← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فصل ومن أحسن ما كتبوا في استفتاح الصداقة قديماً تواصل الناسُ على البُعْدِ، وتهَادَوا ثَمْر الإخلاص عن الود، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّم سببٌ موجِبٌ للتواصل، ولمْ يَرِدْ رائدٌ مُقْتَضٍ للتَّراسُلِ، وما أَقُول إنَّ مُخالطةً تمَكَّنتْ لا سببَ لها، ومباسطة تهدَّتْ لا باعِثَ عليها. فإنَّ جُنُوحَ النفس لاسْتِصْفاءِ الفُضَلاء، واقتناء موداتِ الأولياء، أقوى أسبابِ الارتباطِ، وأَرْعى أبوابِ الاخْتِلاط. ومحالٌ أنْ تَنْجَذِبَ نفسٌ، إلى منْ ليسَ لها به أُنْس، أوْ يَكْلَفَ ضميرٌ بمن ليس له به حظٌّ موفور. وقد تَحَلَّتْ مُخَاطَبَتِي إيَّاكَ، بحَلْي المحبة فيك، والمعرفة بجميل مذَاهِبِكَ ومَسَاعيكَ، والرَّغْبَةِ في اقْتِناء خُلَّتِكَ، وادخار صداقتكَ، لما اشتهرمنْ أحوالكَ الجميلة، وظهر منْ خلالكَ النَّبيلة، ومن كان على ما أنْتَ عليه، فَمَرْغُوبٌ فيه، مُنْجَذبٌ إليه، مَطْلُوبٌ إخاؤه، مَخْطُوبٌ صفاؤُهُ، مَحْبُوبٌ على البِعادِ، مُفْدى حتى منَ الأَضْدادِ. وفي المعنى: إِنْ كانت المعرفةُ لمْ تَحِقَّ، (فكم أثر أهدى منْ عيْنِ)، (وكمْ خَبَرٍ أَغْنى عنْ خُبْر). وإنْ كانت الأُلْفةُ لمْ تتفِقْ. فَرُبَّ طارِفٍ حديثٍ، أكْرَمُ منْ تالِدٍ مَوْروثٍ. ومنابِتُ الفضْلِ باسِقَةُ الفُروعِ، حميدَةُ الجميعِ، طيِّبَةُ الجنَى، جميلة المَخْبَرِ والمرأى، لا تروقُ إلاَّ بما يَرِفُّ، ولا تُثْمِرُ إلاَّ بما يشِفُّ. وأنْتَ أعزَّكَ الله، في أطْيَبِهَا مَعْدِناً، وأكْرَمِها مَوْطِناً، ومنْ أزْكاها مغرساً، وأسْراها منْبِتاً، ولا يَرِدُ منكَ إلاَّ ما يعْبَقُ نسيمه، ويلَذُّ شميمهُ، ويروقُ منْظره، ويفوقُ مخْبَرُه، وما زِلْتُ

стр. 247

أعْرفُ لكَ الحقَّ الوكيد، والسبْقَ البعيد، والسعي الحميد، والقول السَّديد. فلاشَكَّ أنَّكَ غُرَّةٌ في وجه الدهر البهيم، ومعْذِرَةٌ من إساءةِ هذا الزَّمنِ المُليمِ؛ فما أَخْطَأَتْ عنكَ الفراسَةُ، ولااخْتَلَفَتْ فيك الرِّئاسة؛ بل أَوْفيتَ على المقدار المظْنونِ، وأَتَيْتَ منْ وراء المُتَيَقَّنِ المضنونِ. ولئنْ أخَذْتُ في ذكرِ فضائلِكَ، أوْ عَطَّرْتُ كلامي بطيبِ شمائلكَ، فلسانُ الأيامِ بها أَفْصح، ولها أَشْرح، وإنْ عدلْتُ إلى وصفِ ما أَعْتَقِدُه فيك وأُضْمِرُهُ، وأَطْويه من ودادِي لك وأَنْشُرُهُ، فشاهدُ الضمير بها أَنْطَق، وعنه أصْدَق، فليس إلا الإتفاقُ والإصطلاحُ، على ما تتناجى به النفوسُ والأَرْواحُ. وفي المعنى: وربَّما تَهَيَّأَتِ الصداقة، وتَمَكَّنتِ العلاقة، على تنائى الدِّيار، وبُعْدِ الأمْصارِ، بالأخْبارِ السائرة، والأنْباء المُتَواتِرَة ببارعِ المناقِبِ، وباهِر المذاهبِ، وجميل التَّناسُبِ، وسامي المنازلِ، وجميل الفضائلِ، فتتعارَفُ القُلوبُ ويَجْمَعُها عِقْدُ الوِدادِ، وإنْ تناءتِ الأشخاص في البلاد، وينْتَظِمُ سِلْكُ الصفاء، وإنْ لم يكنْ سبيلٌ إلى اللقاء. وقد خَطَبْتُ وِدَّك، ورجوت أنْ أجِدَه مُوَطَّأَ الكنَفِ، مُهَيَّأَ اللُّطفِ، سلسَ الزمامِ، سهل المرامِ، لما فضَّلَكَ الله بضروبِ من المفاخِر وصنوفٍ من المآثِرِ، تتأمَّلُها أَعْيُنُ النُّظَّار، وتتحَمّلها أَْلْسُنُ الأخْبارِ، ويَخُطُّها سوادُ الليل على بياضِ النَّهارِ، ويُحَدِّدُ بها حادي الرفاق إلى أقاصي البلاد والآفاق، ويسري بها سَراة الرُّكْبانِ، إلى أقاصي البُلْدانِ، حتّى لقد أَسْمَعوها كل أُذْنٍ صمّا، وأَرْوها كل عيْنٍ عمْيا. فألْويةُ الحمد عليك خافِقَةٌ، وأَلْسِنة المجْدِ بفضلك ناطقة. والله تعالى يُبْقيكَ للمكارم نظاما، وللأفَاضل إِماما، بِمَنِّهِ. وفي المعنى: إنْ كانت المُداخَلةُ بَيْننا لم يُفْرجْ لها بابٌ، ولا عَلِقَتْ بها أسْباب، ولا رُمِيَ

стр. 248

لها في مُحَصَّبِها جِمار، ولاعَطَفَ بنا نحوَ كَعْبَتِها اعْتِمارٌ، فقد جمعتنا في معرف المعرفة مواقفُ، وضَمَّتْنا من معالم العلم معاهدُ ومآلف، ووشحتْ بيننا منْ أواصر الأدَبِ أَنْسابٌ، وضَرَبَتْ علينا في مدارس الطَّلَبِ قِبابٌ، ولا غَرْوَ من تداني القلوب على تنائي الدِّيَاِر، وائتِلافِ النفوس مع اخْتلاف النِّجار، فقد تتعارفُ الأندادُ على البعاد، وتتناكَرُ الأضدادُ مع قربِ السوادِ والوسادِ، ورُبَّما أَلَّفَ تشاكُلُ الشيم والأخلاق، بينَ مسْتَوْطِنِ الشامِ وساكن العراق، وقديماً حنَّ زَهْرُ الغَوْرِ إلى نسيم نجد، وامتزَجَ عنْبَرُ الشِّحْر بمسكِ الهند، على أني لا أدَّعي رُتْبتكَ في فنونِ العلم والآدابِ، ولا أتَعاطى إلاّ بشرط القياد والأصْحابِ، ومنْ يُضاهي محَلَّ الفرْقَدِ، بِمَنْبِتِ الغَرْقَد، ويُشَبِّه رُتْبَةَ التَّقليد، بدرجة النَّظر والتوليدِ، أوْ يُقارِنُ بينَ الالْتِباسِ والبيانِ، ويعارضُ قوة القياس بضَعْفِ الاستِحْسان؛ لكني وإنْ لم أعُد في رعيلك، ولا أضيفُ مُبْرَمي إلى سجيلِكَ، فعندي منْ بضائعِ الكَلِمِ ما ينْفُقُ في سوقِكَ، ولدي منْ سوامي الهِمم ما يَعْبَقُ بِبُسوقك، ولعل بعض كلامي يمدُّ في ذُراكَ، ويحْظى برضاك، ويصادفُ عندك رأياً جميلاً، ويستوقف لحظك ولو قليلا. بقيتَ حلْيَة للدهر فائقة، وغُرَّةً في وجهه رائقه. وفي المعنى:

стр. 249

أَمَا وأحاديثُ فَضْلِكَ صحيحَةُ الإسْنادِ، وأَدِلَّةُ سرْوِكَ قوية العماد، ومطالعُ عِلْمِكَ وفهمِكَ ساطعة الأنوار، ومناهِجُ هدْيِكَ وسَعْيِكَ واضحةُ الصُّوى والمنارِ، فلا عَجَبَ أنْ تَحُومَ على سُرْعَةِ مداخلتكَ حوائمُ الأَلْباب، وتَنْتَهِزَ في الْتِماسِ مواصلَتِكَ فُرَصُ الدَّواعي والأسباب، ولم أَزَلْ مولعاً برائقِ صفتك، ومُلْتَمِساً سبب معْرِفَتِكَ، حِرْصاً على التَّجَمُّل بِحِلْيَتِكَ، ورَغْبَةً في التَّيَمُّن بصلتك، لأنكَ، والله يُبْقيكَ، أحقُّ منِ احْتُذِيَ على مِثاله، واقتُديَ بصالح أعْماله، واستقرتْ آثارُ البِرِّ في مواقِعِ خطاه، وانتسخَتْ أخْبارُ الزُّهد والقصد منْ صحائف هُداه، وأَجْدَرُ بمن اتَّخَذَ صاحباً، وسلَكَ منْ سُبُلِكَ أثراً لاَحِباً، أنْ يأمنَ في جدك مسالِك العثار، ويعْدَمَ في جوارِكَ نقْعَ الفِتَنِ المُثارِ، والله تعالى يُبْقيكَ لأشْتاتِ الفضائل نظاماً وفي كل صالحة إماماً، ويوسِع النعمة بك وفيك سبوغاً وتماماً. ولمَّا اتَّفَقَ شخُوصُ فلان إلى الحضرة، وعلِمْتُ أنَّ انْجذابه إلى جَنَباتِكَ، ووَعَيْتُ عنه جُمَلاً حساناً من صفاتِكَ، رأيْتُ أنْ أصحبه خطاباً، وأَمُدَّ في ساحة الانْتِظامِ طُنُباً وأسباباً، حِرْصاً على أنْ يتَوَكَّدَ في ذاتِ الله إخاؤنا، وتتفق في سبيل مرْضاتِه وطرُقِ طاعاته أَنْحاؤنا، وحملته مع ذلك من لطائف الحمْد، ومخائل الود، ما إذا أعرته ناظرَ تأملك، وصادِقَ تحمُّلكَ، عَلِمْتَ به خُلُوص ضميري، وصفاءَ نميري، وسلامة عُهودي، ودمانةَ تهائمي ونُجُودي. وفي المعنى: كتبتُه عن ضمير انْدَمَجَ على سِرِّ اعْتِقادكَ صدرُهُ، وتَبَلَّجَ في أُفْقِ ودادِكَ بدْرُهُ، ومالَ على صفحاتِ ثنائكَ مِسْكُه، وصار في راحتكَ مِلْكُه. ولما ظفرْتُ بفلان، حملتُه منْ تحِيَّتِكَ زهراً جنِيَّا، يوافيكَ عرفُه ذكيَّا، ويقضي منْ حقكَ فرْضاً مقْضيّاً، على أنَّ شخصَ جلالِكَ لي ماثِلٌ، وبينَ ضلوعي نازلٌ، لايَمَلُّه خاطر، ولا يحلُّ عقده ناثر.

стр. 250

فصل ومن أحسن الجواب على أنواع هذا الخطاب مرحباً بك أيُّها البَرُّ الفاتحُ، والرَّوْضُ النافحُ، فما أحْسَنَ توَلُّجكَ، وأعْطَرَ تأوُّجكَ، لقد فتحتَ بالمخاطَبَة باباً طالَ ما كنْتُ له هيَّاباً، ورَفَعْتَ حجاباً تركَ قلبي وجَّاباً، وما زِلتُ أحومُ عليها شَرْعَةً، فلا أُسيغُ منها جَرْعَة، وأُغازِلُها أمَلاً، فلا أُطيقُها عَمَلاً، وأُلاحِظُها أمداً، فأموتُ دونها كمداً: وفي تعبٍ منْ يحْسُدُ الشمسَ نورَها ... ويطمع أنْ ياتي لها بضريبِ إلى أنْ وردني كتابُكَ الخطير، مشْتَمِلاً على ضربِ من الكلام، رائعِ الإعلامِ، يقربُ منَ الأفهامِ، ويَبْعدُ نيله عن الأوهامِ، قد أرْهفَتَ نواحيَه بالتَّهْذيبِ، وطَرَّزْتَهُ بكلِّ معنى غريبِ، وحسَّنْتَ معانيه باللفظ الرائعِ المهيب، فازْددْتُ به تهيباً ورُعْباً، وعاينْتُ منه مركباً صعباً، وقُلْتُ التغافُلُ عن الجوابِ، أوْلى بذي الصوابِ، إذْ ليس بأديب مَنْ يقيسُ الشِّبْرَ بالباعِ، والمُدَّ بالصاعِ، والجبانَ بالشُّجاعِ. فمن طلبَ فوقَ طاعته افتَضحَ، ومن تعسَّفَ الخرق النازح رزحَ، ومنْ سبحَ في البحْر فكم عسى أنْ يسْبَحَ، لاجرمَ أنَّهُ اقتضى في المراجعة صديقٌ لنا، كريمٌ علينا، لم يلْتَفِتْ إلى معذِرةٍ، ولاسمحَ في نظْرِة، فتكلَّفْتُها بحُكْمِ عَزَمْتُهُ تحت قراحٍ خَصَرٍ، ونازح

стр. 251

بَصَرٍ. فقد يَكْدِي على علمك الخاطر، ويخْوي النجم الماطر، ورُبَّما عادَ اللَّسِنُ في بعضِ الأوقاتِ لكناً، والجوادُ كودناً، وبحْرُ القريحة ثمداً، وَحُسامُ الذِّهْنِ معْضَداً؛ فإنْ تَفَضَّلْتَ بالإغْضاءِ، وسامَحْتَ في الاقْتِضاء، وسلمتْ لكَ في اليدِ البيضاء، وبرزت لشكركَ في الفضاء، واجْتَليَت منه، أدام الله عزَّكَ، بمعنى تعذر تلاقينا عند قرب تَدَانِينَا، فُصُولاً حِساناً، حَسِبْتُها بُرْهاناً، ورأيْتُ السِّحْرَ الحلالَ عِياناً؛ ولئنْ اعْتَرَضَ عائقُ الزمان منْ دون ذلك الأمل وقد عادنا من أَمَمٍ، وصار أَدْنى منْ يدٍ لفمٍ، فإنَّ نفوسنا، بحمد الله، في المقاصد والأغراض، مُتَلاقيةٌ على موارد الإخلاص والإمحاضِ، واللهُ تعالى يحفظُ جواهرنا من الأعراض، ويصونها من الاِنْتِكاثِ والانتقاضِ، بمَنِّه وطوْلِهِ، إنَّهُ على كل شيء قدير، بيده الأمرُ والتَّدبيرُ، وأمَّا ما جَلاهُ سيدي منْ صورةِ الوِدِّ، في معرض الجِدِّ، فقد ثوى بينَ الجوانح محلالاً يؤمُّ الدهرَ عقده حلاًّ، ولا يزالُ حبي في رعيه مُسَهَّداً، وقلبي لصونه ممهداً، إنْ شاء الله، وأقرأ عليكَ، يا سيدي المُعَظَّم، في خلَدي سلاماً شريف النِّصابِ، كريمَ الأحسابِ. والسلامُ الأَتَمٍّ على سيدي الأعظم، ورحمة الله. وفي المعنى: أهلاً بمَجْدكَ النافح، وودك المُصافح، الذي سفر عن الأُنْسِ مُحَيَّاه، وبعثَ إلى النفس نفسَ السرورِ وريَّاهُ، ففعمَ أرْجاءها، وأولاها رجاءها، وإني بِمُفاتَحَتِكَ لأسَرُّ من حاتم بالضيف، ومن الهائم بالطيف، كما أني بحُلَّتِكَ أغْبَطُ منْ عمرو بالصمصامة، ومن المحْلِ بصوب الغمامة، فخذني في زمام ودادك منْقاداً، وأطْلعني في سماء اعتقادكَ كوكباً وقَّاداً، لا يَغُورُ ولا يغيبُ، ولا يَحْجُبُهُ أبداً

стр. 252

عنكَ مَغيبٌ، ودونكَ منْ صفائي منها لا يُحَلَّأُ وارِدُهُ ولا تُكَدِّرُهُ موارده، ومن إخْلاصي غُصْناً لا يُدْرِكُه ذبُولٌ، ولا تغِبّه صَبَاً للتَّعاهُدِ ولا قَبُول، بحول الله تعالى. وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال مجاوباً لمستأذن في الزيارة: أيها الساطعُ نشراً وأرجْ ... كيفَ يستأدننا منْ قد ولجَْ كيف يستأذن مَنْ مسكنُه ... في عيونٍ ونفوس وُمهَجْ ما على المسك ولا البدر ولا الصب ... ح من اذْنٍ إذا الصبحُ انبلجْ إنما أنت سنى تهدي شذىً ... في سنىً بالقلب والروح امتزجْ وافتني لسيدي وظهيري، لازالت هممهُ تعلو الهمم وتفوتها، ونفائسه تغذو النفوس وتَقُوتُها، رُقْعةٌ خلعَ عليها سناهُ، وعُنيت بحوْكها يُمْناه، فجاءتْ كالحلة يضاحكُ الشمس إبريزُها، ويُحاسِنُ الروضَ تَفويفُها وتطْريزُها. بدائعُ ينْحَطُّ عن ذرْوَتِها البديعُ، ويقتبسُ من جذوتها الأشقر الصديع. سامرها الأدبُ مُعيناً، وخامرها الطبعُ مَعيناً، فجلاها حوراً عيناً؛ فلله طِرُسُكَ وما نسق، وبرُّكَ لقد علا وبسقَ. وأهْلاً بكَ منْ عريقٍ سبق، وسليلِ خَطّي صَدَقَ. لَشَدَّ ما استوْليْت

стр. 253

على مداكَ، واستويت إلى سماء مُنْتَداكَ، وتَقَيّلتَ أباك وطعنت في ثغر النحور عداك ولعاً لك من منتم إلى سابق لم يلحقه عثار، ولا شُقَّ له غُبار. وحبذا مُنتماك. لقد ذكر جِواراً، وحرّك من عهدنا الماضي حِواراً. لا جرم أنَّ عهدي بك ناضرٌ، وإنَّه بك على الغيبة القصية حاضر، وياماء من أنبأكَ أني صادٍ، ويا صُبْحُ قد كانت عيني لك بمرصاد. ومُحالٌ أنْ يستَأْذن على النفس مُناها، وعلى الكبد الحَرَّى ريها وبشراها، وعلى العين الساهرة كراها: أنت الكرى مؤْنساً عيني وبعضهمُ ... مثل القذى مانعاً عيني من الوَسَنِ ورعى الله داعياً إلى البِرِّ دَعا، ورحم الله منْ نبتَ على دِمْنَتِهِ المَرْعى. وأقرأ عليك سلاماً هو المسك فتيتاً، والدُّرُّ نظيماً وشتيتاً. يواليكَ مقيلاً ومبيتاً. والسلام المجدد المردد عليك، ورحمة الله وبركاته. ولغيره: أما البلاغة فأَنْتَ ابن بَجْدَتِها، وأمَّا الفصاحة فأنت لا بسُ بُرْدَتِها، وأما البراعة فأنتَ رافعُ عَلَمِها، وممْسِكُ بعِنانها وقَلمِها، ولا غَرْو فمنْ غُذِّيَ بصفْوِ الأدبِ، ورُقيَِّ منه أسْنى الرُّتبِ، أتى منَ الإبداعِ بالعجبِ العجيبِ، وتقَنَّص شأْوهُ بالسَّهْمِ المُصيبِ. ولَمّا فَضَضْتُ ختامَ كتابِكَ الخطير، وتأمَّلْتُ ما أوْدَعْتَهُ منه في السطور، رأيْتُ بدائعَ دوتها السحر، ولآلئُ يُزْدهى بها النَّحر، وغرائب يَعذب بها لو مازجه البحر؛ فاعترفت إليكَ بالتَّقصير، وقلت أنَّى يقاسُ السُّها

стр. 254

بالبدر المنير. وماكفاكَ، أبْقاكَ الله، حتى قابَلْتَني بما لو قوبلتْ به النُّجومُ لانْحَطَّتْ إليْكَ منْ سمائها، والغيومُ لتَرَقْرَقَتْ عليكَ منْ أرْجائها، أوِ السَّمومُ لسمحتْ بنسيمِها وأنْدائها، وذلكَ ما أَبْدَيْتَهُ مما أَدَّيْتَهُ، بلْ أَهْدَيْته من تلكَ الرسالة المطبوعة المساق، الغريبة الازدواج والاتِّفاق، التي أنت رَبُّ قلائِدها، وأَبُو فوائدها، وولي خرائدها، وواحد أقرانه جلالة، وقريعُ دَهْرِهِ جزالة، ونَسيجُ وحدِهِ أصالةً. فالحمد لله الذي أخْطَرَني ببالِكَ، وعرضني على اهْتِبالِكَ، ولله زمانٌ سبَّبَ فتحَ باب مُخاطَبَتِكَ، وأوانٌ خلعَ عليَّ حُلَّةَ مواصَلَتِكَ، ومازالَ وُدُّكَ في طي الجوانح، وإنْ شطَّ المزارُ، وعيانُكَ في أنْحاء الضلوعِ، وإنْ نزحتِ الديارُ، وقد تقحمتُ لمُجاوَبَتِكَ لُجة، وآثرْتُ بمعارَضتكَ ما هو على حُجة، لا زال جدُّكَ مُقْبلاً، وسعدُكَ مُتَّصلاً، بمنه. والسلام.

стр. 255

فصل ومن أحسن ما كتبوا إلى الإخوان وأطلعوه من غُرر البيان يا سيدي، وأعظم عَدْوِي والعِسْقَ الخطير في مُعْتَقَدِي. الحميد عَهدُه، الوكيدَ على مرِّ الأيام عَقْدُه، ومنْ أبْقاه الله قريبَ المُراد، خصيب المَرَاد. وَرَدَني، أَعَزَّكَ الله، كتابُكَ الأثير، والنَّفيسُ الخطير، فَسَّر بما أَهْداهُ منْ صلاح حالِك، كما أَساء بما أَدَّاه من اشتغال بالك، بإعْياء المذْهَبِ، في سوء المطلب، وما سدّ الله باباً، إلا فتح أبْواباً. فَهَوِّنْ على النفس العزيزة أعاد الله أُنْسها وانْسَ فَوْتَ مالم يُحْتَم، وتعذرَ مالم يُقْسم، ولا تكترثْ لِسهمٍ أَخْطأ، وحظ أَبْطأ، فما كلُّ ساع يحظى، ولا كل غريم يقضى، ولا كل سهم يصيب، واذكر قول حبيب: وقد يكهم السيفُ المسمى منيةً ... وقد يرجع المرءُ المظفَّر خائبا فانتض، أعزَّكَ الله، منْ أثوابِ الغُربَة، إنَّكَ غير مملولُ الصحبة، وتنزَّهْ عن نوال المذلة، رُبَّ مكثرٍ بعد قلَّة، وانصرف راشداً، ولا تَهبْ حاسداً، فالحاسد لئيمٌ، والمحسود كريم، وأَقْبِلْ إليَّ، مُغْتَبِطاً بما لديَّ، فحالي حالُكَ، ومالي مالك، لا يخونك عُسْر، ما دام لي يُسر:

стр. 256

ولا تُتْبع التثريبَ نَفْساً جَهِدْتَها ... على فوتِ حظٍّ نيْله لم يُقَدَّرِ فَقَدْ يخلف المطلوب ما ظنَّ مُعْذِرٌ ... وتجني المُنى عفواً يمينُ المعذِّر إذا كنتَ في قَدْر الدَّراريِّ رِفْعةً ... فقل لليتامى رُب نُجْحٍ مقَهْقر ولا تَيْأَسَنْ من عودة الدَّهْر إنَّه ... يُمِرُّ ويُحْلِي ليسَ هذا بمنْكر وما تتَّقِي منْ شامتٍ عند نبوةٍ ... وَحدُّك أَمْضى منْ فُتور بأحْور ولا عارَ في تقصير جَدٍّ بسَائِقٍ ... إذا لم يكن في باعِه بالمُقَصِّرِ ذَرِِالهَمَّ في الأعْراض إن أَعْرَضَ القنا ... بجوهر فهم يزدري كلَّ جوهرِ ففي كفِّكَ اليُمْنَى يسيرٌ من المنى ... إذا أعْسرتْ كفُّ الغنيِّ بمُعْسِرِ وفي سحرك المنظومِ تعجيزُ بابلٍ ... وفي وَشْيِكَ المرقومِ تكسيرُ عبقرِ أدال الله يدي من بينك، بأوْبةٍ يُقَرِّبُها لمحُ عيني وعينك، وَحَرْسُ مُهْجَتِكَ الكريمة، إنها الحظُّ والغَنيمة. قوله (فقد يخلف المطلوب ما ظَنَّ معذر): المُعْذِرُ في طلب الحاجات، هو المبالغ المجتهد الذي أعْذَر: أي أَتَى بعذر صحيح. والمُعَذِّرُ بفتح العين وتشديد الدال مكسورة، هو المتواني في أمره، فهو مُقَصِّر فيه، ويوهم أنَّ له عُذْراً ولا عُذْر له. ويكون أيْضاً بمعنى مُعْتذر، أدغمت التاء في الدال. والاعتذار يكون بحق مرة، وبباطل مرة. ويقال أعْذر في الأمر، إذا قَصَّر فيه. وقرأ ابن عباس والضحاك

стр. 257

وحُمَيْد (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ). بالتخفيف، وتابعهم يعقوب. ورواها قتيبة بن مهران عن الكسائي ورواها أبو كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم. ووجْهُ التخفيف فيه أي الذين بالغوا في العُذْر. ومنه قولهم (قد أعذر من أنْذَر). وقرأ الجمهور وجاء المُعَذِّرون. بالتثقيل. على أنَّ الأصل المعتذرون، فأدغَمت التاء في الذال كالمزمِّل والمدثر والمذكر وشبهها. قال المفسرون مجاهد وقَتَادة وغيرهما: هم نفر من غفارٍ جاؤوا النبي ﵇ فاعتذروا إليه، فلم يقبل منهم لِعِلْمِه ﷺ أنَّ اعْتذارهم باطل. وقرأت في النوادر قول أبي بكر بن دريد ليس المقْصِر واحداً كالمقصِّر. حكم المعذر غير حكم المعذّر. وقوله (ذر الهم في الأعراض) الأعراض جمع عِرض، وهو معلوم.

стр. 258

وقوله (إن أعرضَ القَنا) أي: إن أعرض القنا عنك، هو من قولهم: أَعْرَضْتُ عن فلان، وأعْرَضَ هو عني. ومعناه: تنَحَّيْتُ عنه وتنَحَّى هو عني، فأريته عُرْضَ وجهي وأراني عُرْضَ وجهه. ويقال أيْضاً: أعْرض لكَ الشيء إذا بدا. ومعناه أراك عَرْضه. ومنه قول عمرو بن كلثوم: وأعْرَضَتِ اليَمامةُ واشْمَخَرَّتْ ... كأَسْيافٍ بأيْدي مُصْلِتينا وفي هذا اللفظ اشتراك، وبابه متسع. وقوله: (أعسرتْ كفُّ الغني بمعسر) يقال: أَعْسَرَ الرجُل يُعْسر إعْساراً، فهو مُعْسِرٌ إذا افتقر، ورجل أَعْسرُ، يقال ذلك أيْضاً للذي يعمل بشماله. وعَسُر الشيء عُسْراً. وفي كتاب الله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: اليسر: الإفطار في السفر، والعُسْرُ: الصَّوم فيه وفي المرض. وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عبيدة وهو محصور: (إنه مهما تنزل بامرئ شديدة، يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عُسْرٌ يُسْرَيْن). قال أبو سليمان قوله: لن يغلِب عسر يسرين إنما هو تأويل قوله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا). وفي ظاهر التلاوة عُسْران ويسران؛ إلاَّ أن المراد به عسر واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر

стр. 259

مذكور بلفظ التنكير مرتين. فكأن كل واحد منهما غير الآخر. وقال الفراء: العرب إذا ذكرت نكرة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارت اثنتين. كقولك: إذا اكسبت درهماً فأنفق درهماً. فالثاني غير الأول. وإذا أعدتها بمعرفة فهي كقولك: إذا كسبت درهماً فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول. قال الفراء: (ومن هذا قول بعض الصحابة: لن يغلبَ عُسْرٌ يُسْرين. وقال بعض المتأخرين: (هما سواء لا فرق بينهما، والذي استشهد به الفراء غير ذلك. وذلك أن القائل إذا قال: إن في الدَّارِ زَيْداً إنَّ في الدار زيداً مرتين، لم يدل على أنه غير زيد واحد، كما لم يدل على أكثر من دار واحدة). قال: وقول عمر (لن يغلبَ عسرٌ يُسْرين) معناه أن للعسرين يسرين. إمَّا فرجٌ عاجِلٌ في الدنيا، وإما ثوابٌ في الآخرة. وقال محمد بن المؤمل في قوله تعالى (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) قال: هو من مظاهر القول، يراد به التوكيد كقوله (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ). وكقول الشاعر: إذا التيازُ ذو العضلات قلنا ... إليك إليك ضاق بها ذِراعا وكقول الآخر:

стр. 260

هلا سألت جموع كِنْدَ ... ةَ حين ولَّوا أين أَيْنا وقوله: (من مظاهر القول) مما يؤكد ويقوي القول؛ من الظهير، وهو العون. وقوله: (تكسير عبقر). عبقر موضِع باليمن ينسج فيه الديباج. قال الأصمعي: إذا استحسنت العرب الشيء واستجادته قالت فيه عَبْقَري. وأصله أنَّ عَبْقَر موضع تجود فيه صناعة الوشي. قال الراجز: متكئاتٌ فوق فرش العبقَرِ ... في جنة الله الجليل الأكبرِ وقال ذو الرمة: حَتَّى كأنّ رياض القَشٌْع ألبسها ... من وشي عبقر تحليل وتنجيدُ وفي حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أريتُ في المنام أُنَازِعُ على قليبٍ بِدلو بَكْرة، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف. والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فَرْيَه حتى روى الناسُ وضربوا بعطن". ومنه قول زهير:

стр. 261

بِخَيْلٍ، عليها جِنَّة عبقرية ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا قال: والمراد بهذا، والله أعلم، قصرُ مدة خلافة أبي بكر ﵁ لأنها كانت، فيما ذكر، سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام. وطول مدة خلافة عمر ﵁، لأنها كانت عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام. ذكر هذا أهل العلم بالتاريخ. رجع جواب الرسالة المتقدمة: يا مولاي وسيدي، وربَّ النِّعَمِ الجسيمَة، سيدي ذا الأيادي الغُرِّ، والنِّعَم الخُضْرِ، والمواهب الجزيلة، والمذاهب الجميلة، والهمَّة العالية، والرتبة السامية، والآداب المنخولة، والشمائل المعسولة، ومنْ أطال الله بقاءهُ، والآمال موقوفة عليه، وحنانُ النجاح في يديه، والسعْدُ دائمٌ، والحسودُ راغمٌ، تجري الأقدارُ على مرْغوبه، في تسيير مطْلُوبه. كتبْتُهُ، أبْقى الله مولايَ وسيدي، عنِ العهد الكريم، والودِّ السليم، لاغاية له فأَحُدُّها، ولانهاية فأقِفُ عندها؛ لكنني أُحيلُ على معْهودٍ، غير محدود، ولمَّا بعدتِ الدارُ، وشَطَّ المَزارُ، لمْ يبْقَ منَ التواصل، غير التراسُل، فهو عند الاضطرار، تواصُلُ الأحرار، بَقِينَا نتعلل بالحروفِ، ونُقيمُ الصِّفة مقامَ الموصوفِ، فجَفَّتِ الموارد، وقلَّ الصادر والوارد، فلا وصل إلا بِخَيال يَسْري، أوْ نسيم يجري: ولما أَتَتْني الريح من نحو أرْضكم ... وقد ضُمِّخَتْ بالطيب كُلُّ المسالِكِ تُذكرني عهداً كريماً وجيرة ... كراماً نماهمْ كلُّ أرْوَع تائك

стр. 262

وإذْ أنَّا شَرْقيَّ العُذَيبِ بفتية ... تُمَلِّكُهم أَخْلاقُهم كلّ مالكِ يبذُّون أبناء الزمان نجابة ... ورقَّةَ آدابٍ ولينَ عَرَائِكٍ حَنَنْتُ ونارُ البين بين جوانحي ... تثير سحاباً عن هموم هوائك وأَيْقَنْتُ أن الطيبَ أطيب ... ... قد اكتنفت بيتي علي بن مَالِك فتىً لو أَلمَّتْ بالقبُور حلاوةُ ... شمائله أحْيا بها كلَّ هالِكِ ولو خاطبَ الكفار في نبذ كفرهم ... لعادَ إلى نهجِ الهُدى كل آفِكِ ولو أنَّ نور البدركان كنورِه ... لما استصعبتْ سير الدجى نفس سالِك مهذبة أعْراقُهُ في نِجارِهِ ... مقابلة من سامك حذو سامك فمن قاسه بالناس جهلاً بقدره ... يكنْ مثل من قاس اللجَيْنَ بآنُك فلونُهما قد يستوي عند ناظر ... وبينهما بَونٌ بعِيدٌ لسابك وهذا كقول أبي جعفر التُّطيلي: والناس كالناس إلا أنْ تُجَرِّبَهم ... وللبصيرة حُكْمٌ ليس للبَصَرِ

стр. 263

كأَلأَيْكِ مُشْتَبِهاتٌ في منابِتِها ... وإنَّما يقعُ التفضيلُ بالثَّمر وفي المعنى: يا مولاي ومؤيدي، ومصادي ومَعقِلي، ومَصْدَري في الحادثاتِ وموردي، الرفيع المزير، القليل الشكل والنَّظير، ومنْ أطال الله بقاءَهُ خافِقاً لواء عزِّه، وشاهِقاً بناء حِرْزِه، قد طوَّقني مولاي ومؤَيِّدي لا يُحيطُ بها قوْلٌ ولا ذِكْرٌ، ولا يَبْلُغُها وصفٌ ولا نشْرٌ، ولا يُؤدِّيها عنِّي عملٌ ولا شُكْرٌ: وكيفَ أُؤَدِّي شُكْرَ من إِنْ شكرتُه ... على بِرٍّ يومٍ زادني مثْلهُ غدا فإنْ رُمْتُ أقضي حقَّ بعض الذي مضى ... رأيتُ له فَضْلاً عليَّ مُجدََّدَا فالله ولِيُّ جزائكَ، على ما كانَ منْ نعْمائكَ، ووَصَلَ كتابُكَ أَسَرُّ الِكتُبِ عندي مَنْظَراً وَمَخْبَراً، وأَجَلُّها مورداً ومَصْدراً، أشْهى منْ لمْحة الحبيب، وغَفْلة الرَّقيب، فحلَّ منْ قَلْبي محَلَّ الماء من الظَّمآن، والوصل بعد الهجران، والنماء بعد النُّقصان، والشفاء بعد السقمِ، والوجودِ بعد العدمِ. فحَمِدْتُ الله على ماأعْلَمْتَني فيه من سلامة حوبائك، وشكَرْتُهُ على ذلكَ شُكرَ المُعْتدِّ ببقائك، المُبْتَهل إليه في حُسنِ ولائكَ، ودوامِ نَعْمائكَ. فلَمَّا فرغْتُ من قراءة الكتابِ، أخَذْتُ في الجوابِ، فأنْفذتُه نحوكَ مُتَطَلِّعاً ما عنْدَكَ، فلمَّا تأخَر جوابُكَ، ظَنَنْتُ أنَّ كتابي لمْ يصلْ، فأرْدَفْتُهُ بكتابي هذا مؤَكِّداً عليكَ، بلْ راغِباً في إجابتي نحو بابِكَ، ومطالعتي بكتابك، وحرَّكني ما أنا عليه من محبتك، والشَّوقِ إلى رؤيَتِكَ، أنْ قُلْتُ أَبْياتاً يسيرَة منَ الشعر، تشهد لي ببعض الأمر، فلَكَ الفضلُ في الإصغاء إلَيْها، وعليها، وهي:

стр. 264

أحِنُّ شوقاً إلى أبي الحَسَن ... كأنَّ أهْلي لديه أو وطني ما في حنيني إليه من عَجَبٍ ... صبري عنه من أعظم المِحَنِ ما باخْتِيارٍ صَبرْتُ عَنْهُ ولو ... أعْطيْتُهُ مِنِّي الوصلَ لمْ أبِنِ أوحكم القلب في زيارَته ... لطار شوقاً إليه منْ بدني أَقسمت بالله يا أبا حسنٍ ... ماذُقْتُ مُذ غبت لذة الوسن ولستُ أعتد مدةً سلفَتْ ... لم تكُ فيها معي من الزَّمَنِ ولا أُريدُ المقامَ في بلدٍ ... لم تك من ساكنيه يا سَكني يريدُ قومي بأنْ أُثاقِبَهم ... ولا يكاد الفؤاد يسعدني كمْ أكثروا عذله فقلتُ لهم ... حُبُّ بني مالِكٍ تَمَلَّكني ياقومِ إني إذا أبنْتُ لهمْ ... خشيتُ ربِّي بأن يُعذِّبني كمْ لِعليِّ علَيَّ منْ منَنٍ ... غُرٍّ وكم نعمة قد أَلْبَسني وكمْ أيادٍ بيضٍ لهُ قِبَلي ... يَؤدُّني حَمْلُها ويُثقلني فلستُ أقضيه حقها أبداً ... لكنْ لساني الشكر ليس منّى لا زال في عِزَّةٍ وفي شَرَفٍ ... ما سجَعَ الهاتفاتُ في فَنن وفي المعنى: يامولاي بعَلائه، وسيِّدي بسَنائه، وتتابُع مِنَنِه وآلائه. دوْحةُ ظلالٍ، وروْضةُ آمالٍ، الذي إنْ كاثرْتَ به كَثُر، أوْ فاخَرْتَ بحَمْدِه بهر، ومنْ أدامَ الله بهجة أيامه، ومتَّعَ العبادَ بعدلِ أحْكامه. كتبته، أَبْقى الله مولاي وسيدي، إِثْر ما وردَ كتابُه الرائقُ، بلْ شِهابُهُ الطارِقُ، مطرَّزاً بسحر بيانه، موشَّحاً بوشيِ بنانه، يرفلُ في أثْوابِ البلاغة الضَّافية، ويكرعُ في

стр. 265

مواردها الصَّافِية لفظٌ سَكْرٌ في المراشِفِ، لَدْنُ المعَاطِفِ، إنْ سُمْتَه أطمع، أوْرُمْته امتنعَ، سوانِحُ أفْكار، بينَ نَظْمٍ ونثارٍ، كلاهما أَلْيَقُ بالنفس من ذمائها، وأشهى إليها من حياتها، تكادُ الأقلامُ تَدَّعيه، والقراطيسُ تعيه، إنْ قُرئَ فالأسحارُ ساجدة، أوْ نُشِرَ فالأعْلاقُ كاسدة، نقده معجز، ونَيْلُهُ مُعْوِز، وحُقَّ لمن انتمى البحرُ إلى كرمه، وتواضع النجم إلى هممه، وحلَّ السِّحْرُ بين لسانه وقلمه، أنْ تُقَلِّدَهُ الكتابَةُ دُرَرَها، وتَكْسوهُ البلاغة تحْجيلَها وغُرَرَها. وكيفَ لا، وفكرُهُ قد غذَّتْْهُ الفِطَنُ بمائها، وأنارته العلومُ منْ سَنَاها وسَنَائها، فالذَّكاءُ يعده، وبحارُ العلوم تمدُّهُ. لا جرمَ أنَّ منْ تعاطى شأوَ مباراته، وتعرضَ إلى ميدان مُجاراته، أَتْعَبَ خاطرَه، وأسهر ناظره، وفصح اليقينُ ظنونه، وأَُرْتِجَ بابُ القول دونه. ولمَّا تطلَّعت العينُ في رُقومه، وسفرتْ إلى الفُؤادِ بمنْثوره ومنظومه، طوى خِلْبَه عليه، مُغْتَبِطاً بما لديه، فكم غُلَّةٍ برَّد، وأُنْسٍ جَدَّد بلْ كم أمَلٍ بلَّغَ، وجَذَلٍ سوَّغَ. كتابٌ هوَ من العينِ انْسانُها، ومنَ الحياة أمانها، ماذكر منَ الشوقِ إلا الذي أُجدُه، ولا وصفَ من الودِّ غير ما أعْتقده، ولمَّا أرَدْتُ الأخْذَ في مراجعته، أَيَّدَه الله، خَذَلَتْني فِكَري، وسكنت بلاغته حصري، فرأيْتُ التجامُلَ عن التَّثاقُل، أوْلى منَ العتاب في ردِّ الجوابِ. وفي المعنى: أطال الله بقاء الفقيه الوزير، والسيد الفاضل المزير، أبي فُلان مولي المحاسن ومالكها، وباني المفاخر وسامكها، اللابِس من الحمد سبع دروعٍ، والماجد بأكرم

стр. 266

أصولٍ وأنْجبِ فُروع. إنسانُ عين زمانه، وحاوي قصب السَّبْق في زمانه، ذو المجد المؤَثَّل، والقدر المرفَّل، ومعال خفضت كل عال. كبَتَ الله حاسديه، وأنْمى غِبْطَتَهُ وكَثَّر غابطيه، وتَمَّمَ نعماءه، وحرسَ منْ فرده الحاسدين سماءه. كتبته عن لسان يخدُمُ ما أَُضمِره، وجَنانٍ يستقلُّ كثيره وَيَسْتَنِيرُه، وذكرٍ أعْطر من النَّدِّ يعْبَقُ شذاه، والروض ينفَحُ في نداه، وأطيبَ من الراح، تُشَجُّ بالبارد القرَاح. أُعيده تَرْديداً، فأجِدُه لذيذَ المذاقِ جديداً. تشوَّفتِ النفس تفديك، إلى جميل ذكر تهديك، وشُكْرٍ تضوَّع بريَّاه، بجامٍ تَنِمُّ حُمياه، فسمحت القريحة بنزْرٍ وجَّهْت به على عجَل، مُسْتقيلاً ما مرَّ من عِثارٍ فيه أو زَلل، فتصفَّحْ بمثل عَطْفِك، على شريطَة الصفْحِ ما قصَّر عنْ جليلِ وصفِكَ. والسلام. وفي المعنى: يامولاي إقْراراً، وإلى الحقِّ بِداراً، اعترافاً وقوْلاً بما سلَفَ من آلائكَ التي هي الكواكِبُ شُهْرة، والحصى كثْرة: ولو سكَتوا أثْنَتْ عليْكَ الحقائب. ومن أطال الله بقاءه بعدلٍ يضعه، وجميلٍ يصنعه، وشُكْرٍ يُمْسِكُ لواءَهُ، ومجْدٍ يُشَيِّدُ سناءه. كتبته، أيدك الله، وأنا في مُخاطبتي إياكَ بين فقر تَعرِض، وحَصَر يَعْتَرض، وخَاطِرٍ يقدمُ، وقلمٍ يحْجِمُ، وحُقَّ لمن أجال فكرهُ في منصبك المنيف، ومَحَلكَ الرفيع الشريف، ومجدك الكثيف وجلالكَ، وكريم خلالِكَ، ولو كانت له براعة سَحْبَان

стр. 267

ويَراعَةُ بديع الزمان، أن يدهشَ جَنَانه، ويخرس لِسَانُه، وترعشَ بنانه، غير أنَّ الإدلال، يقتضي الاسترسال، فكل يحل عقده، ويُنْفقُ مما عنده، وإنْ كنت في ذلك كمن سابَقَ الجواد بمطية، وفاخر غانماً بعطية. ولما وردَ كتابُهُ الخطير الذي هو ريحانَةُ النفس، وسرُّ السرور والأنس، مددتُ يد البدارِ إليه، ووقفْتُ وقُوفَ الحريصِ عليه، فاطَّرَدَت لي البلاغة منْ أَثْنائهِ، وتَضَوَّعَ المسْكُ منْ أرْجائه، وأدارتِ الفصاحة عليه جِرْيالَها، وسحبَت مُخْتالةً أذْيالها، وقد انتظم فيه وشيُ صنعاء بزهر الرياض، وسحرُ بابل بغنجِ الأعين المراض. وقد أخذ النثر صَدْرَ ميدانه، وتلاه القَرِيضُ ثانياً من عنانه، ولما هزت السطور قدودها، وأقامت الأبيات بنودها، واستولى القصيد أمده، واستوفى عدده، أعدَّت القوافي سلاحها، وسدَّدَتْ رماحَها، فَحمِيت جنابها، ومنعتْ ركابها، فتحامت الرَّوِيَّ اضْطرارا، وركبت العروضَ اخْتيارا، فَنَمتْ ببعضِ المُشاكَلة، وإنْ كان بُعْداً عنِ المُمَاثَلة: إلى ذي شيمةٍ شَغَفَتْ فُؤادي ... فلولاه لقُلْتُ بها النَّسيبا وكيف لا أحن إلى سليل أكارمٍ، وأحرص على شقيق مكارمٍ، وأتشوَّقُ إلى رضيع مجد، تشوقَ حُرَّان إلى بدر نجد، وله مشاهدُ أحلى لديَّ من الشِّهاد، وأشهى إليَّ من الغُمْضِ عقِبَ السُّهاد. كلٌّ يشهدُ بسبْقِ أوَّليَّتِه، وعِتْقِ سجِيَّته،

стр. 268

وكريم محْتِدِه، وطيبِ مولده. ولئِنْ قصَّرَتْ يدُ الجزاء عنْ مُقارضةِ قَرَْضِه، وتأديةِ ما حقَّ منْ وكيد فرضه، لأشْكُرَنَّ ما أَلْبَسْتَنيه من باهر حلاه، وجَلَّلنى من فاخر نُعْماه، وله الفضل الكامل، والبِرُّ الشامل، في قبولِ جُهدي، منْ مبْذولِ وجْدي، ليحوزَ المِنَّتين، وينظم النِّعْمتين، وذو الجلال والكَمالِ، يأخُذ له بأكمل الفضل، وأطول الطول، ويُتِمَّ نعمَتَهُ عليه، كما أتَمَّها على البُراة المُنْجبين آبائه الأكرمين، إنَّه ولي المُنْعمين، لا شريكَ له. وكتب أبو نصر إلى أبي محمد بن السيد البطليوسي: أطال الله بقاء الفقيه الأجل، غمامي المستهل، وحسامي المستل، والأيام تتشرَّفُ ببقائه، والهِمم تتشوفُ إلى لقائه. اليوم أغْفِرُ للأيام ذنُوبها، وأُعَطِّرُ صَبَاهَا وجنوبها، وأبْعثُ منْ حمدي لها عبقاً ورياً، وأديرُ عليها الشكر حُمِّياً، وأخْلعُ عن المطايا عقالاً، ولا أكَلِّفُه وخْذاً ولا إرْقالاً، ولا أبْتَغي بها مراقاً، وأجْعَلُ ظهورها عليَّ حِدَاقاً، فقد أرتْني لخيامكَ أعْلاماً، وشَفَتْني منْ آلامِ بِعادِكَ وكانت آلاماً وَسَأَحُلُّ من فنائكَ ضيفاً، وأراكَ شخْصاً بعد أنْ تَمَنَّيْتُكَ طَيْفاً. وأَنْفَذْتُهُ من الجزيرة وقد ابتسم ثغر الصباحِ، ووسمَ وقعُ أيدي المطايا خُدُودَ البِطاحِ، وللغَمامِ انْسجامٌ يحكي نداكَ، وللخليج فيضٌ كأَنَّهُ يداكَ، وللجَوِّ عُبوسٌ أكْسَبَ الروضَ طلاقةَ مُحياكَ، وساعة لُقياك، وسأُوافيكَ، فأَهصر أَفْنانَ

стр. 269

تَحَفِّيكَ، وألْتقط الدُّرَّ النفيس من فيكَ. وقد أَتْمَمْتُ الكتابَ الذي كنتُ بدأته، وحَليتُ به العصر وقلَّدْتُه، وقد خَصَصْتُكَ بالذكر فيه، وأنتَ بفضلكَ تتأمَّلُهُ وتَجْتَليه، فَتَعْلَمَ به إخْلاصي، وتتحقَّقَ به غاية اخْتِصاصي، ولكَ الفضْلُ في مراجعةٍ تُطْلِعُها بدْراً عليَّ، وأجدُها نوراً يسعى بين يدي. َّ إنْ شاء الله . فراجعه الأستاذ أبو محمد: أطال الله بقاء ذي الوزارتين الجليل، الكاتب النبيل، قريع دهره، وبديع عصره، الذي عليه تُثْنى الخناصر، وبِمثله يفاخر المُفاخر، مرقىً من المراتب أَعْلاها، مُلْقى من المآرب أقصاها: ليس بالمنكر أنْ برَّزتَ سَبْقاً ... غير مدفوعٍ عن السَّبْق العِرَابُ وافاني، أدام الله عزَّكَ، كتابٌ شغل حاسَّتيْ سمعي وناظري، وملأ حافتي فكري وخاطري، أراني الدُّر إلا أنَّه لم يُنَظَّمْ، والسحر إلا أنَّه لم ُيُحَرَّم؛ بل لوْ صيغَ عِقْداً لأخْجَلَ الدُّرَّ والعقيان، أوْ حيكَ بُرداً لعطَّل الديباج والخُسْروان، فلله قريحة أذْكتْ ناره، وأطلعتْ أنواره، إنَّ مُزنها لَغَيْرُ جهام، وإنَّ سيفها لغير كهام، وإنَّ ثَمْدَهَا لَعِدٌّ وبِحَارُ، وإنَّ زَنْدها لمرجٌ وعَفَار. وحبَّذا سيدي أدام الله عزَّه، وقد طلعَ علينا طُلوعَ البدْرِ في الغسقِ، وضَمَّخَ أفقنا بخُلُوقِ ذلكَ الخلق، فاقتدَ حْنا زَنْد ذكائه فأَوْرى، ولَمَحْنا كوكَبَ سمائه

стр. 270

فأعْشى، وشاهدْنا به البلاغة شخْصاً محسوساً، والرئيس المتعاطي للفصاحة مرؤوساً، أقْدَمَه الله خير مَقْدَم، وأَغْنَمَهُ أَفْضَل مَغْنم، بمنِّه، ورأَيّتُكَ، أطال الله بقاءكَ، قد نَحَلَْْتني فَضْلاً، لم أكنْ له أهْلاً، وحَلَّيتني بمفاخر وحلىً، اقتبسْتُها مِمَّا لكَ منْ مآثر وَعُلىً، وقدْ أبى الله إلا أنْ يكونَ لك الفَضْلُ، منْ بعدُ ومنْ قبْلُ. والخليلُ بالخليلِ يَزْهى وينجحُ: (وكلُّ إناء بالذي فيه يرْشَح). ولازالتْ أنْدية المَجْدِ بك مَعْمورة، وأَلَوية الحمد عليك منشُورة، بحول الله تعالى وكرمه. وفي المعنى لأبي نصر: أطال الله بقاء ذي الوِزَارتين الأجل عمادي الأعْلى، وكوكبي المُجْتَلى، مُنْتَظماً للرئاسة في سِلْك، مُبْتسماً عن ذكائه وعنائه كل مِلْك. ما أحَقَّ - أدام الله عزك - دولة أنت كوكَبُ سمائها، والمسْتَقِلُّ بأعْبائها، أنْ تنتظمَ لواليها أشْتاتُ البلادِ، وتَشْتَمِلَ عليه أهواء العباد، وتنْفَسِحَ له مضيقاتُ الآماد، برأيكَ السديد الذي إذا اقتدحَ أوْرى، وإذا سرى إلى صبحه صار حميد السُّرى. هذا لو كانَ صاحِبُكَ من الأمر عارياً، وتقلدهُ تطاوُلاً عليه وتعادياً، دُونَ إجْماعٍ من الأمة، واطلاعٍ لِمُلِمَّةٍ. فكيف إذا كان ملكاً عِراقِيَّ الأخلاقِ، حِميريَ الأعْراق، يشرق لسناه الظلامُ، وتعْبَقُ منْ أرجِهِ الليالي والأيام، وتَفْرَقُ منْ سطواته الليوثُ في الآجام. لقد جَمَعَتْكما مُشَاكَلَةٌ، وألَّفَتْ بيْكُما ممُاثَلةٌ، أقامتْ للمَعارِفِ عندَكما سوقاً، وأوْضَحَتْ بكما لأقاليمِها طريقاً. فللآدابِ عندكما جولة، ودوْلَتُكُما تزدري بسيفِ الدولة. لا جرمَ أَنَّهُ بك - أَيَّدَكَ الله - أَظْهر، وحَظُّه من الذكاء بك أَوْفر.

стр. 271

وأَنْفَذْتُهُ من فُلانَة، من منزلِ الوزير الجليل أبي فلان، قارضَ الله عارفَتَيْ تَهمُّمِه وتَحَيُّفه، فإنَّه أَسالها جداوِلاً، وأحلَّ منْهُما منازلاً مُخْضَرَّة ومناهِلاً، فلَوْ شاهَدْتَني وأنا أمْرَحُ بيْنَ نُعْماهُ مراحاً، وأقْتَرحُ ما شَاءتْ عليَّ علْياهُ اقتراحاً، لرَأَيْتَ عيشاً هنيَّا، وأُنْساً من الوحشة عريَّا. وأَبْصرتَ منْهُ - أَعزَّهُ الله - عِلْقاً للفضائِلِ سنيَّا، وقد رجوتُكَ لجزائه، وأَمَّلْتُكَ لوفائهِ. وأنْتَ - إنْ شاء الله - لِنِدَائهِ مجيبٌ، ولفعله مثيبٌ، وأقرأُ عليكَ سلاماً كإشراق راحنا، والْتِصاق ارْتِياحنا، ورحمةُ الله تعالى وبَرَكاتُهُ. وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال: بِلَوشْةٍ نُخْبةٌ من العربِ ... هَمُّهُمُ في السَّماحِ والأدَبِ ضَنُّوا بأَحْسابِهم، وجُودُهُمُ ... مُنْتَهَبٌ مالهم منَ النَّشَبِ كمْ فيهم للأخِ الغريبِ إذا ... حلَّ بهمْ من بني أخٍ وأبِ ومُؤْثرٍِ للعبيد زار عَلَى ... كُلِ حميمٍ مُشابِكِ النَّسَبِ جادوا على عذْرِهم ولوْ بَخِلُوا ... لقامَ لِعُذْرٍ حاضِرُ النُّوَبِ الوُزَراءُ الظُّهراءُ الجِلَّةُ، مكارِمُهُم مُسْتَهِلَّة، وسيادَتُهم مُسْتَقِلَّة، وعليهم للنَّدى أدِلَّة، وحَلَّتْهم لبني الحاجاتِ حُلَّة، فلا تَخَوَّنَت عزتهمْ ذلة، ولا خامرَتْ خدهم، وهم الصوارمُ الماضية، كِلَّة. ضيْفُهم مُكْرَمٌ بِعَقْوَتِهم وناديهم، وجارُهم في

стр. 272

الأزماتِ منْ أَوْسطِ أهاليهم، بَلْ تتخَطَّاهم إليه الصَّفْوةُ والخلاصةُ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). يتَنَافسُونَ في الإحْسانِ، ويتقارَعونَ على الضِّيْفانِ منْ كُلِّ موضُوعِ الخِوَانِ، مبْدئٍ بنُفوسِ الإخْوان: حبِيبٌ إلى الزُّوار غِشْيانَ بَيْتِهِ ... جميلُ المُحَيَّا شفَّ وهْوَ أديبُ وكتب أيضا: أبا عبد الإله اسْلَمْ مَلِيّا ... وَدُمْ في أَسْبَغِ النُّعْمى عليَّا وثِقْ بالله وارْجُ الفَضْلَ منهُ ... فَقِدْماً كُنْتَ مِفضالاً وَفِيّا تلقَّتْكَ المكارِمُ والأيادي ... فألْفَيتَ الزمان بها رخِيَّا سيِّدي الأعْلى، وكبيري المُفَدَّى، تسنَّتْ أوْطارُكَ، وتَأتَّتْ أَقْدارُكَ، وعزَّ في كلِّ حالٍ مَحَلُّكَ ومِقْدارُكَ. كَتَبْتُهُ، وقد صدرَ النَّجيبُ السَّريُّ، والذكيُّ الألمعيُّ، أبو فلان - أَعزَّهُ الله - وقد أَلْفى لكَ في كلِّ دارٍ إخْواناً، وأَصْفياءَ على البرِّ أعْوانا، وذلكَ بفضل ما أَسْدَيْتَ، وكرَمِ ما قدَّمْتَ وأَوْلَيْتَ. وأنْتَ - بحمد الله - إلى كلِّ النُّفوسِ حبيبٌ. وكلُّ حرٍّ فلهُ فيكَ ومِنْكَ نصيبٌ. وسيُخْبِرُكَ بما انْقَضى، والله يُتَمِّمُ الأمل المٌرْتضى، ويُعينُكَ بسيْفِ العدْلِ المنْتَضى. ورَسَمْتُهُ، واليومُ قُرٌّ، والريحُ صِرٌّ، والشيْخُ في هذه الشَبرَاتِ غِرٌّ، والنَّفْسُ إلى أَنْبائكَ مُطَّلِعَة، والأُذْنُ مُسْتَمِعه. أَمَدَّكَ الله بحُسْنِ الصنيعِ، وأبْقاكَ مشْكوراً.

стр. 273

وكتب: سيدي الأعْظم، ومُعْتمَدي الأكرم، وسنَدي الأعْظَمِ، ومنْ أَبْقاهُ الله محمودَ الذِّمم، محسودَ الهمم. لمْ أَزَلْ - أَعَزَّكَ الله - أَسْتَنْزِلُ قُرْبَكَ براحة الوهم، عن ساحة النَّجْم، وأَنْصِبُ لكَ شركَ المُنى، في خلَسِ الكرى، وأُعَلِّلُ فيه نفس الأمل، بضربٍ سابِقِ المثل: ماأقَْدَرَ اللَّهُ أنْ يُدْني على شحَطٍ ... منْ دارُهُ الدٍّونُ ممنْ دارُهُ صُولُ وما ظَنُّكَ، وقد نزلَ على مسافة يومٍ، وطالما نفرَ عنْ حالةِ نومٍ، ودنا حتى همَّ بالسَّلامِ، وقدْ كانَ منْ خُدَعِ الأحْلامِ. وناهيكَ منْ طيْرِ، وقَدْ حُمْتُ حولَ المورِدِ الخَصَرِ، وذَمُمْتُ الرشأَ بالقِصَرِ، ووقفَ بي ناهضَ القدرِ، وقْفةَ العيرِ بينَ الوِرْْدِ والصَّدَرِ. فهَلاّوصَلَ ذلكَ الأمل ببِاعٍ، وسَمَحَ الزَّمَنُ بإجْماعٍ، وطُويتْ بيننا رُقْعَةُ أميالٍ، كما زُويَتْ مراحِلُ أيَّامٍ ولَيال. وما كانَ على الأيام لو غَفَلَتْ قليلاً، حتّى أشْفِيَ بلقائكَ غليلاً، وأتَنَسَّمَ منْ روْح مُشاهَدَتِكَ نفساً بليلاً. ولئنْ أَقْعدتْني بعوائقِها عنْ لقاء حُرٍّ، وقضاءِ برٍّ، وسفرٍ قريبٍ، وظفرٍ

стр. 274

غريبٍ، فما تَحَيَّفَتْ وِدادي، ولا ارْتَشفت مِدادي، ولا غاضتْ كلامي، ولا أَخْفَتْ أقْلامي. وحسْبي بلِسانِ النُّبْلِ رسولاً، وكفى به أَمَلاً وسُولاً. وفي الكتابِ بلغةُ الوطَرِ، ويُسْتَدَلُّ على العينِ بالأثر. على أنِّي إنَّما وحيتُ وحيَ المُشير باليسيرِ، وأمَّلْتُ فَهْمَكَ على المسطور في الضمير، وإنْ فرغْتَ للمراجعة ولو بِحَرْفٍٍ، أوْ لمْحَةِ طرف، وصلْتَ صديقاً، وبَلَلْتَ ريقاً، وأَسْدَدْتَ يداً، وشفيتَ صدى، لا زالتْ أياديكَ بيضاً، وجاهُكَ عريضاً، ولياليكَ أَسْحاراً، ومساعيكَ أنْواراً. وأقرأُ على سيدي الأعْظم سلاماً أَرِجَ الأرْجاء، مُنْبَلِجَ الصباحِ والمساء. والسلامُ المعادُ المُتَمِّمُ على سيدي الأعْلى، ورحْمة الله تعالى وبركاته. ثمَّ خَتم الرُّقْعة بهذه الأبيات: هوَ الدَّهرُ لا يُبْقي بِمُر ويَحْلَوْ لِي ... وسيَّانَ عنْدي ما يُجِدُُّ وما يُبْلِي إذا أَشْكَلَتْ يوماً عليهِ مُلِمَةٌٌ ... فمِنْ ظهرِ قلْبي يَسْتمِدُّ ويَسْتمْلي سألْقي بحَدِّ الصَّبْرِ صُمَّ خُطوبه ... ولوْ صيغَ فيها الشيبُ منْ حدَقِ النَّبْلِ وأَعْرِضُ عنْ شكْواه إلا شَكِيَّةً ... لها منْ هوى مرآكَ ضرْبٌ منَ الخبْلِِ روى لي أحاديثَ المُنى فيكَ غَضة ... ولكنَّها لم تَخْلُ منْ غَلَطِ النَّقْلِ وجادَتْ بقُرْبِ الدّارِ غيْرَ مُتَمِّمِ ... ويارُبَّ جودٍ قُدَّ منْ شيَمِ البُخْلِ تراءَى لي العذْبُ النَّميرُ فلَيْتِني ... برَدْتُ لهاتي منه في نَغْبَةِ النَّهْلِ أَتَحْجُبُ شمسَ الفضلِ بُرْدَةُ ليْلَهِ ... ولوْ وَصَلَتْ أرْدانَها ظُلْمَةُ الجَهْلِ ويَخْشُنُ مسْراها لموْطئ أَخْمَصي ... ولو نَبَتَتْ في جُنْحها إِبَرُ النَّحْل أَجَلْ قَيْدُ هذا الدَّهر أضيقُ حَلْقَةً ... وأقْصَرُ للخَطْوِ الوساعِ منَ الكَيْلِ سأبْعثُ طيفي كلَّ حينٍ لعلَّه ... يُصادِفُ منْ نَجْوى خيالِك ما يُسْلِي

стр. 275

ودونَكَ منْ روْضِ السلامِ تحيَّةٌ ... تُنَسِّيكَ غَضَّ الوردِ في راحة الطَّلِّ ولبعضهم في المعنى: سيدي، وأعْظَمَ عَدَدي، وأَعَزَّ منْ شدَدْتُ على حبْلِ إخائه يدي، وأَعْدَدْتُ ذُخْرَ صفائه لأبدي، ومنْ أبْقاه الله راضياً عن الزَّمنِ، في المُقامِ والظَّعنِ. لم أزلْ - أعزَّكَ الله - مذْ صمَّ اغترابُكَ، وَنَعَقَ غُرابُكَ، أَتَعَجَّبُ منْ تَحوُّلِكَ، وأتَشوَّقُ لما يردُ منْ قِبَلِكَ، فلمْ أَظْفَرْ منْ خبَرِكَ بيقينٍ، ولا وقَفْتُ منْ كيفيَّةِ مقرِّكَ على ثَلَجٍ مُبين، إلى أنْ وردَ (جُهَيْنَةُ أَخْبارِكَ)، وَعْيَبَةُ أَسْرارِكَ، الأديبُ أبو فلان، فكشفَ منْ صورةِ أمْرِكَ ما الْتَبَسَ، ووصَفَ منْ جلِيَّةِ حالِكَ ما سرَّ وآنَسَ، وذكَرَ أنَّ ذلكَ القُطْرَ - أَنَّسَهُ الله - رَحُبَتْ بِكَ معاهِدُه، وعَذُبَتْ لكَ موارِدُه، واشتملت عليكَ أفْياؤُه، وتضاحكتْ إليكَ أرْجاؤه. ولا غرْوَ منْ نفاقِكَ حيثُما احْتللْتَ، وقَبُولِكَ أيْنما انْتقَلْتَ، فمنْ تحلى بمِثْلِ حلاكَ لمْ يضعْ كيفَ تصرَّفَ، ولا عدِمَ للُّطْف أيْنَما انْحرفَ، والله يصْنَعُ لكَ صنْعاً جميلاً، ويُنْيلُكَ أَيْنما سلكْتَ آمَلاً وسُؤْلاً. ووَصَل خِطابُك الخطيرُ، فجلى عنْ وَجْهِ بِرِّكَ وَسيماً، وشَخَّصََ منْ عهدكَ عميماً، وأَهدى إليَّ منْ رياضِ فَضْلِكَ نسيماً، ومنْ عَرَارِِ حمدكَ شميماً، فيا حُسْنَ موقِعِه منَ الضمير، ويا نُبْلَ منزعِه الجميل المشكور.

стр. 276

وكتب أيضاً، وقد قدم عليه بعض إخوانه: حالي - أعزَّكَ الله - قدْ شافهتَ نجِيَّها، وعلمْتَ لا محالة خفيَّها. لمْ تُغْدِفْ دونَك قناعاً، ولا انْقَبَضَتْ عنْكَ اسْتِجْماعاً. والإعرابُ عنها جهْلٌ، والحجابُ دونَها سهلٌ، ورُبما كان لسانُ الصامتِ أنْطَقَ، وشاهِدُ الجمالِ أًصْدَق. ولمَّا وردْت، يمن الله موردَكَ ومَصْدرَكَ، وجبَ القِرَى، ولوْ بِبَرَضٍ من الثَّرى، وتعيَّنَتِ المبَرَّةُ، ولوْ بمثقالِ الذَّرَّةِ، على أنّي لوْ نظَرْتُ إلى قدرِكَ لوقَفْتُ خجِلاً، وانْصرفتُ وجِلا. لكن جَهدَ المقلِّ جَلَلٌ، ونزْرَ المُدِلِّ مُحتمل. فَمَهِّدْ بفضلِكَ للعُذْرِ كنفاً، وأوْسِعْهُ لَطفاً وتبَّا لدَهرٍ لا يُخْجِلُهُ ضياعُكَ، وتؤلمه أوجاعُكَ. والله يُقيله عثرة الأدب، ويرفعُ من خدِّه التَّرِبِ. بِمَنِّه. ومن جيد المنظوم في هذا المعنى، قول الشاعر أظنه أبا بكر العَلاَّف: للخِلِّ قدْرٌ بِخَلَّتَيْن ... مني نقداً بغير دَيْنِ

стр. 277

لأنني في الوصالِ أصفو ... عنْ كلِّ ريْثٍ له وزيْنِ وأنّني لا أزالُ أحْنو ... حُنُوَّ هَين عليه بين وبعد هذا وذاكَ سرٌّ ... كالصَّفو منْ خالِصِ اللُّجيْنِ ومَحْضُ ودٍّ بغيْر مذْقٍ ... وصِدْقُ عهدٍ بغيْر ميْن فإذا دنا بالوِصالِ منَّي ... أَسْكَنْتُهُ في سوادِ عيْني وإنْ جفاني وصَدَّعَني ... حفظْتُ ما بينه وبيني ولمْ أشُبْ وهو لي مشوبٌ ... مازلتُ من أمره بشين ومن جيده أيضا قول الآخر: نصلُ الصديقَ إذا أراد وِصالنا ... ونَصُدُّعنه صدوده أحْيانا إنْ صَدّعَني كنتُ أكرم مُعْرضٍ ... ووجدتُ عنه مذْهباً ومكانا لا مُفْشياً بعد القطيعة سرَّه ... بل كاتماً من ذاك مااسترعانا إنَّ الكريم إذا تَقَطَّعَ ودُّهُ ... كتمَ القبيحَ وأظْهرَ الإحْسانا وأنشد ابن خالويه: هجَرْتُكَ لا قِلىً منِّي ولكنْ ... رأيْتُ بقاءَ ودِّكَ في الصدودِ كهجر الحائماتِ الوِرْدَ لمَّا ... رأَتْ أنَّ المنِيَّةَ في الوُرودِ

стр. 278

تفيظ نُفوسها ظمأً وتَخْشى ... حَذاراً وَهْيَ تنظر من بعيد تصُدُّ بوجهِ ذي البغْضاء عنهُ ... وترمُقُهُ بألحاظِ الوَدُودِ

стр. 279

فصل فصول مستحسنة من رسائل في الشفاعة والوسائل سيدي الأعلى ومعْتمدي الأسنى، وذُخْرَ أَيْدي الأسْرى وعارفةَ زمني الحُسنى، ومنْ أبْقاهُ الله مُبْلِغَ المُنى، مُسَوِّغَ النُّعْمى، لئنْ كانت الأيَّامُ - أَعزَّكَ الله - قدْ قلَّصَتْ أدْيالَ أحْوالِكَ، وسلَّطَتْ هجيرَها على برْدِ ظلالكَ، وكدَّرتْ بأقذاء صروفها صفوَ آلائِكَ، فما استلانتْ نبْعَكَ، ولا أحالَتْ عنْ عادةِ الجميلِ طبعكَ، ولا عفَّتْ في مرابعِ السَّناءِ والثَّناء ربْعكَ. فقد يجْري الجوادُ وهوَ منْكوبٌ، ويتجَمَّلُ الحُرُّ وبه نُدُوبُ، والله يُجْبِرُ الصَّدْعَ، ويُجْمِلُ الصُّنْعَ، بعِزَّته. ويتأدَّى خطابي - أعزكَ الله - منْ يد فلان آمِلُكَ - أبقاه الله - وقد علمتَ ما دُهيَ به وطنُهُ منْ خطوب الزَّمَنِ، وضروبِ المِحنِ، وتغلُّبِ عُبَّادِ الوثنِ، ودفعتْهُ الضرورةُ إلى استِرْفادِ الأحْرارِ، والتَّكسبِ بالأشعارِ، وهو ممن يتصرَّفُ في الصِّناعةِ بلسانِ منِع، ويأوي منها إلى طبع غير طبِع، ولهُ في قَبُول عفوٍ المنيلِ إجْمالٌ، وعندهُ في شكرِ الغَرْبِ المُخْتَصر احْتِفالٌ. ولمَّا عرفَ ما بيْننا منْ عهدٍ لا يُفارقُ نِصَابَهُ كرمُ، ولايلحقُ شبابَهُ هرمٌ، اتَّخَذَ خطابي هذا عُنوانَ شعره، ولسانَ أمره، ودليلاً على موضعه، ومشيراً إلى مقْصِدِهِ، ومنزعه، وأنْتَ بسرْوِكَ تُصْدِقُ آمله إن شاء الله. والسلام. وفي المعنى:

стр. 280

منْ حلَّ مَحَلَّكَ - أعزَّكَ الله - في كرمِ النصابِ، واخضِرارِ الجِنَابِ، لم يخْلُ كنَفُهُ منْ آمِلٍ يردُهُ، وفاضِلٍ يعْتَمِدُهُ، فالمنزعُ الرَّحبُ ينْتابُهُ الكرامُ، والموردُ العذْبُ كثيرُ الزحام ومنْ حداهُ ذكرك، وهداهُ يُسْرُكَ، أبو فلان واسمه أشهر منْ أنْ ... عليه أوْ أشيرَ إليه، وله منْ ذواته وأدواته شوافع، وعنده منْ طُرفِ الحكمِ وغرائبِ الأدبِ بدائع، وكان تحت نعمة وافية الجناح، وحُرمةٍ سائلة الأوضاح، تُكْبِرُهُ الكبراء، وتوثرُه الأُمراء، وتحسدُ سامي قدره الأنداد، وينجحُ بنثْرهِ ونظّمه الطِّرْسُ والمداد، ثمَّ عَطَفَ الدَّهْرُ عليهِ، وانتشَفَ مالديه، ورماهُ بأنْفَذِ سهامِهِ، وأجْوَر أحْكامه، فاضْطُرَّ إلى التَّغرُّبِ في البلادِ، والتقلُّبِ ما بينَ مبرَّاتِ الأمْجادِ، وقدْ حطَّ رَحْلَهُ ببابِكَ، والتحَفَ بأَطْنابِكَ، وأنْتَ إلى الجميل أهوى، وبحسن الصنع أولى، والله تعالى يبقيك حِلْيَةَ فخَارٍ، وكعبَةَ زُوَّار، بمنِّه. وفي المعنى: سيدي الأعلى، ومعتمدي الأقْوى، وظهيري الأكرم الأوفى، لا زالتْ تُعْقَدُ الآمالُ عليْكَ، وتَخُبُّ الرِّكابُ إليْكَ، وتُلْقى الرِّحالُ لديْكَ، وتتأثَّلُ النِّعَمُ في يديكَ. كتبْتُهُ - أدام الله عزكَ - ولا مزيد على ما بالنفس منْ تَوْقٍ، وبالقلبِ منْ صبابَة إلى تلْكَ المعاهد وشوق، أمتَعَ الله بكَ السَّيَّادَة، ولا أَعْدَمَكَ آلاءَه المعْتادَه، ويتأَدَّى منْ قِبَل فلان - أبقاه الله - وقد انْقطعتْ به الحبال، وتَقَلَّصتْ عنه الظِّلال، وأتعبته المطامع والآمال، وشكتْهُ البكرُ والآصال، وكُلَّما رُمْنا لهُ تعَلُّقاً تعرَّضتِ القواطِعُ

стр. 281

وأعْرَضَ الإقْبَالُ، ومنْ أَنْواعِ الدَّاء ما لا طِبَّ لَهُ إلاَّ الانْتقال، ومنْ زالتْ بهِ الدَّارُ، فحَقُّهُ الزَّوالُ. وسألني، والذِّمامُ يُطيعُه، وإدارَةُ الخيْرِ لا تُضيعُهُ، مُخاطَبَتكَ، فأجَبْتُهُ، ولعَلَّ الله تعالى قد اخْتارَكَ لمثواه، وجَعَلَكَ ربَّ نُعْماه، لا زِلْتَ للأحْرارِ مُصْطَنعاً، ولحاجاتِ الأوْلياء موضعاً، وأَقْرأُ عليكَ - دامَ عِزُّكَ - أَعَمَّ سلامٍ وأَوْفاه، وأَبَرَّه وأَحْفلَه. ثُمَّ السَّلامُ المُرَدَّدُ المجدَّدُ عليك، ورحمة الله تعالى وبركاته. وله في المعنى: أطال الله بقاء الأمير الأجَّلِّ، الملِكِ السيد الأفْضَلِ، وَعَدْلُهُ ممدود، وناديه بكُلِّ صالِحةٍ مشهودٌ، ورِفْقُهُ معْهود، وبابُ مُلْكهِ موْرود، ولازالَ تُفْتَح به، بعد الوفودِ وفود. الأميرُ الأجَلُّ - أيَّدَه الله - بما وضع الله له مِنَ القُبولِ، والعدل المُطَّرِد الموصول، تتسابَقُ الحسناتُ إليه، وتترادَفُ الخيْراتُ عليه، والله عزَّ اسمه يدَّخِرُ لَهُ ما يُجْريه منَ المَكْرماتِ على يديْه، ويُتِم لَهُ النِّعْمة الراهنة لديْهِ، وأنَّ فُلاناً - أَعزَّه الله - منْ أعيانِ كذا، وذوي السَّلَفِ الطاهرِ فيهما طاعَتهُ - أعزه الله - ذَكَر أنَّهُ سُعِيَ بَيْنَهُ وبيْنَ فلان بِفسادٍ، وتَنَكَّرَ لَهُ بعْدَ البرِّ المُعْتادِ، وهوَ بعدْلِ الأمير الأجل - أيَّدَهُ الله - لائِذٌ، ومنْ كلِّ ما يُنْفِقُ عليهِ عائذٌ، وسبَقَ لهُ إلى هذه الحضرة تَكْرارٌ أشْهَرَ بها عيْنَهُ، وأَثْبَتَ المودَّة بين أَهْلِها وبينه، وقامَ بينَ يَدَيْهِ منْ وسائلِ أوْليائهِ فيها ما يُؤنِسُ مَقْصِدَه، ويُقيمُ أوَدَه، على أنَّ الأميرَ الأجلَّ - أيَّدَهُ الله - لِكَرَم السَّجية، والشِّيمِ الرَّضيَّة، وسِيَرِه الفاضِلة في الرَّعية، لا يَحْتاجُ معَهُ إلى شفيعِ، ولا يتَوَسَّلُ إليْهِ بأَجْدى منْ خُلُقِهِ الرَّفيع. أمَدَّه الله بحُسْنِ الصنيع، وأَبْقاه مشكوراً منَ الجميع، بِجُودهِ ومجْدِه. والسلام. وفي المعنى لابن طاهر:

стр. 282

أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ ناصر الدوْلة ومُعِزّ المِلَّةِ، وأَيَّدَهُ، وأَعْلى يدَهُ: الشفاعاتُ - أَيَّدَكَ الله - على قَدْرِ مُلْتَحِفيها، ولكُلِّ عنْدَكَ منْزِلةٌ يُوافيها، ولمَّا تأمَّلَ ذو الوزارتين الفاضلُ أبو فلان - أبقاه الله - مالَكَ في الناس، منَ الطَّوْلِ والإيناس، بما جُبلتَ عليه من شرَفِ السجية، والهممِ العليَّة، حتى مالتْ إلَيْكَ الأهْواءُ، وارْتَفَعَ لَكَ بالحمدِ اللِّواءُ، قصدَ ذراكَ، واعْتَقَدَ اليُمْنَ في أَنْ يراكَ، فيَملأَ منْ زهرِ العُلا أَجْفاناً، ومنْ نهرِ النّدى جِفاناً، ويَسْتَبْدِلَ منْ صدِّ الزَّمانِ إقْبالاً، ومنْ تهاوُنِ الأيامِ اهْتِبالاً، ولهُ قِدَمُ الوَجاهة، وقَدَمُ النَّباهةِ، ويَدُلُّ عليْهِ بيانُهُ، كما يَدُلُّ على الجوادِ عِنانُهُ، وأرْجو أنْ ينالَ بكَ الآمالَ غَضَّة، والأيادي مُبْيَضَّة، فأقُومُ على مِنْبَرِ الثناء خطيباً، وأُوقِدُ على جَمْرِ الآلاءِ عُوداً رطيباً، لازِلْتَ للقاصدينَ ملاذاً، وللرَّاغبينَ عياذاً. وكتب في المعنى أبو مروان بن أبي الخصال: سيدي الأكرم، وملاذي الأَعْصم، دُمْتَ في السعد الأَدْوم، والثَّناء الأفخَم، أما أعزَّك الله بما أَلْتَزِمُهُ منْ برك، أتحامى كثرة التكليف، وأَميلُ إلى جانِبِ التَّخْفيف، وكُنْتُ اعْتَقَدْتُ بعْدَما أُسْعِفْتُ فيه منْ مَرْغُوبٍ ألاَّ أُكلف سواه مَجْدكَ، فأحوزَ رُتْبَةَ المُخْلِفِ عنْدَكَ، (لكنِّي أرى الحديث شجوناً). وهذا الفتى، موصلُ الرُّقعة، هو في أهل الصيانة معُدودٌ، ولهُ في تخَدُّمِ جوانِحِ الأعْيانِ منابٌ محمودٌ، وعنْده عيالٌ، وفي حاله إقْلالٌ، وهو مطْلوبٌ بعدد يؤدِّه

стр. 283

وإنْ قلَّ، ومُخِلٌّ بوفره فيما أخلَّ، فإنْ وسعه الاحتمالُ، ووقعَ لهُ الاحتيالُ، أنْعمت بالهُ ونَعَّشْتَ عياله، وكأنَّما حُزْتَ الحُسْنى لهُ، ثمَّ يُثْبتُ لك في ديوان المُنَعمينَ ذكْرٌ جميل، ولنْ يضيعَ منَ الخيْر فتيلٌ. وأمَّا ما أتوَخَّاهُ منْ شُكْرِ هذه إليْكَ فما يَتَّصِلُ مع الأبدَ، ويَقْصُرُ فيه اليوم مع الغدِ. وفي المعنى لأبي عبد الله أخيه: سيدي الأعلى، وعمادي الأَوْثَقَ الأسنى، وحظِّي الأكرم الأوفى. بقيتَ لضيْمٍ تدْفَعُهُ، وباطِل تدعه، وَعَلمٍ في إقامة الدين ترفعه. أَبَرَّ الأعمال ظلامَة تردُّ، ودِعامَة في الحقِّ تُشَدُّ، وباب جورٍ عن الناسِ يُغْلَقُ ويُسَدُّ. وإنَّ المؤذن أبا فُلان - أبْقاه الله - طُرِفَ عن خِطته في الأذانِ، بما أَدْركَهُ منْ بَغْيٍ، وخبيثِ سعْي، وأُعْلِمْتُ أنّ قاضي الجماعة - أدام الله توفيقه - أشار بإعادته إلى أذانه، وإثباته في الرتبة الأولى منْ مكانه. ولمْ أشُكَّ أنّ إشارَتَهُ - وُصِلَ توفيقه - أمْضى من التصريح، واللسانِ الفصيح. غير أنَّ المؤذِّنَ المذكور عناني بعضُ أمره، وتَوجَّه إليَّ لشدِّ أزْرِه، ولعلَّ الخُطَّة تسَعُهُ، ومنْ كان أَمَلُهُ فيها موضعُه، وإنْ ضاقَ عنْهما الاحْتمالُ، فالذي بُغِيَ عليه أوْلى أنْ يُنْصَرَ، وأحَقُّ أنْ يؤْخَدَ بيدِهِ إذا عثرَ. وأنتَ بفضْلك تأتي هذا الأمر منْ بابه، وتُحرزُ إنْ شاء الله فضل ثوابه. والسلام.

стр. 284

وله في المعنى: خَطَطْتُ هذه الأحرُفَ، أطال الله بقاء ذي الوزارتين الأجل، السيد الأوْحد الأكمل، على استحثاثٍ حفزَ، ووقْتٍ أوْجَبَ أنْ أوجِز، وعظيمِ شُغْلٍ بلَّدَ الخاطر وأعجز. وهي مُتَأَدِّيَّةٌ إليه من يدي، وفي صحُْبَة كبدي. والجلاءُ منْ هذا أنَّ سَليلَ نِعمتكَ القاسمَ ولدي، يَمَّمَ تِلْكَ الحضْرَة التي بكَ بهاؤُها، ولأجْلِكَ يجبُ اعْتمادُها، واتِّخاذُها مُبْتَغى سبب، منْ تقْييدِ سُنَّةٍ وأدَب. فاضْمُمْهُ أيُّها السَّيِّدُ إليكَ ابْناً، واستخدمه، إنْ شئتَ عبْداً قنَّا، فمِنَ رضايَ ورِضاهُ، أنْ تكونَ سيِّدَهُ ومولاهُ. ولم أَمْلِكْ مزيداً على هذه الأحرف. والله المستعان. ولغيره في المعنى: أكرمُ يد - أعزكَ الله - يُقَلِّدُها المرءُ جيدَ مجْدِه، ويُزَيِّنُ بها ديوانَ حمده، ما سَدَّ خلَّةً منْ حسيبٍ، أَقْعَدَتْهُ يدُ الدَّهر المريبِ، وموصلهُ - وصلَ الله حُرْمتَكَ بالسلامة، منْ قلَّدَ الأيام أبو فلان - رضي الله عنه - فإنَّه توسَّلَ بي إلى مكارِمكَ في ترميقِ حالتِه، والرَّمَّ لحوالَتِهِ، فإنَّما جَفَّتْ غضارَتهُ بعدْ النِّعْمة، وبدَّلَتْهُ بالتقتير منْ رغدِ النِّعْمة، وحوَّلتْهُ إلى الضِّيقِ بعدَ السَّعَة، وإلى التُّجُولِ مِنَ الدَّعَة، ومثْلُكَ، ولامثيلَ لكَ، رقَّ لما بِهِ، ورَعاهُ لشرف نِصَابِه، واغْتَنِمِ الصنيعة فيه، وحَقِّق ضماني عنْده وما يرْتجيه. فإنكَ ستجْزِلُ بما تُسْديه، أجْمَلَ الذِّكرِ، وأحفَلَ الشكرِ، مع الأجْرِ المَغْبُوطِ والذخْرِ المحوطِ. والله تعالى لا يعْدِمُكَ ارْتهانَ المِنَنِ وارْتباطَ الأحرارِ، ويَحْرُسُكَ منْ حوادثِ الليْل والنهارِ.

стр. 285

وفي فصل: وفلانٌ ممنْ يأوي إلى خيرِ وصلاح، ويسْتَضيءُ منْ طلَبِ العلم بمصباحِ، وبحَسَبِ ذلكَ أُحِبُّ حياطَتَهُ، وأريد إرادَتَهُ، ورَغْبَتي حفِيَّةٌ لدى مَجْدِكَ في أنْ تَضَعَه منك ببالٍ، وتُخَفِّفَ ما يطرأُ عليهِ من أثْقال، وتُقلِّده منْ مُحاَفَظَتِكَ ما يَحْصُلُ به على مزِيَّةِ حالٍ، حتّى يُرى عليه أثرُ الشافعِِ، وتَلذَّ خبَرَهُ أُذْنُ السَّامِع، وثقتي بما خَطَطْتُ لكَ منْ سُطُورِي هذه أَغْنَتْني عنِ الاحْتفالِ، والإلْحافِ في السُّؤالِ، وأنتَ أرْطَبُ عوداً، وأخْصَبُ نائلاً وجوداً، منْ أنْ يُثْنِيَكَ عن العُلا ثانٍ، أوْ يَفْتَقِرَ المشْفوعُ لك فيه إلى ضمانِ. بقيتَ للفضلِ رَبْعاً يُحَطُّ لديه، وثِمالاً يُعَوَّلُ عليه. والسلام. وفي فصل: وفلانٌ أعزَّهُ الله بِتَقْواه، وأعانه على مانواه، مِمَّنْ لهُ منَ العِلْمِ حظٌّّ وافرٌ، ووجْهُ سافر، وعندَهُ دواوينُ أَغْفالٍ، لمْ تُفْتَحْ لها على الشيوخِ أقْفال. وقصدَ تلكَ الحضرة ليُقيمَ أوَدَ متُونها، ويُعاني رَمَدَ عُيُونها، وله إلَيْنا وسائلُ أوْجبَت الإشادة بذكره، والاعْتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفِيَّةٌ تَقْتَضي مُخاطَبَتَكَ بخَبَرِهِ، وإنْهاضَكَ إلى قضاء وطره، وأنتَ - إنْ شاء الله - تُسدِّدُ عَمَله، وتُقرِّبُ أمَلَهُ، وتُسَبِّبُ أسْبابَ العَوْنِ لهُ. وفي فصل: أما وَكنَفُ بِرِّكَ لمنْ أمًّكَ من أهْلِ الفضْلِ مُمَهَّدٌ، وجفنُ رِعايَتِكَ لهمْ
следующие страницы →