الصّحبة فإن عادتها تكسب (١) الغفلة، وقلّة الضحك فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهى التى بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغنى عن الثّقات من أهل العلم أن حضور المعازف (٢) واستماع الأغانى واللهج (٣) بها ينبت النّفاق فى القلب كما ينبت العشب الماء، ولعمرى لتوقّى ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذى الذهن من الثبوت على النّفاق فى قلبه، وهو حين يفارقها (٤) لا يعتقد مما سمعت أذناه على شىء مما ينتفع به، وليفتتح كلّ غلام منهم بجزء من القرآن يتثبّت فى قراءته، فإذا فرغ تناول قوسه ونبله، وخرج إلى الغرض حافيا فرمى سبعة أرشاق (٥)، ثم انصرف إلى القائلة (٦)، فإن ابن مسعود رضى الله عنه كان يقول: «يا بنىّ قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٥٧)
٤١٨ - كتاب عمر بن الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز
ولما ولى عمر بن عبد العزيز جعل لا يدع شيئا مما كان فى يده ويد أهل بيته من المظالم إلا ردّها مظلمة مظلمة، فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه:
«إنك أزريت (٧) على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم، وسرت بغير سيرتهم، بغضا لهم وشنآنا (٨) لمن بعدهم من أولادهم، وقطعت ما أمر الله به أن
стр. 877
يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها بيت المال جورا وعدوانا، يا بن عبد العزيز، اتق الله وراقبه إن شططت، لم تطمئنّ على منبرك حتى خصصت أول قرابتك بالظلم والجور، فو الذى خص محمدا ﷺ بما خصّه به، لقد ازددت من الله بعدا فى ولايتك هذه، إذ زعمت أنها عليك بلاء، فأقصر بعض ميلك، واعلم بأنك بعين جبّار، وفى قبضته، ولن تترك على هذا».
٤١٩ - رد عمر على كتابه
فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه كتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمر بن الوليد: السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أما بعد: فإنه بلغنى كتابك وسأجيبك بنحو منه:
أما أول شأنك (١) يا بن الوليد، فإنّ أمّك بنانة أمة السّكون (٢)، كانت تطوف فى أسواق حمص وتدخل فى حوانيتها، ثم الله أعلم بها، اشتراها ذبيان بن ذبيان من فىء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك، فبئس الحامل وبئس المحمول، ثم نشأت فكنت جبّارا عنيدا.
تزعم أنى من الظالمين، لأنى حرمتك وأهل بيتك فىء الله الذى هو حقّ القرابة، والمساكين والأرامل، وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعملك صبيّا سفيها على جند المسلمين تحكم بينهم برأيك، ولم تكن له فى ذلك نيّة إلا حبّ الوالد
стр. 878
لولده، فويل لك وويل لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة! وكيف ينجو أبوك من خصمائه؟
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف على خمس (١) العرب، يسفك الدم الحرام، ويأخذ المال الحرام.
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من استعمل قرّة بن شريك أعرابيّا جافيا على مصر، وأذن له فى المعازف واللهو والشرب.
وإن أظلم منى وأترك لعهد الله من جعل لعالية البريرية سهما فى الخمس.
فرويدا يابن بنانة، فلو التقت حلقتا البطان (٢) وردّ الفىء إلى أهله، لتفرغت لك ولأهل بيتك، فوضعتكم على المحجّة البيضاء، فطالما تركتم الحق، وأخذتم فى بنيّات الطريق (٣)، ومن وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أكون رأيته: بيع رقبتك وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل فإن لكل فيك حقّا، والسلام علينا ولا ينال سلام الله الظالمين».
(سيرة عمر لابن الجوزى، وشرح ابن أبى الحديد م ٤: ١٤٧، والبيان والتبيين ٣: ٢٣٠)
*** وفى خبر آخر أنه كتب إليه:
«إنّ أظلم منى وأجور من ولّى عبد ثقيف العراق، فحكم فى دمائهم وأموالهم، وإن أظلم منى وأجور وأترك لعهد الله من ولّى قرّة مصر جلفا جافيا، وإن أظلم منى وأجور وأترك لعهد الله من ولى عثمان بن حيّان الحجاز فأنشد الأشعار على منبر رسول الله ﷺ ، وإنما أمك كانت تختلف إلى حوانيت حمص فاشتراها ذبيان
стр. 879
ابن ذبيان فبعث بها إلى أبيك، فحملت بك فبئس الجنين، وبئس المولود، ثم وضعتك جبارا شقيّا، لقد هممت أن أبعث إليك من يحلق جمّتك (١)، فبئس الجمّة».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١١٣)
*** وفى خبر آخر أنه كتب إليه كتابا فيه:
«وقسم لك أبوك الخمس كله، وإنما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله وحق الرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثر خصماؤه؟ وإظهارك المعازف والمزامير بدعة فى الإسلام، لقد هممت أن أبعث إليك من يجزّ جمّتك جمّة السوء».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١١٤)
٤٢٠ - كتابه حين توفى ابنه عبد الملك
«أما بعد، فإن الله تبارك اسمه، وتعالى جدّه (٢)، كتب على خلقه حين خلقهم الموت، وجعل مصيرهم إليه، فقال جل ثناؤه فيما أنزل فى كتابه الصادق، الذى حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على حقّه: «إنّا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون» وقال لنبيه ﷺ : «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون» وقال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» * وقال :
«مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» فالموت سبيل الناس فى الدنيا، لم يكتب الله لمحسن ولا لمسىء فيها خلودا، ولم يرض ما أعجب أهلها ثوابا لأهل طاعته، ولم يرض ببلائها عقوبة لأهل معصيته، فكل شىء منها أعجب أهلها أو كرهوا منه شيئا متروك، لذلك خلقت منذ خلقت، ولذلك سكنت منذ سكنت
стр. 880
ليبلو (١) الله فيها عباده أيّهم أحسن عملا؟ فمن قدم عند خروجه من الدنيا إلى طاعة الله ورضوانه من أنبيائه وأئمة الهدى الذين أمر الله نبيه أن يقتدى بهداهم، خلّد فى دار الإقامة من فضله، لا يمسّهم فبها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب (٢) ومن كانت مفارقته الدنيا إلى غيرهم وإلى غير منازلهم، فقد قابل الشّرّ الطويل، وأقام على مالا قبل له به، وأسأل الله برحمته أن يبقينا ما أبقانا فى الدنيا مطيعين أمره، متّبعين لكتابه، وأن يقدمنا إذا خرجنا من الدنيا إلى نبينا ومن أمر أن يقتدى بهداهم من المصطفين الأخيار، وأسأله برحمته أن يقينا أعمال السوء فى الدنيا، والسيئات يوم القيامة.
ثم إن عبد الملك ابن أمير المؤمنين كان عبد الله أحسن الله إليه، وأحسن إلى أبيه فيه، أعاشه ما أحبّ أن يعيشه، ثم قبضه حين أحبّ أن بقبضه، وهو- فيما علمت- بالموت مغتبط (٣) يرجو من الله فيه رجاء حسنا، وأعوذ بالله أن تكون لى محبة فى شىء من الأمور تخالف محبة الله تعالى، فإن ذلك لا يصلح لى فى بلائه (٤) عندى، وإحسانه إلىّ، ونعمته علىّ.
وقد قلت عند ما كان فى سبيله: أحمد الله على ما رجوت به ثواب الله الحسن، وموعوده الصادق من المغفرة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم لم أجد فى نفسى- والحمد لله- إلا خيرا من رضا بقضاء الله تعالى واحتساب لما كان من المصيبة، فحمدت الله على ما مضى وعلى ما بقى، وعلى كل حال من أمر الدنيا والآخرة، أحبيت أن أعلمكم بذلك وأكتب إليكم به فلا أعلم مما نيح عليه فى شىء مما قبلكم، ولا يجتمع على ذلك أحد من الناس، ولا رخّصت فيه لقريب من الناس ولا بعيد، والسلام». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ٢٦٨)
***
стр. 881
وفى رواية صاحب العقد:
لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله:
«إن عبد الملك كان عبدا من عبيد الله أحسن الله إليه وإلىّ فيه، أعاشه ما شاء، وقبضه حين شاء، وكان ما علمت من صالحى شباب أهل بيته: قراءة للقرآن، وتحرّيا للخير، وأعوذ بالله أن تكون له محبة أخالف فيها محبة الله، فإن ذلك لا يحسن فى إحسانه إلىّ وتتابع نعمه علىّ، ولأعلمن ما بكت عليه باكية، ولا ناحت عليه نائحة، قد نهينا أهله الذين هم أحقّ بالبكاء عليه».
(العقد الفريد ٢: ٣٥)
٤٢١ - كتابه إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب:
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سالم بن عبد الله:
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الله تبارك اسمه وتعالى جدّه، ابتلانى بما ابتلانى به من أمركم، من غير مشورة منى فيه ولا طلب، إلا قضاء من الرحمن الرحيم، فأسأل الذى ابتلانى بما ابتلانى به من أمر عباده وبلاده أن يحسن عونى وعاقبتى وعاقبة من ولّانى أمرهم، وأن يرزقنى منهم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وأن يرزقهم منى الرأفة والمعدلة، وقد رأيت أن أسير فى الناس بسيرة عمر بن الخطاب (١) رضى الله عنه، إن قضى الله ذلك واستطعت إليه سبيلا، فابعث إلىّ بكتب عمر وقضائه فى أهل القبلة (٢) وأهل العهد (٣)، فإنى متبع أثره وسائر بسيرته إن شاء الله تعالى، وأسأل الله التوفيق لما يحبّ ويرضى».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٧)
стр. 882
٤٢٢ - رد سالم على كتاب عمر
فأجابه سالم:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من سالم بن عبد الله بن عمر إلى عبد الله عمر أمير المؤمنين:
«سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله خلق الدنيا لما أراد أن يخلقها له، فجعل لها مدة قصيرة، كأنّ ما بين أولها وآخرها ساعة من نهار، ثم قضى عليها وعلى أهلها الفناء، فقال: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» لا يقدر أهلها منها يا عمر على شىء حتى تفارقهم ويفارقوها، بعث بذلك رسوله، وأنزل كتابه، ضرب فى ذلك الأمثال، وضرب فيه الوعيد، جعل دينه فى الأولين والآخرين دينا واحدا فلم يختلف رسله، ولم يبدّل قوله، ثم إنك يا عمر لست تعدو أن تكون رجلا من بنى آدم، يكفيك ما يكفى رجلا منهم، من الطعام والشّراب، فاجعل فضل ذلك فيما بينك وبين الربّ الذى توجّه إليه شكر النعم، فإنك قد وليت أمرا عظيما، ليس يلى عليك أحد دون الله ، إن استطعت أن لا تخسر نفسك وأهلك يوم القيامة فافعل، فإنه قد كان قبلك رجال عملوا ما عملوا وأحيوا ما أحيوا من الباطل، وأماتوا ما أماتوا من الحق، حتى ولد فى ذلك رجال ونشئوا فيه، وظنوا أنها السّنّة، فسدّوا على الناس أبواب الرّخاء، فلم يسدّوا منها بابا إلا فتح الله عليهم باب بلاء، فإن استطعت- ولا قوة إلا بالله- أن تفتح على الناس أبواب الرخاء فافعل، فإنك لن تفتح منها بابا إلا سدّ الله الكريم عنك باب بلاء، ولا يمنعك من نزع عامل أن تقول لا أجد من يكفينى عمله، فإنك إذا كنت تنزع لله، وتستعمل لله، أتاح الله لك أعوانا، فأتاك بهم، وإنما
стр. 883
قدر عون الله إياك بقدر نيتك، فإن تمّت نيّتك تمّ عون الله الكريم، إياك، وإن قصرت نيتك قصر من الله العون بحسب ذلك.
فإن استطعت أن تأتى الله يوم القيامة لا يتبعك أحد بظلم، ويجىء من كان قبلك وهم غابطون لك بقلة أتباعك، وأنت غير غابط لهم بكثرة أتباعهم، فافعل، ولا قوة إلا بالله، فإنهم قد عاينوا هول المطلع، وعالجوا نزع الموت الذى كانوا منه يفرّون، فانشقّت بطونهم التى كانوا لا يشبعون بها، وانفقأت أعينهم التى كانت لا تنقطع لذّتها، واندقّت رقابهم فى التراب غير موسّدين، بعد ما تعلم من تظاهر (١) الفرش والمرافق والسّرر والخدم، فصاروا جيفا فى بطون الأراضى تحت مهادها، والله لو كانوا إلى جانب مسكين لتأذّى بريحهم بعد إنفاق مالا يحصى عليهم وعلى خواصّهم من الطّيب، كل ذلك إسرافا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما أعظم الذى ابتليت به، وأفظع الذى سيق إليك من أمر هذه الأمة! أهل العراق: وأهل العراق يكونوا من صدرك بمنزلة من لا فقر بك إليه، ولا غنى بك عنه، أهل العراق أبرهم منك منزلة من لا فقر بك إليه ولا غنى بك عنه فمن بعثت من عملك إلى العراق، فانهه نهيا شديدا شبيها بالعقوبة عن أخذ الأموال وسفك الدماء إلا بحقّها، المال المال يا عمر، الدم الدم يا عمر، فإنه لا نجاة لك من هول جهنّم من عامل بلغك ظلمه ثم لم تغيّره، وانه من بعثت من عمالك أن يعملوا بمعصية، أو أن يحكموا بشبهة، أو أن يحتكروا على المسلمين بيعا، فإنك إن اجترأت على ذلك أتى بك يوم القيامة ذليلا صغيرا، وإن تجنبت عنه عرفت راحته فى سمعك وبصرك وقلبك. ثم إنك كتبت إلىّ تسألنى أن أبعث إليك بكتب عمر وبقضائه فى أهل القبلة، وفى أهل العهد، وإن عمر رضى الله عنه عمل فى غير زمانك، وعمل بغير رجالك، وإنك إن عملت فى زمانك على النحو الذى عمل عمر بن الخطاب فى زمانه بعد الذى
стр. 884
رأيت وبلوت، رجوت أن تكون أفضل عند الله منزلة من عمر بن الخطاب، فقل كما قال العبد الصالح:
«وما توفيقى إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب، والسلام عليك».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٧)
٤٢٣ - كتاب الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز صفة الإمام العادل
ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى الحسن البصرى (١) أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل، فكتب إليه الحسن ﵀:
«اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كلّ مائل، وقصد (٢) كلّ جائر، وصلاح كل فاسد، وقوّة كل ضعيف، ونصفة (٣) كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعى الشفيق على إبله، الرفيق الذى يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحرّ والقرّ (٤)، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحانى على ولده، يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم فى حياته. ويدّخر لهم بعد مماته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرّة الرّفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربّته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتمّ بشكايته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصىّ اليتامى، وخازن المساكين يربّى صغيرهم،
стр. 885
ويمون كبيرهم. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه، وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملّكك الله كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدّد المال، وشرّد العيال، فأفقر أهله، وفرّق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلّة أشياعك عنده، وأنصارك عليه، فتزوّد له، ولما بعده من الفزع الأكبر. واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذى أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحبّاؤك، ويسلمونك فى قعره فريدا وحيدا، فتزوّد له ما يصحبك يوم يفرّ المرء من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه. واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما فى القبور، وحصّل ما فى الصدور، فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت فى مهل، قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين فى عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلّط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون فى مؤمن إلّا (١) ولا ذمّة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك، ولا يغرّنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات فى دنياهم بإذهاب طيّباتك فى آخرتك. لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا، وأنت مأسور فى حبائل الموت، وموقوف بين يدى الله فى مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت (٢) الوجوه للحى القيوم. إنى يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتى ما بلغه أولو النّهى من قبلى فلم آلك (٣) شفقة
стр. 886
ونصحا، فأنزل كتابى إليك كمداوى حبيبه بسقيه الأدوية الكريهة، لما يرجو له فى ذلك من العافية والصحة، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته».
(العقد الفريد ١: ١٢، والحسن البصرى لابن الجوزى ص ٥٦)
٤٢٤ - رسالة الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز
وكتب الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما الله:
«أما بعد، اعلم يا أمير المؤمنين أن الدنيا دار ظعن (١)، وليست بدار إقامة، وإنما أهبط إليها آدم من الجنة عقوبة، وقد يحسب من لا يدرى ما ثواب الله أنها ثواب، ومن لم يدر ما عقاب الله أنها عقاب، ولها فى كل حين صرعة، وليست صرعة كصرعة هى تهين من أكرمها، وتذل من أعزّها، وتصرع من آثرها، ولها فى كل حين قتلى، فهى كالسمّ يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه، فالزاد فيها تركها، والغنى فيها فقرها، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوى جرحه: يصبر على شدة الدواء، مخافة طول البلاء ويحتمى قليلا، مخافة ما يكره طويلا، فإن أهل الفضائل كانوا منطقهم فيها بالصواب، ومشيهم بالتواضع، ومطعمهم الطيّب من الرزق، مغمضى أبصارهم عن المحارم، فخوفهم فى البرّ كخوفهم فى البحر، ودعاؤهم فى السّرّاء كدعائهم فى الضّرّاء، لولا الآجال التى كتبت لهم، ما تقاوت أرواحهم فى أجسادهم خوفا من العقاب، وشوقا إلى الثواب، عظم الخالق فى نفوسهم، فصغر المحلوقون فى أعينهم.
واعلم يا أمير المؤمنين أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، وأن الندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيرا بأهل أن يؤثر على ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة التى تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية، وندامة طويلة، فاحذر هذه الدنيا الصارعة الخاذلة
стр. 887
القاتلة التى قد تزيّنت بخدعها، وفتكت بغرورها، وخدعت بآمالها، فأصبحت كالعروس المجلوّة؛ فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة (١)، والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقى بالماضى معتبر، ولا الآخر لما رأى من أثرها على الأول مزدجر، ولا العارف بالله المصدق له حين أخبره عنها مدّكر، قد أبت القلوب لها إلا حبّا، وأبت النفوس لها إلا عشقا، ومن عشق شيئا لم يلهم غيره، ولم يعقل سواه، مات فى طلبه، وكان آثر الأشياء عنده فهما عاشقان طالبان مجتهدان؛ فعاشق قد ظفر منها بحاجته فأغنته، وطغى ونسى ولها، فغفل عن مبتدإ خلقه، وضيّع ما إليه معاده، فقلّ فى الدنيا لبثه حتى زالت عنه قدمه، وجاءته منيّته على أسرّ ما كان منها حالا وأطول ما كان فيها أملا، فعظم ندمه، وكثرت حسرته، مع ما عالج من سكرته، فاجتمعت عليه سكرة الموت بكربته، وحسرة الفوت بغصّته، فغير موصوف ما نزل به. وآخر مات من قبل أن يظفر منها بحاجته، فمات بغمّه وكمده، ولم يدرك فيها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنّصب، فخرجا جميعا بغير زاد، وقدما على غير مهاد. فاحذرها يا أمير المؤمنين الحذر كلّه، فإنما مثلها كمثل الحيّة، ليّن مسّها، تقتل بسمّها، فأعرض عما يعجبك فيها، لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها، لما قد أيقنت من فراقها، واجعل شدة ما اشتدّ منها رجاء ما ترجو بعدها، وكن- عند أسرّ ما تكون فيها- أحذر ما تكون لها؛ فإن صاحب الدنيا كلما اطمأنّ منها إلى سرور، صحبته من سرورها بما يسوءه، وكلما ظفر منها بما يحب انقلبت عليه بما يكره، فالسارّ منها لأهلها غارّ، والنافع منها غدا ضارّ، وقد وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها مؤدّيا إلى الفناء، فسرورها بالحزن مشوب، والناعم فيها مسلوب.
стр. 888
فانظر يا أمير المؤمنين إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر المبتلى العاشق، واعلم أنها تزيل الثّاوى (١) الساكن، وتفجع المترف فيها الآمن، ولا ترجع ما تولّى وأدبر، ولا بدّ ما هو آت منها ينتظر، ولا يتبع ما صفا منها إلا كدر، فاحذرها فإن أمانيّها كاذبة، وآمالها باطلة، وعيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة فادحة (٢)، وإما منيّة قاضية، فلقد كدّرت المعيشة لمن عقل، فهو من نعيمها على خطر، ومن بليّتها على حذر، ومن المنية على يقين.
فلو كان الخالق ﵎ لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدنيا قد أيقظت النائم، ونبّهت الغافل، فكيف وقد جاء عن الله منها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عنده قدر ولا وزن من الصّغر، فلهى عنده أصغر من حصاة فى الحصى، ومن مقدار نواة فى النّوى، ما خلق الله فيما بلغنا أبغض إلى الله تعالى منها، ما نظر إليها منذ خلقها، ولقد عرضت على نبينا محمد ﷺ بمفاتيحها وخزائنها، لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها- مع مالا ينقصه الله شيئا مما عنده كما وعده- إلا أنه علم أن الله أبغض شيئا فأبغضه، وصغّر شيئا فصغّره، ولو قبلها كان الدليل على محبته قبوله إياها، ولكنه كره أن يخالف أمره، أو يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه.
وكان فى آخر هذه الرسالة:
ولا تأمن أن يكون هذا الكلام حجّة عليك، نفعنى الله وإياك بالموعظة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢١)
стр. 889
٤٢٥ - كتاب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: اكتب إلىّ يا أبا سعيد بذمّ الدنيا فكتب إليه:
«أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن الدنيا دار ظعن وانتقال، وليست بدار إقامة على حال، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة، فاحذرها، فإن الراغب فيها تارك، والغنى فيها فقير، والسعيد من أهلها من لم يتعرّض لها، إنها إذا اختبرها اللبيب الحاذق وجدها تذلّ من أعزّها، وتفرّق من جمعها، فهى كالسّمّ يأكله من لا يعرفه، ويرغب فيه من يجهله، وفيه والله حتفه، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالداوى جراحه، يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا، الصبر على لأوائها (١) أيسر من احتمال بلائها، واللبيب من حذرها ولم يغترّ بزينتها، فإنها غدّارة ختّالة (٢) خدّاعة، قد تعرضت بآمالها، وتزيّنت لخطّابها، فهى كالعروس، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، وهى- والّذى بعث محمدا بالحق- لأزواجها قاتلة، فاتق يا أمير المؤمنين صرعتها، واحذر عثرتها، فالرّخاء فيها موصول بالشدة والبلاء، والبقاء مؤدّ إلى الهلكة والفناء.
واعلم يا أمير المؤمنين أن أمانيّها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وتاركها موفّق، والمتمسّك بها هالك غرق، والفطن اللبيب من خاف ما خوّفه الله، وحذر ما حذّره، وقدّر من دار الفناء إلى دار البقاء، فعند الموت يأتيه اليقين، الدنيا- والله يا أمير المؤمنين- دار عقوبة، لها يجمع من لا عقل له، وبها يغترّ من لا علم عنده، والحازم اللبيب من كان فيها كالمداوى جراحه، يصبر على مرارة الدواء لما يرجون من العافية، ويخاف من سوء عاقبة الدار، والدّنيا- وايم الله يا أمير المؤمنين-
стр. 890
حلم، والآخرة يقظة، والمتوسّط بينهما الموت، والعباد فى أضغاث أحلام، وإنى قائل لك يا أمير المؤمنين ما قال الحكيم:
فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة ... وإلّا فإنى لا إخالك ناجيا» (١)
ولما وصل كتابه إلى عمر بن عبد العزيز بكى وانتحب حتى رحمه من كان عنده وقال: يرحم الله الحسن، فإنه لا يزال يوقظنا من الرّقدة، وينبهنا من الغفلة، ولله هو من مشفق ما أنصحه! وواعظ ما أصدقه وأفصحه!
(الحسن البصرى لابن الجوزى ص ٥٤)
٤٢٦ - كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن
وكتب إليه عمر بن عبد العزيز:
«وصلت مواعظك النّافعة فاشتفيت بها، ولقد وصفت الدنيا بصفتها، والعاقل من كان فيها على وجل، فكأنّ كلّ من كتب عليه الموت من أهلها قد مات، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
فلما وصل كتابه إلى الحسن، قال: لله أمير المؤمنين من قال حقا، وقابل وعظا، لقد أعظم الله- جل ثناؤه- بولايته المنّة، ورحم بسلطانه الأمة، وجعله بركة ورحمة.
(الحسن البصرى لابن الجوزى ص ٥٥)
٤٢٧ - كتاب الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز
وكتب إليه: «أما بعد، فإن الهول الأعظم، والأمر المطلوب أمامك، ولا بدّ من مشاهدتك ذلك، إما بنجاة أو بعطب».
(الحسن البصرى لابن الجوزى ص ٥٦)
стр. 891
٤٢٨ - كتاب الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: اكتب إلىّ يا أبا سعيد بموعظة فأوجز، فكتب إليه:
«أما بعد يا أمير المؤمنين: فكأنّ الذى كان لم يكن، وكأن الذى هو كائن قد نزل، واعلم يا أمير المؤمنين أن الصبر- وإن أذاقك تعجيل مرارته- فلنعم ما أعقبك من طيب حلاوته، وحسن عاقبته، وأن الهوى- وإن أذاقك طعم حلاوته- فلبئس ما أعقبك من مرارته وسوء عاقبته، واعلم يا أمير المؤمنين أن الفائز من حرص على السلامة فى دار الإقامة، وفاز بالرحمة فأدخل الجنة».
(الحسن البصرى لابن الجوزى ص ٥٤)
٤٢٩ - كتاب الحسن إلى عمر
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصرى «عظنى» فكتب إليه الحسن:
«أما بعد: يا أمير المؤمنين، فكن للمثل من المسلمين أخا، وللكبير ابنا، وللصغير أبا، وعاقب كلّ واحد منهم بذنبه على قدر جسمه، ولا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتدخل النار (١)». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٤)
٤٣٠ - كتاب الحسن إلى عمر
وكتب الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز:
«واعلم أن الهول الأعظم، ومفظعات الأمور أمامك لم يقطع منها بعد، وأنه لا بدّ والله لك من مشاهدة ذلك ومعاينته، إمّا بالسلامة والنجاة منه، وإما بالعطب».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٤)
стр. 892
٤٣١ - كتاب الحسن إلى عمر
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصرى «عظنى وأوجز فكتب إليه:
«أما بعد، فإن رأس ما هو مصلحك، ومصلح به على يدك: الزهد فى الدنيا، وإنما الزهد باليقين، واليقين بالتفكر، والتفكر بالاعتبار، فإذا أنت تفكّرت فى الدنيا لم تجدها أهلا أن تبيع بها نفسك، ووجدت نفسك أهلا أن تكرمها بهوان الدنيا، فإنما الدنيا دار بلاء، ومنزل غفلة». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٤)
٤٣٢ - كتاب الحسن إلى عمر
وكتب الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز:
«أما بعد، فلو كان لك عمر نوح، وملك سليمان، ويقين إبراهيم، وحكمة لقمان، فإن أمامك هول الموت، ومن ورائه داران، إن أخطأتك هذه صرت إلى هذه».
فبكى عمر بكاء شديدا.
وفى خبر آخر أن عمر كتب إلى فقهاء العراق أن يأتوه، فاعتل الحسن بفتق فى بطنه، وكتب إليه:
«يا أمير المؤمنين: إن استقمت استقاموا، وإن ملت مالوا، يا أمير المؤمنين، لو أن لك عمر نوح، وسلطان سليمان، ويقين إبراهيم، وحكمة لقمان، ما كان لك بدّ من أن تقتحم العقبة، ومن وراء العقبة الجنة والنار، من أخطأته هذه دخل هذه».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٥)
стр. 893
٤٣٣ - كتاب الحسن إلى عمر
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز:
«أما بعد: يا أمير المؤمنين، فإن طول البقاء إلى فناء، فخذ من فنائك الذى لا يبقى، لبقائك الذى لا يفنى، والسلام».
فلما قرأ عمر الكتاب بكى وقال: «نصح أبو سعيد وأوجز».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٦)
٤٣٤ - كتاب الحسن إلى عمر
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز:
«سلام عليك أما بعد: فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٦)
٤٣٥ - كتاب الحسن إلى عمر
وكتب إليه يعزيه فى ابنه عبد الملك:
«وعوّضت أجرا من فقيد، فلا يكن ... فقيدك لا يأتى، وأجرك يذهب»
(العقد الفريد ٢: ٣٣)
٤٣٦ - كتاب الحسن البصرى إلى عدى بن أرطاة
ولما ولى عدىّ بن أرطاة البصرة عزم على أن يولّى الحسن القضاء، فهرب الحسن واستتر، وكتب إليه:
«أما بعد: أيها الأمير فإن الكاره للأمر غير جدير بقضاء الواجب فيه، وإن العامل للعمل بغير نيّة حقيق أن لا يعان عليه، ولك فى المختارين للأمر الذى دعوتنى إليه
стр. 894
كفاية وقناعة، وقصدك إياهم وتعويلك عليهم أولى بك وأصون لعملك، فإنه لا خير فى الاستعانة بمن لا يرى أن العمل الذى يدعى إليه واجب عليه، وفرض لازم له، فعافنى أيها الأمير عافاك الله، وأحسن إلىّ بترك التعرّض لى، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا».
فعافاه وأكرمه، وقال: والله ما كنت لأبتليه بما يكرهه.
(الحسن البصرى لابن الجوزى ص ٥٤)
٤٣٧ - كتاب الحسن البصرى إلى مكحول
وروى أن الحسن رضى الله عنه اتصل به أن مكحولا (١) توفّى، فحزن عليه، وترحّم له، ثم اتصل به بطلان ذلك، فكتب إليه:
«أما بعد: - أبا عبد الله، كان الله لنا ولك فى المحيا والممات، وقضى لنا ولك بخير فى الدنيا والآخرة، ويسّر لنا ولك حسن المآل والمنقلب، فإنه أتانا عنك ما راعنا ثم أتى بعده ما أكذبه، فلعمر الله لقد سررنا، وإن كان السرور بما سررنا به وشيك (٢) الانقطاع، ذاهبا عما قليل إلى الخبر الأول، فهل أنت- عافاك الله ووفقّنا وإياك لصالح العمل- كرجل ذاق الموت، وعاين ما بعده، وسأل الرّجعة، فأجيب إليها، وأعطى ما سأل بعد أن عاين ما فاته، فتأهّب فى نقل جهازه إلى دار قراره لا يرى أن له من ماله إلا ما قدّم أمامه، ومن عمله إلا ما كتب له ثوابه، والسلام».
(حسن البصرى لابن الجوزى ص ٦٥)
стр. 895
٤٣٨ - كتاب طاوس بن كيسان إلى عمر بن عبد العزيز
ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس (١) بن كيسان:
«إن أردت أن يكون عملك خيرا كلّه فاستعمل أهل الخير».
فقال عمر، كفى بها موعظة! (وفيات الأعيان ١: ٢٣٣)
٤٣٩ - كتاب طاوس إلى عمر بن عبد العزيز
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى طاوس، يسأله عن بعض ما هو فيه فأجابه:
«سلام عليك يا أمير المؤمنين، فإن الله أنزل كتابا، وأحل فيه حلالا، وحرّم فيه حراما، وضرب فيه أمثالا، وجعل بعضه محكما، وبعضه متشابها، فأحلّ حلال الله، وحرّم حرام الله، وتفكر فى أمثال الله، واعمل بمحكمه، وآمن بمتشابهه والسلام عليك». (سيرة عمر لابن الجوزى ص ١٢٦)
٤٤٠ - كتاب غيلان إلى عمر بن عبد العزيز
وروى صاحب المنية والأمل قال:
كتب غيلان (٢) إلى عمر بن عبد العزيز كتابا قال فيه:
стр. 896
«أبصرت يا عمر وما كدت، ونظرت وما كدت، اعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خلقا باليا، ورسما عافيا، فيا ميت بين الأموات لا ترى أثرا فتتّبع، ولا تسمع صوتا فتنتفع، طفئ (١) أمر السّنّة، وظهرت البدعة. أخيف العالم فلا يتكلم، ولا يعطى الجاهل فيسأل، وربما نجت الأمة بالإمام، وربما هلكت بالإمام، فانظر:
أىّ الإمامين أنت، فإنه تعالى يقول: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا» فهذا إمام هدى ومن اتبعه شريكان، وأما الآخر، فقد قال تعالى: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ»، ولن تجد داعيا يقول: تعالوا إلى النار، إذن لا يتبعه أحد، لكن الدّعاة إلى النار هم الدّعاة إلى معاصى الله، فهل وجدت يا عمر حكيما يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذّب على ما قضى، أو يقضى ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رشيدا يدعو إلى الهدى ثم يضل عنه، أم هل وجدت رحيما يكلّف العباد فوق الطاقة، أو يعذّبهم على الطاعة! أم هل وجدت عدلا يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ ، وهل وجدت صادقا يحمل الناس على الكذب أو التكاذب بينهم! كفى ببيان هذا بيانا، وبالعمى عنه عمى» فى كلام كثير.
فدعا عمر غيلان وقال: أعنّى على ما أنا فيه، فقال غيلان: ولنّى بيع الخزائن وردّ المظالم، فولاه فكان يبيعها وينادى عليها ويقول: تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظّلمة، تعالوا إلى متاع من خلف الرسول فى أمّته بغير سنّته وسيرته.
(المنية والأمل ص ١٦)
стр. 897
خلافة يزيد بن عبد الملك (سنة ١٠١ - ١٠٥ ه ـ)
٤٤١ - كتابه إلى العمال
كتب يزيد بن عبد الملك إلى عمال عمر بن عبد العزيز:
«أما بعد، فإن عمر كان مغرورا، غررتموه أنتم وأصحابكم، وقد رأيت كتبكم إليه فى انكسار الخراج والضّريبة، فإذا أتاكم كتابى هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم (١) الأولى: أخصبوا أم أجدبوا، أحبّوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ٢٨١)
٤٤٢ - كتابه إلى أخيه هشام
وروى أن يزيد بن عبد الملك بلغه أن أخاه هشاما يتنقّصه- وكان الخليفة بعده- فكتب إليه:
«إن مثلى ومثلك كما قال الأول:
تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فما عيش من يرجو رداى بضائرى ... وما عيش من يرجو رداى بمخلد
فقل للذى يبغى خلاف الذى مضى ... تجهّز لأخرى مثلها فكأن قد» (٢)
стр. 898
٤٤٣ - رد هشام عليه
فكتب إليه هشام:
«إن مثلى ومثلك كما قال الأول:
ومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها، ولا يسلم له الدهر صاحب
٤٤٤ - رد يزيد على هشام
فكتب إليه يزيد:
«نحن مغتفرون ما كان منك، ومكذّبون ما بلغنا عنك، مع حفظ وصيّة أبينا عبد الملك، وما حضّ عليه من صلاح ذات البين، وإنى لأعلم أنك كما قال معن ابن أوس:
لعمرك ما أدرى (وإنى لأوجل) ... على أيّنا تعدو المنيّة أول!
وإنى على أشياء منك تريبنى ... قديما لذو صفح على ذاك مجمل
إذا سؤتنى يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل
وإنى أخوك الدائم العهد، لم أحل ... أن أبزاك خصم أو نبابك منزل (١)
أحارب من حاربت من ذى عداوة ... وأحبس مالى إن غرمت فأعقل (٢)
ستقطع فى الدنيا إذا ما قطعتنى ... يمينك، فانظر أىّ كفّ تبدّل!
وكنت إذا ما صاحب رام ظنّتى ... وبدّل سوءا بالذى كنت أفعل (٣)
قلبت له ظهر المجنّ، ولم أدم ... على ذاك إلا ريثما أتحوّل (٤)
стр. 899
وفى الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفى الأرض عن دار القلى متحوّل (١)
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل (٢)
فلما جاءه الكتاب رحل هشام إليه، فلم يزل فى جواره إلى أن مات يزيد وهو معه فى عسكره مخافة أهل البغى».
(ذيل الأمالى ص ٢٢٤، والعقد الفريد ٢: ٢٨٢)
رواية أخرى
وروى المسعودى فى مروج الذهب قال:
وذكر أن يزيد بن عبد الملك بلغه أن أخاه هشام بن عبد الملك يتنقّصه ويتمنّى موته ويعيب عليه لهوه بالقينات (٣)، فكتب إليه يزيد:
«أما بعد: فقد بلغنى استثقالك حياتى، واستبطاؤك موتى، ولعمرى إنك بعدى لواهى الجناح، أجذم الكفّ (٤)، وما استوجبت منك ما بلغنى عنك».
فأجابه هشام:
«أما بعد: فإن أمير المؤمنين متى فرّغ سمعه لقول أهل الشّنآن (٥) وأعداء النعم، يوشك أن يقدح ذلك فى فساد ذات البين وتقطّع الأرحام، وأمير المؤمنين- بفضله
стр. 900
وما جعله الله أهلا له- أولى أن يتغمّد (١) ذنوب أهل الذنوب، فأمّا أنا فمعاذ الله أن أستثقل حياتك، أو أستبطئ وفاتك».
فكتب إليه:
«نحن مغتفرون ما كان منك، ومكذّبون ما بلغنا عنك، فاحفظ وصيّة عبد الملك إيانا، وقوله لنا فى ترك التّباغى والتخاذل، وما أمر به، وحضّ عليه من صلاح ذات البين، واجتماع الأهواء فهو خير لك وأملك بك، وإنى لأكتب إليك، واعلم أنك كما قال الأول:
وإنى على أشياء منك تريبنى ... الخ».
فلما أتى الكتاب هشاما ارتحل إليه، فلم يزل فى جواره مخافة أهل البغى والسّعاية حتى مات يزيد. (مروج الذهب ٢: ١٧٩)
стр. 901
خلافة هشام بن عبد الملك (سنة ١٠٥ - ١٢٥ ه ـ)
٤٤٥ - كتاب هشام إلى يوسف بن عمر الثقفى
قال حمّاد الراوية (١):
كان انقطاعى إلى يزيد بن عبد الملك فى خلافته، فكان أخوه هشام يجفونى لذلك، فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام، خفته فمكثت فى بيتى سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخوانى سرّا، فلمّا لم أسمع أحدا يذكرنى سنة، أمنت فخرجت فصلّيت الجمعة، ثم جلست عند باب الفيل، فإذا شرطيّان قد وقفا علىّ فقالا لى: يا حماد، أجب الأمير يوسف بن عمر- وكان واليا على العراق- فقلت فى نفسى: من هذا كنت أحذر! ثم قلت لهما: هل لكما أن تدعانى حتى آتى أهلى فأودّعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبدا ثم أسير معكما؟ فقالا: ما إلى ذلك من سبيل، فاستسلمت فى أيديهما وسرت إلى يوسف بن عمر وهو فى الإيوان الأحمر، فسلّمت عليه فردّ على السلام، ورمى إلىّ كتابا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد: فإذا قرأت كتابى هذا، فابعث إلى حمّاد الراوية من يأتيك به غير مروّع ولا متعتع (٢)، وادفع له خمسمائة دينار وجملا مهريّا (٣) يسير عليه اثنتى عشرة ليلة
стр. 902
إلى دمشق (١)».
فأخذت الخمسمائة الدينار، ونظرت فإذا جمل مرحول (٢)، فوضعت رجلى فى الغرز (٣) وسرت اثنتى عشرة ليلة حتى وافيت باب هشام، فاستأذنت فأذن لى فدخلت عليه فسلمت، فردّ علىّ، واستدنانى فدنوت حتى قبّلت رجله، وإذا جاريتان لم أر قبلهما مثلهما، فى أذنى كل واحدة منهما حلقتان من ذهب، فيهما لؤلؤلتان تتوقّدان، فقال لى: كيف أنت يا حماد، وكيف حالك؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين، قال:
أتدرى: فيم بعثت إليك؟ قلت لا، قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالى لم أدر من قاله، قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال:
فدعوا بالصّبوح يوما، فجاءت ... قينة فى يمينها إبريق (٤)
قلت: هذا يقوله عدىّ بن زيد فى قصيدة له، قال: فأنشدنيها، فأنشدته إياها، فطرب ثم قال: أحسنت والله يا حماد، سل حوائجك، قلت: إحدى الجاريتين قال:
هما جميعا لك بما عليهما وما لهما.
فأقام عنده مدة ثم وصله بمائة ألف درهم.
(الأغانى ٥: ١٥٨، وثمرات الأوراق ص ٣٤، ووفيات الأعيان ١: ٦٤)
стр. 903
٤٤٦ - كتاب حماد الراوية إلى بعض الرؤساء
وكتب حمّاد الراوية إلى بعض الأشراف الرؤساء، قال:
إنّ لى حاجة، فرأيك فيها ... لك نفسى فدا من الأوصاب (١)
وهى ليست مما يبلّغه ... غيرى، ولا يستطيعها فى كتاب
غير أنى أقولها حين ألقا ... ك رويدا، أسرّها فى حجاب
٤٤٧ - رد كتاب حماد
فكتب إليه الرجل:
«اكتب إلىّ بحاجتك، ولا تشهّرنى (٢) بشعرك».
٤٤٨ - رد حماد
فكتب إليه حماد:
إننى عاشق لجبّتك الدّكناء (٣) ... عشقا قد حال دون الشّراب
فاكسنيها (فدتك نفسى وأهلى) ... أتباهى بها على الأصحاب
ولك الله والأمانة أن أجعلها ... عمرها أمير ثيابى
فبعث إليه بها.
وقد رويت هذه القصة لمطيع بن إياس.
(الأغانى ٥: ١٦١)
стр. 904
٤٤٩ - كتاب حماد إلى صديق له
وأهدى حماد إلى صديق له غلاما وكتب إليه:
«قد بعثت إليك غلاما تتعلم عليه كظم الغيظ».
(الأغانى ٥: ١٦١)
٤٥٠ - كتاب أشرس بن عبد الله إلى ابن أبى العمرطة
وفى سنة ١١٠ هـ وجّه أشرس بن عبد الله السّلمىّ (١) عامل خراسان أبا الصّيداء صالح بن طريف إلى من وراء النهر ليدعوهم إلى الإسلام، فشخص إلى سمرقند، وعليها الحسن بن أبى العمرّطة الكندى، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، وانكسر الخراج، فكتب أشرس إلى ابن أبى العمرّطة: «إن فى الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغنى أن أهل السّغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، وإنما دخلوا فى الإسلام تعوّذا من الجزية، فانظر من اختتن، وأقام الفرائض، وحسن إسلامه، وقرأ سورة من القرآن، فارفع عنه خراجه». (تاريخ الطبرى ٨: ١٩٦)
٤٥١ - كتاب عاصم بن عبد الله إلى هشام
وكتب عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالى (٢) عامل خراسان إلى هشام ابن عبد الملك:
«أما بعد: يا أمير المؤمنين فإن الرّائد (٣) لا يكذب أهله، وقد كان من أمر
стр. 905
أمير المؤمنين إلىّ ما يحقّ به علىّ نصيحته. وإن خراسان لا تصلح إلا أن تضمّ إلى صاحب العراق، فتكون موادّها ومنافعها ومعونتها فى الأحداث والنوائب من قريب، لتباعد أمير المؤمنين عنها، وتباطؤ غياثه عنها».
فعزله هشام وضم خراسان إلى خالد بن عبد الله، فولّاها خالد أخاه أسد بن عبد الله.
(تاريخ الطبرى ٨: ٢٢٢)
٤٥٢ - رسالة هشام بن عبد الملك إلى خالد بن عبد الله القسرى
قال أبو العباس المبرّد:
وكان سبب هذه الرسالة إفراط خالد (١) فى الدّالّة (٢) على هشام، وأنه أخذ ابن حسّان النّبطىّ (٣) فضربه بالسّياط، وكان يقال له سهيل، فبعث بقميصه إلى أبيه، وفيه آثار الدم، فأدخله أبوه إلى هشام، مع ما قد أوغر صدر هشام عليه من إفراط الدّالّة، واحتجان الأموال (٤)، وكفر ما أسداه إليه من توليته إياه العراق.
فكتب هشام إلى خالد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمر لم يحتمله لك إلا لما أحبّ من ربّ (٥) الصنيعة قبلك، واستتمام معروفه عندك، وكان أمير المؤمنين أحقّ من استصلح ما فسد عليه منك، فإن تعد لمثل مقالتك (٦)، وما بلغ أمير المؤمنين
стр. 906
عنك، رأى فى معاجلتك بالعقوبة رأيه. إن النّعمة إذا طالت بالعبد ممتدّة أبطرته، فأساء حمل الكرامة، واستقلّ العافية، ونسب ما فى يديه إلى حيلته وحسبه وبيته ورهطه وعشيرته، فإذا نزلت به الغير (١)، وانكشطت عنه عماية الغىّ والسّلطان، ذلّ منقادا، وندم حسيرا، وتمكّن منه عدوّه قادرا عليه، قاهرا له، ولو أراد أمير المؤمنين إفسادك، لجمع بينك وبين من شهد فلتات خطلك، وعظيم زللك، حيث تقول لجلسائك: «والله ما زادتنى ولاية العراق شرفا، ولا ولّانى أمير المؤمنين شيئا لم يكن من قبلى ممن هو دونى يلى مثله» ولعمرى لو ابتليت ببعض مقاوم (٢) الحجّاج فى أهل العراق فى تلك المضايق التى لقى، لعلمت أنك رجل من بجيلة (٣)، فقد خرج عليك أربعون رجلا فغلبوك على بيت مالك وخزائنك، حتى قلت: أطعمونى (٤) ماء! دهشا وبعلا (٥) وجبنا، فما استطعتهم إلا بأمان، ثم أخفرت (٦) ذمّتك؛ منهم رزين وأصحابه، ولعمرى أن لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بخطلك فى مجلسك، وجحودك فضله إليك، وتصغير ما أنعم به عليك، فحلّ العقدة، ونقض الصّنيعة، وردّك إلى منزلة أنت أهلها، كنت لذلك مستحقّا.
стр. 907
فهذا جدّك يزيد بن أسد قد حشد (١) مع معاوية فى يوم صفّين. وعرّض له دينه ودمه، فما اصطنع (٢) إلا عنده، ولا ولّاه ما اصطنع إليك أمير المؤمنين وولّاك، وقبله من أهل اليمن وبيوتاتهم من قبيله أكرم من قبيلتك: من كندة وغسّان وآل ذى يزن وذى كلاع وذى رعين، فى نظرائهم من بيوتات قومهم، كلّهم أكرم أوّليّة، وأشرف إسلاما من آل عبد الله بن يزيد (٣):
ثم آثرك أمير المؤمنين بولاية العراق، بلا بيت رفيع، ولا شرف قديم، وهذه البيوتات تعلوك وتغمرك وتسكنك (٤) وتتقدمك فى المحافل والمجامع عند بدأة الأمور وأبواب الخلفاء.
ولولا ما أحب أمير المؤمنين من ردّ غربك (٥) لعاجلك بالتى كنت أهلها، وإنها منك لقريب ماخذها، سريع مكروهها، فيها- إن أبفى الله أمير المؤمنين- زوال نعمه عنك، وحلول نقمه بك، فيما ضيّعت وارتكبت بالعراق، من استعانتك بالمجوس والنصارى، وتوليتهم رقاب المسلمين (٦) وجبوة (٧) خراجهم، وتسلّطهم
стр. 908
عليهم، نزع بك إلى ذلك عرق سوء فيهم من التى قامت عنك (١) فبئس الجنين أنت يا عدىّ (٢) نفسه.
وإن الله لمّا رأى إحسان أمير المؤمنين إليك، وسوء قيامك بشكره، قلب قلبه فأسخطه عليك حتى قبحت أمورك عنده، وآيسه من شكرك ما ظهر من كفرك النّعمة عندك، فأصبحت تنتظر سقوط النّعمة، وزوال الكرامة، وحلول الخزى، فتأهّب لنوازل عقوبة الله بك، فإن الله عليك أوجد (٣)، ولما عملت أكره فقد أصبحت وذنوبك عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبكّتك (٤) إلا راتبا بين يديه، وعنده من يقرّرك (٥) بها ذنبا ذنبا، ويبكّتك بما أتيت أمرا أمرا، فقد نسيته وأحصاه الله عليك.
ولقد كان لأمير المؤمنين زاجر عنك فيما عرفك به من التسرّع إلى حماقتك، فى غير واحدة، منها القرشىّ الّذى تناولته بالحجاز ظالما، فضربك الله بالسّوط الذى ضربته (٦) به، مفتضحا على رءوس رعيّتك، ولعل أمير المؤمنين يعود لك بمثل ذلك، فإن يفعل فأهله أنت، وإن يصفح فأهله هو.
стр. 909
ومن ذلك ذكرك زمزم، وهى سقيا الله وكرامته لعبد المطّلب (١)، وهذا الحىّ من قريش، تسمّيها أمّ جعار (٢) فلا سقاك الله من حوض رسوله، وجعل شرّ كما لخير كما الفداء (٣)، وو الله أن لو لم يستدلل أمير المؤمنين على ضعف نحائزك (٤)، وسوء تدبيرك، إلا بفسالة دخائلك، وبطانتك وعمّالك.
والغالبة عليك جاريتك الرائفة (٥) بائعة الفهود، ومستعملة الرجال، مع ما أتلفت من مال الله فى «المبارك (٦)» فإنك ادعيت أنك أنفقت عليه اثنى عشر ألف ألف درهم، والله لو كنت من ولد عبد الملك بن مروان، ما احتمل لك أمير المؤمنين ما أفسدت من مال الله، وضيّعت من أمور المسلمين، وسلّطت من ولاة السوء على جميع أهل كور عملك، تجمع إليك الدّهاقين (٧) هدايا النّيروز والمهرجان، حابسا لأكثره، رافعا لأقلّه، مع مخابث مساويك التى قد أخّر أمير المؤمنين تقريرك بها.
ومناصبتك أمير المؤمنين فى مولاه حسّان، ووكيله فى ضياعه وأحوازه
стр. 910
فى العراق، وإقدامك على ابنه بما أقدمك به، وسيكون لأمير المؤمنين فى ذلك نبأ إن لم يعف عنك، ولكنه يظن أن الله طالبك بأمور أتيتها، غير تارك لتكشيفك عنها.
وحملك الأموال ناقصة عن وظائفها (١) التى جباها عمر بن هبيرة.
وتوجيهك أخاك أسدا إلى خراسان مظهرا العصبيّة بها، متحاملا على هذا الحىّ من مضر (٢)، قد أتت أمير المؤمنين- بتصغيره بهم، واحتقاره لهم، وركوبه إياهم- الثقات، ناسيا لحديث زرنب وقصص الهجرييّن، كيف كانت فى أسد بن كرز (٣)، فاذا خلوت أو توسّطت ملأ فاعرف نفسك، وخف راجع البغى عليك، وعاجلات النّقم
стр. 911
فيك (١)، واعلم أن ما بعد كتاب أمير المؤمنين هذا أشدّ عليك وأفسد لك، وقبل أمير المؤمنين خلف منك كثير فى أحسابهم وبيوتاتهم وأديانهم، وفيهم عوض منك، والله من وراء ذلك».
وكتب عبد الله بن سالم سنة تسع عشرة ومائة.
(الكامل للمبرد ٢: ٢٩٧)
٤٥٣ - كتاب هشام إلى خالد القسرى
وروى الطبرى قال:
وقيل إنما أغضب هشاما على خالد أن رجلا من قريش (٢) دخل على خالد فاستخفّ به وعضه بلسانه، فكتب إلى هشام يشكوه.
فكتب هشام إلى خالد:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين- وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاه أمرة، واستحفظك عليه، للّذى رجا من كفايتك، ووثق به من حسن تدبيرك- لم يفرشك (٣) غرّة أهل بيته، لتطأه بقدمك، ولا تحدّ إليه بصرك، فكيف بك وقد بسطت على غرّتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ؟ تريد بذلك تصغير خطره (٤) واحتقار قدره، زعمت بالنّصفة (٥) منه حتى أخرجك ذلك إلى الإغلاط فى اللفظ عليه
стр. 912
فى مجلس العامّة، غير متحلحل (١) له حين رأيته مقبلا- عن صدر مهادك، الذى مهد له الله، وفى قومك من يعلوك بحسبه، ويغمرك بأوّليّته، فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصّة، مساوين بك فروع غرر القبائل وقرومها (٢) قبل أمير المؤمنين، حتى حللت هضبة أصبحت تنحو (٣) بها عليهم مفتخرا، هذا إن لم يدهده (٤) بك قلّة شكرك متحطّما وقيذا، فهلّا- يا بن مجرّشة (٥) قومك- أعظمت رجلهم عليك داخلا، ووسّعت مجلسه إذ رأيته إليك مقبلا، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرّما، ثم فاوضته مقبلا عليه ببشرك إكراما لأمير المؤمنين، فإذا اطمأن به مجلسه نازعته بحيىّ السّرار (٦)، معظما لقرابته، عارفا لحقه! فهو سنّ البيتين ونابهم (٧)، وابن شيخ آل أبى العاص وحرب وغرّتهم، وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدّم من حرمتك، وما يكره من شماتة عدوك بك، لوضع منك ما رفع، حتى يردّك إلى حال تفقد بها أهل الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك، وما أقربنى من أن أجعلك تابعا لمن كان لك تبعا، فانهض على أىّ حال ألفاك رسول أمير المؤمنين وكتابه، من ليل أو نهار، ماشيا على قدميك بمن معك
стр. 913
من خولك (١)، حتى تقف على باب ابن عمرو صاغرا مستأذنا عليه متنصلا إليه، أذن لك أو منعك، فإن حرّكته عواطف رحمة احتملك، وإن احتملته أنفة وحميّة من دخولك عليه، فقف ببابه حولا غير متحلحل ولا زائل، ثم أمرك بعد إليه، عزل أو ولّى، انتصر أو عفا، فلعنك الله من متّكل عليه بالثقة، ما أكثر هفواتك! وأقذع (٢) لأهل الشرف ألفاظك التى لا تزال تبلغ أمير المؤمنين، من إقدامك بها على من هو أولى بما أنت فيه من ولاية مصرى العراق، وأقدم وأقوم، وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليك ليرى فى العفو عنك، والسّخط عليك رأيه، مفوّضا ذلك إليه، مبسوطة فيه يده محمودا عند أمير المؤمنين، على أيّهما آتى إليك موفّقا إن شاء الله تعالى». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٥٠)
٤٥٤ - كتاب هشام إلى ابن عمرو
وكتابه إلى ابن عمرو:
«أما بعد: فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه فى مجلس العامّة، محتقرا لقدرك، مستصغرا لقرابتك من أمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك (٣)، وإمساكك عنه تعظيما لأمير المؤمنين وسلطانه، وتمسّكا بوثائق عصم (٤) طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه، وشرارة منطقه، وإكثابه (٥) عليك، عند إطراقك عنه، مروّيا فيما أطلق أمير المؤمنين من لسانه، وأطال من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله، وكذلك أنتم آل سعيد فى مثلها
стр. 914
عند هذر الذّنابى (١) وطائشة أحلامها، صمت من غير إفحام، بل بأحلام تخفّ الجبال (٢) وزنا.
وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمك إياه، وتوقيرك سلطانه، وشكره، وقد جعل أمر خالد إليك، فى عزلك إيّاه أو إقراره، فإن عزلته أمضى عزلك إياه، وإن أقررته فتلك منّة لك عليه، لا يشكرك أمير المؤمنين فيها، وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة (٣) الهاجع عند وصوله إليه يأمره بإتيانك راجلا، على أيّة حال صادفه كتاب أمير المؤمنين، وألفاه رسوله الموجّه إليه من ليله أو نهاره، حتى يقف ببابك، أذنت له أو حجبته، أقررته أو عزلته، وتقدّم أمير المؤمنين إلى رسوله فى ضربه بين يديك على رأسه عشرين سوطا، إلا أن تكره أن يناله ذلك بسببك لحرمة خدمته، فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين- فى برّك وعظم حرمتك وقرابتك، وصلة رحمك- موافقا، وإليه حبيبا، فيما ينوى من قضاء حق آل أبى العاص وسعيد، فكاتب أمير المؤمنين فيما بدا لك مبتدئا ومجيبا، ومحادثا وطالبا ما عسى أن ينزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين، من حوائجهم التى تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبله، لبعد دارهم عنه، وقلّة إمكان الخروج لإنزالها به، غير محتشم من أمير المؤمنين ولا مستوحش من تكرارها عليه، على قدر قرابتهم وأديانهم وأنسابهم، مستمنحا ومسترفدا (٤) وطالبا مستزيدا، تجد أمير المؤمنين إليك سريعا بالبرّ، لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم، وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوى، وإليه يرغب فى العون على قضاء حقّ قرابته، وعليه يتوكل، وبه يثق، والله وليّه ومولاه، والسلام».
(تاريخ الطبرى ٨: ٢٥١)
стр. 915
٤٥٥ - كتاب هشام إلى خالد
وذكر أنه كتب إلى هشام كتابا غاظه، فكتب إليه هشام:
«يا بن أمّ خالد، قد بلغنى أنك تقول: «ما ولاية العراق لى بشرف» فيابن اللّخناء (١): كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟
أما والله إنى لأظن أن أول من يأتيك صغير من قريش يشدّ يديك إلى عنقك».
(تاريخ الطبرى ٨: ٢٥١)
٤٥٦ - كتاب هشام إلى خالد
وذكر أن هشاما كتب إليه:
«قد بلغنى قولك: «إن خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز، ما أنا (٢) بأشرف الخمسة» أما والله لأردّنّك إلى بغلتك وطيلسانك (٣) الفيروزى».
(تاريخ الطبرى ٧: ٢٥٢)