← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأعْرَضَ الإقْبَالُ، ومنْ أَنْواعِ الدَّاء ما لا طِبَّ لَهُ إلاَّ الانْتقال، ومنْ زالتْ بهِ الدَّارُ، فحَقُّهُ الزَّوالُ. وسألني، والذِّمامُ يُطيعُه، وإدارَةُ الخيْرِ لا تُضيعُهُ، مُخاطَبَتكَ، فأجَبْتُهُ، ولعَلَّ الله تعالى قد اخْتارَكَ لمثواه، وجَعَلَكَ ربَّ نُعْماه، لا زِلْتَ للأحْرارِ مُصْطَنعاً، ولحاجاتِ الأوْلياء موضعاً، وأَقْرأُ عليكَ - دامَ عِزُّكَ - أَعَمَّ سلامٍ وأَوْفاه، وأَبَرَّه وأَحْفلَه. ثُمَّ السَّلامُ المُرَدَّدُ المجدَّدُ عليك، ورحمة الله تعالى وبركاته. وله في المعنى: أطال الله بقاء الأمير الأجَّلِّ، الملِكِ السيد الأفْضَلِ، وَعَدْلُهُ ممدود، وناديه بكُلِّ صالِحةٍ مشهودٌ، ورِفْقُهُ معْهود، وبابُ مُلْكهِ موْرود، ولازالَ تُفْتَح به، بعد الوفودِ وفود. الأميرُ الأجَلُّ - أيَّدَه الله - بما وضع الله له مِنَ القُبولِ، والعدل المُطَّرِد الموصول، تتسابَقُ الحسناتُ إليه، وتترادَفُ الخيْراتُ عليه، والله عزَّ اسمه يدَّخِرُ لَهُ ما يُجْريه منَ المَكْرماتِ على يديْه، ويُتِم لَهُ النِّعْمة الراهنة لديْهِ، وأنَّ فُلاناً - أَعزَّه الله - منْ أعيانِ كذا، وذوي السَّلَفِ الطاهرِ فيهما طاعَتهُ - أعزه الله - ذَكَر أنَّهُ سُعِيَ بَيْنَهُ وبيْنَ فلان بِفسادٍ، وتَنَكَّرَ لَهُ بعْدَ البرِّ المُعْتادِ، وهوَ بعدْلِ الأمير الأجل - أيَّدَهُ الله - لائِذٌ، ومنْ كلِّ ما يُنْفِقُ عليهِ عائذٌ، وسبَقَ لهُ إلى هذه الحضرة تَكْرارٌ أشْهَرَ بها عيْنَهُ، وأَثْبَتَ المودَّة بين أَهْلِها وبينه، وقامَ بينَ يَدَيْهِ منْ وسائلِ أوْليائهِ فيها ما يُؤنِسُ مَقْصِدَه، ويُقيمُ أوَدَه، على أنَّ الأميرَ الأجلَّ - أيَّدَهُ الله - لِكَرَم السَّجية، والشِّيمِ الرَّضيَّة، وسِيَرِه الفاضِلة في الرَّعية، لا يَحْتاجُ معَهُ إلى شفيعِ، ولا يتَوَسَّلُ إليْهِ بأَجْدى منْ خُلُقِهِ الرَّفيع. أمَدَّه الله بحُسْنِ الصنيع، وأَبْقاه مشكوراً منَ الجميع، بِجُودهِ ومجْدِه. والسلام. وفي المعنى لابن طاهر:

стр. 282

أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ ناصر الدوْلة ومُعِزّ المِلَّةِ، وأَيَّدَهُ، وأَعْلى يدَهُ: الشفاعاتُ - أَيَّدَكَ الله - على قَدْرِ مُلْتَحِفيها، ولكُلِّ عنْدَكَ منْزِلةٌ يُوافيها، ولمَّا تأمَّلَ ذو الوزارتين الفاضلُ أبو فلان - أبقاه الله - مالَكَ في الناس، منَ الطَّوْلِ والإيناس، بما جُبلتَ عليه من شرَفِ السجية، والهممِ العليَّة، حتى مالتْ إلَيْكَ الأهْواءُ، وارْتَفَعَ لَكَ بالحمدِ اللِّواءُ، قصدَ ذراكَ، واعْتَقَدَ اليُمْنَ في أَنْ يراكَ، فيَملأَ منْ زهرِ العُلا أَجْفاناً، ومنْ نهرِ النّدى جِفاناً، ويَسْتَبْدِلَ منْ صدِّ الزَّمانِ إقْبالاً، ومنْ تهاوُنِ الأيامِ اهْتِبالاً، ولهُ قِدَمُ الوَجاهة، وقَدَمُ النَّباهةِ، ويَدُلُّ عليْهِ بيانُهُ، كما يَدُلُّ على الجوادِ عِنانُهُ، وأرْجو أنْ ينالَ بكَ الآمالَ غَضَّة، والأيادي مُبْيَضَّة، فأقُومُ على مِنْبَرِ الثناء خطيباً، وأُوقِدُ على جَمْرِ الآلاءِ عُوداً رطيباً، لازِلْتَ للقاصدينَ ملاذاً، وللرَّاغبينَ عياذاً. وكتب في المعنى أبو مروان بن أبي الخصال: سيدي الأكرم، وملاذي الأَعْصم، دُمْتَ في السعد الأَدْوم، والثَّناء الأفخَم، أما أعزَّك الله بما أَلْتَزِمُهُ منْ برك، أتحامى كثرة التكليف، وأَميلُ إلى جانِبِ التَّخْفيف، وكُنْتُ اعْتَقَدْتُ بعْدَما أُسْعِفْتُ فيه منْ مَرْغُوبٍ ألاَّ أُكلف سواه مَجْدكَ، فأحوزَ رُتْبَةَ المُخْلِفِ عنْدَكَ، (لكنِّي أرى الحديث شجوناً). وهذا الفتى، موصلُ الرُّقعة، هو في أهل الصيانة معُدودٌ، ولهُ في تخَدُّمِ جوانِحِ الأعْيانِ منابٌ محمودٌ، وعنْده عيالٌ، وفي حاله إقْلالٌ، وهو مطْلوبٌ بعدد يؤدِّه

стр. 283

وإنْ قلَّ، ومُخِلٌّ بوفره فيما أخلَّ، فإنْ وسعه الاحتمالُ، ووقعَ لهُ الاحتيالُ، أنْعمت بالهُ ونَعَّشْتَ عياله، وكأنَّما حُزْتَ الحُسْنى لهُ، ثمَّ يُثْبتُ لك في ديوان المُنَعمينَ ذكْرٌ جميل، ولنْ يضيعَ منَ الخيْر فتيلٌ. وأمَّا ما أتوَخَّاهُ منْ شُكْرِ هذه إليْكَ فما يَتَّصِلُ مع الأبدَ، ويَقْصُرُ فيه اليوم مع الغدِ. وفي المعنى لأبي عبد الله أخيه: سيدي الأعلى، وعمادي الأَوْثَقَ الأسنى، وحظِّي الأكرم الأوفى. بقيتَ لضيْمٍ تدْفَعُهُ، وباطِل تدعه، وَعَلمٍ في إقامة الدين ترفعه. أَبَرَّ الأعمال ظلامَة تردُّ، ودِعامَة في الحقِّ تُشَدُّ، وباب جورٍ عن الناسِ يُغْلَقُ ويُسَدُّ. وإنَّ المؤذن أبا فُلان - أبْقاه الله - طُرِفَ عن خِطته في الأذانِ، بما أَدْركَهُ منْ بَغْيٍ، وخبيثِ سعْي، وأُعْلِمْتُ أنّ قاضي الجماعة - أدام الله توفيقه - أشار بإعادته إلى أذانه، وإثباته في الرتبة الأولى منْ مكانه. ولمْ أشُكَّ أنّ إشارَتَهُ - وُصِلَ توفيقه - أمْضى من التصريح، واللسانِ الفصيح. غير أنَّ المؤذِّنَ المذكور عناني بعضُ أمره، وتَوجَّه إليَّ لشدِّ أزْرِه، ولعلَّ الخُطَّة تسَعُهُ، ومنْ كان أَمَلُهُ فيها موضعُه، وإنْ ضاقَ عنْهما الاحْتمالُ، فالذي بُغِيَ عليه أوْلى أنْ يُنْصَرَ، وأحَقُّ أنْ يؤْخَدَ بيدِهِ إذا عثرَ. وأنتَ بفضْلك تأتي هذا الأمر منْ بابه، وتُحرزُ إنْ شاء الله فضل ثوابه. والسلام.

стр. 284

وله في المعنى: خَطَطْتُ هذه الأحرُفَ، أطال الله بقاء ذي الوزارتين الأجل، السيد الأوْحد الأكمل، على استحثاثٍ حفزَ، ووقْتٍ أوْجَبَ أنْ أوجِز، وعظيمِ شُغْلٍ بلَّدَ الخاطر وأعجز. وهي مُتَأَدِّيَّةٌ إليه من يدي، وفي صحُْبَة كبدي. والجلاءُ منْ هذا أنَّ سَليلَ نِعمتكَ القاسمَ ولدي، يَمَّمَ تِلْكَ الحضْرَة التي بكَ بهاؤُها، ولأجْلِكَ يجبُ اعْتمادُها، واتِّخاذُها مُبْتَغى سبب، منْ تقْييدِ سُنَّةٍ وأدَب. فاضْمُمْهُ أيُّها السَّيِّدُ إليكَ ابْناً، واستخدمه، إنْ شئتَ عبْداً قنَّا، فمِنَ رضايَ ورِضاهُ، أنْ تكونَ سيِّدَهُ ومولاهُ. ولم أَمْلِكْ مزيداً على هذه الأحرف. والله المستعان. ولغيره في المعنى: أكرمُ يد - أعزكَ الله - يُقَلِّدُها المرءُ جيدَ مجْدِه، ويُزَيِّنُ بها ديوانَ حمده، ما سَدَّ خلَّةً منْ حسيبٍ، أَقْعَدَتْهُ يدُ الدَّهر المريبِ، وموصلهُ - وصلَ الله حُرْمتَكَ بالسلامة، منْ قلَّدَ الأيام أبو فلان - رضي الله عنه - فإنَّه توسَّلَ بي إلى مكارِمكَ في ترميقِ حالتِه، والرَّمَّ لحوالَتِهِ، فإنَّما جَفَّتْ غضارَتهُ بعدْ النِّعْمة، وبدَّلَتْهُ بالتقتير منْ رغدِ النِّعْمة، وحوَّلتْهُ إلى الضِّيقِ بعدَ السَّعَة، وإلى التُّجُولِ مِنَ الدَّعَة، ومثْلُكَ، ولامثيلَ لكَ، رقَّ لما بِهِ، ورَعاهُ لشرف نِصَابِه، واغْتَنِمِ الصنيعة فيه، وحَقِّق ضماني عنْده وما يرْتجيه. فإنكَ ستجْزِلُ بما تُسْديه، أجْمَلَ الذِّكرِ، وأحفَلَ الشكرِ، مع الأجْرِ المَغْبُوطِ والذخْرِ المحوطِ. والله تعالى لا يعْدِمُكَ ارْتهانَ المِنَنِ وارْتباطَ الأحرارِ، ويَحْرُسُكَ منْ حوادثِ الليْل والنهارِ.

стр. 285

وفي فصل: وفلانٌ ممنْ يأوي إلى خيرِ وصلاح، ويسْتَضيءُ منْ طلَبِ العلم بمصباحِ، وبحَسَبِ ذلكَ أُحِبُّ حياطَتَهُ، وأريد إرادَتَهُ، ورَغْبَتي حفِيَّةٌ لدى مَجْدِكَ في أنْ تَضَعَه منك ببالٍ، وتُخَفِّفَ ما يطرأُ عليهِ من أثْقال، وتُقلِّده منْ مُحاَفَظَتِكَ ما يَحْصُلُ به على مزِيَّةِ حالٍ، حتّى يُرى عليه أثرُ الشافعِِ، وتَلذَّ خبَرَهُ أُذْنُ السَّامِع، وثقتي بما خَطَطْتُ لكَ منْ سُطُورِي هذه أَغْنَتْني عنِ الاحْتفالِ، والإلْحافِ في السُّؤالِ، وأنتَ أرْطَبُ عوداً، وأخْصَبُ نائلاً وجوداً، منْ أنْ يُثْنِيَكَ عن العُلا ثانٍ، أوْ يَفْتَقِرَ المشْفوعُ لك فيه إلى ضمانِ. بقيتَ للفضلِ رَبْعاً يُحَطُّ لديه، وثِمالاً يُعَوَّلُ عليه. والسلام. وفي فصل: وفلانٌ أعزَّهُ الله بِتَقْواه، وأعانه على مانواه، مِمَّنْ لهُ منَ العِلْمِ حظٌّّ وافرٌ، ووجْهُ سافر، وعندَهُ دواوينُ أَغْفالٍ، لمْ تُفْتَحْ لها على الشيوخِ أقْفال. وقصدَ تلكَ الحضرة ليُقيمَ أوَدَ متُونها، ويُعاني رَمَدَ عُيُونها، وله إلَيْنا وسائلُ أوْجبَت الإشادة بذكره، والاعْتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفِيَّةٌ تَقْتَضي مُخاطَبَتَكَ بخَبَرِهِ، وإنْهاضَكَ إلى قضاء وطره، وأنتَ - إنْ شاء الله - تُسدِّدُ عَمَله، وتُقرِّبُ أمَلَهُ، وتُسَبِّبُ أسْبابَ العَوْنِ لهُ. وفي فصل: أما وَكنَفُ بِرِّكَ لمنْ أمًّكَ من أهْلِ الفضْلِ مُمَهَّدٌ، وجفنُ رِعايَتِكَ لهمْ

стр. 286

مُسَهَّدٌ، ومنزِلُ حفايتكَ بهم مُتَعهَّد، فكُلُّ وعْرٍ يلْقونَهُ في سبيل قَصْدِكَ مُسْتَسْهل، لا يَمُرُّ لهم دونكَ مَنْهل، ولا يضلُّ بهم، وأنت العلم، مَجْهل، ومِمّنْ رأَى أنْ يقْتَحِمَ نحْوَكَ ظهره لحجَّة ومحجَّة، ويقرن في أُمّ كعبةِ فَضْلكَ بينَ عُمْرَةٍ وحَجَّة، ويرْحل إلى حضرتِكَ المألوفة مُهاجِراً، ويَعْتَمِدَها في طَلَبِ العلْمِ تاجراً، ليَجْتَهِدَ في جَمْعه وكسبه اجتهادَ مُغْترب، ويملأَ منْ فوائدِهِ وفرائده وعاءً غير سَرِب. ومذْهبُهُ الاقتباسُ منْ أنْوارِك، والالْتباسُ منَ الدَّهرِ بِجوارِكَ، والاستئْناسُ بأسِرَّةِ بشْرِكَ ومسَرَّةِ حوارِك فلان، وله في الفضل مذهب، يبهرج عنده الذهب، وعنده في النُّبلِ غرائب، لا يُفارِقُ زَنْدَها اللهبُ وسَتُقْرِبُهُ فَتستغرِبُه، وتخبره، فتكبره، إن شاء الله. وفي فصل كتبه أبو القاسم بن الجد إلى أبي الحسن بن الأخضر رحمة الله عليهما: إذا كان عهد الإخاء ممَّا رقَمَتْه يدُ الطَّلَبِ، في صفْحةِ الأدبِ، لمْ ينْسخْ لهُ الدَّهرُ حُكْماً، ولا أحالَ الزَّمَنُ منه رسماً؛ بلْ يتجدَّدُ على تقادُمِ الأحقابِ، ويتردَّدُ أبداً في غضارة، الشباب وإنّما هو في الحقيقة نسبٌ لا يَخْفى، ورحمٌ لا يَجِفُّ لها ثرى، وذمامٌ تُثْنى عليه الخناصر، والْتحامٌ تُشير إليْهِ البناصِرُ. فالأديبُ صنْو الأديب، وكفى شاهداً بتمازج القلوب. وفي علمك ما سلف

стр. 287

بيننا من العهد المُزْري حُسنُه بِزَمَنِ الوردِ، سقاه الله صوب العهاد، ولا زال مُخْضَرَّ المرَاد، فما كان إلا غُرَّةً انْتُهِزَتْ منْ تهاتُفِ البيضِ الغرائرِ، ولُمْعة اقْتُبِسَتْ من تضاحُك الترائبِ تحت سود الغدائر. ولما علم أبو فلان، حليفُ شُكْرِكَ، وأليفُ بِرِّك، ما بيننا منَ المناسبِ الرُّوحانية، والمذاهبِ الأدبية، استنهضني لشكر ما خصصته به من تقريب مَحَلٍّ، وتَخْفيفِ كَلِّ. فنَهَضْتُ في ذلكَ نهوضَ المبدئ المُعيد، والْتحفْت برداءِ الثَّناء عليْكَ في المَحْفَلِ المشْهودِ، وسَرَّني كونُ هذا الفتى الدمث الخليقة، السَّديد الطريقة، منْ إنْشاء تخريجكَ وتفهيمكَ، وأغْصانِ تَثْقيفكَ وتقويمِكَ، فإنّه يَقومُ بشكرما تُسْديه إليْه، ويفي بصونِ ما تودِعه لديه، وليسَ كلُّ منْ أُوليَ الجميلَ يشكر، ولا كلُّ شجر وإنْ سُقيَ يُثْمِر، وأنت بسروكَ توسعُ قريحته ذكاء، وصفْحتهجلاءً، حتى يَخْلُصَ خُلُوصَ الذهب، ويتخصص بحلْية الأدب، مُحْرزاً في ذلك ذكراً يشيعُ خبره، ويفوح عنْبَره، والله تعالى يُبْقيكَ لهذا الشأْنِ تُذيعُ أسْرارَه، وترفَعُ منارَه. وكتب أيضاً لغيره في المعنى: مَنْ دفعَتْهُ الأيام - أعزّك الله - إلى التَّقلُّبِ في الأقطار، والتَّكَسُّبِ بالأشعار، لم يَخْفَ عليه تواضع الأحرار، في النُّجود والأغْوار. على أنَّ رسمَ الشعْرِ قدْ درَسَ أَوْكادَ، ومُرْتادَ البِرِّ قدْ عدِمَ المُرادُ والمَرَاد؛ إلا أنَّ صاحِبَ هذا الشأنِ لا بُدَّ أنْ يتَصَرَّفَ، أَنْْجَحَ أوْ أخْفَقَ، ويتسَوَّقُ كسد أو نفق.

стр. 288

وأبو فلان ممن دخل ذلك الصنع فأحْمده، وتخيل يُمْنَ مُعَاوَدَته فاعتمده، وله في صنعةِ القريضِ باعٌ، وبشُكْر ما يُولى اضطلاعٌ، وبين فكَّيْه لسانٌ كشقَّة مِبْرد، أوْ ظُبة حسامِ فردٍ، ولمَّا كنت - أعزَّكَ الله مُقَدَّما في أعْلام مِصْرِك، وأَعْيانِ عصركَ، وعَلِمَ ما بيْننا منْ سهْمِ الوِدادِ، وكريمِ الإعْتِقادِ، سألني مُخاطبَتَكَ راغباً في أنْ تُسَدِّدَ له هنالكَ غرضاً، وتُسَهِّلَ منْ حياضِ امله فُرَصاً، وترفع له في سبيل التَّزْكيَّةِ مناراً، وتُقَلِّدَهُ منْ صَوْغِ التّحْلية طوقاً وسِواراً، فأجبتهُ لما يمُتُّ به إلىَّ منْ وكيدِ ذمامِ، وحميدِ إِلْمام، والثِّقة بنُزُول رَغْبتي إليكَ على طرفِ ثمام، وشرف اهتمام. وأنتَ بسَرْوِكَ تُدْنيه منْ كنَفيْ قُبُولكَ وإقْبالكَ، ولا تُخْليه من الأُنْسِ بِتَهَمُّمِكَ واهْتِبالِكَ، حتى يَصْدُرَ وهجيراه شُكر إجْمالكَ ونشر صنيعة منْ جاهكَ أوْ مالكَ إن شاء الله. وله في المعنى: من عهد - أعزَّك الله - أُنْسَ فِنَائِكَ، وحُسْنَ اعْتنائك، وألِفَ برْدَ أفْيائكَ، ولينَ أرْجائكَ، لمْ يحبسْهُ عنكَ مَسكَن ولا وطن، ولا لذَّ له في غير حجركَ وظلِّكَ وسنٌ، فمُولِي الجميل محْبوبٌ، ومكان الأنْسِ مطلوبٌ، وفي عِلْمِكَ أنَّ النُّفوس تلْتَمِسُ الرُّجْحانَ، وتعتمدُ الفضلَ حيثُ كان. وفلانٌ ممن قَيَّدَهُ إحسانُكَ، واسْتَعْبدَه امتنانُكَ، فهو لا يعْدِلُ بكَ أحداً، ولا

стр. 289

يحُلُّ عنْ عِصْمَةِ تأميلكَ يدأَ، فإذا بعد عنْ جنابِكَ لمْ يَسُغْ له قرار، ولا اطمأنتْ به دار. وقد بعثهُ صدْقُ الانْقطاع إليْكَ، على حَسْمِ العُلَقِ الموجِبَة لبُعده عن ظلِّ جناحِكَ، وأُنْس الْتِماحِكَ، ولمْ يبْقَ له في غير مكانِكَ، سببٌ يجْذِبُهُ، ولا أملٌ يُصَدِّقٌه أوْ يُكَذِّبُهُ. وأنتَ بِمَجْدِكَ تُوالي اصطناعه، وتُراعي انْقطاعه، وتلحظُ بعينِ تهمُّمِك ضياعَهُ.

стр. 290

فصل ومن أحسن ما كتبوا في التهنئة من الكلام الرفيع والنثر المشتمل على كل معنى بديع: ابن أبي الخصال: سَكَنَ الزَّمان فلا يَد مذْمُومة ... للحادثات ولا سوامٌ تَذْعرُ أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأكرم الأفضل، والبشائرُ إليه تسْتَبِقُ، والفُتوحُ في أَعْدائه تَتّسِقُ، وأَلَوِيَةُ نصرِهِ تَخْفِقُ، ووُفودُ التَّهْنئةِ نحْوه تزْدَحِمُ، والحُتُوفُ على أقْتالِه تَقْتَحِمُ، والمنايا فيهم شرقاً وغرباً تحْتَكِمُ، وسيوفُ الحقِّ في أوصالهم تُطَبِّقُ وتُصمِّمُ. كتبتهُ، كتبَ الله لكم الذِّكْرَ الأرْفع، والسَّعدَ الأنْصع، والفضْلَ الأعَمَّ الأوْسع، عنْ دعاءٍ يرْفَعُهُ إخْلاصٌ، وَوَلاَءٍ لا يضَعُهُ انتِقاصٌ، وشُكْر يسْتنْزِلُ النِّعمَ، كما يسْتَنْزِلُ العُصْمَ اقْتِناصٌ، واستمساكٍ بآيه وظِلِّهِ الذي هو منَ

стр. 291

الأَيَّامِ مناَصٌ، وعلى الكِرامِ جُنَنٌ واقية ودِلاصٌ، وتَشيع في عُلاه، وتَسُرُّعٍ إلى رِضاه. يكافئُ إحْسانهُ منه عموم واخْتِصاص. والله المليُّ بِتَتْميمِ ما يَعْجِزُ عنه الشكرُ، ولا يَبْلُغُ كنْهَهُ الذِّكرُ. فقد أوْضَحَ لنَصْرِ الإسْلامِ سُنناً، وأبْلى المُسْلِمينَ والأميرَ المؤيِّدَ منهُ بلاءً حسناً، وأوْسعَ العُيُونَ الساهرة قُرَّةً ووسناً، وأعاد الليْلَ، وقدْ كانَ مُعْتَرَكَ الهمومِ الوالِجة سكناً، بِمهْلك المارقين النَّاكثينَ الذين جعلَ الله لِمَهْلِكهِمْ موعداً، (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا). اطَّلعَ اللهُ عليهم فقَلاهم ومَقَتَهُم، وعمَّهُم، لاجْتِرائهم وافْترائهم، بعذابٍ سَحَتَهُمْ. لجُّوا في الضَّغَائنِ والإصْرارِ، و (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ). فتِلْكَ أنْواحهم في آفاقِ الديارمُرْتَقِيَةٌ، وأرْواحُهم في أطباقِ النَّارِ مُلْتَقِيَة، كادوا الإيمانَ، وآسفوا الرحمن، وتقارَضوا الإفْكَ والبُهتان، واسْتَخَفُّوا الجهَّال، وأمَّلُّوا الآمال. وما بَقَاءُ فلان الطَّريدِ المَلْعونِ، وقدْ فُجِعَ بخليلِه المفْتون، ورسولِه المجْنُونِ، وجمْعِهِ الذي أوْدَتْ به رَحَى الحربِ الزَّبُونِ، ونَعى إليّه نفسه الخبيثة رأس الكفرة

стр. 292

غشتون. وصَمَدَ القَدَرُ إلى اعْتِرافِهم، وشرعَ في خَفْضِ أعْلامِهم، وبَدَأَ بَنَقْضِ إبْرامِهم. فباطِلُهُم بائرٌ زاهقٌ، وآخرهم بأوَّلِهم لاحِقٌ، ونِظامهم التَّالي في التَّناثُرِ مُتسابِقٌ. فالحمد لله الذي ما شاء صَنَعَ، ولا مانِعَ لِما أَعْطى ولا مُعْطي لِما مَنَعَ، ذَكَّرَ المؤمنين بنعمته تخْويفاً وتَحْذيراً، وأَذْهَبَ عنهم الرِّجْس وطَهَّرَهم تطهيراً. واستدرجَ الظالمين فاستكبروا في أنفسهم وَعَتَوْا عُتُوَّا كبيراً حتّى إذا ذَلَّتِ الرِّقابُ وخَضَعَتْ، ونكَسَتِ الأبْصارُ وخَشَعَتْ، ومالَ البأْسُ بالرَّجاء، وضاقتْ بما رَحُبَتْ فسَحاتُ الأرْجاء؛ تدارَكَهم منه الجميلُ وصَفْحُهُ، وجاءهم نصرُهُ العزيزُ وفتْحُه. وكم قدْ رأَيْنا السُّحُبَ قاسِيَةً جامِدَة، والأرْضَ خاشعَةً هامِدَةً، فمَنَّ بِنِعْمَتِهِ المَطَر، وتلاحقَ اليُسْرُ منْ أمرِه واحدَةً كلمْحِ البصرِ. فإذا آثار رحْمةِ الله قدْ وَضَحَتْ وتَبَيَّنَتْ، والأرْضُ قدْ أخَذَتْ زُخْرُفَها وازَّيَنَتْ.

стр. 293

حكمةٌ من الله بالِغةٌ، ونِعْمَةٌ في طَيِّ المكْروهِ سابِغةٌ. فلَوْلا الكدَرُ ما عَذُبَ الصَّفْوُ، ولوْلا الذَّنْبُ لما عرِف العَفْوُ. فهَنيئاً للأمير الأجَلِّ، المَلِكِ الأفْضلِ ما ارْتداه في تِلْكَ المواطنِ من النَّصْرِ، وأُفْرغَ عليه من الصَّبْرِ، وانْتَشَرَ لَهُ منَ الصيتِ العالي والذِّكْر. فلقد أَلَفْاهُ الأمير أَيَّدَهُ الله في تلكَ الشدائد أشدَّ رُكْنٍ، وأَثْبَثَ رِدْءٍ. ولَقد كافَح عنْ مُلْكِه، ودرأَ عنْ سُْطانه أكْرَمَ دَرْءٍ. دافع الله له عنْ حَوْبائِهِ ومَتَّعَ دولتهُ الغرَّاءَ بمشْهده السامي وغنائه، وجزاهُ منْ نصيحته الحفية، ومُوالاتِه الصريحة الوفيَّة أحْسنَ جزائِهِ. مكان القوْلِ - أيَّدَهُ الله - مُتّسِع، ولسانُ البيانِ عنْ غايَتِهِ منْقَطِع. وحَسْبيَ اعترافٌ بأيادِيهِ، وخِدْمَتي تَقْتَضي حقَّ ناديه، والله تعالى يُظْهر أمْرَه ويُعْليه، وعلى أكرمِ ما عوَّدَه يُجْريه. وأقرأُ على حضرتِهِ الجليلة أرْفعَ التَّحِيَّاتِ وأَوْفاها، وأَبَرَّها وأَتْقاها، وأَدْوَمَها وأَبْقَاها. ثُمَّ السلامُ المُضاعَفُ المُرَدَّدُ، الموالي المُجدَّدُ عليها ورحمة الله. وفي المعنى لأبي عبد الله بن أبي الخصال: كتابُنا بعد صَدرِنا عن الغزو الذي نحن فيه. والحمد لله بين أمر جميلٍ، وصنيعٍ جليلٍ، وعَمَلٍ مبرورٍ يُرْفعُ، وسَعْيٍ مشكورٍ، يُضْمَنُ لصحائف القبول ويُسْتَوْدع. ونحن نشرحهُ لك حسبَ اتفاقه، ونسوقُ القول على اتِّساقه، لتتلقى فَضل الله بما تلَقَّيْناهُ منْ شُكْرِهِ، وتُقدِّر صُنْعَهُ الكريم حقَ قدره. فكانت وِجْهتنا هذه - تقبلها الله - معْقودةً أوَّلاً على قصد العدوِّ المنيخ على

стр. 294

(طُلَيْطُلَة) - أعادها الله - لرفعهِ عن عُقْرها، ودفعه عن أُفْقِها وقُطْرِها، إذ كان الدفاعُ عنْ أهلِها من قواعد الصُّلْحِ وعُقُوده، وشروطِ السَّلْمِ وعُهوده. فترامت إلى العدوّ - دمره الله - الأنباءُ بازْدِلافنا إليه، وَوَرَدَتْهُ عُيُونُهُ بِمَقْدَمنا عليه، فاستشعرَ الخوفَ رُوعُه، وفُضَّ بمَهابَتِنا جَمْعُه، ووردنا الخبر بقفوله، ونحن إذ ذاك لم نتعدَّ (غافق) - حرسها الله - فهناك عقدنا الضمير على النُّفوذِ لوجْهَتنا، والتمادي في غزوتنا، حتى نطَأ بلاده وطء مُقَيَّد، ونُعيد مصانعها كالطريق المُعَبَّد، فسرنا حتى وافينا (قَلْعَةَ رباح) - حرسها الله - فوصَلَ إلينا بها كتاب عاملِ أرِيليَة يذكر أن الجمع المنفصل آنفاً عن (طُلَيْطُلة) تأَلَّفَ مرةً في حفل، وأقبل يُريدُ غدرَ مِسْطاسة في ثلاثة آلافٍ، بين خيلٍ ورَجلٍ، ودنا حتى اضْطَرَبَ محَلَّتهُ بوادي الرَّمل فاستَخَرْنا الله على قصده، واستعنَّاه

стр. 295

سبحانه على حطمه، وصمدنا تِلْقاءهُ، وصَمَّمْنا لا ننوي إلا لقاءهُ، ووصلنا نحوه السيرَ فأدْرَكْناه، وحثثنا السعيَ وواليْناه، حتى لَحِقْناه بِدارِ الفائزَةِ، فبِتنا بها ناجزينَ لبَيَّتِنا، عامدين لِطَيَّتنا. فَوَرَدَ أيضاً كتابُ عاملِ أريلية المذكور، وأنَّ هذا العدُوَّ المُحْتل بوادي الرَّمل أسرَ رَجُلاً من أهلِ أريلية فحدَّثَهُ بما أرَدْناهُ، وأخبرهُ بقصدنا إيَّاه، فكعَّ عن المصامدةِ، وضَعُفَ عن المُقاومةِ، ونكَصَ على أَعْقابِه، ورأى أنّ وَجْهَ الحزْمِ في انْقلابِه. فحَمِدنا الله تعالى على ما أوهَنَ منْ كَيْده، وأضْعف منْ أيده، ورأينا عندما صحَّ لدينا من خبره وتبيَّناه من صَدَره، أن نجْعلَ الغزوَ إلى جِهَتيْ مَكَّادَة وشَنْت أولاليه، فَتَقَدَّمْنا نحوهما، ويَمَّمْنا بينَ أفْقهما، فقدَّمنا بين أيْدينا من العسكر - أنماه الله - أَلْفاً وخمس مائة فارسٍ، تُصْبِحُهم مُغيرة، وتحلُّ بهم دائرة مبيرة، فصبّحوا مكادة وأحْرقوها من جميع جهاتها، وشنوا الغارة على، ذواتها، واكتسحوا ما وَجَدوا من غنيمَتِهم، واسْتَوْعبَ القتْلُ والأسْرُ من أَلْفي خارج مدينتهم، ثمَّ تلَوْناهم نحن في جمعنا

стр. 296

الموفور، ولوائنا المنصور، فقدَّمْناها فما اضطربنا الأبْنية، ولا نصبنا الأخْبية، حتى دمّرْناها تدميراً، وجعلناها هبَاءً مَنْشُوراً. ودام أعداءُ الله ثُبوتاً فرشقَتْهم السهامُ، وطالعهم الحِمامُ، واشتدَّ عليهم القتالُ، وضاقَ بهم المجالُ، حتى دُخلت المدينة عليهم منْ أبوابها، وألجأهم الحَصْرُ إلى الترقي في أسبابها، والتعلق بذَوائبِ قِصابها، واسْتُبِيحَ حمى المدينة بأخْلائها، واستولى السبي والحريقُ على أرْجائها، وصارَ أمر أعداء الله آخراً إلى أن تحزبوا بالقصبة لمنعتها، واعتصموا بذِرْوَتها وعقْوتها، وكانوا عدداً جمَّاً لا طمعَ لنا في غلبتهم إلا في الأمد الطويل، والاستعداد الجليل. فأمسكنا عنهم بعد أن جدَّ عليهم البلاء، وأخذ القتل منهم والسباء، ومس كثيراً منهم القُرْحُ، وأثْخَنهُمُ الجُرْحُ، وخلال محاولتنا أمر مكادة أنفذنا إلى شنت أولاليه من عسكرنا، وقَّره الله، من عاجلها بالحَيف، وتقبَّلها بالسيفِ، فقتل رجالها، وأسر عيالها، وألحقها مُلْحَقَ أختها مكادة في التغيير، والحريق المُستطير، وصدر عنها، وقد زلزِلتْ قواعدها، وخرِّبَت معاهدها، وعوجلت بقطع الدابر، وغودِرتْ كالرسمِ الدَّاثر، وتُرِكت تنوء بالجَدِّ العاثر. وحين فراغنا من حطْمِ تلكَ الجهات، وتدويخ تلك الساحات، أخذنا في الصدر باللواء منشوراً، والجمع موفوراً، والفَتْح يُشْرِقُ نوراً، فأُبْنا، وبلاءُ الله عندنا حسن جميل، وظلّ السلامة على الأولياء ممدود ظليل. والحمد لله على ما عرَّفنا من الظَّفَر، وسوغنا من الغُنْمِ الأوفر، حمداً يتكفل بمزيد النِّعم، ويقتضي دوامَ صُنعه الأكرم. لاَ رَبَّ غيره.

стр. 297

وطالعناك لتأخذ من النعمة المتجددة بقَسْمك، وتضرب فيها بسَهْمك، وتَبُثَّها هنالك، حتى يَسْتَوي الأولياء في ذلك، وتبلغ سلاماً عميماً ورحمة الله. وكتب أيضاً في المعنى: كتَابُنا، كَتَبَ الله لنا ولكم، مِيسَمَ الظُّهورِ، واضِحُ الطريقَةِ مُسْتَقيماً، وعرَّفَنا وإيّاكم صُنْعه الجميل، شامل المَبَرَّة عميماً، وتَمَّمَ علينا وعليكمْ في عصمة الأوْلياء، والنَّصر المؤزَّر على الأعْداء نِعْمَتَه تَتْميماً، وأوْزَعَنا منْ لَطائِفِ ذِكْرِهِ، ووَظائفِ شُكْرِهِ، ما يسْتمِدُّه لزيماً ويَسْتصْحِبُهُ مُسْتَديماً. منْ فُلانَة - حرسها الله - ونحن نُمَهِّدُ لنشر سُنَنِ الله تعالى وآلائه، وذكرما أوْلاه منْ حُسْنِ بلائهِ، ونُصلي على محمد خاتِمِ أنْبيائهِ، وعلى صحابته الأكرمين، وأهل بيته الطاهرين، صلاة تقتضي حقَّه وحقَّ أصفيائه، وتَسترُ في البرِّ بِتَمامه ووفائه. وبعدُ، فإنَّ الله جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وعزَّتْ لأوْليائه نُصْرَتُهُ، وسمَا الدينُ القَيِّمُ وأُسْرتهُ، وجعَل لهم على أعْدائهم (لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، وخَذَلَ مَنْ كانَ للشيطان وليَّا، ووعدَ - جَلَّ وتعالى - وكان وعدُهُ مأتياً، وأمرهُ (حَتْمًا مَقْضِيًّا)، لَيُحْضرِنَّهم حول جهنَّم جُثِياً، و (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)، ولا أغْنى مِمَّن عمَّ شَرُّهُ العباد، وأَظْهَرَ في الأرضَ الفساد،

стр. 298

وردَّ عنْ سَننه اللاَّحبِ الجهاد، ومنعَ خيل أوْلياء الله الجهاد. فسبيلُ هَلَكَتِه - بحمد الله - قدِ انْتُهِجَتْ، وجِدَّةُ شياطينِهِ قد أُخْلِقَتْ - بحول الله - وأَنْهِجَتْ، وما اشتدَّتْ أزْمَةٌ على منِ اتَّقى الله إلا انْكَشَفتْ وانفرجتْ، ولا أيْنَعتْ للباطلِ أيْكةٌ إلا اجْتُثَّتْ بيدِ الحقِّ عُرُوقُها بعدَما وشجَتْ. فَسُيوفُ أوْلياء الله تأخُذُ من أعْدائه فوْقَ ما تدع، ويُفرِّقُ منهم ما كانَ الطُّغيانُ يجْمَعُ، وكتائبُ الإيمانِ دأْباً تَحْصُدُ ما ينْميه الكُفْرُ ويَزْرَعُ، ودونَكم - أعزَّكم الله - منْ متجدد الوقائع فيهم فتحاً مُبيناً يُشْرقُ لأْلاَؤُه ويَسْطَعُ، ويروقُ منه المرأى المبْهِجُِ والمسْمَعُ. فُتُوحٌ - بحمد الله - تتبارى، وإقبالٌ سافِرٌ لا يتوارى، وحُجَجٌ عاليةٌ يُسَلِّمُ لِبُرْهانها الساطعِ منْ يتمارى، وما بين تلك الوقائع التي طحنتهُم رَحَاها، وبين هذه التي صليَ بحرها منْ أمَّها ونَحاها، إلا عشيةٌ أوْ ضُحاها. فنُفُوسُهم بتقاضاها الإصباح والإمساءُ، ودِماؤُهُم تُحْقَنُ بإراقَتِها في حقِّها الدِّماءُ، وتروى منها كلَّ يومٍ القُلوبُ الحِرارُ والأسلُ الظِّماءُ، وتُؤدي إلى الطاعة الضافية فيها الهيْجاءُ، (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). وإنّما صارَ إليهم الأمير الأجل، ولي العهد، مَكَّن الله ظفره، وخلَّد في كلِّ صالحة أثره، تحت جناحِ ليلٍ، وفي سَرْعَانِ خيل، وخفَّ معه منَ الأبطال كلُّ ساحبِ ذيلٍ، وطالِبِ نيل، فادرعوا معه السُّرَى، وخلَّطوا نار الحرب بنار القِرَى، (وسقط العشاء بهم على أسودٍ شَرَى)، فجادت بأنْفسها أحسابٌ للصيانة تتَبَدَّلُ، وحَرِصوا على الموتِ فَوُهِبَ لهم العُمْرُ الأطول، واستوى في الذَّبِّ عن الدين المُكره والبطل، وكشفَ الله

стр. 299

تلكَ المارِقة المثيرَة، وقد اخترِم منها نُفوسُ أثيرَة. وكم منْ فئةٍ قليلَةٍ غلَبَتْ فِئةً كثيرة. وآب الأمير - أيده الله - ومنْ معه منْ حِزْبِ الله الغالبينَ، غالِبين - بحول الله - ظاهرين. وقد كفى الشاهدينَ والغائبينَ، وهذه - أعزَّكُم الله - مِنَنٌ تتْرى عليكم وُفودها، وتُؤدِّيها إليكم بيضُ الليالي وسُودُها، وتَقْذِفُ بها إلى الأغوارِ طبقاً عنْ طبَقٍ نُجُودُها، ومنْ حقِّ منْ يسهر لِكَرَاكُم، ويتَهَمَّمُ ببشراكم، ويحدوكم إلى الدُّعاءِ الصالحِ بذكراكمْ، ويَلْحَظَكمْ على البُعْد بعينِ رِعايَتِه ويراكم، أنْ تُمَهِّدوا له - أعْلى الله يَدَه - فلأنفسكم تُمَهِّدون، وفي مصالِحكم تَجْهَدونَ، وأكرم مسؤولٍ تَسْألُونَ، وأنْتُم تَقْرَأون وتتْلُون (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ). يسَّرنا الله وإِيَّاكم لإخْلاصٍ تَنْفَعُ فضيلَتُهُ، ولا تُرَدُّ وسيلتُهُ، وتَصْدُقُ بوارِقُهُ، ولا تَكْذِبُ مخِيلتُه، بوجوده ومجْدِهِ، ويُبَلِّغُونَ - أعزَّكم الله - سلاماً كثيراً أثيراً. ثمَّ السلامُ المجدَّدُ المُردَّدُ عليكمْ ورحمة الله وبركاته. وكتب أيضاً إلى بعض الأمراء: عاد الرئيس إلى الأمير كما ارْتَضى ... ومضى مَضاء المشرفيِّ المنْتضَى ظَفِرَتْ يداه بكوكب سَنَّى له ... في كل مظْلمة طريقاً أبيضا ورمى به أغراضه فأصابَها ... وكَأَنّما كانتْ ديوُناً تُقْتَضى أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ، الملكِ الأعزِّ الأفضل. وسعوده تَنْتَظِمُ، وَوُفُوده

стр. 300

تَزْدَحِمُ، ووقُودُهُ يشِبُّ ويضْطرِمُ، وسيُوفُهُ في رقابِ الأعادي تحتكمُ. ولازال اليُسْرُ منْ رواده، والنَّصر من أَمْدادِه، والعيثُ بين عاتِقِهِ ونِجادِهِ. كتَبْتُهُ، وقدْ أَرْسَلَ منْ عِنانى، وأَطْلَقَ لساني، ومدَّ منْ يدي وبَناني، ونَوَّرَ أُفُقي وجَناني، وُرُودُ عِلْقِهِ الأخطَر، ووافِدِهِ الميْمون المنْظرِ، وحُسامِهِ الذَّكرِ، وولي أيامِهِ الأفصحِ الأكبر، وسفيره في كل إقبالٍ، ورسوله في كل أمر ذي بالِ، الرئيسِِ الأجلِّ، الزَّعيمِ الأوْحدِ الأفْضل، أبي فُلان ذي الشيَمِ الزُّهْرِ، والأخْلاقِ الغُرِّ، أحسن الله ذكراه، وشكر تأْدِيبَه وسَرَاه، وحفظَ بهِ مجْدَهُ وعُلاه، وتَمامَ أدواته الباهرةِ وحُلاه. فهنَّأه الله بالنعمة الجليلة في إيَّابه، وأرْصَدَ له مُكافآتِ جدِّه وانْتِدابِهِ، ولا زال عنْ ملْكِهِ نائباً، ولِسَعْده صائباً، وبنَصْرهِ ضارباً وبِيُمْنِِ نقيبَتِهِ غالباً. ولمَّا كانتِ التَّهْنِئةُ بوُرُودِهِ منْ فُروضَ خِدْمَتِهِ، وحُقُوقِ نِعْمَتِهِ، وأدْنى القُربِ إلى هِمَّتِهِ، نفثْتُ بهذه الرُّقْعة على الهَرَم، ورَسَمْتها في ضوء مصباحٍ يهدي بصري في الظُّلَمِ: وإنَّ سِتِّينَ إلى أَرْبَعٍ ... قدْ أحْوجتْ عيْني إلى تُرْجُمانْ وفي لِساني إنْ نبا ناظري ... خيرٌ كثيرٌ وبِحَسْبي لسانْ أدْعو إلى اللهِ وأُثْني به ... على الأميرِ اليُوسُفِيِّ الهِجانْ أيْنَ الذي كانَ له المَغْربان ... طُرَّا وقدْ دانَ له المَشْرِقانْ لازالتْ دعْوتهُ عالية، وفُتُوحُهُ متَوالية. والسلامُ الأتمُّ المُردَّدُ على حضْرَتِه العالية، ورحمة الله وبركاته.

стр. 301

وكتب غيره يهنئ بِأَخْذِ معقل: جِراحَةُ الأيامِ - أيَّدكَ الله - هَدَر، وجِنايَتُها قدر، وليس للمرء حيلة، وإنَّما هي أَلْطافُ الله جميلَة، تَسْتَنْزِلُ الأعْصَمَ منْ هضابِه، وتَأخُذُ المُغْتَرَّ بأثوابه، أحْمَدُهُ عوْداً وبدْءاً على النِّعْمة التي ألْبَسَكَ سرْبالَها، والفِتْنَة التي أَطْفَأ عَنْكَ اشْتِعالَها، والرئاسة التي حَمَا فيها حِماك، ورَدَّ خاتَمَها إلى يُمْناك، وقدْ تَناوَلته يدٌ خَشْناء، فاستقالته يدك الحسناء، فلم يكنْ عِنْده أهلاً لتِلْكَ البنانة، ولارآهُ شكلاً لخِنْصِر الخِيانَةِ، والأعناقُ تقطعها المطامع، والنِّفاقُ يستو عرفيه الطامع فأَقرَّ الله الحال في نصابها، وأَبْرزها في كمالها تَتْرى بين أترابها، ووضعت الحرب أوْزارها، وأخْفَتِ الأُسودُ أَغْيالَها، وزآرها، ومنْ كانتْ مذاهبُه كمذاهبِك، وجوانِبُهُ للسلامة كجوانِبِكَ، أعْطتهُ القُلُوبُ أسْرارها، وأعْلَقَتْهُ المعاقِلُ أسْوارها، وانْجلتْ عنْهُ الظَّلْماءُ، وأكْرَمَ قرْضَه الجزاءُ، فلْيَهْنِكَ الإيَّابُ والغَنيمة، وهُما المِنَّةُ العظيمَةُ، ولْيكُنْ لهُما منْ نفسك مكانٌ، ومنْ شُكْرِِكَ لله بالموهبة إعْلان، وأمَّا حظِّي منها، فحظُّ مسْلُوبٍ أَمْكَنَهُ سلَبُه، وذي مشيبٍ عاوَدَهُ شبابُهُ وطرَبُه، ولما اقترنالي كانا مُعْظَمَ آمالي، وَعلِمْتُ أنَّ بِهِما زوال الخِلافِ، وتَوَطَّؤَ الأكنافِ، وأنَّ بالصَّدرِ تَبْتَلِجُ الصُّدور، ويَبْتَهِجُ

стр. 302

السُّرور، بادَرْتُ إلى توْفيةِ الحقِّ لك، وتَعَرَّفت الحال بكَ، مُشَيِّعاً بالدُّعاء في مزيدِكَ، ضارِعاً في الإدامَةِ لِتأْييدِكَ، فإنَّ الوقتَ إساءة وأنت إِحْسانُهُ، والخيرَ عَيْنٌ وأنتَ إِنْسانُه. والسلام. وفي المعنى لأبي نصر: أَطال الله بقاء القائد الأعْلى، ونُجُومُ السَّعْد في سمائهِ مُتَّقِدَة، وأَفْئدَةُ المجْد لِعلائِهِ مُعْتَقدة، ولازالتِ الأيامُ تطْلُعُ به سروراً، وتَدَعُ الدِّينَ بهِ مسْروراً. فقدْ ألبس الإسلامَ ظهوراً، وجعلَ يومه مشهوراً. وما تزالُ عزماتُ القائدِ الأعْلي فائزاتِ القدح المُعلى، فإذا رمى غرضاً قرطسهُ، وإذا أمَّ عَلَماً نَكَّسهُ، وإنْ قاتَلَ كتيبَةً كتَبَ إليْها من المنايا كتُباً تقَعُ عَلَيْها وتَسْقُطُ، والبيضُ تَشْكُلُها، والأسنَّةُ تنقط. ورُبَّ يومِ هياجٍ الْتَهَبَتْ جوانِبُه بتوْقُّدِ الهجيرِ، وحامَتْ كُمَاتُهُ على نهرٍ أوْ غدير. والقَتامُ قدْ تكاثَفَ كحاثِر الأنْفاسِ، وترادَفَ فمَنَعَ منْ تداني الأشخاص. والأسنة تبدو كأنَّها أنْجُمُ السماء، والسُيُوفُ تَلُوحُ كأنَّها جداوِلُ ماءٍ، فأوْرَدهم منها غُدُراً، لم يُطيقُوا عنها صدراً، وثنى إليهم قنا أَطْرافِها قِصَدٌ، وكأنَّها في سماءِ النَّقْعِ للكماةِ رَصَد، فَصَبَّحَ قُلْمُرية بكل فتى كالحُسامِ المُهَنَّدِ، طويل نجاد السيفِ رحْبِ

стр. 303

المُقَلَّد، فحالَ بسيطَها بالغارة الشّعْواء، وأراها بأنَّه منسجمُ الأهواء. فقد أحْماها وهو مُباح، وأرْواحُ فوارِسها تُسْتَباحُ، فكَأنَّ وميضَ بيضِهِ بُرُوقٌ وخواطِف، وهاماتهم أزْهارٌ وهْوَ قاطِف، ولله عقائلُ منْ سبْيهم زُفُّوا إليه، ولمْ يَخْطُبُهُنّ إلا بحرابِه، ولا أُولِمَ لَهنَّ غيرُ طعْنِه وضِرَابِه، فبرزْنَ في يومٍ مهول، ينْظُرْنَ نظرَ ذهولٍ، وقد نشَرْنَ الغدائر حزْناً، وأَسْبَلْنَ المدامِعَ مزْناً، والشُّموسُ لهنَّ حواسِد، وهنَّ لديه ملقيات كواسد. ولا بطل يرنُو إلى كاعِبٍ، وسيفُه في يده كمِخْراقِ لاعب، فَعُدْنَ مُعَطَّلاتٍ حتى منَ التَأمُّل، وأَبْدَيْن الكآبة لمَّا ضعفْنَ عنِ التَّجمُّل. وكم منْ خَوْدٍ كانت عن الحرير مرْتَفِعَة، وصوناً عن الشمس مُتَلَفِّعة. بدتْ للعيُونِ، واكْتَسَبَت ملابسَ هونٍ، فَزِعَتْ بالويلِ، وسعتْ بين أرجُل الخيل. لم تلْقَ حافِظاً، ولمْ تَر بالحَثَرِ لها لاحظاً. فأَرْضُ الرُّوم منْ وقائِعِ القائِد الأعلى قد اخْتلِسَ فُؤادُها، ويَئِسَ من استقلالها عُوَّادُها، فلازالتِ الدولة به مَحْمية الأقطار، مقضيَّةَ الأوْطارِ، تَتَوالى عليها الفُتُوحُ توالي العهادِ على الرَّوْضِ، والوِرادِ على الحوض. قوله: (في هذا المزدوج كحاثر الأنفاس وتداني الأشخاص) جمع فيها بين السين والصاد، لأنهما من مخْرج واحد، وهو المٌخْرج التاسع من مَخَارج الفم، ولا شتراكهما في الصَّفير والهمْس؛ فالجمع بينهما في مثل هذا جائز، كما فعل الراجز حيث يقول:

стр. 304

يَا أُمَّ عمرو عَجِّلي بِقُرْصِ وَعَجِّلي قَبْل طُلُوعِ الشمسِ وخبزة مثل جُماءِ التّرسِ أنشده أبو علي في كتابه (المقصور والممدود) عن ابن الأنباري عن أبي العباس عن ابن الأعرابي. وله في المعنى: كتابُنا - أبقاكم الله - والمَسَرَّاتُ تَرِدُكم، والخيراتُ تعتمِدُكم، يوم كذا من شهر كذا، وقد فتحَ الله لنا وللمسلمين، وشفى بنصره صدور قومٍ موُمنين، وأَورثنا أرض الشركِ وما كُنَّا لها وارثين. وشرحُ ذلكَ أنَّنا خرجْنا ذائبين عنْ هذا الدين أنْ يُسْتَباحَ، وحامِين لحماه أنْ يُباح، فنفرْنا خفافاً وثقالاً، وما حللنا الموثِق عقالاً، إلى أنِ احْتللنا بلاد الروم وهي آمنة تحسبُ أنَّها لا تُراع، وساكنةٌ لم يُحرِّكها قراع، قد انتشرَ أهْلُها انتِشارَ سوامِها، فروِيتْ آمالُ المُسلِمينَ بعد أُوامها، وظَلُّوا يَسْتاقونَ النعمَ، ويُوافُونَ المَغْنَمَ الأعمَّ، حتى وافينا قاعِدَتهم العُظْمى، وقدْ تسامَت عن الحوادثِ فما تخْشى لها إناخَة، وصمَّتْ عنِ الكوارثِ فما إليْها إصاخَة. فرأيْنا مَعْقِلاً لا يَبْلُغُهُ النَّجمُ، ولا يُصيبُه منهُ رجْمٌ،

стр. 305

أشبَ الجوانب، مُنْسرِبَ الذِّوائبِ، قد اخترقتِ الجداوِلُ ساحاتِه، ودَبَّجَتِ الأزاهِرُ مساحاته. وأدْواحُه تنعَطِفُ في أكُفِّ الرِّياحِ، وتكادُ تنْعَصِفُ منَ الارتياحِ، قد نشرت ورقها ذوائبُ الحِسانِ، وزهرتْ لتَأميلِها كأنّها زهرةُ بُسْتان. فرأيْنا روْضاً تروقُ، وأرْضاً كأنَّما خلع عليها الشُّروقُ، فضربتِ المَحَلاتُ بها مضارِبها، وأخَذَتْ جوانِبَها كلها مشارقها ومغاربها، فلمّا رأى أهلُها ذلك سُقِطَ في أيديهم، وحَلَّ البلاء في ناديهم، فلم يَبْرُزْ منهم ذلك اليوم أحدٌ، وصارَ الرُّعْبُ بيننا وبينَهم حدٌّ، فَبِتْنا بعد أنْ هَدَمْنا صوامعها والكنائس، وخَلَعْنا أَلْسِنَةَ تِلْكَ النَّواقِس، فلَّما بدا منَ الفَجْرِ سُفُورُ، ونشَرَ للصُّبْحِ كافُور، برزَ لنا منها أُسُودٌ على عِقْبَانٍ، وجُرْدٌ كأَنَّهم الكُثْبانُ، ونحنُ مسْتلِمونَ بالسلاحِ، مُعْلِنُونَ بدعوة الفلاح. فحملوا علينا حمْلةً ظَنَنَّا أنَّ الجبالَ إلينا زاحفةً، وكادتِ القُلُوبُ منها تعودُ واجِفَة، فصبرنا لحرِّ طعانِهم، وتجرَّعنا مرارةَ مُرَّانِهم، وأَقْبَلْناهُم وجُوهاً تتهَلَّلُ إذا عَبَسَ الحُمَامُ، وأَنْفُساً تتجَلَّدُ كلَّما عضَّها الحُسامُ. فتَجَرّعْنا الغَصصَ وتَجَرّعوا، وأَشْرَعْنا إليهم مثْلَ ما إلَيْنا أشْرعوا، وتواقفْنا طويلاً وقدْ حَمَتِ الصُّدور، وكُؤوسُ المنايا تَدُور، وعزائمُ البأسِ تُنْتَضى، والأرْواحُ تُقْتَضى، إلى أنْ صدقَ المُسْلِمونَ في الجِلادِ والطعانِ، وحملوا عليهم كأنَّهم العِقْبان، فوَلَّى المُشركونَ أمامَهم مُنْهَزِمينَ، وتَوَلاَّهم المسلمون بالسُّيوفِ مُلْتَزِمينَ، ووقفوا لهم دونَ المعقِل فلمْ يكنْ لهم مَنْفذ، وما نجا منهم ولا فذّ. وتَحَصَّلَ للمُسْلِمينَ منْ دوابِّهم وأسْلابِهم ما اسْتَوْفروهُ حظّاً، وأَقَرُّوا به لَحْظاً، والحمد لله ربِّ العالمين. وصلى الله على محمدٍ خاتم النبيين.

стр. 306

وله في المعنى: أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ للأرْضِ يتملَّكُها، ويستديرُ بسعْدِهِ فلكُها. قدِ اسْتَبْشَرَ الملك - أيّدك الله - وحقّ لهُ الاستبشارُ. فقد أوْمأ إليه السَّعْدُ وأشارَ، بما اتَّفقَ له منْ توْليتِكَ، وخَفَقَ عليها منْ أَلْوِيَتِكَ. ولقدْ حُبِيَ منْكَ بملِكٍ أمْضى من السَّهْمِ المُسَدَّدِ، رحْبِ المُقَلَّد، يتقدَّمُ حيثُ يتأَخَّرُ الذابِلُ، ويُكْرَمُ إذا بَخِلَ الوابلُ، ويحْمي الحِمى كربيعَة بن مُكَدَّم، ويسقي الظبى نجيعاً كلونِ العنْدَمِ. فهنيئاً للأنْدلس، لقد استردتْ عهد خُلَفَائها، واسْتَجَدَّتْ رُسومَ تلكَ الإمامةِ بعدَ عفائها، فكأنْ لمْ تَمُرَّ أعاصيرُها، ولمْ يَمُتْ حَكَمُها ولا ناصرُها اللذان عَمَرا رُصافة والزَّهْرا، ونكحا عقائل الرومِ. وما بذلا إلا المشرفيَّة مهراً. والله أَسْأَلُهُ إظْهارَ أيَّامِكَ، وبه أرْجو انتشارَ أعْلامِكَ، حتى يكونَ عَصْرُكَ أجْمَلَ من عَصْرِهم، ونصرُكَ أغْربَ من نصْرهم، بمَنِّهِ وطَولِهِ. وكتب أبو بكر بن عمار إلى المعتمد بن عباد عند منصرفه ظافراً من غزوة بهذا المنظوم:

стр. 307

بُشْراكَ قدْ كمُلَتْ لنا بُشْرانا ... وهَناكَ ما بِكَ سَرَّنا وهَنَانَا فتْحٌ فتَحْتَ بهِ افتتاحَكَ للهدى ... وجعلتَ من مربلَّة عُنْوانا ظَلَّلْتَ منْ شَجَرِ العَوالي دِيننا ... ورقمت منْ روضِ النَّدى دُنْيانا حَمَلَتْنا تِيجانَ سعْيِكَ للهُدى ... فلْتَحْمِلَنْ منْ شُكْرنا تيجانا أجْنَيْتَنا ثمر المنى منْ دَوْحةٍ ... لم تتخِذْ غيرَ الوغَى بُسْتانا فتْحاً تقلَّد بالسيوفِ جواهراً ... قد فصلتْ بدم العِدى مَرْجانا خلعَت به كفُّ السُّرُورِ على المُنى ... بُرْدَ النَّجاحَ مُطَرَّزا رضوانا وسَرى نسيمُ النَّصر في غُصن العُلا ... فاهتزَّ حتى خِلْتَهُ نشوانا لله حاجِبُكَ الذي جرَّدته ... سيفاً إذا نبتِ السيوف أبانا غصنٌ من العَلْياء أبدى روضة ... وطُلىً وأَثَّرَ حُسْنُهُ إحْسانا قمرٌ أعَدَّ من الجوادِ لحربه ... فُلْكاً ومنْ حِلَقِ الدروع عنانا ماءٌ إذا عنَتِ العداةُ فإن عَنَتْْ ... نارٌ تُثيرُ من العجاجِ دُخَانا أهْدى نسيمُ الفتْحِ منْ روْضِ الظُّبا ... غَضّاً يُعَطِّرُ حِمْصنا أرْدانا وجلَى عَروسَ المُلْكِ لم ينقُد لها ... في المَهْرِ إلا مُرْهَفا وَسِنانا عُرْسٌ يعودُ على عدُوِّكَ مأْتماً ... ومسَرَّةٌ تُهْدي له أحْزانا غَنَّتْ بهِ في دوحِ حمصَحمائمٌ ... نعبتْ على غرناطةٍ غِرْبانا

стр. 308

عجَباً لواهي الحبْلِ في صنْهاجةٍ ... ضاهى متينَ الحَبْلِ في قحطانَا أسْرِعْ لصرعته أبا عمروٍ فقد ... قدَّتْ لَهُ كفُّ الرَّدى أَكْفانا أيُّ جاريكَ العلا طرفاً ولمْ ... تَتْركْ ظُباكَ لراحَتَيْهِ لَبانا هَوِّنْ عليكَ فكم جموحٍ قبْله ... ألْجَمْتَهُ هذا الحسامَ فَلانا وارتَعْ وإنْ تَبْغِ ارْتِياحَكَ منهمُ ... فلقد قبَضْتَ نُفُوسَهم أثمانا سيُنيرُ رُمْحُكَ كوْكَباً ترمي بِهِ ... من نجْلِ إسحاقَ الرَّدى شيطانا ويشبُّ سيفُكَ في الوغى ناراً تُقَرْ ... رِبُ رأْسَ باديسٍ لها قُرْبانا قدرٌ من الله العظيم مُعجَّلٌ ... منْ يستطيعُ دفاعَ ما قدْ آنا أَبْشِرْ فقدْ لاحَ الصباحُ لناظرٍ ... ورأوا لمُلْكِكَ فيهمُ بُرهانا إنْ كُنْتَ منْ لخْمٍ وسُدَّتِهمُ فقد ... سادَ النبيُّ محمدٌ عدْنانا ولئن تملكْتَ الزَّمانَ فإنَّما ... أعْطيتَ حقَّكَ فيه لا عُدْوانا أنتَ القريبُ من النُّفوسِ محَلَّة ... هذا وإنْ عرَّشْتَ في كيوانا والله لا صُححَتْ أيْمانُ امرئٍ ... حتى يُصححَ حُبُّكم إيمانا

стр. 309

إنْ كنتُ معتقداً هواكمْ مِلَّةً ... فلقدْ تلوتُ بمدحكُمْ قُرآنا كيف السبيلُ لشكرِمَا أوْليْتَنَا ... ونَدَاكَ أفحم من أعدَّ لسانا حَمّلتنا ثمرَ الأيادي مُفْضَلاً ... أشْفِقْ فقدْ أثقَلْتنا أَغْصانا أمْطرْتَنا سُحْبَ المكارم ثرَّةً ... أمْسِكْ فقد خوَّفْتَنا الطُّوفانا لا صُبْحَ أشْرَق منْ جبينِكَ في وغىً ... قد حيَّرتْ في ليلها الأجْفابا أحيانُ تصدُرُ عنْ أعاديكَ الظبا ... وِِرْداً وَقَدْ أوْرَدْتها سَوْسانا في مجلسٍ أَجْريتَ فيه دماءَهم ... راحاً جعلتَ لها القنا رَيْحانا ياأيُّها الملكُ الذي عهدي به ... منْ كان ظمآنَاً إلى ظمآنا مالِي يُعَطِّلُني زماني بَعْدَما ... حلَّيْتُ فيه بمدحكَ الأزْمانا إنِّي تجِرْتُ ورَأْسُ مالي حُبُّكم ... أيَحِلُّ لي أَنْ أشْتَكى خُسْرانا بَدِّدْ دُجى ليلي بأَقْمارِ النَّدى ... فلقدْ بقِيتُ بليلها حيرانا وامنُنْ بِتَسْريحي وصكٍّ يَقْتَضي ... بُرْئي ونُصْحي للزَّمانِ أمانا واقْبَلْ إليكَ جوادَ شكري مُسْرَجاً ... إنْ أنتَ أعددتَ النَّدى ميدانا لوكان أحْراراً عداؤكَ موئلي ... لدَعوتُ أنْ تَسْتاقَهُمْ عُبْدانا لكِنْ هوى بهمُ الضَّلالُ وأَصْبَحَتْ ... هاماتُهُم لسيُوفِكمْ أَجْبانا قال أبو إسحاق: نَكْتَفي بهذا القصيد الفريد الزّاهي، على نكتَة الخطبة، ودُرَّةِ التاج، ووسْطى العُقود. والمنظومُ في هذا المعنى كثير الأنواع والضروب، ومنه المُتَعارَفُ المعاني والقصيُّ الغريب، وأبو بكر بن عمار مشهور في أكابر الأدباء، وأعلام الشعراء، مديدُ الباعِ، كثيرُ الانْطباع.

стр. 310

وكتب أبو نصر يهنئ بولاية: سيدي الأعلى، ومعتمدي للجَلَّى، وبدْرَ أسْعُدي المُجْتَلى، ومنْ أطالَ الله بقاءهُ، والأيامُ تُرْقيه أرْفَعَ مراتِبِها، وتنتظُمُ مجْدَه على ترائبها. لقد سرَّني - دام عِزُّكَ - أنْ حليَ بِكَ ذلكَ الكرسِيُّ بعد عَطَلِهِ، وحفِيَ منْكَ بفارسِهِ وبَطَلِهِ، فأنِسَ بعدَ نفاره، واقتبسَ ناراً منْ مرْخِهِ وعفارِهِوقد قَذِيَ نَاظِرُه، وشجِيَ خاطرُهُ، أسفاً على نُزُولِكم عنْ أعْوادِه، وكَلَفا بكمْ لمْ يُزِلْكم عنِ فُؤادِه، فالحمد لله الذي أصارَالأمر إلى أرْبابِهِ، وأعادَ إليْهِ أيَّامَ شبابِهِ، وسقى الله تلكَ الحضرة فإنَّها مُشْرِقَة، وغُصونُ المُنى فيها مورِقة. فكمْ حَمِدْتُ عَصْرَها، وواليتُ جنيَ الأماني وهَصْرَها، ورَحِمَ الله الذِّاهبينَ منها، فلقدْ أجْرَوْني في ميدانِ البِرِّ طلَقاً، وأرَوْني الدَّهرَ صُبْحاً وفلقاً، لا أرى مثْلَهمْ مُنْجداً ولا مُعيناً، ولا يزالُ دَمْعِي أبداً عليهم معيناً، والله تعالى يُبْقي سيدي الأعْلى جابِراً لذلكَ الصَّدْع، ورادِعاً للوْعَتِهم وأنالها بالرَّدْعِ. أبو عبد الله بن أبي الخصال: أطال الله فيما ترضاهُ يقاءكَ، ومَكّنَ سعْدَكَ وعلاءَكَ، وأَظْهَرَ مجْدَكَ وسناءكَ، وعمَّر بالآمال فناءكَ، ورفعَ في كلِّ صالحة بناءكَ، ولازِلْتَ تتعرَّفُ منْ نِعَمِهِ المزيدَ، وتَجْتَلي الصُّنْعَ الجميلَ الحميدَ، وتُدْرِكُ الشأوَ الصالِح البعيد. كتَبْتُهُ - أدامَ الله عزك - وقدْ بَلَغَني ما نيطَ بكَ من الأمر، وقُلِّدْتَ منْ حمايَةِ الثَّغْرِ، فسألْتُ الله تعالى لكَ أَعَمَّ الآضْطِلاعِ والاكتفاء، وأتَمَّ الاستقلال ... ،

стр. 311

وأنْ يؤيدكَ بنصره العزيز، ويكتُبَكَ في أهل السبْقِ والتَّبْريزِ، وأنْ يجْعَلَكَ في كنَفِهِ المنيعِ الحريزِ، وأنْ يُظْهِرَكَ على منْ يليكَ من الأعزاء، ويُبْقيكَ ميْمُونَ الأمر منصور اللِّواء، وهو تعالى بمَنِّهِ يستجيبُ لك صالحَ الدُّعاءِ، ويَمُدُّكَ بالتوفيق والتسديد في جميع الأنحاء. وله يهنئُ بولاية القضاء: أطال الله بقاء الوزير الفقيه الجليل، ذي القدر النبيل، والذكر الجميل، والمجد الأثيل، والبيتِ المُعْرِضِ في المكارم المستطيل. وَجَنَابُهُ بِدِيَمِ النِّعمِ خَضِلٌ، ومكانُهُ بِوُفُودِ السَّعدِ مُسْبِلٌ هَطِلٌ، وأيَّامُهُ تتبارى في معالٍ لهُ تبْنيها، وحظُوُظٍ تُدْنيها والقدرُ موافق فيها. مِثْلُكَ - أدامَ اللهُ عِزَّكَ - مِنَ السَّادات، المُهَيِّئينَ لدرجاتِ المجْدِ والسيادات، المُعْرِقينَ في الوجاهة، المُشْرِقينَ في مطالِعِ النَّباهَة، إذا تَبَوَّؤوا ذِرْوَةَ علاءٍ، واقتَعَدوا غاربَ سناء، وانتظموا مع النجوم في سلكِ سماءٍ، فإنَّما حازوا تُراثَ آباءٍ عنْ آباء. وتِلْكَ سبيلُهُ في خُطَّة القضاء التي هامتْ بمعاليه، ومَثُلَتْ ضارِعَةً تناديه، وتَشَبَّثَتْ بهِ تشبُّثَ العاطل بالحُلِيِّ، والعاطش بالمنهلِ الرَّوي، حتى رقَّ لها الزَّمان، فاطمأنتْ لها الدَّارُ واسْتَقَرَّ بها المكانُ.

стр. 312

فهنيئاً لها من فاضلٍ أرْوَعَ فازتْ بعُلُوِّ هِممِهِ، وأصْبَحَتْ في ذِممِهِ، وعزَّتْ بكرمِهِ؛ فالعدل لباغيه مُتاحٌ، والحَقُّ لسائلِه مُباح، ولئنْ عَمَّتْ هذه النِّعمة أُمَمآً، وشفَّتْ صُدُوراً ونَفَتْ لَمَماً. فإنِّي لمخصوصٌ منها بفضْل مزيَّةٍ، وحصَّةٍ على الحضيض عَلِيَّةِ، لِما يَجْمعُنا منْ أَذِمَّةٍ تُرْبي على النَّسَبِ، وترجح وزناً بأواصر الحسب. ولذلك ابتدرتُ المُساهمة ابتداراً، ورفقْتُ بما بيننا نداءا وشعاراً. والله يعرِّفُنا وَإيَّاهُ بركة ما قلَّده، ويُطيلُ مُدَّته ويفسحُ أمده. وبي إلى مُطالعتكَ ظمأٌ وبَرْحٌ، وشوقٌ لا يَأتي عليه تفسيرٌ ولا شَرْحٌ. والله تعالى يُعرِّفك السداد في القول والعمل، ويُبْلِغُكَ أَقْصى العُمرِ والأمل بقدرته. ولبعضهم يهنئ بولاية الوزارة: في إحاطتكَ الوافية، ودِرايَتكَ الوافرة، إنِّي بكَ - أعزَّكَ الله - راجِحُ ميزان الذُّخْر، مُنْهَلُّ ماء الفخْرِ، ثريُّ أرْضِ الوِدِّ، عطرُ رائحة العهد، وأنَّ بُشْرايَ تتابعتْ، وأنَّ هِلالكَ في الوزارةِ طَلَعَ بدْراً، وأنَّ مداكَ بها صار شَفْعاً وكان وِتْراً، فقلتُ ساقها شغفها، وزانها شرفهُ لا شرفها. فَلْيَهْنكَ حُلُولُكَ بِفَرْقَدَيْها، وجَمْعُكَ بينَ نَيِّرَيْها. وإنَّكَ مُقَلَّدُها منْ خلالِكَ فذَّا وتَوْءماً، ومُلْبِسُها منْ صفاتِك

стр. 313

طرْزاً وَعَلَماً، حُسْنَ يقينٍ، ومَتانَةدين، وطيبَ جِذْمٍ، ورُسُوخَ ورعٍ وعِلْمٍ، وأدباً كالروضِ نبَّهتْهُ الصَّبا، وكرماً كالغيثِ عَمر الرُّبا. ولقد قعدتُ للتَّهْنِئةِ فأقْبَلَتْ عليَّ هواديها، وانْقادتْ عليَّ منْ حاضرها وباديها، فإنْ تقدَّمْتُ فَلِفَرْطِ الهبَة، وإنْ تَأَخَّرْتُ فلعِظَمِ الهيْبة. قوله: (فقلت ساقها شغفها وزانها شرفه لا شرفها) من قول أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أنَّهُ لما عهد إلى عمر بن الخطاب ﵁ بالخلافة، ودفع إليه عهده مختوماً، وعمر لا يعرفُ ما فيه. فلمَّا عرفَ ما فيه رجع إلى أبي بكر حزيناً كَهَيْئَةِ الثَّكْلى، وهو يقول: (حمَّلْتَني عِبْئاً لا أَضْطَلِعُ به، وأَوْرَدْتَني مورِداً لا أدْري كيْفَ الصَّدَرُ عنه). فقال له الصديق: (ماآثرتُكَ بها، ولكني آثرْتُها بك، وما قَصَدْت مساءَتك ولكنْ رجوتُ إذخال السرور على المؤمِنين بك). ومن هذا أخد الحطيئة قوله: ما آثروكَ بها إذْ قدَّموكَ لها ... لكن لِأَنْفُسِهم كانتْ بها الأمرُ وتبعه الحسين بن مُطَيْرْ فقال: مُبْتَلَّةُ الأطْرُفِ زانتْ عُقُودها ... بأحْسَنِ مِمّا زَيَّنَتْها عُقُودُها ويروى: (مُحَصَّرة الأوساط). وتبعه الآخر فقال: وتزيدين أطيب الطِّيب طيباً ... إنْ تَمَسِّيه أيْن مثلكِ أيْنا

стр. 314

وأخذه علي بن العباس الرومي فقال: وأَحسنُ من جيدِ المليحة عِقْدُها ... وأحسنُ من سِرْبالها المتَجَرِّدُ إنما هو: (وأحسن من عقد المليحة جيدُها). وما وقع في الكتاب وهمٌ. فانظره. ويروى: (آنق من عقد المليحة) وأخذه الشريف الرضى فقال: حُلِيُّهُ جيدُهُ لا ما يُقَلِّدُهُ ... وكُحْلُهُ ما بِعَيْنَيْهِ منَ الكَحَلِ قال أبو إسحاق: وفي حفظي أبيات لأبي بكر الصولي من النظم المستحسن، والكلام العذب الحسن، وهي في معنى التهنئة بالوزارة؛ غريبة المنحى والمنزع، ويحسن إثباتها في هدا الموضع. فقال: لِيَهْنِكَ يا خير مُسْتَوْزَرِ ... خِلاَفةُ خير الورى جعفرِ إمام هدى عمَّنا جوده ... فأصبح كالعارض الممطرِ أَتَمُّ من الشمس في حسنها ... وأزهرُ منْ بدْرِها الأزهَرِِ وَلِيتَ أموراً فأوردتها ... موارد محمودة المصدرِ وحُطْتَ الإمامَ وأموالَهُ ... على رغمِ باغٍ وَمِنْ مُكْبِرٍ

стр. 315

وقد أقبلتْ نحونا فتنةٌ ... ترُوعُ بجانِبِها الأوْعرِ فأشرق رأيكَ في ليلها ... ؤأوضح للسامع المبصرِ وأصلحتَ بالعدل منْ جوْرها ... وأسرعتَ بالعُرفِ في المنكرِ وكانت سعودك في نَحْسْها ... أتمَّ سعودٍ من المشتري بحزمٍ يُجلِّي الدُّجى والعمى ... ورأيٍ يُقيم صغا الأصعرِِ فقوَّمت في ساعة بيعةً ... تميلُ لغيرك في أشْهُرِِ وددت إليها على رغمهم ... شوارد من معشر نَبَّرِِ فألْسنَة الناس مجموعة ... فمنْ بينِ داعٍ ومستبشِرِِ بقيتَ ولا زلتَ في نعمةٍ ... تدوم وتبقى على الأعْصُرِ قوله: (خِلافَةُ خير الورى جعفر) هو جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن طلحة ابن المؤمن بن جعفر المتوكل. بويع له بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، وسنه يومئذ ثلاث عشرة سنة. ودامت خلافته خمسا وعشرين سنة إلاستة عشر يوماً. استوزر في مدة خلافته اثني عشر وزيراً، وكانت في أيامه أمور وعجائب لم تكن قبل مدته. وله ألف أبو بكر محمد بن يحيى الصولي قائل هذه القصيدة، كتاب (الشبان) تسمى المقتدر بالله. وكان دُرِّيَ اللون. أحور، أصهب، ربع القامة توفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر شوال سنة عشرين وثلاث مائة.

стр. 316

وقوله: (فأشرق رأيك في ليلها) معناه أضاء. وفي كتاب الله تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا). أي أضاءت بنور ساطع ظهر فيها. قال الشاعر: أَشْرَقتَْ دارُنا وطابَ جَنَاهَا ... واسْتَرَحْنا منَ الثَّقيل فراسِ وقوله تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) أي حيث طلعت عليهم الشمس، لأن المَشْرَقَةَ، والمشْرُقَة بفتح الراء وضمها حيث يقعد المَشَرِّقُ في الشمس. قال الشاعر: تُحِبِّينَ الطَّلاقَ وأنتِ عندي ... بعيشٍ مثْل مَشْرُقَةِ الشِّتاءِ ويقال: شَرَقَت الشمس شُروقاً إذا طلعت. قال امرؤ القيس: فَصَبَّحهُ عند الشُّرُوقِ غُديَّةً وأشرقتْ، إذا أضاءت. قال الله تعالى (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ). ويقال: (لاأفعل ذلك ماذرَّ شارِقٌ): أي ماطلع قرن الشمس. ويقال: المَشْرِقُ والمغْرِبُ، والشَّرْقُ والغَرْبُ لمطلعِ الشمس ومغْربِها.

стр. 317

وقال أبو بكر بن دريد: الشرْقُ والمَشْرِقُ صد الغرْب والمغرب والمشرقان والمغربان مَشْرِقا الشتاء والصيف ومغْرباهما. والمشارِق مطالع الشمس كل يوم، وكذلك المغارب، حتى تعود إلى المشرق الأول في الحول. وأيامُ التَّشْريق أيام يُشَرَّقُ اللحم في الظِّلِّ. وقال صاحب العين: أيامُ التشريق. كانوا يُشَرِّقُون اللحم في تلك الأيام للشمس، وهي الأيامُ المعدودات، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة. ويقال: شَرِقَ الرجُلُ يشْرَقُ شَرَقاً بكسر الراء في الماضي، وفتحها في المستقبل، وفي المصدر إذا اغتص. قال عدي بن زيد: لو بِغَيْرِ الماء حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانَ بالماء اعتصاري وقال أبو تمام:

стр. 318

أغْنَيْتَ عنِّي غَنَاء الماء في الشَّرق ويقالُ: شرِقَ الثوبُ بالصَّبْغ إذا احمرَّ واشتدت حمرته. ولَطَمَ فلانٌ فلاناً فشرقَ الدم في عينيه إذا احمرت. وذكر الأصمعي أن رجلاً لَطَمَ رَجُلاً بآخر فاشرورقَتْ عينه، واغْرورقتْ، فقدِم إلى الشعبي فقال: لها أمرها حتَّى إذا ماتبوَّأتْ ... بأخْفافِها مأوىً تبوَّأَ مَضْجَعا يعني أنه لا يحكم فيها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها. وأصل الباب الطلوع. وفي الحديث (لاتَشْرِيقَ إلاّ في مصرٍ وفي مسجدٍ جامع) أي: لا صلاة عيد. وسمي الغَصَصُ شَرَقاً لأنه يطلع راجعاً. وكذلك شرق الثوب بالصبغ إذا اشتدت حمرته مشبَّه بالشمس الطالعة. وقولهم: ناقة شرقاء، إذا شقت أذنها بنصفين طولاً، لأنه شقٌّ يطلع منه ضوء وكذلك الشاة.

стр. 319

والشَّرْقُ أيْضاً طائر من الطير والصوائد مثل الصَّقر. قال الشاعر: قدَ اغْتَدي والصُّبْح ذو فَليقِ بمُلْجَمٍ أكلف شوذنيقِ أجْدَلَ أوْ شرْقٍ من الشروقِ وقوله: (يقيم صغا الأصعر)؛ أي ميَل المائل. وقد ذكر الصَّغا مشروحاً في موضعه من الجزء الثاني من هذا المجموع. والصَّعرُ داءٌ يأخُذ الإبل في أعناقها ورؤوسها، فتلوي أعناقها إلى ناحية من أجله. فشبه المتكبِّر على الناس، المُعْرِض عنهم تكبّراً لذلك. وفي الحديث (كلُّ صعَّارٍ مَلْعُون). يقال: رجل صعار؛ وهو ذو الكِبْر والأبَّهة، لأنه يميل بوجهه، ويعرض عن الناس. قال المتلمس: وكُنَّا إذا الجبَّار صعرَ خدَّه ... أَقَمنا له منْ ميْلِه قتقَوَّما وقال بشر بن خازم:

стр. 320

ألا يا عينِ فابكي لي سُمَيْرا ... إذا صعرت من الغضبِ الأُنُوفُ وسميرا أخوه. وذكر الصَّعَّار مالك بن أنس ﵀، وفسره بالنَّمَّام. وفي كتاب الله تعالى (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ). قرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب (ولا تصعّر) بغير ألف مشدد العين. وقرأ سائر السبعة بالألف من غير تشديد. وقيل هما لغتان بمعنى: لا تُعرض بوجهك عن الناس تجبراً وتكبراً. حكى سيبويه أن ضاعف وضعَّفَ بمعنىً ... صاعر وصَعَّر. وقال الأخفش: لا تصاعر بالألف لغة أهل الحجاز، وبغير ألف معَ التشديد لغة بني تميم. وروى شِبْل عن ابن كثير
следующие страницы →