← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فيك (١)، واعلم أن ما بعد كتاب أمير المؤمنين هذا أشدّ عليك وأفسد لك، وقبل أمير المؤمنين خلف منك كثير فى أحسابهم وبيوتاتهم وأديانهم، وفيهم عوض منك، والله من وراء ذلك». وكتب عبد الله بن سالم سنة تسع عشرة ومائة. (الكامل للمبرد ٢: ٢٩٧) ٤٥٣ - كتاب هشام إلى خالد القسرى وروى الطبرى قال: وقيل إنما أغضب هشاما على خالد أن رجلا من قريش (٢) دخل على خالد فاستخفّ به وعضه بلسانه، فكتب إلى هشام يشكوه. فكتب هشام إلى خالد: أما بعد، فإن أمير المؤمنين- وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاه أمرة، واستحفظك عليه، للّذى رجا من كفايتك، ووثق به من حسن تدبيرك- لم يفرشك (٣) غرّة أهل بيته، لتطأه بقدمك، ولا تحدّ إليه بصرك، فكيف بك وقد بسطت على غرّتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ؟ تريد بذلك تصغير خطره (٤) واحتقار قدره، زعمت بالنّصفة (٥) منه حتى أخرجك ذلك إلى الإغلاط فى اللفظ عليه

стр. 912

فى مجلس العامّة، غير متحلحل (١) له حين رأيته مقبلا- عن صدر مهادك، الذى مهد له الله، وفى قومك من يعلوك بحسبه، ويغمرك بأوّليّته، فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصّة، مساوين بك فروع غرر القبائل وقرومها (٢) قبل أمير المؤمنين، حتى حللت هضبة أصبحت تنحو (٣) بها عليهم مفتخرا، هذا إن لم يدهده (٤) بك قلّة شكرك متحطّما وقيذا، فهلّا- يا بن مجرّشة (٥) قومك- أعظمت رجلهم عليك داخلا، ووسّعت مجلسه إذ رأيته إليك مقبلا، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرّما، ثم فاوضته مقبلا عليه ببشرك إكراما لأمير المؤمنين، فإذا اطمأن به مجلسه نازعته بحيىّ السّرار (٦)، معظما لقرابته، عارفا لحقه! فهو سنّ البيتين ونابهم (٧)، وابن شيخ آل أبى العاص وحرب وغرّتهم، وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدّم من حرمتك، وما يكره من شماتة عدوك بك، لوضع منك ما رفع، حتى يردّك إلى حال تفقد بها أهل الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك، وما أقربنى من أن أجعلك تابعا لمن كان لك تبعا، فانهض على أىّ حال ألفاك رسول أمير المؤمنين وكتابه، من ليل أو نهار، ماشيا على قدميك بمن معك

стр. 913

من خولك (١)، حتى تقف على باب ابن عمرو صاغرا مستأذنا عليه متنصلا إليه، أذن لك أو منعك، فإن حرّكته عواطف رحمة احتملك، وإن احتملته أنفة وحميّة من دخولك عليه، فقف ببابه حولا غير متحلحل ولا زائل، ثم أمرك بعد إليه، عزل أو ولّى، انتصر أو عفا، فلعنك الله من متّكل عليه بالثقة، ما أكثر هفواتك! وأقذع (٢) لأهل الشرف ألفاظك التى لا تزال تبلغ أمير المؤمنين، من إقدامك بها على من هو أولى بما أنت فيه من ولاية مصرى العراق، وأقدم وأقوم، وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليك ليرى فى العفو عنك، والسّخط عليك رأيه، مفوّضا ذلك إليه، مبسوطة فيه يده محمودا عند أمير المؤمنين، على أيّهما آتى إليك موفّقا إن شاء الله تعالى». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٥٠) ٤٥٤ - كتاب هشام إلى ابن عمرو وكتابه إلى ابن عمرو: «أما بعد: فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه فى مجلس العامّة، محتقرا لقدرك، مستصغرا لقرابتك من أمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك (٣)، وإمساكك عنه تعظيما لأمير المؤمنين وسلطانه، وتمسّكا بوثائق عصم (٤) طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه، وشرارة منطقه، وإكثابه (٥) عليك، عند إطراقك عنه، مروّيا فيما أطلق أمير المؤمنين من لسانه، وأطال من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله، وكذلك أنتم آل سعيد فى مثلها

стр. 914

عند هذر الذّنابى (١) وطائشة أحلامها، صمت من غير إفحام، بل بأحلام تخفّ الجبال (٢) وزنا. وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمك إياه، وتوقيرك سلطانه، وشكره، وقد جعل أمر خالد إليك، فى عزلك إيّاه أو إقراره، فإن عزلته أمضى عزلك إياه، وإن أقررته فتلك منّة لك عليه، لا يشكرك أمير المؤمنين فيها، وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة (٣) الهاجع عند وصوله إليه يأمره بإتيانك راجلا، على أيّة حال صادفه كتاب أمير المؤمنين، وألفاه رسوله الموجّه إليه من ليله أو نهاره، حتى يقف ببابك، أذنت له أو حجبته، أقررته أو عزلته، وتقدّم أمير المؤمنين إلى رسوله فى ضربه بين يديك على رأسه عشرين سوطا، إلا أن تكره أن يناله ذلك بسببك لحرمة خدمته، فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين- فى برّك وعظم حرمتك وقرابتك، وصلة رحمك- موافقا، وإليه حبيبا، فيما ينوى من قضاء حق آل أبى العاص وسعيد، فكاتب أمير المؤمنين فيما بدا لك مبتدئا ومجيبا، ومحادثا وطالبا ما عسى أن ينزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين، من حوائجهم التى تقعد بهم الحشمة عن تناولها من قبله، لبعد دارهم عنه، وقلّة إمكان الخروج لإنزالها به، غير محتشم من أمير المؤمنين ولا مستوحش من تكرارها عليه، على قدر قرابتهم وأديانهم وأنسابهم، مستمنحا ومسترفدا (٤) وطالبا مستزيدا، تجد أمير المؤمنين إليك سريعا بالبرّ، لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم، وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوى، وإليه يرغب فى العون على قضاء حقّ قرابته، وعليه يتوكل، وبه يثق، والله وليّه ومولاه، والسلام». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٥١)

стр. 915

٤٥٥ - كتاب هشام إلى خالد وذكر أنه كتب إلى هشام كتابا غاظه، فكتب إليه هشام: «يا بن أمّ خالد، قد بلغنى أنك تقول: «ما ولاية العراق لى بشرف» فيابن اللّخناء (١): كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة؟ أما والله إنى لأظن أن أول من يأتيك صغير من قريش يشدّ يديك إلى عنقك». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٥١) ٤٥٦ - كتاب هشام إلى خالد وذكر أن هشاما كتب إليه: «قد بلغنى قولك: «إن خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز، ما أنا (٢) بأشرف الخمسة» أما والله لأردّنّك إلى بغلتك وطيلسانك (٣) الفيروزى». (تاريخ الطبرى ٧: ٢٥٢)

стр. 916

٤٥٧ - كتاب هشام إلى خالد وروى الطبرى قال: وكان هشام إذا أراد أمرا أمر الأبرش فكتب به إلى خالد، فكتب الأبرش: «إنه بلغ أمير المؤمنين أن عبد الرحمن بن ثويب الضّنّى- ضنّة سعد إخوة عذرة بن سعد- قام إليك فقال: يا خالد، إنى لأحبّك لعشر خصال: إن الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت رحيم، والله حليم وأنت حليم، حتى عد عشرا، وأمير المؤمنين يقسم بالله: لئن تحقّق عنده ذلك ليستحلّنّ دمك، فاكتب إلىّ بالأمر على وجهه، لأخبر به أمير المؤمنين». ٤٥٨ - رد خالد عليه فكتب إليه خالد: «إن ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لأحد من أهل البغى والفجور أن يحرّف ما كان فيه إلى غيره، فأمّ إلىّ عبد الرحمن بن ثويب، فقال: «يا خالد: إنى لأحبك لعشر خصال: إن الله كريم يحب كل كريم، والله يحبّك، وأنا أحبّك لحبّ الله إياك، حتى عدد عشر خصال»، ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقىّ الحميرى إلى أمير المؤمنين، وقوله يا أمير المؤمنين: خليفتك فى أهلك أكرم عليك أم رسولك؟ فقال أمير المؤمنين بل خليفتى فى أهلى، فقال ابن شقى: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله- ﷺ ولعمرى لضلالة رجل من بجيلة إن ضلّ أهون على العامّة والخاصّة من ضلال أمير المؤمنين». (تاريخ الطبرى ٩: ١٩، ووفيات الأعيان ١: ١٦٩)

стр. 917

٤٥٩ - كتاب عقال بن شبة إلى خالد بن عبد الله القسرى وكتب عقّال بن شبّة إلى خالد بن عبد الله القسرى فى شفاعة: «إن الله انتجبك (١) من جوهرة كرم، ومنبت شرف، وقسم لك خطرا (٢) شهرته العرب، وتحدّثت به الحاضرة والبادية، وأعان خطرك بقدرة مبسوطة، ومنزلة ملحوظة، فجميع أكفائك من جماهير العرب يعرف فضلك، ويسرّه ما حار (٣) الله لك، وليس كلّهم أداله (٤) الزمان، ولا ساعده الحظّ، وأحقّ من تعطّف على أهل البيوتات، وعاد لهم بما يبقى له ذكره، ويحسن به نشره، مثلك، وقد وجّهت إليك فلانا، وهو من دنية (٥) قرابتى، وذوى الهيئة من أسرتى، وعرف معروفك، وأحببت أن تلبسه نعمتك، وتصرفه إلىّ وقد أودعتنى وإياه ما تجده باقيا على النّشر، جميلا فى الغبّ (٦)». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٠) ٤٦٠ - كتاب هشام إلى يوسف بن عمر الثقفى وفى سنة ١٢٠ هـ كتب هشام إلى يوسف بن عمر الثّقفى (٧) - وهو على اليمن- أن: «سر إلى العراق، فقد ولّيتك إياه، وإياك أن يعلم بذاك أحد، وخذ ابن النّصرانية (٨) وعمّاله فاشفنى مهم».

стр. 918

فقدم يوسف العراق، فأخذ خالدا وعمّاله وحبسه وحاسبه وعذّبه، ثم قتله (١) فى خلافة الوليد بن يزيد سنة ١٢٦ هـ. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٥٣، ووفيات الأعيان ٢: ٣٦٠) ٤٦١ - بين يوسف بن عمر وهشام وروى الطبرى قال: لما قدم يوسف بن عمر العراق قال: أشيروا على برجل أولّيه خراسان، فسمّوا له جماعة، فكتب بأسمائهم إلى هشام، وأطرى القيسيّة، وجعل آخر من كتب اسمه نصر بن سيّار الكنانىّ، فقال هشام: ما بال الكنانىّ آخرهم! وكان فى كتاب يوسف إليه: «يا أمير المؤمنين: نصر بخراسان قليل العشيرة» فكتب إليه هشام: «قد فهمت كتابك وإطراءك القيسيّة، وذكرت نصرا وقلة عشيرته، فكيف يقلّ من أنا عشيرته؟ ولكنك تقيّست علىّ، وأنا متخندف (٢) عليك، ابعث

стр. 919

بعهد نصر، فلم يقلّ من عشيرته أمير المؤمنين، بله (١) ما أن تميما أكثر أهل خراسان». وأتى نصرا عهده فى رجب من سنة ١٢٠ هـ. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٠٨) ٤٦٢ - بين يوسف بن عمر وهشام وروى أيضا قال: «قدم زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، ومحمد بن عمر بن على ابن أبى طالب، وداود بن على بن عبد الله بن عباس، على خالد بن عبد الله وهو على العراق، فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فلما ولى يوسف بن عمر كتب إلى هشام: «بأسمائهم وبما أجازهم به» وكتب يذكر «أن خالدا ابتاع من زيد بن على أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الأرض عليه». فكتب هشام إلى عامل المدينة- وهو خاله إبراهيم بن هشام-: «أن يسرّحهم إليه» ففعل، فسألهم هشام، فأقرّوا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك، فسأل زيدا عن الأرض فأنكرها، وحلفوا لهشام فصدّقهم. وفى رواية أخرى أن يزيد بن خالد القسرى ادّعى مالا قبل جماعة منهم من أسلفنا ذكرهم، فكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام، فبعث هشام إليهم، فذكر لهم ما كتب به يوسف بن عمر إليه مما ادّعى قبلهم يزيد بن خالد فأنكروا، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه، ودعا كاتبه فكتب إلى يوسف:

стр. 920

«أما بعد، فإذا قدم عليك فلان وفلان، فاجمع بينهم وبين يزيد بن خالد القسرى فإن هم أقرّوا بما ادّعى عليهم، فسرّح بهم إلىّ، وإن هم أنكروا فسله بيّنة، فإن هو لم يقم البينة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذى لا إله إلا هو: ما استودعهم يزيد ابن خالد القسرى وديعة، ولا له قبلهم شىء، ثم خلّ سبيلهم». فقالوا: جزاك الله والرّحم خيرا، لقد حكمت بالعدل، وسرّح بهم إلى يوسف، فسألهم عن المال فأنكروا جميعا، فأخرج إليهم يزيد بن خالد فجمع بينه وبينهم، وقال له: هذا زيد بن على، وهذا محمد بن عمر بن على، وهذا فلان وفلان الذين كنت ادّعيت عليهم ما ادّعيت، فقال: مالى قبلهم قليل ولا كثير، فقال يوسف: أفبى تهزأ، أم بأمير المؤمنين؟ فعذّبه يومئذ عذابا ظن أنه قد قتله، ثم أخرجهم إلى المسجد بعد صلاة العصر فاستحلفهم فحلفوا له، فلم يقتدر عند القوم على شىء، فكتب إلى هشام يعلمه الحال، فكتب إليه هشام أن استحلفهم وخلّ سبيلهم، فخلّى عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بن علىّ بالكوفة». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٦٠) ٤٦٣ - كتاب هشام إلى يوسف بن عمر وكتب هشام إلى يوسف بن عمر أن: «أشخص زيدا إلى بلده، فإنه لا يقيم ببلد غيره فيدعو أهله إلا أجابوه». فأشخصه، فلما كان بالثّعلبية (١) أو القادسية، لحقه أهل الكوفة، فحرّضوه على الخروج، وأعطوه المواثيق والأيمان المغلّظة لينصرنّه، وما زالوا به حتى ردوه إلى الكوفة (٢)، فرجع إليها فاستخفى، ثم خرج على يوسف بن عمر فقتل وصلب بالكناسة سنة ١٢١ هـ». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٦٥)

стр. 921

٤٦٤ - كتاب عبد الله بن الحسن إلى زيد بن على وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب إلى زيد بن على: «يا بن عمّ، إن أهل الكوفة نفخ (١) العلانية، خور السريرة، هرج (٢) فى الرخاء، جزع فى اللقا، تقدمهم (٣) ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم، لا يبيتون بعدّة فى الأحداث، ولا ينوءون (٤) بدولة مرجوّة، ولقد تواترت إلىّ كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم، وألبست قلبى غشاء (٥) عن ذكرهم، يأسا منهم، واطّراحا لهم، وما لهم مثل إلا ما قال علىّ بن أبى طالب: «إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقّة (٦) نكصتم». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٦٥)

стр. 922

٤٦٥ - كتاب هشام إلى يوسف بن عمر وكتب هشام إلى يوسف بن عمر فى أمر زيد بن على: «أما بعد، فقد علمت بحال أهل الكوفة، فى حبّهم أهل هذا البيت، ووضعهم إياهم فى غير مواضعهم، لأنهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم، ووظّفوا (١) عليهم شرائع دينهم، ونحلوهم (٢) علم ما هو كائن، حتى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفّوهم فيها إلى الخروج. وقد قدم زيد بن علىّ على أمير المؤمنين فى خصومة عمر بن الوليد، ففصل أمير المؤمنين بينهما، ورأى رجلا جدلا لسنا خليقا بتمويه (٣) الكلام وصوغه، واجترار الرجال بحلاوة لسانه، وبكثرة مخارجه فى حججه، وما يدلى به عند لدد (٤) الخصام من السّطوة على الخصم بالقوة الحادّة لنيل الفلج (٥). فعجّل إشخاصه إلى الحجاز ولا تخلّه والمقام قبلك، فإنه إن أعاره القوم أسماعهم، فحشاها من لين لفظه، وحلاوة منطقه، مع ما يدلى به من القرابة برسول الله ﷺ ، وجدهم ميّلا إليه، غير متّئدة قلوبهم، ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم، وبعض التحامل عليه- فيه أذى له- وإخراجه وتركه- مع السلامة للجميع، والحقن للدماء، والأمن للفرقة- أحبّ إلىّ من أمر فيه سفك

стр. 923

دمائهم، وانتشار (١) كلمتهم، وقطع نسلهم، والجماعة حبل الله المتين، ودين الله القويم، وعروته الوثقى، فادع إليك أشراف أهل المصر، وأوعدهم العقوبة فى الأبشار (٢)، واستصفاء (٣)، الأموال، فإنّ من له عقد أو عهد منهم سيبطئ عنه، ولا يخفّ معه إلا الرّعاع وأهل السّواد، ومن تنهضه الحاجة استلذاذا للفتنة، وأولئك ممن يستعبد إبليس وهو يستعبدهم، فبادهم (٤) بالوعيد، وأعضضهم (٥) بسوطك، وجرّد عليهم سيفك، وأخف الأشراف قبل الأوساط، والأوساط قبل السّفلة. واعلم أنك قائم على باب ألفة، وداع إلى طاعة، وحاضّ على جماعة، ومشمّر لدين الله، فلا تستوحش لكثرتهم، واجعل معقلك (٦) الذى تأوى إليه، وصغوك (٧) الذى تخرج منه، الثقة بربك، والغضب لدينك، والمحاماة عن الجماعة، ومناصبة (٨) من أراد كسر هذا الباب الذى أمرهم الله بالدخول فيه والتّشاحّ (٩) عليه، فإن أمير المؤمنين قد أعذر إليه (١٠)، وقضى من ذمامه، فليس له منزى (١١) إلى ادّعاه حق هو له ظلمه من نصيب نفسه أو فىء أو صلة لذى قربى، إلا الذى خاف أمير المؤمنين من حمل بادرة السّفلة على الذى عسى أن يكونوا به أشقى وأضلّ، ولهم أمرّ، ولأمير المؤمنين أعزّ وأسهل إلى حياطة الدين والذّبّ (١٢) عنه، فإنه لا يحبّ أن يرى فى أمته حالا

стр. 924

متفاوتا نكالا لهم (١) مفنيا، فهو بستديم النّظرة (٢)، ويتأتّى (٣) للرشاد، ويجتنبهم على المخاوف، ويستجرّهم إلى المراشد، ويعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد الشفيق على ولده، والراعى الحدب (٤) على رعيته. واعلم أن من حجّتك عليهم، فى استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم، توفيتك أطماعهم، وأعطية ذرّيتهم، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم، فانتهز رضا الله فيما أنت بسبيله، فإنه ليس ذنب أسرع تعجيل (٥) عقوبة من بغى، وقد أوقعهم الشيطان، ودلّاهم (٦) فيه، ودلهم عليه، والعصمة بتارك البغى أولى، فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم وعلى غيرهم من رعيته، ويسأل إلهه ومولاه ووليّه أن يصلح منهم ما كان فاسدا، وأن يسرع بهم إلى النجاة والفوز، إنه سميع قريب». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٦٦) ٤٦٦ - كتاب سالم بن هشام إلى يوسف بن عمر وكتب سالم بن هشام إلى يوسف بن عمر حين قتل زيد بن على رحمة الله عليه: «قد بلغ أمير المؤمنين كتابك بما أبلى (٧) الله فى مدره السّوء، وأنه لمّا عضّتهم الحرب، وآلمهم الحديد، عاذوا بالمسجد الجامع، قد أكذب الله ظنونهم، وخذل مخرجهم، وقتل إمام ضلالتهم، وحفظ لأمير المؤمنين ما ضيّعوا من حقه، وحاط (٨) له ما أباحوا من الغدر فيه، وقد رأى أمير المؤمنين أن يجعل من شكر الله على نعمه،

стр. 925

الصّفح عنهم، وتغمّد (١) جرمهم، وأن يعمّهم من عدله بما يردّ الجاهل عن جهله، والغوىّ عن غوايته، ويعلمون مكانه من الله، واستجابته لعزّه ونصره، وأنه الخليفة المتّقى، والإمام المتألّف، وأنه يقدّم العفو فى الطاعة، على الحجّة فى العقوبة، والحسبة فى الاستصلاح، عن القوة فى التأييد، فأمسك عنهم بيدك، فإن أمير المؤمنين قد وهب ذلك كلّه لله، ورجا به ما ليس ضائعا عنده من ثوابه. (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٠) ٤٦٧ - كتاب يوسف بن عمر إلى هشام وحبس يوسف بن عمر حين قدم العراق خالد بن عبد الله القسرى كما قدمنا، فأقام خالد فى محبسه ثمانية عشر شهرا (٢)، ثم كتب إليه هشام يأمره بتخلية سبيله (فى شوال سنة ١٢١ هـ). فخرج خالد ومعه جماعة من أهله، حتى أتى القرية، وهى بإزاء باب الرّصافة (٣)، فأقام بها إلى صفر سنة ١٢٢ هـ، لا يأذن لهم هشام فى القدوم عليه، وخرج زيد بن على على يوسف بن عمر فقتل، فكتب يوسف إلى هشام:

стр. 926

«إن أهل هذا البيت من بنى عمكم قد كانوا هلكوا جوعا، حتى كانت همّة أحدهم قوت عياله، فلما ولى خالد العراق أعطاهم الأموال، فقووا بها حتى تاقت أنفسهم إلى طلب الخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأى خالد، والدليل على ذلك نزول خالد بالقرية على مدرجة العراق يستنشئ (١) أخباره». وكان يوسف قد أمر الرسول بتصديق ما كتب به ففعل، فقال له هشام: كذبت وكذب من أرسلك، ومهما اتهمنا خالدا فلسنا نتّهمه فى طاعة، وأمر به فوجئت (٢) عنقه وبلغ الخبر خالدا فسار حتى نزل دمشق. (تاريخ الطبرى ٩: ١٨، ووفيات الأعيان ٢: ٣٦٢) ٤٦٨ - كتاب يوسف بن عمر إلى هشام ولما طالت ولاية نصر بن سيار ودانت له خراسان، كتب يوسف بن عمر إلى هشام- حسدا له-: «إن خراسان دبرة دبرة (٣)، فإن رأى أمير المؤمنين أن يضمها إلى العراق، فأسرّح إليها الحكم بن الصّلت، فإنه كان مع الجنيد (٤) وولى جسيم أعمالهم، فأعمر بلاد أمير المؤمنين بالحكم، وأنا باعث بالحكم بن الصلت إلى أمير المؤمنين، فإنه أديب أريب (٥)، ونصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا ومودتنا أهل البيت». ٤٦٩ - رد هشام على يوسف وقدم الحكم على هشام بخراج العراق، فرأى له جمالا وبيانا، فكتب إلى يوسف:

стр. 927

«إن الحكم قدم، وهو على ما وصفت، وفيما قبلك له سعة، وخلّ الكنانىّ وعمله» وكان ذلك سنة ١٢٣ هـ. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٧٩) وكتب يوسف إلى هشام أيضا يذكر كبر نصر وضعفه، ويذكر له سلم بن قتيبة، فكتب إليه هشام: «أله عن ذكر الكنانىّ». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٧٩ - ٢٨٠) ٤٧٠ - كتاب أحد عمال يوسف بن عمر إليه وقال سماك بن حرب: بعث إلى يوسف بن عمر، وهو أمير العراق، أن عاملا لى كتب إلىّ: «إنى قد زرعت لك كل خقّ ولقّ»: فما هما؟ فقلت: إن الخقّ ما اطمأن من الأرض، واللّقّ ما ارتفع منها (١). (وفيات الأعيان ٢: ٢٦٣) ٤٧١ - كتاب رجل من حمص إلى هشام وجاء فى العقد الفريد: روى الهيثم بن عدىّ قال: كان سعيد بن هشام بن عبد الملك عاملا لأبيه على حمص، وكان يرمى بالنساء والشراب، فقدم حمصىّ لهشام، فلقيه أبو جعد الطائى فى طريق، فقال له: هل ترى أن أعطيك هذه الفرس، فإنى لا أعلم بمكان مثلها؟ على أن تبلّغ هذا الكتاب أمير المؤمنين، ليس فيه حاجة بمسألة دينار ولا درهم، فأخذها وأخذ الكتاب، فلما قدم على هشام سأله: ما قصّة هذا الفرس (٢)؟ فأخبره فقال: هات الكتاب فإذا فيه: أبلغ إليك أمير المؤمنين، فقد ... أمددتنا بأمير ليس عنّينا طورا يخالف عمرا فى حليلته ... وعند ساحته يسقى الطّلا دينا (٣)

стр. 928

فلما قرأ الكتاب بعث إلى سعيد فأشخصه، فلما قدم عليه علاه بالخيزرانة، وقال: يا بن الخبيثة، تزنى وأنت ابن أمير المؤمنين! ويلك! أعجزت أن تفجر فجور قريش، أو تدرى ما فجور قريش لا أمّ لك؟ قتل هذا وأخذ مال هذا، والله لا تلى لى عملا حتى تموت، فما ولى له عملا حتى مات. (العقد الفريد ٢: ٢٨٤) ٤٧٢ - كتاب سليمان بن هشام إلى أبيه وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه هشام بن عبد الملك: «أن بغلتى قد عجزت عنّى، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لى بدابّة فعل». ٤٧٣ - رد هشام عليه فكتب إليه: «قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وما ذكرت من ضعف دابّتك، وقد ظنّ أمير المؤمنين أن ذلك من قلّة تعهّدك لعلفها، وأن علفها يضيع، فتعهّد دابتك فى القيام عليها بنفسك، ويرى أمير المؤمنين رأيه فى حملانك (١)». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٨٥) ٤٧٤ - كتاب بعض عمال هشام إليه وكتب إليه بعض عمّاله: «إنى قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلّة دراقن (٢)، فليكتب إلىّ أمير المؤمنين بوصولها».

стр. 929

٤٧٥ - رد هشام عليه فكتب إليه: «قد وصل إلى أمير المؤمنين الدراقن الّذى بعثت به، فأعجبه، فزد أمير المؤمنين منه، واستوثق من الوعاء». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٨٦) ٤٧٦ - كتابه إلى بعض عماله وكتب إلى بعض عماله: «قد وصلت الكمأة التى بعثت بها إلى أمير المؤمنين، وهى أربعون، وقد تغيّر بعضها، ولم تؤت فى ذلك إلّا من حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين منها شيئا، فأجد حشوها فى الظّرف الذى تجعلها فيه بالرّمل، حتى لا تضطرب، ولا يصيب بعضها بعضا». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٨٦) ٤٧٧ - كتاب سالم إلى بعض إخوانه وكتب سالم (١) إلى بعض إخوانه: «أما بعد، فقد أصبحت عظيم الشكر لما سلف إلىّ مننك، جسيم الرجاء فيما بقى لى عندك، قد جعل الله مستقبل رجائى منك عونا لى على شكرك، وجعل ما سلف إلىّ منك عونا على مؤتنف الرجاء فيك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٩)

стр. 930

٤٧٨ - كتابه فى الاعتذار وكتب سالم فى الاعتذار: «أمتعك الله وأمتع بك، لولا أنه إذا ضاق علىّ المخرج لك، وسعك عذرى، بسطت لسان لائمتى فى تركك لائمتى فيما خالف هواك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٩) ٤٧٩ - كتاب عبد الحميد بن يحيى عن هشام إلى يوسف بن عمر وكتب عبد الحميد بن يحيى (١) عن هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر وهو باليمن، فى السلامة: «فإن أمير المؤمنين كتب إليك، وهو فى نعمة الله عليه، وبلائه عنده: فى ولده، وأهل لحمته (٢)، والخاصّ من أموره والعامّ، والجنود، والقواصى، والثغور، والدّهماء (٣) من المسلمين، على ما لم يزل ولى النعم يتولاه من أمير المؤمنين، حافظا له فيه، مكرما له بالحياطة لما ألهمه الله فيه من أمر رعيته على أعظم وأحسن وأكمل

стр. 931

ما كان يحوطه فيه، ويذبّ له عنه، والله محمود مشكور إليه فيه مرغوب. أحبّ أمير المؤمنين- لعلمه بسرورك به- أن يكتب إليك بذلك، لتحمد الله عليه، وتشكره به، فإن الشكر من الله بأحسن المواضع، وأعظم المنازل، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ به، وارغب فيه يهد إليك مزيد الخير، ونفائس المواهب، وبقاء النّعم، فاقرأ على من قبلك كتاب أمير المؤمنين إليك، ليسرّ به جندك ورعيتك، ومن حمّله الله النعم بأمير المؤمنين، ليحمدوا ربهم على ما رزق الله عباده من سلامة أمير المؤمنين فى بدنه، ورأفته بهم، واعتنائه بأمورهم، فإن زيادة الله تعلو شكر الشاكرين، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٦) ٤٨٠ - كتاب عبد الحميد عن مروان إلى هشام وكتب عن مروان بن محمد إلى هشام بن عبد الملك يعزيه بامرأة من حظاياه: «إن الله تعالى أمتع أمير المؤمنين من أنيسته وقرينته متاعا مدّة إلى أجل مسمّى، فلما تمّت له مواهب الله وعاريّته (١)، قبض إليه العاريّة، ثم أعطى أمير المؤمنين من الشكر عند بقائها، والصبر عند ذهابها، أنفس منها فى المنقلب، وأرجح فى الميزان، وأسنى (٢) فى العوض، فالحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون». (سرح العيون ص ١٦٤) ٤٨١ - كتابه عن مروان إلى هشام وكتب عبد الحميد أيضا عن مروان بن محمد إلى هشام بن عبد الملك يعزيه عن مولودين، هلك أحدهما وبقى الآخر: «الشكر على النّعمة، والصبر على النكبة، وتأدية الحق فى ميسور الأمور

стр. 932

ومعسورها، ومحبوبها ومكروهها، من استعمله كان شكر الله أولى به من صبره، فيوجب له بالشكر على النعمة المزيد، وبالصبر على المصيبة الأجر، بما أدّى من الحق فى نفسه، واقتدى به أهل دهره». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٦) ٤٨٢ - رسالة عبد الحميد فى وصف الإخاء ولعبد الحميد فى وصف الإخاء: «فإن أولى ما اعتزم عليه ذوو الإخاء، وتواصل عليه (١) أهل المودّات، ما دعا أسبابه صدق التقوى، وبنيت دعائمه على أساس البرّ، ثم أنهد البناء حريز التواصل (٢) وشيّده مستعذب العشرة، فادّعم قويّا، وصفا مونقا (٣) وأخلصته المقة (٤) منعطفة، وسكنت به القلوب أنيسة، وسمت من مواصلته الهمم مستعلية عن كل زائغ معتاق (٥) ومخوف عارض يخترم مسكة الإخاء، ويحتزّ مربوب (٦) المقة، ضنّا بما استعذبوا من محمود وثائقه، وازديادا فيما تمطّقوا به من حلاوة جناه (٧) فإذا استحكم لهم مذخور الصّفاء بثبات أواخيه (٨)، وظهور أعلامه، ومحصول مختبره، وثقة مودّه، كان سرورهم باعتلاقه (٩)، وابتهاجهم بوجدانه (١٠)، وإنماؤهم (١١) صلته، وبذلهم رعايته، وحياطتهم محموده، بحيث نالوا من معرفة حظوته، واستولوا عليه

стр. 933

من مزيّة كرمه، وتعرّفوا من ذخيرة عائدته (١)، ومأمون حفاظه، وكشف لهم عن نفسه، مظهرا أعلامه، مبديا دفينته، طارحا قناع سرّه، معلنا مكنون ضميره، فى نأى الدار، وجدان (٢) المجتمع، بإظهار ما استتر من المحاسن، وبثّ فى الحقب (٣) من المكارم، قياما لهم بالنّصرة، وحياطا للمودّة، وترغيبا فى العشرة، فكان أكهف (٤) لجأ، وأحرز حصن، وأحصف جنّة (٥) وأعون ظهير، وأبقى ذخيرة، وأعظم فائدة، وأشرف كنز، وأفخر صنيعة، وآنق منظر، وأينع زهرة، أكثر الأشياء ربعا (٦) وأنماها وصلا، وأمدّها سببا، وأقواها أبدا، وأحلاها ذوقا، وأدعمها ثباتا، وأرساها ركنا، لا يدخل مستحقّها سآمة ملال، ولا كلال مهنة (٧)، ولا تثبيط ونية، ولا ضعف خور، لنزول بائقة، أو طروق طارقة، من عوارض الأقدار، وحوادث الزمان، بل مواسيا فى إزمها (٨)، متورّطا غمرات قحمها، متدرّعا هائل بوائقها، مستلحما نواظر مقاطعها (٩)، حتى تصير به الأقدار إلى تناهيها، ويبلغ به القضاء مقداره، غير منّان بالنصرة، ولا برم (١٠) بالتعب، يرى تعبه غنما،

стр. 934

ونصبه دعة، وكلفه (١) فائدة، وعمله مقصّرا، وسعيه مفرّطا، واجتهاده مضيعا، عدل (٢) الولد فى برّه، والوالد فى شفقته، والأخ فى نصرته، والجار فى حفظه، والذّخر فى ملكه، فأين المعدل عن مثله؟ أو كيف الإصابة لشبهه؟ أو أنّى عوض من فقده؟ جمعنا الله وإياك على طاعته، وألفّنا بمحابّه، وجعل أخوّتنا فى ذاته. قد حددت لك أى أخى الإخاء متشعّبا، ووصفته لك مخلصا (٣)، وانتهيت بك إلى غاية أهل العقل منه، وما تواصل أهل الرأى عليه، ودعا إليه الإخاء من نفسه، منتطقا (٤) به، ضامنا له ما فرط فى ذلك تقصير من أهله، وداخله تضييع من حملته، أو حاطه إحكام، وكنفه حفاظ من رعاته. وافانى كتابك بما سألت من ذلك، وعقلى محصور، ورأيى منقسم، وذهنى فيما يتأهّب به الأمير لقتال عدوّ الله (٥) من خزر التّرك، واختلاف رسله إلى جبال اللّان والطّبران وما والاهما، بنوافذ أمره، ومخارج رأيه، فأنا مصيخ (٦) السمع

стр. 935

للفظه، عقل (١) العقل عن سوى أمره، محتضر (٢) الذّهن فى تدبيرهم، ذهل (٣) القلب عن تفنين القول وتشعيب الكلام فى تصنيف طبقات الرجال، ومن أين دخل عليهم نقص الإخاء، وكيف خانهم مونق (٤) الصّفاء، وقد صرّحت لك عن رأى ذوى الصّفاء، وكشفت لك خباء الإخاء، وجمعت لك إلف (٥) مودّة أهل الحجا، فتلقّ ما وصفت لك بقلب فهم عقول ذى ميزة يقظان، وذهن جامع ذى ثقافة راع (٦)، أحضرك الله عصمة التوفيق، وسدّدك الله لإصابة الرشد، ومكّن لك صدق العزيمة، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٨) ٤٨٣ - كتاب الوليد بن يزيد بن عبد الملك إلى هشام وكان يزيد بن عبد الملك بن مروان عقد الخلافة لابنه الوليد بعد أخيه هشام ابن عبد الملك (٧)، وولى هشام وهو للوليد مكرّم معظّم مقرّب، فلم يزل ذلك من أمرهما، حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون، وشرب الشراب، وحمله على ذلك عبد الصّمد بن عبد الأعلى الشّيبانى- وكان مؤدّب الوليد، وكان فيما يقال زنديقا- وبدا للناس منه تهاون بالدين وستخفاف به، وبلغ ذلك هشاما فطمع فى خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، وأراده على ذلك فأبى، فقال له: اجعلها له من بعدك فأبى، فتنكّر له هشام وأضرّ به وعمل سرّا فى البيعة لابنه فأجابه قوم.

стр. 936

وتمادى الوليد فى الشراب وطلب اللّذات فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله ما أدرى: أعلى الإسلام أنت أم لا؟ ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر به، فكتب إليه الوليد: «يأيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبى شاكر نشربها صرفا وممزوجة ... بالسّخن أحيانا وبالفاتر» فغضب هشام على ابنه مسلمة- وكان يكنى أبا شاكر- وقال له: يعيّرنى بك الوليد، وأنا أرشّحك للخلافة! فالزم الأدب، واحضر الجماعة، وولاه الموسم سنة ١١٩ هـ فأظهر النّسك والوقار واللّين، وقسّم بمكة والمدينة أموالا. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٨٩، والأغانى ٢: ٧٦) ٤٨٤ - كتاب أبى شاكر مسلمة بن هشام إلى خالد القسرى وقال خالد بن عبد الله القسرى: أنا برىء من خليفة يكنى أبا شاكر، فغضب مسلمة بن هشام على خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد سنة ١٢٠ كتب أبو شاكر إلى خالد بشعر هجا به نوفل خالدا وأخاه أسدا حين مات: «أراح من خالد وأهلكه ... ربّ أراح العباد من أسد أمّا أبوه فكان مؤتشبا ... عبدا لئيما لأعبد قفد» (١) وبعث الطّومار (٢) مع رسول على البريد إلى خالد، فظنّ أنه عزّاه عن أخيه، ففضّ الخاتم، فلم ير فى الطومار غير الهجاء، فقال: ما رأيت كاليوم تعزية! (تاريخ الطبرى ٨: ٢٨٩)

стр. 937

٤٨٥ - كتاب هشام إلى الوليد وكان هشام يعيب الوليد ويتنقّصه وكثر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به، فلما رأى ذلك الوليد خرج، وخرج معه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق (١)، وخلّف كاتبه عياض بن مسلم بالرّصافة (٢)، فقال له: اكتب إلىّ ما يحدث قبلكم، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يوما، فلما أخذ فيهم الشراب، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب قل أبياتا، فقال أبياتا منها: لعلّ الوليد دنا ملكه ... فأمسى إليه قد استجمعا (٣) وكنا نؤمّل فى ملكه ... كتأميل ذى الجدب أن يمرعا (٤) عقدنا له محكمات الأمو ... ر طوعا فكان لها موضعا وروى الشعر فبلغ هشاما، فقطع عن الوليد ما كان يحرى عليه، وكتب إلى الوليد: «بلغنى عنك أنك اتخذت عبد الصّمد خدنا (٥) ومحدّثا ونديما، وقد حقّق ذلك عندى ما بلغنى عنك، ولم أبرّئك من سوء، فأخرج عبد الصمد مذموما مدحورا (٦)». فأخرجه الوليد، وكتب إلى هشام يعلمه بإخراجه، واعتذر إليه مما بلغه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل فى الخروج إليه- وكان ابن سهيل من أهل اليمن، وقد ولى دمشق غير مرّة، وكان من خاصّة الوليد- فضرب هشام ابن سهيل وسيّره،

стр. 938

وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد- وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد- فضربه ضربا مبرّحا وألبسه المسوح (١) (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩٠) ٤٨٦ - كتاب الوليد إلى هشام وبلغ ذلك الوليد (٢) فكتب إلى هشام: «لقد بلغنى الذى أحدث أمير المؤمنين: من قطع ما قطع عنى، ومحو ما محا من أصحابى وحرمى (٣) وأهلى، ولم أكن أخاف أن يبتلى الله أمير المؤمنين بذلك، ولا أبالى به منه، فإن يكن ابن سهيل كان منه ما كان، فيحسب العير (٤) أن يكون قدر الذّئب، ولم يبلغ صنيعى (٥) فى ابن سهيل واستصلاحه، وكتابى إلى أمير المؤمنين فيه كنه (٦) ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتى، فإن يكن ذلك لشىء فى نفس أمير المؤمنين علىّ، فقد سبّب الله لى من العهد، وكتب لى من العمر، وقسم لى من الرزق، مالا يقدر أحد دون الله على قطع شىء منه دون مدّته، ولا صرف شىء عن مواقعه، فقدر الله يجرى بمقاديره، فيما أحبّ الناس أو كرهوا، ولا تأخير لعاجله، ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، أو يستوجبون الأجور عليه، وأمير المؤمنين أحقّ أمّته بالبصر بذلك، والحفظ له، والله الموفّق لأمير المؤمنين لحسن القضاء له فى الأمور». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩٠)

стр. 939

٤٨٧ - رد هشام على الوليد فكتب هشام إلى الوليد: «قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به، من قطع ما قطع عنك وغير ذلك، وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجرى عليك، وأمير المؤمنين أخوف على نفسه من اقتراف المآثم عليها فى الذى كان يجرى عليك منه فى الذى أحدث من قطع ما قطع ومحو ما محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجرى عليك، وهو يعلم وضعك له، وإنفاقكه فى غير سبيله، وأما الآخر فإثبات صحابتك وإدرار أرزاقهم عليهم، لا ينالهم ما ينال المسلمين فى كل عام من مكروه عند قطع البعوث، وهم معك تجول بهم فى سفهك، ولأمير المؤمنين أحرى فى نفسه للتقصير فى القتر (١) عليك، منه للاعتداء عليك فيها، مع أن الله قد بصّر (٢) أمير المؤمنين فى قطع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه منه. وأمّا ابن سهيل، فلعمرى لئن كان نزل منك بما نزل، وكان أهلا أن تسرّ فيه أو تساء، ما جعله الله كذلك، وهل زاد ابن سهيل- لله أبوك- على أن كان مغنّيا زفّانا (٣) قد بلغ فى السّفه غايته؟ وليس ابن سهيل مع ذلك بشرّ ممن تستصحبه فى الأمور التى يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنت لعمر الله أهلا للتوبيخ به، ولئن كان أمير المؤمنين على ظنّك به فى الحرص على فسادك،

стр. 940

إنك إذن بغير إلّ (١)، عن هوى أمير المؤمنين من ذلك. وأما ما ذكرت مما سبّب الله لك، فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه، والله بالغ أمره، لقد أصبح أمير المؤمنين، وهو على اليقين من ربه، أنّه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضرّا ولا نفعا، وأن الله ولىّ ذلك منه، وأنه لا بد له من مزايلته، والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولّى أمرهم غير الرّضىّ له منهم، وإن أمير المؤمنين من حسن ظنه بربه لعلى أحسن الرجاء أن يولّيه تسبيب ذلك لمن هو أهله فى الرّضا له به ولهم، فإن بلاء (٢) الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يؤدّيه شكره إلّا بعون منه، ولئن كان قدّر لأمير المؤمنين تعجيل وفاة، إن فى الذى هو مفض إليه إن شاء الله من كرامة الله لخلفا من الدنيا. ولعمرى إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك، فاربع على نفسك من غلوائها، وارقأ على ظلعك (٣)، فإن لله سطوات وعينا، يصيب بذلك من يشاء، ويأذن فيه لمن يشاء، ممن شاء الله، وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩١)

стр. 941

٤٨٨ - رد الوليد على هشام فكتب الوليد إلى هشام: رأيتك تبنى جاهدا فى قطيعتى ... فلو كنت ذا إرب لهدّمت ما تبنى (١) تثير على الباقين مجنى ضغينة ... فويل لهم إن متّ من شرّ ما تجنى (٢) كأنى بهم والليت أفضل قولهم ... ألا ليتنا، والليت إذ ذاك لا يغنى (٣) كفرت يدا من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرّحمن ذو الفضل والمنّ فلم يزل الوليد مقيما فى تلك البرّية حتى مات هشام. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩٢، والفخرى ص ١١٩)

стр. 942

خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك (سنة ١٢٥ - ١٢٦ ه ـ) ٤٨٩ - كتاب مروان بن محمد إلى الوليد وولى الوليد الخلافة، وجاءته بيعته من الآفاق، وكتب إليه العمال وجاءته الوفود. وكتب إليه مروان بن محمد (١) - وكان على أرمينية وأذربيجان-: «بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه، من ولاية عباده، ووراثة بلاده، وكان من تغشّى (٢) غمرة سكرة الولاية ما حمل هشاما على ما حاول من تصغير ما عظّم الله من حقّ أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستعصب عليه (٣)، الذى أجابه إليه المدخولون (٤) فى آرائهم وأديانهم، فوجدوا ما طمع فيه مستصعبا، وزاحمته

стр. 943

الأقدار بأشدّ مناكبها (١)، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه (٢) فيه، حتى أزّره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما رآه الله له أهلا، ونهض مستقلّا (٣) بما حمل منها، مثبتة ولايته فى سابق الزّبر (٤) بالأجل المسمّى، خصّه الله بها على خلقه، وهو يرى حالاتهم، فقلّده طوقها، ورمى إليه بأزمّة الخلافة وعصم (٥) الأمور. فالحمد لله الذى احتار أمير المؤمنين لخلافته، ووثاق عرى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم، فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمور، أوبق (٦) نفسه، وأسخط ربّه، ومن عدّلته التوبة نازعا (٧) عن الباطل إلى الحق وجد الله توّابا رحيما. أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنّى عند ما انتهى إلىّ من قيامه بولاية خلافة الله، نهضت إلى منبرى علىّ سيفان، مستعد بهما لأهل الغشّ، حتى أعلمت من قبلى ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين فاستبشروا لذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم، ولا هى لنا أسرّ، من ولاية أمير المؤمنين، وقد بسطت يدى لبيعتك فجدّدتها ووكّدتها بوثائق العهود، وترداد المواثيق، وبغليظ الأيمان، فكلّهم حسنت إجابتهم وطاعتهم، فأثبهم يا أمير المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذى آتاك، فإنك أجودهم جودا، وأبسطهم يدا، وقد انتظروك راجين فضلك قبلهم، بالرّحم (٨) الذى استرحموك، وزدهم زيادة تفضل بها من قبلك، حتى يظهر بذلك فضلك عليهم على رعيتك.

стр. 944

ولولا ما أحاول من سدّ الثّغر (١) الذى أنا به، لخفت أن يحملنى الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلا، على غير أمره، وأقدم لمعاينة أمير المؤمنين، فإنها لا يعدلها (٢) عندى عادل نعمة وإن عظمت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى فى المسير إليه، لأشافهه بأمور كرهت الكتاب بها فعل». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩٣) ٤٩٠ - كتاب الوليد إلى الأمصار بالبيعة لابنيه وفى سنة ١٢٥ هـ عقد الوليد بن يزيد لابنيه: الحكم وعثمان البيعة من بعده، وجعلهما وليّى عهده، وجعل الحكم مقدما على عثمان، وكتب بذلك إلى الأمصار، وكانت نسخة الكتاب: «أما بعد، فإن الله تباركت أسماؤه، وجلّ ثناؤه، وتعالى ذكره، اختار الإسلام دينا لنفسه، وجعله خير خيرته من خلقه، ثم اصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس، فبعثهم به وأمرهم به، وكان بينهم وبين من مضى من الأمم، وخلا (٣) من القرون قرنا فقرنا، يدعون إلى التى هى أحسن، ويهدون إلى صراط مستقيم، حتى انتهت كرامة الله فى نبوّته إلى محمد صلوات الله عليه، على حين دروس (٤) من العلم، وعمى من الناس، وتشتيت من الهوى، وتفرّق من السّبل، وطموس من أعلام الحق، فأبان الله به الهدى، وكشف به العمى، واستنقذ به من الضّلالة والرّدى، وأنهج (٥) به الدين، وجعله رحمة للعالمين، وختم به وحيه، وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله، وقفّى به على آثارهم، مصدّقا لما نزل معهم، ومهيمنا (٦) عليه، وداعيا

стр. 945

إليه، وآمرا به، حتى كان من أجابه من أمته، ودخل فى الدين الذى أكرمهم الله به، مضدقين لما سلف من أنبياء الله، فيما يكذّبهم فيه قومهم، منتصحين لهم فيما ينهونه (١) ذابّين لحرمهم عما كانوا منتهكين، معظّمين منها لما كانوا مصغّرين، فليس من أمة محمد ﷺ أحد كان يسمع لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذّبا، ولا عليه فى ذلك طاعنا، ولا له مؤذيا، بتسفيه له أو ردّ عليه، إذ جحد (٢) لما أنزل الله عليه معه، فلم يبق كافر إلا استحلّ بذلك دمه، وقطع الأسباب التى كانت بينه وبينه، وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم، ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوّته، حين قبض نبيّه ﷺ ، وختم به وحيه، لإنفاذ حكمه، وإقامة سنّته وحدوده، والأخذ بفرائضه وحقوقه، تأييدا بهم للإسلام، وتشييدا بهم لعراه، وتقوية بهم لقوى حبله، ودفعا بهم عن حريمه، وعدلا بهم بين عباده، وإصلاحا بهم لبلاده، فإنه ﵎ يقول: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ». فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه، واستخلفهم عليه منه، لا يتعرّض لحقهم أحد إلا صرعه الله، ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه الله، ولا يستخفّ بولايتهم ويتّهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم الله منه، وسلّطهم عليه، وجعله نكالا وموعظة لغيره، وكذلك صنع الله بمن فارق الطاعة، التى أمر بلزومها، والأخذ بها، والأثرة لها (٣)، والتى قامت بها السموات والأرض، قال الله ﵎: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ». وقال عز ذكره: «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ»

стр. 946

«يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ». فبالخلافة أبقى الله من أبقى فى الأرض من عباده، وإليها صيّره، وبطاعة من ولّاه إياها سعد من ألهمها ونصرها، فإن الله علم أن لا قوام لشىء ولا صلاح له إلا بالطاعة التى يحفظ الله بها حقّه، ويمضى بها أمره، وينكل (١) بها عن معاصيه، ويوقف عن محارمه، ويذبّ عن حرماته، فمن أخذ بحظّه منها كان لله وليّا، ولأمره مطيعا، ولرشده مصيبا، ولعاجل الخير وآجله مخصوصا، ومن تركها ورغب عنها، وحادّ (٢) الله فيها أضاع نصيبه، وعصى ربّه، وخسر دنياه وآخرته، وكان ممّن غلبت عليه الشّقوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية التى تورد أهلها أفظع المشارع (٣)، وتقودهم إلى شر المصارع، فيما يحلّ الله بهم فى الدنيا من الذلة والنّقمة، ويصيّرهم فيما عندهم (٤) من العذاب والحسرة. والطاعة رأس هذا الأمر، وذروته وسنامه، وذمامه وملاكه، وعصمته وقوامه، بعد كلمة الإخلاص (٥) التى ميّز الله بها بين العباد، وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم، وفى المعصية ما يحلّ بغيرهم من نقماته، ويصيبهم ويحقّ عليهم من سخطه وعذابه (٦)، وينزل بالطاعة والإضاعة لها والخروج منها والإدبار عنها والتبدّل بها، أهلك الله من ضلّ وعتا (٧)، وعمى وغلا، وفارق مناهج البرّ والتقوى، فالزموا طاعة الله فيما عراكم ونالكم وألمّ بكم من الأمور، وناصحوها، واستوثقوا عليها، وسارعوا إليها، وخالصوها، وابتغوا القربة إلى الله

стр. 947

بها، فإنكم قد رأيتم مواقع قضاء الله لأهلها فى إعلائه إياهم، وإفلاجه (١) حجّتهم، ودفعه باطل من حادّهم وناوأهم (٢) وساماهم، وأراد إطفاء نور الله الذى معهم، وخبّرتم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التوبيخ لهم، والتقصير بهم، حتى يئول أمرهم إلى تبار (٣) وصغار، وذلّة وبوار، وفى ذلك- لمن كان رأى وموعظة- عبرة ينتفع بواضحها، ويتمسّك بحظوتها (٤)، ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها. ثم إن الله- وله الحمد والمنّ والفضل- هدى الأمة لأفضل الأمور عاقبة لها، فى حقن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كلمتها، واعتدال عمودها، وإصلاح دهمائها (٥) وذخر النعمة عليها فى دنياها، بعد خلافته التى جعلها لهم نظاما، ولأمرهم قواما، وهو العهد الذى ألهم الله خلفاءه توكيده، والنظر للمسلمين فى جسيم أمرهم فيه، ليكون لهم- عند ما يحدث بخلفائهم- ثقة فى المفزع، وملتجأ فى الأمر، ولمّا للشّعث (٦)، وصلاحا لذات البين، وتثبيتا لأرجاء الإسلام، وقطعا لنزغات الشيطان، فيما يتطلّع إليه أولياؤه، ويوثّبهم عليه من تلف هذا الدين، وانصداع شعب (٧) أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه، فلا يريهم الله فى ذلك إلا ما ساءهم، وأكذب أمانيّهم، ويجدون الله قد أحكم- بما قضى لأوليائه من ذلك- عقد أمورهم، ونفى عنهم من أراد فيها إدغالا (٨)، أو بها إغلالا، أو لما شدّد الله منها توهينا (٩)، أو فيما تولّى الله منها اعتمادا، فأكمل الله بها لخلفائه، وحزبه البرّ، الذين أودعهم طاعته، أحسن الذى عوّدهم، وسبّب لهم من إعزازه وإكرامه، وإعلائه وتمكينه، فأمر هذا العهد

стр. 948

من تمام الإسلام، وكمال ما استوجب الله على أهله من المنن العظام، ومما جعل الله فيه- لمن أجراه على يديه، وقضى به على لسانه، ووفّقه لمن ولّاه هذا الأمر- عنده أفضل الذّخر، وعند المسلمين أحسن الأثر، فيما يؤثر بهم من منفعته، ويتسع لهم من أمنه، ويستندون إليه من عزّه، ويدخلون فيه من وزره (١)، الذى يجعل الله لهم به منعة، ويحرزهم به من كل مهلكة، ويجمعهم به من كل فرقة، ويقمع به أهل النفاق، ويعصمهم به من كل اختلاف وشقاق. فاحمدوا الله ربّكم الرءوف بكم، الصانع لكم فى أموركم، على الذى دلّكم عليه من هذا العهد، الذى جعله لكم سكنا (٢) ومعوّلا، تطمئنّون إليه وتستظلّون فى أفنانه (٣) ويستنهج (٤) لكم به مثنى أعناقكم، وسمت وجوهكم، وملتقى نواصيكم فى أمر دينكم ودنياكم، فإن لذلك خطرا (٥) عظيما من النعمة، وإن فيه من الله بلاء حسنا فى سعة العافية، يعرفه ذوو الألباب والنّيّات، المريّئون (٦) من أعمالهم فى العواقب، والعارفون منار مناهج الرّشد، فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقّه فيه وحمده على الذى عزم لكم منه، فلتكن منزلة ذلك منكم، وفضيلته فى أنفسكم، على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه، إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. ثم إن أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله، بشىء من الأمور أشدّ اهتماما وعناية، منه بهذا العهد، لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين، وما أراهم الله فيه من الأمور التى

стр. 949

يغبطون بها، ويكرمهم فيما يقضى لهم، ويختار له ولهم فيه جهده ويستقضى له ولهم فيه إلهه ووليّه الذى بيده الحكم، وعنده الغيب، وهو على كل شىء قدير، ويسأله أن يعينه من ذلك على الذى هو أرشد له خاصّة، وللمسلمين عامّة، فرأى أمير المؤمنين أن يعهد لكم عهدا بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذى كان عليه من كان قبلكم، فى مهلة من انفساح الأمل، وطمأنينة النفس، وصلاح ذات البين، وعلم موضع الأمر الذى جعله الله لأهله عصمة ونجاة، وصلاحا وحياة، ولكل منافق وفاسق يحبّ تلف هذا الدين وفساد أهله، وقما (١) وخسارا وقدعا، فولّى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك، وصاغه له، وأكمل فيه أحسن مناقب من كان يوليّه إياه، فى وفاء الرأى، وصحّة الدين، وجزالة المروءة، والمعرفة بصالح الأمور، ولم يالكم (٢) أمير المؤمنين ولا نفسه فى ذلك اجتهادا وخيرا. فبايعوا للحكم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركته، ولأخيه من بعده على السمع والطاعة، واحتسبوا فى ذلك أحسن ما كان الله يريكم ويبليكم (٣) ويعوّدكم ويعرفكم فى أشباهه فيما مضى من اليسر الواسع، والخير العام، والفضل العظيم، الذى أصبحتم فى رجائه وخفضه، وأمنه ونعمته وسلامته وعصمته، فهو الأمر الذى استبطأتموه واستسرعتم (٤) إليه، وحمدتم الله على إمضائه إياه وقضائه لكم، وأحدثتم فيه شكرا، ورأيتموه لكم حظّا تستبقونه، وتجهدون أنفسكم فى أداء حق الله عليكم، فإنه قد سبق لكم فى ذلك من نعم الله وكرامته وحسن قسمه، ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه وحدبكم (٥) عليه، على قدر الذى أبلاكم الله وصنع لكم منه.

стр. 950

وأمير المؤمنين مع ذلك، إن حدث بواحد من وليّى عهده حدث، أولى بأن يجعل مكانه، وبالمنزل الذى كان به، من أحبّ أن يجعل من أمته أو ولده، ويقدّمه بين يدى الباقى منهما إن شاء، أو أن يؤخّره بعده، فاعلموا ذلك وافهموه، نسأل الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أن يبارك لأمير المؤمنين ولكم، فى الذى قضى به على لسانه من ذلك وقدّر منه، وأن يجعل عاقبته عافية وسرورا وغبطة، فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هو، ولا يرغب فيه إلا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله». وكتب سمّال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومائة. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩٤) ٤٩١ - كتاب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نصر بن سيار عامل خراسان، وكانت نسخة الكتاب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار: أما بعد، فإنى بعثت إليك نسخة كتاب أمير المؤمنين، الذى كتب به إلى من قبلى، الذى ولّى الحكم ابن أمير المؤمنين، وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده، مع عقّال ابن شبّة التميمى وعبد الملك القينى، وأمرتهما بالكلام فى ذلك، فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس، ومرهم فليحشدوا (١) له، وقم فيهم بالذى كتب أمير المؤمنين، فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب، وأذن لمن أراد أن يقوم بخطبة، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته، وخذ عليهم بالمواثيق، على الذى نسخت لك فى آخر كتابى هذا، الذى نسخ لنا أمير المؤمنين فى كتابه، فافهمه وبايع عليه، نسأل
следующие страницы →