع (٨) وكافح بأجرامى الهياج إذا التظى ... شهاب من الموت المحرّق لامع تنبّه (وعهد الله) منى مشيّعا ... صبورا على اللّأواء والموت كانع (٩) (الأمالى ٢: ١٣٨)

стр. 793

٢٦٥ - رسالة الحسن البصرى إلى الحجاج وقال أحمد بن يحيى المرتضى فى كتابه «المنية والأمل»: كتب الحجاج إلى الحسن البصرى: «بلغنا عنك فى القدر شىء فاكتب إلينا» فكتب إليه رسالة طويلة نحن نذكر منها أطرافا: منها قوله: «سلام عليك أما بعد: فإن الأمير أصبح فى قليل من كثير مضوا، والقليل من أهل الخير مغفول عنهم، وقد أدركنا السّلف الذين قاموا لأمر الله، واستنّوا بسنة رسول الله ﵌، فلم يبطلوا حقّا، ولا ألحقوا بالربّ تعالى إلا ما ألحق بنفسه. ولا يحتجّون إلا بما يحتجّ الله تعالى به على خلقه، وقوله الحق «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» ولم يخلقهم لأمر ثم حال بينهم وبينه، لأنه تعالى ليس بظلّام للعبيد، ولم يكن أحد فى السّلف يذكر ذلك ولا يجادل فيه، لأنهم كانوا على أمر واحد، وإنما أحدثنا الكلام فيه لمّا أحدث الناس النّكرة له، فلمّا أحدث المحدثون فى دينهم ما أحدثوه، أحدث الله للمتمسكين بكتابه ما يبطلون به المحدثات، ويحذّرون به من المهلكات. ومنها قوله: فافهم أيها الأمير ما أقوله، فإن ما ينهى الله عنه فليس منه، لأنه لا يرضى ما يسخطه من العباد، لأنه تعالى يقول: «وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ» فلو كان الكفر من قضائه وقدره لرضى عمن عمله. ومنها قوله: ولو كان الأمر كما قال المخطئون لما كان لمتقدّم حمد لما عمل، ولا على متأخر لوم، ولقال تعالى: «جزاء بما عملت أيديهم» ولم يقل: «جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ».* ومنها قوله: «إن أهل الجهل قالوا: إن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء، ولو نظروا إلى ما قبل الآية وما بعدها، لتبيّن لهم أن الله تعالى لا يضل إلّا بتقدّم الفسق

стр. 794

والكفر لقوله تعالى: «وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ» أى يحكم بضلالهم، وقال: «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ». «وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ». ومنها قوله: واعلم أيها الأمير أن المخالفين لكتاب الله وعدله يقولون فى أمر دينهم بزعمهم على القضاء والقدر، ثم لا يرضون فى أمر دنياهم إلّا بالاجتهاد والبحث والطلب والأخذ بالجزم فيه، ولا يعملون فى أكثر دنياهم على القضاء والقدر. ومنها قوله محتجا بقوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» (١) فلو كان هو الذى دسّاها لما خيّب نفسه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا. (المنية والأمل ص ١٢) ٢٦٦ - كتاب بشر بن مروان إلى أخيه عبد العزيز وكتب بشر بن مروان إلى أخيه عبد العزيز بن مروان يعتذر عن كتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، لولا الهفوة لم أحتج إلى العذر، ولم يكن لك فى قبوله منى الفضل، ولو احتمل الكتاب أكثر مما ضمّنته لزدت فيه، وبقيّة (٢) الأكابر على الأصاغر من شيم الأكارم، ولقد أحسن مسكين الدارمىّ حيث يقول: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح (٣) وإنّ ابن عمّ المرء (فاعلم) جناحه ... وهل ينهض البازى بغير جناح؟ (مفتاح الأفكار ص ١٧٧) ٢٦٧ - كتب بين عبد الملك وأخيه عبد العزيز وروى الطبرى قال: كتب الحجاج إلى عبد الملك يزيّن له بيعة الوليد، وأوفد وفدا فى ذلك عليهم

стр. 795

عمران بن عصام العنزىّ، فقام عمران خطيبا فتكلم وتكلم الوفد، وحثّوا عبد الملك وسألوه ذلك. ولما أراد عبد الملك أن يخلع أخاه عبد العزيز ويبايع لابنه الوليد، كتب إلى أخيه: «إن رأيت أن تصيّر هذا الأمر لابن أخيك» فأبى، فكتب إليه: «فاجعلها له من بعدك، فإنه أعزّ الخلق على أمير المؤمنين» فكتب إليه عبد العزيز: «إنى أرى فى أبى بكر بن عبد العزيز ما ترى فى الوليد» فقال عبد الملك: اللهم إن عبد العزيز قطعنى فاقطعه، فكتب إليه عبد الملك «احمل خراج مصر». فكتب إليه عبد العزيز: «يا أمير المؤمنين، إنى وإياك قد بلغنا سنّا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا، وإنى لا أدرى ولا تدرى: أيّنا يأتيه الموت أوّلا؟ فإن رأيت أن لا تغنّث (١) علىّ بقيّة عمرى فافعل». فرقّ له عبد الملك وقال: لعمرى لا أغتّث عليه بقية عمره، ثم إن عبد العزيز وافته منيّته (سنة ٨٥ هـ) فبايع عبد الملك لابنه الوليد، ثم لسليمان من بعده، وكتب ببيعته لهما إلى البلدان. (تاريخ الطبرى ٨: ٥٤)

стр. 796

٢٦٨ - بين عبد الملك وهشام بن إسماعيل «وكان عامل عبد الملك على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومىّ، فكتب إليه عبد الملك أن يدعو الناس لبيعة الوليد وسليمان، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا ودعا سعيد ابن المسيّب (١) أن يبايع لهما، فأبى، وقال: لا، حتى أنظر، فضربه هشام ستين سوطا وطاف به فى تبّان (٢) شعر وحبسه، وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه، وما كان من أمره: فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع، ويقول: «سعيد والله كان أحوج أن تصل رحمه (٣) من أن تضربه، وإنا لنعلم: ما عنده من شقاق ولا خلاف». هذا ما رواه الطبرى، وروى ابن خلّكان فى وفيات الأعيان. قال: قال يحيى ابن سعيد: كتب هشام بن إسمعيل والى المدينة إلى عبد الملك بن مروان: «إن أهل المدينة قد أطبقوا (٤) على البيعة الوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب». فكتب إليه أن: «اعرضه على السيف، فإن مضى (٥) فاجلده خمسين جلدة، وطف به أسواق المدينة». (تاريخ الطبرى ٨: ٦، ووفيات الأعيان ١: ٢٠٧)

стр. 797

خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ٨٦ - ٩٦ ٢٦٩ - كتاب الحجاج إلى الوليد لما ولى الوليد بن عبد الملك الخلافة كتب إليه الحجاج: «أما بعد، فإن الله تعالى استقبلك يا أمير المؤمنين فى حداثة سنّك بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك، من التمكين فى البلاد، والملك للعباد، والنصر على الأعداء، فعليك بالإسلام فقوّم أوده (١) وشرائعه وحدوده، ودع عنك محبة الناس وبغضهم وسخطهم، فإنهم قلّما يؤتى الناس من خير وشر إلا أفشوه فى ثلاثة أيام والسلام». (الإمامة والسياسة ٢: ٤٢) ٢٧٠ - كتاب الحجاج إلى الوليد وكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج أن صف لى سيرتك فكتب إليه: «إنى أيقظت رأيى وأنمت هواى، فأدنيت السّيّد المطاع فى قومه، وولّيت الحرب الحازم (٢) فى أمره، وقلّدت الخراج الموفّر لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسى قسما أعطيه حظا من لطيف عنايتى ونظرى، وصرفت السيف إلى النّطف (٣) المسىء، والثّواب إلى المحسن البرىء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسّك المحسن بحظّه من الثواب». (العقد الفريد ١: ٨ و ٣: ١٣)

стр. 798

٢٧١ - كتاب شريح إلى صديق له ووقع بالكوفة وباء، فخرج الناس وتفرقوا فى النّجف، فكتب شريح (١) إلى صديق له خرج بخروج الناس: «أما بعد، فإنك بالمكان الذى أنت فيه بعين من لا يعجزه هرب، ولا يفوته طلب، وإن المكان الذى خلفّت لا يعجّل لأحد حمامه، ولا يظلمه أيامه، وإنا وإياك لعلى بساط واحد، وإن النجف من ذى قدرة لقريب». (زهر الآداب ٣: ٣٣٧) ٢٧٢ - كتاب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم وولى الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلى خراسان، فقدمها سنة ٨٦ هـ- وغزا آخرون وشومان- وهما من طخارستان (٢) - وصالحه أهلها على فدية أدّوها إليه فقبلها، ثم قفل (٣) إلى مرو، وخلّف الجند، واستخلف عليهم أخاه صالح بن مسلم، فأخذوا طريق بلخ إلى مرو، وبلغ الحجاج، فكتب إليه يلومه ويعجّز رأيه فى تخليفه الجند وكتب إليه: «إذا غزوت فكن فى مقدّم الناس، وإذا قفلت فكن فى أخرياتهم وساقتهم (٤)» (تاريخ الطبرى ٨: ٦٠) ٢٧٣ - بين الحجاج وقتيبة قال الطبرى: وغزا قتيبة وردان خذاه ملك بخارى سنة ٨٩ هـ، فلم يطقه، ولم يظفر من البلد

стр. 799

بشىء، فرجع إلى مرو وكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج: أن صوّرها لى، فبعث إليه بصورتها، فكتب إليه الحجاج أن: «ارجع إلى مراغتك (١)، فتب إلى الله مما كان منك، وأتها من مكان كذا وكذا». وقيل: كتب إليه الحجاج أن: «كس بكسّ (٢)، وانسف نسف (٣)، ورد وردان، وإياك والتّحويط (٤)، ودعنى من بنيّات (٥) الطريق». فخرج إلى بخارى سنة ٩٠ غازيا، ففتحها وهزم جنود وردان خذاه، ومن استنصرهم من السّغد والترك ومن حولهم. ورجع قتيبة إلى مرو، وكتب إلى الحجاج: «إنى بعثت عبد الرحمن بن مسلم، ففتح الله على يديه». وكان قد شهد الفتح مولى للحجاج، فقدم فأخبره الخبر، فغضب الحجاج على قتيبة، فاغتمّ لذلك، فقال له الناس: ابعث وفدا من بنى تميم وأعطهم وأرضهم يخبروا الأمير أن الأمر على ما كتبت، ففعل، فلما قدموا على الحجاج صاح بهم وعابهم، ودعا بالحجّام بيده مقراض (٦)، فقال: لأقطعن ألسنتكم أو لتصدقنّنى، قالوا: الأمير قتيبة، وبعث عليهم عبد الرحمن، فالفتح للأمير، والرأس الذى يكون على الناس، فسكن الحجاج. (تاريخ الطبرى ٨: ٦٧، ٦٩)

стр. 800

٢٧٤ - بين الوليد وعمر بن عبد العزيز وفى سنة ٨٨ هـ بعث الوليد إلى عمر بن عبد العزيز- وكان عامله على المدينة- بكتاب يأمره بإدخال حجر أزواج رسول الله ﷺ فى مسجد رسول الله، وأن يشترى ما فى مؤخره ونواحيه حتى يكون مائتى ذراع فى مائتى ذراع، ويقول له: «قدّم القبلة إن قدرت- وأنت تقدر- لمكان أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فمر أهل المصر فليقوّموا له قيمة عدل، ثم اهدم عليهم وادفع إليهم الأثمان، فإن لك فى ذلك سلف صدق عمر وعثمان». فأقرأهم كتاب الوليد، فأجاب القوم إلى الثمن فأعطاهم إياه، وأخذ فى هدم بيوت أزواج النبى ﷺ وبناء المسجد، فلم يمكث إلا يسيرا حتى قدم الفعلة، بعث بهم الوليد. وفى هذه السنة أيضا كتب الوليد إلى عمر فى تسهيل الثّنايا (١) وحفر الآبار بالمدينة، وخرجت كتبه إلى البلدان بذلك، وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسرى بذلك- وكان على مكة-. وكتب الوليد أيضا إلى عمر أن يعمل الفوّارة التى كانت عند دار يزيد بن عبد الملك، فعملها عمر وأجرى ماءها، فلما حج الوليد وقف عليها، فنظر إلى بيت الماء والفوارة فأعجبته، وأمر لها بقوّام يقومون عليها، وأن يسقى أهل المسجد منها ففعل ذلك. (تاريخ الطبرى ٨: ٦٥، ٦٦) ٢٧٥ - كتب بين الحجاج والوليد وسليمان ابنى عبد الملك ولم يجتزئ الحجاج بعزل يزيد بن المهلّب عن خراسان كما قدمنا، بل حبسه هو وإخوته، وأغرمهم ستة آلاف ألف وعذّبهم (٢)، فأعملوا الحيلة فى الفرار من سجنه

стр. 801

(سنة ٩٠ هـ) ففزع الحجاج وذهب وهمه أنهم ذهبوا قبل خراسان، وكان يقول: إنى لأظنه يحدّث نفسه بمثل الذى صنع ابن الأشعث، وكتب إلى الوليد: يخبره بهربهم وأنه لا يراهم أرادوا إلا خراسان، وبعث البريد إلى قتيبة بن مسلم يحذّره قدومهم، ويأمره أن يستعدّ لهم، وبعث إلى أمراء الثغور والكور أن يرصدوهم ويستعدوا لهم. ومضى يزيد وإخوته حتى قدموا الشام، فلاذوا بسليمان بن عبد الملك متعوّذين به فأجارهم، فكتب الحجاج إلى الوليد: «إن آل المهلّب خانوا مال الله، وهربوا منى، ولحقوا بسليمان بن عبد الملك أخى أمير المؤمنين، وولىّ عهد المسلمين، وإن أمير المؤمنين أعلى رأيا». فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان، هوّن عليه بعض ما كان فى نفسه، وطار غضبا للمال الذى ذهب به، وكتب إلى أخيه سليمان بذلك. فكتب سليمان إلى الوليد: «إن يزيد بن المهلّب عندى، وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، كان الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف، فأدّوا ثلاثة آلاف ألف، وبقى ثلاثة آلاف ألف، فهى علىّ. أو كتب إليه: «يا أمير المؤمنين: إنى ما أجرت يزيد بن المهلّب إلا لأنه هو وأبوه وإخوته من صنائعنا قديما وحديثا، ولم أجر عدوا لأمير المؤمنين، وقد كان الحجاج قصده وعذّبه وغرّمه أربعة آلاف ألف درهم ظلما، ثم طالبه بثلاثة آلاف ألف درهم، وقد سار إلىّ واستجار بى فأجرته، وأنا أغرم عنه هذه ثلاثة آلاف ألف الدرهم، فإن رأى أمير المؤمنين

стр. 802

ألّا يخزينى فى ضيفى فليفعل، فإنه أهل الفضل والكرم». فكتب إليه الوليد: «لا والله، لا أومنه حتى تبعث به إلىّ فى وثاق (١)». فكتب إليه سليمان: «ولئن أنا بعثت به إليك لأجيئنّ معه، فأنشدك الله (٢) أن لا تفضحنى ولا تخفرنى (٣)». فكتب إليه الوليد: والله لئن جئتنى لا أومنه». فقال يزيد: ابعثنى إليه، فو الله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا، ابعث إليه بى وأرسل معى ابنك، واكتب إليه بألطف ما قدرت عليه. فأحضر سليمان ابنه أيوب فقيّده ودعا يزيد بن المهلّب فقيّده، ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا بسلسلة وغلّهما جميعا بغلّين، وأرسلهما إلى أخيه الوليد، فدخلا عليه، فلما رأى الوليد ابن أخيه فى سلسلة أطرق استحياء، وقال: لقد أسأنا إلى أبى أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ، ودفع الغلام كتاب أبيه إلى عمه، وقال: يا أمير المؤمنين، نفسى فداؤك، لا تخفر ذمة أبى وأنت أحقّ من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة فى جوارنا لمكاننا منك، ولا تذلّ من رجا العز فى الانقطاع إلينا لعزّنا بك». وكان فى الكتاب: «لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك، أما بعد: يا أمير المؤمنين، فو الله إن كنت لأظنّ- لو استجار بى عدو قد نابذك (٤) وجاهدك فأنزلته وأجرته- أنك لا تذلّ جارى ولا تخفر جوارى، بل لم أجر إلا سامعا مطيعا حسن البلاء والأثر فى الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك، فإن كنت إنما

стр. 803

تغزو (١) قطيعتى، والإخفار لذمتى، والإبلاغ فى مساءتى، فقد قدرت إن أنت فعلت، وأنا أعيذك بالله من احتراد (٢) قطيعتى، وانتهاك حرمتى، وترك برّى وصلتى، فو الله يا أمير المؤمنين ما تدرى ما بقائى وبقاؤك، ولا متى يفرّق الموت بينى وبينك، فإن استطاع أمير المؤمنين- أدام الله سروره- أن لا يأتى علينا أجل الوفاة إلا وهو لى واصل، ولحقّى مؤدّ، وعن مساءتى نازع (٣)، فليفعل، والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشىء من أمر الدنيا- بعد تقوى الله فيها- بأسرّ منى برضاك وسرورك، وإن رضاك مما ألتمس به رضوان الله، فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد يوما من الدهر مسرّتى وصلتى وكرامتى وإعظام حقى، فتجاوز لى عن يزيد، وكلّ ما طلبته به فهو علىّ». أو كتب إليه. «أما بعد، يا أمير المؤمنين فقد وجّهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان، ولقد هممت أن أكون ثالثهما، فإن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد فبالله عليك ابدأ بأيوب من قبله، ثم اجعل يزيد ثانيا واجعلنى إذا شئت ثالثا، والسلام». فلما قرأ كتابه قال: لقد شققنا (٤) على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلم يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفر فلسنا كافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت فى طاعتكم، والطعن فى أعين أعدائكم، فى المواطن العظام فى المشارق والمغارب، ما إنّ المنّة علينا فيها عظيمة». فقال له: اجلس فجلس، فآمنه وكف عنه، ورجع إلى سليمان، وسعى إخوته فى المال الذى عليه.

стр. 804

وكتب الوليد إلى الحجاج: «إنى لم أصل إلى يزيد وأهل بيته مع سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلىّ فيهم» فلما رأى ذلك الحجاج كف عنهم. (تاريخ الطبرى ٨: ٧٣، وثمرات الأوراق ص ٢٠٨، ووفيات الأعيان ٢: ٢٧٠) ٢٧٦ - كتاب الحجاج إلى قتيبة وكتب الحجاج إلى قتيبة: «إنى قد نظرت فى سنّى، فإذا أنا قد بلغت خمسين سنة، وأنت نحو منى فى السّنّ (١)، وإنّ امرأ قد سار نحو خمسين حجّة (٢) إلى مورد، لقمن (٣) أن يورده». (الأغانى ١٨: ١١٩، وسرح العيون ص ١٢٢) ٢٧٧ - كتاب الحجاج إلى قتيبة وكتب الحجاج إلى قتيبة: «إنى قد طلقت بنت قطن الهلالية عن غير ريبة، فتزوّجها».

стр. 805

٢٧٨ - رد قتيبة على الحجاج فكتب إليه قتيبة: «ليس كلّ مطالع الأمير أحبّ أن أطلع». فقال الحجاج. ويل أمّ (١) قتيبة! إعجابا بقوله. (سرح العيون ص ١٢٨) ٢٧٩ - كتاب الحجاج إلى قتيبة وكتب الحجاج إلى قتيبة أن: «ابعث إلىّ بالآدم (٢) الجعدىّ الذى يفهمنى ويفهم عنى». فبعث إليه عرام (٣) بن شتير، فقال الحجاج: «لله درّه (٤)، ما كتبت إليه فى أمر قطّ إلا فهم عنى وعرف ما أريد». (البيان والتبيين ١: ٢٠٦) ٢٨٠ - كتاب الحجاج إلى قتيبة وكتب الحجاج إلى قتيبة: «أما بعد، فإن وكيع بن حسّان كان بالبصرة، ثم صار لصّا بجستان، ثم صار

стр. 806

إلى خراسان، فإذا أتاك كتابى هذا فاهدم بناءه، واحلل فناءه (١). وكان على شرطة قتيبة فعزله. (العقد الفريد ١: ١٧) ٢٨١ - كتاب قتيبة إلى الحجاج ورده عليه وكتب قتيبة إلى الحجاج: يشكو قلّة مرزئته (٢) من الطعام، وقلّة غشيانه النساء وحصره على المنبر، فكتب إليه: «استكثر من الألوان لتصيب من كل صحفة شيئا، واستكثر من الطّروقة (٣) تجد بذلك قوّة على ما تريد، وأنزل الناس بمنزلة رجل واحد من أهل بيتك وخاصّتك وارم ببصرك أمامك تبلغ حاجتك». (عيون الأخبار ٥: ١٧٤) ٢٨٢ - كتاب الحجاج إلى الوليد وتوفّى محمد بن يوسف أخو الحجاج (سنة ٩١ هـ) وهو والى اليمن، فكتب الوليد إلى الحجاج يعزيه، فكتب الحجاج جوابه: «يا أمير المؤمنين، ما التقيت أنا ومحمد منذ كذا وكذا سنة إلا عاما واحدا، وما غاب عنى غيبة أنا لقرب اللّقاء فيها أرجى من غيبته هذه فى دار لا يتفرّق فيها مؤمنان». (وفيات الأعيان ١: ١٢٦) ٢٨٣ - كتاب الحجاج إلى الوليد وكتب الحجاج إلى الوليد بعد وفاة أخيه محمد بن يوسف: «أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنّه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون

стр. 807

ومائة ألف دينار، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا ﵀». ٢٨٤ - رد الوليد على الحجاج فكتب إليه الوليد: «أما بعد: فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد بن يوسف، وإنما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، فترحّم عليه، ﵀». (الكامل للمبرد ١: ٢٤٨) ٢٨٥ - كتاب مسلمة بن عبد الملك إلى الوليد وكتب مسلمة بن عبد الملك وهو غاز بقسطنطينية إلى أخيه الوليد: أرقت وصحراء الطّوانة بيننا ... لبرق تلالا نحو غمرة يلمح (١) أزاول أمرا لم يكن ليطيقه ... من القوم إلا اللّوذعىّ الصّمحمح (٢) (معجم البلدان ٦: ٦٦) ٢٨٦ - كتاب سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج وروى صاحب العقد الفريد قال: كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج فى أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها، فكتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل الطاعة من عباد الله، أما بعد: فإنك امرؤ مهتوك عنه حجاب الحقّ، مولع

стр. 808

بما عليك لا لك، منصرف عن منافعك، تارك لحظّك، مستخفّ بحق الله وحقّ أوليائه، لا ما سلف إليك من خير يعطفك، ولا ما عليك لا لك تصرفه فى مهمّة من أمرك، معموه (١) معصوصر (٢) عن الحق اعصيصارا، لا تسكت عن قبيح، ولا ترعوى عن إساءة، ولا ترجو لله وقارا، حتى دعيت فاحشا سبّابا، فقس شبرك بفترك، واخرز زمام نعل بحذو (٣) مثله قائم، وايم الله لئن أمكننى الله منك لأدوسنّك دوسة تلين منها فرائصك، ولأجعلنّك شريدا فى الجبال، تلوذ بأطراف الشّمال، ولأعلّقنّ الرّوميّة الحمراء (٤) بثدييها، علم الله ذلك منى (٥) وقضى لى به علىّ، فقدما (٦) غرّتك العافية، وانتحيت (٧) أعراض الرجال، فإنك قدرت فبذخت (٨)، وظفرت فتعدّيت، فرو يدك حتى تنظر كيف يكون مصيرك إن كانت بى وبك مدة أتعلّق بها، وإن تكن الأخرى، فأرجو أن تئول إلى مذلّة ذليلة، وخزية (٩) طويلة، ويجعل مصيرك فى الآخرة شرّ مصير، والسلام». (العقد الفريد ٣: ١٦)

стр. 809

٢٨٧ - رد الحجاج على سليمان فكتب إليه الحجاج: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تذكر أنى امرؤ مهتوك عنى حجاب الحق، مولع بما علىّ لالى، منصرف عن منافعى، تارك لحظى، مستخفّ بحق الله وحقّ ولىّ الحق، وتذكر أنك ذو مصاولة (١)، ولعمرى إنك لصبى حديث السّن، تعذر بقلة عقلك، وحداثة سنك، ويرقب فيك غيرك. فأمّا كتابك إلىّ، فلعمرى لقد ضعف فيه عقلك، واستخفّ به حلمك، فلله أبوك! أفلا انتصرت بقضاء الله دون قضائك، ورجاء الله دون رجائك، وأمتّ غيظك، وأمنت عدوّك، وسترت عنه تدبيرك، ولم تنبّهه فيلتمس من مكايدتك ما تلتمس من مكايدته! ولكنك لم تشفّ (٢) بالأمور علما، ولم ترزق من أمرك حزما جمعت أمورا دلّاك فيها الشيطان على أسوإ أمرك، فكان الجفاء من خليقتك، والحمق من طبيعتك، وأقبل بك الشيطان وأدبر، وحدّثك أنك لن تكون كاملا حتى تتعاطى ما يعيبك، فتحذلقت (٣) حنجرتك لقوله، واتسع جوانبها لكذبه. وأما قولك: لو ملّكك الله لعلّقت زينب ابنة يوسف بثدييها، فأرجو أن بكرمها الله بهوانك، وأن لا يوفّق ذلك لك إن كان ذلك من رأيك، مع أنى أعرف أنك كتبت إلىّ والشيطان بين كتفيك، فشرّ ممل عليك على شر كاتب راض بالخسف (٤)، فأحر بالحمق أن لا يدلّك على هدى، ولا يردك إلّا إلى ردى، وتحلّب (٥)

стр. 810

فوك للخلافة، فأنت شامخ البصر طامح النظر، تظن أنك حين تملكها، لا تنقطع عنك مدّتها، إنها للقطة (١) الله، أسأل الله أن يلهمك فيها الشكر، مع أنى أرجو أن ترغب فيما رغب فيه أبوك وأخوك، فأكون لك مثلى لهما، وإن نفخ الشيطان فى منخريك (٢) فهو أمر أراده الله نزعه عنك، وإخراجه إلى من هو أكمل به منك، ولعمرى إنها النصيحة، فإن تقبلها فمثلها قبل، وإن تردّها علىّ اقتطعتها دونك، وأنا الحجاج». (العقد الفريد ٣: ١٦) ٢٨٨ - كتاب الحجاج إلى سليمان وروى الجاحظ فى البيان والتبيين قال: قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف، فأمرهم بشتم الحجاج فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم: «إنّ عدوّ الله الحجاج كان عبدا زبّابا (٣)، قنوّر
следующие страницы →