إلى خراسان، فإذا أتاك كتابى هذا فاهدم بناءه، واحلل فناءه (١).
وكان على شرطة قتيبة فعزله. (العقد الفريد ١: ١٧)
٢٨١ - كتاب قتيبة إلى الحجاج ورده عليه
وكتب قتيبة إلى الحجاج: يشكو قلّة مرزئته (٢) من الطعام، وقلّة غشيانه النساء وحصره على المنبر، فكتب إليه:
«استكثر من الألوان لتصيب من كل صحفة شيئا، واستكثر من الطّروقة (٣) تجد بذلك قوّة على ما تريد، وأنزل الناس بمنزلة رجل واحد من أهل بيتك وخاصّتك وارم ببصرك أمامك تبلغ حاجتك». (عيون الأخبار ٥: ١٧٤)
٢٨٢ - كتاب الحجاج إلى الوليد
وتوفّى محمد بن يوسف أخو الحجاج (سنة ٩١ هـ) وهو والى اليمن، فكتب الوليد إلى الحجاج يعزيه، فكتب الحجاج جوابه:
«يا أمير المؤمنين، ما التقيت أنا ومحمد منذ كذا وكذا سنة إلا عاما واحدا، وما غاب عنى غيبة أنا لقرب اللّقاء فيها أرجى من غيبته هذه فى دار لا يتفرّق فيها مؤمنان». (وفيات الأعيان ١: ١٢٦)
٢٨٣ - كتاب الحجاج إلى الوليد
وكتب الحجاج إلى الوليد بعد وفاة أخيه محمد بن يوسف:
«أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنّه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون
стр. 807
ومائة ألف دينار، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا ﵀».
٢٨٤ - رد الوليد على الحجاج
فكتب إليه الوليد:
«أما بعد: فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد بن يوسف، وإنما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، فترحّم عليه، ﵀».
(الكامل للمبرد ١: ٢٤٨)
٢٨٥ - كتاب مسلمة بن عبد الملك إلى الوليد
وكتب مسلمة بن عبد الملك وهو غاز بقسطنطينية إلى أخيه الوليد:
أرقت وصحراء الطّوانة بيننا ... لبرق تلالا نحو غمرة يلمح (١)
أزاول أمرا لم يكن ليطيقه ... من القوم إلا اللّوذعىّ الصّمحمح (٢)
(معجم البلدان ٦: ٦٦)
٢٨٦ - كتاب سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج
وروى صاحب العقد الفريد قال:
كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج فى أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها، فكتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل الطاعة من عباد الله، أما بعد: فإنك امرؤ مهتوك عنه حجاب الحقّ، مولع
стр. 808
بما عليك لا لك، منصرف عن منافعك، تارك لحظّك، مستخفّ بحق الله وحقّ أوليائه، لا ما سلف إليك من خير يعطفك، ولا ما عليك لا لك تصرفه فى مهمّة من أمرك، معموه (١) معصوصر (٢) عن الحق اعصيصارا، لا تسكت عن قبيح، ولا ترعوى عن إساءة، ولا ترجو لله وقارا، حتى دعيت فاحشا سبّابا، فقس شبرك بفترك، واخرز زمام نعل بحذو (٣) مثله قائم، وايم الله لئن أمكننى الله منك لأدوسنّك دوسة تلين منها فرائصك، ولأجعلنّك شريدا فى الجبال، تلوذ بأطراف الشّمال، ولأعلّقنّ الرّوميّة الحمراء (٤) بثدييها، علم الله ذلك منى (٥) وقضى لى به علىّ، فقدما (٦) غرّتك العافية، وانتحيت (٧) أعراض الرجال، فإنك قدرت فبذخت (٨)، وظفرت فتعدّيت، فرو يدك حتى تنظر كيف يكون مصيرك إن كانت بى وبك مدة أتعلّق بها، وإن تكن الأخرى، فأرجو أن تئول إلى مذلّة ذليلة، وخزية (٩) طويلة، ويجعل مصيرك فى الآخرة شرّ مصير، والسلام».
(العقد الفريد ٣: ١٦)
стр. 809
٢٨٧ - رد الحجاج على سليمان
فكتب إليه الحجاج:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تذكر أنى امرؤ مهتوك عنى حجاب الحق، مولع بما علىّ لالى، منصرف عن منافعى، تارك لحظى، مستخفّ بحق الله وحقّ ولىّ الحق، وتذكر أنك ذو مصاولة (١)، ولعمرى إنك لصبى حديث السّن، تعذر بقلة عقلك، وحداثة سنك، ويرقب فيك غيرك.
فأمّا كتابك إلىّ، فلعمرى لقد ضعف فيه عقلك، واستخفّ به حلمك، فلله أبوك! أفلا انتصرت بقضاء الله دون قضائك، ورجاء الله دون رجائك، وأمتّ غيظك، وأمنت عدوّك، وسترت عنه تدبيرك، ولم تنبّهه فيلتمس من مكايدتك ما تلتمس من مكايدته! ولكنك لم تشفّ (٢) بالأمور علما، ولم ترزق من أمرك حزما جمعت أمورا دلّاك فيها الشيطان على أسوإ أمرك، فكان الجفاء من خليقتك، والحمق من طبيعتك، وأقبل بك الشيطان وأدبر، وحدّثك أنك لن تكون كاملا حتى تتعاطى ما يعيبك، فتحذلقت (٣) حنجرتك لقوله، واتسع جوانبها لكذبه.
وأما قولك: لو ملّكك الله لعلّقت زينب ابنة يوسف بثدييها، فأرجو أن بكرمها الله بهوانك، وأن لا يوفّق ذلك لك إن كان ذلك من رأيك، مع أنى أعرف أنك كتبت إلىّ والشيطان بين كتفيك، فشرّ ممل عليك على شر كاتب راض بالخسف (٤)، فأحر بالحمق أن لا يدلّك على هدى، ولا يردك إلّا إلى ردى، وتحلّب (٥)
стр. 810
فوك للخلافة، فأنت شامخ البصر طامح النظر، تظن أنك حين تملكها، لا تنقطع عنك مدّتها، إنها للقطة (١) الله، أسأل الله أن يلهمك فيها الشكر، مع أنى أرجو أن ترغب فيما رغب فيه أبوك وأخوك، فأكون لك مثلى لهما، وإن نفخ الشيطان فى منخريك (٢) فهو أمر أراده الله نزعه عنك، وإخراجه إلى من هو أكمل به منك، ولعمرى إنها النصيحة، فإن تقبلها فمثلها قبل، وإن تردّها علىّ اقتطعتها دونك، وأنا الحجاج». (العقد الفريد ٣: ١٦)
٢٨٨ - كتاب الحجاج إلى سليمان
وروى الجاحظ فى البيان والتبيين قال:
قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف، فأمرهم بشتم الحجاج فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم: «إنّ عدوّ الله الحجاج كان عبدا زبّابا (٣)، قنوّر
стр. 811
ابن قنوّر (١)، لا نسب له فى العرب، قال سليمان: أىّ شتم هذا؟ إن عدوّ الله الحجاج كتب إلىّ:
«إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت فىّ ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلّا فأنا الحجاج وأنت النقطة، فإن شئت محوتك، وإن شئت أثبتّك».
فالعنوه لعنه الله، فأقبل الناس يلعنونه، فقام ابن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرىّ فقال: «يا أمير المؤمنين إنا نخبرك عن عدوّ الله بعلم». قال: هات: قال: «كان عدوّ الله يتزيّن تزيّن المومسة (٢)، ويصعد المنبر فيتكلم بكلام الأخيار، فإذا نزل عمل عمل الفراعنة، وأكذب فى حديثه من الدّجّال». فقال سليمان لرجاء بن حيوة:
«هذا وأبيك الشتم، لا ما تأتى به السّفلة (٣)». (البيان والتبيين ١: ٢١١)
٢٨٩ - بين عمر بن عبد العزيز والوليد والحجاج
وقال الطبرى:
وفى سنة ٩٣ هـ عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة، وكان سبب ذلك أن عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف (٤) الحجاج أهل عمله بالعراق واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق ولا جناية، وبلغ ذلك الحجاج فاضطغنه على عمر، وكتب إلى الوليد: «إن
стр. 812
من قبلى من مرّاق (١) أهل العراق، وأهل الشقاق، قد جلوا عن العراق، ولجئوا إلى المدينة ومكة، وإن ذلك وهن (٢)».
فكتب الوليد إلى الحجاج: أن أشر علىّ برجلين، فكتب إليه يشير عليه بعثمان ابن حيّان وخالد بن عبد الله، فولى خالدا مكة، وعثمان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز
(تاريخ الطبرى ٨: ٩٠)
٢٩٠ - كتاب الحجاج إلى الوليد
وروى أبو على القالى فى الأمالى قال:
لما حضرت الحجاج الوفاة وأيقن بالموت، قال: أسندونى، وأذن للناس فدخلوا عليه، فذكر الموت وكربه، واللّحد ووحشته، والدنيا وزوالها، والآخرة وأهوالها، وكثرة ذنوبه، وأنشأ يقول:
إن ذنبى وزن السموات والأر ... ض، وظنّى بخالقى أن يحابى
فلئن منّ بالرضا فهو ظنّى ... ولئن مرّ بالكتاب عذابى
لم يكن ذاك منه ظلما، وهل يظلم ربّ يرجى لحسن المآب؟
ثم بكى وبكى جلساؤه ثم أمر الكاتب أن يكتب إلى الوليد بن عبد الملك ابن مروان:
«أما بعد: فقد كنت أرعى غنمك، أحوطها (٣) حياطة الناصح الشفيق برعيّة مولاه، فجاء الأسد فبطش بالراعى، ومزّق المرعىّ كلّ ممزّق، وقد نزل بمولاك ما نزل بأيّوب الصابر، وأرجو أن يكون الجبّار أراد بعبده غفرانا لخطاياه، وتكفيرا لما حمل من ذنوبه، ثم كتب فى آخر الكتاب:
стр. 813
إذا ما لقيت الله عنّى راضيا ... فإنّ شفاء النفس فيما هنالك
فحسبى بقاء الله من كل ميت ... وحسبى حياة الله من كل هالك
لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا ... ونحن نذوق الموت من بعد ذلك
فإن متّ فاذكرنى بذكر محبّب ... فقد كان جمّا فى رضاك مسالكى
وإلّا ففى دبر الصلاة بدعوة ... يلقّى بها المسجون فى نار مالك
عليك سلام الله حيا وميتا ... ومن بعد ما تحيا عتيقا لمالك
وكانت وفاته سنة ٩٥ هـ. (ذيل الأمالى ص ١٧٤)
٢٩١ - كتاب الوليد إلى قتيبة بن مسلم
وكان الحجاج قد بعث جيشا من العراق فقدموا على قتيبة سنة ٩٥ هـ، فغزا، فلما كان بالشّاش (١) أتاه موت الحجاج فى شوال، فغمّه ذلك وقفل راجعا إلى مرو، وفرق الناس فخلّف فى بخارى قوما، ووجه قوما إلى كسّ ونسف، ثم أتى مرو فأقام بها، وأتاه كتاب الوليد:
«قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدّك فى جهاد أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك كالذى يجب لك، فالمم (٢) مغازيك، وانتظر ثواب ربك، ولا تغيّب عن أمير المؤمنين كتبك، حتى كأنى أنظر إلى بلادك والثّغر الذى أنت به».
(تاريخ الطبرى ٨: ٩٦)
٢٩٢ - كتاب عروة بن الزبير إلى الوليد
وقال كعب العبسىّ لعروة بن الزبير، قد أذنبت ذنبا إلى الوليد بن عبد الملك، وليس يزيل غضبه شىء، فاكتب لى إليه، فكتب إليه:
стр. 814
بسم الله الرحمن الرحيم، لو لم يكن لكعب من قديم حرمته، ما يغفر له عظيم جريرته (١)، لوجب أن لا تحرمه التّفيّؤ (٢) بظلّ عفوك الذى تأمله القلوب، ولا تعلق به الذنوب، وقد استشفع بى إليك فوثقت له منك بعفو لا يخالطه سخط، فحقّق أمله فىّ، وصدّق ثقتى فيك، تجد الشكر وافيا بالنعمة». (مفتاح الأفكار ص ١٩٤)
٢٩٣ - رد الوليد على عروة
فكتب إليه الوليد:
«قد شكرت رغبته إليك، وعفوت عنه لمعوّله عليك، وله عندى ما يحبّ.
فلا تقطع كتبك عنى فى أمثاله، وفى سائر أمورك».
٢٩٤ - كتاب ملك الروم إلى الوليد ورد الفرزدق عليه
ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم:
«إنك هدمت الكنيسة التى رأى أبوك تركها، فإن كان حقا، فقد خالفت أباك، وإن كان باطلا فقد أخطأ أبوك».
فلم يدر ما يجيبه به، فكتب إلى الكوفة والبصرة وسائر البلدان أن يجيبوه فلم يجبه أحد. فوثب الفرزدق، فقال أنا أبو فراس- أصلح الله الأمير- قد رأيت رأيا فإن يك حقا فخذه، وإن يك خطأ فمنّى، قال الله : «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ (٣) إِذْ نَفَشَتْ (٤) فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٥)، فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» فاستحسنه الوليد، وكتب به إلى ملك الروم فلم يجبه.
(تهذيب تاريخ ابن عساكر ١: ٢٠٢)
стр. 815
٢٩٥ - كتاب الوليد إلى أخيه سليمان
وروى أن الوليد بن عبد الملك اشتكى، وبلغه قوارص وتقريض (١) من أخيه سليمان بن عبد الملك، وتمنّ لموته لما له من العهد بعده، فكتب إليه يعتب عليه، وفى آخر كتابه:
تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد
وقد علموا (لو ينفع العلم عندهم) ... لئن متّ ما الداعى علىّ بمخلد
منيّته تجرى لوقت وحتفه ... سيلحقه يوما على غير موعد
فقل للذى يبغى خلاف الذى مضى ... تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد (٢)
٢٩٦ - رد سليمان على الوليد
فكتب إليه سليمان:
«قد فهمت ما كتب به أمير المؤمنين، فو الله لئن كنت تمنيت ذلك تأميلا لما يخطر فى النفس، إنى لأوّل لاحق به، وأول منعىّ إلى أهله، فعلام أتمنّى مالا يلبث من تمناه إلا ريثما يحلّ السّفر (٣) بمنزل، ثم يظعنون عنه، وقد بلغ أمير المؤمنين ما لم يظهر على لسانى، ولم ير فى وجهى، ومتى سمع أمير المؤمنين من أهل
стр. 816
النميمة، ومن لا رويّة له، أسرع ذاك فى فساد النيّات، والقطع بين ذوى الأرحام والقرابات، وكتب فى آخر كتابه:
ومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها، ولا يسلم له الدهر صاحب
٢٩٧ - رد الوليد على سليمان
فكتب إليه الوليد:
«قد فهم أمير المؤمنين كتابك، فما أحسن ما اعتذرت به، وحذوت عليه، وأنت الصادق فى المقال، الكامل فى الفعال، وما شىء أشبه بك من اعتذارك، وما شىء أبعد منك من الذى قيل فيك، والسلام».
«وقد روى أن هذا العتب كان بين يزيد بن عبد الملك، وبين أخيه هشام كما سيجىء بعد». (ذيل الأمالى ص ٢٢٥، ومروج الذهب ٢: ١٥٦)
стр. 817
خلافة سليمان بن عبد الملك
من سنة ٩٦ إلى سنة ٩٩
٢٩٨ - كتاب سليمان بن عبد الملك إلى عامله بالأردن
لما ولى سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالأردنّ (١):
«اجمع يدى عدىّ بن الرّقاع (٢) إلى عنقه، وابعث به إلىّ على قتب (٣) بلا وطاء، ووكّل به من ينّخس به».
ففعل ذلك، فلما انتهى إلى سليمان بن عبد الملك ألقى بين يديه إلتاء لا روح فيه، فتركه حتى ارتدّ إليه روحه، ثم قال له: أنت أهل لما نزل بك، ألست القائل فى الوليد:
معاذ ربّى أن نبقى ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا
قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما هكذا قلت، وإنما قلت:
معاذ ربى أن نبقى ونفقدهم ... وأن نكون لراع بعدهم تبعا
فنظر إليه سليمان واستضحك، وأمر له بصلة وخلّى سبيله.
(العقد الفريد ١: ١٥٢)
стр. 818
٢٩٩ - كتب من قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبد الملك
روى الطبرى قال:
كان الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز بن الوليد ولىّ عهده، ودسّ فى ذلك إلى القوّاد والشعراء، فبايعه على خلع سليمان الحجاج وقتيبة (١)، ثم هلك الوليد وقام سليمان، فخافه قتيبة وأشفق منه، لأنه كان يسعى فى بيعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج، وخاف أن يولّى سليمان يزيد بن المهلب خراسان.
فكتب إلى سليمان كتابا: يهنئه بالخلافة ويعزّيه على الوليد، ويعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان:
وكتب إليه كتابا آخر: يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم، وهيبته فى صدورهم، وعظم صوته فيهم، ويذم المهلّب وآل المهلب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنّه.
وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه
وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة، وقال له: ادفع إليه هذا الكتاب، فإن كان يزيد بن المهلب حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه، فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأه وألقاه إلى يزيد، فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين.
فقدم رسول قتيبة فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلب، فدفع إليه الكتاب،
стр. 819
فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه كتابا آخر فقرأه ثم رمى به إلى يزيد، فأعطاه الكتاب الثالث فقرأه فتمعّر (١) لونه ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده.
وروى رواية أخرى قال:
كان فى الكتاب الأول وقيعة فى يزيد بن المهلّب وذكر عذره وكفره وقلة شكره، وكان فى الثانى ثناء على يزيد، وفى الثالث: «لئن لم تقرّنى على ما كنت عليه وتؤمّنّى لأخلعنّك خلع النّعل، ولأملأنّها عليك خيلا ورجالا»:
وأضاف سليمان رسول قتيبة ثم دعا به فأعطاه صرّة فيها دنانير فقال: هذه جائزتك، وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر، وهذا رسولى معك بعهده، وبعث معه رجلا من عبد القيس، فلما كان بحلوان تلقّاهم الناس بخلع قتيبة لسليمان، فرجع العبدىّ ودفع العهد إلى رسول قتيبة وقد خلع واضطرب الأمر فدفع إليه عهده، فاستشار إخوته فقالوا: لا يثق بك سليمان بعد هذا، فخلع سليمان ودعا الناس إلى خلعه وكانت فتنة قتل فيها قتيبة (سنة ٩٦). (تاريخ الطبرى ٨: ١٠٢)
رواية أخرى
ويروى أنه لما بلغ قتيبة بن مسلم أن سليمان بن عبد الملك يريد عزله عن خراسان، كتب إليه ثلاث صحائف، وقال للرسول: ادفع إليه هذه، فإن دفعها إلى يزيد بن المهلب فادفع إليه هذه، فإن شتمنى فادفع إليه الثالثة، فلما سار الرسول إليه دفع له الكتاب الأول وإذا فيه:
«يا أمير المؤمنين إن من بلائى فى طاعة أبيك وأخيك كيت وكيت ... » فدفعه إلى يزيد، فدفع إليه الرسول الكتاب الثانى، وفيه يقول:
стр. 820
«عجبا كيف تأمن ابن رحمة على أسرارك، ولم يكن أبوه يأمنه على أمّهات أولاده! - يعنى يزيد بن المهلب-».
فشتم قتيبة، وناول الكتاب ليزيد، فدفع إليه الثالث، وفيه:
«من قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فو الله لأوثّقنّ لك آخيّة (١) لا ينزعها المهر الأردن (٢)».
فقال سليمان: «عجلنا على قتيبة، جدّدوا له عهدا على عمله، ثم فسدت على قتيبة بطانته فقتلوه فى خلافة سليمان». (العقد الفريد ٢: ٢٧٥، وسرح العيون ص ١٢٨)
٣٠٠ - كتاب يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك
واستعمل سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب على العراق، ثم ولّاه سنة ٩٧ هـ خراسان:
وفى سنة ٩٨ فتح يزيد جرجان وطبرستان، وكتب بالفتح إلى سليمان ابن عبد الملك:
«أما بعد، فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما، وصنع للمسلمين أحسن الصّنع، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه، أظهر فى خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباذ وكسرى بن هرمز، وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين، كرامة من الله له، وزيادة فى نعمه عليه، وقد صار عندى من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كلّ ذى حقّ حقّه من الفىء والغنيمة ستة آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله (٣)».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٢٥)
стр. 821
٢٠١ - ما قاضى عليه سليمان بن عبد الملك موسى بن نصير
ولما فرغ موسى بن نصير هو ومولاه طارق بن زياد من فتح بلاد الأندلس، قدم موسى إلى دمشق يحمل إلى الوليد ما أحرزه من الغنائم والأسلاب النفيسة، وكان ذلك قبيل وفاة الوليد، فوجد عليه سليمان بن عبد الملك، وأفضت إليه الخلافة فبعث إلى موسى وعذّبه، ثم قاضاه على مال يفتدى به نفسه وخلّى سبيله (١)، وكانت نسخة القضية:
«هذا ما قاضى عليه عبد الله سليمان أمير المؤمنين موسى بن نصير، قاضاه على
стр. 822
أربعة آلاف ألف دينار وثلاثين ألف دينار وخمسين دينارا، ذهبا طيّبة يؤدّيها إلى أمير المؤمنين، وقد قبض منها أمير المؤمنين مائة ألف، وبقى على موسى سائر ذلك، أجّله أمير المؤمنين إلى سير رسول أمير المؤمنين إلى ابن موسى الذى بالأندلس، يمكث شهرا بالأندلس- وليس له أن يمكث وراء ذلك يوما واحدا- حتى يقبل راجعا بالمال، إلا ما كان من إفريقيّة وما دونها، وليس لموسى أن يتكثّر بشىء، مما كان عليه من العمل، منذ استخلف الله أمير المؤمنين من ذمّة أو فىء أو أمانة، فهو لأمير المؤمنين يأخذه ويقتضيه، ولا يحسبه موسى من غرامته، فإن أدّى موسى الذى سمّى أمير المؤمنين فى كتابه هذا من المال، إلى ما قد سمّى أمير المؤمنين من الأجل، فقد برئ موسى وبنوه وأهله ومواليه، وليست عليهم تبعة ولا طلبة (١) فى المال ولا فى العمل، يقرّون حيث شاءوا، وما كان قبض موسى أو بنوه من عمال موسى، إلى قدوم رسول أمير المؤمنين إفريقية، فهو من الذى على موسى من المال، يحسب له من الذى عليه، ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير المؤمنين، فليس منه فى شىء، وقد خلّى أمير المؤمنين بين موسى وبين أهله ومواليه، ليس له ظلم أحد منهم، غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا مولاه، ولا شيئا من الذى قد أباه عليه أول يوم».
شهد أيوب ابن أمير المؤمنين وداود ابن أمير المؤمنين وعمر بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن الوليد، وسعيد بن خالد، ويعيش بن سلامة، وخالد بن الرّيّان، وعمر ابن عبد الله، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد.
وكتبه جعفر بن عثمان فى جمادى سنة تسع وتسعين.
(الإمامة والسياسة ٢: ٦٦)
стр. 823
٣٠٢ - كتاب سليمان بن عبد الملك إلى نفر بإفريقية
وأقام موسى بن نصير مع سليمان بن عبد الملك يطلب رضاه حتى رضى عنه، وابنه عبد الله بن موسى على إفريقيّة وطنجة والسّوس، وابنه عبد العزيز على الأندلس، فلما بلغ عبد العزيز الذى فعل سليمان بأبيه موسى، تكلّم بكلام خفيف، حملته عليه حميّة لما صنع بأبيه، على حسن بلائه، فنميت (١) إلى سليمان، فخلف سليمان أن يخلع.
فكتب إلى حبيب بن عبيد وابن وعلة التميمى وسعد بن عثمان بن ياسر وعمرو ابن زياد اليحصبىّ وعمرو بن كثير وعمرو بن شرحبيل، كتب إلى كل رجل منهم كتابا: يعلمه بالذى بلغه عن عبد العزيز بن موسى وما همّ به من الخلع، وأنه قد كتب إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إلى عبد العزيز، وأعلمه أنه إنما دعاه إلى ذلك الذى أحبّ من مكانفتهم (٢) له، لأنه بإزاء العدو، وأعطاهم العهود أنّ من قتله منهم فهو أمير مكانه.
وكتب إليهم: «إنى قد بعثت لكم بكتاب إلى أهل الأندلس بالسمع والطاعة لكم والعذر فى قتله، فإذا ولّاكم أطرافه فأقرّوا عهدى على من قبلكم من المسلمين، ثم ارجعوا إليه حتى تقتلوه».
٣٠٣ - كتاب سليمان إلى عبد الله بن موسى بن نصير
وكتب إلى عبد الله بن موسى:
«إنى نظرت، فإذا عبد العزيز بإزاء عدوّ يحتاج فيه إلى الغناء (٣) والبلاء، فسأل أمير المؤمنين، فأخبر أن معك رجالا منهم فلان وفلان، فأشخصهم إلى عبد العزيز ابن موسى.
стр. 824
٣٠٤ - كتاب سليمان إلى عبد العزيز بن موسى بن نصير
وكتب إلى عبد العزيز بن موسى:
«أما بعد فإن أمير المؤمنين علم ما أنت بسبيله من العدوّ، وحاجتك إلى الرجال أهل النّكاية والغناء، فذكر له أنّ بإفريقية رجالا منهم، فكتب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إليك، فولّهم أطرافك وثغورك، واجعلهم أهل خاصتك».
وأنفذ هؤلاء النفر ما أمرهم به سليمان، فقتلوا عبد العزيز بن موسى وجاءوا إليه برأسه (١). (الإمامة والسياسة ٢: ٦٨)
٣٠٥ - كتاب عمر بن عبد العزيز الوراق إلى أبى بكر بن حزم
روى القالى فى الأمالى عن العتبىّ قال: كتب عمر بن عبد العزيز الورّاق ﵀
стр. 825
إلى أبى بكر بن حزم (١): «إن الطالبين الذين أنجحوا (٢)، والتّجّار الذين ربحوا، هم الذين اشتروا الباقى الذى يدوم، بالفانى المذموم، فاغتبطوا ببيعهم، وأحمدوا عاقبة أمرهم، فالله الله وبدنك صحيح، وقلبك مريح (٣)، قبل أن تنقضى أيامك، وينزل بك حمامك فإن العيش الذى أنت فيه يتقلّص ظلّه، ويفارقه أهله، فالسعيد الموفّق من أكل فى عاجله قصدا، وقدّم ليوم فقره ذخرا، وخرج من الدنيا محمودا، قد انقطع عنه علاج أمورها، وصار إلى الجنة وسرورها». (الأمالى ٢: ١٨٧)
٣٠٦ - عهد سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز بالخلافة
وعهد سليمان بن عبد الملك بالخلافة من بعده إلى عمر بن عبد العزيز، ثم إلى يزيد ابن عبد الملك، وكتب بذلك كتابا بيده، وهذا نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر ابن عبد العزيز، إنى قد وليته الخلافة من بعدى، ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٤٨، وتاريخ الطبرى ٨: ١٢٩)
صورة أخرى
وروى ابن قتيبة هذا العهد بصورة أخرى، وهى:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، عهد أنه يشهد لله بالرّبوبيّة والوحدانية، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، بعثه إلى محسنى عباده بشيرا، وإلى مذنبيهم
стр. 826
نذيرا، وأن الجنة والنار مخلوقتان حقّا، خلق الجنة رحمة لمن أطاعه، والنار عذابا لمن عصاه، وأوجب العفو جودا وكرما لمن عفا عنه، وأنّ سليمان مقرّ على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه، وبما تعلمه نفسه من معصية ربه، موجبا على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة، راجيا لنفسه ما خلق من الرحمة، ووعد من العفو والمغفرة، وأن المقادير كلّها خبرها وشرّها من الله (١). وأنه هو الهادى، لم يستطع أحد لمن خلق الله لرحمته غواية، ولا لمن خلق لعذابه هداية، وأن الفتنة فى القبور بالسؤال عن دينه ونبيه الذى أرسل إلى أمّته، لا منجى لمن خرج من الدنيا إلى الآخرة من هذه المسألة إلا لمن استثناه فى علمه. وسليمان يسأل الله الكريم بواسع فضله، وعظيم منّه، الثبات على الحق عند تلك المسألة، والنجاة من هول تلك الفتنة (٢)، وأنّ الميزان حق يقين، يضع الموازين القسط (٣) ليوم القيامة، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفّت موازينه فأولئك هم الخاسرون، وأنّ حوض محمد ﷺ يوم المحشر والموقف للعرض حق، وأن عدد آنيته (٤) كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا، وسليمان يسأل الله بواسع رحمته أن لا يردّه عن حوض نبيه عطشان، وأن أبا بكر وعمر خير هذه الأمة بعد نبينا ﷺ ، والله يعلم بعدهما حيث الخير وفيمن الخير من هذه الأمة، وأن هذه الشهادة كلّها المذكورة فى عهده هذا، يعلمها الله من سرّه وإعلانه وعقد ضميره، وأنه بها عبد ربّه فى سالف أيامه وماضى عمره، وعليها أتاه يقين ربه، وتوفّاه أجله، وعليها يبعث بعد الموت إن شاء الله، وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة
стр. 827
بلايا وسيئات لم يكن له عنها محيص (١) ولا دونها مقصّر بالقدر السابق، والعلم النافذ فى محكم الوحى، فإن يعف ويصفح فذلك ما عرف منه قديما، ونسب إليه حديثا، وتلك صفته التى وصف بها نفسه فى كتابه الصادق، وكلامه الناطق، وإن يعاقب وينتقم، فبما قدّمت يداه، وما الله بظلّام للعبيد، وأنى أحرّج (٢) على من قرأ عهدى هذا وسمع ما فيه من حكمة أن ينتهى إليه فى أمره ونهيه، بالله العظيم، وبمحمد رسوله الكريم، ﷺ ، وأن يدع الإحن المضغنة (٣) ويأخذ بالمكارم المدجنه (٤) ويرفع يديه إلى السماء بالابتهال الصحيح، والدعاء الصّريح (٥)، يسأله العفو عنى والمغفرة لى والنجاة من فزعى والمسألة فى قبرى، نملّ الودود أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما علىّ من صفحه يعود، إن شاء الله.
وأن ولىّ عهدى فيكم وصاحب أمرى بعد موتى فى جندى ورعيتى وخاصّتى وعامّتى وكلّ من استخلفنى الله عليه واسترعانى النظر فيه الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمى لما بلوت من باطن أمره وظاهره، ورجوت الله بذلك، وأردت رضاه ورحمته إن شاء الله، ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده، فإنى ما رأيت منه إلا خيرا، ولا اطّلعت له على مكروه، وصغار ولدى وكبارهم إلى عمر، إذ رجوت ألّا يألوهم رشدا وصلاحا، والله خليفتى عليهم، وعلى جماعة المؤمنين والمسلمين، وهو أرحم الراحمين، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله، ومن أبى عهدى هذا وخالف أمرى فالسيف، ورجوت أن لا يخالفه أحد، ومن خالفه فهو ضالّ مضلّ يستعتب (٦)، فإن أعتب وإلّا فالسيف، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله القديم الإحسان».
(الإمامة والسياسة ٢: ٨٠، وصبح الأعشى ٩: ٣٦٠)
стр. 828
خلافة عمر بن عبد العزيز (سنة ٩٩ - ١٠١)
٣٠٧ - كتاب عدى بن أرطاة والى البصرة إلى عمر بن عبد العزيز
كتب عدىّ بن أرطاة والى البصرة إلى عمر بن عبد العزيز:
«من عدى بن أرطاة، أما بعد- أصلح الله أمير المؤمنين- فإن قبلى أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما، لست أرجو استخراجه من أيديهم إلّا أن أمسّهم بشىء من العذاب، فإن رأى أمير المؤمنين- أصلحه الله- أن يأذن لى فى ذلك أفعل (١)».
٣٠٨ - رد عمر على كتابه
فأجابه عمر:
«أما بعد: فالعجب كل العجب من استئذانك إياى فى عذاب بشر، كأنّى لك جنّة من عذاب الله، وكأن رضاى عنك ينجيك من سخط الله (٢)، فانظر من قامت عليه بيّنة عدول فخذه بما قامت عليه به البيّنة، ومن أقرّ لك بشىء فخذه
стр. 829
بما أقرّ به، ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم وخلّ سبيله، وايم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحبّ إلىّ من أن ألقى الله بدمائهم والسلام».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٣، وكتاب الخراج لأبى يوسف ص ١٤٣)
٣٠٩ - كتاب عدى بن أرطاة إليه
وكتب إليه عدى بن أرطاة:
يا أمير المؤمنين: إنى بأرض قد كثرت فيها النّعم، حتى لقد أشفقت على من قبلى من المسلمين قلّة الشكر والضعف عنه».
٣١٠ - رد عمر على كتابه
فكتب إليه عمر.
«إنى قد كنت أراك أعلم بالله، إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا فى كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ». وقال الله تعالى: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ».
وأىّ نعمة أفضل من دخول الجنة؟ .
وفى رواية العقد:
فكتب إليه عمر رضى الله عنه:
«إن الله تعالى لم ينعم على قوم نعمة فحمدوه عليها إلا كان ما أعطوه أكثر
стр. 830
مما أخذوه منه، واعتبر ذلك بقول الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ .... * الآية» فأىّ نعمة أفضل مما أوتى داود وسليمان؟ ».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص: ٢٣٧، والعقد الفريد ١: ٨٥)
٣١١ - كتاب عدى بن أرطاة إليه
وكتب إليه عدىّ بن أرطاة:
«أما بعد: فإن الناس قد كثروا فى الإسلام، وخفت أن يقلّ الخراج».
٣١٢ - رد عمر على كتابه
فكتب إليه عمر:
«فهمت كتابك، والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت حرّاثين نأكل من كسب أيدينا». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٩)
٣١٣ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة:
«أما بعد: فاسأل الحسن بن أبى الحسن (١): ما منع من قبلنا من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون من النساء اللاتى لم يجمعهن أحد من أهل الملل غيرهم».
فسأل عدىّ الحسن، فأخبره أن رسول الله ﷺ قد قبل من مجوس أهل البحرين الجزية، وأقرّهم على مجوسيتهم، وعامل رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمى، ثم أقرّهم أبو بكر، ثم أقرّهم عمر بعد أبى بكر، وأقرهم عثمان بعد عمر. (كتاب الخراج ص ١٥٦)
стр. 831
٣١٤ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة:
«أما بعد: فإنه بلغنى أن قوما إذا توضّئوا رفعت طساس (١) من بين أيديهم قبل أن تمتلئ، وذلك من زىّ (٢) الأعاجم أخذوه، فإذا أتاك كتابى هذا، فلا ترفعوا طستا حتى يمتلئ أو يفرغ من آخر القوم».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٧)
٣١٥ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إلى عدى بن أرطاة:
«أما بعد، فإنى كتبت إليك بكتب كثيرة أرجو بذلك الخبر من الله تعالى والثواب عليه، وأنهاك فيها عن أمور الحجاج بن يوسف، وأرغب عنها، وعن اقتدائك بها، فإن الحجاج كان بلاء وافق خطيئة قوم بأعمالهم، فبلغ الله فى مدته ما أحبّ من ذلك، ثم انقطع ذلك وأقبلت عافية الله ، فلو لم يكن ذلك إلا يوما واحدا أو جمعة واحدة، كان ذلك عطاء من الله ، ونهيتك عن فعله فى الصلاة، فإنه كان يؤخرها تأخيرا لا يحلّ له، ونهيتك عن فعله فى الزكاة، فإنه كان يأخذها من غير حقّها، ثم يسىء مواقعها، فاجتنب ذلك منه، واحذر العمل به فإن الله قد أراح منه، وطهّر العباد والبلاد من شره، والسلام».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٨)
стр. 832
٣١٦ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«بلغنى أنك تستنّ بسنن الحجاج، فلا تستنّ بسننه. فإنه كان يصلّى الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة بغير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٨)
٣١٧ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«أما بعد: فإنى كنت كتبت إلى عمرو بن عبد الله أن يقسّم ما وجد بعمان من عشور التمر والحبّ فى فقراء أهلها، ومن سقط إليها من أهل البادية، ومن أضافته إليها الحاجة والمسكنة وانقطاع السبيل، فكتب إلىّ أنه سأل عاملك قبله عن ذلك الطعام والتمر، فذكر أنه قد باعه وحمل إليك ثمنه، فاردد إلى عمرو ما كان حمل إليك عاملك على عمان من ثمن التمر والحب ليضعه فى المواضع التى أمرته بها، ويصرفه فيها إن شاء الله، والسلام». (فتوح البلدان للبلاذرى ص ٨٥)
٣١٨ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«أما بعد: فإذا أتاك كتابى هذا فاستتب القدرية (١) مما دخلوا فيه، فإن تابوا فخلّ سبيلهم، وإلّا فانفهم من ديار المسلمين». (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٦٨)
стр. 833
٣١٩ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«واعلم أن أحدا لا يستطيع إنقاذ قضايا ما بين الناس حتى لا يبقى منها شىء، لا بدّ أن تستأخر قضايا ليوم الحساب».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٩٤)
٣٢٠ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«أما بعد، فإنى أذكّرك ليلة تمخّض بالساعة، فصباحها القيامة، يا لها من ليلة! ويا له من صباح كان على الكافرين عسيرا! ».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠٢)
٣٢١ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وجاء فى سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى:
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله:
«أما بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله عليك فى نفاد ما تأتى إليهم، وبقاء ما يؤتى إليك».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠١)
وفى خبر آخر:
«أما بعد، فإذا أمكنتك القدرة من ظلم العباد، فاذكر قدرة الله عليك، وذهاب ما تأتى إليهم، واعلم أنك ما تأتى إليهم أمرا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك، وأن الله تعالى يأخذ للمظلوم من الظالم، فمهما ظلمت من أحد فلا تظلمنّ من لا ينتصر عليك إلا بالله ».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠٣، ومروج الذهب ٢: ١٧٦)
стр. 834
وفى صبح الأعشى، والعقد الفريد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى ابن أرطاة:
«أما بعد، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك، واعلم أن مالك عند الله مثل ما للرّعيّة عندك».
(صبح الأعشى ٦: ٣٩١، والعقد الفريد ١: ١٤)
وفى رواية أخرى للعقد:
«إذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق القادر عليك، واعلم أن مالك عند الله أكثر مما لك عند الناس». (العقد الفريد ٢: ٢٧٩)
٣٢٢ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«أما بعد، فإن الدنيا عدوّة أولياء الله، أما أولياء الله فغمّتهم، وأما أعداء الله فغرّتهم». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٢٢)
٣٢٣ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«أما بعد: فإنك غررتنى بعمامتك السوداء، ومجالستك القرّاء، وإرسالك العمامة من ورائك، وإنك أظهرت لى الخير فأحسنت بك الظنّ، وقد أظهر الله ما كنتم تكتمون، والسلام». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠١)
стр. 835
٣٢٤ - كتابه إلى عدى بن أرطاة
وكتب إليه:
«أما بعد: فإنك لن تزال تعنّى (١) إلىّ رجلا من المسلمين فى الحر والبرد يسألنى عن السّنّة، كأنك إنما تعظمنى بذلك، وايم الله لحسبك بالحسن (٢)، فإذا أتاك كتابى هذا فسل الحسن لى ولك وللمسلمين، فرحم الله الحسن فإنه من الإسلام بمنزل ومكان ولا تقرئنّه كتابى هذا». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠١)
٣٢٥ - كتابه إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن والى الكوفة
ويروى أن بلال بن أبى بردة (٣) وفد على عمر بن عبد العزيز بخناصرة، فسدك (٤) بسارية من المسجد، فجعل يصلّى إليها ويديم الصلاة، فقال عمر بن عبد العزيز للعلاء ابن المغيرة بن البندار: إن يكن سرّ هذا كعلانيته، فهو رجل أهل العراق غير مدافع، فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فأتاه وهو يصلى بين المغرب والعشاء، فقال:
اشفع (٥) صلاتك، فإن لى إليك حاجة ففعل، فقال له العلاء: قد عرفت حالى من أمير المؤمنين، فإن أنا أشرت بك على ولاية العراق فما تجعل لى؟ قال: لك عمالتى (٦) سنة- وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم- قال: فاكتب لى بذلك، فارقدّ (٧) بلال إلى منزله، فأتى بدواة وصحيفة، فكتب له بذلك، فأتى العلاء عمر بالكتاب، فلما رآه كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطاب- وكان والى الكوفة-:
стр. 836
«أما بعد: فإن بلالا غرّنا بالله، فكدنا نغترّ، فسبكناه فوجدناه خبثا (١) كلّه، والسلام».
ويروى أنه كتب إلى عبد الحميد: «إذا ورد عليك كتابى هذا فلا تستعن على عملك بأحد من آل أبى موسى». (الكامل للمبرد ١: ٢١٧)
٣٢٦ - كتابه إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن:
«كتبت إلىّ تسألنى عن أناس من أهل الحيرة، يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس، وعليهم جزية عظيمة، وتستأذننى فى أخذ الجزية منهم، وإن الله جلّ ثناؤه بعث محمدا ﷺ داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه جابيا، فمن أسلم من أهل تلك الملل فعليه فى ماله الصّدقة، ولا جزية عليه، وميراثه لذوى رحمه إذا كان منهم، يتوارثون كما يتوارث أهل الإسلام، وإن لم يكن له وارث فميراثه فى بيت مال المسلمين الذى يقسم بين المسلمين، وما أحدث من حدث ففى مال الله الذى يقسم بين المسلمين يعقل (٢) عنه منه، والسلام». (كتاب الخراج ص ١٥٧)
٣٢٧ - كتابه إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن:
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد:
سلام عليك، أما بعد: فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدّة وجور فى أحكام الله وسنن خبيثة استنّها عليهم عمّال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شىء أهم إليك من نفسك أن توطّنها لطاعة الله، فإنه لا قليل من الإثم،
стр. 837
ولا تحمل خرابا على عامر، ولا عامرا على خراب، وانظر الخراب فإن أطاق شيئا فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر (١)، ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج، فى رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذنّ فى الخراج إلا وزن سبعة (٢) ليس فيها تبر (٣) ولا أجور الضّرّابين، ولا إذابة الفضّة، ولا هدية النيروز والمهرجان (٤)، ولا ثمن الصّحف، ولا أجور الفيوج (٥)، ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتّبع فى ذلك أمرى، فإنى قد ولّيتك من ذلك ما ولّانى الله، ولا تعجل دونى بقطع ولا صلب حتى تراجعنى فيه، وانظر من أراد من الذرّيّة أن يحجّ فعجّل له مائة يحجّ بها والسلام.
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٩، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٩٤، وكتاب الخراج ص ١٠٢)
стр. 838
٣٢٨ - كتاب عبد الحميد بن عبد الرحمن إليه
وكتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر:
«إن رجلا شتمك فأردت أن أقتله»
٣٢٩ - رد عمر عليه
فكتب إليه:
«لو قتلته لأقدتك (١) به، فإنه لا يقتل أحد يشتم أحدا إلا رجل شتم نبيّا».
(العقد الفريد ٢: ٢٧٩)
٣٣٠ - كتابه إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن
وروى صاحب العقد أيضا قال:
وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن عامله على المدينة فى المظالم فيرادّه فيها، فكتب إليه:
«إنه يخيل لى أنى لو كتبت لك أن تعطى رجلا شاة (٢) لكتبت إلىّ: أذكر أم أنثى؟ ولو كتبت إليك بأحدهما، لكتبت إلىّ: أصغيرة أم كبيرة؟ ولو كتبت بأحدهما، لكتبت: أضائنة أم معزى؟ فإذا كتبت إليك فنفّذ ولا تردّ علىّ، والسلام»
(العقد الفريد ٢: ٢٧٩)
٣٣١ - كتابه إلى صالح بن عبد الرحمن وصاحبه
وكتب صالح بن عبد الرحمن (٣) وصاحب له- وكانا قد ولّاهما عمر شيئا من أمر العراق- يعرضان له أن الناس لا يصلحهم إلا السيف، فكتب إليهما:
стр. 839
«خبيثين من الخبث (١)، رديئين من الرّدىء، تعرّضان لى بدماء المسلمين! ما أحد من الناس إلا ودماؤكما أهون علىّ من دمه».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٩١)
٣٣٢ - كتابه إلى ابن أبى الفرات
وقال مبشّر أو يزيد بن أبى الفرات: كنت عاملا لعمر بن عبد العزيز، فكنت أختم على بيادر (٢) أهل الذّمة، فجاءنى كتاب عمر بن عبد العزيز أن: «لا تفعل، فإنه بلغنى أنها كانت من صنائع الحجاج، وأنا أكره أن أتأسّى (٣) به».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٨٨)
٣٣٣ - كتابه إلى ميمون بن مهران عامله بالجزيرة
واستعمل عمر بن عبد العزيز ميمون بن مهران على الجزيرة- على قضائها وعلى خراجها- فكتب إليه ميمون يستعفيه وقال: كلّفتنى مالا أطيق، أقضى بين الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق! فكتب إليه:
«اجب الخراج الطيّب، واقض بما استبان لك من الحق، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إلىّ، فإن الناس لو كانوا إذا ثقل عليهم أمر تركوه، ما قام لهم دين ولا دنيا». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٩، وكتاب الخراج ص ١٣٧)
وفى خبر آخر أن ميمون بن مهران كتب إليه يستعفيه من الخراج فكتب إليه عمر:
«يا بن مهران، إنى لم أكلّفك بغيا فى حكمك ولا فى جبايتك، فاجب ما جبيت من الحلال، ولا تجمع للمسلمين إلا الحلال الطيّب».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٥)
стр. 840
٣٣٤ - كتابه إلى أمير الجزيرة
وكتب إلى أمير الجزيرة، فكان فيما كتب إليه:
«وكن لما ولّاك الله أمره ناصحا فيما تعيب عليهم من أمورهم، ساترا لما استطعت من عوراتهم، إلا شيئا أبداه الله لا يصلح ستره، وتمسك نفسك عنهم إذا غضبت وإذا رضيت، حتى يكون ذلك فيما بينك وبينهم مستويا حسنا جميلا، لا تبتغينّ لحقّ أدّيته إليهم ولا لخير سدّدتهم له، منهم حظا ولا مدحة، وليكن ذاك لمن لا يعطى الخير إلا هو، ولا يصرف السوء إلا هو، واغتنم كل يوم وليلة مضت عليك وأنت سالم». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٨)
٣٣٥ - كتابه إلى أمير الجزيرة
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير الجزيرة:
«أما بعد، فإن ناسا من الناس قد التمسوا بعمل الآخرة الدنيا، وإنما مصيرهم ومرجعهم إلى الله بعد الموت، وقد بلغنى أن ناسا من القصّاص قد أحدثوا الصلاة على أمرائهم عدل (١) ما يصلّون على النبى ﷺ ، فإذا جاءك كتابى هذا فمر القصّاص فليجعلوا صلاتهم على النبى ﷺ خاصّة، وليكن دعاؤهم للمؤمنين والمسلمين عامّة، وليدعوا ما سوى ذلك، والسلام».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٣٦)
٣٣٦ - كتابه إلى يحيى بن يحيى عامله بالموصل
عن يحيى بن يحيى الغسّانى قال:
لما ولّانى عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرفا ونقبا، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلد، وأسأله آخذ الناس بالظّنّة وأضربهم على
стр. 841
التّهمة، أو آخذهم بالبيّنة وما جرت عليه السّنة؟ فكتب إلىّ أن: «خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السّنّة، فإن لم يصلحهم الحقّ فلا أصلحهم الله».
قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقا ونقبا. (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٧)
٣٣٧ - كتابه إلى جماعة من الحرورية (١)
وقال يحيى بن يحيى الغسّانى أيضا: بلغنى أن ناسا من الحروريّة جمعوا بناحية من الموصل فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز أعلمه بذلك، فكتب إلىّ يأمرنى أن أرسل إلىّ منهم رجالا من أهل الجدل، وأعطهم رهنا وخذ منهم رهنا، واحملهم على مراكب البريد إلىّ، ففعلت ذلك، فقدموا عليه فلم يدع لهم حجّة إلا كسرها، فقالوا. لسنا نجيبك حتى تكفّر أهل بيتك وتلعنهم وتتبرأ منهم، فقال عمر: إن الله لم يجعلنى لعّانا، ولكن إن أبق أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجّة البيضاء، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم فى دينكم إلا الصدق، منذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة، قال: فهل لعنتم فرعون وتبرّأتم منه؟
قالوا: لا، قال: فكيف وسعكم تركه؟ ألا يسعنى ترك أهل بيتى، وقد كان فيهم المحسن والمسىء، والمصيب والمخطئ؟ قالوا: قد بلغنا ما هاهنا، فكتب إلىّ عمر أن خذ من فى أيديهم من رهنك- يعنى ودع من فى يدك من رهنهم- وإن كان رأى القوم أن يسيحوا فى البلاد على غير فساد على أهل الذّمة، ولا تناول أحد من الأمة، فليذهبوا حيث شاءوا، وإن هم تناولوا أحدا من المسلمين وأهل الذمة فحاكمهم إلى الله، وكتب إليهم:
стр. 842
«بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى العصابة الذين خرجوا، أما بعد، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد، فإن الله يقول: ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتى هى أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين» وإنى أذكّركم الله أن تفعلوا كفعل كبرائكم «الّذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء (١) النّاس ويصدّون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط» أفبذنبى تخرجون من دينكم، وتسفكون الدماء، وتنتهكون المحارم؟ ولو كانت ذنوب أبى بكر وعمر مخرجة رعيتهما من دينهم كانت لهما ذنوب، فقد كانت آباؤكم فى جماعتهم، فلم ينزعوا، فما ينزعكم من المسلمين وأنتم بضعة وأربعون رجلا؟ وإنى أقسم لكم بالله لو كنتم أبكارى من ولدى فولّيتم عما أدعوكم إليه من الحقّ، لدفقت دماءكم، ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة، فهذا النّصح، فإن استغششتمونى فقديما ما استغشّ الناصحون».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٧٧)
٣٣٨ - كتابه إلى يحيى بن يحيى
فأبوا إلا القتال، وحلقوا رءوسهم، وساروا إلى يحيى بن يحيى، فأتاهم كتاب عمر، ويحيى بن يحيى مواقفهم للقتال.
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى:
أما بعد: فإنى ذكرت آية فى كتاب الله. «ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين». وإن من العدوان قتل النساء والصبيان، فلا تقتلنّ امرأة ولا صبيا، ولا تقتلن أسيرا، ولا تطلبن هاربا، ولا تجهزنّ على جريح إن شاء الله».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٧٨)
стр. 843
٣٣٩ - كتابه إلى أبى بكر بن حزم عامله بالمدينة
وكتب إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عامله على المدينة:
«أمّا بعد: فإنك كتبت إلى سليمان كتبا لم ينظر فيها حتى قبض ﵀، وقد بليت بجوابك فاسمع: كتبت إلى سليمان تذكر أنّه يقطع لعمّال المدينة من بيت مال المسلمين لثمن شمع (١) كانوا يستضيئون به حين يخرجون إلى صلاة العشاء وصلاة الفجر، وتذكر أنه قد نفد الذى كان يستضاء به، وتسأل أن يقطع لك من ثمنه بمثل ما كان للعمّال، وقد عهدتك وأنت تخرج من بيتك فى الليلة المظلمة الماطرة الوحلة بغير سراج، ولعمرى لأنت يومئذ خير منك اليوم والسلام».
وفى رواية أخرى أنه كتب إليه:
«أما بعد فقد قرأت كتابك الذى كتبت به إلى سليمان بن عبد الملك، وكنت المبتلى بالنظر فيه دونه، كتبت تسأله أن يقطع لك من الشّمع مثل الذى كان يقطع لمن قبلك وتذكر أن الشمع الذى قبلك قد نفد، ولعمرى قد طالما رأيتك تخرج من منزلك إلى مسجد رسول الله ﷺ فى الليلة المظلمة الوحلة بغير ضياء، ولعمرى لأنت يومئذ خير منك اليوم، والسلام عليك، وكتبت تسأله أن يقطع لك شيئا من القراطيس مثل الذى كان يقطع لمن قبلك، فأدقّ قلمك، وقارب بين سطورك، واجمع حوائجك، فإنى أكره أن أخرج من أموال المسلمين مالا ينتفعون به، والسلام». (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨١)
٣٤٠ - كتاب ابن حزم إليه
وكتب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى عمر بن عبد العزيز:
«سلام عليك، أما بعد: فإن أشياخا من الأنصار قد بلغوا أسنانا، ولم يبلغوا
стр. 844
الشّرف من العطاء، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبلغ بهم الشرف من العطاء، فليفعل».
٣٤١ - كتاب ابن حزم إليه
وكتب إليه فى صحيفة أخرى:
«سلام عليك: أما بعد، فإنّ من كان قبلى من أمراء المدينة يجرى عليهم رزق من شمعه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لى برزق من شمعه فليفعل».
٣٤٢ - كتاب ابن حزم إليه
وكتب إليه فى صحيفة أخرى:
«سلام عليك: أما بعد، فإن بنى عدىّ بن النجّار أخوال رسول الله ﷺ انهدم مسجدهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهم ببنائه فليفعل».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٢)
٣٤٣ - رد عمر على كتب بن حزم
فأجابه عن هؤلاء الصحائف الثلاث بجواب واحد فى صحيفة واحدة:
«سلام عليك: أما بعد، جاءنى كتابك تذكر أن أشياخا من الأنصار قد بلغوا أسنانا، ولم يبلغوا الشرف من العطاء، وإنما الشرف شرف الآخرة فلا أعرفنّ ما كتبت به إلىّ فى نحو هذا.
وجاءنى كتابك تذكر أن من كان قبلك من أمراء المدينة كان يجرى عليهم رزق من شمعه، ولعمرى يابن أمّ حزم لطالما مشيت إلى مسجد رسول الله ﷺ فى الظّلمة، لا يمشى بين يديك بالشّمع، ولا يوجف (١) خلفك أبناء المهاجرين والأنصار، فارض لنفسك اليوم ما كنت ترضى به قبل اليوم.
стр. 845
وجاءنى كتابك تذكر أن بنى عدى بن النجار أخوال رسول الله ﷺ انهدم مسجدهم، وقد كنت أحبّ أن أخرج من الدنيا لم أضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة، فإذا أناك كتابى هذا فابنه لهم بلبن بناء قصدا (١) والسلام عليك».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٣)
٣٤٤ - كتابه إلى ابن حزم
وكتب إلى أبى بكر بن حزم كتابا يقول فيه:
«إنى نظرت فى أمر «فدك (٢)» فإذا هو لا يصلح، فرأيت أن أردّها إلى