← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أبد الأبد، فمن آذاهم فيها آذاه الله (١)». شهد بذلك أبو بكر بن أبى قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وعلىّ ابن أبى طالب، ومعاوية بن أبى سفيان، وكتب. (السيرة الحلبية ٢: ٣٣٦، وصبح الأعشى ١٣: ١٢٠، ومعجم البلدان ٣: ٢٠٨ وتهذيب تاريخ ابن عساكر ٣: ٣٥٢، والمواهب شرح الزرقانى ٣: ٤١١) ٤٤ - كتاب أبى بكر رضى الله عنه لهم (٢) فلما قبض رسول الله ﷺ وولى أبو بكر رضى الله عنه ووجّه الجنود إلى الشأم، كتب لهم كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. من أبى بكر الصّديق إلى أبى عبيدة بن الجرّاح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد فى قرى الدّارّيين، وإن كان أهلها قد جلوا عنها، وأراد الدّاربّون أن يزرعوها، فليزرعوها بلا خراج، فإذا رجع أهلها إليها فهى لهم، وأحقّ بهم، والسلام عليك». (تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣: ٣٥٢ وصبح الأعشى ١٣: ١٢٠ والمواهب شرح الزرقانى ٣: ٤١١) رواية أخرى ٤٥ - كتابه ﷺ للداريين وروى أن تميم بن أوس الدّارىّ قام فقال: يا رسول الله! إن لى جيرة من الرّوم بفلسطين لهم قرية يقال لها حبرى، وأخرى يقال لها بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشأم فهبهما لى، قال: هما لك، قال: فاكتب لى بذلك، فكتب له:

стр. 72

«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الدارىّ، إن له قرية حبرى وبيت عينون قريتها كلّها: سهلها وجبلها وماءها وحرثها وأنباطها (١) ونفرها (٢) ولعقبه من بعده، لا يحاقّه (٣) فيها أحد، ولا يلجها (٤) عليهم أحد بظلم، فمن ظلمهم، أو أخذ من أحد منهم شيئا، فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين». (تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣: ٣٥٣، وصبح الأعشى ١٣: ١٢١) ٤٦ - كتاب أبى بكر رضى الله لهم فلما ولى أبو بكر رضى الله عنه كتب لهم كتابا نسخته: «هذا كتاب من أبى بكر أمين رسول الله ﷺ الذى استخلف فى الأرض بعده. كتبه للدّاريّين أن لا تفسد عليهم مأثرتهم (٥) قرية حبرى وبيت عينون، فمن كان يسمع ويطيع فلا يفسد منهما شيئا، وليقم عمرو بن العاص عليهما فليمنعهما من المفسدين». (تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣: ٥٣، وصبح الأعشى ١٣، ١٢١) رواية ثالثة ٤٧ - كتابه ﷺ لهم وروى أن النبى ﷺ أقطع تميما الدارى، وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الدارىّ،

стр. 73

إن له صهيون (١) قريتها كلها، سهلها وجبلها وماءها وكرومها وأنباطها وورقها، ولعقبه من بعده لا يحاقّه فيها أحد، ولا يدخل عليه بظلم، فمن أراد ظلمهم أو أخذه منهم فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٢)». (صبح الأعشى ١٣: ١٢٢) ٤٨ - كتابه ﷺ إلى نصارى نجران وكتب ﷺ إلى نصارى نجران (٣). «بسم الله الرحمن الرحيم، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد، فإنى أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام (٤)». (صبح الأعشى ٦: ٣٨٠ و ٣٨١) ٤٩ - عهده ﷺ لأهل نجران وفتحت «نجران» سنة عشر صلحا، وفى هذه السنة قدم على النبى ﷺ وفد نجران، وفيهم السيّد واسمه وهب، والعاقب واسمه عبد المسيح، والأسقفّ وهو أبو حارثة، وأراد رسول الله ﷺ مباهلتهم فامتنعوا وصالحوه، فكتب لهم كتاب الصلح (٥)، ونسخته:

стр. 74

«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمد النبى رسول الله لأهل نجران، إذ كان له عليهم حكمه فى كل ثمرة وفى كلّ صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق (١)، فأفضل (٢) ذلك عليهم، وترك ذلك كلّه لهم، على ألفى حلّة من حلل الأواقى، فى كل رجب ألف حلّة، وفى كل صفر ألف حلّة، كل حلّة أوقيّة (٣) من الفضة، فما زادت

стр. 75

على الخراج، أو نقصت عن الأواقى فبالحساب (١)، وما قضوا من دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عروض (٢) أخذ منهم بالحساب. وعلى نجران مثوى (٣) رسلى شهرا فدونه، ولا تحبس رسلى فوق شهر، وعليهم عاريّة (٤) ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، إذا كان كيد باليمن ومعرّة (٥)، وما هلك مما أعاروا رسلى من دروع أو خيل، أو ركاب، أو عروض، فهم ضمن (٦) حتى يردّوه إليهم. ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمّة محمد النبى رسول الله، على أموالهم وأنفسهم، وأرضهم وملّتهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وبيعهم (٧)، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغيّر أسقفّ عن أسقفّيّته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن

стр. 76

عن كهانته (١)، وليس عليهم دنيّة (٢)، ولا دم جاهليّة، ولا يحشرون، ولا يعشرون (٣)، ولا يطأ أرضهم جيش. ومن سأل منهم حقا فبينهم النّصف (٤) غير ظالمين، ولا مظلومين، ومن أكل منهم ربا من ذى قبل (٥) فذمّتى منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، ولهم على ما فى هذا الكتاب جوار الله، وذمة محمد النبى رسول الله أبدا، حتى يأتى الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منفلتين (٦) بظلم». شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بنى نصر، والأقرع بن حابس الحنظلى، والمغيرة بن شعبة، وكتب (٧). (كتاب الخراج لأبى يوسف ص ٨٥، وفتوح البلدان للبلاذرى ص ٧١)

стр. 77

٥٠ - عهد أبى بكر رضى الله عنه لهم (١) ثم جاءوا بعد وفاته ﷺ إلى أبى بكر رضى الله عنه، فكتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب به عبد الله أبو بكر خليفة محمد النبى رسول الله ﷺ ، لأهل نجران. أجارهم بحوار الله وذمّة محمد النبى رسول الله ﷺ على أنفسهم وأرضيهم، وملّتهم وأموالهم، وحاشيتهم وعبادتهم، وغائبهم وشاهدهم، وأساقفتهم ورهبانهم وبيعهم، وكلّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يغيّر أسقفّ عن أسقفيّته، ولا راهب عن رهبانيته، وفاء لهم بكل ما كتب لهم محمد النبى ﷺ ، وعلى ما فى هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبى ﷺ أبدا، وعليهم النّصح والإصلاح فيما عليهم من الحق». شهد المستورد بن عمرو أحد بنى القين، وعمرو مولى أبى بكر، وراشد بن حذيفة والمغيرة، وكتب. (كتاب الخراج ص ٨٧) صورة أخرى وروى الطبرى هذا العهد، بصورة تختلف بعض الاختلاف عن الصورة السالفة، قال: ولما بلغ أهل نجران وفاة رسول الله ﷺ ، بعثوا وفدا ليجددوا عهدا، فقدموا إليه، فكتب لهم كتابا: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عبد الله أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ لأهل نجران.

стр. 78

أجارهم من جنده ونفسه، وأجاز لهم ذمّة محمد ﷺ ، إلا ما رجع عنه محمد رسول الله ﷺ ، بأمر الله فى أرضهم وأرض العرب، أن لا يسكن بها دينان. أجارهم على أنفسهم بعد ذلك وملّتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم وعبادتهم (١) وغائبهم وشاهدهم وأسقفّهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت، وعلى ما ملكت أيديهم من قليل أو كثير، عليهم ما عليهم. فإذا أدّوه فلا يحشرون ولا يعشرون، ولا يغيّر أسقفّ من أسقفيّته، ولا راهب من رهبانيته، ووفى لهم بكل ما كتب لهم رسول الله ﷺ ، وعلى ما فى هذا الكتاب ذمة محمد رسول الله ﷺ وجوار المسلمين، وعليهم النصح والإصلاح فيما عليهم من الحق». شهد المسور بن عمرو، وعمرو مولى أبى بكر. (تاريخ الطبرى ٣: ٢٦٥) ٥١ - عهد عمر رضى الله عنه لهم ثم جاءوا من بعد أن استخلف عمر رضى الله عنه إليه، وقد كان عمر أجلاهم عن نجران اليمن، وأسكنهم بنجران العراق (٢) لأنه خافهم على المسلمين، فكتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب به عمر أمير المؤمنين لأهل نجران، من سار منهم فهو آمن بأمان الله لا يضرّه أحد من المسلمين، وفاء لهم بما كتب محمد النبى ﷺ وأبو بكر رضى الله عنه.

стр. 79

أما بعد فمن مروا به من أمراء الشأم وأمراء العراق فليو سعهم (١) من حرث (٢) الأرض، فما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة لوجه الله، وعقبة (٣) لهم مكان أرضهم، لا سبيل عليهم فيه لأحد ولا مغرم. أما بعد: فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم افإنهم أقوام لهم الذمة، وجزيتهم متروكة أربعة وعشرين شهرا بعد أن يقدموا، ولا يكلّفوا إلّا صنعهم البر، غير مظلومين ولا معتدى عليهم». شهد عثمان بن عفان ومعيقيب (٤)، وكتب. (كتاب الخراج ص ٨٧، وفتوح البلدان للبلاذرى ص ٧٢، ٧٣) ٥٢ - عهد عثمان رضى الله عنه لهم فلما قبض عمر رضى الله عنه واستخلف عثمان أتوه إلى المدينة، فكتب لهم إلى الوليد ابن عقبة- وهو عامله على الكوفة-: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى الوليد بن عقبة، سلام الله عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد: فإن الأسقفّ والعاقب وسراة أهل نجران الذين بالعراق أتونى فشكوا إلىّ وأرونى شرط عمر لهم، وقد علمت ما أصابهم من المسلمين، وإنى قد خفّفت عنهم ثلاثين حلّة من جزيتهم تركتها لوجة الله تعالى جل ثناؤه، وإنى وفيت لهم بكل أرضهم

стр. 80

التى تصدّق عليهم عمر عقبى (١) مكان أرضهم باليمن، فاستوص بهم خيرا فإنهم أقوام لهم ذمّة، وكانت بينى وبينهم معرفة، وانظر صحيفة كان عمر كتبها لهم فأوفهم ما فيها، وإذا قرأت صحيفتهم فارددها عليهم والسلام». وكتب حمران بن أبان، للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين. (كتاب الخراج ص ٨٨) رواية أخرى وروى البلاذرىّ فى فتوح البلدان عهد عثمان لهم هكذا: «أما بعد فإن العاقب والأسقفّ وسراة نجران أتونى بكتاب رسول الله ﷺ ، وأرونى شرط عمر، وقد سألت عثمان بن حنيف عن ذلك، فأنبأنى أنه كان بحث عن أمرهم فوجده ضارّا للدّهاقين (٢) لردعهم عن أرضهم، وإنى قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتى حلّة لوجه الله، وعقبى لهم من أرضهم، وإنى أوصيك بهم فإنهم قوم لهم ذمّة». (فتوح البلدان للبلاذرى ص ٧٣) ٥٣ - عهد علىّ رضى الله عنه لهم فلما استخلف علىّ رضوان الله عليه وقدم العراق أتاه أسقفّ نجران ومعه كتاب فى أديم أحمر فقال: أسألك يا أمير المؤمنين خطّ يدك وشفاعة لسانك- يعنى لما رددتنا إلى بلادنا- فأبى علىّ أن يردهم وقال: ويحك! إن عمر كان رشيد الأمر- وكان عمر أجلاهم لأنه خافهم على المسلمين، وقد كانوا اتخذوا الخيل والسلاح فى بلادهم، فأجلاهم عن نجران اليمن وأسكنهم نجران العراق-

стр. 81

ثم كتب لهم علىّ رضى الله عنه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عبد الله علىّ بن أبى طالب أمير المؤمنين لأهل النجرانية، إنكم أتيتمونى بكتاب من نبى الله ﷺ فيه شرط لكم على أنفسكم وأموالكم، وإنى وفيت لكم بما كتب لكم محمد ﷺ وأبو بكر وعمر، فمن أتى عليهم من المسلمين فليف لهم ولا يضاموا ولا يظلموا ولا ينتقص حق من حقوقهم». وكتب عبد الله بن أبى رافع، لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين. (كتاب الخراج ص ٨٨) ٥٤ - كتابه ﷺ فى الصدقات ومن كتبه ﷺ كتابه فى الصّدقات الذى كان عند أبى بكر الصديق رضى الله عنه. روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن أبا بكر لما استخلف بعثه إلى البحرين عاملا عليها، وكتب له هذا الكتاب، وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصّدقة (١) التى فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتى أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط. فى أربع (٢) وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، فى كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض (٣) أنثى (فإن لم تكن بنت مخاض

стр. 82

فابن لبون ذكر (١)) فإذا بلغت ستّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستّا وأربعين إلى ستين ففيها حقّة طروقة (٢) الجمل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة (٣)، فإذا بلغت ستّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقّتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقّة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة. ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقّة، فإنها تقبل منه الحقّة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا (٤) له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقّة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدّق (٥) عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقّة، وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطى المصّدّق (٦) شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقّة، فإنها تقبل منه الحقّة، ويعطيه المصدّق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطى معها عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه،

стр. 83

ويعطيه المصدّق عشرين درهما أو شاتين (١) فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها (٢) وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه (٣) وليس معه شئ. وفى صدقة الغنم فى سائمتها (٤)، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة (٥)، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلثمائة ففى كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة واحدة (٦)، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربّها. ولا يجمع بين متفرّق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة (٧). وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسّوية (٨). ولا يخرج فى الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس (٩) إلا أن يشاء المصدق (١٠)، وفى الرّقة ربع

стр. 84

العشر (١)، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة (٢) فليس فيها شئ، إلا أن يشاء ربها». وختمه بخاتم النبى ﷺ ، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر (٣). (المواهب اللدنية للقسطلانى شرح الزرقانى ٣: ٣٧٤، وصحيح الإمام البخارى ج ١: ١٧٣، ١٧٤ وج ٢: ٥١، ١٢٩ وج ٤: ٢٤، ١٢٩، وسنن النسائى ج ٥: ص ١٨) ٥٥ - كتاب آخر له ﷺ فى الصدقات ومن كتبه ﷺ كتابه الذى كان عند عمر بن الخطاب رضى الله عنه (٤) فى الصدقة. عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: كتب ﷺ كتاب الصدقة ولم يخرجه إلى عماله، وقرنه (٥) بسيفه، حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض وكان فيه:

стр. 85

«فى خمس من الإبل شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمس عشرة ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقّه إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقّتان إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين ابنة لبون. وفى الغنم فى كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففى كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ المائة، ولا يفرّق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرّق مخافة الصدقة، وما كان من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسّويّة، ولا يؤخذ فى الصّدقة هرمة ولا ذات عيب». (المواهب اللدنية للقسطلانى شرح الزرقانى ٣: ٣٧٨) ٥٦ - كتابه ﷺ إلى أهل اليمن عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسّنن والدّيات، وبعث به مع عمرو ابن حزم، فقرئ على أهل اليمن، وهذه نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبى إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحرث بن عبد كلال قيل ذى رعين ومعافر وهمدان. أما بعد: وكان فى كتابه «أنّ من اعتبط (١) مؤمنا قتلا عن بيّنة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن فى النفس (٢) الدّية، مائة من الإبل، وفى الأنف إذا

стр. 86

أوعب جدعه (١) الدية، وفى اللسان الدية، وفى الشّفتين الدية، وفى البيضتين (٢) الدية، وفى الذّكر الدية، وفى الصّلب الدية، وفى العينين الدية، وفى الرّجل الواحدة نصف الدية، وفى المأمومة ثلث الدية، وفى الجائفة ثلث الدية، وفى المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفى كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفى السّنّ خمس من الإبل، وفى الموضحة (٣) خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار». وفى رواية «وفى العين الواحدة نصف الدية، وفى اليد الواحدة نصف الدية، وفى الرجل الواحدة نصف الدية». (سنن النسائى ج ٨: ص ٥٧، والمواهب اللدنية شرح الزرقانى ج ٣ ص ٣٨١).

стр. 87

[فى الزمان] خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه ٥٧ - رسالة مفتعلة على أبى بكر وهى الرسالة التى زعم أبو حيّان التوحيدى أنّ أبا بكر أرسلها إلى الإمام علىّ على لسان أبى عبيدة بن الجرّاح، وما انضم إليها من كلام عمر، وما كان من جواب علىّ رضى الله عنهم (١)

стр. 88

قال أبو حيّان على بن محمد التّوحيدىّ البغدادىّ: سمرنا ليلة عند القاضى أبى حامد أحمد بن بشر المروروذىّ (١) ببغداد. فتصرّف فى الحديث كل متصرّف، وكان غزير الرواية، لطيف الدّراية، فجرى حديث السّقيفة،

стр. 89

فركب كلّ مركبا، وقال قولا، وعرّض بشئ، ونزع إلى فنّ، فقال هل فيكم من يحفظ رسالة لأبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه، وجواب علىّ عنها، ومبايعته إياه عقيب (١) تلك المناظرة؟ فقال الجماعة لا والله، فقال: هى والله من درر الحقاق المصونة، ومخبّآت الصناديق فى الخزائن المحوطة (٢) ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبى محمد المهلّبىّ فى وزارته (٣)، فكتبها عنى فى خلوة بيده. وقال: لا أعرف فى الأرض رسالة أعقل منها ولا أبين، وإنها لتدلّ على علم وحلم، وفصاحة ونباهة، وبعد غور، وشدة غوص، فقال له العبّادانىّ (٤): أيها القاضى! فلو أتممت المنّة علينا بروايتها؟ أسمعناها فنحن أوعى لها عنك من المهلّبى، وأوجب ذماما (٥) عليك، فاندفع وقال: حدّثنا الخزاعىّ بمكة، عن أبى ميسرة، قال حدثنا محمد بن فليح (٦) عن عيسى ابن دأب، (٧) نبّأ صالح بن كيسان ويزيد بن رومان، قالا: حدثنا هشام بن عروة، نبّأ أبو النّفّاح (٨)، قال: سمعت مولاى أبا عبيدة يقول:

стр. 90

لما استقامت الخلافة لأبى بكر رضى الله عنه بين المهاجرين والأنصار بعد فتنة كاد الشيطان بها، فدفع الله شرّها، ويسّر خيرها، بلغ (١) أبا بكر عن علىّ تلكّؤ وشماس، وتهمّم ونفاس (٢)، فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة، وتشتعل الجمرة، وتتفرّق ذات البين، فدعانى فحضرته فى خلوة، وكان عنده عمر بن الخطاب رضى الله عنه وحده فقال (٣): يا أبا عبيدة ما أيمن (٤) ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك، وطالما أعزّ الله بك الإسلام، وأصلح شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله ﷺ بالمكان المحوط، والمجل المغبوط (٥)، ولقد قال فيك فى يوم مشهود «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة (٦)» ولم تزل للدين ملتجا، وللمؤمنين مرتجى، ولأهلك ركنا، ولإخوانك ردءا (٧)، فقد أردتك لأمر له خطر مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف، ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورفقك ولم تجبّ حيّته برقيتك (٨)، وقع اليأس، وأعضل البأس، واحتيج بعد ذلك إلى

стр. 91

ما هو أمرّ منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق، والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك، فتأتّ (١) له أبا عبيدة وتلطّف فيه، وانصح لله ولرسوله ﷺ ، ولهذه العصابة، غير آل جهدا، ولا قال حمدا، والله كالئك (٢) وناصرك، وهاديك ومبصّرك، إن شاء الله. امض إلى علىّ، واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم انه سلالة أبى طالب، ومكانه ممّن فقدناه بالأمس ﷺ مكانه، وقل له: *** «البحر مغرقة، والبرّ مفرقة، والجوّ أكلف، والليل أغدف (٣)، والسماء جلواء، والأرض صلعاء، والصعود متعذّر، والهبوط متعسّر، والحقّ عطوف رءوف، والباطل عنوف عسوف (٤)، والعجب قدّاحة الشر، والضّغن رائد البوار (٥)، والتعريض شجار الفتنة، والقحة ثقوب (٦) العداوة، وهذا الشيطان متّكئ على شماله

стр. 92

متحيّل (١) بيمينه، نافج حضنيه (٢) لأهله، ينتظر الشّتات والفرقة، ويدبّ بين الأمة بالشّحناء والعداوة، عنادا لله أوّلا، ولآدم ثانيا، ولنبيه ﷺ ودينه ثالثا، يوسوس بالفجور، ويدلّى (٣) بالغرور، ويمنّى أهل الشرور، يوحى إلى أوليائه زخرف القول غرورا بالباطل، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم ﷺ ، وعادة له منذ أهانه الله تعالى فى سالف الدهر، لا منجى منه إلا بعضّ الناجذ (٤) على الحق، وغضّ الطّرف عن الباطل، ووطء هامة (٥) عدوّ الله بالأشدّ فالأشدّ، والآكد فالآكد (٦)، وإسلام النفس لله فى ابتغاء رضاه، ولا بد الآن من قول ينفع إذ قد أضرّ السكوت وخيف غبّه، ولقد أرشدك من أفاء (٧) ضالّتك، وصافاك من أحيا مودّته بعتابك وأراد لك الخير من آثر البقاء معك. ما هذا الذى تسوّل لك نفسك، ويدوى (٨) به قلبك، ويلتوى عليه رأيك،

стр. 93

ويتخاوص (١) دونه طرفك، ويستشرى (٢) به ضغنك، ويترادف معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك (٣)، ولا يفيض به لسانك؟ أعجمة بعد إفصاح؟ أتلبيس (٤) بعد إيضاح؟ أدين غير دين الله؟ أخلق غير خلق القرآن؟ أهدى غير هدى النبى ﷺ ؟ أمثلى تمشى له الضّراء، وتدبّ له الخمر (٥) أم مثلك ينقبض عليه الفضاء، ويكسف (٦) فى عينه القمر؟ ما هذه القعقعة بالشّنان؟ وما هذه الوعوعة (٧) باللسان؟ إنك والله جدّ (٨) عارف باستجابتنا لله ولرسوله ﷺ ، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبّتنا، وهجرة إلى الله ، ونصرة لدينه، فى زمان أنت فيه فى كنّ الصّبا، وخدر الغرارة، وعنفوان الشّبيبة (٩)، غافل عما يشيب ويريب، لا تعى ما يراد ويشاد، ولا تحصّل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت جار (١٠) عليه إلى غايتك التى إليها عدل بك، وعندها حطّ رحلك، غير مجهول القدر، ولا مجحود الفضل، ونحن فى أثناء ذلك نعانى أحوالا تزيل الرّواسى، ونقاسى

стр. 94

أهوالا تشيب النّواصى، خائضين غمارها، راكبين تيّارها، نتجرّع صابها، ونشرج عيابها، ونحكم آساسها (١)، ونبرم أمراسها (٢)، والعيون تحدّج (٣) بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والألسنة (٤) تشحذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف، لا ننتظر عند المساء صباحا، ولا عند الصباح مساء، ولا ندفع فى نحر أمر (٥) إلا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ مرادا إلا بعد جرع العذاب معه، ولا نقيم منارا إلا بعد الإياس (٦) من الحياة عنده، فادين فى جميع ذلك رسول الله ﷺ بالأب والأم، والخال والعمّ، والمال والنّشب (٧)، والسّبد واللّبد (٨)، والهلّة والبلّة (٩)، بطيب أنفس، وقرّة أعين، ورحب أعطان (١٠) وثبات عزائم، وصحّة عقود (١١) وطلاقة أوجه، وذلاقة ألسن. هذا مع خبيثات أسرار، ومكنونات أخبار، كنت عنها غافلا، ولولا سنّك

стр. 95

لم تكن عن شئ منها ناكلا (١)، كيف وفؤادك مشهوم، وعودك معجوم (٢)، وغيبك مخبور، والخير منك كثير، والآن قد بلّغ الله بك، وأرهص (٣) الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول (٤) ما تسمع، فارتقب زمانك، وقلّص أردانك، ودع التقعّس والتجسّس لمن لا يظلع لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا (٥)، فالأمر غضّ، والنفوس فيها مضّ، وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجا، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا (٦)، والله لقد سألت رسول الله ﷺ عن هذا الأمر، فقال لى «يا أبا بكر: هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن ينتفج إليه (٧)، هو لمن يقال له هو لك لا لمن يقول هو لى». ولقد شاورنى رسول الله ﷺ فى الصّهر، فذكر فتيانا من قريش فقلت: أين أنت من على؟ فقال ﷺ : إنى لأكره لفاطمة ميعة (٨) شبابه، وحداثة سنّه، فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفّت بهما (٩)، البركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغّبته فيك، وما كنت

стр. 96

عرفت منك فى ذلك حوجاء ولا لوجاء (١)، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لى، ولئن كان عرّض بك رسول الله ﷺ فى هذا الأمر فلم يكن معرضا عن غيرك، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك. وإن تلجلج (٢) فى نفسك شئ فهلمّ فالحكم مرضىّ، والصواب مسموع، والحق مطاع، ولقد نقل رسول الله ﷺ إلى الله ، وهو عن هذه العصابة راض وعليها حدب (٣) يسرّه ما سرها، ويسوءه ما ساءها، ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويسخطه ما أسخطها. أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وأقاربه وسجرائه (٤) إلا أبانه بفضيلة، وخصّه بمزيّة، وأفرده بحالة لو أصفقت الأمة عليه لأجلها، لكان عنده إيالتها وكفالتها، أتظن أنه ﷺ ترك الأمة سدى بذدا (٥) عباهل مباهل، طلاحى (٦) مفتونة بالباطل، معنونة عن الحق، لا رائد ولا ذائد، ولا ضابط

стр. 97

ولا حائط ولا رابط، ولا ساقى ولا واقى، ولا هادى ولا حادى (١)؟ كلّا! والله ما اشتاق إلى ربه تعالى، ولا سأله المصير إلى رضوانه وقربه، إلا بعد أن ضرب المدى، وأوضح الهدى، وأبان الصّوى، وأمّن المسالك والمطارح، وسهّل المبارك والمهايع (٢)، وإلّا بعد أن شدخ يا فوخ الشرك بإذن الله، وشرم وجه النفاق لوجه الله سبحانه. وجدع أنف الفتنة فى ذات الله، وتفل فى عين الشيطان بعون الله، وصدع (٣) بملء فيه ويده بأمر الله . وبعد، فهؤلاء المهاجرون والأنصار عندك ومعك فى بقعة واحدة، ودار جامعة، إن استقالونى (٤) لك، وأشاروا عندى بك، فأنا واضع يدى فى يدك، وصائر إلى رأيهم فيك، وإن تكن الأخرى فادخل فى صالح ما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم (٥)، والمرشد لضالّتهم، والرادع لغوايتهم، فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البرّ والتقوى والتناصر على الحق، ودعنا نقضى هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغلّ، ونلقى الله تعالى بقلوب سليمة من الضّغن. وبعد، فالناس ثمامة (٦) فارفق بهم، واحن عليهم، ولن لهم، ولا تسوّل لك

стр. 98

نفسك فرقتهم، واختلاف كلمتهم، ولا تشق نفسك بنا خاصّة منهم، واترك ناجم الحقد حصيدا (١)، وطائر الشر واقعا، وباب الفتنة مغلقا، فلا قال ولا قيل، ولا لوم ولا تعنيف، ولا عتاب ولا تثريب (٢)، والله على ما نقول شهيد، وبما نحن عليه بصير». *** قال أبو عبيدة: فلما تأهّبت للنهوض، قال عمر رضى الله عنه: كن لدى الباب هنيهة (٣) فلى معك دور من القول، فوقفت وما أدرى ما كان بعدى، إلا أنه لحقنى بوجه يبدى (٤) تهلّلا وقال لى: قل لعلىّ: «الرّقاد محلمة، والهوى مقحمة (٥)، «وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ»، وحق مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم، وإن أكيس الكيسى (٦) من منح الشارد تألّفا، وقارب البعيد تلطّفا، ووزن كل شئ بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه، ولم يجعل فتره مكان شبره، دينا كان أو دنيا، ضلالا كان أو هدى، ولا خير فى علم مستعمل فى جهل، ولا خير فى معرفة مشوبة بنكر، ولسنا كجلدة رفغ البعير بين العجان والذّنب، وكل صال فبناره يصلى (٧)، وكل سيل فإلى قراره يجرى، وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعى (٨) وشىّ، ولا كلامها اليوم لفرق

стр. 99

أو رفق، وقد جدع الله بمحمد ﷺ أنف كل ذى كبر، وقصم ظهر كل جبّار، وقطع لسان كل كذوب، فماذا بعد الحق إلا الضلال، ما هذه الخنزوانة التى فى فراش رأسك؟ ما هذا الشّجا المعترض فى مدارج أنفاسك؟ ما هذه القذاة (١) التى أعشت ناظرك؟ وما هذه الوحرة (٢) التى أكلت شراسيفك (٣)؟ وما هذا الذى لبست بسببه جلد النّمر (٤) واشتملت عليه بالشّحناء والنّكر؟ لشدّ ما استسعيت (٥) لها، وسريت سرى أنقد (٦) إليها، إن العوان لا تعلّم الخمرة (٧) ما أحوج الفرعاء إلى فالية (٨) وما أفقر الصّلعاء إلى حالية، ولقد قبض رسول الله ﷺ ، والأمر مقيّد محبّس، ليس لأحد فيه ملمس، لم يسيّر فيك قولا، ولم يستنزل لك قرآنا، ولم يجزم فى شأنك حكما، لسنا فى كسرويّة كسرى، ولا فى قيصرية قيصر، تأمّل لإخوان فارس وأبناء الأصفر، قد جعلهم الله جزرا (٩) لسيوفنا، ودريئة لرماحنا، ومرمى لطعّاننا، وتبعا لسلطاننا، بل نحن فى نور نبوّة،

стр. 100

وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمة، وعنوان نعمة، وظلّ عصمة، بين أمة مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الرّتق والفتق، لها من الله تعالى قلب أبىّ، وساعد قوىّ ويد ناصرة، وعين باصرة. أتظنّ ظنّا يا علىّ أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمة، خادعا لها، ومتسلّطا عليها؟ أتراه امتلخ أحلامها، وأزاغ أبصارها، وحلّ عقودها، وأحال عقولها، واستلّ من صدورها حميّتها (١)، ونكث رشاءها (٢)، وصبّ ماءها، وأضلّها عن هداها، وساقها إلى رداها، وجعل نهارها ليلا، ووزنها كيلا، ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا؟ إن كان هكذا فإنّ سحره لمبين، وإنّ كيده لمتين، كلّا والله بأى خيل ورجل، وبأى سنان ونصل، وبأى منّة وقوة، وبأى مال وعدّة، وبأى أيد وشدة، وبأى عشيرة وأسرة، وبأى قدرة ومسكنة، وبأى تدرّع وبسطة (٣)؟ لقد أصبح بما وسمته منيع الرّقبة، رفيع العتبة، لا والله لكن سلا عنها فولهت (٤) له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه، واشمأزّ دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه (٥) الله بها، وعاقبة بلّغه الله إليها، ونعمة سربله الله جمالها، ويد أوجب الله عليه شكرها، وأمة نظر الله به إليها، وطالما حلّقت فوقه فى أيام النبى ﷺ وهو لا يلتفت إليها، ولا يرتصد وقتها، والله تعالى أعلم بخلقه، وأرأف بعباده، يختار، ما كان لهم الخيرة (٦)، وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وكهف الحكمة، ولا يجحد حقّك فيما آتاك ربك من العلم، ومنحك من الفقه والدين، هذا إلى مزايا خصصت بها، وفضائل اشتملت عليها، ولكن لك من يزاحمك بمنكب

стр. 101

أضخم من منكبك، وقربى أمسّ من قرباك، وسنّ أعلى من سنك، وشيبة أورع من شيبتك، وسيادة لها أصل فى الجاهلية، وفرع فى الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة (١)، ولا تذكر منها فى مقدّمة ولا ساقة (٢) ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع (٣)، ولم يزل أبو بكر حبّة قلب رسول الله ﷺ ، وعلاقة نفسه، وعيبة سره، ومفزع رأيه ومشورته، وراحة كفّه، ومرمق (٤) طرفه، وذلك كلّه بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار، شهرته مغنية عن الدليل عليه. ولعمرى إنك أقرب إلى رسول الله ﷺ قرابة، ولكنه أقرب منك قربة (٥)، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح، وهذا فرق عرفه المؤمنون ولذلك صاروا إليه أجمعون، ومهما شككت فى ذلك، فلا تشكّ أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعة، فادخل فيما هو خير لك اليوم، وأنفع لك غدا، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك، فإن يك فى الأمد طول، وفى الأجل فسحة، فستأكله مريئا أو غير مرئ (٦)، وستشربه هنيئا أو غير هنئ، حين لا رادّ لقولك إلا من كان آيسا منك، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك، يمضّ إهابك ويعرك أديمك، ويزرى على هديك، هنالك تقرع السّنّ (٧) من ندم،

стр. 102

وتجزع الماء ممزوجا بدم، وحينئذ تاسى (١) على ما مصى من عمرك، ودارج قوّتك (٢) فتودّ أن لو سقيت بالكأس التى أبيتها، ورددت إلى حالتك التى استغويتها، ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعاقبة هو المرجوّ لسرّائها وضرّائها، وهو الولى الحميد الغفور الودود». *** قال أبو عبيدة: فمشيت متزمّلا أنوء كأنما أخطو على أمّ رأسى، فرقا (٣) من الفرقة، وشفقا على الأمة، حتى وصلت إلى علىّ رضى الله عنه فى خلاء، فأبثثته (٤) بثّى كله، وبرئت إليه منه، ورفقت به، فلما سمعها ووعاها، وسرت فى مفاصله حميّاها، قال: حلّت معلوّطة (٥)، وولّت مخروّطة. وأنشأ يقول: إحدى لياليك فهيسى هيسى ... لا تنعمى الليلة بالتّعريس (٦) نعم يا أبا عبيدة، أكلّ هذا فى أنفس القوم يحسّون به ويضطبعون (٧) عليه؟ قال أبو عبيدة. فقلت: لا جواب لك عندى، إنما أنا قاض حقّ الدّين، وراتق فتق المسلمين، وسادّ ثلمة الأمة، يعلم الله ذلك من جلجلان (٨) قلبى، وقرارة نفسى. فقال على رضى الله عنه: «والله ما كان قعودى فى كسر (٩) هذا البيت قصدا

стр. 103

للخلاف، ولا إنكارا للمعروف، ولا زراية على مسلم، بل لما قد وقذنى به رسول الله ﷺ من فراقه، وأودعنى من الحزن لفقده، وذلك أننى لم أشهد بعده مشهدا إلا جدّد علىّ حزنا، وذكرنى شجنا (١)، وإن الشوق إلى اللحاق به كافّ عن الطمع فى غيره، وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرق منه، رجاء ثواب معدّ لمن أخلص لله عمله، وسلّم لعلمه ومشيئته، وأمره ونهيه، على أنى ما علمت (٢) أن التظاهر علىّ واقع. ولا عن الحق الذى سيق إلىّ دافع، وإذ قد أفعم (٣) الوادى بى، وحشد النادى من أجلى، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين وسرّنى؛ وفى النفس كلام، لولا سابق عقد، وسالف عهد، لشفيت غيظى بخنصرى وبنصرى، وخضت لجّته بأخمصى ومفرقى (٤) ولكننى ملجم إلى أن ألقى الله ربى، وعنده أحتسب ما نزل بى، وإنى غاد إن شاء الله إلى جماعتكم، مبايع صاحبكم، صابر على ما ساءنى وسرّكم، ليقضى الله أمرا كان مفعولا، وكان الله على كل شئ شهيدا». قال أبو عبيدة: فعدت إلى أبى بكر رضى الله عنه. فقصصت عليه القول على غرّه (٥)، ولم أختزل شيئا من حلوه ومرّه، وبكرّت غدوة (٦) إلى المسجد، فلما كان صباح يومئذ، إذا علىّ يخترق الجماعة إلى أبى بكر رضى الله عنهما فبايعه، وقال خيرا، ووصف جميلا، وجلس زمّيتا (٧)، واستأذن للقيام فمضى، وتبعه عمر مكر ما له مستثيرا لما عنده.

стр. 104

وقام أبو بكر إليه فأخذ بيده وقال: إن عصابة أنت منها يا أبا الحسن لمعصومة، وإن أمة أنت فيها لمرحومة، ولقد أصبحت عزيزا علينا، كريما لدينا، نخاف الله إذا سخطت، ونرجوه إذا رضيت، ولولا أنى شدهت (١)، لما أجبت إلى مادعيت إليه، ولكنى خفت الفرقة، واستئثار الأنصار بالأمر على قريش، وأعجلت عن حضورك ومشاورتك، ولو كنت حاضرا لبايعتك ولم أعدل بك، ولقد حطّ الله عن ظهرك ما أثقل كاهلى به، وما أسدّ من ينظر الله إليه بالكفاية، وإنا إليك لمحتاجون، وبفضلك عالمون، وإلى رأيك وهديك فى جميع الأحوال راغبون، وعلى حمايتك وحفيظتك (٢) معوّلون، ثم انصرف وتركه مع عمر، فالتفت علىّ إلى عمر فقال: يا أبا حفص والله ما قعدت عن صاحبكم كارها له (٣)، ولا أتيته فرقا منه، ولا أقول ما أقول تعلّة (٤)، وإنى لأعرف مسمى (٥) طرفى، ومحطّ قدمى، ومنزع قوسى، وموقع سهمى، ولكن قد أزمت على فأسى (٦) ثقة بربى فى الدنيا والآخرة، وقد تخلفت إعذارا إلى الله وإلى من يعلم الأمر الذى جعله لى رسول الله ﷺ ، وأتيت فبايعت حفظا للدين، وخوفا من انتشار أمر الله. فقال له عمر رضى الله عنه: كفكف غربك، واستوقف سربك (٧) ودع العصا بلحائها، والدّلاء على رشائها (٨)، فإنّا من حلفها وورائها، إن قدحنا أورينا،

стр. 105

وإن متحنا أروينا، وإن قرحنا (١) أدمينا، وقد سمعت أماثيلك التى لغّزت (٢) بها صادرة عن صدر أكله الجوى، ولو شئت لقلت على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت، وزعمت أنك قعدت فى كسر بيتك لما وقذك به رسول الله ﷺ من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك؟ بل مصابه أعظم وأعمّ من ذلك، وإن من حقّ مصابه أن لا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها (٣)، ولا يؤمن كيد الشيطان فى بقائها، هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا فى صبح نهار لم نلتق فى مسائه، وزعمت أن الشوق إلى اللّحاق به كافّ عن الطمع فى غيره! فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم، وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه، فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون به، ويرشدون عليه، وزعمت أنّك لم تعلم أن التظاهر وقع عليك، وأىّ حقّ لطّ (٤) دونك؟ قد سمعت وعلمت ما قال الأنصار بالأمس سرا وجهرا، وتقلّبت عليه بطنا وظهرا، فهل ذكرتك أو أشارت بك أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه إنك تصلح لهذا الأمر؟ أو أوما بعينه؟ أو همهم (٥) فى نفسه، أتظن أن الناس ضلّوا من أجلك، وعادوا كفارا زهدا فيك، وباعوا الله تحاملا عليك؟ لا والله، لقد جاءنى عقيل بن زياد الخزرجىّ فى نفر من أصحابه، ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجى وقالوا: إن عليا ينتظر الإمامة، ويزعم أنه أولى بها من غيره، وينكر على من يعقد الخلافة، فأنكرت عليهم، ورددت القول فى نحورهم حيث قالوا: إنه ينتظر الوحى،

стр. 106

ويتوكّف (١) مناجاة الملك، فقلت: ذاك أمر طواه الله بعد نبيه محمد ﷺ ، أكان الأمر معقودا بأنشوطة، أو مشدودا بأطراف ليطة (٢)؟ كلا! والله لا عجماء بحمد الله إلا وقد أفصحت، ولا شوكاء (٣) إلا وقد تفتّحت، ومن أعجب شأنك قولك: ولولا سالف عهد، وسابق عقد، لشفيت غيظى بخنصرى وبنصرى، وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان؟ تلك جاهلية وقد استأصل الله شأفتها واقتلع جرثومتها، وهوّر ليلها، وغوّر سيلها، وأبدل منها الرّوح والرّيحان (٤)، والهدى والبرهان، وزعمت أنك ملجم، ولعمرى إن من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه، وأطبق فاه، وغلب عقله ودينه على هواه، وجعل سعيه لما وراه. وأما قولك: إنى لأعرف منزع قوسى، فإذا عرفت منزع قوسك عرف غيرك مضرب سيفه، ومطعن رمحه، وأما ما تزعمه من الأمر الذى جعله رسول الله ﷺ لك فتخلّفت إعذارا إلى الله وإلى العارفة به من المسلمين، فلو عرفه المسلمون لجنحوا إليه وأصفقوا عليه، وما كان الله ليجمعهم على العمى، ولا ليضربهم بالضلال بعد الهدى، ولو كان لرسول الله ﷺ فيك رأى، وعليك عزم، ثم بعثه الله، فرأى اجتماع أمته على أبى بكر لما سفّه آراءهم، ولا ضلّل أحلامهم، ولا آثرك عليهم، ولا أرضاك بسحطهم، ولأمرك باتباعهم والدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم».

стр. 107

فقال علىّ رضى الله عنه: مهلايا أبا حفص، أرشدك الله، خفّض عليك والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغى حولا عنه، وإنّ أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق (١)، واحتضن الشّقاق، وفى الله خلف عن كل فائت، وعوض من كل ذاهب. وسلوة عن كل حادث، وعليه التوكل فى جميع الحوادث، ارجع يا أبا حفص إلى منزلك ناقع القلب، مبرود الغليل، فسيح اللّبان، فصيح اللسان، فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشد الأزر، ويحطّ الوزر، ويضع الإصر (٢)، ويجمع الألفة، ويرفع الكلفة، بمشيئة الله، وحسن توفيقه. قال أبو عبيدة رضى الله عنه، فانصرف علىّ وعمر رضى الله عنهما، وهذا أصعب ما مرّ علىّ بعد رسول الله ﷺ . (صبح الأعشى ١: ٢٣٧، ونهاية الأرب ٧: ٢١٣، وشرح ابن أبى الحديد م ٢: ص ٥٩٢) ٥٨ - كتاب أبى بكر إلى أهل الرّدّة كتب أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى قبائل العرب التى ارتدّت عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ سنة ١١ هـ- كتابا واحدا، ونصه: «بسم الله الرحمن الرحيم: من أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ ، إلى من بلغه كتابى هذا من عامّة وخاصّة، أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضّلالة والعمى، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأقرّ بما جاء به، وأكفّر من أبى وأجاهده. أما بعد، فإن الله تعالى أرسل محمدا بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيّا، ويحقّ القول على

стр. 108

الكافرين، فهدى الله للحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ بإذنه من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعا وكرها، ثمّ توفّى الله رسوله ﷺ وقد نفّذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذى عليه، وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام، فى الكتاب الذى أنزله فقال: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» وقال: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» وقال للمؤمنين: «وما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئا، وسيجزى الله الشّاكرين» فمن كان إنما يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له، فإن الله له بالمرصاد حىّ قيّوم (١) لا يموت، ولا تأخذه سنة (٢)، ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه بحزبه. وإنى أوصيكم بتقوى الله وحظّكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيكم ﷺ ، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضالّ، وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يعنه مخذول، فمن هداه الله كان مهتديا، ومن أضله كان ضالّا، قال الله تعالى: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً» ولم يقبل منه فى الدنيا عمل حتى يقرّ به، ولم يقبل منه فى الآخرة صرف ولا عدل (٣). وقد بلغنى رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله، وجهالة بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله جلّ ثناؤه: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ

стр. 109

اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» وقال جلّ ذكره: «إنّ الشّيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السّعير». وإنى أنفذت إليكم فلانا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدا ولا يقتله، حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمل صالحا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرّقهم بالنيران، ويقتلهم كلّ قتلة، وأن يسبى النساء والذارىّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله. وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذّن المسلمون فأذّنوا كفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم، وإذن أذّنوا سألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم وحملهم على ما ينبغى لهم». (تاريخ الطبرى ٣: ٢٢٦، وصبح الأعشى ٦: ٣٨٤) ٥٩ - كتابه لأمراء جيوش الردة وعقد رضى الله عنه أحد عشر لواء لمحاربة المرتدين، وكتب لأمراء الجيوش عهدا، هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا عهد من أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ لفلان ... حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام، عهد إليه أن يتّقى الله ما استطاع فى أمره كلّه، سرّه وعلانيته، وأمره بالجدّ فى أمر الله، ومجاهدة من تولّى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أمانىّ الشيطان، بعد أن يعذر إليهم، فيدعوهم

стр. 110

بداعية الإسلام، فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم (١) حتى يقرّوا له، ثم ينبّئهم بالذى عليهم والذى لهم، فيأخذ ما عليهم، ويعطيهم الذى لهم، لا ينظرهم (٢)، ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله ، وأقرّ له، قبل ذلك منه، وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله، على الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن له عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به (٣)، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان، وحيث بلغ مراغمه (٤)، لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلا الإسلام، فمن أجابه وأقرّ به قبل منه وعلّمه، ومن أبى قاتله، فإن أظهره الله عليه قتل فيهم كلّ قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسّم ما أفاء الله عليه إلا الخمس فإنه يبلّغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم، لئلّا يكونوا عيونا، ولئلّا يؤتى المسلمون من قبلهم، وأن يقصد بالمسلمين، ويرفق بهم فى السير والمنزل، ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصى بالمسلمين فى حسن الصّحبة ولين القول». (تاريخ الطبرى ٣: ٢٢٧، وصبح الأعشى ١٠: ١٩٢) ٦٠ - كتاب خالد بن الوليد إلى أبى بكر وسيّر أبو بكر خالد بن الوليد رضى الله عنهما لقتال طليحة بن خويلد الأسدى- وكان قد ادّعى النبوّة فى حياة رسول الله ﷺ ، واستطار أمره، واجتمعت إليه غطفان وطيّئ- فناجزهم خالد على بزاخة (٥)، وكان بنو عامر قريبا منهم يقدّمون رجلا ويؤخّرون أخرى، يتربّصون على من تكون الدّبرة (٦)، فلما أحيط بأسد
следующие страницы →