Полный текст (772 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وقوله: (فأشرق رأيك في ليلها) معناه أضاء. وفي كتاب الله تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا). أي أضاءت بنور ساطع ظهر
فيها.
قال الشاعر:
أَشْرَقتَْ دارُنا وطابَ جَنَاهَا ... واسْتَرَحْنا منَ الثَّقيل فراسِ
وقوله تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) أي حيث طلعت عليهم الشمس، لأن المَشْرَقَةَ، والمشْرُقَة بفتح الراء وضمها حيث
يقعد المَشَرِّقُ في الشمس.
قال الشاعر:
تُحِبِّينَ الطَّلاقَ وأنتِ عندي ... بعيشٍ مثْل مَشْرُقَةِ الشِّتاءِ
ويقال: شَرَقَت الشمس شُروقاً إذا طلعت.
قال امرؤ القيس:
فَصَبَّحهُ عند الشُّرُوقِ غُديَّةً
وأشرقتْ، إذا أضاءت. قال الله تعالى (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ). ويقال: (لاأفعل ذلك ماذرَّ شارِقٌ): أي ماطلع قرن الشمس.
ويقال: المَشْرِقُ والمغْرِبُ، والشَّرْقُ والغَرْبُ لمطلعِ الشمس ومغْربِها.
стр. 317
وقال أبو بكر بن دريد: الشرْقُ والمَشْرِقُ صد الغرْب والمغرب والمشرقان والمغربان مَشْرِقا الشتاء
والصيف ومغْرباهما. والمشارِق مطالع الشمس كل يوم، وكذلك المغارب، حتى تعود إلى المشرق
الأول في الحول.
وأيامُ التَّشْريق أيام يُشَرَّقُ اللحم في الظِّلِّ.
وقال صاحب العين: أيامُ التشريق. كانوا يُشَرِّقُون اللحم في تلك الأيام للشمس، وهي الأيامُ
المعدودات، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة.
ويقال: شَرِقَ الرجُلُ يشْرَقُ شَرَقاً بكسر الراء في الماضي، وفتحها في المستقبل، وفي المصدر إذا
اغتص. قال عدي بن زيد:
لو بِغَيْرِ الماء حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانَ بالماء اعتصاري
وقال أبو تمام:
стр. 318
أغْنَيْتَ عنِّي غَنَاء الماء في الشَّرق
ويقالُ: شرِقَ الثوبُ بالصَّبْغ إذا احمرَّ واشتدت حمرته. ولَطَمَ فلانٌ فلاناً فشرقَ الدم في عينيه إذا
احمرت.
وذكر الأصمعي أن رجلاً لَطَمَ رَجُلاً بآخر فاشرورقَتْ عينه، واغْرورقتْ، فقدِم إلى الشعبي فقال:
لها أمرها حتَّى إذا ماتبوَّأتْ ... بأخْفافِها مأوىً تبوَّأَ مَضْجَعا
يعني أنه لا يحكم فيها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها.
وأصل الباب الطلوع.
وفي الحديث (لاتَشْرِيقَ إلاّ في مصرٍ وفي مسجدٍ جامع) أي: لا صلاة عيد.
وسمي الغَصَصُ شَرَقاً لأنه يطلع راجعاً. وكذلك شرق الثوب بالصبغ إذا اشتدت حمرته مشبَّه
بالشمس الطالعة.
وقولهم: ناقة شرقاء، إذا شقت أذنها بنصفين طولاً، لأنه شقٌّ يطلع منه ضوء وكذلك الشاة.
стр. 319
والشَّرْقُ أيْضاً طائر من الطير والصوائد مثل الصَّقر.
قال الشاعر:
قدَ اغْتَدي والصُّبْح ذو فَليقِ
بمُلْجَمٍ أكلف شوذنيقِ
أجْدَلَ أوْ شرْقٍ من الشروقِ
وقوله: (يقيم صغا الأصعر)؛ أي ميَل المائل. وقد ذكر الصَّغا مشروحاً في موضعه من الجزء الثاني
من هذا المجموع.
والصَّعرُ داءٌ يأخُذ الإبل في أعناقها ورؤوسها، فتلوي أعناقها إلى ناحية من أجله. فشبه المتكبِّر على
الناس، المُعْرِض عنهم تكبّراً لذلك.
وفي الحديث (كلُّ صعَّارٍ مَلْعُون).
يقال: رجل صعار؛ وهو ذو الكِبْر والأبَّهة، لأنه يميل بوجهه، ويعرض عن الناس. قال المتلمس:
وكُنَّا إذا الجبَّار صعرَ خدَّه ... أَقَمنا له منْ ميْلِه قتقَوَّما
وقال بشر بن خازم:
стр. 320
ألا يا عينِ فابكي لي سُمَيْرا ... إذا صعرت من الغضبِ الأُنُوفُ
وسميرا أخوه.
وذكر الصَّعَّار مالك بن أنس ﵀، وفسره بالنَّمَّام. وفي كتاب الله تعالى (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ). قرأه ابن كثير وابن
عامر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب (ولا تصعّر) بغير ألف مشدد العين. وقرأ سائر السبعة
بالألف من غير تشديد. وقيل هما لغتان بمعنى: لا تُعرض بوجهك عن الناس تجبراً وتكبراً.
حكى سيبويه أن ضاعف وضعَّفَ بمعنىً ... صاعر وصَعَّر. وقال الأخفش: لا تصاعر بالألف لغة
أهل الحجاز، وبغير ألف معَ التشديد لغة بني تميم. وروى شِبْل عن ابن كثير
стр. 321
(ولا تُصْعر) بإسكان الصاد.
وروى ذلك عن الحسن وعاصم الجحدري. والمشهور عن ابن كثير تشديد العين من غير ألف كما
تقدم.
وقرأتُ في كتاب النوادر لأبي علي البغدادي أخبرنا أبو عبد الله يعنى أبا بكر بن دريد. قال: أخبرنا
عبد الرحمن عن عمه قال: قال أعرابي كبير السِّن: أصبحتُ والله تُقيِّدني الشعرة، وأعثر بالبعرة.
وقد أقام الدَّهْرُ صَعَري، بعد أن أقمت صَعَرَه. قال أبو علي: (الصَّعر: المَيَلُ) ومعنى صَعَري في هذا
الخبر، أي مَيَلي إلى اللهو والصِّبا والعوج الذي كان في زمان الشبيبة.
يقال: رجل أصْعَر: أى مائلُ العنق، وكذلك المتكبر على الناس، يميلُ بوجهه عن الناس إلى ناحيةٍ
من الكِبْر.
رجع
وكتب بعض الأدباء إلى صديق له مهنئاً بالابتناء بأهله. وأهل الرجل زوجه. والتأهُّلُ: التَّزَوُّج،
وأهل الرجل أيضاً أخصُّ الناس به، وأهلُ الإسلام من يدين، به وأهل القرآن: من يقرؤه، ويقوم
بحقوقه. وأهل البيت سكانُه. وقولهم: مرحباً وأهلاً، أي اختصاصاً بالتحية والتكرمة. وأصل الباب:
الاختصاص. ويقال أهَّلته لهذا الأمر: أي جعلتُه أهلاً له. والأهلي خلاف البَرِّي.
وأول الرسالة:
بأيْمَن طائر وأتمِّ سعدٍ ... يكون من الكريمين اجتماع
أما أنَّه المجد اليفاعُ، والحسن المُطَاعُ، تعارفت الطباعُ، فتلاءمتِ الأنفس
стр. 322
الشعاع، كما التقى الكوكبانِ، واقترن النيران كما حاصر الريحُ الضَّيْغَم، وهاصَر النسيم الغصنَ المنَعَّم:
كما راقَ فوقَ المِعْطَفِ الصارِمِ العضبُ ... كما التفَّتِ الصهْباءُ والبارِدُ العذْبُ
بل كما فاوت القداح، ونُظم الوشاح، واعتلقَ الروضُ عبَقه، واعتَنَقَ شنٌّ طَبَقَه، فحَبَّذا النسبُ، شابكهُ
الصِّهر والحسبُ، عانده التقي البَرُّ على حين جرتِ الأيامِن، واكتنفَ الحرمَ الآمن، فبالبنين والرَّفاء،
والنعيم والصفاء، والثروة والنماء، والعزَّة القعساء الشماء، وعلى الموافقة والوفاق، والدوامِ والاتفاقِ،
والحظُوظ والحدود، والبسطاط الممدودِ، وتتابُعِ البُشرى بالفارس المولود، ومالي تأوَّدْت أعْطافاً،
وتأنَّقْتُ أوْصافاً، وتهللتُ جَذَلاً، وبسطتُ في الدعاء مَذَلاً. أَهَنَّاني الأربُ؟ أم صفا لي المشرب؟ وقد
غبتُ عن اليوم المشهود، وما عَلِمت الإذن للوفود. ولم أقم في السماط، سافراً عن وجه الاغتباط،
أتلقى الدَّالِجَ بمبرورِ التحية، وأبدي الخارج بحكم السرور والأريحيَّة، وأتَخَدَّمُ وقْعَ الوحي والإيماء،
وأتقدَّم منَ المُصافاةِ والمُوالاةِ في الغفير الجمَّاء. كلاّ، ولا شهدتُ ليلة الزفاف، وما حَلَّتْ من محاسنها
الأفواف، حيث دارت المنى سلاماً، وصارت العلا دوحة ألفافاً، وأبدى رَوْنَقَ السيف حلاء، وأبرز
عقيلة الحي هِداءً. هنالِكَ جلَّتِ النَّعماء، ونهلتِ الأظْماءُ. فيالهُ منظراً، ووعداً مُنْتَظراً، لو ناجيتهُ منْ
كثب، وَكَرَعْتُ منه في المنهل الأعذب، ولَنعمَ ما
стр. 323
مُنِحَ ذلكَ الموكبُ لماسح أهْداها جُمَلاً، فكَأنَّما أَسْداها
أملاً، أثْلَجَ الفُؤاد، وأورى الزناد، وأحقبَ المراد، وفاء بالنفس أوكاد، وقلَّتْ عنْ قراهُ، نفسٌ جندلت
يسراه، وأوجب لذكراه، وقد كان من الحقِّ أن أهاجر، وأَعْصِيَ الناهي والزاجر، فأرْقى جواراً،
وأُشْفى بالمحاضرة أُواراً، ولكنها الأيام تزع، ويغيرما أودُّ تقع، فأبْسُطُ عُذراً، وإني لك ذخراً، وطبْ
مدى الدهر خَبَراً وخُبْراً، وتملَّكْها منه أيادي غرّا. والسلامُ.
وكتب بعض الأدباء عن أمير زفَّ ابنته إلى صهره:
قد انتظَمْنا انتظام السلكِ، وصَرَّحنا عن مشارِبِ الحال الجامعة لنا قذاه كلَّ إفْكٍ وشكٍّ، وظهر الحقَُّ
المبينُ من الميْنِ، (وتبيَّنَ الصُّبح لذي عينين)، وأنفَذَتِ الهديةالمُقْتَضاة محفوفةً بالحرم والمحارمِ،
مكنوفة بالكرائم، تمَّ بالأعلامِ الأكارمِ. وأنا أسألُ الله في متوجهها ومُنْقَلَبِها الرِّعايةَ الموصولة بك،
والكفاية المعهودة منك، حتى يفئ عليها ظلُّكَ، وَيَبُوءَ بها مثوى الحماية مَحَلَُكَ، ويحميها حرْزُكَ
ومكانُك، ويأويها عزُّك وسلطانُك، ثم حسبي عليها كرمُكَ وكَنَفُكَ، وخليفتي عليها برُّكَ ولُطْفُكَ. فهي
الآن ملكُكَ، وأنت الكريمُ المُسْجِح، وبضاعة متجري وأنت المربح المنجح، والله يُبقيكَ ويُعْليكَ، وتَشُدُّ
قبْضَتُكَ على رقابِ أمانيكَ وأراجيك. ذخر الأبد، وعِمادَ الأهل والولد، وعندَكَ ثمرةُ النفسِ وفلذةُ الكبد.
فارَقْتَها عنْ شدَّةِ ضَنَانَة، وأسْلمتها بعد طول صيانة، وما زُفَّتْ إلا إلى كريمٍ يحملها محمل الأمانة،
ويقضي فيها الديانة، ويرعى لها حق انقطاعها عن أهلها، واغتِرابِها عنْ ملائها ومنْشئِها. وهو حكمُ
الله الواجب، وقدره الغالب،
стр. 324
وسُنَّتُه المشروعَة، ومشيئتُهُ المتبوعة. ولنا في رسول الله أسوة، وفيما
قاله في مثل هذه قدوة. وتلا قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) وقد قال ﵇: "فاطمة بِضْعَةٌ مني فمن أكرمها فقد
أكرمني ومن أهانها فقد أهانني اللهم بارك لها وبارك عليها".
وقد تصور لي أنّ قطعة مني فاقت منفصلة عني، فلمَّا تفكرتُ في خُرُوجِها إليك، وأنت منْ أنت
تماسكتُ، وتراجعْت عند ذلك وتمالكتُ. والله تعالى يُطْلِعُني منْ سلامة الوُصول، وكرامة الحُلُول، ما
يُقِرُّ العين، ويَسُرُّ النَّفسَ بمَنِّه.
وذكر أبو منصور في كتابه قال: لما زفّ بختيار ابنته إلى تغلب بالموصل، أمر أبا إسحاق الصابي
فكتب عنه فصلاً في المعنى استحسنه البلغاء وتحفظوه، وهو:
وقد توجَّه أبو النَّجم بدر الحرمي وهو الأمين على ما يلحظُه، والولي بما
стр. 325
يحفظه، يحمل الهدية وإنَّما نُقلتْ منْ وطنٍ إلى وطن، ومن مُعَرَّسٍ إلى مُعَرَّس، ومن مأوى برٍّ وانعطاف، إلى مأوى كرمٍ
وألْطاف، ومن منبت درتْ له نَعْمَاؤُهُ، إلى منشإ يجود عليه سماؤه، وهي بضعة مني انفصلت إليكَ،
وثمرة من جَناني حصلت لديك، ومابان عني منْ وصلتُ حبله بحبلكَ، وتخيَّرْتُ له بارعَ فضْلِكَ.
جواب هذا الفصل من إنشاء أبي الفرج الببغاء قال بعد الصدر:
وأمَّا أبو النَّجم فقد أدى الأمانة إلى أهلها، وسلَّمَ الذَّخيرة الجليلة إلى مُتَقَبِّلها، فجَلَّتْ عنِ العزِّ في
وطنها، وأوتْ منْ حِمى الأسد إلى مُستقرها، وسكنها، منتقلة من عطن الفضل والكمال، إلى كنف
السعادة والإقبال، وصادرة عن أنبل وِلادَةٍ ونسب، إلى أشرف نصاب وحسب وفي اليسير منْ لوازمِ
فُروضها، وواجباتِ حُقُوقها، ما يُغْني عنِ الوصاة بها. وكيف يوصي الناظر بنوره، أو يُحَضُّ القلبُ
على حفظِ سُرُورِه؟
стр. 326
قال أبو إسحاق:
وكناية الأُدباء عن الزوجة بالهَدِيَّة، كنايةٌ رفيعة سَنِيَّة، وكان شُعراءُ العرب في الجاهلية، وصدرِ
الإسلام يُشَبِّبُون بالنساء، ويُعلنون بأسمائهم، حى توَعَّدهم عمر بن الخطاب ﵁ على ذلك،
وعهد إليهم ألا يُشبب أحد منهم بامرأة معلناً باسمها. وقد نفى نَصْر بن الحجاج بن علاط البهزي من
المدينة، وكان فتى جميلاً، من أحسن أهل المدينة صورة حين سمع امرأة تنشد:
هلْ منْ سبيلٍ إلى خمر فأَشْرَبَها ... أمْ هل سبيلٌ إلى نصر بن حجاج
وحكى الفضل بن موسى عن داوود العطار، أنه قال: سمع سليمان بن عبد الملك في معسكره صوت
غناء، فَدَعا بهم، فقال: أمَا أنَّ الفرسَ ليصهل فتستودق له الرَّمَكَةُ، وأنَّ الجمل لَيَخْطِرُ فتضبع له
النَّاقة، وأن التِّيس لينهب
стр. 327
فتستحرمَ له العَنْز، وأن الرجل ليغني فتشتاقُ إليه المرأة. أُخْصوهُم. فقال له
عمر بن عبد العزيز إنها مُثْلة وطلب إليه فخلَّى سبيلهم.
قال: ولَمّا كان ذلك من أمر عمر بن الخطاب ﵁، عادَ الشعراء بعد ذلك يُكنون عن
النساء بالشجر، والثِّيابِ، والأزُرِ، والحُلَلِ، وما أشبهها. من ذلك قول أحدهم:
فيا سَرْحَةَ الرُّكْبانِ ظِلُّكِ بارِدٌ ... وماؤُكِ عذْبٌ لو يُباحُ لشارِبِ
ومنه قول حُمَيْد بن ثور الهلالي:
أبَى الله إِلاَّ أنَّ سرْحةَ مالِكٍ ... على كلِّ أَفْنانِ العِضاه تروقُ
فالسرحة في هذين البيتين كناية عن امرأتين.
وقال الآخر:
يا سرحَةً حرمتْ عليَّ وإنَّها ... لألذُّ منْ ماءِ الحياةِ وأعْذبُ
ما بعد ظلِّكِ لي مَقيلٌ فاعْلمي ... كَلاّ ولالِيَ بعد مائكِ مشربُ
والسَّرحة: الشجرة الملياء، ليس فيها شوك، ترتفع وتطول. وقال عمر بن
стр. 328
أبي ربيعة:
فَوَاعِدِيه سَرْحَتَيْ مالِكٍ ... أو الرُّبا بينهما أَسْهَلا
وانتصاب (أسهلا) في هذا البيت بإضمار فعل كأنه قال: ائتِني مكاناً أسهلاً. ومثله قول الآخر:
ألا يا نخلةً منْ ذاتِ عِرْقٍ ... عَلَيْكِ ورحمة الله السلامُ
كنى بالنخلة عن امرأة. وقال أبو بكر بن الأنباري في قول ليلى تصف الإبل:
رَمَوْها بِأثوابٍ خفافٍ فلنْ ترى ... لها شبهاً إلاَّ النِّعَامَ المنَفَّرا
معناه: بأَنْفُسٍ. وقال الآخر:
ألا أْبْلِغْ أبا حفْصٍ رسولاً ... فدىً لكَ من أخي ثقة إزاري
أى: فدى لكَ أهلي، وقيل نفسي.
ولما قال رسول الله ﷺ للأنصار ليلة العقبة: "أبايعكم على
стр. 329
أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". أخذ البراء بن مَعْرُور بيده وقال: نعم، والذي بعثك بالحقِّ لَنَمْنَعَنَّك مما نمْنَعُ
منه أزُرَنا؛ أي أنفسنا ونساءنا.
وعن إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي في قول الله تعالى وجل في سورة المدثر (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: معناه
نساءك طهرهن.
وعن ابن عباس والنَّخعي، وغيرهما من أهلِ العلمِ بالتفسير، أن معناه ونفسك فطهر.
وعن مجاهد فيه: أي وعملك فأصلح. والعرب تقول: فلانٌ طاهرُ الثوب، ونقيُّ الثوب. إذا كان حَسَنَ
العَمَل، طاهراً من الذنوب، ومن كل فعل مذموم. قال الشاعر:
طاهر الثوب لا يقارب حَوْباً ... أريحيّ متوّج ذُو نوالِ
وقال الآخر:
مُطَهَّرُ الثوب لا كَفاءَ له ... من قومه حين يذكر الكرمُ
فأما حديث أبي سعيد: إن الميت يُبْعَث في ثيابه التي مات فيها، فقال
стр. 330
فيه الخطابي أبو سليمان هذا يتأول على وجهين:
أحدهما أن يكون الثيابُ كناية عن العَمَل الذي يموت عليه ويختم له به، ويدلّ على ذلك حديث
الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "يبعث العبد على مامات
عليه".
ويقال: فلانٌ دَنِسُ الثوب، إذا كان خبيث الفعل والمذهب. ولَبِسَ الرجلُ ثوب غدْرٍ إذا غَدَرَ. قال
الشاعر:
فإنَّي بحمد الله لا ثوبَ غَدْرَةٍ ... لَبِسْتُ ولا منْ ريبَةٍ أتَقَنَّعُ
ويروى: (لاثوب غادر) ويروى: (ولا من فجرة).
والوجه الآخر، أن يراد بالثياب ما يُلبسُ ويكتسى؛ يُريدُ أنهم يُبعثون من قبورهم، وثيابهم عليهم ثم
يُحْشرونَ إلى الموقف حفاة عراة.
وروى بعض الصحابة أنَّهُ لمَّا حضره الموت قال: أحْسِنوا كفَني فإن الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي مات
فيها.
стр. 331
وفي الحديث فيما روى قتيبة عن الليثي عن هشام ابن سعيد عن عطاء الخرساني قال: كان عمر بن
الخطاب قد خطب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم فقال عليّ: إنها صغيرة، وإني مرْسِلُها إليكَ
حتى تنظر إلى صِغَرها. فأرسلها إليه، وقال لها: قولي له إنّ أبي يقول لك: هل رضيت الحُلَّة؟
فجاءته وقالت له ما قال لها أبوها. فلما نظر إليها، قال: نعم، قد رضيتها. فكنَّى عنها ﵁
بالحُلَّة.
والحُلَّةُ ثوبان: إزارٌ ورداء. ولا تُسمَّى حلة حتى تكون جديدة تحل عن طيها.
وقال الله تعالى وجلّ (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) فاللباس في هذه الآية كناية عن الأنفس، لأن النساء يَصِرْنَ بمنزلة ما يُلْبس.
وقال النابغة الجعدي:
إذا ما الضجيجُ ثنَى عِطْفَهُ ... تَثَنَّتْ عليه فكانتْ لِباسا
وقد كنَّت العرب عن النساء بغير ما ذكرناه من الشجر، والحُلل والأزر. من ذلك قول علقمة:
يحملن أترجَّةً نضْحَ العبير بها ... كأنَّ تَطْيابَها في الأنف مشمومُ
فجعل الأترجة كناية عن امرأة. ومنه قول عنترة:
стр. 332
ياشاةَ ما قنصٍ لمن حلَّتْ له ... حرُمَتْ عليَّ وليتَها لم تَحرمِ
فكنَّى بالشاة عن المرأة. وقال الأعشى:
فَرَمَيْتُ غَفْلةَ عينه عن شاته ... فأصبتُ حبَّةَ قلبها وَطَحَالَهَا
وقال ابن نُمير:
كأنَّ على الظَّعائن يوم بانوا ... نعاجاً ترتعي بَقْلَ البِراثِ
البِراثُ: الأماكن السهلةُ. واحدها: بَرثٌ، مفتوح الأول قاله أبو العباس فكنى بالنِّعاج عن النساء.
ومثله قول امرئ القيس:
هما نَعْجتانِ منْ نِعاجِ تبالَةٍ ... لدى جُؤْذُرين أو كبعض دُمى هَكِرْ
وفي كتاب الله تعالى (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ).
فهذا كله كناية عن النساء. والنعجة عند العرب: البقرة الوحشية. قال امرؤ القيس:
فَبَينا نعاجٌ يرْتعين خَميلةً ... كَمَشْيِ العَذارى في المُلاءِ المُهَذَّبِ
وكلُّ هذه الكُنى، إنما تقع على الفتيات والكواعب الحِسَان الخفرات؛ من
стр. 333
كل طَفْلَةٍ عرُوبٍ هيفاء، ريَّا المخلخل:
إلى مثلها يرنو الحليمُ صبابةً ... إذا ما اسبكَرَّتْ بين درْعٍ ومِجْولِ
وما سِوى هذا الجنس من ذَوات الأسْنان اللاتي لايَعْلقن بقلب إنسان، فلهنَّ أسماء غير مستحسنات
بألفاظ وصفات مختلفات، كمثلِ ما ورَدَ في كتاب "أنواع الأسْجاع" من تأليف ابن أبي الزلازل. قال:
وجدت في كتاب أبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي حدثني محمد بن سهل قال: أخبرنا عمارة
بن وثيمة قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال: أخبرنا المفضل بن موسى المروزي
стр. 334
قال لي أبو حنيفة ألا أحَدِّثُكَ حديثاً ظريفاً. قلت: بلى. قال أخبرنا حماد بن سليمان عن إبراهيم النخعي عن
رجل يقال له عبد الله أظنه ابن بجينة. قال: جاء زيد بن حارثة إلى النبي ﷺ ، فقال
له النبي ﵇: أَتَزَوَّجْتَ يا زيد؟ قال: لا. قال: تَزَوَّجْ تَسْتَعِفَّ مع عِفَّتِكَ ولا تَزَوَّجْ خمساً من
النِّساء. قال: وماهُنَّ يارسول الله؟ قال: لا تزوَّجْ شهْبَرَةً، ولا لَهْبَرَةً، ولا نَهْبَرة، ولا هيْذَرَة ولا لَفوتاً.
قال زيد والله يارسول الله ماأعرف مما قلت شيئاً. قال: أما الشَّهبرةُ فالزرقاءُ البدينة، وأما اللَّهبرة
فالطويلة المَهْزُولَة، وأما النهبرة فالعجوز المُدْبرة، وأما الهيدرة فالقَصيرَة القبيحة الدَّسيمة، وأما اللفوت
فذات الوَلَدِ من غيرك.
قال المروزي: وضحكَ أبو حنيفة لها ضَحْكاً طويلاً وكان لا يضحك إلا تَبَسُّماً.
وذكر الخطابي أبو سليمان هذا الحديث ولم يسنده. وهذه الأسماء فيه. إلا أنه قال هيْذَرَة بالدال
معجمة، وقال: الهيذرة الكثيرة الهَذَر؛ وهو الكلام الذي لايُعْبَأُ
стр. 335
به. يقال: هَذَرَ الرجل في منطقه يهذِرُ هَذراً، ورجُلٌ هذَّارٌ ومِهْذارٌ. قال: وأرى اللهبرة، إنما هي النَّهْبَلَة، وهي العجوز المدبرة. يقال شيخ
نهبَل، وعجوز نهبلة. قال الشاعر:
مأوى اليتيم ومأوى كل نهبلةٍ ... تأوي إلى نهبلٍ كالنِّسْر عُلْفُوفِ
وقال في الشهبرة، هي الفانية. يقال شَهْبَرَة وشَنَهْبَرَة، وشَهْبَرِيَّة. وقال في النهبرة، إن كان محْفوظاً
فهي التي قد أشرفت على الهلاكِ. والنَّهابِرُ المَهَالِكُ. ومنه الحديث: "من جمعَ مالا منْ تَهَاوُش أذْهبَهُ
الله في نهابِرَ".
وقال في اللفوت كما جاء في الحديث. قال: وسُمِّيَتْ لَفوتاً لأنها لا تزال تَلْتَفِتُ إلى ولَدِها وتَشْتغِل به
عن الزوجِ.
قال ابن الأعرابي: أوصى بعض الأعراب ابن عمِّ له أرادَ التَّزَوُّجِ. فقال له: إًيَّاكَ والحنانة، وهي
التي كان لها زوج قبلك فطلَّقَها، فهي تحِنُّ إليه. وإِيَّاك والمنانة. وهي التي لها شيء تُعْطِيكَ منه، فتمُنُّ
عليك بذلك. وإِيَّاكَ والمُسَوِّفَة. وهي التي إذا أراد زوجها منها الخُلْوة، تقول له سوفَ سوف حتى
يكسل وينام. وإياك واللفوت وهي التي لها ولدٌ من غيرك، فهي تلتفتُ إليه وتشتغل به عنك. وإياكَ
والمشْفاة؛ وهي التي دفنتْ ثلاثةَ أزواج.
قال ابن الأعرابي أنشدنا المفضل:
مِشَفَّاةٌ إذا عَلِقَتْ بِقِرْنٍ ... دنا َذاك القَرِينُ من الحِمَامِ
وفي الحديث "خيْرُ نسائكم العطرةُ المطرةُ" فالعطرة من العِطْر، والريح
стр. 336
الطيبة، يريد المرأة التي تُكثر استعمال الطيب. قال حسان بن ثابث:
شأنها العِطرُ والفراشُ ويَعْلُو ... هَا لُجَيْنٌ ولُؤْلُوٌ منْظُومُ
والمطِرَةُ من المطرِ، يريد التي تُكثِرُ الاغتسال والتنظُّفَ بالماء.
وقال أبو عمر المُطَرِّز: المُطْرُ: كثرة السواك.
وحكى عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال: وصف أعرابيٌّ جاريةً فقال: (بيضاء فضَّة،
عَطِرة مَطِرة، مشياصٌ خفِرَة). والمِشْياصُ: الكثيرة السِّواك.
وقال رسول الله ﷺ : "عليكم بالأبكارِ فإنَّهنَّ أطيبُ أفواهاً وأنْتَقُ أرحاماً وأرْضى
باليَسير".
وقد ذكر أبو علي البغدادي في نوادره، أسماء زوج الرجُلِ بألفاظ مختلفة باشتقاقها وتفسيرها. فإنَّ
قال قائل أيُّما أفصح؟ زَوجُكَ بلفظِ التذكير، أو زوجَتُكَ بإثباث علامة التأنيث؟ قيل له: زوجَكَ على
لفظ التذكير، لأن الله تعالى يقول في كتابه العزيز (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) وقال الله تعالى (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) وقال (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ). فأزْواجٌ جمع زوج
بطرح الهاء، ولا يصِحُّ أنْ يكون جمع زوجة.
وأنشد أبو العباس المبرد:
وأراكُمْ لَدى المُحَامَاة عندي ... مثل صَوْنِ الرجال للأزْواجِ
стр. 337
فإن قال: لِمَ لفْظُ التذكير أفصحُ وأكثر في الاستعمال، والمعنى مؤنث؟ قيل له لما كانت الإضافة
تلتزمُ الاسم في أكثر الكلام، كانت مبنية له، وكانت بطرح الهاء أفصح؛ إذ كانت أخفّ مع الاستغناء
بدلالة الإضافة عن دلالة هاء التأنيث.
وحكى أبو عبيدة قال: رأيت الأصمعي يوثر ترك الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب
عليه. وكان الكسائي يرى أن أكثر كلام العرب بالهاء، ومن ذلك قول الفرزدق:
فإنّ الذي يسعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتي ... كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يستبلُّها
ومنه قول الآخر:
فبَكى بَنَاتي شجوهنَّ وزَوْجتِي ... والطَّامِعون عليَّ ثُمَّ تَصَدَّعوا
قال الكسائي: وطَرْحُ الهاء لغة لأزد شنُوءة. وكان أبو العباس المبرد يقول بقول الأصمعي من أن
الوجه طرح الهاء، وبه قال أبو الحسن الرماني.
وقال صاحب العين. الزوجُ: امرأة الرجل، وهي لغةٌ في الزوجة، زوجة الرجل. والزوج يقال
للذكر، ويقال للأنثى وهو لفظ مشترك. فالزوج المرأة التي لها بعْل، والزوج: الرجل الذي له امرأة،
والزوج ضد الفرد. وأصل الزوج: الشكل. يقال: زاوَجَ بين هذين؛ أي شَاكَلَ بينهما. وقال أبو بكر
بن دريد: كُلُّ اثنين زوجٌ، وكلُّ أنْثى وذكر: زوجان. وفي كتاب الله تعالى
стр. 338
(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) فيه (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). ويقال: لفلان
زوجان من الحمام؛ أي ذكر وأنثى، وقوله (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) أي الأصناف.
والزِّوجُ النَّمط ويقال الدِّيباج. قال لبيد:
من كُلِّ محْفُوفٍ يظل عَصِيُّهُ ... زَوْجٌ عليه كِلَّةٌ وقِرامُها
وقال الله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)
فمن نعمةِ الله على عباده، أن جعلَ للرجل زوْجاً من شكْلهِ، لأنَّ الشَّكْلَ إلى شكله أسكن، وله آلف،
وبه آنس. وقال:
يألَفُ الشكْلُ شكْلَه ... ليسَ هذا بِمُشْكل
فَجَعَلَ جَلَّ وعزَّ المرأة من شكل الرجل، لِيُتِمَّ نعمته على عباده، وتَعْظُمَ منَّته عليهم. فله النِّعمة
السابِغَة، والحُجَّة البالغة، ﵎ علوَّاً كبيراً.
رجع
ولمَّا وصلت قطرُ الندى بنت خمار بن أحمد بن طولون المعروف بخمارويه إلى المعتضد بمدينة
السلام. قال علي بن العباس الرومي في
стр. 339
ذلك:
ياسَيِّدَ العرب الذي قُدرتْ لهُ ... باليُمن والبَركات سيدةُ العجمْ
أَسْعِدْ بها كَسُعودِها بِكَ إنَّها ... ظَفِرتْ بما فوقَ المَطالِبِ والهِممْ
ظَفِرَتْ بِمالِئ ناظريها بهجةً ... وضميرها نُبْلاً وكفيها كرمْ
شمسُ الضُّحى زُفَّتْ إلى بدْرِ الدُّجى ... فتَكشَّفتْ بهما عن الدنيا الظُّلمْ
قوله: (ظفرت بمالئ ناظريها) البيت، كقول أبي تمام:
ملءُ عيني سماحَةً وجمالاَ ... وفُؤادي مَهَابةً وجَلالا
إلا أن قول ابن الرومي أتم وأكمل، لا شتماله على ثلاثة ألْفاظ تتضمَّنُ ثلاثة معانٍ، وألْفاظ أبي تمام
أربعة، واقعة على معنيين في الحقيقة، فتأمله.
ولما زُفَّتْ الأُتْرُجَّة بنت أشناس إلى الحسين بن الأفشين وأقيم لهما العرس الذي جاوز الحدَّ في
المِقدار، ولم يُر مِثْلُهُ في سالف الأعمار، وكانا غايتين في الحُسْنِ والجمال، والبهجَة والكمال. قال
المعتصم فيهما:
زُفَّتْ عَروس إلى عَروس ... بنت رئيسٍ إلى رئيسِ
أيُّهما كانَ ليت شِعْري ... أَجَلَّ في الصُّدور والنُّفوسِ
стр. 340
أَصاحِبُ المرهف المحلَّى ... أمْ ذو الوِشاحَيْنِ والشموس
قال أبو إسحاق:
وهذا الاسم، أعني العَرُوس، يشترك فيه المذكر والمؤنث.
فمن وقوعه على المذكر قول الشاعر:
كأن الصِّبا والشَّيْبُ يطمسُ نورَه ... عروسُ أناس مات في ليلة العُرسِ
فأمَّا قول امرئ القيس:
لها ذنبٌ مثلُ ذيلِ العروسِ ... تَسُدّ بِهِ فَرْجَها من دُبُرْ
فيحتمل الوجهين.
وكتب بعضهم يهنئ بمولود:
إنَّ أَحَقَّ ما انبسطَ فيه للتهنئة لسانٌ، وتصرَّفَ في ميادينِ معانيه بيانٌ وبنانٌ، أملٌ رُجِيَ فتَأَبَّى زماناً،
واستدعِيَ فلَوى عِناناً، وطاردَتْهُ المُنى فأتعَبَها حيناً، وغازَلتْهُ الهِممُ فأشعرها حنيناً، ثمَّ طَلَع غيرَ
مُرْتَقَب، وورَدَ منْ صُحْبَةِ المناصِح في جَحْفَلٍ لَجِب، فكان كالمُشيرِ إلى ما بعْدَه من مواكبِ الآمالِ،
والدليل إلى ما وراءهُ منْ كواكِبِ الإقبال، أو كالصبْحِ افترَّتْ عنِ أنوارِ الشمس مباسِمُهُ، والبرْقِ
تَتَابَعَتْ إثْر وميضهِ غمائمهُ، وفي هذه الجملة ما دلَّ على المولود، الذي بَشَّرَ بترادُفِ الحُظوظ
وتضاعُف السعود، ونيلِ الأملِ المولود. فيالَهُ نجمُ سعادةٍ، طلَعَ في أُفْقِ سيادة، وغُصْنُ سناءِ، تفرعَ
من دوحة هناء. لقد تهَلَّلَتْ وجوهُ المحاسِنِ باستهلالهِ، وأقْبَلتْ وفودُ الميامِنِ لاسْتِقْبالِه، ونُظِمتْ له قلائدُ
التمائم، من جوهرِ المكارِمِ، وخُصَّ بالثُّدِيِّ الحوافل، بلسانِ الفضائل،
стр. 341
وما كان منبِتُ الشرَفِ بانفرادِ تلْكَ الأرومَة الكريمة إلا مُقْشَعِرَّ الرُّبا، مُغْبَرَّ الثرى.
فأمَّا وقد اهتزَّ في أيْكَةِ السيادة قضيبٌ، ونشأَ منْ
بيتِ النجابَةِ نجيبٌ، فأخْلِقْ بذلك المنبِت أنْ تُعاوِدَه نضرَتُهُ، وترفَّ عليه حَبْرَتُهُ، ويراجِعه رَوْنَقُهُ
وبهاؤهُ، وتُضاحِكَهُ أرْضُهُ وسماؤُهُ. فالحمد لله الذي ثنى الأمل بعد جماحه، وعادَ يَخْتالُ في حلْيَةِ غُررِ
الجذَلِ وأوْضاحه، وهو المسؤول أنْ يَهْنِئَكَ منه صنعاً يَحْسُنُ في مثله الحسدُ، ويُتَمَنى لفضله النسْلُ
والولدُ.
وفي المعنى لأبي عبد الله بن أبي الخصال:
هنيئاً - أعزَّكَ الله - بهلالٍ جلا غياهِبَ الحندِسِ. وطلع بين الجواري الكنَّسِ لله درَّهُنَّ منْ جوارٍ
خمس، كالجواري الخمس، طلعن بين القمر والشمس، إلا أنَّهُنَّ كالدُّرِّ المكنون، لا يُلْمَحنَ بالعُيونِ، لقد
استزدن به جَمالاً، وحَسُنَّ بهاء وكمالاً، فجِئنَ ككعُوبِ قناةٍ رُكِّبَ عليها سِنانُها، وأَلْفاظِ عُلا جاءَ آخراً
بيانُها؛ بلْ كبيْتِ القصيدِ، منْ عَرُوضِ المديد، رُكِّبَ منْ سِتِّةِ أجزاء كساها الآخر ثوب بهاء، فُضِّلَ
دُونهُنَّ بالرويِّ، وخُصَّ منَ العافية بأحسن الزَّيِّ.
стр. 342
فلله أصلٌ أثْمَرتْهُ أبْراعُهُ، لقدْ عَظُمَ بسُوقُهُ وارتفاعُهُ. أَنْجَبَ، فما تُهْصَرُ أغْصانُهُ باليدينِ، وأعْرَبَ،
فتعدَّى فعْلُ كرمِهِ إلى مفْعُولينِ
وله في المعنى:
هنيئاً - أعزَّكَ الله - بهلالٍ، طلَع بأُفْقِ جلالٍ، وفرْعٍ كريمٍ، تولَّدَ بين فهرٍ وتميم، ما أزْكى ثراهُ،
وأسْنى مُنْتَماهُ، بطلَ زماناً بالطُّلُوعِ، ولوى أعْرافاً بالبُسُقِ والفُروعِ، حتى جاء في زمانٍ جَمَعَ المحاسِنَ
وجنَّدَ، وبدا في مكانٍ فضَّلَهُ ذو التَحْصيلِ فأنشد:
فمَنْ تَكُنِ الحضارَةُ أعْجَبَتْهُ ... فأيُّ رِجالِ باديةٍ ترانا
ومنْ ربَطَ الجِحاشَ فإنَّ فينا ... قَناً سُلْبا وأفْراساً رهانا
لقد تشوفَت إليه الدفاتِرُ، وتزَيَّنَتْ لَهُ الأقْلامُ والمَحابِرُ، وقرَّتْ بهِ عينُ العليا، وابتهجتْ للقائه الدُّنيا.
انظرْ إلى الأشجارِ كيف افترَّتْ عن جذلٍ مباسمها، وإلى الأزهارِ كيفَ شُقِّقَتْ من طَرَفِ كَمائِمِها،
وإلى الأنهار كيفَ سَحَبَتْ ذُيُولها، وإلى الأطيارِ كيفَ رجَّعتْ خفيفَ أغانيها وثقيلَها. فصلْ به -
أعزَّكَ الله - قوادِمَ سعْدِكَ بالخوافي، (وارْمِ أعْداءكَ بثلاثَةِ الأثافي)، واسعدْ بهذا
стр. 343
الولدِ، مثل اليوم بالأمسِ والغد. ثلاثة تألَّفتْ منها الشهورُ، واجتمعتِ الأعوامُ والدُّهورُ. سوَّغَكَ الله ما أتاكَ وبلَّغَكَ في
الدارينِ هَناكَ بقدرته. والسلامُ.
قال أبو إسحاق:
كان هذا المولود وُلد بالبادية زمن الربيع، بعد وَلَدَيْن تقدّماه وسبِقاه في عُنْصُره ومنْتماه. فلذلكَ أنْشَدَ
أبو عبد الله ﵀ ماأنشده، ونبه على طيب النجار والمَحْتِد، وأبْلَغَ فيما نص، وخصَّه من الثناء
الجميل بما خَصَّ.
وقوله:
(فمنْ تَكُنِ الحضارةُ أعْجَبَتْه) في الحَضارة لغتان معروفتان: الحضارة بفتح الحاء، والحِضارة
بكسرها وكذلك الغشاوة والغِشاوة. كسر الغين في الغشاوة أفصح ويجوز فيها الضم، أعني في الغين
من الغشاوة. وحكى يعقوب عن أبي زيد: البداوة بفتح الباء، والحضارةُ بكسر الحاء.
وعن الأصمعي: البِداوَةُ بالكسر، والحضارَةُ بالفتح. وحَكى أبو علي البغدادي عنهما مثل ذلك. وقال
أبو سليمان الخطابي في (شرح غريب الحديث): البَدَاوَةُ: الخروجُ إلى البادية، وفيهما لغتان.
قال أبو زيد: البِدَاوَةُ والحِضارةُ، يعني بالكسر. وقال الأصمعي: البَداوة: والحضَارة بالفتح. وأنشد:
فمن تكن الحضارة أَعْجَبَتْهُ ... فأيُّ رجال باديةٍ تَرَانا
стр. 344
فقول الخطابي مخالف لما حكى يعقوب وأبو علي.
وقال صاحب العين: البادية اسم الأرض التي لا حضَرَ فيها، وإذا خرج الناس منَ الحَضَرِ إلى
المراعي والصحاري قيل: قد بدَوْا بَدْءاً. والاسم البدء.
وقال الله تعالى وتباركَ (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ). يُرْوى أن مسكن يعقوب ﵇ كان بأرض كَنْعَان، وكانوا أهل
مواشٍ وبرية.
ويقال: أهل البدو وأهل الحَضر، ويقال: بدَا الشيء يَبْدو بُدُوّاً إذا ظهر. وبدا لفلان في هذا الأمر بداً
وبدْءاً. ونظير بدا: ظهر وعلن، ويلتبس به بدأ يَبْدَؤُ بدَاءً بالهمز، وليس منه في لفظ ولا معنى؛ لأن
الأول من الظهور، والثاني من الإستئناف.
وفي كتاب الله تعالى (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ). قرأه أبو عمرو بن العلاء (بادئ) بالهمز على معنى: اتّبعوك في أول
الرأي، ولم يفكروا ولم ينظروا ورواها نصير بن يوسف عن الكسائي.
وقرأ القُرَّاء الستة بادي بغير همز. والمعنى: اتبعوك في ظاهر الأمر.
стр. 345
وفي حديث عائشة ﵂ فيما روى أبو بكر بن أبي شيبة عن شريك عن المقدام بن شريح
عن أبيه عنهما. قالت: "كان رسول الله ﷺ يبدو إلى هذه التلاع وأنه أراد البداوة
مرة، فأرسل إليَّ ناقة محرمة من إبل الصدقة" قال: والناقَةُ المحرَّمة: هي التي لم تُرْكَبُ ولم تُذَلَّل،
وأعرابي محرَّم إذا لم يُخالِط أهل الحضر. ويقال: سَوْطٌ مُحَرّم وهو الذي لم يكمل دِباغه. قال
الشاعر:
وإنَّ قليل المالِ للمرءِ مُفْسِدٌ ... يَحُزُّ كَمَا حَزَّ القطيعَ المُحرَّمُ
وذلكَ أنه إذا لم يبالغ في دباغه، كان أشد لضربه.
قال أبو بكر بن دريد: القطيعُ: السوط من العَقب. والجميع قُطُع.
قال: والحَضَرُ خلاف البَدو، ويقال: حَضَرْتُ القوم أحضرهمْ حُضوراً: إذا شهدتهم. والحاضرُ خلاف
الغائب. وحاضرتَ الرجل مُحاضَرة وحِضاراً، إذا عَدَوْتَ معه. وحاضَرْتَه إذا جَاثتَتهُ عند السلطان أو
في خصومة. والحضيرة: الجماعَة ما بين الخمسة إلى العشرة يُغْزَى بهم. قالت الجهينية:
стр. 346
فَرِدِ المياهَ حضيرةً ونَقيصَةً ... وِرْدَ القَطاةِ إذا اسمألّ التُّبَّعُ
وَمحْضَرُ القَوْمِ: مرْجِعُهُمْ إلى المياه بعدَ النجْعَةِ. ويقال أَحْضرَ الفرس إحْضاراً: إذا عدا عدْواً شديداً.
واستحضرته استحضاراً. ومن نوادر كلامهم (فَرَسٌ مِحْضير) ولا يَكادُون يقولون مِحْضَاراً. وإبلٌ
حِضَار، وهي الإبل البيض، ولا واحدلها من لفظها مثل الهجان سواء. وقال أبو ذؤيب:
معتَّقَةٌ صِرْفٌ يكونُ سِباؤها ... بناتُ المخاضِ شُومُها وحِضارُها
وألقت الشاة حضيرتَها، وهو ما تُلقيه بعد الولد من المَشْأمة وغيرها. وحضْرةُ الرجل: فناؤه.
وأصل الباب الحُضُور خلاف الغيبة، فمنه إحضار الفرس، لأنه أحضر ما عنده من العدو. ومنه
الحضيرة: الجماعة، يُغْزى بهم، أي من حَضَر من غير احتشاد. ومنه حضيرة الشاة، ما تلقيه بعد
الولد من المشأمة وغيرها، وهو ما يَحْضُرُها من ذلكَ بعد الولادة. ومنه الحِضارُ: الإبل البيض لأنها
على ألوان أهل الحَضَر من البياضِ دون البادية.
стр. 347
رجع
وولد لأبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله، وهو المتسمى من الألقاب السلطانية بالمقتدر مولود،
فكتب إليه أبو بكر الصولي بأبيات يقول فيها:
بالرُّشدِ والإِقْبالِ والجِدِّ ... والطَّائرِ الميْمُونِ والسَّعْدِ
هَنَّاكَ ياخيرَ الوَرَى قادمٌ ... أقبل للبيعة والعهدِ
مبارََكُ الطلعةِ ميمونُها ... مومنٌ للحلِّ والعًقْدِ
لو بيَّنَ المنْبِرُ عن نفسه ... شكا إليه شدةَ الوجد
وفيها يقول:
تنطقُ بالسُؤدد أَعْطافُه ... كنُطقِ عيسى وهو في المهْدِ
زاركَ عن شوق إلى قُرْبه ... زَورَةَ معشوقٍ على وعد
وما أحسن قول أبي بكر بن عمار في المعتمد، وولد له ابن وابنة في يوم واحد:
اِهنأْ بنَجْلَيْكَ منْ أُنْثى ومنْ ذكرٍ ... لا يعدم الضَّوء بين الشمسِ والقَمَر
وقبله قال ابن الرومي:
شمسٌ وبدرٌ ولدا كوكباً ... أقسمتُ بالله لقد أنْجَبَا
ثلاثةٌ تُشرق أنوارُها ... لا بُدِّلَتْ من مشْرِقٍ مغْرِبَا
تباركَ الله وسبحانه ... أيَّ شهاب منكم أثقبا
إن طاب أو طبتم فما أبعدت ... فروع مجدٍ أشبهت منصبا
стр. 348
أنتم أناسٌ بأياديكمُ ... يستغفرُ الدهرُ إذا أذنبا
إذا جنى الدهرُ على أهله ... وزاد في عِدّتكم أعتَبا
وأخذ معنى أول هذه الأبيات بعضهم فقال:
شمس الضُّحَى قُرنتْ إلى بَدْرِ الدُّجى ... حتَّى إذا اجتمعا أتَتْ بالمشتري
قال: ولَمَّا قدم أبو القاسم الهوزني من الحَضْرَة بعد النَّبْوة التي خَلَصَتْ إلى غَرْبه، والروعة التي
كادت تذهب بِرُوحه وسِرْبه، كتب إليه أبو القاسم بن الجد برقعة يُهَنِّيه فيها بالعافية، وبنعم الله التي
أثوابُها عليه سَابِغَةٌ ضافية:
وَكَمْنِعْمَةٍ لا يُسْتَقَلُّ بشُكْرِها ... إلى اللَّه في طَيِّ المكارهِ كامِنَهْ
قد يُجْتَنى - أعزَّكَ الله - من شجرةِ المساءةِ ثمْرُ المَسَرَّة، ويُجْتَلى وجْه المحبوب غِبَّ المكروهِ
مُشرقَ الأسرَّة، وربما تهجَّمَ القدرُ وضميرهُ مُبْتَسم، وتصَلَّب الزمنُ وعهدهُ مُحْتَشمُ؛ وإنَّما يُنظرُ إلى
مواقع الأقدار في الإصْدارِ، وتُحمدُ مجاري الأعمال عند المآل. وفي هذه المُقدمة دلالةٌ على النَّبْوةِ
التي ما اعتكرَ جُنْحُها، إلاريثما وضح صُبْحُها، ولا نَعَبَ بالبعد غُرابُها، حتى التَفَتَ إلى
стр. 349
سانِحِ السعْدِ رِكابُها، ولا استطارَلها في قلبِ الولي صَدْعٌ، حتَّى اشتَمَلَ منها على أنْفِ العَدُوِّ جَدْعٌ، وما ذاكَ إلاَّ أنَّ
سُلطانَ الحقِّ أَنْجَدَكَ وأيَّدَكَ، وبُرْهانَ الفضْلِ قامَ معكَ وأطالَ يدك، وحاش للعلمِ أنْ يُلبِسَ حامِلَهُ
خُمولاً، وأن يَحثَّ له نحو الإذالة حمُولاً، فَوَشْكَانَ ما استقلَّتْ بكَ أيدي الآثار، في الصُّدورِ العثار،
وخاصمتْ عنكَ ألْسُنَ السَّنن عوارضَ المِحن، وما سِرْتَ إلا وظِلُّ الكرامةِ عليكَ ظليلٌ، وصنعُ الله
لكَ رَسِيلٌ، وبكَ كفيلٌ. فلئنْ أوْحَشَ مسيرُكَ لقد آنَسَ ظُهورُكَ، ولئنْ سَمُجَ اغتِرابُكَ لقد حَسُنَ اقترابُك؛
ولئنْ سخِنَت العينُ بعدكَ، لقد بينَ البينُ فقدَكَ. فالحمدُ لله الذي أوشك مقْدَمَكَ، وأعْلى قَدَمَكَ، ورفع في
كل مِكْرُمَةٍ عَلَمَكَ، وإيّاه تعالى أسأل، أنْ يهنيكَ ويهنئَ فيك عارفة السلامة، ويُبْقيكَ بعيدَ الصِّيتِ رفيعَ
القدْرِ في الظَّعَنِ والإقامةِ. ولولا تَرَدُّدي في عقابيل سُقم لزمتْ جسمي شهوراً، واتخذتْهُ ربعاً معموراً،
لما استنبْتُ في التهنِئةِ خطاباً، ولحثَثْتُ نحوكَ رِكاباً. وأنتَ بِسَرْوكَ تُوسع العُذْرَ قَبولا، وتقْبلُه وجهاً
جميلاً.
وكتب يهنئ منْ صَدَرَ عن بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي محمد ﵊:
كتبتُ، وقدْ هزَّني وافدُ البُشْرى، واستَخْفَّني رائدُ المَسَرَّةِ الكُبْرى، بما سناهُ الله تعالى منْ قُدُومِكَ
محوطَ الجوانبِ والأرجاء، منُوطَ الفخارِ بِذوائبِ الجَوْزاء، مَخْطوطَ الأثر في مواطئ الرُّسُلِ ومواطنِ
الأنبياء. فيالَهَا حجَّةً مبرورة ما أتمَّ
стр. 350
مناسِكَها، وأوْضَحَ في مناهجِ البِرِّ مَسالِكَها، لقدْ شهدَ فيها الميقاتُ
بِخُلُوصِ إحْلالِكَ وإحرامِكَ، واهتزَّ البيتُ العتيق لطوافِكَ واستِلامِكَ، ورضيَتِ (المرْوَة) و (الصفا)
عن كمالِ أشواطِكَ، وتهلَّلَ (بَطنُ المسيل) لسعيِكَ فيه وانحطاطِكَ، ثمَّ بالموقف الأعظمِ منْ (عَرَفَة)
سطعَ عرفُ دُعائكَ وتَخشُّعِكَ، وارتفعَ خفْضُ رغْبَتِكَ وتضرُّعِكَ، في البيت المكرم من المُزْدَلِفَةِ حظي
تقَّرُّبُكَ وتزَلُّفُكَ، وزكا تهجُّدُكَ وتَنَفُّلُك، وعندَ (الإفَاضَةِ) فاضتِ الرحمة عليكَ، وكمُلَتِ النعمةُ لديكَ.
وأمَّا (منىً) ففيها قضيْتَ مُناكَ وأَوْطارَكَ، وقُبِلَتْ هَدَايَاكَ وجِماَرُكَ، وحُطَّتْ خَطَاياكَ وأوْزارُكَ، فما
صدرت عنْ تِلْكَ المعالم المُكرمة، والشعائر المُعَظَّمة، إلا وهيَ راضيةٌ عنْ عَجِّك وثجِّكَ، شاهدةٌ لكَ
بكمالِ حجِّكَ، مُشْفِقَةٌ منْ فِراقِكَ وبُعْدِكَ، مُتَعَلِّقةٌ لوْ أمْكَنَهَا بِبُرْدِكَ، وقَبْلَُ أوْ بَعْدُ ما تأنَّستْ بكَ يثرِب،
ورفعَ لكَ في جَنَباتِها مضرب، فشافهتَ منازلَ التنزيل، وطالَعْتَ معاهِدَ الرَّسولِ، وقَضيْتَ منْ زيارةِ
القبرِ الكريمِ واجباً، وقُمْتَ بينَهُ وبينَ المنْبَرِ ضارِعاً وراغِباً. فما حُجِبَ عنهُ ﵇ زَوْرُكَ
وإلْمامكَ، وقصْدُكَ وائْتمامُكَ، وصلاتُكَ وسلامُكَ؛ بَلْ كانَ لكُلِّ ذلكَ واعياً سامعاً، ويكونُ لكَ بحولِ الله
شاهداً شافعاً، فهَنَّأكَ الله، وما منَحَكَ منْ جزيلِ الأجرِ في موقفِ الحَرمين، وأطارَ لكَ منْ جميلِ الذكرِ
في الخافقيْنِ.
стр. 351
ولمَّا قعَدَ بي عنْ قصْدِكَ ما قَعَدَ، ولمْ يُمَكنِّي الوفودُ عليكَ في جُمْلَةِ منْ وفد، استنَبْتُ كتابي منابي،
والسلام.
قال أبو إسحاق:
وأبو القاسم بن الجد هذا ممن له في الآداب السبقُ والتقديمُ، وفي المجد والحسب محلٌّ إلى جانب
الجوزاء مقيمٌ، وكان مليحَ الكلامِ في المنثور والمنظوم، تصرَّفَ في النوعين تصرُّفاً غير مذموم.
وهو القائل في صفة المطر بعد تمادي القَحْطِ وتوالي الكَدَر:
لله تعالى في عباده أسرارٌ، لا تُدْرِكُها الأفكار، وأحكامٌُ، لا تنالُها الأوهامُ، تختلفُ والعدلُ متفرّقُ
وتفترق والفضلُ مجْتَمعٌ مُتَّسق، ففي مِنحها نفائسُ المأمولِ، وفي مِحَنها مداوِسُ العُقول، وفي فوائدها
حدائقُ الإنْعامِ رائقةٌ، وبينَ أرجاءِ شدائدها بوارقُ الإعذار والإنذار خافقة، وربَّما تفتَّحت كمائم
النَّوائب عنْ زهْرِ المواهب، وانسكبتْ غمائمُ الرَّزَايا، بنفحاتِ العطايا، وَصَدَعَ ليلَ اليَأْسِ صُبْحُ
الرَّجاءِ، وخلعَ عامِلَ البَأْسِ وَالِي الرخاء، وذلك بتدبير اللطيف الخبير، وتقديرِ العزيزِ القدير.
ولمَّا ظَنَّتْ بِتَثَبُّطِ الغيثِ الظُّنون، وانْقَبَضَ منْ تَبَسُّطِ الشَّكِّ اليَقِينُ، واسْتَرابَتْ حِياضُ الوِهادِ، بعُهودِ
العهادِ، وتأهَّبَتْ رياضُ النِّجَادِ، لبُرودِ الحداد،
стр. 352
واكتحلتْ أجْفانُ الأزْهارِ، بإثْمِدِ النَّقْعِ المُثارِ، وتعَطَّلَتْ
أجْيادُ الأنْوارِ، منْ حُلِيِّ الديمَةِ المِدْرارِ، أرْسلَ الله تعالى بين يديْ رحمته ريحاً بليلةَ الجناحِ، مَخيلَةَ
النَّجاحِ، سريعةَ الإلقاح، فنَظَّمتْ عقودَ السحابِ، نَظْم النِّجاب، وأحْكَمتْ بُرُود الغَمَام، رائقَةَ الأعلام.
وحينَ ضرَبَتْ تلك المَخيلةُ في الأُفقِ قِبابها، ومدَّتْ على الأرضِ أطنَابَها، لم تَلْبَث أن انتهِكَ رواقها،
وأنْبَتَكَ وشيكاً نِطاقُها، وانبَرتْ مدامِعُها تَجْري بأجفانِ المُشْتاقِ، غداةَ الفراقِ، وتحْكي بنان الكرامِ، عند
أَرْيَحِيَّةِ المُدامِ، فاسْتَعْبَرَتِ الرِّياضُ ضَحكاً ببكائها، واهتزَّتْ رباب النَّباتِ طرباً لتغْريدِ مُكائِها،
واكتَسَتْ ظهورُ الأرْضِ منْ فيضِ آلائها، خُضْرَ ملائها، فكأنَّ صنْعاء قدْ نشرتْ على بساطها بِساطاً
مُفَوَّفاً، وأهْدتْ إليها منْ زخارِفِ بَزّها ومطارفِ وشْيِها ألْحافاً وتُحَفاً، وخُيِّلَ للعُيُون أنَّ زُهْر النُّجُومِ،
قدْ طَلَعَتْ منْ مواقِعِ التُّخومِ، ومباسِمَ الحسانِ، قد وصلتْ بافترارِ الغيطان، فيا بَرْدَ موقِعها على القُلوبِ
والأكبادِ، ويا خُلوصَ رَيِّها إلى غُلل النُّفوسِ الصواد، كأنَّما استعارتْ أنْفاسَ الأحْبابِ، أوْ ترشَّفَتْ
شنَبَ الثَّنايا العذاب، أو تَحَمَّلتْ ماء الوصال، إلى نارِ البَلْبال، أوْ سرَتْ على أنْداء الأسحارِ وريْحانِ
الآصال. لقد تبينَ للصُّنْع الجميلِ منْ خلالِ ديمِها تنَفُّسٌ ونُصولٌ، وتمكَّنَ للشكر الجزيل في ظلالِ
نعَمها مُعرَّسٌ ومقيل.
стр. 353
فالحمد لله على ذلك ما انسكبَ قَطْرٌ، وانصدع فَجْرٌ، وتوقَّد قبس، وتردّد نفس، وهو الكفيلُ تعالى
بإتمام النَّعماء، وصلة أسباب الحياة والحياء بمنِّه.
وفي هذا المعنى فصل لأبي عمر الباجي يقول فيه:
إنَّ لله تعالى وجلَّ قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، ومنحاً يجعلها لقومٍ صلاحاً وخيراً،
وعلى آخرين فساداً وضيراً. فلا نظير له ولا نديد (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) وبعد ما كان من إمساك الحيا، وتوقف السُّقْيا،،
قد ريع به الآمن، واستطير له الساكن، ورجفت الأكبادُ فزعاً، وذُهلت الألباب جزعاً، وأذكت ذكاء
حرها، ومنعت السماء درَّها، واكتست الأرض غُبْرَةً بعد خضرة، ولبستْ شُحُوباً بعدَ نضْرة، وكادتْ
بُرُودُ الأرض تُزْوى ونِعمُ الله تُطوى. نشرَ الله العزيزُ الكريمُ رَحْمَتَهُ، وبسطَ نعمتَهُ، وأتاح منَّته،
وأزاح محنته، فبعتَ الرياحَ لواقِح، وأرسلَ الغمام سوافح، بماءٍ دفقٍ، ورواءٍ غَدِقٍ، منْ سماءٍ طبقٍ،
واستهلَّ جفْنُها فَدَمَعَ وسحَّ دمعها فهمع، وصابَ وبْلُها فنَقَعَ، فاستوْفَت
стр. 354
الأرضُ ريَّا، واسْتَكْملَتْ منْ نباتها أثاثاً وريَّا، فزينة الأرض مشهورة، ومِنَّةُ الرَّبِّ موفورةٌ، والقُلوبُ ناعِمةٌ بعد بُؤْسها، والوجوه
ضاحكةٌ بعد عُبُوسها، وآثارُ الجزعِ ممحُوَّة، وسُوَرُ الشُّكرِ متْلُوَّة. ونحنُ نستزيدُ من الواهبِ نعمةَ
التَّوفيق، ونستهديه في قضاء الحقوق، إلى سواء الطريق، ونستعيذُ به من المِنَّةِ أنْ تَصيرَ فِتْنَة ومنَ
المَحْنَةِ أنْ تَعودَ مِحْنة، وهوَ حسْبُنا ونِعْم الوكيل.
قال أبو إسحاق:
وذكرتُ بهذا المزدوج البديع المَسَاق والتَّرتيب، خبر الأعرابي أبي مجيب إذْ هو في معناه، وكان
رجلاً من بني ربيعة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم فيما ذكر ابن الأعرابي قال: لقد رأيتنا في
أرض عَجْفاء، وزمانٍ أعْجَف، وشجرِ أغْشم في قُفٍّ غليظٍ وحارَةٍ مُدَرَّعَةٍ غَبْراء، فبينما نحن كذلك، إذْ
أنْشَأ الله من السماء غيثاً مُسْتكِفَّا أنْشأهُ مُسْبِلَةً غزالية، ضخاماً
стр. 355
قطْرُهُ جَوْداً زاكياً نزَّله رزقاً لنا، فنعش
أموالنا ووصل طرقنا وأصابنا. وإنّا لَبِنَوْطَةٍ بعيدة الأرجاء، فاهْرمَّعَ مَطَرُها حتى رأيتُنا، وما نرى إلا
غير السماء والماء، وصهواتِ الطَّلْحِ يضرب السيلُ النِّجَافَ، وملأ الأودية فرعبها، فما لبثنا إلا عشراً
حتى رأيناها روضة تَنْدَى.
تفسير غريب هذا الخبر. قال قاسم بن ثابث: قوله مُدَرَّعَّة؛ أي أكل ما حولها. وشاة درعاء؛ إذا
ابيضَّ رأسُها وسائرها أسود. ويقال ماء مُدْرِعٌ؛ إذا أُكِلَ ما حوله من الكلأ. والمُسْتَكِفُّ؛ المستدير،
وكل مستدير كِفَّةٌ. وكل مستطيل فحرفُهُ كُفَّةٌ، وكلُّ شيء جَمَعْتَه فقد كفَفْته. واسْتَكَفَّ القوم الشيء، إذا
أحدقوا به، واستَكَفَّ السائلُ إذا بسطَ كفَّهُ يسأل. وتَكَفَّفَ السائلُ الأبواب إذا مدَّ
следующие страницы →