← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومنها: والسعيدُ منْ نَشَأ في دوْلَتِكَ، وظهر في جُمْلَتِك، واستضاء بغُرَتكَ، والفائزُ بالسبْقِ منْ لَحْظَتْه عُيُونُ رِعايَتِكَ، وكَنفه حِرْزُ حمايَتِكَ. ُفأنْت الذي أمِنَتْ بعدْله نوائبُ الأيام، وقويت بفضله دعائم الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتَخْضَعُ لجلالِكَ أعِزّة النُّفوسِ، بسابِقةٍ أشْهَرَ منَ الفجر، وفِطْنَةٍ أَنْورَ منَ البدر، وهِمَّةٍ أبْعدَ من الزهر: لقد فاز من أضحى بكم متمسِّكاً ... يمد إلى تليد عزّكمُ يدا سلَكْت سبيل الفضل خُلْقاً مُرَكَّباً ... وغيرُك لا يأتيه إلا تجلدا يُهَنِّيكُُمُ مجدٌ تَلِيدٌ بَنِيتُمُ ... أغار لعمري في البلاد وأنْجَدا وإنّما أهدي لمولاي خِدمتي، وأضع في ميزان اختياره همتي، لأمتاز في جملة عبيده، وأشهر في خِدْمَته وعديده: وما رغْبتي في عَسْجَد أستفيده ... ولكنها في مفْخر أسْتَجدُّه وكل نوالٍ كان أوْ هو كائنٌ ... فلَحْظةُ طرْفٍ منكَ عندي نِدُّه فكن في اصطناعي مُحسنا كَمُجَرِّبٍ ... يبن لك تقريبُ الجواد وَبُعْدُهُ إذا كنت في شك من السيف فَابْلُه ... فإمَّا تُنَفِّيه وإما تُعِدُّه وما الصَّارمُ الهنديُّ إلاَّ كغيره ... إذا لم يُفارِقْه النجادُ وغِمْدُهُ وكتب بعضهم بعد الصدر: ثم إنَّ شُكْري نِعْمَة اللَّه عَلَيَّ بِمَا جدَّدَهُ مِنْ ملاحظة سيدنا حالي، وتداركَهُ بطِبِّ التَّطَوُّل مَرَضُ آَمَالِي، بما لا أؤمِّلُ معَ المبالغة والإغْراق فيه، فَكَّ نفسي بحال من رِقِّ أياديه، غير أني أحسن لها النظر، وأُجْمل عليها الأُحْدُوثة والخَبَر، وأدْخُلُ في جملة الشاكرين؛ إذْ هو، أيَّده الله، كعبَةُ فضل، وغمامةُ بذلٍ، وحُسامُ حقٍّ، ولسانُ صدْقٍ، يحمده أولياؤه، ويشهدُ له بالفضل أعْداؤه،

стр. 212

والليالي بأفعاله مُشْرِقة، والأقدارُ من خوفه مُطْرِقة، ومازالَ، أبْقاه الله، يَنْصُرُ نباهتي عن الخمول، ويَسْتنْقِذُني منَ التَّعَبُّدِ للتَّأميل، فصرتُ أعجزُ عن أوصاف نعمَته شكراً، وتَنطِقُ حالي عن آثارها فخراً، فأقول: لما تحَصَّنتُ من دهري بخلعته ... سَمَتْ بحملانه ألحاظُ إقبالي وواصلتني صلاتٌ منه رُمْتُ بها ... أختالُ في حلل للجاه والمالِ فَلْيَنْظُرِ الدَّهرُ عقبى ما صبرت له ... إذْ كان منْ بعض حُسَّادي وعُذَّالِي ألم أكده بحسن الانتصار إلى ... أن صنْتُ حظي عن حل وتَرْحالِ بَلَغْتُ مَنْ لا تجوز السُّؤْلَ قائله ... ولا يدافع عن فضلٍ وأفضالِ ياعارضاً لم أَشِمْ مُذْ كنتُ بارقَه ... إلاَّ رَوِيتُ بغيث منه هطَّال رُويَد جُودك قد ضاقتْ به هِمَمِي ... وردَّ عنّي برغم الدهر إقلالي لم يبق لي أملٌ أرجو نداك به ... دهري لأنك قد أفنيتَ آمالي وكتب قريع دهرنا، وأديب عصرنا، الوزير الأجل أبو عمرو محمد بن عبد الله بن غياث شيخنا، في المعنى: الحمد لله موالي الآلاء، ومُسْبغِ النَّعماء، وجاعِلِ هذا الإقبالَ، المُوذِنِ بالإِقْبَالِ. عنوانُ الفتوحات التي تُفْتَحُ لها أبوابُ السماء، ويرتَبِطُها النصر ارْتِباط الري في الماء، ويخْدمها بالسعدِ الذي تتلاعبُ موادُّه بصروف الدهر تلاعب الأفعال بالأسماء، والصلاة على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء، الذي ما ضلَّ ولا غَوى، ولا نطَقَ عن الهوى، فتختلف عليه مختلفاتُ

стр. 213

الأهواء. السراجُ الوهَّاجُ الذي بهرتْ آياته، وأشرقت إيَاتُه وأَخْرَسَتْ معْجِزاتُه أَلْسِنَةَ الفصحاء البُلغاء، وصدعَتْ بأمر الله في تبليغ رسالاته عزماتُهُ مصمِّمَة المَضاء والإمضاء، ودعا فأسْمَعَ بالأسنة واللُّهى صُمَّ العِدا في الصخرة الصماء. والرضا عن الخلفاء الراشدين الهادين إلى السبيل السواء، السالكين منْ أفعاله وأقواله على المحجَّة الحنيفية البيضاء، بأخْلاق خُلِقْنَ من التمني فلاقت كل داء بالشفاء، وعن الإمام المعصوم المهدي المعلوم الكافي أكفَّ البغْي والاعْتداء، وعن أصحابه الأئمة الخلفاء المذخُورين للأمر العزيز يتوارثه الأبناء عن الآباء، وراثة مورث العَلْيَاءِ بما توارث من ثُراث الأنبياء: فغار الكفر في ظُلَم الدياجي ... ولاح الدينُ في حلل الضِّياءِ والدعاء لسيدنا ومولانا الخليفة الأتقى، ملجأ الدين الأوقى، الموفَّقِ الآراء، النافخِ أرْواح أشباح الأمل والرَّجاء بجميع الجهات والأرْجاء، المجْلي غياهب الظَّلْماء، عن أنوار الاقتداء، سيف الله المحلى بالمحامد والثناء، المعيد منارَ الكفر كمنبت الهباء، المصيِّر أهله كهشيم الغُثَاءِ: بعزم يلبس الأيام يُمْناً ... ويطوي الأرض منشورَ اللِّواءِ ونصرٍ للرياح به هبوبٌ ... لأقصى الأرض من غير انتهاء فَيُصْعِقُهُمْ بصاعقة المنايا ... ويمطرهم شآبيبَ الفناء وبعدُ، فإنه لما كانت هذه (الجزيرة الأندلسية) غربية المعنى على الإطلاق،

стр. 214

فذة الحسن باصطفاقٍ واتفاق، يتمثل بها في الآفاق، وتحدو بأوْصافها حداة الرفاق، وتُزْهى بمنظرها الرائق، وبخيرها الفائق على الشام والعراق، وكانت بين عَدُوَّيْن يقطعانِ عنها فيما سلفَ الإرفاق، من الأمن والأرزاق، أحدهما البحر الذي هي منه كالمِعْصَمِ في سوارٍ أوِ الخِصْر في نطاق. والثاني الكفر الذي أحدق بها إحداق الأشفار بالأحداق، وكانا يطمسان أنوارها كالأجفان للنواظر عند الإرْتِدادِ والإنْطباقِ، وكلاهما قد فَغَرَ عليها فاه لإضرامِ الأعْلاقِ، وإطْفاء الأنوار الواضحة الإشراق، حتى عاد بدْرُها هلالاً في قبضة المُِحاق، وكادت تبكي عيون السبعة الطباق، إلى أنْ تلافاها النَّظَرُ المهدي، والأمر الإمامي، فأحيا رمقها الخافت، وأَعَادَ كمالها الفائت، فاعْتَصَمَتْ منه أوثق اعتصام، وتوقَّتْ منه بأوقى واقٍ، ولم يزل النظر الإمامي يستمد لها على الدوام، ويلقيه خليفة إلى خليفه وإمامٌ إلى إمامٍٍ، فيقع منها موقع الماء الزُّلالِ على شدة الأُوام، إلى أنْ أفضى النظر إلى الخليفة العليّ الإمام المرضيّ، المَقْتَفِي، أثر المهدي أبي عبد الله محمد ابن الخلفاء الأئمة المؤيد بالنصر الحفيِّ، الذي لا يكتحل جَفْنه بمنام، ولا يخْلو خاطرهُ النَّيِّرُ عن اهتبالٍ بها وبغيرها وعنِ اهتمام، فأطلع بآفاقها بدر تمام، يحمل بين جوانحه إِقْبَالَ

стр. 215

ضِرْغَامٍ، في ذكاء إياس وعلم ابن العباس وحلم الأحنف ورصانة (رضوى) اختصاصاً بواحد جمع له ما في الأنام، مُنْبَسِط الوجه رحيبَ الصدر، يفيض بِكَفِّه منْ كل أَنْمُلَةٍ بَحْرُ إنْعامٍ، ويهْمِي بها من أفضاله واكفُ غَمامٍ، ويسُلُّ على منْ عاداهُ سيف انْتِقامٍ، يجْلبُ له الحِمام، قبل وقتِ الحُمام، وتَخْدُمُه صروف الدهر في كل مقامٍ، ويُيَسِّرُ له السعد كلَّ مرامٍ، حتى عادتْ لياليه مُشْرِقَةً كالأيام، مُجْلِيَةً دياجي الظُّلْمِ، وسَدف الإظلام. صنْوُ الخليفة الذي تُزْهى الدُّنْيا به شرفاً، ومُجْتَنِي الخلافة حسباً ونسَباً وسلفاً، المقتفي منْ سَنَنِ آبائه الخلفاء ما اقتفى، السيد المُعَظَّمُ الشأن، المُوَقَّرُ المكان أبو إسحاق المحتسبُ نفسه وبنيه وماله في نصر الدين وحياطة المسلمين قُرُباتٍ عند الله وزُلْفى، المجلّي من الضلال والمحال ظلماً وسَدَفاً، المُفْضي عزائمه حتى لا يَذَرَ على الأرض كافراً متمرداً ولا منافقاً متشوفاً، ولا عادلاً عن المحجة البيضاء الحنيفية ولا مُنْحرفاً. يقود جيوشاً يضيق عنها ذرعُ الزمانُ، ويخشى سطوتَها طارقُ الحدَثان، وينْصرفُ بأمر الله الذين هُم حزْبُه الملوان: فمن سره المحْيا فسمعٌ وطاعةٌ ... ومنْ يحسُد الموتى يُدِنْه بعصيان

стр. 216

ما منهم إلا روضةُ ندى، وهضْبةُ هدى، وغمامٌ يُحْتدى، وحُسامٌ به يَرْدى منْ يردى، ببأسهم على الدَّهر يُسْتَعْدى، وبأنوارهم يُقْتدى ويُهتدى، ملائكُ لكنَّهم في الحرب أسود عواجسُ لهم ملابس، قد استلموها للحرب فهي ملابس، كتائب ومواكب، تحسدها الكواكب، بَوَاسِلُ بأيديهم عَوَاسِلُ، كأن أْسنتهم النجوم، نثرتها سماء الدين العلي وفهي لشياطين الكفر رجوم، تقلَّدوا بوارقَ وأرْسلوها صراعق. لَيْلَهُم عَجَاجُهم، ونورُ التوحيد سراجُهم، بركاتهم قد وَضحَتْ وضوح النهار، ولاحَتْ كتائبهم مخايل الاسْتِبْشار: حملوا قُلوبَ الأسْد بين ضلُوعهم ... وَلَووْا عمائمهم على الأقمارِ وتقلَّدوا يوم الوغى هندية ... أمضى إذا سُلَّتْ من الأقدار ولله إقبالٌ نفخَ في شخص الأمن رُوحَهُ، وجر على الحقٍ كفَّهُ، فكان فسيحه، وشفى من الدين لواعجه وتباريحه، وأهبَّ على الكُفر زَعْزَعا ريحه، وركب على ليليه المظلمة سرجه ومصابيحه. فَبُشْرى ثم بُشْرى للأندلس والإسلام، وبحمص فكم قد تزخرفت لهذا الإقبال، كأنها جنَّة الرضوان، فادْخلوها بسلامنزَّه الله عن السرار بدور كمالهم، وضاعف إشراقاً أنوار جلالهم، ولا يضْحِنا من وارِفِ ظلالهم، ومنَّ علينا بِقَبُولهم وإقبالهم. ثم ختم الرسالة بهذه القصيدة الفريدة، التي تختال لها المعالي كما تختال بالحلي والحلل الكواعب الخريدة، وهي:

стр. 217

إذا لم يجبني الدهر حين أسائله ... سيتلو لسانُ الأمر ما أنا قَاِئلُهْ فللملأ الأعلى حديثٌ تُذيعه ... لنا ألْسُنُ الأيام فَهْي رَسَائلهْ صَحائِفُها إذْ تُجتلى صفحاتُها ... تبشر بالفتح الذي حان آجِلُهْ وهل جرت الأقدارُ إلا بِنصْره ... فآجِلُه فيه تساوى وعَاجِلُهْ أَمَا هو أمرُ الله ليس يَفُوتُه ... مراد إذا ما شاءه فهو فَاعِلُهْ ولما تشكَّت أرضُ أندلُسٍ وقد ... عراها من الشَّوق المبرِّح قَاتِلُهْ وألقت إلى الأنباء واعي سَمْعِها ... عسى الأمرُ قد زمَّتْ إليها رَوَاحله وحنت حنين الجذْع لكن رجاؤها ... يراسلها لا تحْزني وتراسله فمولاك مصروفٌ إليك اعتناؤه ... ولا شيءَ عن أسباب نصرك شَاغِلُه فقالت وأَنَّى لي بذلك برهةً ... وهذا مَحَلُّ الصبر أقوتْ منازلُه إلى أن تلافاها البَشير وجاءها ... كما جاء يعقوبَ القمِيصُ وحامِلُه وإذا سمعتْ ذكر البَشير تزخْرفت ... بزي جِنَان الخلد أو ما يشاكله وقابل شكواها الخليفةُ بالرضا ... فجدَّ وأبوابُ الفتوح تُقابله ووجَّه جيْشاً والسعود تقوده ... بحزمٍ كإعصار الرياح قَنَابِلُه دَرَارِ دوارٍ فوق أفلاكِ ضمَّرٍ ... تُريكَ ارتداد الطَّرف كيف تعاجله تباري الرياح العاصفات ولا يُرى ... لها أثرٌ في التُّرب حين تزاوله فَمِن مُنْعَلٍ بالبرق أجرَد سابحٍ ... سليمٍ شظاه لم يُحرَّقْ أباجِلُه

стр. 218

ومِنْ أخضَرٍ خاض الدجى إذْ سرى به ... وخاضت به نهر النهار أَسَافلهْ ومن أشقرٍ كالتبر إذ سال ماؤه ... عليه فغشَّاه من التِّبْر سائلهْ ومن أشْهَب كالشيب حلَّ بِمَفرقٍ ... فسال على المُسْوَدِّ منه يُزايلُهْ وورْدٍ ولكنْ كالدهانِ مهفهفٍ ... أقبَّ أسِيلِ الخد نَهْدٍ مراكِلُه عليه هِزَبرٌ ترجف الأرضُ خوفَه ... بَراثنه أسيافُه وعواسِلُهْ عجبت له في الحرب مرٌّ لقاؤُه ... وقد عذبت للواردين مناهلهْ عجبت له مُذْكانَ في المهد لم يزل ... يقوم به الملك الذي شُقَّ بازِلهْ أما هو سيفُ الله سُلَّ على العِدَى ... وما غمده إلا التُّقَى وحمائلهْ هو السيد الأعلى المحبب للورى ... هو الفذّ لكنْ لا تُعدُّ فضائله فأنَّى يُضَاهَى أو يُباهَى علاؤه ... وقد جمعتْ شملَ المعالي شمائلهْ قدومُ أبي اسحاق يُمنٌ ورحمةٌ ... وأمنٌ وفتح يجمع الكلَّ شاملُهْ فلله يوم قد تجَلَّى بأفقه ... وليس له بالأفق نورٌ يماثلهْ تَخِدْنَاه عيداً لا نرى العيد غيره ... أواخرُه محمودةٌ وأوائلهْ فقل لذوي الإلحاد ما كان ظنكمْ ... بذي لَجب لجَّاته وصواهلُهْ إذا أمَّ أرض الشرك تنشد أهلها ... صحا القلبُ عن سَلْمَى وأقصر باطِلُهْ

стр. 219

إذا حل حزبُ الله يوماً بساحتي ... أصيبتْ من الكُفر الصريح مَقَاتلهْ ألم يعلموا أنْ صالتْ الأسْدُ في الوغى ... وعنَّ لها لا تستطيع تُصاولهْ ألم يعلموا أن الغمام إذا همت ... سحائبه لا تستطيع تُسَاجِلُهْ ألم يعلموا أن البحار تمدها ... إذاهي فاضت بالنوال أَنَامِلُهْ ألم يعلموا أن الزمان تهابُه ... حوادثه في كل أمر يحاولهْ حُسامٌ ولكنْ في يد الأمر مرهفٌ ... سنانٌ ولكن في يد الحق عَامِلُهْ وهذا البيت مما أجاد فيه الاستدراك والتقسيم، ودافع في صدر كل حديث وقديم، سلك فيه مسلك البلغاء من المتأخرين، واحتذى حذو المجيدين منهم والماهرين، كقول أبي بكر بن عمار: غصنٌ ولكنَ النفوس رياضُهُ ... رَشَأٌ ولَكِنَّ القُلوبَ عَرَارُهُ وكقوله أيضاً: ببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليثٍ ولكن من براثنه الهندي وكقوله أيضاً: بدور ولكنَّ السماء محاربٌ ... وأُسْدٌ ولكنَّ العرين حروبُ وكقول حسان بن المصيصي:

стр. 220

جرَّ الذُّيول ولكن من محافله ... على التناد ولكن منْ شبا الأَسَلِ رجع تهيم به زُهْرُ النجوم بأُفْقها ... فَطَوراً تناجيه وطوراً تغازلُهْ وهل هي إلا من أسارير وَجْهِه ... فمن ذَايُبَاهيه سنىً أو يعادلُهْ فلا خَطْبَ إلا وَهْيَ عنه تذوده ... ولا حادث إلا وعنه تُنَاضِلُهْ إذا قيل شمسٌ فهي من بعض نوره ... وإن قيل بحرٌ فالبحارُ جَداوله ولو كان هذا البيت في مدح الرسول، لبلغ به غاية السُّؤل، وألقى إليه كل ناظم طائعاً وأعْطاه صَفْقة يده مبايعاً: فلو وَهَبَ الدنيا لأقسم أنها ... أقلُّ نوالاً للأنامِ يناوِِلُهْ ولولم يكن في كَفِه غيرُ نفسه ... لجاد بها فليتق اللهَ سائلُهْ لو أنَّ ما أولى الورى فاض في الثرى ... لضل به البحرُ المحيطُ وَسَاحِلُهْ قرارة علمٍ ثم رَضْوَى رصانة ... ودوحةُ فضلٍ ثَمَّرتْها فَوَاضِلُهْ له شيمٌ مأثورة الفضل لم تَزَلْ ... وسائلُ من أعْيت عليه وَسَائِلُهْ هَمَتْ ببساط الأرض سُُحْبٌ هباتُه ... وعمَّتْ جميع العَالَمِينَ نوافلُهْ سميَّ خليل الله أَنْدلسٌ غدت ... مقامٌ وحيث الغزو فيها تُواصله وأنت وَلِيُّ الله ناصرُ دينه ... ومن يخذُل الإسلام فالله خَاذِلُهْ وكل وَلِيٍّ أو عدوٍّ فإنه ... بما عامل الله الكريم يُعامله وياحمصُ بُشرى ثم بشرى عميمةٌ ... بحزب هدىً وافاك واللهُ كَافِلُهْ

стр. 221

قوله: ولو لم يكن في كفه غير نفسه البيت هو لمسلم بن الوليد وقد تمثل به أبو تمام في قصيدة له مدح بها المعتصم وفي مدح السيد أبي إسحاق هذا يقول الأديب الكامل أبو العباس أحمد بن شكيل ﵀ قصيدته الفريدة وهي: بُشْرَايَ دَالَتْ دَوْلَةُ المعْصُوم ... بِحَيَا العُفَاةِ وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ بِقُدُومِ إبْراهيمَ سَيِّدِنَا الرِّضَا ... قَدِمَتْ وُفُودُ السَّْعْدِ خَيْرَ قُدُومِ حَيَّتْ مُحَيَّاهُ المَواسِمُ والْتَقَتْ ... مِنْهُ العُيُونُ على أَغَرَّ وَسِيمِ وَتَحَدَّثَ الحيُّ الجَميعُ بِقُربِْهِ ... فَتَرَوَّحُوا في نَضْرَةٍ وَنَعيمِ فَالظِّلُّ مَمْدُودُ كَأَنَّا في ذُرى ... عَدْنٍ بِهِ وَالشُّرْبُ منْ تَسْنِيمِ وَالأَرْضُ رَاجِفَةٌ وَما رَجَفَاتُهَم ... إِلاَّ لِأَنَّ بِهَا قُلُوبَ الرُّومِ

стр. 222

شَهِدَ الزَّبُورُ بِهَا وَللإله ... فَضْلاً عَلَى المَنْثُورِ وَالمَنْظُومِ عَذُبَت مَوَارِدُ جُودِهِ فَلَوَ انَّنِي ... أوُرِِِدْتُهَا لَشَرِبْتُ شُرْبَ الهِيم حَاوَلْتُ مِدْحَتَهُ فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ ... مَا لَيْلُ مَهْجُورٍ وَلَيْلُ سَلِيمِ تَبِتُ القَوافِي في يَدِي فَأَنِسُّهَا ... بِجَلاَلِهِ فَتَفِرُّ مِنْ تَنْظِيمِ حتَّى كَأَنِّي مُفْحَمٌ أَوْ أَنَّ بِي ... عِيّاً وَذَاكَ العِيُّ غَيْرُ ذَمِيمِ وَلَقَدْ وَثِقْتُ بِحِلْمِهِ فَنَظَمْتُهَا ... سَعْياً لَعَمْرُكَ لَيْسَ بِالمذْمُومِ مَدْحُ الأَمِيرِ ابنِ الخَلِيفَةِ قُرْبَةٌ ... للَّهِ كَالتَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ قُلْ لِلَّذي شَادَ النَّسِيبَ مُقَدِّمًآ ... مَدْحُ الأَمِيرِ أَحَقُّ بِالتَّقْديمِ فَإِذَا طَرِبْتَ إلى النَّسِيبِ فَنَفْثَةٌ ... بَعْدَ الصَّلاَةِ عَلى ذَوِي المَعْصُومِ وَإِذَا بَلَغْتَ إلى الخِيَامِ فَبَلِّغَنْ ... مِنِّي الخِيَامَ وَدَائعَ التَّسْلِيمِ لَهْفِي عَلَى حَيِّ حَلاَلٍ قَوَّضُوا ... خِيَمَ الرُّبَا لِبِنَاءِ خَيْم الخِيمِ وَمَضَوْا وَلَوْ أنَّ النُّجُومَ نَوَاظِرٌ ... عَارُوا عُيُونَ الشُّهْبِ بالتَّغْييِمِ

стр. 223

وَلأَنَّ عَيْنَ الشَّمْسِ عَيْنٌ رَفَّعُوا ... ظُلَلَ العَجَاجِ عَلَى عِمَادِ الكُومِ لاَثُوا مُدَثَّرةَ السُّجُوفِ وَظَلَّلُوا ... فَوْقَ الحُدُوجِعلى شَقِيقَةٍ رِيمِ قَمَرَ الجَمَالِ فَسَلْ بِهَا وَبِخِدْرها ... مِنْ هَالَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِنُجُوم جَرَّبْتُ لَذَّاتِ النُّفُوسِ فَلاَ أَرَى ... كَالرَّكْبِ يَخْبِطُ في حَشَى الدَّيْمُومِ مُتَرَنِّمِينَ عَلَى ذُرَى كِيرانِهِمْ ... وَصَرِيرُهَابَدْلٌ مِنَ التَّرْنِيمِ في كُلِّ طَامِسَةِ الصُّوَى لاَ يَهْتَدِي ... فيها الدَّليلُ بِمَعْلَمٍ مَعْلُومِ كانتْ صَحائفُ قفرها غُفْلاً فَقَد ... رَسَمَ السُّرَى وَخْدِي بِها ورَسِيمِي قُلْ لِلْمَطِيِّ تَجَلَّدِي لاَ بُدَّ مِنْ ... صِنْوِ الخَليفَةِ فَاقْعُدِي أَوْ قُومِي سِيري على اسْمِ اللَّه في أمَلي فَقَدْ ... ضَمِنَ المَطَالِبَ جُودُ إِبراهِيمِ سِيري إلى مَلْكٍ رِضىً في مَالِهِ ... حَقُّ لِسَائِلهِ ولِلْمَحْرُومِ القَائِدِ الخَيْلَ العِتَاقَ كَأنَّها ... سِيدَانُ رَمْلٍ أو نُجُومُ رُجُومِ

стр. 224

فِيهَا قَتَاتُ الطَّيْر يَرْتَعُ بِالضُّحَى ... وَلها انْقِضَاضَةُ لِقْوَةٍ يَحْمُومِ نَضَحَ الحَمِيمُ جُلُودَهَا فَتضوَّعَتْ ... فكَأَنَّ مِسْكاً رَشْحُ كُلِّ أديمِ مِنْ كُلِّ وَرْدٍ خَاضَ بَحْراً من دمٍ ... فنَجا بِلَوْنِ الأَحْمَرِ المَذْمُومِ أَوْ أَشْقَرٍ غَشَّتْه شَمْسُ جَبِينِهِ ... شَفَقاً وَعِطْفَاهُ هُبُوبُ نَسِيمِ أَوْ أَصْهَبٍ شَرِبَ المُدامَ أَدِيمُهُ ... فأقلَّ فارِسَهُ بِرَسْمٍ قَدِيمِ أَوْ أَشْهَبٍ رَقَمَتْ قَرَاطِسُ جِلْدِهِ ... فأتى الوَغى بكتابِه المرْقومِ أَوْ أَبْلَقٍ كَالقِدْحِ يَحْسِبُ أَنَّهُ ... قَدْ قُلِّدَتْ مِنْهُ الوَغَى بِبَرِيمِ أَوْ أَدْهَمٍ أَرْخَى الظَّلاَمُ سُدُولَهُ ... مِنْه ُعَلَى طِرْفٍ أَحَمَّ بَهِيمِ خيلُ الأمير أعَدَّها فَكِلاهُما ... خَلَفٌ مِنَ النُّعْمانِ واليَحْمُومِ يا خَيْلَ موْلانا أبِيني حالَةً ... فلَقد خَلَطْتِ الضُّمْرَ بالتَّطِهِيمِ أمَعَ الأعِنَّةِ تَمْرحينَ تَجاذُباً ... وعلى الكَتيبَةِ شِدَّة التَّصْميمِ

стр. 225

إنْ كُنْتِ غزِلانَ الصَّريمَةِ فاسْنَحي ... أَوْ كُنْتِ عِقبانَ السَّراء فَحُومي لمَّا استهلَّ بها الثّغُورَ صَوارِخاً ... طَلَعَتْ طُلُوعَ العارِضِ المركومِ تقعُ السَّنابِكُ بالصَّفا فتَرى بهِ ... آثارَها كالطَّابَعِ المخْتُومِ قالتْ جُموعُ الرُّومِ حينَ وَطِئْتَهُمْ ... وَيْلٌ لِبيضِ رُؤُوسِنا المَخْطوم فيها بُرُوقُ المَشْرَفِيَّةِ لُمَّعاً ... تَعِدُ الكُماةَ بجَحْفَلٍ مَهْزُومِ والزَّاعِبيَّةُ كُلِّ صِلٍّ مُطْرِقٍ ... شرِهٍ لسدِّ المُهْجَةِ المَكْتُومِ والخافِقاتُ كأنَّ أفْئدة العِدى ... أكْسَبْنَها الخَفَقانَ بالتَّعْليم والمُسْرَداتُ منَ الدِّلاص كَأَنَّها ... عَرْضَ السَّلامَةِ رَدٌّ للتَّجْسيمِ وأراكَ في الجَيْشِ اللَّهامِ وأهْلِهِ ... قَلْباً يُصانُ بِجُؤْجُؤٍ وحَزيمِ

стр. 226

وَلَوِ انفَرَدْتَ من الفوارِسِ للعِدى ... لَهَزَمْتَهُم بالآيِ منْ حامِيمِ اللَّهُ حِزْبُكَ لا الخمِيسُ وأهْلُهُ ... والنَّصْرُ جنْدُكَ ليْسَ كُل شَتيمِ إنَّ الإمام رآكَ في أعْمالِهِ ... كالبَدْرِ يسْطعُ ليلةَ التَّتْميمِ فَرَمى ظلامَ الظُّلْمِ منْكَ بِنَيِّرٍ ... عَدْلٍ رَؤُوفِ بالعِبادِ رحيمِ يَقِظٍ نِقابُ ظُنُونِهِ كَيَقينه ... إنَّ العُلُومَ نتَائجُ التَّرجِيمِ باتَ الطُّغاةُ على المَضاجِعِ غُفَّلا ... عمَّا يُرادُ وباتَ غيرَ نَؤُومِ تَأْبَى السِّياسة أنْ يُهَوِّمَ ساعَةً ... أنَّى تَحامِي الملْكِ يالتَّهْويمِ وَهْوَ الحَكِيمُ يزينُهُ سَفَهُ الَوَغَى ... إنَّ الحَليمَ هُناكَ غيرُ حليمِ بَشِّرْ يتامى المُسْلِمينَ بوالِدٍ ... مِنْهُ يَحُوطُ ذِمارَ كُلِّ يتيمِ والمُمْحِلاتُ منَ البلادِ بوابلٍ ... منْ جُودِهِ يُحْيِي الأنامَ سُجُوم وَلْتُنْذِر الرُّومَ الطُّغاةَ بِعاصِفٍ ... من باسِهِ مثلَ الدَّبُورِ عقيمِ ظَنُّوا بِهِ قَدْ زَارَهُمْ مُتَوشِّحاً ... بنِجَادٍِ عَضْبِ الشَّفْرَتَيْنِ صَمِيم في عُصْبَةِ التَّوْحِيدِ يَقْدُمُهُمْ بِأبَّ ... هة الجَلالةِ في حُلى التّكْريمِ يَرْتَدُّ طَرْف العَيْنِ عَنْهُ مَهَابَةً ... ويَجِلُّ لَوْلا الحِلْمُ عنْ تَكْليمِ

стр. 227

فَإِذَا تنَادَيْنَا بِحَضْرَتِهِ رَوَت ... عَنَّا النُّحَاةُ غَرَائِبَ التَّرْخِيمِ وَإِذَا رَأَوْا جَرْيَ القَضَاءِ بِأمره ... فهِمُوا يقينَ الحزْمِ والمَحْزُومِ كمْ ذا أفَضِّلُ مَدْحَهُ وَلو انَّني ... كنْتُ ابن صفوانٍ خطيبَ تميمِ لَعَجزْتُ عَنْ وَصْفِ الأَمِيرِ وإنَّما ... يُومي الخديمُ بمقصِدٍ مَفْهومِ أَجِدُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ يَعْدِلُ حجَّةً ... وَعَلى ذَويهِ كَعُمْرَةِ التَّنعيمِ إِنَّ القَوَافِي ذُو تَقِلُّ لِقَدْرِهِ ... ليقل عنها قدْرُ كلِّ عظيمِ إِنْ كُنَّ دُرّاً فَهْيَ مِنْ تَنْظِيمي ... أوكُنَّ زُهْراً فَهْيَ منْ تَنْجِيمي وَإِذَا انتَسَبْنَ نَمِينَ أَكرَْمَ مَعْشَرٍ ... منْ آلِ قَحْطانٍ وأشْرَفِ خيم صَدَفِيَّةٌ كِنْدِيَّةٌ تَرْعَى المُنى ... فلَرُبَّما أكَلَتْ مُرَارَ سُمُومي دُفِنَتْ بِأَنْقَرَةٍ مَعَ الضِّلِّيلِ فَاسْ ... تَخْرجْتُهَا مِنْ ثَوْبِهِ المَسْمُوم عَرَبِيَّةٌ في بُقْعَةٍ عَجَمِيَّةٍ ... فرَّتْ إلى صدْري من التَّعْجيمِ فَمَنِ ادَّعَى السِّحْرَ الحَرَامَ فإنني ... بِحَلالِ هذا السِّحْرِ حَقُّ زعيمِ وَإِلى أَبِي إسحَاقَ مَوْلاَنَا الرِّضَى ... يَا نَفْسُ أَمِّي جَلَّ مِنْ مَأْمُومِ

стр. 228

وَخُذي أَمَاناً مِنْ زَمَانِكِ عنده ... فلقد أجازَ عليكِ حُكْمُ ظَلُومِ مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الخُطُوبَ بأنني ... آوي لِرُكنٍ ليْسَ بالمُهْدُوم فات الغنى كفي فكم من حاسد ... فَرحٍ وكَمْ مِنْ صَاحِبٍ مَهْمُوِم فطلبت جدواه ليحْدقني غنىً ... سِيَّاَن فيه حَاسِدِي وحَمِيمِي ورجوت خدمته لِيَخْدُمَنِي الورى ... فَأَفُوزَ باسْمِ الخَادِمِ المَخْدُومِ قال أبو إسحاق: قد جئت بهذه القصيدة على طولها، وأثبتها بكمالها، لانطباعها، وقلة فضولها. وكل مُنْصف يشهد بِتَفْضِيلها. فبمثلها يحل الكتْب ويسير حيث شاء الرَّكْبُ، ولله درُّ أبي العباس فلقد كان في النظم طويل الباع، كثير الانطباع، متأخراً بذَّ الأوائل، وحط من مراتبه كلَّ مُتَطَاوِل وقوله: فإذَا تَنَاديْنَا بِحَضْرَتِهِ رَوَتْ ... عَنا النحاة غرائب التَّرْخِيمِ يريد أن السيد الممدوح ذو هَيْبَة ووقَارٍ وسكينة وجلالة، فإذا تنادوا بحضرته تنادوا بلفظ خفيف سهل، لأن الترخيم تخفيف اللفظ وتسهيله، فإذا قلت: رخم الاسم فمعناه سهَّل النطق به بحذفك منه. قال الأصمعي: أخذ عني الخليل معنى الترخيم وذلك أنه لقيني فقال لي: ما تُسَمِّي العرب الكلام السهل؟ فقلت له: العرب تقول: جارية رخيمة: إذا كانت سهلة الكلام قالذو الرمة فأوضح معناه:

стр. 229

لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ فالهراء الكثير، والنَّزْرُ القليل، فأراد أن كلام هذه الجارية محذوف الأطراف، ليس فيه زيادة على ما يراد، فعمل الخليل باب الترخيم. وأنشدني بعضُ أشياخي قولابن المعتز وهو من أملح ماقيل في تكرير اللفظ وأحسنه، وفيه ذكر الترخيم: لساني لسري كتومٌ كتوم ... ودَمعي بحُبي نَمومٌ نَمُومُ ولي مالكٌ شفَّني حُبُّهُ ... بديعُ الجمال وسيمٌ وسيمُ لهُ مُقْلَتا شادِنٍ أحور ... ولفظٌ سحور رخيمٌ رخيمُ فَدمْعي عليه سجومٌ سجومٌ ... وجِسْمي عليه سقيمٌ سقيمُ ومما يستَحسنُ أيضا من تكرير اللفظ، قول الفقيه أبي غالب منصور بن إسماعيل لكنه في طريق الزهد، ومقصد أولي التوفيق والرشد، وهو: إذا كنتَ تَزْعم أن الفراق ... فراق الحياة قريبٌ قريبُ وأن المقدّمَ ما لا يفوت ... على ما يفوت معيبٌ معيبُ وأنَّ المعدَّ جهازَ الرحيل ... ليوم الرحيل مصيبٌ مصيبُ

стр. 230

وأنت على ذاكَ لا ترعوي ... فأمرك عندي عجيب عجيب وزاد الهروي محمد بن القاسم من قوله: وأنَ الموفَّقَ في الحالتين ... لقصْدِ السبيل عجيبٌ عجيبُ وقرأ علي بن أبي طالب ﵁، وجملة من الصحابة، ابن مسعود وغيره (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)، وتبعهم على هذه القراءةسليمان ين مهران الأعمش قال أبو الفتح عثمان بن جني هذا منْ أحَقِّ الأشياء بالترخيم، لأنه موضع قد ذهبت فيه قُوَاهُمْ، ولم ينفعهم شكواهم، فضعُفوا عن تتميم نداء مالك؛ خازن النار وابن صفوان الذي ذكر أبو العباس، هو خالد بن صفوان، وكان إذا ذكر الغريب من الكلام بحضرته قال (ليس هو بغريبٍ وإنَّما نحنُ الغُرباء فيه). وقوله: إنَّ القوافي ذو تقلُّ لقدره البيت جاء به على لغة طيء، لأنها تجعل ذو مكان الذي ولا تغيره عن حاله في جميع الإعراب بل يجيء به على هيئة واحدة في إفراده وتثنيته وجمعه، وتذكيره وتأنيثه. قال أبو حاتم: وهي لغة كثير من فصحاء العرب.

стр. 231

وأنشد أبو زيد: فإنَّ بيتَ تميم ذو سمعْتُ به ... فيه تَنَمَّتْ وأرْستْ عزَّها مُضَرُ ومثله قول الحسن بن هانئ: حُبُّ المدامة ذو سمعتُ به ... لم يُبْقِ فِيَّ لغيره فَضْلا وقوله: (يا نفس أَمِّى جل من مأموم) معناه اقصدي. يقال منه: أمَّه يؤمُّهُ أَمّاً: إذا قصده. والأمَّةُ الجماعة من هذا المعنى، لأنها تؤم جهة واحدة، ومنه الأمة: القُدْوَةُ للأنامِ في الخير. كقوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ) لأنه يُؤتَمُّ به ومنه الأُمَّة: القَامَةُ لأن العين تمتد إليها وتؤُمُّها. ومنه أيضاً الأمة: الاستقامة، لأنها تَؤُمُّ، أي تقصد على طريقة واحدة خلاف التخليط في المذاهب. ومنه أيضاً الأُمَّةُ: الحين، للجماعة التي تَؤُمُّ جهة واحدة. ومنه أيضاً الأُمَّة: أَهْلُ المِلَّة الواحدة كقولهم: أُمَّة موسى، وأمة عيسى، وأمةمحمد صلى الله عليهم وسلم. ذكر معنى هذا كله أبو عبيدة معمر بن المثنى. والمأمومُ: المقصود إليه، والمأْموم: المصلي خلف الإمام. والمأْمُومُ الذي شُجَّ مَأْمُومُه، وهي من الجراح التي تبلغ أمَّ الدماغ، وأمُّ الدماغ هي الجلدة التي قد جمعته. قال ذو الرمة:

стр. 232

كأنَّهُ بين شرْخَيْ رَحْلِ ساهِمَةٍ ... حَرْفٍ إذا ما استرقَّ الليل مأمومُ أي مشجوج. ورجلٌ مَمُومٌ: إذا أصابَه المُومُ. وقوله: (ورجوتُ خدمَته ليَخْدُمني الورى) البيت، من قول أبي تمام في أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري: ومنْ خَدَمَ الأقوامَ يَرْجو نوالهم ... فإني لم أخْدُمْكَ إلا لأخْدما ومثله أيضا قول أبي جعفر محمد بن عبد الملك في الحسن بن سهل من قصيدة له: لم أمْتَدِحْكَ رجاءَ المال أطلبه ... لكنْ لتُلبِسني التحجيل والغُرَرَا ومن مدائح الأديب أبي العباس قوله: اللَّهُ أكْبَرُهذا وَجْهُ إسْحاقا ... هَذَا الهِلاَلُ وهذا الشمس إِشْراقَا هَذَا الإمامُ الذي طَابَتْ مَخَابِرُهُ ... وَطَابَ نَفْساً وأغْصاناً وَأَوْرَاقَا هذا الَّذي جِيدَت الدنيا بنائلِهِ ... وَأَوْرَقَ الصَّخْر مِنْ جَدْوَاهُ إيرَاقَا هذا الّذي أَمِنَ الفجّ العميق بهِ ... وطَيَّر الرومَ وَالصُّلْبَانَ إِشْفَاقَا هذا الذي هَجَرَ الأوطانَ مُحْتِسِباً ... في طَاعةِ اللَّهِ يُفْنِي العُمْرَ إِنْفَاقَا

стр. 233

يا فَرْحَةَ الثَّغْرِ بِالمَلْكِ المؤَيَّد بَلْ ... يافرحةَ الدِّين وَالدُّنْيا بإسْحَاقَا لمَّا تَجَلَّى رَأتْهُ عَيْنُ طَاعتنَا ... جَمراً فَأَعْضَاؤُنا قَدْ صِرْنَ أَحْدَاقَا لَكِنَّمَا مُقْلَةُ الإِذْفُنْشِ قَدْ شَخَصتْ ... فَمَا تُدِيرمن الإِطْرَاقِ حِمْلاَقَا في قَلْبِهِ مِنكَ نِيرَانٌ مُسَعَّرَةٌ ... تُفْنِي الجَوَانِحَ إِلْهَاباً وَإِحْرَاقَا نَزْلُ الجَحِيمِ أَتَاهُ قَبَلَ مَهْلَكهِ ... فإِنْ تَمَادَى بِهِ كُفْرٌ فَقَدْ ذَاقَا في أبيات غير هذه، وفي قصائده انطباع وتطويل، يشهدان له بالتقديم والتفضيل. وقد أثبت من كلامه في هذا الديوان ما يعذُبُ سماعُه، ويحسن استطلاعه. وكتب أبو النصر: أطال الله بقاء الأمير الأجل صفوة المجد الصميم، وغُرَّةِ الزَّمَنِ البهيم الذي استظهرتِ المعالي بعُلياه، وفَخَرَتِ الأواخر على الأوائل بِلُقْياه، للملك يُبْرئُه من أوْصابِه ويُبْقيه في قِصابه، ويَقيه من استلابه واغتصابِه. قد تحولت الرئاسة، أيدك الله، إذْ تحولت عنها حِوَلاً، وعاثَتْ فيها الأيامُ، وكانت لها خَوَلاً، فعادتْ كالأفْقِ غابت شمسه، والجسد ذهبتْ نفسه، والأنامل عَدِمَتْ ظُفْراً، والدِّيارِ الأوائل أصبح أهلها سفر المُحَصِّبِ غداة النَّفْر، أوْ كنصيبِ بَعْلِ ليلى بالجَفْرِ فهي تبدو كالمعصم فارقه السوار، والكِمام تساقَطَ عنه النُّوَّارُ. لا تتحركُ من سكونها، ولا تَأوي طيرُ الآمال إلى وكونها. وكيف

стр. 234

ينبسط انْقباضُها؟ ويرتَفِعَ بَعْدَكَ انْخِفاضُها، وكنتَ لها بدْراً فهَجَرْتَ مطلعها، وفُؤاداً فأقْفَرْتَ أضْلُعَها. وكمْ راقتْ بكَ صفْحَتُها، وهَبَّتْ بأذكى من المسكِ نفْحَتُها، حتى كأنَّ الشبيبَةَ حَشْوُ لِوائها، أو الغزالَةَ بعض أضوائها. فأجْفانُها عليكَ باكية، وإليكَ بَمَضََضِ الثَّكل شاكية. تتفجَّع على ملِكِ كانَ لها جَمالاً، وتتوجَّعُ على سِيَرٍ غَدَتْ لها يميناً وشمالاً. ولئن فارقت منها معهداً مألوفاً، ومشهداً بالكتائبِ محفوفاً، بما يبدو منها سِنَانٌ لامِعٌ، ولا يَغْدو لها مُطيعُ ولا سامِعٌ. وكيف يُؤلفُ جسمُ بغير فؤاد؟ ومَنَ يَرْكَبُ نُمُوراً بعد جواد؟ وما تركتها إلا بعد أنْ ألْحفْتَها بالبهاء، وأَجْرَيْتها إلى أمد الانْتِهاء. وقد تُهجَرُ نفائس الأعْلاقِ، وتبلى المليحة بالطلاق. ولم تُحَطَّ - أيدك الله - إنّما الملك حطَّ من فلكه، وعُطِّل منْ حُلى مُلْكِه. فالنُّجومُ إذا غارت أوْرَثتِ المطالع ارْتِداداً، وكستْها بعد الإنارة تعداداً. والتاج تضربه المفارقُ، ويَهُونُ بعده المفرقُ المُفارقُ، والشمس تتَهاداها المغارِبُ والمشارقُ. وله في المعنى وضمنها شكية. أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصِر الدين، الذي أشرق به الإسلام وأنار، ولاح به للعدل علم ومنار، للحقائق يجلو ظلامَها، ويُزيلُ عنْ يد الباطل زمامها. قد أوْلاَني - أيَّده الله - من إسْعافه، ووطَّأني من أكْنافه، وثنى إليَّ من عدله وإنصافه، ما عصم حالي من اختلالها، وشفاها من اعتلالها، فما تألَّمْتُ من حادث إلاّ شَفاه، ولا شَكَوْتُ من أمر كارثٍ إلا كفاه، والله يقارضُهُ بثوابٍ يعدو لديه حاملاً، ويجعله في الحشر كالئاً وكَافِلاً، بمنِّه.

стр. 235

ووقع - أدام الله تأييدَه - أمرٌ فزِعْتُ إليه في وقْعه، ورجوتُ إليه جبرَ صدعه، وذلك أنَّ فُلاناً، وفَّقه الله فيما جُعِلَ إليه، وأوضحَ له مُشْكِل ما يقع بين يديه، لم يَقْنَعْ منِّي مُنْذُ وليَ إلا بالتَّحَيُّفِ والاهْتضَامِ، والمثول بين يديه في المحاكمة والاِخْتِصَام، ولم يرض بوكيل يكون عِوضاً، وأجعلُ أمري إليه مفوَّضاً، فعدلتُ - أيدكَ الله - أحكامي عنه، وأَزَلْتُها منه، وآليْتُ أنْ أصرفها إلى منْ يُزيلُ تخْييلها، ويسْلُكُ بها سبيلها. وقد كان خاطبه القاضي فلان - وفَّقه الله - بعقودٍ، أَثَارَتْها غَوائِلُ وحُقُود، لَيس بها على مُثْبِتِها، ولَيْس عليه قبل تَثَبُّتِها. فلما أعادَ نظرها، وأجاد تدبرها، بان لديه تَدْليسُها، واستبانَ إليه تَلْبيسُها، فشاوَرَ، الفقهاء بالأندلس والعدوة، واتخذهم قادة وهو القدوة، فأجْمَعُوا على تَقْطيعِها، والتَّنْكيل لمُشيعِها ومُذيعِها. ونفذَتْ بذلك فتاويهم، واتفق عليها قاضيهم، فتلوَّمَ فلان المذكور في ذلك واشتمل عليها واحتوى، ثم زعم أنها ضاعت من مُسْتَوْدَعِه، وأُخِذَتْ من مرْفَعِه. وأنا أضْرعُ إلى أمير المسلمين - أيده الله - في مُخاطَبَتي بإِسْلامِها إليَّ، وصرفها عليَّ، والله تعالى يُبْقيه للعدل سِرَاجاً وهَّاجاً، ولا يُبقي به منَ الأمور اعوِجاجاً. وله في مثل ذلك: أطال اللَّهُ بقاءَ الأمير الأجل، ناصر الدولة، ومحي الملة، الحميد الشِّيِم، البعيد مناطَ الهمم خافقة، وآياتِ الأمل نافقة، لديه سنياتُ الأعمال، لو أنَّ النجومَ - أيدك الله - عن أفْلاكِها مُنْتَقِلَةٌ، وبمنازلها مسْتَبْدِلة، لَمَا اتَّضحت إلا في جَبِينِكَ، ولا ارتاحتْ إلا إلى يمينك. هذا ومنها الثُّريَّا والسِّماك، ومَطالعها بروجٌ وأفْلاك. فكيف لا تَحْتَشِدُ لديك الهمم، وتَرِدُ موارِدَ نداكَ الأممُ، ومَكَانها

стр. 236

حضيض، وليس لها إشْراقٌ ولا وميض. وإنِّي وإنْ كُنْتُ منْ هذا الصِّنْفِ الأرضي، والجِنْسِ البشري، فلي نفسٌ لا تقْنَعُ بمكانِها، ولا تقِرُّ إلا في مرفعِ كيوانها. فهي لا تُعَرِّجُ إلا على السُّها، ولا تتفرَّجُ إلا في سدرة المنْتَهَى ولذلك لم تُبد الابْتِسامَ إلا إلى مُلْكِك، ولم أرَ الانتظام إلا في سلكك، وقدْ سرتُ مسير الشمس، ولم يبقَ لي غَيْرُكَ من ملوكِ الإنس، فما استسغْتُ عند ملِكٍ لهم جيشاً، ولا وجَدْتُ رقيقَهم إِلاَّ خَيْشاً، فعَلِمْتُ أنّي في فنائك أستقر، وأنَّ عَيْني باجتلاء عينك تقر، فقوضتُ إليك رَحْلي، وبَشَّرْتُ بخِصبكَ مَحْلي، وجَعَلْتُ أخُبُّ وأخِذ، ولا ألْوي على منْ أجد، إلى أنْ فَرَغْتُ من الأرض وصحوتُ منْ سراها، وقُرِّبَتْ لي الفُلْكُ فقلتُ: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) وما زلتُ بين قوادمها وخوافِيها، ألاحِظُ المنايا حيناً وحيناً أُوافيها، حتى حطَّ لي في جانِبِ حضرتِكَ الشراعُ والسَّفينُ، وآويتُ منها (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) فقلت (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) وقَدَّمْتُ كتابي بين يدي لقائي، وجعلتُه طليعة رجائي، ورَأْيُهُ - أيده الله - فيما يراه منْ تنويه الوصول، والتوجيه المأمولِ. إن شاء الله.

стр. 237

قال أبو إسحاق: لم يذكر أبو نصر في جوازِ البحر إلا ثلاثَ كلمات، وأعْرَضَ عن ذلك إعْراضَ الخاشع عن الملْهيات، وأمْسَكَ عنه إمساكَ الزّاهد عن الشهوات، وأيْنَ هو من قول أبي الوليد بن حزم طود الذكاء والفهم في أبي العلاء بن زهر حيث يقول: يا بن زُهرٍ طإِ الثريا عبيراً ... وحصى البيد لُؤلؤاً وعقيقَا وتلقَّ الهواء وهو طليق ... كمحياك حين تلقى الصديقا ما ترى الريح كيف هبتْ رخاء ... لك بعد الهبوب ريحاً خَرِيقَا وضحى البحر هيبةً لك لمَّا ... جئته سالكاً عليه طريقا غمَرَتْه من راحتيك بحارٌ ... صاح من وجهها الغريق الغريقا فَرِقَ اللج منه حين استطارت ... منه أحشاؤه فريقاً فريقا جُزْهُ ياابن الكرام أرضاً ذلولا ... أو فَقُدْه إنْ شئتَ طِرفاً عتيقا وانتض الحزمَ حيثُ كنتَ حساماً ... واصحب النُّجْحَ حيث كنت رفيقا

стр. 238

وتفيأ عُلاكَ ظِلاًّ ظليلا ... وتنشَّق ذكراكَ مسكاً فتيقا ومنْ قولالرُّصافي أبي عبد الله المنزه عن التعقيد والاستكراه، حيث يقول في هذا المعنى من قصيد فريد له في ملك متواضع أوَّاه: تسنَّم الفلكَ في شط البحار وقد ... نودين ياخير أفلاك العلا سيري فسرنَ يحملن أمر الله من مَلِكٍ ... بالله منتصرٍ بالله منصور تومي له بسجودٍ كلّ مَحْرَكة ... منها ويوليه حمداً كلّ تصدير لما تسابقن في بحر الزُّقاقِ به ... غادرن شطيه في شك وتَحيير أهزَّ منْ موجه أثناء مَسرور ... أم خاض من لُجِّه أحشاء مذعور كأنَّه سالك منه على وشلٍ ... في الأرض منْ مُهَجِ الأسياف مقطور من السيوف التي ذابت بسطوته ... وقد رمى نار هَيْجاها بتسعير ذو المنشآت الجواري في أجرَّتها ... شكلُ الغدائر من شكلٍ وتضْفير من كل عَذْراء حُبْلى في ترائبها ... ردْعانَ منْ عَنْبَرٍ وردٍ وكافور تخالُها بين أيدٍ منْ مجاذِفِها ... يَغْرَقْنَ في مثل ماء الورد مَبْخُورِ

стр. 239

ورُبَّما خاضَتِ التيارَ طائرُهُ ... بمثل أجْنِحة الفَتْحِ الكواسير كأنَّما عبَرَتْ تحْتالُ عائمَةً ... في زاخرٍ منْ ندى يُمْناهُ معْصورِ حتى رمتْ جَبَلَ الفَتْحَيْنِ منْ كَثَبٍ ... بساطعٍ منْ سناهُ غير مبْهور والقصيد طويل مستعذب في الأسماع والعقول. وكتب أبو النصر أيضاً: أطال الله بقاء الأمير الأجل شِهاب الرئاسة المُسْتَنارة، وحُسامها الماضي القرار، معْتلياً على أسلاكها، مُغْتدياً بين فرْقَدِها وسماكِها. كتبتُ، أيَّده الله، وقد حَلَلْتُ هذا الجَناب، ونزَلْتُ عن مُتُون الرِّكابِ، صادِراً عنْ قَلْعة حماد، وَمُسْرعاً إسراعَ الجيادِ إلى الآمَادِ. وعندي من التطلُّعِ إلى علائهما ما لو كانَ بجفنٍ ما رمَقَ، أوْ بلسانِ ما نَطَقَ، أوْ بنجمٍ ما ظهرَ، أو بفجر ما اشتهر. وقد كُنْتُ واليْت مطالعته منْ كلِّ أرضٍ، وقضيتُ منه كل سُنَّةٍ وفرْضٍ، وأعْلنْتُ بإشعاره إعلاني بالإيمان، وكَلِفْتُ بشِيَمِه الطاهرة كلَفي بطاعة الرحمن. وما زالتِ الأيامُ تعدُ لمفاوضَته وَتُمنِّي، وتُبْعِدُ سببَ مُداخَلَته وتُدْني، حتى قَرَّبْتُهُ تقريبَ اللفظ من المعنى، وصرتُ منه قابَ قوسين أوْ أَدنى، فَعَصَفَ قَدَرٌ أجْرانِي بحكمه وقضائه، وعداني عن اقتداء ذلك الحظ واقتدائه،

стр. 240

فأصْبحتُ في ديارِ بَكْرِ بْنِ وَائِل ... ونُزِعْتُ عنْ تلكَ الرُّبا والخَمائل. والآن أرْجو تقريب ذلك الوعدِ؛ إذْ كُنْتَ باقِياً على العهد. والأميرُ الأجلُّ يُحلُّني من اعْتِنائه مَحَلاًّ رفيعاً، ويَشْفَعُ الوِدُّ الذي اتَّخَذتُهُ بينَ يدَيْهِ شفيعاً. إنْ شاء الله.

стр. 241

فصل ومن أحسن ما كتبوا في صدور الرسائل أطال الله بقاء الأمير الأجل، السيد الأفْضَل. وجوانِبُ أمره مَحْمِيَّة، وهِمَمَهُ عليَّةٌ، ومراميه في الكلامِ قصيَّة، وسيرته في الأولياء حفيَّة، والفجاجُ إلى سُؤدَدِه مَطويَّة، ولا زال له في كل فضيلة شُُفوفٌ ومَزِيَّة. كتَبْتُهُ، - أيَّده الله - من مدينة كذا، كمّا يجبُ من إجْلال قدرِه، وإجْمالِ ذكره، وَتَوَفِّيه والقيامِ بشُكْرِه. وقد علم - أيَّدَهُ الله - مالي في طَاعته المُمَهَّدة بعدْله، سقى الله أَكْنافَها، وأمَّنَ أَوْساطَها وأَطْرافَها. وفي المعنى: أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ، وسَعْدُهُ حاشِدٌ حافِل، وصُنع الله تعالى لأوامره العلية كافل، ولا زال الأمنُ يَشْمَلُ بلادَهُ، والنَّصْرُ يَصْحَبُ أجْنادَهُ، والرُّعْبُ يُذْعِرُ أضْدادَهُ، ويكْثر سوادَه. كتبته عنْ طاعَةٍ أرْجو عند الله تعالى قرْضها، وأُقيمُ في السَّرِّ والجهرِ فرْضَها، والله المُسْتَعانُ على حِفْظِ حُدُودِها، وَمُراعاةِ مَواثيقها وَعُهودِها. وفي المعنى: أطال الله بقاء الوزير الأجَلِّ، السيد الأفضل، ومواردُهُ خيرة، وأيامه صاحيةٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، والدُّنْيا بمحاسنِه مُفْتَخِرَةٌ. كَتَبْتُهُ أيَّدَهُ الله والودُّ تليدٌ، والعهد حميدٌ، والثَّناء مُبْدئ ومُعيد.

стр. 242

وفي المعنى: أطال الله بقاء سيدي الأكرم، ومنَادي الأَفْخَم، وسَنَدي الأعْصَم، وفسحَ مَهَلَهُ، وَتَمَّمَ آلاءهُ الحسْنى قبلَهُ، وأَنْهَضَهُ بأعْباءِ ما حَمَّلَهُ. كتبْتُهُ، وعندي لكَ البِرُّ الأَحْفى، والإِكْرامُ المُوَفى، وقَدْ توافتْ لَكَ كتُبٌ كثيرَةٌ، ومُطالَعاتٌ خطيرَةٌ، واصلْتَ فيها الاهْتِمامَ، ووَفَّيْتَ الذِّمامَ. ومثلُكَ - ولا مِثْلَ لكَ - حفظ عُهود الإخْوان، وعلم أنَّ حُسْنَ العهد منَ الإيمان. وفي المعنى: سيدي الأعْلَى، وظهيري في الجلَّى، لا زالت الخيراتُ إليْكَ وافِدَةً، والمَسَرَّاتُ عليْكَ وارِدةً، ودُمْتَ وأيَّامَكَ وأوْطارَكَ مُساَعِفة مساعِدة. سيدي الأعْلى، وظهيري الأعزَّ الأحْمى، وصفي الأكْرَمَ الأولى، تمليتَ النُّعْمى، واجتَلَيْتَ الحسناءَ والحُسْنى، وبلَغْتَ منَ الدارِينِ الحظَّ الأسْنى، ولا زالتْ آمالُك تتَيَّسَرُ وتتَسنَّى. وفي المعنى: أطال الله بقاء الفقيه الأجل، المُشاوَر الأفضل، كبيري الموقر المُبَجَّل، مَحْمِيةٌ أرْجاؤه، متَأتِّيةٌ أَوْطارُهُ وَأهْواؤُهُ، عَبِقاً ذِكْرُهُ وثناؤهُ، ولا زال معْموراً بالآمال ذُراه وفِنَاؤهُ. وَكَتَبْتُهُ، أدامَ الله عِزَّك، عنْ مصافاةٍ في ذاتِ الله معقودة، وموالاةِ على البرِّ والتقوى مشدودة، وأنْديَةٍ بمحاسنه مشهودة، ومظاهرةٍ بقيادته معضودَة، والله، عزَّ اسمه، يتكفل بسجاياه المحمودةِ، ويُجزيه أعلى مراتبِ شفوفه المعهودة. وفي المعنى: أيَّدَ الله الفقيه الأجلّ، الإمام الحافظ الأكمل، قاضي الجماعة الأورع الأفضل، بعصمته وتقواه، وجعله في كنفه المنيع وحماه، وتولاه بالحياطة فيما

стр. 243

يتولاه، وكافأه على جميل نظره وصالح مسعاه، ولا زال متقلبا في رحمته ورضاه. آخر: أَيَّد الله الفقيه الأجَلَّ الإمامَ الأوحَدً قاضي الجماعةِ، وأَعَدَّ لهُ كرامَة الأبرار، وأَخلَصَهُ بخالِصة ذكرى الدَّارِ، وأَدامَ الحقَّ به عَالِي الشِّعَار، والعَدْلَ واسِعَ المضْمارِ، مُنْتَشِرَ الأنوار. كَتَبتُه، وأنا أُبِرُّهُ وأُعْظِمُهُ، وأُوجِبُ حَقَّهُ وأُقَدِّمُهُ وأُوفي شُكْرَهُ وأُتَمِّمُه. آخر: أطال الله بقاء الرئيس الأجل، الزَّعيم السيِّد الأفْضل، لابتناء سُؤدَدٍ ومَجْدٍ، واقتناء شُكْرٍ وحمدٍ. ولازال أوْفى الناس بذمة وعهدٍ. كتبته، والشوق في نحْرِه مبتدِرٌ، والقلبُ في أمْرِه منْحدرٌ، وقد كان الزمان بأنْسه استدار وأشرق به الأفق ونار، وزار الفضْلُ كُلُّه حين زارَ، ثُمَّ اسْتَقَلَّ ظَاعِناً بِظُعُنه وسارَ، فلا جرمَ أنَّ العيشَ استحال، وأنَّ الليل على قصره طال: وما ذُقْتُ طعْمَ الماء إِلاَّ وجدتُهُ ... سوى ذلك الماء الذي كنْتُ أعرف وفي المعنى: سيِّدِي وكَبِيِري ووَلِيِّي، وظهيري الذي أُعِدُّهُ لِمُهمَّاتِ أُموري أعزَّكَ الله بالتقوى، وأوْردَك من رضاه المنهل الأرْوى، وأسْبَغَ عليك النُّعمى، وجعَلَكَ وإِيَّايَ في كنفه الأحْمَى. كتبْتُه كما يكتُبُ الصديقُ شاكراً لما أَوْلَيْتَني منْ مُشارَكَةٍ بَرَّه، ومُكارَمَةٍ ثَرَّه، وقد تقَدَّمَ ذلكَ غير ما مَرَّه.

стр. 244

وفي المعنى: سيدى الأعْلى، وعِلْقِي الأنْفسَ الأغْلى، الذي أَزُورُ منْهُ على البُعْدِ أكْرَمَ مَزُورٍ، ويَحُطُّ الشوقُ شخْصَهُ في الضمير حطَّ حقيقةٍ لا حطَّ زورٍ، وبقيتَ موفي حُقوقَ المبَرَّة غير منزوفٍ ولا منْزُورٍ، ولا زلتَ موجودَ المشارَكَةِ والاهتبال، ماثلاً في كلِّ خاطر وبالٍ، تَجْبُرُ مهيضاً، وتَسْتَفيدُ الشكرَ والأجرَ عريضاً. وفي المعنى: أَيَّدَ الله الفقيه الأجلَّ، الإمامَ الأوْحدَ الأكْمَلَ، قاضي القُضاةِ الأَقْصى الأعدل، تأييدَ وليِّ أجمع على محبَّتِه الأَهْواء، وقَيَّضَ لَهُ في العدل والسياسة الظهراء، وما زالَ علمُهُ يُقْتَبَسُ، وذِكْرُهُ على الأسماء يُحْتَبَسُ، ومَحَلَّهُ الجليلُ يُعَظَّمُ ويُقَدَّسُ. وفي المعنى: أطال الله بقاء الفقيه الأجل، الإمَامِ القاضي الأفْضل، هَضَبَة السُؤْدَدِ والحِلْمِ، وحاملِ لِوَاءِ المجدِ والعلم. والعدلُ يعْتَصمُ بناديه، والفَضْلُ يتَّسِمُ بواديه، ولازالَتِ البشائرُ تَسْتَقْبِلُ وافِديه، وتَرُوحُ وتَغْدو إلى رائحه وغاديه. وفي المعنى: أطال الله بقاء الفقيه الأجل، وثَنَاؤُهُ يَعْبَقُ، وَشَأْوُهُ في المجد وغاياتِهُ يَسْبٍِقُ، ولا زالتِ الأيامُ في اعْتِلائه وارْتقائه تتَأَنّقُ، ووجْهُ أُفْقِه يَتَألَّقُ ببشره ويتَطَلَّقُ. وفي المعنى: سيدي الأعْلى، ومُعْتَمِدي في الجُلَّى، المقَلَّدُ المُنْتَضَى، والعمادُ المرْتضى، الذي ارْتاحُ لذكره الأرِج، واجْتَلى منْ ذكره كلَّ مُبْهج، لا زال أمركَ رشيداً، ونظرك سديداً، ووطْؤُكَ على أهل العُقُوقِ شديداً، ومَداكَ في كل صالِحَةٍ بعيداً، وذكْرُكَ، أَعَزَّكَ الله، يَجْري، والخبَرُ يَثْبُثُ ويَسْري، وتذكر أخلاق الفتى وهو لا يدري.

стр. 245

وفي المعنى: أطال الله بقاءَ السَّيِّدِ الشَّريفِ المُشْرِقِ منْتَماهُ، الطَّيِّبِ مُعْتَزاهُ، الباهِرِ مَجْدُهُ وسناه، ودُرَرُ بيانِهِ تتقَلَّد، وغُرَرُ لِسانِهِ تَعْمُرُ عُمْرَ الدَّهْرِ وتَخْلُدُ، ولا زالَ قُدْوَةَ عِلْمٍ، وهَضْبَةَ سُؤْدَدٍ وحِلْمٍ. وفي المعنى: أطال الله بقاء رئيسي الأَسْنى، المأْنوسِ المَغْنَى، مُرْتَدِياً بالنصر، مُعْتَلِياً على مَفْرِقِ النَّسْرِ، قد هَبَّتْ نوافِحُ معاليكَ، أيَّدَكَ الله، فَطابَ مَسْراها وَوَكَفَتْ سَحَابُ أياديكَ، فصابَ نداها بنسيمِ تلْكَ مدى الأيامِ عاطرٌ، وغَمامِ هدىً على الأنامِ ماطرٌ. وفي المعنى: سيدي الأعلى وعمادي الأسنى، ومَشْرعي الأصْفى، وحظِّي الأكرم الأوفى. لا زِلْت ظافِراً بآمالِكَ، وممَتَّعاً بذويكَ وآلِكَ، محْفوظاً من المكاره في نفسك الكريمة ومالك. كتبتُهُ يا أَهْلي عن العهد الأكرمِ، المُوَثَّقِ الذِّمَمِ. يا سادَتي الأخِلاَّء، وإخْواني الأصفِياء، وأهلَ مَوَدَّتي الأوْفياء الكُرَماء. أدامَ الله لكمُ البُشرى وافية، وأوْرَدَكم موارد النُّعْمى صافية، وألْبَسَكم ملابس الكرامة سابغة ضافية. كتبته شاكراً لصِلاتكم، ومتحقِّقاً فَضْلَ مُسَاهَمَتِكم وموالاتِكم. أيُّها الأخُ الصميمُ، والوليُّ الحميم، والماجدُ الكريمُ حالَفَكَ السقيُ العميمُ، وعاقَدَكَ التَّرْفيعُ والتَّعظيمُ، ولا برَحَتْكَ النَّضْرةُ والنعيمُ، وسقى بلداً أمْستْ به عُلاكَ تحُلُّهُ منَ المُزْنِ ما تروي به وتشيمُ.

стр. 246

فصل ومن أحسن ما كتبوا في استفتاح الصداقة قديماً تواصل الناسُ على البُعْدِ، وتهَادَوا ثَمْر الإخلاص عن الود، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّم سببٌ موجِبٌ للتواصل، ولمْ يَرِدْ رائدٌ مُقْتَضٍ للتَّراسُلِ، وما أَقُول إنَّ مُخالطةً تمَكَّنتْ لا سببَ لها، ومباسطة تهدَّتْ لا باعِثَ عليها. فإنَّ جُنُوحَ النفس لاسْتِصْفاءِ الفُضَلاء، واقتناء موداتِ الأولياء، أقوى أسبابِ الارتباطِ، وأَرْعى أبوابِ الاخْتِلاط. ومحالٌ أنْ تَنْجَذِبَ نفسٌ، إلى منْ ليسَ لها به أُنْس، أوْ يَكْلَفَ ضميرٌ بمن ليس له به حظٌّ موفور. وقد تَحَلَّتْ مُخَاطَبَتِي إيَّاكَ، بحَلْي المحبة فيك، والمعرفة بجميل مذَاهِبِكَ ومَسَاعيكَ، والرَّغْبَةِ في اقْتِناء خُلَّتِكَ، وادخار صداقتكَ، لما اشتهرمنْ أحوالكَ الجميلة، وظهر منْ خلالكَ النَّبيلة، ومن كان على ما أنْتَ عليه، فَمَرْغُوبٌ فيه، مُنْجَذبٌ إليه، مَطْلُوبٌ إخاؤه، مَخْطُوبٌ صفاؤُهُ، مَحْبُوبٌ على البِعادِ، مُفْدى حتى منَ الأَضْدادِ. وفي المعنى: إِنْ كانت المعرفةُ لمْ تَحِقَّ، (فكم أثر أهدى منْ عيْنِ)، (وكمْ خَبَرٍ أَغْنى عنْ خُبْر). وإنْ كانت الأُلْفةُ لمْ تتفِقْ. فَرُبَّ طارِفٍ حديثٍ، أكْرَمُ منْ تالِدٍ مَوْروثٍ. ومنابِتُ الفضْلِ باسِقَةُ الفُروعِ، حميدَةُ الجميعِ، طيِّبَةُ الجنَى، جميلة المَخْبَرِ والمرأى، لا تروقُ إلاَّ بما يَرِفُّ، ولا تُثْمِرُ إلاَّ بما يشِفُّ. وأنْتَ أعزَّكَ الله، في أطْيَبِهَا مَعْدِناً، وأكْرَمِها مَوْطِناً، ومنْ أزْكاها مغرساً، وأسْراها منْبِتاً، ولا يَرِدُ منكَ إلاَّ ما يعْبَقُ نسيمه، ويلَذُّ شميمهُ، ويروقُ منْظره، ويفوقُ مخْبَرُه، وما زِلْتُ

стр. 247

أعْرفُ لكَ الحقَّ الوكيد، والسبْقَ البعيد، والسعي الحميد، والقول السَّديد. فلاشَكَّ أنَّكَ غُرَّةٌ في وجه الدهر البهيم، ومعْذِرَةٌ من إساءةِ هذا الزَّمنِ المُليمِ؛ فما أَخْطَأَتْ عنكَ الفراسَةُ، ولااخْتَلَفَتْ فيك الرِّئاسة؛ بل أَوْفيتَ على المقدار المظْنونِ، وأَتَيْتَ منْ وراء المُتَيَقَّنِ المضنونِ. ولئنْ أخَذْتُ في ذكرِ فضائلِكَ، أوْ عَطَّرْتُ كلامي بطيبِ شمائلكَ، فلسانُ الأيامِ بها أَفْصح، ولها أَشْرح، وإنْ عدلْتُ إلى وصفِ ما أَعْتَقِدُه فيك وأُضْمِرُهُ، وأَطْويه من ودادِي لك وأَنْشُرُهُ، فشاهدُ الضمير بها أَنْطَق، وعنه أصْدَق، فليس إلا الإتفاقُ والإصطلاحُ، على ما تتناجى به النفوسُ والأَرْواحُ. وفي المعنى: وربَّما تَهَيَّأَتِ الصداقة، وتَمَكَّنتِ العلاقة، على تنائى الدِّيار، وبُعْدِ الأمْصارِ، بالأخْبارِ السائرة، والأنْباء المُتَواتِرَة ببارعِ المناقِبِ، وباهِر المذاهبِ، وجميل التَّناسُبِ، وسامي المنازلِ، وجميل الفضائلِ، فتتعارَفُ القُلوبُ ويَجْمَعُها عِقْدُ الوِدادِ، وإنْ تناءتِ الأشخاص في البلاد، وينْتَظِمُ سِلْكُ الصفاء، وإنْ لم يكنْ سبيلٌ إلى اللقاء. وقد خَطَبْتُ وِدَّك، ورجوت أنْ أجِدَه مُوَطَّأَ الكنَفِ، مُهَيَّأَ اللُّطفِ، سلسَ الزمامِ، سهل المرامِ، لما فضَّلَكَ الله بضروبِ من المفاخِر وصنوفٍ من المآثِرِ، تتأمَّلُها أَعْيُنُ النُّظَّار، وتتحَمّلها أَْلْسُنُ الأخْبارِ، ويَخُطُّها سوادُ الليل على بياضِ النَّهارِ، ويُحَدِّدُ بها حادي الرفاق إلى أقاصي البلاد والآفاق، ويسري بها سَراة الرُّكْبانِ، إلى أقاصي البُلْدانِ، حتّى لقد أَسْمَعوها كل أُذْنٍ صمّا، وأَرْوها كل عيْنٍ عمْيا. فألْويةُ الحمد عليك خافِقَةٌ، وأَلْسِنة المجْدِ بفضلك ناطقة. والله تعالى يُبْقيكَ للمكارم نظاما، وللأفَاضل إِماما، بِمَنِّهِ. وفي المعنى: إنْ كانت المُداخَلةُ بَيْننا لم يُفْرجْ لها بابٌ، ولا عَلِقَتْ بها أسْباب، ولا رُمِيَ

стр. 248

لها في مُحَصَّبِها جِمار، ولاعَطَفَ بنا نحوَ كَعْبَتِها اعْتِمارٌ، فقد جمعتنا في معرف المعرفة مواقفُ، وضَمَّتْنا من معالم العلم معاهدُ ومآلف، ووشحتْ بيننا منْ أواصر الأدَبِ أَنْسابٌ، وضَرَبَتْ علينا في مدارس الطَّلَبِ قِبابٌ، ولا غَرْوَ من تداني القلوب على تنائي الدِّيَاِر، وائتِلافِ النفوس مع اخْتلاف النِّجار، فقد تتعارفُ الأندادُ على البعاد، وتتناكَرُ الأضدادُ مع قربِ السوادِ والوسادِ، ورُبَّما أَلَّفَ تشاكُلُ الشيم والأخلاق، بينَ مسْتَوْطِنِ الشامِ وساكن العراق، وقديماً حنَّ زَهْرُ الغَوْرِ إلى نسيم نجد، وامتزَجَ عنْبَرُ الشِّحْر بمسكِ الهند، على أني لا أدَّعي رُتْبتكَ في فنونِ العلم والآدابِ، ولا أتَعاطى إلاّ بشرط القياد والأصْحابِ، ومنْ يُضاهي محَلَّ الفرْقَدِ، بِمَنْبِتِ الغَرْقَد، ويُشَبِّه رُتْبَةَ التَّقليد، بدرجة النَّظر والتوليدِ، أوْ يُقارِنُ بينَ الالْتِباسِ والبيانِ، ويعارضُ قوة القياس بضَعْفِ الاستِحْسان؛ لكني وإنْ لم أعُد في رعيلك، ولا أضيفُ مُبْرَمي إلى سجيلِكَ، فعندي منْ بضائعِ الكَلِمِ ما ينْفُقُ في سوقِكَ، ولدي منْ سوامي الهِمم ما يَعْبَقُ بِبُسوقك، ولعل بعض كلامي يمدُّ في ذُراكَ، ويحْظى برضاك، ويصادفُ عندك رأياً جميلاً، ويستوقف لحظك ولو قليلا. بقيتَ حلْيَة للدهر فائقة، وغُرَّةً في وجهه رائقه. وفي المعنى:

стр. 249

أَمَا وأحاديثُ فَضْلِكَ صحيحَةُ الإسْنادِ، وأَدِلَّةُ سرْوِكَ قوية العماد، ومطالعُ عِلْمِكَ وفهمِكَ ساطعة الأنوار، ومناهِجُ هدْيِكَ وسَعْيِكَ واضحةُ الصُّوى والمنارِ، فلا عَجَبَ أنْ تَحُومَ على سُرْعَةِ مداخلتكَ حوائمُ الأَلْباب، وتَنْتَهِزَ في الْتِماسِ مواصلَتِكَ فُرَصُ الدَّواعي والأسباب، ولم أَزَلْ مولعاً برائقِ صفتك، ومُلْتَمِساً سبب معْرِفَتِكَ، حِرْصاً على التَّجَمُّل بِحِلْيَتِكَ، ورَغْبَةً في التَّيَمُّن بصلتك، لأنكَ، والله يُبْقيكَ، أحقُّ منِ احْتُذِيَ على مِثاله، واقتُديَ بصالح أعْماله، واستقرتْ آثارُ البِرِّ في مواقِعِ خطاه، وانتسخَتْ أخْبارُ الزُّهد والقصد منْ صحائف هُداه، وأَجْدَرُ بمن اتَّخَذَ صاحباً، وسلَكَ منْ سُبُلِكَ أثراً لاَحِباً، أنْ يأمنَ في جدك مسالِك العثار، ويعْدَمَ في جوارِكَ نقْعَ الفِتَنِ المُثارِ، والله تعالى يُبْقيكَ لأشْتاتِ الفضائل نظاماً وفي كل صالحة إماماً، ويوسِع النعمة بك وفيك سبوغاً وتماماً. ولمَّا اتَّفَقَ شخُوصُ فلان إلى الحضرة، وعلِمْتُ أنَّ انْجذابه إلى جَنَباتِكَ، ووَعَيْتُ عنه جُمَلاً حساناً من صفاتِكَ، رأيْتُ أنْ أصحبه خطاباً، وأَمُدَّ في ساحة الانْتِظامِ طُنُباً وأسباباً، حِرْصاً على أنْ يتَوَكَّدَ في ذاتِ الله إخاؤنا، وتتفق في سبيل مرْضاتِه وطرُقِ طاعاته أَنْحاؤنا، وحملته مع ذلك من لطائف الحمْد، ومخائل الود، ما إذا أعرته ناظرَ تأملك، وصادِقَ تحمُّلكَ، عَلِمْتَ به خُلُوص ضميري، وصفاءَ نميري، وسلامة عُهودي، ودمانةَ تهائمي ونُجُودي. وفي المعنى: كتبتُه عن ضمير انْدَمَجَ على سِرِّ اعْتِقادكَ صدرُهُ، وتَبَلَّجَ في أُفْقِ ودادِكَ بدْرُهُ، ومالَ على صفحاتِ ثنائكَ مِسْكُه، وصار في راحتكَ مِلْكُه. ولما ظفرْتُ بفلان، حملتُه منْ تحِيَّتِكَ زهراً جنِيَّا، يوافيكَ عرفُه ذكيَّا، ويقضي منْ حقكَ فرْضاً مقْضيّاً، على أنَّ شخصَ جلالِكَ لي ماثِلٌ، وبينَ ضلوعي نازلٌ، لايَمَلُّه خاطر، ولا يحلُّ عقده ناثر.

стр. 250

فصل ومن أحسن الجواب على أنواع هذا الخطاب مرحباً بك أيُّها البَرُّ الفاتحُ، والرَّوْضُ النافحُ، فما أحْسَنَ توَلُّجكَ، وأعْطَرَ تأوُّجكَ، لقد فتحتَ بالمخاطَبَة باباً طالَ ما كنْتُ له هيَّاباً، ورَفَعْتَ حجاباً تركَ قلبي وجَّاباً، وما زِلتُ أحومُ عليها شَرْعَةً، فلا أُسيغُ منها جَرْعَة، وأُغازِلُها أمَلاً، فلا أُطيقُها عَمَلاً، وأُلاحِظُها أمداً، فأموتُ دونها كمداً: وفي تعبٍ منْ يحْسُدُ الشمسَ نورَها ... ويطمع أنْ ياتي لها بضريبِ إلى أنْ وردني كتابُكَ الخطير، مشْتَمِلاً على ضربِ من الكلام، رائعِ الإعلامِ، يقربُ منَ الأفهامِ، ويَبْعدُ نيله عن الأوهامِ، قد أرْهفَتَ نواحيَه بالتَّهْذيبِ، وطَرَّزْتَهُ بكلِّ معنى غريبِ، وحسَّنْتَ معانيه باللفظ الرائعِ المهيب، فازْددْتُ به تهيباً ورُعْباً، وعاينْتُ منه مركباً صعباً، وقُلْتُ التغافُلُ عن الجوابِ، أوْلى بذي الصوابِ، إذْ ليس بأديب مَنْ يقيسُ الشِّبْرَ بالباعِ، والمُدَّ بالصاعِ، والجبانَ بالشُّجاعِ. فمن طلبَ فوقَ طاعته افتَضحَ، ومن تعسَّفَ الخرق النازح رزحَ، ومنْ سبحَ في البحْر فكم عسى أنْ يسْبَحَ، لاجرمَ أنَّهُ اقتضى في المراجعة صديقٌ لنا، كريمٌ علينا، لم يلْتَفِتْ إلى معذِرةٍ، ولاسمحَ في نظْرِة، فتكلَّفْتُها بحُكْمِ عَزَمْتُهُ تحت قراحٍ خَصَرٍ، ونازح
следующие страницы →