← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

«يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ». فبالخلافة أبقى الله من أبقى فى الأرض من عباده، وإليها صيّره، وبطاعة من ولّاه إياها سعد من ألهمها ونصرها، فإن الله علم أن لا قوام لشىء ولا صلاح له إلا بالطاعة التى يحفظ الله بها حقّه، ويمضى بها أمره، وينكل (١) بها عن معاصيه، ويوقف عن محارمه، ويذبّ عن حرماته، فمن أخذ بحظّه منها كان لله وليّا، ولأمره مطيعا، ولرشده مصيبا، ولعاجل الخير وآجله مخصوصا، ومن تركها ورغب عنها، وحادّ (٢) الله فيها أضاع نصيبه، وعصى ربّه، وخسر دنياه وآخرته، وكان ممّن غلبت عليه الشّقوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية التى تورد أهلها أفظع المشارع (٣)، وتقودهم إلى شر المصارع، فيما يحلّ الله بهم فى الدنيا من الذلة والنّقمة، ويصيّرهم فيما عندهم (٤) من العذاب والحسرة. والطاعة رأس هذا الأمر، وذروته وسنامه، وذمامه وملاكه، وعصمته وقوامه، بعد كلمة الإخلاص (٥) التى ميّز الله بها بين العباد، وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم، وفى المعصية ما يحلّ بغيرهم من نقماته، ويصيبهم ويحقّ عليهم من سخطه وعذابه (٦)، وينزل بالطاعة والإضاعة لها والخروج منها والإدبار عنها والتبدّل بها، أهلك الله من ضلّ وعتا (٧)، وعمى وغلا، وفارق مناهج البرّ والتقوى، فالزموا طاعة الله فيما عراكم ونالكم وألمّ بكم من الأمور، وناصحوها، واستوثقوا عليها، وسارعوا إليها، وخالصوها، وابتغوا القربة إلى الله

стр. 947

بها، فإنكم قد رأيتم مواقع قضاء الله لأهلها فى إعلائه إياهم، وإفلاجه (١) حجّتهم، ودفعه باطل من حادّهم وناوأهم (٢) وساماهم، وأراد إطفاء نور الله الذى معهم، وخبّرتم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التوبيخ لهم، والتقصير بهم، حتى يئول أمرهم إلى تبار (٣) وصغار، وذلّة وبوار، وفى ذلك- لمن كان رأى وموعظة- عبرة ينتفع بواضحها، ويتمسّك بحظوتها (٤)، ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها. ثم إن الله- وله الحمد والمنّ والفضل- هدى الأمة لأفضل الأمور عاقبة لها، فى حقن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كلمتها، واعتدال عمودها، وإصلاح دهمائها (٥) وذخر النعمة عليها فى دنياها، بعد خلافته التى جعلها لهم نظاما، ولأمرهم قواما، وهو العهد الذى ألهم الله خلفاءه توكيده، والنظر للمسلمين فى جسيم أمرهم فيه، ليكون لهم- عند ما يحدث بخلفائهم- ثقة فى المفزع، وملتجأ فى الأمر، ولمّا للشّعث (٦)، وصلاحا لذات البين، وتثبيتا لأرجاء الإسلام، وقطعا لنزغات الشيطان، فيما يتطلّع إليه أولياؤه، ويوثّبهم عليه من تلف هذا الدين، وانصداع شعب (٧) أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه، فلا يريهم الله فى ذلك إلا ما ساءهم، وأكذب أمانيّهم، ويجدون الله قد أحكم- بما قضى لأوليائه من ذلك- عقد أمورهم، ونفى عنهم من أراد فيها إدغالا (٨)، أو بها إغلالا، أو لما شدّد الله منها توهينا (٩)، أو فيما تولّى الله منها اعتمادا، فأكمل الله بها لخلفائه، وحزبه البرّ، الذين أودعهم طاعته، أحسن الذى عوّدهم، وسبّب لهم من إعزازه وإكرامه، وإعلائه وتمكينه، فأمر هذا العهد

стр. 948

من تمام الإسلام، وكمال ما استوجب الله على أهله من المنن العظام، ومما جعل الله فيه- لمن أجراه على يديه، وقضى به على لسانه، ووفّقه لمن ولّاه هذا الأمر- عنده أفضل الذّخر، وعند المسلمين أحسن الأثر، فيما يؤثر بهم من منفعته، ويتسع لهم من أمنه، ويستندون إليه من عزّه، ويدخلون فيه من وزره (١)، الذى يجعل الله لهم به منعة، ويحرزهم به من كل مهلكة، ويجمعهم به من كل فرقة، ويقمع به أهل النفاق، ويعصمهم به من كل اختلاف وشقاق. فاحمدوا الله ربّكم الرءوف بكم، الصانع لكم فى أموركم، على الذى دلّكم عليه من هذا العهد، الذى جعله لكم سكنا (٢) ومعوّلا، تطمئنّون إليه وتستظلّون فى أفنانه (٣) ويستنهج (٤) لكم به مثنى أعناقكم، وسمت وجوهكم، وملتقى نواصيكم فى أمر دينكم ودنياكم، فإن لذلك خطرا (٥) عظيما من النعمة، وإن فيه من الله بلاء حسنا فى سعة العافية، يعرفه ذوو الألباب والنّيّات، المريّئون (٦) من أعمالهم فى العواقب، والعارفون منار مناهج الرّشد، فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقّه فيه وحمده على الذى عزم لكم منه، فلتكن منزلة ذلك منكم، وفضيلته فى أنفسكم، على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه، إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. ثم إن أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله، بشىء من الأمور أشدّ اهتماما وعناية، منه بهذا العهد، لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين، وما أراهم الله فيه من الأمور التى

стр. 949

يغبطون بها، ويكرمهم فيما يقضى لهم، ويختار له ولهم فيه جهده ويستقضى له ولهم فيه إلهه ووليّه الذى بيده الحكم، وعنده الغيب، وهو على كل شىء قدير، ويسأله أن يعينه من ذلك على الذى هو أرشد له خاصّة، وللمسلمين عامّة، فرأى أمير المؤمنين أن يعهد لكم عهدا بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذى كان عليه من كان قبلكم، فى مهلة من انفساح الأمل، وطمأنينة النفس، وصلاح ذات البين، وعلم موضع الأمر الذى جعله الله لأهله عصمة ونجاة، وصلاحا وحياة، ولكل منافق وفاسق يحبّ تلف هذا الدين وفساد أهله، وقما (١) وخسارا وقدعا، فولّى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك، وصاغه له، وأكمل فيه أحسن مناقب من كان يوليّه إياه، فى وفاء الرأى، وصحّة الدين، وجزالة المروءة، والمعرفة بصالح الأمور، ولم يالكم (٢) أمير المؤمنين ولا نفسه فى ذلك اجتهادا وخيرا. فبايعوا للحكم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركته، ولأخيه من بعده على السمع والطاعة، واحتسبوا فى ذلك أحسن ما كان الله يريكم ويبليكم (٣) ويعوّدكم ويعرفكم فى أشباهه فيما مضى من اليسر الواسع، والخير العام، والفضل العظيم، الذى أصبحتم فى رجائه وخفضه، وأمنه ونعمته وسلامته وعصمته، فهو الأمر الذى استبطأتموه واستسرعتم (٤) إليه، وحمدتم الله على إمضائه إياه وقضائه لكم، وأحدثتم فيه شكرا، ورأيتموه لكم حظّا تستبقونه، وتجهدون أنفسكم فى أداء حق الله عليكم، فإنه قد سبق لكم فى ذلك من نعم الله وكرامته وحسن قسمه، ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه وحدبكم (٥) عليه، على قدر الذى أبلاكم الله وصنع لكم منه.

стр. 950

وأمير المؤمنين مع ذلك، إن حدث بواحد من وليّى عهده حدث، أولى بأن يجعل مكانه، وبالمنزل الذى كان به، من أحبّ أن يجعل من أمته أو ولده، ويقدّمه بين يدى الباقى منهما إن شاء، أو أن يؤخّره بعده، فاعلموا ذلك وافهموه، نسأل الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أن يبارك لأمير المؤمنين ولكم، فى الذى قضى به على لسانه من ذلك وقدّر منه، وأن يجعل عاقبته عافية وسرورا وغبطة، فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هو، ولا يرغب فيه إلا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله». وكتب سمّال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومائة. (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩٤) ٤٩١ - كتاب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نصر بن سيار عامل خراسان، وكانت نسخة الكتاب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار: أما بعد، فإنى بعثت إليك نسخة كتاب أمير المؤمنين، الذى كتب به إلى من قبلى، الذى ولّى الحكم ابن أمير المؤمنين، وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده، مع عقّال ابن شبّة التميمى وعبد الملك القينى، وأمرتهما بالكلام فى ذلك، فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس، ومرهم فليحشدوا (١) له، وقم فيهم بالذى كتب أمير المؤمنين، فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب، وأذن لمن أراد أن يقوم بخطبة، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته، وخذ عليهم بالمواثيق، على الذى نسخت لك فى آخر كتابى هذا، الذى نسخ لنا أمير المؤمنين فى كتابه، فافهمه وبايع عليه، نسأل

стр. 951

الله أن يبارك لأمير المؤمنين ورعيته فى الذى قضى لهم على لسان أمير المؤمنين، وأن يصلح الحكم وعثمان، ويبارك لنا فيهما، والسلام عليك». وكتب النضر يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومائة. ويلى ذلك صيغة البيعة وهى: «بسم الله الرحمن الرحيم: تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين، والحكم ابن أمير المؤمنين إن كان من بعده، وعثمان ابن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم على السمع والطاعة، وإن حدث بواحد منهما حدث، فأمير المؤمنين أملك فى ولده ورعيته، يقدّم من أحبّ، ويؤخّر من أحبّ، عليك بذلك عهد الله وميثاقه». (تاريخ الطبرى ٨: ٢٩٤) ٤٩٢ - كتاب الوليد إلى يوسف بن عمر وفى سنة ١٢٥ هـ خرج يحيى بن زيد بن علىّ بالجوزجان (١) يطلب الخلافة فقتل، وبلغ خبره الوليد بن يزيد، فكتب إلى يوسف بن عمر: «إذا أتاك كتابى هذا، فانظر عجل العراق فأحرقه، ثم انسفه فى اليمّ نسفا». فأمر يوسف خراش بن حوشب (٢) فأنزله من جذعه وأحرقه بالنار، ثم رضّه فجعله فى قوصرّة (٣)، ثم جعله فى سفينة، ثم ذرّاه فى الفرات. (تاريخ الطبرى ٨: ٣٠١)

стр. 952

٤٩٣ - كتاب الوليد إلى يوسف بن عمر وكتب الوليد إلى يوسف بن عمر: «إنك قد كنت كتبت إلى أمير المؤمنين تذكر تخريب ابن النّصرانية (١) البلاد، وقد كنت- على ما ذكرت من ذلك- تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغى أن تكون قد عمرت البلاد، حتى رددتها إلى ما كانت عليه، فاشخص إلى أمير المؤمنين، فصدّق ظنّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد، وليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك، لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من القرابة، فإنك خاله (٢) وأحقّ الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمت مما أمر به أمير المؤمنين لأهل الشأم وغيرهم من الزيادة فى أعطياتهم (٣)، وما وصل به أهل بيته، لطول جفوة هشام إياهم، حتى أضرّ ذلك ببيوت الأموال». فخرج يوسف واستخلف ابن عمه يوسف بن محمد، وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحمل من العراق مثله (٤). (تاريخ الطبرى ٩: ٤، ووفيات الأعيان ٢: ٣٦٤)

стр. 953

٤٩٤ - كتاب الوليد إلى يوسف بن عمر وروى صاحب الأغانى قال: كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر: «أما بعد، فإذا قرأت كتابى هذا، فسرّح إلىّ حمّادا الراوية على ما أحبّ من دوابّ البريد، وأعطه عشرة آلاف درهم يتهيّأ بها». ففعل يوسف ما أمر به، وخرج حمّاد إلى الوليد، فاستأذن عليه فأذن له ثم قال: أنشدنى: أمن المنون وريبها تتوجّع؟ ... والدهر ليس بمعتب من يجزع (١) فأنشده إياها حتى أتى على آخرها. (الأغانى ٢: ٦٣) ٤٩٥ - كتاب نصر بن سيار إلى الوليد وروى أيضا قال: لمّا ظهرت المسوّدة (٢) بخراسان، كتب نصر بن سيّار إلى الوليد يستمده، فتشاغل عنه، فكتب إليه كتابا، وكتب فى أسفله يقول:

стр. 954

أرى خلل الرّماد وميض جمر ... وأحر بأن يكون له ضرام (١) فإن النّار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب مبدؤها الكلام (٢) فقلت من التعجّب: ليت شعرى ... أأيقاظ أميّة أم نيام؟ (٣) ٤٩٦ - رد الوليد على نصر فكتب إليه الوليد: «قد أقطعتك خراسان، فاعمل لنفسك أودع، فإنى مشغول عنك بابن سريج ومعبد والغريض (٤)». (الأغانى ٦: ١٢٤) ٤٩٧ - كتاب مروان بن محمد إلى سعيد ابن عبد الملك بن مروان وبلغ مروان بن محمد بأرمينية أن يزيد بن الوليد بن عبد الملك يؤلّب (٥) الناس، ويدعو إلى خلع الوليد (٦)، فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى

стр. 955

الناس ويكفّهم- وكان سعيد يتألّه (١) -: «إن الله جعل لكل أهل بيت أركانا يعتمدون عليها، ويتّقون بها المخاوف، وأنت بحمد ربك ركن من أركان أهل بيتك، وقد بلغنى أن قوما من سفهاء أهل بيتك قدا استنّوا أمرا، إن تمّت لهم رويّتهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم، استفتحوا بابا لن يغلقه الله عنهم، حتى تسفك دماء كثيرة منهم، وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فرجا (٢)، ولو جمعتنى (٣) وإياهم لرممت فساد أمرهم بيدى ولسانى، ولخفت الله فى ترك ذلك، لعلمى ما فى عواقب الفرقة من فساد الدين والدنيا، وأنه لن ينتقل سلطان قوم قطّ إلا فى تشتيت كلمتهم، وأن كلمتهم إذا تشوّشت (٤) طمع فيهم عدوّهم، وأنت أقرب إليهم منى، فاحتل لعلم ذلك بإظهار المتابعة لهم، فإذا صرت إلى علم ذلك، فتهدّدهم بإظهار أسرارهم، وخذهم بلسانك،

стр. 956

وخوّفهم العواقب لعلّ الله أن يردّ إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم، فإن فيما سعوا فيه تغيير النّعم، وذهاب الدولة. فعاجل الأمر، وحبل الألفة مشدود، والناس سكون (١)، والثّغور محفوظة، فإن للجماعة دولة من الفرقة، وللسّعة دافعا من الفقر، وللعدد منتقصا، ودول الليالى مختلفة على أهل الدنيا، والتقلب مع الزيادة والنقصان، وقد امتدت بنا أهل البيت متتابعات من النعم، قد يعنى بها جميع الأمم، وأعداء النعم، وأهل الحسد لأهلها، وبحسد إبليس خرج آدم من الجنة. وقد أمل القوم فى الفتنة أملا لعلّ أنفسهم تهلك دون ما أملوا، ولكل أهل بيت مشائيم يغيّر الله النّعمة بهم، فأعاذك الله من ذلك، واجعلنى من أمرهم على علم، حفظ الله لك دينك، وأخرجك مما أدخلك فيه، وغلّب لك نفسك على رشدك (٢)». فأعظم سعيد ذلك، وبعث بكتابه إلى العباس، فدعا العباس يزيد فعذله وتهدّده، فحذره يزيد وقال: يا أخى أخاف أن يكون بعض من حسدنا هذه النعمة من عدونا أراد أن يغرى بيننا، وحلف له أنه لم يفعل، فصدقه. (تاريخ الطبرى ٩: ٧)

стр. 957

خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك (سنة ١٢٦ ه ـ) ٤٩٨ - كتابه إلى مروان بن محمد وكتب يزيد بن الوليد بن عبد الملك المعروف بالناقص (١) إلى مروان بن محمد بالجزيرة، وقد بلغه عنه تلكّؤ فى بيعته: «أما بعد: فإنى أراك تقدّم فى البيعة رجلا وتؤخّر أخرى، فإذا أتاك كتابى هذا فاعتمد على أيّهما شئت، والسلام». فأتنه بيعته. (صبح الأعشى ٦: ٣٩١، والعقد الفريد ١: ١٧، ٢: ٢٩٢، والمنظوم والمنثور ١٣: ٣٣٠) ٤٩٩ - كتاب منصور بن جمهور إلى سليمان بن سليم وعزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق، وولّاها منصور بن جمهور، فسار إلى العراق، حتى إذا كان بالجمع كتب إلى سليمان بن سليم بن كيسان كتابا وهو: «أما بعد، فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله

стр. 958

بقوم سوءا فلا مردّ له، وإن الوليد بن يزيد بدّل نعمة الله كفرا، فسفك الدماء: فسفك الله دمه، وعجّله إلى النار، وولّى خلافته من هو خير منه، وأحسن هديا: يزيد بن الوليد، وقد بايعه الناس، وولّى على العراق الحارث بن العباس بن الوليد، ووجّهنى العباس لآخذ يوسف وعمّاله، وقد نزل الأبيض ورائى على مرحلتين، فخذ يوسف وعماله، لا يفوتنّك منهم أحد، فاحبسهم قبلك، وإياك أن تخالف فيحلّ بك وبأهل بيتك مالا قبل لك به، فاختر لنفسك أودع». وقيل إنه لمّا كان بعين التّمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشأم يخبرهم بقتل الوليد ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله، وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن سليم ابن كيسان، وأمره أن يفرّقها على القوّاد، فأمسكها سليمان ودخل على يوسف، فأقرأه كتاب منصور إليه، وسهّل له طريق الهرب فهرب إلى البلقاء، ثم قبض عليه وقتل (١) سنة ٢٧ هـ. (تاريخ الطبرى ٩: ٢٨) ٥٠٠ - كتاب يزيد إلى أهل العراق ولما وجّه يزيد بن الوليد منصور بن جمهور إلى العراق كتب إلى أهل العراق كتابا فيه مساوى الوليد، فكان مما كتب به:

стр. 959

«إن الله اختار الإسلام دينا، وارتضاه وطهّره، وافترض فيه حقوقا أمر بها، ونهى عن أمور حرّمها، ابتلاء (١) لعباده فى طاعتهم ومعصيتهم، فأكمل فيه كلّ منقبة (٢) خير، وجسيم فضل، ثم تولّاه فكان له حافظا، ولأهله المقيمين حدوده وليّا، يحوطهم ويعرّفهم بفضل الإسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدا يأخذ بأمر الله وينتهى إليه، فيناوبه أحد بميثاق، أو يحاول (٣) صرف ما حباه الله به، أو ينكث ناكث إلا كان كيده الأوهن، ومكره الأبور، حتى يتمّ الله ما أعطاه، ويدّخر له أجره ومثوبته، ويجعل عدوّه الأضلّ سبيلا، الأخسر عملا، فتناسخت (٤) خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحكمه، متّبعين فيه لكتابه، فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمّت به النعم عليهم، قد رضى الله بهم لها حتى توفّى هشام. ثم أفضى الأمر إلى عدوّ الله الوليد، المنتهك للمحارم التى لا يأتى مثلها مسلم، ولا يقدم عليها كافر، تكرّما عن غشيان مثلها، فلما استفاض ذلك منه واستعلن، واشتدّ فيه البلاء، وسفك فيه الدماء، وأخذت الأموال بغير حقها مع أمور فاحشة لم يكن الله ليخلّى العاملين بها إلا قليلا، سرت إليه مع انتظار مراجعته، وإعذار إلى الله وإلى المسلمين، منكرا لعلمه وما اجترأ عليه من معاصى الله، متوخّيا من الله إتمام الذى نويت، من اعتدال عمود الدين والأخذ فى أهله بما هو رضا، حتى أتيت جندا وقد وغرن (٥) صدورهم على عدو الله، لما رأوا من عمله، فإن عدوّ الله لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئا إلا أراد تبديله، والعمل فيه بغير ما أنزل الله، وكان ذلك منه شائعا شاملا، عريان لم يجعل الله فيه سترا، ولا أحد لأحد فيه شكّا، فذكرت لهم الذى نقمت وخفت، من فساء الدين والدنيا، وحضضتهم على تلافى دينهم

стр. 960

والمحاماة عنه، وهم فى ذلك مستريبون، قد خافوا أن يكونوا قد أبقوا أنفسهم بما قاموا عليه إلى أن دعوتهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة. فابتعث الله منهم بعثا يخبرهم من أولى الدين والرضا، وبعثت عليهم عبد العزيز ابن الحجاج بن عبد الملك، حتى لقى عدوّ الله إلى جانب قرية يقال لها البخراء، فدعوه إلى أن يكون الأمر شورى ينظر المسلمون لأنفسهم من يقلّدونه ممن اتفقوا عليه، فلم يجب عدوّ الله إلى ذلك، وأبى إلا تتابعا فى ضلالته، فبدرهم الحملة جهالة بالله، فوجد الله عزيزا حكيما، وأخذه أليما شديدا، فقتله الله على سوء عمله وعصبته ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة، لا يبلغون عشرة، ودخل من كان معه سواهم فى الحق الذى دعوا إليه، فأطفأ الله جمرته، وأراح العباد منه، فبعدا له ولمن كان على طريقته. أحببت أن أعلمكم ذلك وأعجل به إليكم، لتحمدوا الله وتشكروه، فإنكم قد أصبحتم اليوم على أمثل (١) حالكم، إذ ولاتكم خياركم، والعدل مبسوط لكم، لا يسار فيكم بخلافه، فأكثروا على ذلك حمد ربكم، وبايعوا منصور بن جمهور فقد ارتضيته لكم، على أن عليكم عهد الله وميثاقه، وأعظم ما عهد وعقد على أحد من خلقه لتسمعنّ وتطيعنّ لى ولمن استخلفته من بعدى، ممن اتفقت عليه الأمة، ولكم علىّ مثل ذلك: لأعملنّ فيكم بأمر الله وسنة نبيه ﷺ ، وأتبع سبيل من سلف من خياركم، نسأل الله ربّنا ووليّنا أحسن توفيقه وخير قضائه». (تاريخ الطبرى ٩: ٣١) ٥٠١ - كتاب مروان بن محمد إلى الغمر بن يزيد وكتب مروان بن محمد إلى الغمر بن يزيد يأمره أن يطلب بدم أخيه الوليد ابن يزيد.

стр. 961

«أما بعد: فإن هذه الخلافة من الله على مناهج نبوّة رسله، وإقامة شرائع دينه، أكرمهم الله بما قلّدهم، يعزّهم ويعزّ من يعزهم، والحين (١) على من ناوأهم فابتغى غير سبيلهم، فلم يزالوا أهل رعاية لما استودعهم الله منها، يقوم بحقّها ناهض بعد ناهض، بأنصار لها من المسلمين، وكان أهل الشأم أحسن خلقه فيه طاعة، وأذبّه عن حرمه، وأوفاه بعهده، وأشدّه نكاية فى مارق مخالف ناكث ناكب (٢) عن الحق، فاستدرّت نعمة الله عليهم، قد عمر بهم الإسلام، وكبت (٣) بهم الشّرك وأهله، وقد نكثوا أمر الله، وحاولوا نكث العهود، وقام بذلك من أشعل ضرامها، وإن كانت القلوب عنه نافرة، والمطلوبون بدم الخليفة ولاية (٤) من بنى أمية، فإنّ دمه غير ضائع، وإن سكنت بهم الفتنة، والتأمت الأمور، فأمر أراده الله لا مردّ له. قد كتبت بحالك فيما أبرموا وما ترى، فإنى مطرق إلى أن أرى غيرا (٥) فأسطو بانتقام، وأنتقم لدين الله المبتول (٦)، وفرائضه المتروكة مجانة، ومعى قوم أسكن الله طاعتى قلوبهم، أهل إقدام إلى ما قدمت بهم عليه، ولهم نظراء، صدورهم مترعة (٧) ممتلئة، لو يجدون منزعا (٨)، وللنّقمة دولة تأتى من الله، ووقت موكّل،

стр. 962

ولم أشبه محمدا ولا مروان (١) - غير إن رأيت غيرا- إن لم أشمّر للقدرية (٢) إزارى، وأضربهم بسيفى جارحا وطاعنا، يرمى قضاء الله فى ذلك حيث أخذ، أو يرمى فى عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه، وما إطراقى إلّا لما أنتظر ممّا يأتينى عنك، فلا تهن عن ثأرك بأخيك، فإن الله جارك وكافيك، وكفى بالله طالبا ونصيرا». (تاريخ الطبرى ٩: ٣٤) ٥٠٢ - كتاب يزيد بالأمان للحارث بن سريج وعزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق، وولّاها عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز (فى شوال سنة ١٢٦ هـ) فلما قدم عبد الله العراق كتب إلى نصر ابن سيار بعهده على خراسان. وخرج خالد بن زياد من أهل التّرمذ (٣) وخالد بن عمرو مولى بنى عامر إلى يزيد ابن الوليد، فسألاه أمانا للحارث بن سريج (وكان قد خرج على بنى أمية، ونشبت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله الهلالى والى خراسان (٤) سنة ١١٦ هـ، ثم أقام هو وأصحابه ببلاد الترك) فكتب يزيد له:

стр. 963

«أما بعد، فإنا غضبنا لله إذ عطّلت حدوده، وبلغ بعباده كل مبلغ، وسفكت الدماء بغير حلّها، وأخذت الأموال بغير حقها، فأردنا أن نعمل فى هذه الأمة بكتاب الله جل وعز وسنة نبيه ﷺ ، ولا قوة إلا بالله، فقد أوضحنا لك عن ذات أنفسنا، فأقبل آمنا أنت ومن معك، فإنكم إخواننا وأعواننا، وقد كتبت إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بردّ ما كان اصطفى من أموالكم وذراريّكم». فقدما الكوفة على ابن عمر، ثم مضيا إلى مرو فدفعا كتاب يزيد إلى نصر بن سيار، فردّ ما كان أخذ لهم مما قدر عليه، ثم نفذا إلى الحارث فأقبل يريد مرو. ٥٠٣ - كتاب منصور بن عمر إلى ابن سيار وقدم الحارث سمرقند، وعليها منصور بن عمر، فلم يتلقّه وقال: ألحسن بلائه! وكتب إلى نصر يستأذنه فى الحارث أن يثب به، فأيّهما قتل صاحبه فإلى الجنة أو إلى النار، وكتب إليه: «لئن قدم الحارث على الأمير، وقد ضرّ ببنى أمية فى سلطانهم، وهو والغ (١) فى دم بعد دم؛ قد طوى كشحا (٢) عن الدنيا، بعد أن كان فى سلطانهم أقراهم (٣) لضيف، وأشدّهم بأسا، وأنفذهم، غارة فى الترك، ليفرّقن عليك بنى تميم». (تاريخ الطبرى ٩: ٤٣)

стр. 964

خلافة مروان بن محمد (سنة ١٢٧ - ١٣٢ ه ـ) ٥٠٤ - كتابه إلى بعض الخوارج وكتب مروان بن محمد رسالة إلى بعض الخوارج يتهدّد ويتوعد فيها: «أما بعد، فإنك كتبت إلىّ كتاب امرئ جائر عن الحق، متورّط العقل، متعرّض للحين والرّدى (١)، متسكّع فى الجهالة، متكمّه (٢) فى الضلالة، مارق من الدين، مفارق جماعة المسلمين، قد بطر العافية والإحسان، واستحكمت عليه ربق (٣) الشيطان، تمنّى ما تمنّى أشياعه من الطّغيان، فقبل من الشيطان أمنيّته، وأمكنه من رمّته، وأسلم إليه مقاليده، فحمله على مركب صعب، فركّب عليه الرّباق، وشدّ منه الخناق (٤)، فهو يسوقه أشدّ السّياق، وعلاه ظهرا، وملأه غدرا، وأسلمه [إلى الخوف من بعد] (٥) أمنه، وكذلك يفعل الله بالظالمين، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون. فانظر- لا نظر الله لك (٦) - إلى موقع تلك الصفة منك، فإنك لا طاقة لك بحدّنا

стр. 965

حين يحمل عليك الفرسان (١)، وتتعاورك القنا والطّعّان، فتنفذك الأسنّة، وتجلب عليك الأعنّة، وتحيط بك الكتائب، ويأتيك الموت من كل جانب. وأمّا قولك إلىّ فى كتابك: «سيرد عليك الجرد، عليها المرد (٢)» فسيرد عليك من أولياء الله المقرّبين، وحزبه الغالبين، الكهول، على الخيل الفحول، كأنها الوعول، طوال السّبال (٣)، كأنهم أشربت وجوههم الجربال، رجالهم هم الرجال، ليس منهم إلا سايق ناشب (٤)، وكالب محارب، قد أحكمته التجارب، وقام على ساق، وشرب كلّ مرّة المذاق، لا يولّون الأدبار، ولا يكرّون على الفرار، قد ضروا (٥) بضرب الهام، وغادوا الكرّ والإقدام، ليسوا بذوى فرّ ولا إحجام، ينفذون فى الزّحوف، ويجترون على الحتوف، ويباشرون السيوف، ويضربون ضرب الأسود، ويثبون وثب الفهود، وليس منهم إلا بازل (٦) يتخطّل، قد برك على كلكله، كأنما أشربت وجوههم نقيع الحنظل، قد راموا الحروب وعاودوها، ومضغتهم ومضغوها، فليس منهم إلا إليها طرب، وعلى لقائها حرب (٧)، لا يروعهم ما يروع الفتيان، ولا يصدّهم الموت عن لقاء الأقران، ولا يروعهم ما يروع الغمر (٨) الجبان، حين يكشف الكماة (٩)، ويكره النزال، فعند ذلك يسلمك الجرد،

стр. 966

وينكشف عنك المرد، فإن شئت فسر، وإن شئت فقرّ، ولا أرى الإقامة لك إلا ريث أن يأتيك ما أوعدك [فإنى وإياك كالزجاجة والحجر: إن وقع عليها رضّها، وإن وقعت عليه فضّها (١)] فاتمر أمرك، فإنك غير مكذّب، ولا ناكص (٢)، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٠، ونثر الدرر ٣: ٢٥٦) ٥٠٥ - رسالة عبد الحميد بن يحيى الكاتب عن مروان إلى ابنه عبد الله بن مروان وكتب عبد الحميد بن يحيى الكاتب عن مروان بن محمد إلى ابنه عبد الله بن مروان، حين وجّهه لمحاربة الضحّاك بن قيس الشّيبانى الخارجى (٣): «أما بعد، فإن أمير المؤمنين- عند ما اعتزم عليه، من توجيهك إلى عدوّ الله الجلف الجافى الأعرابى المتسكّع (٤) فى حيرة الجهالة، وظلم الفتنة، ومهاوى الهلكة، ورعاعه الذين عاثوا (٥) فى أرض الله فسادا، وانتهكوا حرمة الإسلام استخفافا، وبدّلوا نعم الله كفرا، واستحلّوا دماء أهل سلمه جهلا- أحبّ أن يعهد إليك فى لطائف (٦) أمورك، وعوامّ شئونك، ودخائل أحوالك، ومصطرف (٧) تنقّلك، عهد يحمّلك فيه أدبه، ويشرع لك به عظته، وإن كنت- والحمد لله- من دين الله وخلافته

стр. 967

بحيث اصطنعك (١) الله لولاية العهد، مختصّا لك بذلك دون لحمتك (٢) وبنى أبيك. ولولا ما أمر الله تعالى به دالّا عليه، وتقدّمت فيه الحكماء آمرين به: من تقديم العظة، والتذكير لأهل المعرفة، وإن كانوا أولى سابقة فى الفضل، وخصّيصاء فى العلم (٣) لاعتمد أمير المؤمنين منك على اصطناع الله إياك، وتفضيله لك بما رآك أهله فى محلّك من أمير المؤمنين، وسبقك إلى رغائب أخلاقه، وانتزاعك محمود شيمه، واستيلائك على مشابه تدبيره. ولو كان المؤدّبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، ولقّنوه إلهاما من تلقائهم، ولم يتعلّموا شيئا من عند غيرهم، لنحلناهم (٤) علم الغيب، ووضعناهم بمنزلة خالقهم (٥) المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيته وفردانيته فى إلهيّته، احتجابا منهم لتعقّب فى حكمه، وتثبّت فى سلطانه، وتنفيذ إرادته على سابق مشيئته، ولكنّ العالم الموفّق للخير، المخصوص بالفضل، المحبوّ بمزية العلم وصفوته، أدركه معانا عليه بلطف بحثه، وإذلال كنفه، وصحّة فهمه، وهجر سآمته. وقد تقدّم أمير المؤمنين إليك، آخذا بالحجّة عليك، مؤدّيا حقّ الله الواجب عليه فى إرشادك، وقضاء حقك، وما ينظر به الوالد المعنىّ الشفيق لولده، وأمير المؤمنين يرجو أن ينزّهك الله عن كل قبيح يهشّ (٦) له طمع، وأن يعصمك من كل مكروه حاق بأحد، وأن يحصّنك من كل آفة استولت على امرئ فى دين أو خلق، وأن يبلّغه

стр. 968

فيك أحسن ما لم يزل يعوّده ويريه من آثار نعمة الله عليك، سامية بك إلى ذروه الشرف، متبحبجة (١) بك بسطة الكرم، لائحة بك فى أزهر معالى الأدب، مورثة لك أنفس ذخائر العزّ، والله يستخلف عليك أمير المؤمنين، ويسأل حياطتك، وأن يعصمك من زيغ الهوى، ويحضرك داعى التوفيق، معانا على الإرشاد فيه، فإنه لا يعين على الخير، ولا يوفّق له إلا هو. اعلم أنّ للحكمة مسالك تفضى مضايق أوائلها- بمن أمّها سالكا، وركب أخطارها (٢) قاصدا إلى سعة عاقبتها، وأمن سرحها (٣)، وشرف عزها، وأنها لا تعار بسخف الخفّة، ولا تنشأ بتفريط الغفلة، ولا يتعدّى فيها بامرئ حدّه (٤)، وربما أظهرت بسطة الغى مستور العيب، وقد تلقّتك أخلاق الحكمة من كل جهة بفضلها، من غير تعب البحث فى طلبها، ولا تطاول لمنال ذروتها (٥)، بل تأثلت (٦) منها أكرم نبعاتها، واستخلصت منها أعتق (٧) جواهرها، ثم سموت (٨) إلى لباب مصاصها، وأحرزت منفس (٩) ذخائرها، فاقتعد (١٠) ما أحرزت، ونافس فيما أصبت.

стр. 969

واعلم أن احتواءك على ذلك، وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله فى جميع أمورك مؤثرا بها، وإضمار طاعته منطويا عليها (١)، وإعظام ما أنعم الله به عليك شاكرا له، مرتبطا فيه للمزيد، بحسن الحياطة له، والذّبّ عنه من أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة ضياع، أو سنة تهاون، أو جهالة معرفة، فإن ذلك أحقّ ما بدئ به ونظر فيه، معتمدا عليه بالقوّة والآلة والعدّة، والانفراد به من الأصحاب والحامّة (٢)، فتمسّك به لاجئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجئ إلى كنفه متحيّزا إليه (٣)، فإنه أبلغ ما طلب به رضا الله، وأنجحه مسألة، وأجزله ثوابا، وأعوده نفعا (٤)، وأعمّه صلاحا، أرشدك الله لحظّك، وفهّمك سداده، وأخذ بقلبك إلى محموده. ثم اجعل لله فى كل صباح ينعم عليك ببلوغه، ويظهر منك السلامة فى إشراقه، من نفسك نصيبا تجعله لله، شكرا على إبلاغه إياك يومك ذلك بصحة جوارح، وعافية بدن، وسبوغ (٥) نعم، وظهور كرامة، وأن تقرأ فيه من كتاب الله جزءا تردّد رأيك فى آيه (٦)، وتزيّن (٧) لفظك بقراءته، وتحضره عقلك ناظرا فى محكمه، وتتفهّمه متفكرا فى متشابهه، فإن فى القرآن شفاء القلوب من أمراضها، وجلاء وساوس الشيطان وسفاسفه (٨)، وضياء معالم النور- تبيانا لكلّ شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. ثم تعهّد نفسك بمجاهدة هواك، فإنه مغلاق الحسنات، ومفتاح السيئات، وخصم العقل.

стр. 970

واعلم أن كلّ أهوائك (١) لك عدوّ يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، لأنها خدع إبليس، وحبائل (٢) مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها، وتوقّها محترسا منها، واستعذ بالله من شرها، وجاهدها إذا تناصرت عليك، بعزم صادق لا ونية (٣) فيه، وحزم نافذ لا مثنويّة (٤) لرأيك بعد إصداره عليك، وصدق غالب لا مطمع فى تكذيبه، ومضاءة صارمة لا أناة (٥) معها، ونية صحيحة لا خلجة شكّ فيها، فإن ذلك ظهرىّ (٦) صدق لك على ردعها عنك، وقمعها دون ما تتطلّع إليه منك، وهى واقية لك سخطة ربك، داعية إليك رضا العامة عنك، ساترة عليك عيب من دونك، فازدن بها متحلّيا (٧)، وأصب بأخلاقك مواضعها الحميدة منها، وتوقّ عليها الآفة التى تقتطعك عن بلوغها وتقصّر بك دون شأوها (٨)، فإن المئونة (٩) إنما اشتدّت مستصعبة (١٠) وفدحت باهظة أهل الطّلب لأخلاق أهل الكرم، المنتحلين سموّ القدر، بجهالة مواضع ذميم الأخلاق ومحمودها، حتى فرّط أهل التقصير فى بعض أمورهم، فدخلت عليهم الآفات من جهات أمنوها، فنسبوا إلى التفريط، ورضوا بذلّ المنزل، فأقاموا به جاهلين بموضع الفضل، عمهين (١١) عن درج الشرف، ساقطين دون منزلة أهل الحجا، فحاول بلوغ غاياتها محرزا لها بسبق الطلب

стр. 971

إلى إصابة الموضع، محصّنا أعمالك من العجب، فإنه رأس الهوى، وأوّل الغواية، ومقاد الهلكة، حارسا أخلاقك من الآفات المتصلة بمساوى العادات وذميم إيثارها (١)، من حيث أتت الغفلة، وانتشر الضّياع، ودخل الوهن، فتوقّ غلوب (٢) الآفات على عقلك، فإنّ شواهد الحقّ ستظهر بأماراتها تصديق رأيك عند ذوى النّهى، وحال الرأى، وفحص النظر، فاجتنب لنفسك محمود الذّكر، وباقى لسان الصدق، بالحذر لما تقدّم إليك فيه أمير المؤمنين، متحرّزا من دخول الآفات عليك، من حيث أمنك وقلة ثقتك بمحكمها. من ذلك أن تملك أمورك بالقصد، وتدارى جندك بالإحسان، وتصون سرّك بالكتمان، وتداوى حقدك بالإنصاف، وتذلّل نفسك بالعدل، وتحصّن عيوبك بتقويم أودك (٣)، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه بالعجب المردى، وأناتك فوقّها الملال وفوت العمل، ومضاءتك (٤) فدرّعها رويّة النظر واكنفها بأناة الحلم، وخلواتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عىّ اللفظ، وخف فيه سوء القالة (٥) واستماعك فأرعه حسن التفهّم، وقوّه بإشهاد الفكر، وعطاءك فامهد له (٦) بيوتات الشرف وذوى الحسب، وتحرّز فيه من السّرف واستطالة البذخ (٧) وامتنان الصّنيعة، وحياءك فامنعه من الخجل وبلادة الحصر (٨)، وحلمك فزعه (٩) عن التهاون، وأحضره قوة الشّكيمة، وعقوبتك فقصّر بها عن الإفراط، وتعمّد بها أهل الاستحقاق، وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق، وخذ به واجب

стр. 972

المفترض، وأقم به أود الدين، واستئناسك فامنع منه البذاء وسوء المثافنة (١)، وتعهّدك أمورك فحدّه أوقاتا، وقدّره ساعات لا تستفرغ قوّتك، ولا تستدعى سآمتك، وعزماتك فانف عنها عجلة الرأى ولجاجة الإقدام، وفرحاتك فاشكمها (٢) عن البطر، وقيّدها عن الزّهو، وروعاتك فحطها من دهش الرأى واستسلام الخضوع، وحذراتك فاصرفها عن الجبن، واعمد بها للحزم، ورجاءك فقيّده بخوف الفائت، وامنعه من أمن الطّلب. هذه جوامع خلال، دخّال النقص منها واصل إلى العقل بلطائف أبنه، وتصاريف حويله (٣)، فأحكمها عارفا بها، وتقدّم فى الحفظ لها، معتزما على الأخذ بمراشدها، والانتهاء منها إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه إن شاء الله. ثم لتكن بطانتك وجلساؤك فى خلواتك، ودخلاؤك فى سرّك، أهل الفقه والورع من خاصّة أهل بيتك، وعامّة قوّادك ممّن قد حنّكته السّنّ بتصاريف الأمور وخبطته فصالها بين فراسن (٤) البزّل منها، وقلّبته الأمور فى فنونها، وركب أطوارها، عارفا بمحاسن الأمور، ومواضع الرأى، وعين المشورة، مأمون النصيحة، مطوىّ الضمير على الطاعة.

стр. 973

ثم أحضرهم من نفسك وقارا يستدعى لك منهم الهيبة، واستئناسا يعطف إليك منهم المودّة، وإنصاتا (١) يفلّ إفاضتهم عندك بما تكره أن ينشر عنك من سخافة الرأى، وضياع الحزم، ولا يغلبنّ عليك هواك فيصرفك عن الرأى، ويقتطعك دون الفكر. وتعلّم أنك وإن خلوت بسرّ، فألقيت دونه ستورك، وأغلقت عليه أبوابك، فذلك لا محالة مكشوف للعامّة، ظاهر عنك- وإن استترت بربّما ولعلّ، وما أرى إذاعة ذلك وأعلم (٢) - بما يرون من حالات من ينقطع به فى تلك المواطن، فتقدّم فى إحكام ذلك من نفسك وسدّ خلله عنك، فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة، ولغط العامّة بخير أو شر، ممن كان فى مثل حالك ومكانك الذى أصبحت به من دين الله، والأمل المرجوّ المنتظر فيك، وإياك أن يغمز (٣) فيك أحد من حامّتك وبطانة خدمك بضعفة يجد بها مساغا إلى النطق عندك بما لا يعتزلك عيبه، ولا تخلو من لائمته، ولا تأمن سوء الأحدوثة فيه، ولا يرخص سوء القالة به إن نجم ظاهرا وعلن باديا (٤)، ولن يجترئوا على تلك عندك إلّا أن يروا منك إصغاء إليها، وقبولا لها، وترخيصا لهم فى الإفاضة بها. ثم إيّاك أن يفاض عندك بشىء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التى يستخفّ بها أهل البطالة، ويتسرّع نحوها ذوو الجهالة، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه (٥)، ولطعن فى حق يجحدونه، مع ما فى ذلك من نقص الرأى، ودرن العرض، وهدم الشرف، وتأثيل (٦) الغفلة، وقوّة طباع السّوء الكامنة

стр. 974

فى بنى آدم كمون النّار فى الحجر الصّلد، فإذا قدح لاح شرره، وتلهّب وميضه ووقد تضرّمه، وليست فى أحد، أقوى سطوة، وأظهر توقّدا، وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب، وتطرّق الشّين، منها لمن كان فى مثل سنّك من أغفال (١) الرجال وذوى العنفوان فى الحداثة، الذين لم تقع عليهم سمات الأمور، ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا عليهم وسمها، ولم تمحضهم (٢) شهامتها، مظهرة للعامة فضلهم، مذيعة حسن الذّكر عنهم، ولم يبلغ بهم الصّيت فى الحنكة مستمعا (٣) يدفعون به عن أنفسهم نواطق ألسن أهل البغى، وموادّ أبصار أهل الحسد. ثم تعهّد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة من إبطار الذّرع (٤) ونخوة الشرف والتّيه وعيب الصّلف، فإنها تسرع بهم إلى فساد رأيهم، وتهجين (٥) عقولهم فى مواطن جمّة، وأنحاء مصطرفة، منها قلة اقتدارهم على ضبط أنفسهم فى مواكبهم ومسايرتهم العامّة، فمن مقلقل شخصه بكثرة الالتفات عن يمينه وشماله، تزدهيه الخفّة، ويبطره إجلاب (٦) الرجال حوله، ومن مقبل فى موكبه على مداعبة مسايره بالمفاكهة (٧) له والتضاحك إليه، والإيجاف (٨) فى السير مرحا، وتحريك الجوارح متسرّعا، يخال أن ذلك أسرع له وأحثّ (٩) لمطيّته،

стр. 975

فلتحسن فى ذلك هيئتك، ولتجمل فيه دعتك (١)، وليقلّ على مسايرك (٢) إقبالك، إلّا وأنت مطرق النظر، غير ملتفت إلى محدّث، ولا مقبل عليه بوجهك فى موكبك لمحادثته، ولا موجف (٣) فى السير، مقلقل لجوارحك بالتحريك والاستنهاض، فإن حسن مسايرة الوالى واتّداعه (٤) فى تلك الحالة دليل على كثير من غيوب أمره ومستتر أحواله. واعلم أن أقواما سيسرعون إليك بالسّعاية، ويأتونك من قبل النّصيحة (٥)، ويستميلونك بإظهار الشفّقة، ويستدعونك بالإغراء والشّبهة، ويوطئونك عشوة (٦) الحيرة، ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال العامّة، بموضعهم منك فى القبول منهم، والتصديق لهم على من قرفوه (٧) بتهمة، أو أسرعوا بك فى أمره إلى الظنّة، فلا يصلنّ إلى مشافهتك ساع بشبهة، ولا معروف بتهمة، ولا منسوب إلى بدعة، فيعرّضك لإيتاغ (٨) دينك، ويحملك على رعيّتك بما لا حقيقة له عندك، ويلحمك (٩) أعراض قوم لا علم لك بدخلهم، إلا بما أقدم به عليهم ساعيا، وأظهر لك منهم منتصحا. وليكن صاحب شرطتك، ومن أحببت أن يتولّى ذلك من قوّادك، إليه إنهاء (١٠) ذلك، وهو المنصوب لأولئك، والمستمع لأقاويلهم، والفاحص عن نصائحهم، ثم لينه ذلك إليك على ما يرفع إليه منه، لتأمره بأمرك فيه، وتقفه على

стр. 976

رأيك، من غير أن يظهر ذلك للعامّة؛ فإن كان صوابا نالتك حظوته (١)، وإن كان خطأ أقدم به عليك جاهل، أو فرطة سعى بها كاذب، فنالت الساعى (٢) منهما أو المظلوم عقوبة، وبدر (٣) من واليك إليه نكال، لم يعصب ذلك الخطأ بك، ولم تنسب إلى تفريط، وخلوت من موضع الذم فيه (٤)، محضرا إليه ذهنك وصواب رأيك. وتقدّم إلى من تولّى ذلك الأمر وتعتمد عليه فيه، أن لا يقدم على شىء ناظرا فيه، ولا يحاول أخذ أحد طارقا له، ولا يعاقب أحدا منكّلا به، ولا يخلّى سبيل أحد صافحا عنه، لإصحار (٥) براءته، وصحّة طريقته، حتى يرفع إليك أمره، وينهى إليك قضيته، على جهة الصدق، ومنحى الحق، ويقين الخبر، فإن رأيت عليه سبيلا لمحبس (٦)؛ أو مجازا لعقوبة، أمرته بتولّى ذلك من غير إدخاله عليك، ولا مشافهة لك منه، فكان المتولّى لذلك، ولم يجر على يديك مكروه رأى، ولا غلظة عقوبة، وإن وجدت إلى العفو عنه سبيلا، أو كان مما قرف به خليّا، كنت أنت المتولّى للإنعام عليه بتخلية سبيله، والصفح عنه بإطلاق أسره، فتوليت أجر ذلك واستحققت ذخره، وأنطقت لسانه بشكرك، وطوّقت قومه حمدك؛ وأوجبت عليهم حقّك؛ فقرنت بين خصلتين، وأحرزت حظوتين: ثواب الله فى الآخرة (٧)، ومحمود الدكر فى العاجلة.

стр. 977

ثم إياك وأن يصل إليك أحد من جندك وجلسائك وخاصّتك وبطانتك بمسألة يكشفها لك، أو حاجة يبدهك (١) بطلبها، حتى يرفعها قبل ذلك إلى كاتبك الذى أهدفته (٢) لذلك، ونصبته له، فيعرضها عليك، منهيا لها على جهة الصدق عنها، وتكون على معرفة من قدرها، فإن أردت إسعافه بها، ونجاح ما سأل منها، أذنت له فى طلبها، باسطا له كنفك، مقبلا عليه بوجهك، مع ظهور سرورك بما سألك، وفسحة رأى، وبسطة ذرع، وطيب نفس، وإن كرهت قضاء حاجته، وأحببت ردّه عن طلبته (٣)، وثقل عليك إجابته إليها وإسعافه بها، أمرت كاتبك فصفحه (٤) عنها، ومنعه من مواجهتك بها، فخفّت عليك فى ذلك المئونة، وحسن لك الذكر، ولم ينشر عنك تجهّم (٥) الردّ، وينلك سوء القالة فى المنع، وحمل على كاتبك فى ذلك لائمة (٦) أنت منها برىء السّاحة. وكذلك فليكن رأيك وأمرك فيمن طرأ عليك من الوفود، وأتاك من الرّسل، فلا يصلنّ أحد منهم إلا بعد وصول علمه إليك، وعلم ما قدم له عليك، وجهة ما هو مكلّمك به، وقدر ما هو سائلك إياه إذا هو وصل إليك، فأصدرت رأيك فى حوائجه (٧) وأجلت فكرك فى أمره، واخترت معتزما على إرادتك فى جوابه (٨)، وأنفذت مصدور رويّتك فى مرجوع مسألته، قبل دخوله عليك، وعلمه بوصول حاله إليك، فرفعت عنك مئونة البديهة، وأرخيت عن نفسك خناق (٩) الرويّة، وأقدمت على ردّ جوابه بعد النظر وإجالة الفكر فيه، فإن دخل إليك أحد

стр. 978

منهم فكلّمك بخلاف ما أنهى إلى كاتبك، وطوى عنه حاجته قبلك، دفعته عنك دفعا جميلا، ومنعته جوابك منعا وديعا (١)، ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له والغلظة عليه، ومنعه من الوصول إليك، فإنّ ضبطك لذلك مما يحكم لك تلك الأسباب، صارفا عنك مئونتها، ومسهّلا عليك مستصعبها (٢)، إن شاء الله. احذر تضييع رأيك، وإهمالك أدبك فى مسالك الرضا والغضب، واعتوارهما (٣) إياك، فلا يزدهينّك إفراط عجب تستخفّك روائعه (٤)، ويستهويك منظره، ولا يبدرنّ منك ذلك خطأ ونزق خفّة لمكروه إن حلّ بك أو حادث إن طرأ عليك، وليكن لك من نفسك ظهرىّ ملجأ تتحرّز به من آفات الرّدى، وتستعهده (٥) فى مهمّ نازل، وتتعقّب به أمورك فى التدبير، فإن احتجت إلى مادّة من عقلك، ورويّة من فكرك، أو انبساط من منطقك، كان انحيازك إلى ظهريّك مزدادا مما أحبيت الامتياح منه (٦) والامتيار، وإن استدبرت (٧) من أمورك بوادر جهل، أو مضى زلل، أو معاندة حق، أو خطل تدبير، كان ما احتجنت (٨) من رأيك عذرا لك عند نفسك، وظهريا قويّا على ردّ ما كرهت، وتخفيفا لمؤنة الباغين عليك فى القالة وانتشار الذكر، وحصنا من غلوب الآفات عليك، واستعلائها على أخلاقك. وامنع أهل بطانتك وخاصّة خدمك وعامّة رعيّتك من استلحام (٩) أعراض

стр. 979

الناس عندك بالغيبة، والتقرب إليك بالسّعاية، والإغراء من بعض ببعض، والنّميمة إليك بشىء من أحوالهم المستترة عنك، أو التحميل لك على أحد منهم بوجه النصيحة ومذهب الشفقة، فإن ذلك أبلغ بك سموا إلى منال الشرف، وأعون لك على محمود الذكر، وأطلق لعنان الفضل، فى جزالة الرأى، وشرف الهمّة، وقوة التدبير. واملك نفسك عن الانبساط فى الضحك والانفهاق (١)، وعن القطوب بإظهار الغضب وتنحّله، فإن ذلك ضعف عن ملك سورة (٢) الجهل، وخروج من انتحال اسم الفضل، وليكن ضحكك تبسّما أو كشرا (٣) فى أحايين ذلك وأوقاته، وعند كل رائع مستخفّ مطرب (٤)، وقطوبك إطراقا فى مواضع ذلك وأحواله، بلا عجلة إلى السّطوة، ولا إسراع إلى الطّيرة، دون أن يكنفها رويّة الحلم، وتملك عليها بادرة الجهل. إذا كنت فى مجلس ملئك وحيث حضور العامة مجلسك، فإياك والرمى ببصرك إلى خاصّ من قوّادك، أو ذى أثرة (٥) عندك من حشمك، وليكن نظرك مقسوما فى الجميع، وإعارتك (٦) سمعك ذا الحديث بدعة هادئة ووقار حسن، وحضور فهم مستجمع، وقلة تضجّر بالمحدّث، ثم لا يبرح وجهك إلى بعض قوّادك وحرسك متوجّها بنظر ركين، وتفقّد محض، فإن وجّه إليك أحد منهم نظره محدّقا (٧)، أو رماك ببصره ملحّا، فاخفض عنه إطراقا جميلا باتّداع (٨) وسكون، وإياك والتسرع فى الإطراق، والخفّة فى تصريف النظر، والإلحاح على من قصد إليك فى مخاطبته إياك رامقا بنظره.

стр. 980

واعلم أن تصفّحك وجوه جلسائك، وتفقّدك مجالس قوّادك (١)، من قوّة التدبير، وشهامة القلب، وذكاء الفطنة، وانتباه السّنة، فتفقّد ذلك عارفا بمن حضرك وغاب عنك، عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم اعد بهم عن ذلك، سائلا لهم عن أشغالهم التى منعتهم من حضور مجلسك، وعاقتهم بالتخلّف عنك إن شاء الله. إن كان أحد من حشمك وأعوانك تثق منه بغيب ضمير، وتعرف منه لين طاعة، وتشرف منه على صحّة رأى، وتأمنه على مشورتك، فإياك والإقبال عليه فى كل حادث يرد عليك، والتوجّه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، وأن تريه أو أحدا من أهل مجلسك أنّ بك إليه حاجة موحشة، وأن ليس بك عنه غنى فى التدبير، أو أنك لا تقضى دونه رأيا، إشراكا منك له فى رويّتك، وإدخالا منك له فى مشورتك واضطرارا منك إلى رأيه فى الأمر يعروك (٢)، فإن ذلك من دخائل العيوب التى ينتشر بها سوء القالة عن نظرائك، فانفها عن نفسك خائفا لاعتلاقها (٣) ذكرك، واحجبها عن رويّتك، قاطعا أطماع أوليائك عن مثلها عندك، أو غلوبهم عليها منك واعلم أن للمشورة موضع الخلوة وانفراد النظر، ولكل (٤) أمر غاية تحيط بحدوده وتجمع معالمه، فابغها محرزا لها، ورمها طالبا لنيلها (٥)، وإياك والقصور عن غايتها، أو العجز عن دركها، أو التفريط فى طلبها إن شاء الله تعالى. إياك والإغرام (٦) بكثرة السؤال عن حديث مّا أعجبك، أو أمر مّا ازدهاك، أو القطع لحديث من أرادك بحديثه حتى تنقضه عليه بالخوض فى غيره، أو المسألة عما ليس منه، فإن ذلك عند العامة منسوب إلى سوء الفهم، وقصر الأدب عن تناول

стр. 981

محاسن الأمور والمعرفة بمساوئها، ولكن أنصت لمحدّثك، وأرعه سمعك، حتى يعلم أنك قد فهمت حديثه، وأحطت معرفة بقوله، فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته وبعد علم بطلبته، وإلّا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعلّل (١) من حديثه بالتبسّم والإغضاء، فأجزى (٢) عليك الجواب، وقطع عنك ألسن العتب. إياك وأن يظهر منك تبرّم بطول مجلسك، وتضجّر ممّن حضرك، وعليك بالتثبّت عند سورة الغضب، وحميّة الأنف، وملال الصبر فى الأمر تستعجل به، ولعمل تأمر بإنفاذه، فإن ذلك سخف شائن (٣)، وخفّة مردية، وجهالة بادية، وعليك بثبوت المنطق، ووقار المجلس، وسكون الريح، والرفض لحشو الكلام، والترك لفضوله، والإغرام (٤) بالزيادات فى منطقك، والترديد للفظك من نحو: اسمع، وافهم عنى، ويا هناه (٥)، وألا ترى. أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصّرة بأهل العقل، الشائنة لذوى الحجا فى المنطق (٦)، المنسوبة إليهم بالعىّ، المردية لهم فى الذّكر. وخصال من معايب الملوك، والسّوقة عنها غبيّة النظر (٧) إلّا من عرفها من أهل الأدب، وقلّما حامل لها، مضطلع (٨) بها، صابر على ثقلها، آخذ لنفسه

стр. 982

بجوامعها، فانفها عن نفسك بالتحفظ منها، واملك عليها اعتيادك (١) إياها معتنيا بها، منها كثرة التنخّم والتبصّق والتنخّع والثّؤباء والتمطّى والجشاء وتحريك القدم وتنقيض الأصابع والعبث بالوجه واللحية والشارب والمخصرة وذؤابة السيف، والإيماض بالنظر والإشارة بالطّرف إلى أحد من خدمك بأمر إن أردته، والسّرار فى مجلسك، والاستعجال فى طعمك وشربك، وليكن طعمك متّدعا (٢)، وشربك أنفاسا، وجرعك مصّا، وإياك والتسرع إلى الأيمان فيما صغر أو كبر من الأمور، والشتيمة بقول: يا هناه (٣)، أو الغميزة (٤) لأحد من خدمك وخاصّتك، بتسويغهم مقارفة الفسوق بحيث محضرك أو دارك وفناؤك، فإن ذلك كله مما يقبح ذكره، ويسوء موقع القول فيه، وتحمل عليك معايبه، وينالك شينه، وينشر عنك سوء نبئه، فاعرف ذلك متوقّيا له، واحذره مجانبا لسوء عاقبته. استكثر من فوائد الخير، فإنها تنشر المحمدة، وتقيل العثرة، واصطبر على كظم الغيظ، فإنه يورث الراحة (٥)، ويؤمّن الساحة، وتعهّد العامّة بمعرفة دخلهم، وتبطّن (٦) أحوالهم، واستثارة دفائنهم، حتى تكون منها على مرأى العين، ويقين الخبرة، فتنعش عديمهم، وتجبر كسيرهم، وتقيم أودهم، وتعلّم جاهلهم، وتستصلح

стр. 983

فاسدهم، فإن ذلك من فعلك بهم يورثك العزّة، ويقدّمك فى الفضل، ويبقى لك لسان صدق فى العاقبة (١)، ويحرز لك ثواب الآخرة، ويردّ عليك عواطفهم المستنفرة منك، وقلوبهم المتنحيّة (٢) عنك. قس (٣) بين منازل أهل الفضل فى الدين والحجا والرأى والعقل والتدبير والصّيت فى العامة، وبين منازل أهل النّقص فى طبقات الفضل وأحواله، والخمول عند مباهاة النسب (٤)، وانظر بصحبة أيّهم تنال من مودّته الجميل، وتستجمع لك أقاويل العامّة على التفضيل، وتبلغ درجة الشرف فى أحوالك المتصرّفة بك، فاعتمد عليهم مدخلا لهم فى أمرك، وآثرهم بمجالستك لهم مستمعا منهم، وإياك وتضييعهم مفرّطا، وإهمالهم مضيّعا. هذه جوامع خصال قد لخّصها لك أمير المؤمنين مفسّرا، وجمع لك شواذّها (٥) مؤلّفا، وأهداها إليك مرشدا، فقف عند أوامرها، وتناه عن زواجرها، وتثبّت فى مجامعها، وخذ بوثائق عراها، تسلم من معاطب الرّدى، وتنل أنفس الحظوظ، ورغيب (٦) الشرف، وأعلى درج الذّكر، وتؤثّل سطوة العز (٧)، والله يسأل لك أمير المؤمنين حسن الإرشاد، وتتابع المزيد، وبلوغ الأمل، وأن يجعل عاقبة ذلك بك إلى غبطة يسوّغك إياها، وعافية يحلّك أكنافها، ونعمة يلهمك شكرها، فإنه الموفّق للخير، والمعين على الإرشاد، منه تمام الصالحات، وهو مؤتى الحسنات، عنده مفاتيح الخير وبيده الملك، وهو على كل شىء قدير.

стр. 984

فإذا أفضيت نحو عدوّك، واعتزمت على لقائهم، وأخذت أهبة قتالهم، فاجعل دعامتك التى تلجأ إليها، وثقتك التى تأمل النجاة بها، وركنك الذى ترتجى به منالة الظفر، وتكتهف (١) به لمعالق الحذر، تقوى الله ، مستشعرا لها بمراقبته، والاعتصام بطاعته، متّبعا لأموه، مجتنبا لسخطه، محتذيا سنّته، والتوقّى لمعاصيه فى تعطيل حدوده، وتعدّى شرائعه، متوكّلا عليه فيما صمدت (٢) له، واثقا بنصره فيما توجّهت نحوه، متبرّئا من الحول والقوة فيما نالك من ظفر، وتلقّاك من عز، راغبا فيما أهاب (٣) بك أمير المؤمنين إليه من فضل الجهاد، ورمى بك إليه، محمود الصبر فيه عند الله من قتال عدوّ الله للمسلمين، أكلبه (٤) عليهم، وأظهره عداوة لهم، وأفدحه ثقلا لعامّتهم، وآخذه بربقهم (٥)، وأعلاه عليهم بغيا، وأظهره فيهم فسقا وجورا، وأشدّه على فيئهم الذى أصاره الله لهم (٦) وفتحه عليهم مئونة وكلّا (٧) والله المستعان عليهم، والمستنصر على جماعتهم، عليه يتوكل أمير المؤمنين، وإياه يستصرخ عليهم، وإليه يفوّض أمره، وكفى بالله وليّا وناصرا ومعينا، وهو القوى العزيز. ثم خذ من معك من تبّاعك (٨) وجندك بكفّ معرّتهم، وردّ مستعلى جورهم (٩)، وإحكام خللهم، وضمّ منتشر قواصيهم، ولمّ شعث أطرافهم،

стр. 985

وخذهم (١) بمن مرّوا به من أهل ذمتك وملّتك بحسن السّيرة، وعفّة الطّعمة، ودعة الوقار، وهدى الدّعة، وجمام (٢) النفس، محكما ذلك منهم، متفقّدا لهم فيه تفقّدك إياه من نفسك. ثم اصمد (٣) لعدوّك المتسمّى بالإسلام خارجا من جماعة أهله، المنتحل ولاية الدين مستحلّا لدماء أوليائه، طاعنا عليهم، راغبا عن سنّتهم، مفارقا لشرائعهم، ببغيهم الغوائل، وينصب (٤) لهم المكايد، أضرم حقدا عليهم، وأرصد عداوة لهم، وأطلب لغرّات فرصهم من التّرك (٥) وأمم الشّرك وطواغى الملل، يدعو إلى المعصية والفرقة والمروق من دين الله إلى الفتنة، مخترعا بهواه للأديان المنتحلة، والبدع المتفرّقة، خسارا وتخسيرا، وضلالا وإضلالا، بغير هدى من الله ولا بيان، ساء ما كسبت يداه، وما الله بظلّام للعبيد، وساء ما سوّلت له نفسه الأمّارة بالسوء، والله من ورائه بالمرصاد، وسيعلم الّذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون. حصّن (٦) جندك، واشكم نفسك بطاعة الله فى مجاهدة أعدائه، وارج نصره، وتنجّز موعوده، متقدّما فى طلب ثوابه على جهادهم، معتزما فى ابتغاء الوسيلة إليه على لقائهم، فإنّ طاعتك إياه فيهم، ومراقبتك له، ورجاءك نصره، مسهّل لك وعوره (٧)، وعاصمك من كل سبّة (٨)، ومنجيك من كل هوّة، وناعشك (٩) من كل صرعة، ومقيلك من كل كبوة، ودارئ (١٠) عنك كلّ شبهة، ومذهب عنك لطخة
следующие страницы →