التّهمة، أو آخذهم بالبيّنة وما جرت عليه السّنة؟ فكتب إلىّ أن: «خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السّنّة، فإن لم يصلحهم الحقّ فلا أصلحهم الله».
قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقا ونقبا. (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٧)
٣٣٧ - كتابه إلى جماعة من الحرورية (١)
وقال يحيى بن يحيى الغسّانى أيضا: بلغنى أن ناسا من الحروريّة جمعوا بناحية من الموصل فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز أعلمه بذلك، فكتب إلىّ يأمرنى أن أرسل إلىّ منهم رجالا من أهل الجدل، وأعطهم رهنا وخذ منهم رهنا، واحملهم على مراكب البريد إلىّ، ففعلت ذلك، فقدموا عليه فلم يدع لهم حجّة إلا كسرها، فقالوا. لسنا نجيبك حتى تكفّر أهل بيتك وتلعنهم وتتبرأ منهم، فقال عمر: إن الله لم يجعلنى لعّانا، ولكن إن أبق أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجّة البيضاء، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم فى دينكم إلا الصدق، منذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة، قال: فهل لعنتم فرعون وتبرّأتم منه؟
قالوا: لا، قال: فكيف وسعكم تركه؟ ألا يسعنى ترك أهل بيتى، وقد كان فيهم المحسن والمسىء، والمصيب والمخطئ؟ قالوا: قد بلغنا ما هاهنا، فكتب إلىّ عمر أن خذ من فى أيديهم من رهنك- يعنى ودع من فى يدك من رهنهم- وإن كان رأى القوم أن يسيحوا فى البلاد على غير فساد على أهل الذّمة، ولا تناول أحد من الأمة، فليذهبوا حيث شاءوا، وإن هم تناولوا أحدا من المسلمين وأهل الذمة فحاكمهم إلى الله، وكتب إليهم:
стр. 842
«بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى العصابة الذين خرجوا، أما بعد، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو أما بعد، فإن الله يقول: ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتى هى أحسن إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين» وإنى أذكّركم الله أن تفعلوا كفعل كبرائكم «الّذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء (١) النّاس ويصدّون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط» أفبذنبى تخرجون من دينكم، وتسفكون الدماء، وتنتهكون المحارم؟ ولو كانت ذنوب أبى بكر وعمر مخرجة رعيتهما من دينهم كانت لهما ذنوب، فقد كانت آباؤكم فى جماعتهم، فلم ينزعوا، فما ينزعكم من المسلمين وأنتم بضعة وأربعون رجلا؟ وإنى أقسم لكم بالله لو كنتم أبكارى من ولدى فولّيتم عما أدعوكم إليه من الحقّ، لدفقت دماءكم، ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة، فهذا النّصح، فإن استغششتمونى فقديما ما استغشّ الناصحون».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٧٧)
٣٣٨ - كتابه إلى يحيى بن يحيى
فأبوا إلا القتال، وحلقوا رءوسهم، وساروا إلى يحيى بن يحيى، فأتاهم كتاب عمر، ويحيى بن يحيى مواقفهم للقتال.
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى:
أما بعد: فإنى ذكرت آية فى كتاب الله. «ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين». وإن من العدوان قتل النساء والصبيان، فلا تقتلنّ امرأة ولا صبيا، ولا تقتلن أسيرا، ولا تطلبن هاربا، ولا تجهزنّ على جريح إن شاء الله».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٧٨)
стр. 843
٣٣٩ - كتابه إلى أبى بكر بن حزم عامله بالمدينة
وكتب إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عامله على المدينة:
«أمّا بعد: فإنك كتبت إلى سليمان كتبا لم ينظر فيها حتى قبض ﵀، وقد بليت بجوابك فاسمع: كتبت إلى سليمان تذكر أنّه يقطع لعمّال المدينة من بيت مال المسلمين لثمن شمع (١) كانوا يستضيئون به حين يخرجون إلى صلاة العشاء وصلاة الفجر، وتذكر أنه قد نفد الذى كان يستضاء به، وتسأل أن يقطع لك من ثمنه بمثل ما كان للعمّال، وقد عهدتك وأنت تخرج من بيتك فى الليلة المظلمة الماطرة الوحلة بغير سراج، ولعمرى لأنت يومئذ خير منك اليوم والسلام».
وفى رواية أخرى أنه كتب إليه:
«أما بعد فقد قرأت كتابك الذى كتبت به إلى سليمان بن عبد الملك، وكنت المبتلى بالنظر فيه دونه، كتبت تسأله أن يقطع لك من الشّمع مثل الذى كان يقطع لمن قبلك وتذكر أن الشمع الذى قبلك قد نفد، ولعمرى قد طالما رأيتك تخرج من منزلك إلى مسجد رسول الله ﷺ فى الليلة المظلمة الوحلة بغير ضياء، ولعمرى لأنت يومئذ خير منك اليوم، والسلام عليك، وكتبت تسأله أن يقطع لك شيئا من القراطيس مثل الذى كان يقطع لمن قبلك، فأدقّ قلمك، وقارب بين سطورك، واجمع حوائجك، فإنى أكره أن أخرج من أموال المسلمين مالا ينتفعون به، والسلام». (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨١)
٣٤٠ - كتاب ابن حزم إليه
وكتب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى عمر بن عبد العزيز:
«سلام عليك، أما بعد: فإن أشياخا من الأنصار قد بلغوا أسنانا، ولم يبلغوا
стр. 844
الشّرف من العطاء، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبلغ بهم الشرف من العطاء، فليفعل».
٣٤١ - كتاب ابن حزم إليه
وكتب إليه فى صحيفة أخرى:
«سلام عليك: أما بعد، فإنّ من كان قبلى من أمراء المدينة يجرى عليهم رزق من شمعه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لى برزق من شمعه فليفعل».
٣٤٢ - كتاب ابن حزم إليه
وكتب إليه فى صحيفة أخرى:
«سلام عليك: أما بعد، فإن بنى عدىّ بن النجّار أخوال رسول الله ﷺ انهدم مسجدهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهم ببنائه فليفعل».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٢)
٣٤٣ - رد عمر على كتب بن حزم
فأجابه عن هؤلاء الصحائف الثلاث بجواب واحد فى صحيفة واحدة:
«سلام عليك: أما بعد، جاءنى كتابك تذكر أن أشياخا من الأنصار قد بلغوا أسنانا، ولم يبلغوا الشرف من العطاء، وإنما الشرف شرف الآخرة فلا أعرفنّ ما كتبت به إلىّ فى نحو هذا.
وجاءنى كتابك تذكر أن من كان قبلك من أمراء المدينة كان يجرى عليهم رزق من شمعه، ولعمرى يابن أمّ حزم لطالما مشيت إلى مسجد رسول الله ﷺ فى الظّلمة، لا يمشى بين يديك بالشّمع، ولا يوجف (١) خلفك أبناء المهاجرين والأنصار، فارض لنفسك اليوم ما كنت ترضى به قبل اليوم.
стр. 845
وجاءنى كتابك تذكر أن بنى عدى بن النجار أخوال رسول الله ﷺ انهدم مسجدهم، وقد كنت أحبّ أن أخرج من الدنيا لم أضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة، فإذا أناك كتابى هذا فابنه لهم بلبن بناء قصدا (١) والسلام عليك».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٣)
٣٤٤ - كتابه إلى ابن حزم
وكتب إلى أبى بكر بن حزم كتابا يقول فيه:
«إنى نظرت فى أمر «فدك (٢)» فإذا هو لا يصلح، فرأيت أن أردّها إلى
стр. 846
ما كانت عليه فى عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان، فاقبضها وولّها رجلا يقوم فيها بالحق، وسلام عليك».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١١٠)
٣٤٥ - كتابه إلى أمير مكة
وكتب إلى أمير مكة:
«لا تدع أهل مكة يأخذوا على بيوت مكة أجرا، فإنه لا يحلّ لهم».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٤)
٣٤٦ - كتابه إلى عروة بن محمد عامله باليمن
وكتب إلى عروة بن محمد عامله على اليمن:
«أما بعد، فإنى أكتب إليك آمرك أن تردّ على المسلمين مظالمهم، وتراجعنى، وأنت تعرف بعد مسافة ما بينى وبينك، ولا تعرف أخذات الموت حتى لو كتبت
стр. 847
إليك: «اردد على مسلم مظلمة» لكتبت إلىّ: أردّها عفراء (١) أو سوداء؟
«انظر أن تردّ على المسلمين مظالمهم ولا تراجعنى».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٧)
٣٤٧ - كتابه إلى عامله باليمن
وبعث عمر بن عبد العزيز بآل أبى عقيل- أهل بيت الحجّاج- إلى صاحب اليمن وكتب إليه:
«أما بعد، فإنى قد بعثت إليكم بآل أبى عقيل، وهم شرّ بيت فى العرب، ففرّقهم فى عملك على قدر هوانهم على الله، وعلينا وعليك السلام».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٠)
٣٤٨ - كتاب وهب بن منبه إلى عمر
وكان وهب بن منبّه على بيت مال اليمن، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز «إنى فقدت من بيت مال المسلمين دينارا».
٣٤٩ - رد عمر على كتابه
فكتب إليه:
«إنى لا أتّهم دينك ولا أمانتك، ولكن أتّهم تضييعك وتفريطك، وأنا حجيج (٢) المسلمين فى أموالهم، ولأخسهم عليك أن تحلف والسلام».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٨٥)
стр. 848
٣٥٠ - كتابه إلى والى حمص
وكتب إلى والى حمص:
«انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها فى المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كلّ رجل منهم مائة دينار، يستعينون بها على ما هم عليه، من بيت مال المسلمين، حين يأتيك كتابى هذا، وإن خير الخير أعجله، والسلام عليك».
وفى خبر آخر أنه كتب إليه أن: «مر لأهل الصلاح من بيت المال بما يغنيهم، لئلا يشغلهم شىء عن تلاوة القرآن وما حملوا من الأحاديث».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠٣)
٣٥١ - كتابه إلى عامله بافريقية
وكتب إليه عامل إفريقية يشكو إليه الهوامّ والعقارب، فكتب إليه:
«وما على أحدكم إذا أمسى وأصبح أن يقول؟ : «وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٥)
٣٥٢ - كتابه إلى يزيد بن المهلب عامل خراسان
وكتب عمر بن عبد العزيز حين ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب:
«أما بعد، فإن سليمان كان عبدا من عبيد الله، أنعم الله عليه، ثم قبضه واستخلفنى، ويزيد بن عبد الملك من بعدى إن كان، وإن الذى ولّانى الله من ذلك وقدّر لى ليس علىّ بهين، ولو كانت رغبتى فى اتخاذ أزواج واعتقاد (١) أموال، كان فى الذى أعطانى من ذلك ما قد بلغ بى أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، وأنا أخاف فيما
стр. 849
ابتليت به حسابا شديدا ومسألة غليظة، إلا ما عافى الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك».
فلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب ألقاه إلى أبى عيينة، فلما قرأه قال: لست من عماله، قال: ولم؟ قال ليس هذا كلام من مضى من أهل بيته، وليس يريد أن يسلك مسلكهم، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوا ثم كتب عمر إلى يزيد:
«استخلف على خراسان وأقبل» فاستخلف ابنه مخلدا».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٨)
٣٥٣ - كتاب الجراح بن عبد الله عامل خراسان إلى عمر بن عبد العزيز
وولّى عمر بن عبد العزيز الجرّاح بن عبد الله خراسان كلّها- حربها وصلاتها ومالها- فلما قدمها كتب إلى عمر:
إنى قدمت خراسان فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة، فهم ينزون (١) فيها نزوا، أحبّ الأمور إليهم أن تعود، ليمنعوا حقّ الله عليهم، فليس يكفّهم إلا السّيف والسّوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك.
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٤)
٣٥٤ - رد عمر عليه
فكتب إليه عمر:
«يابن أم الجراح: أنت أحرص على الفتنة منهم، لا تضربنّ مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلا فى حقّ، واحذر القصاص، فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور، وتقرأ كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٤)
стр. 850
٣٥٥ - كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله:
إنه بلغنى أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا أو سريّة (١)، قال: اغزوا باسم الله، وفى سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا (٢) ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا» فإذا بعثت جيشا أو سريّة فمرهم بذلك.
(العقد الفريد ١: ٤٠)
٣٥٦ - كتابه إلى الجراح
وكتب إلى الجرّاح بن عبد الله:
«أما بعد، فإنه بلغنى أنك كنت لمخلد بن يزيد بن المهلّب ولآل المهلّب أمّا فرشت فأنامت (٣)».
٣٥٧ - رد الجراح على كتابه
فكتب إليه الجراح:
«أما بعد، يا أمير المؤمنين فإنك كتبت إلىّ فى عهدك أن لا أوثق أحدا من خلق الله وثاقا يمنع صلاة، ولا أبسط على أحد من خلق الله عذابا، فأنت يا أمير المؤمنين الأمّ التى فرشت فأنامت، لمخلد بن يزيد ولآل المهلب ولجميع رعيتك».
فدعا مخلدا، فقال: إن شئت أن تقيم عندنا على حالك التى أنت عليها، وإن شئت أن ألحقك بأمير المؤمنين، ولا أراه إلا خيرا لك، قال: فألحقنى بأمير المؤمنين فدفعه إليه فأطلقه عمر بن عبد العزيز.
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٦)
стр. 851
٣٥٨ - كتابه إلى الجراح
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح:
«إنه بلغنى أنك قد استعملت عبد الله بن الأهتم، وإن الله لم يبارك لعبد الله ولا لأهل بيته فى العمل، فإذا أتاك كتابى هذا فاعزله، وإنه مع ذلك لذو قرابة لأمير المؤمنين، وبلغنى أنك استعملت عمارة الطويل، ولا حاجة لى بعمارة، ولا بضرب عمارة، ولا برجل غمس يده فى دماء المسلمين، فإذا أتاك كتابى هذا فاعزله، وبلغنى أنك استعملت السّيال بن المنذر، وإنى لا أدرى ما سيالك هذا؟ »
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٨٦ وص ٩٦)
٣٥٩ - رد الجراح على كتابه
فكتب إليه الجراح:
«إنه جاءنى كتابك فى عبد الله، وإنى استعملته يا أمير المؤمنين فأجزأ (١) ثغره، وهابه عدوّه، وحمده أهل عمله، ولم يكن جزاؤه العزل، وكتبت إلىّ فى عمارة، وإنه رجل قد شامّ (٢) الحرورية، ثم رجع عن ذلك أحسن رجوع، وتاب منه أحسن توبة».
واعتذر إليه فى السّيال بعذر آخر فقبله. (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٦)
٣٦٠ - كتابه إلى الجراح
وكتب عمر إلى الجراح:
«انظر من صلّى قبلك إلى القبلة فضع عنه الجزية».
فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح: إن الناس قد سارعوا إلى الإسلام،
стр. 852
وإنما فعلوا ذلك نفورا من الجزية، فامتحنهم بالختان، فكتب الجراح بذلك إلى عمر.
٣٦١ - كتابه إلى الجراح
فكتب إليه عمر:
«إن الله بعث محمدا ﷺ داعيا، ولم يبعثه خاتنا».
وقال عمر: ابغونى رجلا صدوقا أسأله عن خراسان، فقيل له: قد وجدته، عليك بأبى مجلز لاحق بن حميد، فكتب إلى الجراح أن: «أقبل واحمل أبا مجلز وخلّف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم الغامدىّ، وعلى جزيتها عبد الله بن حبيب».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٤)
٣٦٢ - كتابه إلى أهل خراسان
فلما قدم الجراح عليه عزله عن خراسان، وولّى عبد الرحمن بن نعيم الصلاة والحرب، وولى عبد الرحمن القشيرى الخراج، وكتب إلى أهل خراسان:
«إنى استعملت عبد الرحمن بن نعيم على حربكم، وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم، على غير معرفة منى بهما ولا اختيار، إلا ما أخبرت عنهما، فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله، وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله». (تاريخ الطبرى ٨: ١٣٥)
٣٦٣ - كتابه إلى عبد الرحمن بن نعيم عامله بخراسان
وكتب إلى عبد الرحمن بن نعيم:
«أما بعد، فكن عبدا ناصحا لله فى عباده، ولا تأخذك فى الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس، وحقّه عليك أعظم، فلا تولّينّ شيئا من أمر المسلمين
стр. 853
إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعى، وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق، فإن الله لا يخفى عليه خافية، ولا تذهبنّ عن الله مذهبا، فإنه لا ملجأ من الله إلّا إليه». (تاريخ الطبرى ٨: ١٣٥)
٣٦٤ - كتابه إلى عبد الرحمن بن نعيم
وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريّهم، فأبوا وقالوا: لا تسعنا «مرو» فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر:
«اللهم إنى قد قضيت الذى علىّ، فلا تغز بالمسلمين، فحسبهم الذى قد فتح الله عليهم».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٩)
٣٦٥ - كتابه إلى عبد الرحمن بن نعيم
وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم:
«إن العمل والعلم قريبان، فكن عالما بالله عاملا له، فإن أقواما علموا ولم يعملوا، فكان علمهم عليهم وبالا». (تاريخ الطبرى ٨: ١٣٨)
٣٦٦ - كتابه إلى عبد الرحمن بن نعيم
وكتب إليه:
«أما بعد: فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٨)
٣٦٧ - كتابه إلى عقبة بن زرعة
وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائى- وكان قد ولّاه خراح خراسان بعد القشيرى-:
«إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا بها، فالوالى ركن، والقاضى ركن، وصاحب
стр. 854
بيت المال ركن، والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلىّ ولا أعظم عندى من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج وأحرزه فى غير ظلم، فإن يك كفافا لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلّا فاكتب إلىّ حتى أحمل إليك الأموال فتوفّر لهم أعطياتهم».
فقدم عقبة فوجد خراجهم يفضل عن أعطياتهم، فكتب إلى عمر فأعلمه، فكتب إليه عمر أن اقسم الفضل فى أهل الحاجة. (تاريخ الطبرى ٨: ١٣٩)
٣٦٨ - كتابه إلى سليمان بن أبى السّرىّ والى سمرقند
وكتب عمر إلى سليمان بن أبى السّرىّ عامله على سمرقند أن: «اعمل خانات فى بلادك، فمن مرّ بك من المسلمين فاقروهم (١) يوما وليلة، وتعهّدوا دوابّهم، فمن كانت به علّة فاقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعا به فقوّوه بما يصل به إلى بلده».
فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسليمان: إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة، فأذن لهم فوجّهوا منهم قوما فقدموا على عمر.
٣٦٩ - كتابه إلى ابن أبى السرى
فكتب لهم عمر إلى سليمان بن أبى السرى:
«إن أهل سمرقند قد شكوا إلىّ ظلما أصابهم، وتحاملا من قتيبة عليهم، حتى
стр. 855
أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابى فأجلس لهم القاضى، فلينظر فى أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة (١)».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٨)
٣٧٠ - كتابه إلى حيان بن شريح
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيّان بن شريح: أن: ضع الجزية عمن أسلم من أهل الذّمّة، فإن الله ﵎ قال: «فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» وقال: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ».
٣٧١ - كتاب حيان بن شريح إليه
وكتب حيان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز:
«أما بعد، فإن الإسلام قد أضرّ بالجزية حتى تسلّفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف دينار أتممت بها عطاء أهل الديوان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بقضائها فعل».
٣٧٢ - رده على حيان بن شريح
فكتب إليه عمر:
«أما بعد: فقد بلغنى كتابك، وقد ولّيتك جند مصر وأنا عارف بضعفك،
стр. 856
وقد أمرت رسولى بضربك على رأسك عشرين سوطا، فضع الجزية عمن أسلم، قبّح الله رأيك، فإن الله إنما بعث محمدا ﷺ هاديا، ولم يبعثه جابيا، ولعمرى لعمر أشقى من أن يدخل النّاس كلهم الإسلام على يديه».
(المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزى ١: ٧٨)
٣٧٣ - كتابه إلى عماله
وكتب إلى عماله:
«إياكم أن تستعملوا على شىء من أعمالنا إلا أهل القرآن» فكتبوا إليه:
٣٧٤ - ردهم عليه
«يا أمير المؤمنين، إنا استعملنا أهل القرآن فوجدناهم خونة».
فكتب إليهم:
٣٧٥ - رده عليهم
«إياكم أن يبلغنى عنكم أنكم استعملتم على شىء من أعمالنا إلا أهل القرآن، فإنه إن لم يكن عند أهل القرآن خير، فغيرهم أحرى بأن لا يكون عندهم خير».
٣٧٦ - كتابه إلى بعض عماله
وشكى عامل لعمر بن عبد العزيز إليه، فكتب إليه عمر:
«يا أخى: أذكّرك طول سهر أهل النار فى النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء».
فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر، فقال له: ما أقدمك؟ قال:
خلعت قلبى بكتابك، لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى الله تعالى.
стр. 857
٣٧٧ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب إلى بعض عمّاله:
«أما بعد: فاتّق الله فيمن وليت أمره، ولا تأمن مكره فى تأخير عقوبته، فإنه إنما يعجل بالعقوبة من يخاف الفوت، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠٠)
٣٧٨ - كتابه إلى أحد عماله
وكتب إلى عامل له:
«اتق الله، فإن التقوى هى التى لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثاب إلا عليها، وإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٨٧ و ٢١٥)
٣٧٩ - كتابه إلى عماله
وكتب إلى عمّاله:
«اجتنبوا الأشغال عند حضور الصّلوات، فمن أضاعها فهو لما سواها من شرائع الإسلام أشدّ تضييعا». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠٢)
٣٨٠ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب إلى بعض عماله:
«اعمل للدنيا على قدر مقامك فيها، واعمل للآخرة على قد مقامك فيها».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠٢)
стр. 858
٣٨١ - كتابه إلى عماله
وكتب إلى عماله: «أن عاقبوا الناس على قدر ذنوبهم، وإن بلغ ذلك سوطا واحدا، وإياكم أن تبلغوا بأحد حدّا من حدود الله».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٧)
٣٨٢ - كتابه إلى زريق بن حيان
وعن زريق بن حيّان- وكان على مكس مصر- أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن:
«انظر من مرّ عليك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم العين، ومما ظهر من التجارات من كل أربعين دينارا دينارا، وما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارا، فإن نقصت تلك الدنانير فدعها ولا تأخذ منها شيئا، وإذا مرّ عليك أهل الذّمة فخذ مما يديرون من تجاراتهم من كل عشرين دينارا دينارا فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير، ثم دعها فلا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم كتابا بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول». (كتاب الخراج ص ١٦٣)
٣٨٣ - كتابه إلى جعفر بن برقان
وعن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز:
«لا تدعنّ فى سجونكم أحدا من المسلمين فى وثاق (١) لا يستطيع أن يصلّى قائما، ولا تبيتنّ فى قيد إلا رجلا مطلوبا بدم، وأجروا عليهم من الصّدقة ما يصلحهم فى طعامهم وأدمهم، والسلام». (كتاب الخراج ص ١٧٩)
стр. 859
٣٨٤ - كتابه إلى ثابت بن ثوبان
وحدث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه قال: كنت عاملا لعمر بن عبد العزيز، فكتبت إليه أن رجلا كان يهوديا فأسلم، ثم تهوّد ورجع عن الإسلام، فكتب إلىّ عمر أن:
«ادعه إلى الإسلام، فإن أسلم فخلّ سبيله، وإن أبى فادع بالخشبة فأضجعه عليها، ثم ادعه، فإن أبى فأوثقه، وضع الحربة على قلبه، ثم ادعه، فإن رجع فخلّ سبيله، وإن أبى فاقتله».
ففعل ذلك به حتى وضع الحربة على قلبه، فأسلم، فخلّى سبيله.
(كتاب الخراج ص ٢١٧)
٣٨٥ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب إلى بعض عماله:
«أما بعد، فكأنّ العباد قد عادوا إلى الله، ثم ينبّئهم بما عملوا، ليجزى الّذين أساءوا بما عملوا ويجزى الّذين أحسنوا بالحسنى، فإنه لا معقّب لحكمه ولا منازع لأمره، وإنى أوصيك بتقوى الله وأحثّك على الشكر فيما اصطنع عندك من نعمه، وآتاك من كرامته، فإن نعمه يمدّها شكره، ويقطعها كفره، وأكثر ذكر الموت الذى لا تدرى متى يغشاك، فلا مناص ولا فوت، وأكثر ذكر يوم القيامة وشدّته، فإن ذلك يدعوك إلى الزّهادة فيما رغبت فيه، والرغبة فيما زهدت فيه، ثم كن مما أوتيت من الدنيا على وجل، فإن من لا يحذر ذلك ولا يتخوّفه توشك الصّرعة أن تدركه فى الغفلة، وأكثر النظر فى عملك فى دنياك بالذى أمرت به، ثم اقتصر عليه فإن فيه لعمرى شغلا عن دنياك، ولن تدرك العلم حتى تؤثره على الجهل، ولا الحقّ حتى تذر الباطل، نسأل الله لنا ولك حسن معونته، وأن يدفع عنا وعنك بأحسن دفاعه، برحمته». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢١٨)
стр. 860
٣٨٦ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب إلى بعض عماله:
«أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد فى أمره، واتّباع سنّة رسوله، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت به سنّته وكفوا مئونته. واعلم أنه لم يبتدع إنسان قطّ بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة فيها، فعليك بلزوم السّنة، فإنها لك- بإذن الله- عصمة. واعلم أن من سن سنّة قد علم ما فى خلافها من الخطأ والزّلل والتعمق والحمق، فإن السابقين الماضين على علم توقّفوا، وببصر ناقد كفّوا».
وزاد بعض الرواة:
«وإنهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وما أحدث إلا من اتّبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، لقد قصّر دونهم أقوام فجفوا (١)، وطمح عنهم آخرون فغلوا (٢)».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٧)
٣٨٧ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب إلى بعض عماله:
«أما بعد، فالزم الحقّ، ينزلك الحقّ منازل أهل الحق، يوم لا يقضى بين الناس إلا بالحق وهم لا يظلمون».
стр. 861
٣٨٨ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب إلى عامل له:
«أما بعد: فلتجفّ يداك من دماء المسلمين، وبطنك من أموالهم، ولسانك من أعراضهم، فإذا فعلت ذلك فليس عليك سبيل، «إنّما السّبيل على الّذين يظلمون النّاس ويبغون فى الأرض بغير الحقّ، أولئك لهم عذاب أليم».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٤)
٣٨٩ - كتاب بعض عماله إليه
وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه:
«أما بعد، فإن مدينتنا قد خربت، فإن ير أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمّها (١) به فعل».
٣٩٠ - رد عمر على كتابه
فكتب إليه عمر:
«أما بعد، فقد فهمت كتابك، وما ذكرت من أن مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابى هذا، فحصّنها بالعدل، ونقّ طرقها من الظلم، فإنه مرمّتها والسلام».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٩٠)
٣٩١ - كتاب بعض ولاته إليه
ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه بعض ولاته:
«إن الناس لمّا سمعوا بولايتك، تسارعوا إلى أداء الزكاة زكاة الفطر، فقد اجتمع من ذلك شىء كثير، ولم أحبّ أن أحدث فيها شيئا حتى تكتب إلىّ برأيك».
стр. 862
٣٩٢ - رد عمر على كتابه
فكتب إليه عمر:
«لعمرى ما وجدونى وإياك على ما ظنّوا، وما حبسك إياها إلى اليوم؟ فأخرجها حين تنظر فى كتابى». (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٨٥)
٣٩٣ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب إلى بعض عماله:
«الموالى ثلاثة: مولى رحم، ومولى عتاقة، ومولى عقد، فمولى الرحم يرث ويورث، ومولى العتاقة يورث ولا يرث، ومولى العقد لا يرث ولا يورث، وميراثه لعصبته».
٣٩٤ - كتابه إلى عماله
وكتب إلى عماله:
«مروا من كان على غير الإسلام أن يضعوا العمائم ويلبسوا الأكسية، ولا يتشبّهوا بشىء من الإسلام، ولا تتركوا أحدا من الكفّار يستخدم أحدا من المسلمين».
٣٩٥ - كتابه إلى عماله
وكتب إلى عماله:
مروا من كان قبلكم فلا يبقى أحد من أحرارهم ولا مماليكهم، صغيرا ولا كبيرا، ذكرا ولا أنثى، إلّا أخرج عنه صدقة فطر رمضان: مدّين (١) من قمح،
стр. 863
أو صاعا من تمر، أو قيمة ذلك نصف درهم، فأمّا أهل العطاء فيؤخذ ذلك من أعطياتهم عن أنفسهم وعيالاتهم، واستعملوا على ذلك رجلين من أهل الأمانة، يقبضان ما اجتمع من ذلك، ثم يقسمانه فى مسكنة أهل الحاضرة، ولا يقسم على أهل البادية».
(العقد الفريد ٢: ٢٧٩)
٣٩٦ - كتاب أحد عماله إليه
وكتب رجل من عمال عمر إلى عمر:
«إنا أتينا بساحرة، فألقيناها فى الماء، فطفت على الماء، فما ترى فيها؟ ».
٣٩٧ - رد عمر عليه
فكتب إليه:
«لسنا من الماء فى شىء، إن قامت عليها بيّنة وإلّا فخلّ (١) سبيلها».
(العقد الفريد ٩٢: ٢٧)
٣٩٨ - كتابه إلى بعض عماله
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل له:
«أما بعد: فلا تدعنّ صليبا ظاهرا إلا كسر ومحق، ولا يركبنّ يهودى ولا نصرانى على سرج، وليركب على إكاف (٢) ولا تركبنّ امرأة من نسائهم على رحالة (٣)، وليكن ركوبها على إكاف، وتقدّم فى ذلك تقدّما بليغا، وامنع من قبلك فلا يلبس نصرانى قباء ولا ثوب خزّ ولا عصب (٤)».
стр. 864
وقد ذكر لى أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا المناطق (١) على أوساطهم، واتخذوا الجمام والوفر (٢) وتركوا التقصيص، ولعمرى لئن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك لضعف وعجز ومصانعة، وإنهم حين يراجعون ذلك ليعلموا ما أنت، فانظر كل شىء نهيت عنه فاحسم (٣) عنه من فعله، والسلام». (كتاب الخراج ص ١٥٢)
٣٩٩ - كتابه إلى عماله
وكتب إلى عماله:
«من بلغ خمس عشرة سنة فافرضوا له فى المقاتلة، ومن كان دون ذلك فافرضوا له فى الذرية». (كتاب الخراج ص ٢٠٨)
٤٠٠ - كتاب لعمر
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل:
«أما بعد، فإنى أوصيك بتقوى الله وتقديم ما استطعت من مالك وما رزقك الله إلى دار قرارك، فإنك والله لكأنك قد ذقت الموت، وعاينت ما بعده بتصرّف الليل والنهار، فإنهما سريعان فى طىّ الأجل ونقص العمر، مستعدّان لمن بقى بمثل الذى قد أصابا به من مضى، فنستغفر الله لسيّئ أعمالنا، ونعوذ بالله من مقته إيانا على ما نعظ به مما نقصّر عنه». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٠١، ٢١٥)
стр. 865
٤٠١ - كتابه إلى أخ له
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أخ له:
«يا أخى، إنك قد قطعت عظم السفر وبقى أقلّه، فاذكر يا أخى المصادر والموارد، فقد أوحى إلى نبيك ﷺ فى القرآن أنّك من أهل الورود، ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج، وإياك أن تغرّك الدنيا، فإن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، يا أخى إنّ أجلك قد دنا، فكن وصىّ نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك».
٤٠٢ - كتابه إلى بعض أهل بيته
وكتب إلى بعض أهل بيته:
«أما بعد، فإنك إن استشعرت ذكر الموت فى ليلك ونهارك بغّض إليك كلّ فإن، وحبّب إليك كل باق، والسلام».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٠٨)
٤٠٣ - كتابه إلى عمر بن عبد الله بن عتبة يعزيه
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن عبد الله بن عتبة يعزّيه فى أبيه:
«أما بعد: فإنا قوم من أهل الآخرة سكنّا الدنيا، أموات أبناء أموات، فالعجب كلّ العجب لميّت يكتب إلى ميّت يعزّيه عن ميت، والسلام».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٠٤)
стр. 866
٤٠٤ - كتابه إلى رجاء بن حيوة
وكتب إلى رجاء بن حيوة:
«أما بعد، فإنه من أكثر من ذكر الموت اكتفى باليسير، ومن علم أن الكلام عمل قلّ كلامه إلا فيما ينفعه».
(العقد الفريد ١: ٣٠٠)
وروى الطبرى قال:
كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الشأم:
«سلام عليكم ورحمة الله، أما بعد: فإنه من أكثر ذكر الموت قلّ كلامه، ومن علم أن الموت حقّ رضى اليسير، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٨: ١٣٩)
٤٠٥ - كتابه لأهل العلم
«أما بعد، فآمر أهل العلم أن ينشروا العلم فى مساجدهم، فإن السّنّة كانت قد أميتت». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٤)
٤٠٦ - كتابه إلى جنده
وبلغه عن جند له شىء، فكتب إليهم:
«الله لا إله إلّا هو ليجمعنّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، ومن أصدق من الله حديثا». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٨)
стр. 867
٤٠٧ - كتابه إلى بعض الأجناد
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض الأجناد:
«أما بعد، فإنى أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته، والتمسّك بأمره، والمعاهدة على ما حمّلك الله من دينه، واستحفظك من كتابه، فإنّ بتقوى الله نجاء أولياء الله من سخطه، وبها تحقّق لهم ولايته، وبها رافقوا أنبياءه، وبها نضرب وجوههم، ونظروا إلى خالقهم، وهى عصمة فى الدنيا من الفتن، والمخرج من كرب يوم القيامة، ولن يقبل ممّن بقى إلا مثل ما رضى به ممن مضى، ولمن بقى عبرة فيمن مضى، وسنة الله فيهم واحدة، بادر بنفسك قبل أن يؤخذ بكظمك (١)، ويخلص إليك كما خلص إلى من كان قبلك، فقد رأيت الناس كيف يموتون وكيف يتفرّقون؟ ورأيت الموت كيف يعجل التائب عن توبته، وذا الأمل عن أمله، وذا السلطان عن سلطانه؟ وكفى بالموت موعظة بالغة، وشاغلا عن الدنيا، ومرغّبا فى الآخرة، فنعوذ بالله من شر الموت وما بعده، ونسأل الله تعالى خيره وخير ما بعده.
لا تطلبنّ شيئا من عرض الدنيا بقول ولا فعل تخاف أن يضرّ بآخرتك، ويزرى بدينك، ويمقتك عليه ربّك، واعلم أن القدر سيجرى إليك برزقك، ويوافيك أكلك (٢) من دنياك، غير مزيد فيه بحول منك ولا قوة، ولا منقوص منه بضعف، إن ابتلاك الله بفقر فتعفّف فى فقرك، وأخبت لقضاء ربك (٣)، واعتبر بما قسم الله لك من الإسلام، وما زوى (٤) عنك من نعمة دنياك، فإنّ فى الإسلام خلفا من الذهب والفضّة والدنيا الفانية. واعلم أنه لن يضرّ عبدا صار إلى رضوان الله
стр. 868
وإلى الجنة ما أصابه فى الدنيا من فقر وبلاء، وأنه لن ينفع عبدا صار إلى سخط الله وإلى النار، ما أصاب فى الدنيا من نعمة ورخاء، ما يجد أهل الجنة مسّ مكروه أصابهم فى الدنيا، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها فى دنياهم، كأن سائر ذلك لم يكن، فمن كان راغبا فى الجنة وهاربا من النار، فالآن فى هذه الأيام الخالية، والتوبة مقبولة، والذنب مغفور، قبل نفاد الأجل، وانقضاء المدة، وفراغ من الله للثّقلين (١) ليدينهم بأعمالهم فى موطن لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه الحيلة، تبرز فيه الخفيّات، وتبطل فيه الشفاعات، يرده الناس جميعا بأعمالهم، وينصرفون منه أشتاتا (٢) إلى منازلهم، فطوبى (٣) يومئذ لمن أطاع الله ، وويل يومئذ لمن عصى الله ، فإن ابتلاك الله بالغنى، فاقتصد فى غناك، وضع لله نفسك، وأدّ لله فرائض حقه من مالك، وقل عند ذلك ما قال العبد الصالح:
«هذا من فضل ربّى ليبلونى أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ ربّى غنىّ كريم». وإياك أن تفخر بطولك (٤)، وأن تعجب بنفسك، أو يخيّل إليك أن ما رزقته لكرامتك على ربك ، وتفضيله إياك على غيرك ممن لم يرزق مثل غناك، فإذا أنت أخطأت باب الشكر، ونزلت منازل أهل الفقر، وكنت ممن أطغاه الغنى، وتعجّل طيّباته فى الدنيا، فإنى أعظك بهذا وإنى لكثير الإسراف على نفسى، غير محكم لكثير من أمرى. ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه، ويعمل فى الذى خلق له من عبادة ربه ، إذن لتواكل الناس الخير، وإذن لرفع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإذن لاستحلّت المحارم، وقلّ الواعظون والساعون لله بالنصيحة فى الأرض».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٩١ وص ٢٠٢ وص ٢١٢)
стр. 869
٤٠٨ - كتابه إلى نفر كذبوا بالقدر
وله كتاب إلى نفر كتبوا بالتكذيب بالقدر:
«أما بعد: فقد علمتم أنّ أهل السّنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسّنة نجاة، وسينقص العلم نقصا سريعا، ومنه قول عمر بن الخطاب وهو يعظ: إنه لا عذر لأحد عبد الله بعد البيّنة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا فى هدى تركه حسبه ضلالة، فقد تبيّنت الأمور، وثبتت الحجّة، وانقطع العذر، فمن رغب عن أنباء النّبوّة وما جاء به الكتاب، تقطّعت من يده أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الرّدى».
وبلغكم أنى أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، فأنكرتم ذلك، وقد قال تعالى: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» وقال: «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» وزعمتم فى قول الله: «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» أن المشيئة فى أى ذلك أحببتم: من ضلال أو هدى، والله يقول: «وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» فبمشيئته لهم شاءوا، وقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعا، فما اهتدى إلا من هداه الله وحرص إبليس على ضلالتهم جميعا، فما ضلّ منهم إلا من كان فى علم الله ضالّا، وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله، وحجرتموها (١) عن المعصية بغير قوة من الله، ومن زعم ذلك منكم فقد غلا فى القول، لأنه لو كان شىء لم يسبق فى علم الله وقدره، لكان الله فى ملكه شريك تنفذ مشيئته فى الخلق دون الله، والله يقول: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ» وسميتم نفاذ الله فى الخلق حيفا، وقد جاء الخبر «إن الله
стр. 870
خلق آدم فنثر ذرّيته بين يديه، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٦٨)
٤٠٩ - كتابه إلى أهل الموسم
وكتب إلى أهل الموسم:
«أما بعد: فإنى أشهد الله وأبرأ إليه فى الشهر الحرام، والبلد الحرام، ويوم الحجّ الأكبر، أنّى برىء من ظلم من ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيت أو تعمّدته، إلا أن يكون وهما منى، وأمرا خفى علىّ لم أتعمّده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعا عنى، مغفورا لى، إذا علم منى الحرص والاجتهاد، ألا وإنه لا إذن على مظلوم دونى، وأنا معوّل كل مظلوم، ألا وأىّ عامل من عمالى رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة، فلا طاعة له عليكم، وقد صيرت أمره إليكم، حتى يراجع الحق وهو ذميم، ألا وإنه لا دولة (١) بين أغنيائكم ولا أثرة على فقرائكم فى شىء من فيئكم، ألا وأيّما وارد ورد فى أمر يصلح الله به خاصّة أو عامّة، فله ما بين مائة دينار إلى ثلثمائة دينار، على قدر ما نوى من الحسبة، وتجشّم من المشقّة. فرحم الله امرأ لم يتعاظمه سفر يحيى الله به حقا لمن وراءه، ولولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورا من الحق أحياها الله لكم، وأمورا من الباطل أماتها الله عنكم، فلا تحمدوا غيره، ولو وكلنى إلى نفسى كنت كغيرى، والسلام عليكم». (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٧٢)
стр. 871
٤١٠ - كتابه بشان كسوة البيت الحرام
وكتبت الحجبة إليه أن يأمر للبيت بكسوة كما كان يفعل من كان قبله، فكتب إليهم:
«إنى رأيت أن أجعل ذلك فى أكباد جائعة، فإنه أولى بذلك من البيت».
(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص ٧٦)
٤١١ - كتابه إلى الأسارى بقسطنطينية
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأسارى بقسطنطينية:
«أما بعد، فإنكم تعدّون أنفسكم أسارى، ولستم أسارى، معاذ الله، أنتم الحبساء (١) فى سبيل الله، واعلموا أنى لست أقسم شيئا بين رعيتى إلا خصصت أهلكم بأوفر ذلك وأطيبه، وقد بعثت إليكم خمسة دنانير خمسة دنانير، ولولا أنى خشيت إن زدتكم أن يحبسه عنكم طاغية الروم لزدتكم، وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادى صغيركم وكبيركم، ذكركم وأنثاكم، حرّكم ومملوككم بما يسأل، فأبشروا ثم أبشروا».
(الأغانى ٨: ١٥١)
٤١٢ - رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار فى الأنبذة
«أما بعد: فإن الناس كان منهم فى هذا الشّراب المحرّم أمر ساءت فيه رغبة كثير منهم، حتى سفّه أحلامهم، وأذهب عقولهم، فاستحلّ به الدم الحرام، وفرج الحرائر، وإن رجالا منهم ممّن يصيب ذلك الشّراب يقولون: شربنا طلاء (٢)
стр. 872
فلا بأس علينا فى شربه، ولعمرى إنّ فيما قرأت مما حرّم الله بأسا، وإن فى الأشربة التى أحلّ الله من العسل والسّويق (١) والنّبيذ من الزبيب والتمر لمندوحة (٢) عن الأشربة الحرام، غير أن كل ما كان من نبيذ العسل والتمر والزبيب فلا ينبذ إلا فى أسقية الأدم (٣) التى لازفت فيها، ولا يشرب منها ما يسكر، فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عن شرب ما جعل فى الجرار والدّبّاء (٤) والظروف المزفّتة، وقال: «كل مسكر حرام»، فاستغنوا بما أحلّ لكم عما حرّم عليكم.
وقد أردت بالذى نهيت عنه من شرب الخمر، وما ضارع الخمر من الطّلاء، وما جعل فى الدّبّاء والجرار والظروف المزفتة وكل مسكر، اتخاذ (٥) الحجة عليكم، فمن يطع منكم فهو خير له، ومن يخالف إلى ما نهى عنه نعاقبه على العلانية، ويكفينا الله ما أسرّ، فإنه على كل شىء رقيب، ومن استخفى بذلك عنا، فإن الله أشد بأسا وأشد تنكيلا». (العقد الفريد ٣: ٣٣٧)
صورة أخرى
وجاء فى سيرة عمر بن عبد العزيز:
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدىّ بن أرطاة وأهل البصرة:
«أما بعد، فإنه قد كان من الناس فى هذا الشراب أمر ساءت فيه رغبتهم،
стр. 873
وغشوا فيه أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم بلغت بهم الدم الحرام والفرج الحرام والمال الحرام. وقد أصبح جلّ من يصيب من ذلك الشراب يقول:
شربنا شرابا لا بأس به، ولعمرى إنّ ما حمل على هذه الأمور وضارع الحرام لباس شديد، وقد جعل الله عنه مندوحة وسعة من أشربة كثيرة طيّبة ليس فى الأنفس منها جائحة: الماء العذب الفرات، واللّبن، والعسل، والسويق، فمن انتبذ نبيذا فلا ينبذه إلا فى أسقية الأدم التى لازفت فيها، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عن نبيذ الجرار والدّبّاء، والظروف المزفّتة، وكان يقول «كل مسكر حرام» فاستغنوا بما أحلّ الله عما حرّم، فإنا من وجدناه يشرب شيئا من هذه بعد ما تقدّمنا إليه، أوجعناه عقوبة شديدة، ومن استخفى فالله أشدّ عقوبة وأشدّ تنكيلا، وقد أردت بكتابى هذا اتخاذ الحجّة عليكم اليوم وفيما بعد اليوم، أسأل الله أن يزيد المهتدى منا ومنكم هدى، وأن يراجع بالمسىء منا ومنكم التوبة فى يسر وعافية، والسلام». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٠١)
٤١٣ - كتابه إلى ابنه عبد الملك
وكتب عمر بن عبد العزيز فى العام الذى استخلف فيه إلى ابنه عبد الملك- وكان ابنه إذ ذاك بالمدينة-:
أما بعد، فإنّ أحقّ من تعاهدت بالوصية والنصيحة بعد نفسى أنت، وإنّ أحقّ من وعى ذلك وحفظه عنى أنت، إن الله- له الحمد- قد أحسن إلينا إحسانا كثيرا بالغا فى لطيف أمرنا وعامّته، وعلى الله إتمام ما غبر (١) من النعمة، وإياه نسأل العون على شكرها، فاذكر فضل الله عليك وعلى أبيك، ثم أعن أباك على ما قوى عليه وعلى ما ظننت أن عنده فيه عجزا عن العمل، فيما أنعم به عليه وعليك فى ذلك، فراع نفسك
стр. 874
وشبابك وصحّتك، وإن استطعت أن تكثر تحريك لسانك بذكر الله تحميدا وتسبيحا وتهليلا فافعل، فإن أحسن ما وصلت به حديثا حسنا حمد الله وشكره، وإن أحسن ما قطعت به حديثا سيئا حمد الله وذكره، فلا تفتتن بما أنعم الله به عليك فما عسيت أن تقرّظ به أباك بما ليس فيه، وإن أباك كان بين ظهرى (١) إخوته، يفضّل عليه الكبير، ويدنى دونه الصغير، وإن كان الله- وله الحمد- رزقنى من والدى حبا جميلا كنت به راضيا، أرى ببرّه أفضل ولده عليه حقا، حتى ولدت وولدت طائفة من إخوتك، ولا أخرج بكم من المنزل الذى أنا فيه (٢)».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٥٩)
٤١٤ - كتابه إلى ولى عهده يزيد بن عبد الملك
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ولىّ العهد من بعده:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك، السلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإنى كتبت إليك وأنا دنف (٣) من وجعى، وقد علمت أنى مسئول عما وليت، يحاسبنى عليه مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفى عليه من عملى شيئا، يقول تعالى فيما يقول:
«فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ» فإن يرض عنى الرحيم، فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل، وإن سخط علىّ فيا ويح نفسى! إلام أصير؟ أسأل الله الذى لا إله إلا هو أن يجيرنى من النار برحمته، وأن يمنّ علىّ برضوانه والجنة، وعليك بتقوى الله، والرعية الرعية، فإنك لن تبقى بعدى إلا قليلا حتى تلحق باللطيف الخبير والسلام». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٧٧)
стр. 875
٤١٥ - كتابه إلى يزيد
وكتب إلى يزيد بن عبد الملك أيضا:
«إياك أن تدركك الصّرعة عند الغرّة، فلا تقال العثرة، ولا تمكّن من الرّجعة، يحمدك من خلّفت بما تركت، ولا يعذرك من تقدم عليه بما اشتغلت به، والسلام».
٤١٦ - كتابه إلى يزيد
وكتب إليه:
«سلام الله وبركاته عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإن سليمان بن عبد الملك كان عبدا من عباد الله بقبضة الله، واستخلفنى وبايع لى من قبله، وليزيد بن عبد الملك أن يكون من بعدى، ولو كان الذى أنا فيه، لاتّخاذ أزواج أو اعتقاد (١) أموال، كان الله قد بلغ بى أحسن ما بلغ بأحد من خلقه، ولكنى أخاف حسابا شديدا، ومسألة لطيفة (٢)، إلا ما أعان الله عليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٧٨)
٤١٧ - كتابه إلى مؤدب ولده
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدّب ولده:
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه:
أما بعد، فإنى اخترتك على علم منى بك لتأديب ولدى، فصرفتهم إليك عن غيرك من موالىّ وذوى الخاصة بى، فخذهم (٣) بالجفاء فهو أمعن لإقدامهم، وترك
стр. 876
الصّحبة فإن عادتها تكسب (١) الغفلة، وقلّة الضحك فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهى التى بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغنى عن الثّقات من أهل العلم أن حضور المعازف (٢) واستماع الأغانى واللهج (٣) بها ينبت النّفاق فى القلب كما ينبت العشب الماء، ولعمرى لتوقّى ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذى الذهن من الثبوت على النّفاق فى قلبه، وهو حين يفارقها (٤) لا يعتقد مما سمعت أذناه على شىء مما ينتفع به، وليفتتح كلّ غلام منهم بجزء من القرآن يتثبّت فى قراءته، فإذا فرغ تناول قوسه ونبله، وخرج إلى الغرض حافيا فرمى سبعة أرشاق (٥)، ثم انصرف إلى القائلة (٦)، فإن ابن مسعود رضى الله عنه كان يقول: «يا بنىّ قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٥٧)
٤١٨ - كتاب عمر بن الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز
ولما ولى عمر بن عبد العزيز جعل لا يدع شيئا مما كان فى يده ويد أهل بيته من المظالم إلا ردّها مظلمة مظلمة، فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه:
«إنك أزريت (٧) على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم، وسرت بغير سيرتهم، بغضا لهم وشنآنا (٨) لمن بعدهم من أولادهم، وقطعت ما أمر الله به أن
стр. 877
يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها بيت المال جورا وعدوانا، يا بن عبد العزيز، اتق الله وراقبه إن شططت، لم تطمئنّ على منبرك حتى خصصت أول قرابتك بالظلم والجور، فو الذى خص محمدا ﷺ بما خصّه به، لقد ازددت من الله بعدا فى ولايتك هذه، إذ زعمت أنها عليك بلاء، فأقصر بعض ميلك، واعلم بأنك بعين جبّار، وفى قبضته، ولن تترك على هذا».
٤١٩ - رد عمر على كتابه
فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه كتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمر بن الوليد: السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أما بعد: فإنه بلغنى كتابك وسأجيبك بنحو منه:
أما أول شأنك (١) يا بن الوليد، فإنّ أمّك بنانة أمة السّكون (٢)، كانت تطوف فى أسواق حمص وتدخل فى حوانيتها، ثم الله أعلم بها، اشتراها ذبيان بن ذبيان من فىء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك، فبئس الحامل وبئس المحمول، ثم نشأت فكنت جبّارا عنيدا.
تزعم أنى من الظالمين، لأنى حرمتك وأهل بيتك فىء الله الذى هو حقّ القرابة، والمساكين والأرامل، وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعملك صبيّا سفيها على جند المسلمين تحكم بينهم برأيك، ولم تكن له فى ذلك نيّة إلا حبّ الوالد
стр. 878
لولده، فويل لك وويل لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة! وكيف ينجو أبوك من خصمائه؟
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف على خمس (١) العرب، يسفك الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام.
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل قرّة بن شريك أعرابيّا جافيا على مصر، وأذن له فى المعازف واللهو والشرب.
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من جعل لعالية البريرية سهما فى الخمس.
فرويدا يابن بنانة، فلو التقت حلقتا البطان (٢) وردّ الفىء إلى أهله، لتفرغت لك ولأهل بيتك، فوضعتكم على المحجّة البيضاء، فطالما تركتم الحق، وأخذتم فى بنيّات الطريق (٣)، ومن وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أكون رأيته: بيع رقبتك وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل فإن لكل فيك حقّا، والسلام علينا ولا ينال سلام الله الظالمين».
(سيرة عمر لابن الجوزى، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ١٤٧، والبيان والتبيين ٣: ٢٣٠)
*** وفى خبر آخر أنه كتب إليه:
«إنّ أظلم منى وأجور من ولّى عبد ثقيف العراق، فحكم فى دمائهم وأموالهم، وإن أظلم منى وأجور وأترك لعهد الله من ولّى قرّة مصر جلفا جافيا، وإن أظلم منى وأجور وأترك لعهد الله من ولى عثمان بن حيّان الحجاز فأنشد الأشعار على منبر رسول الله ﷺ ، وإنما أمك كانت تختلف إلى حوانيت حمص فاشتراها ذبيان
стр. 879
ابن ذبيان فبعث بها إلى أبيك، فحملت بك فبئس الجنين، وبئس المولود، ثم وضعتك جبارا شقيّا، لقد هممت أن أبعث إليك من يحلق جمّتك (١)، فبئس الجمّة».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١١٣)
*** وفى خبر آخر أنه كتب إليه كتابا فيه:
«وقسم لك أبوك الخمس كله، وإنما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله وحق الرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثر خصماؤه؟ وإظهارك المعازف والمزامير بدعة فى الإسلام، لقد هممت أن أبعث إليك من يجزّ جمّتك جمّة السوء».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١١٤)
٤٢٠ - كتابه حين توفى ابنه عبد الملك
«أما بعد، فإن الله تبارك اسمه، وتعالى جدّه (٢)، كتب على خلقه حين خلقهم الموت، وجعل مصيرهم إليه، فقال جل ثناؤه فيما أنزل فى كتابه الصادق، الذى حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على حقّه: «إنّا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون» وقال لنبيه ﷺ : «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون» وقال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» * وقال :
«مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» فالموت سبيل الناس فى الدنيا، لم يكتب الله لمحسن ولا لمسىء فيها خلودا، ولم يرض ما أعجب أهلها ثوابا لأهل طاعته، ولم يرض ببلائها عقوبة لأهل معصيته، فكل شىء منها أعجب أهلها أو كرهوا منه شيئا متروك، لذلك خلقت منذ خلقت، ولذلك سكنت منذ سكنت
стр. 880
ليبلو (١) الله فيها عباده أيّهم أحسن عملا؟ فمن قدم عند خروجه من الدنيا إلى طاعة الله ورضوانه من أنبيائه وأئمة الهدى الذين أمر الله نبيه أن يقتدى بهداهم، خلّد فى دار الإقامة من فضله، لا يمسّهم فبها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب (٢) ومن كانت مفارقته الدنيا إلى غيرهم وإلى غير منازلهم، فقد قابل الشّرّ الطويل، وأقام على مالا قبل له به، وأسأل الله برحمته أن يبقينا ما أبقانا فى الدنيا مطيعين أمره، متّبعين لكتابه، وأن يقدمنا إذا خرجنا من الدنيا إلى نبينا ومن أمر أن يقتدى بهداهم من المصطفين الأخيار، وأسأله برحمته أن يقينا أعمال السوء فى الدنيا، والسيئات يوم القيامة.
ثم إن عبد الملك ابن أمير المؤمنين كان عبد الله أحسن الله إليه، وأحسن إلى أبيه فيه، أعاشه ما أحبّ أن يعيشه، ثم قبضه حين أحبّ أن بقبضه، وهو- فيما علمت- بالموت مغتبط (٣) يرجو من الله فيه رجاء حسنا، وأعوذ بالله أن تكون لى محبة فى شىء من الأمور تخالف محبة الله تعالى، فإن ذلك لا يصلح لى فى بلائه (٤) عندى، وإحسانه إلىّ، ونعمته علىّ.
وقد قلت عند ما كان فى سبيله: أحمد الله على ما رجوت به ثواب الله الحسن، وموعوده الصادق من المغفرة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم لم أجد فى نفسى- والحمد لله- إلا خيرا من رضا بقضاء الله تعالى واحتساب لما كان من المصيبة، فحمدت الله على ما مضى وعلى ما بقى، وعلى كل حال من أمر الدنيا والآخرة، أحبيت أن أعلمكم بذلك وأكتب إليكم به فلا أعلم مما نيح عليه فى شىء مما قبلكم، ولا يجتمع على ذلك أحد من الناس، ولا رخّصت فيه لقريب من الناس ولا بعيد، والسلام». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٦٨)
***