Полный текст (772 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ولمَّا قعَدَ بي عنْ قصْدِكَ ما قَعَدَ، ولمْ يُمَكنِّي الوفودُ عليكَ في جُمْلَةِ منْ وفد، استنَبْتُ كتابي منابي،
والسلام.
قال أبو إسحاق:
وأبو القاسم بن الجد هذا ممن له في الآداب السبقُ والتقديمُ، وفي المجد والحسب محلٌّ إلى جانب
الجوزاء مقيمٌ، وكان مليحَ الكلامِ في المنثور والمنظوم، تصرَّفَ في النوعين تصرُّفاً غير مذموم.
وهو القائل في صفة المطر بعد تمادي القَحْطِ وتوالي الكَدَر:
لله تعالى في عباده أسرارٌ، لا تُدْرِكُها الأفكار، وأحكامٌُ، لا تنالُها الأوهامُ، تختلفُ والعدلُ متفرّقُ
وتفترق والفضلُ مجْتَمعٌ مُتَّسق، ففي مِنحها نفائسُ المأمولِ، وفي مِحَنها مداوِسُ العُقول، وفي فوائدها
حدائقُ الإنْعامِ رائقةٌ، وبينَ أرجاءِ شدائدها بوارقُ الإعذار والإنذار خافقة، وربَّما تفتَّحت كمائم
النَّوائب عنْ زهْرِ المواهب، وانسكبتْ غمائمُ الرَّزَايا، بنفحاتِ العطايا، وَصَدَعَ ليلَ اليَأْسِ صُبْحُ
الرَّجاءِ، وخلعَ عامِلَ البَأْسِ وَالِي الرخاء، وذلك بتدبير اللطيف الخبير، وتقديرِ العزيزِ القدير.
ولمَّا ظَنَّتْ بِتَثَبُّطِ الغيثِ الظُّنون، وانْقَبَضَ منْ تَبَسُّطِ الشَّكِّ اليَقِينُ، واسْتَرابَتْ حِياضُ الوِهادِ، بعُهودِ
العهادِ، وتأهَّبَتْ رياضُ النِّجَادِ، لبُرودِ الحداد،
стр. 352
واكتحلتْ أجْفانُ الأزْهارِ، بإثْمِدِ النَّقْعِ المُثارِ، وتعَطَّلَتْ
أجْيادُ الأنْوارِ، منْ حُلِيِّ الديمَةِ المِدْرارِ، أرْسلَ الله تعالى بين يديْ رحمته ريحاً بليلةَ الجناحِ، مَخيلَةَ
النَّجاحِ، سريعةَ الإلقاح، فنَظَّمتْ عقودَ السحابِ، نَظْم النِّجاب، وأحْكَمتْ بُرُود الغَمَام، رائقَةَ الأعلام.
وحينَ ضرَبَتْ تلك المَخيلةُ في الأُفقِ قِبابها، ومدَّتْ على الأرضِ أطنَابَها، لم تَلْبَث أن انتهِكَ رواقها،
وأنْبَتَكَ وشيكاً نِطاقُها، وانبَرتْ مدامِعُها تَجْري بأجفانِ المُشْتاقِ، غداةَ الفراقِ، وتحْكي بنان الكرامِ، عند
أَرْيَحِيَّةِ المُدامِ، فاسْتَعْبَرَتِ الرِّياضُ ضَحكاً ببكائها، واهتزَّتْ رباب النَّباتِ طرباً لتغْريدِ مُكائِها،
واكتَسَتْ ظهورُ الأرْضِ منْ فيضِ آلائها، خُضْرَ ملائها، فكأنَّ صنْعاء قدْ نشرتْ على بساطها بِساطاً
مُفَوَّفاً، وأهْدتْ إليها منْ زخارِفِ بَزّها ومطارفِ وشْيِها ألْحافاً وتُحَفاً، وخُيِّلَ للعُيُون أنَّ زُهْر النُّجُومِ،
قدْ طَلَعَتْ منْ مواقِعِ التُّخومِ، ومباسِمَ الحسانِ، قد وصلتْ بافترارِ الغيطان، فيا بَرْدَ موقِعها على القُلوبِ
والأكبادِ، ويا خُلوصَ رَيِّها إلى غُلل النُّفوسِ الصواد، كأنَّما استعارتْ أنْفاسَ الأحْبابِ، أوْ ترشَّفَتْ
شنَبَ الثَّنايا العذاب، أو تَحَمَّلتْ ماء الوصال، إلى نارِ البَلْبال، أوْ سرَتْ على أنْداء الأسحارِ وريْحانِ
الآصال. لقد تبينَ للصُّنْع الجميلِ منْ خلالِ ديمِها تنَفُّسٌ ونُصولٌ، وتمكَّنَ للشكر الجزيل في ظلالِ
نعَمها مُعرَّسٌ ومقيل.
стр. 353
فالحمد لله على ذلك ما انسكبَ قَطْرٌ، وانصدع فَجْرٌ، وتوقَّد قبس، وتردّد نفس، وهو الكفيلُ تعالى
بإتمام النَّعماء، وصلة أسباب الحياة والحياء بمنِّه.
وفي هذا المعنى فصل لأبي عمر الباجي يقول فيه:
إنَّ لله تعالى وجلَّ قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، ومنحاً يجعلها لقومٍ صلاحاً وخيراً،
وعلى آخرين فساداً وضيراً. فلا نظير له ولا نديد (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) وبعد ما كان من إمساك الحيا، وتوقف السُّقْيا،،
قد ريع به الآمن، واستطير له الساكن، ورجفت الأكبادُ فزعاً، وذُهلت الألباب جزعاً، وأذكت ذكاء
حرها، ومنعت السماء درَّها، واكتست الأرض غُبْرَةً بعد خضرة، ولبستْ شُحُوباً بعدَ نضْرة، وكادتْ
بُرُودُ الأرض تُزْوى ونِعمُ الله تُطوى. نشرَ الله العزيزُ الكريمُ رَحْمَتَهُ، وبسطَ نعمتَهُ، وأتاح منَّته،
وأزاح محنته، فبعتَ الرياحَ لواقِح، وأرسلَ الغمام سوافح، بماءٍ دفقٍ، ورواءٍ غَدِقٍ، منْ سماءٍ طبقٍ،
واستهلَّ جفْنُها فَدَمَعَ وسحَّ دمعها فهمع، وصابَ وبْلُها فنَقَعَ، فاستوْفَت
стр. 354
الأرضُ ريَّا، واسْتَكْملَتْ منْ نباتها أثاثاً وريَّا، فزينة الأرض مشهورة، ومِنَّةُ الرَّبِّ موفورةٌ، والقُلوبُ ناعِمةٌ بعد بُؤْسها، والوجوه
ضاحكةٌ بعد عُبُوسها، وآثارُ الجزعِ ممحُوَّة، وسُوَرُ الشُّكرِ متْلُوَّة. ونحنُ نستزيدُ من الواهبِ نعمةَ
التَّوفيق، ونستهديه في قضاء الحقوق، إلى سواء الطريق، ونستعيذُ به من المِنَّةِ أنْ تَصيرَ فِتْنَة ومنَ
المَحْنَةِ أنْ تَعودَ مِحْنة، وهوَ حسْبُنا ونِعْم الوكيل.
قال أبو إسحاق:
وذكرتُ بهذا المزدوج البديع المَسَاق والتَّرتيب، خبر الأعرابي أبي مجيب إذْ هو في معناه، وكان
رجلاً من بني ربيعة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم فيما ذكر ابن الأعرابي قال: لقد رأيتنا في
أرض عَجْفاء، وزمانٍ أعْجَف، وشجرِ أغْشم في قُفٍّ غليظٍ وحارَةٍ مُدَرَّعَةٍ غَبْراء، فبينما نحن كذلك، إذْ
أنْشَأ الله من السماء غيثاً مُسْتكِفَّا أنْشأهُ مُسْبِلَةً غزالية، ضخاماً
стр. 355
قطْرُهُ جَوْداً زاكياً نزَّله رزقاً لنا، فنعش
أموالنا ووصل طرقنا وأصابنا. وإنّا لَبِنَوْطَةٍ بعيدة الأرجاء، فاهْرمَّعَ مَطَرُها حتى رأيتُنا، وما نرى إلا
غير السماء والماء، وصهواتِ الطَّلْحِ يضرب السيلُ النِّجَافَ، وملأ الأودية فرعبها، فما لبثنا إلا عشراً
حتى رأيناها روضة تَنْدَى.
تفسير غريب هذا الخبر. قال قاسم بن ثابث: قوله مُدَرَّعَّة؛ أي أكل ما حولها. وشاة درعاء؛ إذا
ابيضَّ رأسُها وسائرها أسود. ويقال ماء مُدْرِعٌ؛ إذا أُكِلَ ما حوله من الكلأ. والمُسْتَكِفُّ؛ المستدير،
وكل مستدير كِفَّةٌ. وكل مستطيل فحرفُهُ كُفَّةٌ، وكلُّ شيء جَمَعْتَه فقد كفَفْته. واسْتَكَفَّ القوم الشيء، إذا
أحدقوا به، واستَكَفَّ السائلُ إذا بسطَ كفَّهُ يسأل. وتَكَفَّفَ السائلُ الأبواب إذا مدَّ
стр. 356
كفَّه للسؤال. ويقال كفَّ عن الشيء يكُفُّ كفَّا إذا انقبض عنه. قال الله تعالى: (وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ) وكِفَّةُ الميزان بالكسر، كِفُّ الذي توضع فيه
الدراهم. وكُفَّةُ الثوب بالضم حاشيته. والكُفَّة بالضم أيضا ما يُصادُ به الظِّباء يجعل كالطوق. والكِفَفُ
دَارَاتُ الوَشْمِ. والمكفُوفُ الأعمى. وأصل الباب الجمع.
وقال أبو إسحاق الزجاج: أُخِذَ من المنع. تقول كَفَفْتُهُ عن كذا أي منعته. وفي كتاب الله تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)،
وانتصاب كافة على الحال.
والغزالي: أفواه الجراد. شَبَّه تَحَلُّبَ المطرِ بالغزالي.
وقوله: (ووصَلَ به طُرُقنا لأنهم لا يقدرون على الضَّرب في البلاد) كذا قال قاسم. قال: وهذا
كالحديث المرْوِيِّ عن النبي ﷺ ، أن رجلاً شكا إليه الجَدْب فقال: يا رسول الله
هَلَكَتِ الأموالُ، وانقطعت السُّبُلُ فادْعُ الله لنا.
والنَّوْطَةُ المَفازةُ، وجمعها نِيَاط سُمِّيتْ بذلكَ لأنها كأنها من بعدها مَنُوطَةٌ بِمَفَاوزَ أُخَر لا تَكادُ تنقطعُ.
والإهْرِمَّاعُ كالإنْهمال. اهرَمَّعَ الرجلُ في منطِقِهِ وحديثه، يهرمِّعُ اهرمَّاعاً، وهو مُهْرَمِّع، والعينُ
تهرمِّعُ، إذا درَّت الدَّمْع سريعاً. ورجل مُهْرَمِّعٌ أيْ سريع البكاء.
وقوله (رعب الأودية) أي ملأها. قال الشاعر:
стр. 357
يقابل جُوعَهُم بمُكلَّلاتٍ ... منَ الفُرْنِيِّ يَرْعَبُها الجميلُ
والنِّجافُ واحدتها نَجَفَة، وهي تكون في بطنِ الوادي شِبْهِ جدارٍ ليسَ بحدٍّ عريض.
رجع
وكتب بعض الأدباء إلى صديق له قدم من سفر:
طَلَعْتَ طُلُوعَ البَدْرِ بعدَ مُحَاقِهِ ... وأُبْتَ كما آبَ الرَّبيعُ المُزايِلُ
وَرَدَنِي، أطال الله بقاء عمادي الأعظم، وملاذي الأعصم، كتابه الأكرم، يُبَشِّرُ بِقُدومِهِ، وتَطلُّعِ المجْدِ
منْ رُسومِهِ، فجَذَبَ الزَّهو عِطفي، وجادَ صوبَ النعمة والمَسَرَّة رَبْعِي وكهفي، وجاذبَتْني النفسُ إليهِ
عِناقَ السباقِ، واسْتَخَفَّني الطَّرَبُ والجذلُ حتى كِدْتُ أطيرُ بجَناحِ الاشتياق، وحُقَّ لمن أرهفْتَ طبعه
وغربَهُ، وأمَّنْتَ بِمُحَامَاتِكَ سرْبَه، وكنتَ شرْقَ طرْفِه إذا نظرَ وغرْبَه، أنْ يحُلَّ إلى لُقْياكَ، ويهيمَ
بعُلاك، ولا يَسْتَقرَّ حتى يجْمَعَه وإيَّاكَ أرضٌ، ويتمَكَّنَ لهُ منْ قضاء حقكَ فرْض. ولولا أنِّي قدْ وردْتُ
منَ السَّاقة على اختلالٍ قدْ أخذتُ في سَدِّهِ ورَمِّه، وانتشار قد شرعتْ يدي في جَمْعِهِ وضمِّه، لأعْمَلْتُ
إليك ركابي، قبل كتابي، ولقدَّمْتُ إعْمالَ قدمي، وأخْفيتُ شَبَاةَ قلمي، وعنْدَما أفْرغُ من حالي ومُعاناتها،
ونَسْتَطِبُّ - إن شاء الله - منْ سدِّ خَلاَّتِها، أنقضُّ إلى ذلكَ الأفقِ انقضاضَ الأجْدَل، وأرْكَبُ صهوةَ
العجَلِ. والله تعالى يُعَرِّفُكَ يُمْنَ مَقْدمِك، ويُورِدُ الإخوانَ مشارِع كرَمِك، بمَنِّه.
стр. 358
فصول من كلامهم في معنى التَّعْزية
لما توفي الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن أصبغ، كتب أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال إلى
بنيه رقعة افتتحها بهذه الأبيات:
أَعَلِمْت منْ حَمَلُوا على الأعْوَادِ ... أرأيْتَ كيْف خبا ضِياءُ النادي
جبَلٌ هوى، لوْ خرَّ في البحر، اغتدى ... منْ وقعه، مُتتابِعَ الأرْبادِ
يالَيْتَ أنِّي ما اقْتَنَيْتُكَ صاحِبَا ... كمْ قِنْيَةٍ جَلَبَتْ أسىً لِفُؤاد
بَرْدُ الضُّلُوع بمَنْ تُحِبُّ بَقَاءَهُ ... مِمَّا يَجُرُّ حَرَارَةَ الأكبادِ
ياسَادَتي المُعَظّمين وكُبَرَائِي، وأنْصاري المُقَدَّمين وظهرائي، والعُمدةُ المنيعَةُ الذين أَعُدُّهم منْ خيرِ
العتادِ لِمَنْ ورائي. كلأَكُمُ الله وكَلأَ المجْدَ فيكمْ بعِصمَتِهِ المُطيفِةِ، وتكَفَّلَ بِهِممِكُمُ الباسِقَةُ المنيفَةِ،
وحَجبَكُم بصونِهِ عنْ صُرُوفِ الأيام وحَوادِثِها العنيفَةِ، وأحسن عزاء المسلمين وعزاءكم في البحر
الذي أسْلَمْنا بعده إلى ضَحْضَاح، والجبلِ الذي كُنّا نَلُوذُ بظلِّهِ فتَركَنا أيَّ تركٍ إلى أجْرد
стр. 359
صاحٍ، ندفعُ ظالمنا ببنانٍ وراحٍ. وقدْ كُنّا نذُودُه منْ جَلالَتِهِ ومَهَابَتِهِ بأمْضى سُيُوفِ وأنْفذِ رماحٍ. يا حَرَّها على
الأكبادِ، ويالها مُصيبَةً فتَّتْ على الأعضادِ، وعَمَّتْ أهل الرُّبا والوهادِ، وقدحتْ في الجوانِحِ والعُيُون
نارَ الجَوَى والسهادِ:
إذا ما دَعَوْنَا الصَّبْرَ بعدَكَ والبُكَا ... أجابَ البُكَا طَوْعاً ولم يُجِبِ الصَّبْرُ
فإنْ ينقطعْ منكَ الرَّجاءُ فإنه ... سيبْقى عليكَ الحُزْنُ ما بَقِيَ الدَّهْرُ
أُشْهِدُ لقدِ اسوَدَّ ناظري من الأرضِ حينَ نُعيَ، وتَمنَّيْتُ أني دُعيتُ فأجَبْتُ حينَ دُعي:
وأقبَلَ ماءُ العينِ مِنْ كُلّ زَفْرَةٍ ... إذا ورَدتْ لمْ تَسْتَطِعْها الأضالِعُ
فُجِعْنا به حينَ نَظَم الفَضائلَ كُلّها نَظْماً، واستولى على أمدِ التَّقْوى شدَّا وحزْماً، واستوى على ذِرْوَةِ
المَعَالي سيِّداً ضخْماً، نراهُ للإسْلامِ أمْنَةً وسكَناً، ونَعْتَدُّهُ قيماً على أماناتِ الدَّهرِ مُؤتَمَناً، ونَعْتَقِدُهُ مِمّنْ
بَشَّرَ الله منَ المؤمنين الَّذين يعملونَ الصالحاتِ أنَّ لَهُمْ أجراً حسناً:
وَكُنْتُ أرَجِّي أنْ أُمَلاَّهُ حِقْبَةً ... فحالَ قضاءُ الله دُونَ رجَائِيا
ألا لِيَمُتْ منْ شاء بعْدَك، إنَّما ... عليكَ، مِنَ الأشياءِ كان شائيا
ولئنْ سُرّ بيوْمِهِ الشامتُ والكاشحُ، فما ألْوى به الخطبُ الفادحُ الكالِحُ، إلاّ
стр. 360
حينَ لمْ يبْقَ مَشرِقٌ ولا مغْرِبٌ إلا ولهُ فيه مُثْنٍ ومادِح، ووراءهُ - بحَمدِ اللَّه - منكم مَنْ يُدافِعُ عنْ مَجْدِهِ ويُنَافِح، ويَسْمُو مِنَ
المَكَارِمِ إلى حيثُ سما، ويَرْمي في المآثر إلى حيثُ رمى، وينْتَمي إلى جُرْثُومَةِ العربِ إلى أكرمِ
مُنْتَمى. فالتَّعَزِّي عليهِ بكُم ماثلٌ، والسُّلْوانُ عنِ الأحزانِ بِمَكانِكُمُ السَّادِّ لِمكانِهِ حاصِلٌ، وكُلُّكُمْ بعدَ ذلك
السَّيِّدِ الماجدِ سيِّدٌ فاضِلٌ، لا يَتَّكِلُ على الحسبِ، ولا يَقْصُرُ عنْ أهْلِ الرُّتَب.
وإنِّي، وإنْ عَزَّيْتُكُمْ - أعَزَّكُمْ الله - لَمِمَّنْ يُعَزَّى بمجْدِه، ويجدُ به حَقَّ وجْدِهِ، ولا يَرى فَقْدا كفَقْدِهِ. كانَ
في كلِّ فضيلةٍ قريعَ دَهْرِهِ، ونَسَيجَ وَحْدِهِ. وأنْتُمْ - بحمدِ الله - السَّادُّونَ في الدِّينَ والدُّنْيا مَسَدَّهُ منْ
بَعْدِهِ. وأعْتَذِرُ إليكمْ - أعَزَّكُمْ الله - منْ أشْغالٍ وكيدَةٍ مُسْتَحَقَّة، وفِكَرٍ في أشْتاتٍ مُسْتَرَقَّة، ولوْ أعْمَلْتُ
في هذا الرُّزْء قدَمي، مكانَ قَلَمي، لمَا بلغتُ قَدَرَه، ولقدْ شهِدْتُ بقلبي معَ مَنْ شهِدَهُ وحضره، وفيكم -
بحمد الله - منْ تُرْفَعُ إليه الأبصار إجْلالاً، فَتَرى فيه منَ الماضينَ - رحمكم الله - مُشابهةً كريمةً
وأمثالاً. وأنتُم - أعزَّكمُ الله - تَجْعلُونَ سَيْرَهُ وهَدْيَهُ إماماً ومِثالاً، وتَمْلؤونَ الحَضْرةَ بَهَاءً وجَمالاً.
بُدُورٌ يَسْري بها السَّارونَ، ويَقْتَدي بها المُقْتَدُون، ولا يتجاوزُها المُنْتَهُون. أقَرَّ الله بكم عُيُونَ الأوْلياء،
وأفاضَ عَلَيْكُمْ سَوَابِغَ النَّعْماءِ، وأشْرَبَ قُلُوبَكمْ جميلَ الصَّبْرِ والعزاءِ، بِكَرَمِهِ. وأَقْرَأُ عليكمْ أعَمَّ السّلامِ
وأنْماهُ، وأبَرَّهُ وأحْفاهُ، ثمَّ السلامُ المُرَددُ، عليكُم ورحمةُ الله وبَرَكاتُه.
قوله: (فما ألوى به الخطب الفادح الكالح، إلا حين لم يبق مشرق ولا مغرب إلا وله فيه مُثْنٍ ومادح)
من قطعة شعر قرأتها في النوادر لأبي علي أولها:
مضى ابنُ سعيدٍ حينَ لم يبْقَ مَشْرِقٌ ... ولا مغرِبٌ إلاَّ له فيه مادِحُ
وما كُنتُ أدْري ما فواضِلُ كفه ... على الناس حتَّى غيَّبَتْهُ الصَّفائحُ
стр. 361
فأصبح في لَحْدٍ من الأرض ميِّتاً ... وكانت به حياً تضيق الضحاضح
فما أنا من رُزءٍ وَإِنْ جَلَّ جازِعٌ ... ولا بسرور بعدَ موتِكَ فارح
كأنْ لم يَمُتْ حَيٌّ سواك ولم تقم ... على أحدٍ إلا عليك النَّوائح
لئنْ حَسُنَتْ فيكَ المراثِي وَذِكْرُهَا ... لقد حَسُنَتْ من قبلُ فيكَ المدائح
سأبكيكَ ما فاضتْ دُموعي فإنْ تَقْضِ ... فَحَسْبُكَ مِنِّي ما تحنُّ الجوانِحُ
وكتب أبو القاسم بن الجد في المعنى:
لا بدَّ منْ فقْدٍ ومنْ فاقدٍ ... هيهاتَ ما في الناسِ منْ خالِدِ
كُنِ المُعَزّي لا المُعَزّى بِهِ ... إنْ كانَ لا بُدَّ منَ الواحِدِ
إذا لمْ يَكُنْ بُد منْ تجَرُّعِ الحِمامِ، وتَشَتُّتِ النَّظامِ، وانصداع شملِ الكِرامِ، فمِنَ الاتفاقِ السعيدِ، والقدَرِ
الحميدِ، أنْ يرثَ أعْمار البيْتَةِ الكريمة مُشَيدُ عُلاها، وتسْلَمَ منَ القِلادَةِ وُسْطاها، فمَدارُ الكِنايةِ على
مُعَلاها، وفخَارُ الحَلْبَةِ بِمُحْرِزِ مداها، وفي هذه النُّبْذةِ إشارةٌ إلى منْ فَرَطَ منَ الإخوةِ الفُضلاء، ودَرَجَ
منَ السَّاداتِ النُّجَباء، فإنَّهم، وإنْ كانوا في رُتْبَةِ الفضلِ صُدُوراً، وبَدَوا في سماءِ النُّبْلِ بُدُوراً، فإنَّ
شمسَ عُلاكَ أبْهرُ أضْواءً، وأزْهرُ أنْواراً، وظِلَّ حمايتِكَ على بنيهم ومُخَلَّفيهم أنْدى آصالاً، وأبْرَدُ
أسْحَاراً.
стр. 362
ونُعي إليَّ، أوْشَكَ الله سُلْوانَكَ، ولا أخْلى منْ شَخْصِكَ الكريمِ مَكَانَكَ، الوزيرُ أبو فُلان بَرَّدَ الله ثراه،
وكرَّم مثْواه، فكَأنَّما طعنَ ناعيه في كبدي، وظعَنَ حاديه بذخيرةِ خلَدي. لا جرمَ أنِّي دُفِعْتُ إلى غَمْرَةِ
من التلدُّدِ لو صُدم بها الدَّهرُ لحار، أَوْدُهِمَ بِمِثْلِها الحزمُ لخار، ثمَّ ثابَتْ إليَّ نفسي وقدْ وَقَدَها الجَزَعُ،
وعَضَّها الوَجَع، فأطلْتُ الاسْتِرجاع، وجمَعْتُ الجلَدَ الشعاع، وهَاأنا عندَ الله أَحْتَسِبُهُ جُماعَ فضائل،
وجمالَ محامل، وحديقةَ مكارم ضَرَّحَتْ، وصحيفة محاسِن درستْ وامَّحَتْ؛ وما اقتصرتُ منْ رسْم
التعْزِيَّةِ المَألُوفِ، على القليل المَحْذُوف، إلاَّ لِعِلْمي بأنّ التَّعَزِّي لا يُورِدُ عَلَيْكَ غريباً، ولا يُسْمِعُكَ منْ
موْعِظَةٍ عجيباً، فيكَ يقتدي اللبيب، وعلى مثالكَ يجْتَزئ الأريبُ، وإلى غَرَضِكَ يرْمى المُصيبُ، وفي
تجافي الأقدارِ عنْ حَوْبائِكَ، وسُقُوطِها دُون فِنَائكَ، ما يَدْعُو إلى حُسْنِ العزاء، ويُهَوِّنُ جلائلَ الأرْزاء،
لا صَدَعَ الله جَمْعَكَ، ولا قَرَعَ بِنَبْأةِ المكْروهِ سمْعَكَ، بِعِزّتِه.
وفي المعنى للكاتب الماهر أبي عبد الرحمن بن طاهر:
أَقَمتُ لَهْفَانَ وقدْ أسْمَعَ النَّاعي، فأضْرِمَ نار الأسى بينَ أضْلاعي، للرَّزِيَّةِ العُظْمى، التي رمى سَهْمُها،
فأصْمى، بوفاةِ منْ جُمعَتْ فيه المحاسنُ والخِلال، وزالَ كما تَزُولُ الجبالُ، وقَلَّ له المُشاَبِهُ والنَّظيرُ،
وماتَ بمَوْته البشرُ الكثيرُ، أبو فُلان ربُّ الشَّرَفِ الصَّميمِ، والحَسَبِ العِدِّ الكريمِ، أوْ سَعَهُ الله رحماهُ،
وجعلَ الجنّةَ مَأْواه، فإنّا لله وإنَّا إليهِ راجِعُون؛ على الرَّزِيَّةِ فيه،
стр. 363
لَيّتَني بالنفسِ أَفْديه، فأمّا القلبُ فَمُنْحَلّ
ومُسْتَلبٌ، وأمّا الدمعُ فمُنْهَلّ ومنْسكِبٌ. سقى الله جَدَثَهُ سَبَلَ القَطْرِ، ونَفَّعهُ بحسنِ المذهبِ وجلالَةِ
القدْرِ، وجزاه جزاءَ المُحسنينَ، وأنْزلهُ دارَ المُقامَةِ في علّيّين، وهَنَّاكَ الله ميراثَهُ منَ الرِئاسةِ، ومَكَانَهُ
من النَّفاسَةِ، ومَنَحَكَ العُمْر الطَّويل، وأمْتَعَكَ العِزَّ الظليل، وساعدكَ بكلِّ ما تهواهُ الزمانُ، ولا زالَ بكَ
يتَحَفَّلُ ويَزْدان.
قول أبي عبد الرحمن ﵀: (ومات بموته البشر الكثير) مأخوذ من قول الشاعر:
لًَعَمْرُكَ ما الرَّزِيةُ فَقْدُ مالٍ ... ولا شَاةٌ تموتُ ولا بَعيرُ
ولكن الرَّزيَّةَ فقدُ قرْمٍ ... يَمُوتُ بموته بشَرٌ كثيرُ
ويروى: يموت من آجِلِهْ. وهذا من قول عَبْدَة بن الطبيب يرثي قيس بن عاصم:
стр. 364
عَلَيْكَ سلاَمُ الله قيْسَ بن عاصمٍ ... ورَحْمَتُهُ ما شاء أنْ يتَرَحَّما
تحِيَّة منْ غَادَرْتَهُ عَرَضَ الرَّدى ... إذا زار عنْ شحطٍ بلادكَ سَلَّما
فما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحدٍ ... ولكنه بُنْيانُ قومٍ تهَدَّما
والمتقدم بهذا المعنى امرؤ القيس حيث يقول:
فَلَوْ أنّها نفْسٌ تَموتُ جميعةً ... ولكنّها نفْسٌ تساقَطُ أنْفُسا
أخذه أبو العباس أحمد بن عبد ربه صاحب (كتاب العقد) فقال:
منْ يُرْتَجَى بعدكَ أوْ يُتَّقى ... وفي يدَيْكَ الجودُ والباسُ
ماعِشْتَ عاش الناسُ في نِعْمَةٍ ... وإنْ تَمُتْ مات بكَ النَّاسُ
وقول الشاعر: (فقد قَرِمَ) القَرْمُ: هو السيد الكريم من الرجال، وأصله الفحل من الابل يُكْرَم ويُصان،
فلا يُمْتَهن ولا يُذَلَّلُ بالحَبْل، وإنَّما يُعَدُّ للضِّراب. قال الشاعر:
فَحَزَّ وظيفُ القرْمِ في نصف ساقه ... وذاكَ عِقال لا يُنَشَّطُ عَاقِلُهْ
ويقال له أيضا المُقْرَم. قال الشاعر:
стр. 365
إذا مُقْرمٌ منَّا مَضى لسبيله ... تَخَمَّطَ فينا نابُ آخرَ مُقْرَمِ
ومثل هذا قول المرار الأسدي:
وإذا فُلانٌ ماتَ عنْ أُكرومَةٍ ... رقعُوا معاوزَ فقْده بفُلانِ
وفي حديث علي ﵁، أخبرنا أبو الحسن القرم كنى به عن نفسه.
قال: وعزّى عبد الرحمن بن أبي بكرة سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ منْ طالَ
عمره فقد الأحِبَّة، ومنْ قصر عمره كانت مُصيبتُه في نفسه. قال: ونظر أعرابيٌّ إلى قومِ يدفنونَ
حريمَة لهم، فقال: نعمَ الصّهر صاهَرْتُم، تَأْمَنُونَ به العار، وتكفون به سوء الأُحْدُوثَة، وما لِمَضْنونٍ
بها من النِّساء أكرمُ من قبْر.
وحكى الأصمعي قال: سمعتُ أعرابياً يقول: غَفَلْنا ولمْ يغْفل الدَّهرُ، ولم نتَّعِظْ فيه بغيرِنا، حتى وعَظَ
غيرَنا بنا. فقد أدرك السعادة منْ تنَبَّهَ، وأدرك الشقاء منْ غفَلَ، وكَفى بالتَّجربة واعظاً.
стр. 366
قال: وسمعت أعرابياً يقول لقوم يدفنون ميْتاً لهم: جافى الله عنْ ميتِكُم الثَّرى، وأعانَه على طُولِ
البِلى، وآنسه في الهُوَّةِ الظَّلماء، حين تتصدَّعُ عنه الأقرباء. قال: ودخلتُ على امرأة من العرب
بأعلى الأرض في خِباءٍ لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموت، فقامتْ إليه فأغْمَضَتْهُ، وعَصبَتْه،
وسجَّتْهُ، ثم قالت: يا ابن أخي. قلتُ: ما تشائين؟ قالت: ماأحَقَّ منْ أُلْبِسَ النعمة، وأُطيلتْ به النَّظرة،
ألايدَعَ التوثق من نفسه قبل حلِّ عُقْدته، والحُلُولِ، بعَقْوَته والمَحَالة بينه وبين نفسه. قال: وما تقطر
من عَيْنَيْها دمعة صبراً واحتساباً، ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان مالُكَ لِبَطْنِكَ، ولا عُمْرُكَ لعِرْسِك.
ثم أنشدت:
رحيبُ الذِّراعِ بالتي لا تُشينُه ... وإنْ كانتِ الفحشاءُ ضاقَ بها ذَرْعا
قال: وحجَّتْ امرأة من العرب ومعها ابن لها، فأصيبتْ به، فلمّا دُفِنَ قامتْ على قبره، وهي مُرَجِّعةٌ
فقالت: والله يا بُنيَّ لقد غذَوْتُك رضيعاً، وفقدْتُكَ سريعاً، ولم تكن بين الحالين مدةً أَلتَذُّ بعيشِك منها،
فأصبحتَ بعد النَّضارة والغضارة ورونقِ الحياة صديعاً، تحت أطباقِ الثَّرى جسداً هامداً. أي بُنيَّ، لقد
سحبت الدُّنيا أذْيالَ الفناء، وأَسْكنتْكَ دارَ البَلى، ورمَتْني بعدكَ بالداهية الدَّهْياء. أي بُنَيَّ لقد أوْرَثَ
الحُزْنُ نَفْسي فادِحَةً وهي لقلبي شاذِخة. ثم قالت: أيْ رَبِّ، منكَ العدْلُ، ومنْ خَلْقِكَ الجَوْرُ، وهَبْتَ لي
قُرَّة عَيْن فلم تُمَتِّعْني به كبيراً، بل
стр. 367
سَلَبْتَنيه وشيكاً، وأمَرْتنى بالصبر، ووعَدْتَني عليه بالأجْرِ، فصدَقْتَ
وَعْدكَ، وأصبْتَ قضاكَ. اللهمَّ ارحمْ غُرْبَتَه، واسْترْ عَورته، يوم تُكْشَفُ الهَناتُ والسَّوْءات. ثم
انصرفت، فلما أرادت الخروج إلى أهلها عادت إلى قبره، وقفت عليه وقالت: أيْ بُنَي، قدْ تزَوَّدْتُ
لسفري، فياليتَ شعري؛ ما زادُكَ لسَفَرِكَ، وبُعْدِ طريقَك، ويومِ ميعادِك. اللهمَّ إنِّي أسألُكَ لَهُ الرِّضى
بِرِضائي عنه. ثم قالت: اسْتَوْدَعْتُكَ من استودعَنيكَ في أحْشائي جنيناً، وَاثُكْلَ الوالِدات. ما أمضَّ
حرارة قُلُوبِهِنَّ. وأقْلَقَ مضاجعهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالدات. ما أطول ليلهُنَّ. وأقْصرَ نَهارَهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالدات
ما أقلَّ أُنْسَهُنَّ، وأكثر وحْشَتَهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالداتِ ما أبعَدهنَّ من السَُّرور. وأقْرَبهُنَّ من الأحزانِ.
ثمَّ لمْ تَزَلْ تقُولُ من الكلامِ مثْلَ هذا، حتَّى أبْكَتْ منْ سَمِعَها، ثمَّ حَمِدت الله ، واسترجعتْ
وصلَّتْ عند قبره ركعاتٍ وانطلقتْ.
قال: وسمعتُ صالحاً المُري يُعَزِّي رجلاً على ابن له توفي فقال له: إن كانت مُصيبَتُكَ بابنِك لم
تُحدثْ لكَ موعِظة في نفسك، فمُصيبتُكَ بابنكَ جَلَلٌ في مُصيبتكَ في نفسك، فإيَّا ها فابْك.
قال: وماتَتْ أخْتٌ لرَجُلٍ فوجدَ عليها وجْداً شديداً، فقال له رجل آخر:
وإذا تُصِبْكَ مُصيبَةٌ فاصبِْر لها ... عَظُمتْ بليَّةُ مُبتلىً لا يصْبِرُ
قال: ونالتْ أعْرابياً مُصيبةٌ، فسَمِعْتُهُ يقول: إنَّها والله جعلتْ سُودَ الرُّؤوسِ بيضاً، وبيضَ الوُجوهِ
سوداً، هَوَّنَت المصائب، وشيَّبَت الذَّوائبَ.
قال: وكان أبو بكر ﵁ إذا عزَّى عن ميِّتِ، قال لِوَلِيِّه: ليس
стр. 368
مع العزاء مُصيبةٌ، ولا معَ الجزعِ فائدة. والموتُ أهْوَنُ ما بعْدَه.
واذكرُوا فقْدَ نَبِيِّكم، تهونُ عنْدَكمْ مُصيبتُكُم، صلى الله علي محمد، وعَظَّمَ أجْرَكُم.
قال: وكان علي ﵁ يقول إذا عزَّى أهل المَيِّت؛ إنْ تجْزَعوا فمَحَلُّ جزَعٍ، وإنْ تصبِرُوا
ففي ثوابِ الله العوَضُ منْ كلِّ فائتٍ، صلى الله على محمد وعظمَ أجْركم.
ولما قُتِل زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر لأبيه، حزن عليه أخوه عمر ﵁ حزناً
شديداً، وقال: ما هَبَّت الصَّبا إلا وأنا أجِدُ منها ريحَ زيد. وقال ﵁ حين نُعِيَ ابنه: رَحِمَ
الله أخي، سَبَقَني إلى الحُسْنَيَيْن، أسلم قبْلي واستُشهد قبلي. ولما أنشده متمم بن نويرة اليربوعي راثية
في أخيه مالك. قال ﵁ لو كنت أُحْسِنُ الشعرَ لقُلتُ في أخي زيد ما قُلتَ في أخيكَ مالك،
فقال له متمم: لو أنَّ أخي ذهبَ على ما ذهبَ عليه أخوك لَمَا حَزَنْتَ عليه. فقال له عمر: ما عزَّاني
أحدٌ بأحسن ممَّا عزَّيتني به.
стр. 369
وكتب أبو نصر في تعزية وضمَّنها غريقاً:
أتاني ورحلي بالعراقِ عشيةً ... وأيدي المَطايا قدْ قَطَعْنَ بنا نَجْدَا
نَعِيٌّ أطارَ القلبَ عن مستقره ... وكنتُ على قصدٍ فأغلطني القَصْدَا
نَعَوْا واللهِ باسِقَ الأخلاق لا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه وماأخْلَف. لقد سام الرَّدى فيه
حُسناً ووسامة، وطوى بطيِّه نجدةً وقسامة،، فتعطَّلَ منه النَّدى والنَّدِيّ، وأشكَل فيه الهُدى والهَديّ. كمْ
راعَ البدْرَ ليلة إبْدارِه، وروَّع العدُوَّ في عُقْر داره. وكمْ سلَّ السيوفَ طولُ قراعه، ودلَّ عليه الضيوفَ
موقدُ النَّار بيفاعه، وتشوَّفَ إليه السرير والمنبرُ، وتصرَّفَ فيه الثناءُ المحبَّرُ. أيُّ فتى غدا له البحر
ضريحاً، وأَعْدى عليه الحينُ ماءً وريحاً، فتبَدَّلَ منْ ظِلِّ عُلاً ومَفَاخر، إلى قَعرٍ طامي اللُّجَجِ زاخر،
وعوَّضَ من صهواتِ الخيْلِ، بلهواتِ اللُّجَجِ واللَّيْلِ، غريقٌ حَكى مُقْلَتيَّ في دَمْعِها، وأصابَ نفسي في
سمعها، ومنْ حُزْنٍ أنِّي لا أسْتَسقي لهُ الغَمامَ فمالَهُ قبرٌ تَجودُه، ولا ثرى تُرْوى بِه تهائِمُهُ ونُجُوده، وقدْ
آليْتُ ألا أُودِعَ الريحَ تحيَّةً، ولا يُورِثُني هُبُوبُها أَرْيَحِيَّةً، فهي التي أثارتْ منَ الموجِ حنقاً، ومشتْ
عليها خَبَباً وعَنَقاً،
стр. 370
حتى أعادَتْهُ كالكثبان وأوْدَعَتْهُ قضيب بان. وَوَاأَسَفاً لزُلالٍ غاضَ في أَُجَاج،
وسلْسالٍ فاضَ عليه بحْرٌ عَجاج. وما كان إلا جوهرٌ آبَ إلى عُنْصره، وغاب عنْ عينِ مُبْصرهِ، ولقد
آن للحُسامِ، أن يُغمد ولا يُشامَ، وللعَذارى ألا يَحْجُبهنَّ الخَفْرُ والاحتشام، يَنُحْنَ فتى ما درَّتِ الشمسُ إلا
ضَرَّ أَو نَفَعَ ويبْكينَ منْ لمْ يدَعْ فقْدُهُ للأنْسِ من مُنْتَفَعٍ. صديقٌ ما حمِدْتُ فيه الأيامَ إلا ذَمَمْتُها، ولا
بَنيتُ به أرْكان المُنى إلا هَدَمْتُها. فكم غدوْنا بروضة مُوَشِّيَة، ووقَفْنا بالسراةِ عشيةَ، وبِتْنا لمْ نَرُمِ
السَّهر، ولم نَشِمْ برْقاً إلا الكأسَ والزّهرَ؛ ولو غير الحِمام زحَفَ إليه جيشه، أوْ سِوى البحر رجف
إليه ارتجاجه وطيشه، لثناهُ من أَسِرَّتِه منْ يتَهَيَّبُهُ ليثَ الشَّرى، ويرهَبُه البطلُ الباسلُ إذا استشرى،
منْ كلِّ أروع، إن عجَّل إليه المكروه ثبَّطهُ، أوْجاءه الشرُّ تأَبَّطَهُ؛ لكنه الموتُ لا ترُدُّهُ الصَّوارمُ ولا
الأسل، ولا يُفوتُه ذئابُ الغضا العُسَّلُ وذكرتُ بمعنى هذا المُزْدَوج الكافي، قولَ الأديب الكامل أبي
عبد الله الرصافي من أبيات له في المعنى وهي:
стр. 371
يا بدر حمصٍ والسِّرار ثلاثةٌ ... عدْ عودةً لا توحش الأيامَا
أما البهاء فقد خلعت رداءه ... يومَ ادرعت من الخليج غماما
وقضتْ وفاتك أن أُقول لعبرتي ... يا ماء كُنْ سقياً له وسلاما
والنهر لا تبق الربيع بشطه ... زهراً ولاألف القضيب حماما
فلقد أرقت به حشاشة مهجة ... ثنت المشارب مسكةً ومداما
ماذا عليه وقد علاك مفاضة ... تياره لو لم يقلك حساما
وأبو نصر قُدْوةُ الكُتاب، وصاحبُ إبداعٍ في كتابته وإغرابٍ، مُخْتَص بالانْطِباع، وجودَةِ القريحة
وذكاء الطِّباع، وهو القائل في المعنى:
أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، الشائع عدْلُه، السابِغِ فضْلُه، العظيمِ سلطانه، العلي
شأنه، السني قدره ومكَانُه. في سعدٍ يصرفُ عنه أعْيُنَ النوائب، وجدٍّ يضربُ دونَهُ أوْجه المصائب.
كلُّ رُزْءٍ - أدامَ الله تأييده - وإن عَظُمَ وجَلّ، حتى استولى منه على النُّفوسِ الوجَل، إذا عدا بابه،
وأخطأ حجابَهُ. فقد أخْطَأ - بحمد الله - المقتل، وصدَّ عنْ سواء الغرض وعدل. وإذا كانت أقدار الله
تعا لى غالبةً لا تُطاول، وأحكامه نافذة لاتُزاوَلُ، فالصَّبرُ لِمَواقِعِها أوْلى، والتَّسليمُ لِجَوازِها أقربُ
لِرِضَى المولى، والتزامُ أوامِره أشرفُ وأعْلى.
كتبتُهُ - أدامَ الله تأييدَكَ - والنفسُ بنار زَفْرَتِها مُحْترقة، والعينُ لعبرتها شرقَةٌ مُغْرَوْرِقة، لِما نفذَ بهِ
قَدَرُ الله المَقْدُور، وقضاؤُهُ المسطورِ، منْ وفاةِ الأميرِ الأجلِّ أبي فُلان قدَّسَ الله روحَهُ، وسقى
ضريحهُ، فيالَهُ رُزْءٌ أقْصَمََ الظَّهرَ، ووسَمَ النُّجومَ الزُّهرَ، وأبْكى الأجْفانَ، وأذْكى الأحزانَ، بِمكانَتِه منَ
الدَّوْلَةِ المُنيفَةِ، ومنزِلته من السَّوْرةِ الرَّفيعةِ الشريفةِ، وعندَ الله تحْتَسبُه ذخيرةً
стр. 372
عُظْمى، ونسْأَلُ لهُ المغفرة والرُّحْمى. فإنَّه كان - نضر الله وجْهَهُ - مُتَوَفِّرَ الهِمَّةِ على الجهادِ، منْ أهلِ الجدِّ
في ذلكَ والاجتهاد. وحسْبُه أنَّه لم يَقْض نَحْبَهُ إلاَّ في عَسْكَره، فأدْرَكَهُ الموتُ مُهاجراً، ومَعَ الله سبحانه
وتعالى تاجرا، وأرْجُو أن يكونَ الله ﵎ قدْ قرَنَ لهُ فاتِحةَ السعادَةِ، بخاتِمَة الشهادةِ.
وأنّ أمير المُسْلِمينَ أوْرى في الرِّئاسةِ زَنْداً، منْ أنْ تُضَعْضِعَهُ الخُطوبُ وإنْ أهَمَّتْ، أو تُوجِعَهُ
الحوادثُ إذا ادْلهمَّتْ. والله يُحْسنُ عزاءهُ على فجَعِه، ولا يُدْني كارثةً منْ وَلَعِه.
ولغيره في المعنى:
الدُّنيا، صرفَ الله عنْكَ صُرُوفَها، على الفجائِعَ مَبْنِيَة، وقُصَاراها كَدَرٌ أَوْمَنِيَّةٌ، (وإن الحازِمَ من وطَّنَ
لأحداثها)، وأيْقَنَ بانتِكاثِها، فأوْسَعها صدْراً رحيباً، وقلباً صليباً.
كتبتُه - أطال اله بقاءكَ - والدُّمعُ محْدُورٌ، وقدْ حُمَّ قضاءٌ ونفذَ مقْدور، بوفاةِ الشيخِ أبي فلان أبينا
وقُرَّة أَعْيُننا. كان نضَّرَ الله وجْهه ولقاه مغْفِرته ورحمَتَه، ورفعَ في دارِ المُقامَةِ منزلتَهُ. فناهِيكَ أسفي
عليه وتَوَجُّعي، وما أوْ قدَ نارَ الأسى بينَ أَضْلُعي، فأيُّ ذِهنٍ - أعزّكَ الله - ينْطاعُ، أمْ أيُّ كلامٍ
يُستطاعُ، واللسانُ معقولٌ، والفُؤادُ منْقولٌ، والشَّجْوُ دائم، والدَّمعُ ساجِم، لما طرقتْ به الأيامُ، وقرعَتْ
به أسماعَ الأنامِ. فإنّا لله وإنّا إليه راجِعون. لقد أظْلَمَتْ لهذا الرُّزْء الآفاق، وأدركَ بدْرَ تمامِها المُحاقُ،
وإلى الله الشَّكْوَى، فهو
стр. 373
الذي أضْحكَ وأبْكى، وهكذا تزول الجبالُ، وينْصَرِمُ المآل، ويتهَدَّم البناءُ،
ويضْمَحِلُّ السَّنا والسناء. وما أُعَزِّيك - أعزك الله - وأترك نفسي، وقد شرذتما سكَني وأُنْسي، ونالني
من الكربِ لهذا الخطبِ ما لوْ شهِدْتَهُ لراعكَ المنظر، ولجَعَلت نفْسَكَ الكريمة تنْفَطر.
وفي فصل:
وإنَّ الدُنْيا لفي حداد، لما قصدَتْ به منْ داهية نآد، فقد كان قائماً بأعْبائها، مبيداً لأعدائها، فهي تَبْكِيه
بأدمُعٍ سجام، وتنْدُبُهُ في كلِّ مقامِ، فيا سُرْعَ ما سلَبَتْهُ المنون، وقد قرَّتْ به العيون، وفَخَرَ به المجْدُ
والفخارُ، وأنابَ قدرُهُ على الأقدار، وعندَ الله تعالى نحتسبُهُ كريمَ النِّصاب قرْماً رفيعاً، وطوداً منيعاً،
وقدْ تساويْنا في الرَّزِيَّةِ، فلْنَعُدْ إلى التَّسليةِ بذلكَ أوْفَرَ ذُخْراً، وأعظمَ أجراً.
وفي هذا المعنى من المنظوم الجَزْل المُشتمل على فنون الانطباع، والنبلِ المُوقِظِ من نوم الغفلة
والسِّنة، والداعي إلى الادِّكار والموعظة الحسنة، المُذكَّر بانصداع الشمل، وفراقِ الوطن والأهل،
وانخرامِ النظامِ، وتجرُّعِ كؤوسِ الحِمام، قصيدٌ فريد للأديب الكامل أبي العباس أحمد بن شكيل في
رثاء والده أبي الحكم، وتوفي في شوال سنةثلاث وستمائة رحمة الله عليه وبركاته:
حَذَار حذار منْ ركُون إلى الزَّمَنْ ... فمن ذا الذي يُبقيعليهِ ومَنْ ومَنْ
أَلَم تر للأحداثِ أقْبَلَها المُنى ... وأقَتلها ما عرَّضَ المرء للفتنْ
تُسَرُّ منَ الدُّنيا بما هو ذاهبٌ ... ويبكي على ما كانَ منها ولم يكنْ
стр. 374
أرى دارنا ليْسَتْ بدارِ إقامَةٍ ... أرَدْنا ثواءً عنْدَها وهيَ في ظعَنْ
فكمَ سكن الدُّنْيا ملوك أَعِزَّةٌ ... تفانوا فلم تَسْتَبْقِ منهم لها سكنْ
وكمْ في الثَّرى دَسَّتْ جَبينَ مُتَوَّجٍ ... فأصبحَ بالأقدامِ يُوطا ويُمْتَهَنْ
وذي جُنَّةٍ كانت تقيه منَ الرَّدى ... أتاه الرَّدى فاعْتاض منها ثرى الجَنَنْ
وكالصَّقرِ فوْقَ السابِقاتِ اعْتَضَتْ به ... أعَاليَ أعْوادٍ منَ النَّعْشِ فارْجَحَنْ
ومنْ ضاقَتِ الدُّنْيا به وبِجَيْشِه ... طوتْ شخْصَهُ في قيْدِ شبْرٍ من الكفنْ
ومحْتَجِبٍ لا يخرقُ الإذْنُ حُجْبَه ... ولَجْنَ مناياهُ عليه وما أَذِنْ
وذي حرَسٍ لا يَغْفَلُونَ احتراسهُ ... رمَتْهُ فلم يُنْصَرْ عليها ولم يُعنْ
وماسحِ عِطْفيهِ منَ الدَّرنِ انبرَتْ ... لَهُ الدُّودُ أكْلاً فانْثنى دَرَنَ الدَّرَنْ
وذي أَمَلٍ منْ دُونِه أجَلٌ لَهُ ... غَدَا شرَكاً ما كانَ قبلُ له وسَنْ
فما أَعْثَرَ الآمالَ في أجلِ الفتى ... وأقربَ أيَّامَ السرورِ من الحزَنْ
عفاءٌ على الدنْيا فإنَّ نعيمَها ... كأَضْغاثِ أحلامٍ تلَذُّ بلا وسنْ
فبَيْنا الفتى في ظلِّها إذْ تقَلَّبَتْ ... بهِ فاتَّقَتْهُ وهيَ قالِبَةُ المجَنْ
لعَمْركَ إنِّي قدْ حزنْتُ فلمْ أَهِنْ ... وكُنْتُ جديرَ الرُّزْءِ بالحُزْنِ والوَهَنْ
دَهَتْني المَنَايا في أبي حَكَمٍ أبي ... ومنْ قبْلُ وارَيْتُ الشَّقيقَ أبا الحَسَنْ
فيالَكُما بدْريْ علاء تساقطا ... وكانا سنا عيْني وأسْناهُما الأسنْ
تَضَمَّنَ شَوَّالُ مناياهُما معاً ... فبينَهُما حوْلٌ وفَقْدَُهُما قَرَنْ
стр. 375
تلا فقْدُ هذا فقْدُ ذا مُتتابِعاً ... فشمْسٌ تلتْ بدْراً وأصْلٌ تلا غُصُنْ
خلا منْهُما النَّادي وكانا وقارَهُ ... فزُلْزِلَ رَضْوى واستُطِيرتْ به حَضَنْ
ولمْ يُبْقِ رَوْضي بعدَ هَلْكهِمَا الحَيَا ... وكُنْتُ أسَقِّي مِنْهُما السُّحُبَ الهُتُنْ
فَلِلَّهِ صبري بلْ شُجُوني فإنَّني ... نشَرْتُ اصْطِباراًوانْطَوَيْتُ على شجَنْ
بدا أعْظم الأرْزاء واكتَتَمَ الأسى ... فناقَضْتُ جُلَّ النَّاسِ في السِّر والعَلَنْ
فَقُلْتُ لجِسْمِي خالياً أنتَ والضَّنى ... وللرُّوحِ بِئسَ الرُّوح مالَك لمْ تَبِنْ
فقال فُؤادي هلْ أذُوبُ منَ الأَسَى ... فَقُلتُ تعَجَّلْ لا أبا لكَ وافْعَلَنْ
وقالتْ دُمُوعي هلْ أَفيضٌ وإنْ جَرى ... معي الدَّمُ مسْفُوحاً فقلتُ افعَلي وَإنْ
أبْعدَ يعيشٍ سلْوَةٌ وتَصَبُّرٌ ... لقدْ فَسَدَتْ عنْدي صنائعُهُ إذَنْ
فأيْنَ الأيادي السَّالِفاتُ التي بها ... شهيدٌ عليَّ الطِّفْلُ والكهْلُ واليَفَنْ
وأيْنَ حَنانٌ كنْتُ أعْرِفُهُ بهِ ... فيا قَلْبُ ما أشْجى عليهِ وما أحَنْ
وكمْ مِنَنٍ من دون مَنِّ تتابَعَتْ ... عليَّ لهُ، والنَّاسُ مَنٌّ بلا مِنَنْ
وكمْ منْ عظيمٍ قدْ وقاني بنفسه ... فهانَ ولولا عَطْفُهُ بِيَ لمْ يَهُنْ
سأُثْني عليه بالذي هُوَ أهلُهُ ... وإنْ يَكُ تَقْصِيرٌ فإقْصارُ ذي لسنْ
أبي ما أبي لا يُبْعِدِ اللهُ مثلَهُ ... وَمَنْ مِثْلُهُ ذو اليُسرِ في عُسْرَةِ الزَّمَنْ
جوادٌ يزينُ الجُودَ منْهُ تواَضُعٌ ... ففَوْقَ الذي أبْدى منَ الجُودِ ما أكَنْ
إذا سُئلَ المعروفَ أسْبَلَ وابِلا ... وإنْ هو لمْ يُسْألْ تفَجَّرَ أوْ هَتَنْ
стр. 376
ولَمْ يَدَّخِرْ في أمْسِهِ قُوتَ يَوْمِهِ ... نزاهَةَ نفْسٍ لا كَمَنْ حَاطَ واخْتَزَنْ
ولو قال أبو العباس ﵀: (قناعة نفس) عوض (نزاهة نفس) لكان المعنى أطبع، والمساق أبهى
وأبدع. على أن قوله مطبوع موافق، وسنا البلاغة عليه لافح ورائق، لأنه كان في النظم قدوة أهله،
وسالك فِجَاجِه وسُبله، حسن التصرف في ميدانه، ومُبَرَّزاً أمام حلْبته وفرسانه، ولم أقصد بهذا التنبيه
الطعن عليه، ولا نسبة التقصير إليه، فلست مِمَّن يعدل السَّبَج بالذهب، ولا يعرف الفرق بين النَّبعْ
والغَرَب.
رجع
شبيبَتُه بينَ المَكارِمِ واللُّها ... وشيبَتُهُ بينَ الفرائضِ والسُّنَنْ
لَعَمْري لنِعْمَ المرءُ حيَّا وهالِكاً ... لِدَافِنِهِ الفخْر العظيمُ بمَنْ دَفَنْ
فبُورِكَ منْ قبْرٍ وطُهِّرَ منْ ثرى ... وقُدِّسَ منْ روحٍ وعُوفيَ منْ بدَنْ
رجَوْتُ لهُ عفْوَ المُهَيْمِن إنَّهُ ... هوَ المَلِكُ الغَفَّارُ ذو الطَّوْلِ والمِنَنْ
لَه المُلْكُ في الدَّارَينِ والحُكْمُ مثْلَ ما ... لَهُ المَلَوَانِ والَّذي فيهما سكَنْ
وأرْجُو لَهُ حُبَّ النَّبِيِّ مُحمَّدٍ ... فذَنْبُ مُحِبِّيه بِغُفْرانِه قَمَنْ
وأرْجُو لِسُقياهُ سِقايةَ مورِدٍ ... حَلا حوْضُهُ ما بينَ أَيْلةَ واليَمنْ
стр. 377
فقدْ قامَ بالتَّوحيدِ والخمسِ عُمْرُهُ ... وصلَّى على المُخْتار واتَّبَعَ السُّنَنْ
خَلِيلَيَّ إنَّ الصَّبْرَ صبْرٌ ولا أرى ... سِواهُ لشَجْوي إنَّهُ أعصَمُ الجُنَنْ
قِفا حَيِّيا القَبْرَ الذي حَلَّهُ أبي ... معي إنَّهُ رأْيٌ بريءٌ منَ الغَبَنْ
ولسْتُ وإنْ أنْحَى الزَّمانُ بصرفِه ... علَيَّ ونالَتْني صُروفٌ منَ المِحنْ
بفاقِدِ شيءٍ منْ أبي غيرَ شخْصهِ ... ولا بائِع القُربَى ببخْسٍ منَ الثَّمَنْ
عَسى الله في الفِرْدَوْسِ يجْمعُ بَيْننا ... فإنَّ الرَّدى إنْ كانَ يجْمَعُنا حَسَنْ
قوله: (الملوان والذي فيهما سكن) المَلَوان: اللَّيلُ والنّهار. قال: ابن مقبل:
ألا يا ديَار الحَيِّ بالسَّبْعَانِ ... أمَلَّ عليْها بالبَلى المَلَوَانِ
ويقال: الليل والنهار أيضاً الجَدِيدَان. قال سويد بن عامر:
فالخيرُ والشرُّ مقرُونان في قرَنٍ ... فكلُّ ذلك يأتيكَ الجديدان
ولهما أسماء سوى ما ذكرنا.
وفي رثاء أخيه أبي الحسن ﵀ يقول، وذلك في شوال من سنة اثنتين وستمائة:
رِضىً بقضاءِ الله فَهْوَ مُصِيبُ ... وصبراً على الأحداثِ فهيَ تَثُوب
خليليَّ قَدْوارى التُّرابُ أحبَّتي ... فَلَمْ يَبْقَ لي فَوْقَ التُّرابِ حبيبُ
أَقِلاَّ وقُوفاً بالمنازِل أَوْقِفا ... فإنَّ الذي تَسْتَبْعِدان قريبٌ
стр. 378
ألَم تُخْبِرا عنْ صاحِبِ القَبْرِ إنّه ... بِمَرْأى منَ الأهلينَ وهو غريبٌ
تَنَاذَرَهُ الخِلاَّنُ يأْساً فأصْبحوا ... لهم جيئةٌ منْ حَوْلِه وذهُوبُ
وأيُّ نوىً أنْأى منَ القبْرِ شُقَّةً ... وأيُّ بَقاء بالممَات يطيبُ
على الجدثِ المَهْجُور عُوجاَ فسلِّما ... سقاهُ الحَيا الوَسْمِيُّ حينَ يَصُوبُ
وإلاّ فَعَيْني، إنْ أبى الغَيْثُ، مُزْنَةٌ ... يدِرّ شمالٌ صوبها وجَنُوب
إذا هاجَها ذِكْرُ الأحِبَّة أجْهشَتْ ... وأسْبلَ دَمْعٌ بالدِّماءِ مَشوبُ
تَأَوّبَني هَمّي فَبتُّ كَأنَّني ... على مُسْتَقِلاَّتِ النُّجُومِ رقيبُ
كأنَّ اطَّلاَعَ الشُّهْبِ بينَ محَاجِري ... فَمِنْ ناظري تَبْدو، وفيه تغيبُ
كأنَّ الدُّجى، والشُّهْبَ هَمِي ونارَهُ ... إذا شبَّ منْها في الضلوعِ، لَهيبُ
تقطَّعُ أنْفاسي فأقْطَعُ لَيْلَتي ... حَنيناً، كما حنَّتْ روائِمُ نيبُ
أقولُ ونفْسِي والأسى قدْ تَمازَجا ... وقَلْبيَ منْ حَر الفِراقِ يذوبُ
أَلاَ مَثَلٌ لي إنَّه لِيَ مُعْجِزٌ ... وإنِّي لأَمثَالِ الوَرََى لَضُرُوبُ
إذا قُلتُ في شيء كأنِّي كُنْتهُ ... وسِرُّ اتِّخَاذِ المُشْبِهينَ عجيبُ
أنا الميْتُ والثَّكْلانُ والصَّبُّ والشَّجِي ... فأيُّ شبيهٍ بَعْدَ ذاكَ أُصيبُ
وما سكَني إلاَّ ضريحٌ كأنَّهُ ... لأنْسي به، ظَبْيٌ أحَمُّ ربيبُ
أعاوِدُ لثْمَ التُّرْبِ فيه كأنَّهُ ... لِرشْفي لهُ، ثَغْرٌ أغر شنيبُ
أقامَ عَلِيٌّ في ثراهُ مُغَيَّبا ... ولِلْبَدْرِ منْ بعدِ الطُّلوع غرُوبُ
بعيداً عنِ الإخْوانِ رهْنَ قرارةٍ ... تَضَوَّعُ منْ أنْفاسِهِ وتَطيبُ
стр. 379
على سفَرٍ لا زادَ فيه سوى التُّقى ... ولا ظَاعِنُ الأقْوام عنهُ يؤوبُ
أخي سَلَبَتْنيه الخُطُوبُ مُشيحَةً ... وما الدَّهْرُ إلا سالِبٌ وسَليبُ
وكنتُ أرَجِّي أنْ تزيدَ حَيَاتَهُ ... حياتي، فَشَانَتْها عليَّ شَعُوبُ
وكُنتُ أرجيه لكُلِّ مُلِمَّةٍ ... فقالَ الرّدى إنَّ الرَّجاءَ كَذُوبُ
وكانَ سريعاً حينَ يُدْعى إلى النَّدى ... وكمْ منْ فتىً يُدْعى وليسَ يُجيبُ
وكان حَياً في المَحْلِ يعْلَمُ ضيفُهُ ... إذا أمَّهُ أنَّ المحلَّ خصيبُ
وكانَ أخا حِلْمٍ يزينك شاهداً ... وتَأمنُ منهُ الغيبَ حين يغيبُ
ولمْ يكُ ذا عيبٍ ولا كان عائباً ... ولكنْ نقيُّ اللِّبْسَتَيْن أديبُ
فتًى هُوَ حدُّ السيْفِ إنْ رُمْتَ ضيْمَهُ ... وغُصْنٌ لمَنْ رام السَّماحَ رطيب
غَنيٌّ عن الأقوامِ ليسَ بباسط ... يداً لثوابِ وَهْوَ كانَ يُثيبُ
جميلٌ فأمَّا وجْهُهُ فمُنَوَّرٌ ... طليقٌ وأمَّا صدْرُهُ فرحيب
رُزِيناه لَمَّا لمْ يكُنْ فيه مَطْعنٌ ... ولمْ يكُ راجي الخير منهُ يخيبُ
وألْوى به المِقْدارُ غضّاً شَبابُهُ ... تميلُ إليه أعْيُنٌ وقلُوبُ
فَضاعَفَ وجْدي واسْتَحَرّ مُصَابُهُ ... وولَّى عزائي عنهُ وهو مريبُ
وليسَ كمَفْقودٍ تقادَمَ عهْدُه ... وغطَّى عليهِ مسحقٌ ومشيبُ
أقولُ، وقدْ غنَّتْ حمامةُ أَيْكَةٍ ... ومالَ بِها بينَ الأراك قضيبُ
أساجِعةَ الأغصانِ نوحاً، فإنني ... على النَّوْحِ منْ بينِ اللُّحُونِ طرُوبُ
سُقيتُ حُمَيَّا الشّوقِ، فالهَمُّ سُكْرُهَا ... وأكثرُ ما ألْهى المَشُوقَ نحيبُ
стр. 380
ومُسْتَبْشِر أبْدى السُّرُورَ لِنَكْبَةٍ ... ألَمّتْ بنا والحَادِثاتُ ضُرُوبُ
فَقُلْتُ انتظرْ عُقْبى الزَّمانِ فَرُبَّما ... سقاكَ ذُنُوباً إنْ كَفاكَ ذُنُوبُ
فنحنُ بكينا نبْتَغي الأجر في البُكا ... ونحنُ صبَرْنا والصَّبُورُ لبيبُ
وما جَزَعي للحادثات استِكانةٌ ... ولكنَّه للهالكين نَصيب
ولا جَلَدي عنهم سُلُوَّا وقسْوة ... ولكنَّ عُودَ الأكرمين صليبُ
فطوبى لمَنْ لمْ يُعْنَ إلاّ بنفسِه ... ويا ربَّنا إنّي إليكَ أتُوبُ
وله يرثي جدته للأم ونقلتها من خطه:
أدارَ البِلَى أما عمَرت بِمَعْشري ... فأنتِ الَّتي تُدْعينَ قَفْراً وبلْقَعاَ
على كثرةِ الأهْلينَ أوْحشتِ زائراً ... وأُلْهَبتِ أكباداً وأجْريْت مدْمَعا
إليك مآبُ الكُلِّ منهمْ مُلَبّثٌ ... قليلاً، وَمِنْهُمْ منْ توَلَّى وودَّعا
ألا ليْتَ شِعْري كيفَ مسَّ الثَّوى بِها ... فإنِّي أرى فيها مِهَادا ومَضْجَعا
مَضاجِعُ ليْسَ النَّوْمُ فيها بِلَذَّةٍ ... ولا النَّوْمُ فيها أنْ تَهُبَّ وتَهْجَعَا
إلى الحَشْرِ، واسم الحَشْرِ وَفْقٌ لِشَكْلِهِ ... جمَاعُ أمورما أهمَّ وأشْنَعا
مقامٌ يَعُمُّ الإنْسَ والجِنَّ هَو لُهُ ... ويُحْشَرُ فيه الوحشُ سِرْباً مُفَزَّعاً
تُبَدَّلُ فيه أرْضُهُ غيْرَ أرْضِنا ... وتُطْوى السَّمَواتُ العُلى طيّةً مَعاَ
فيالكَ يوْماً قلَّ سعْي الورى لهُ ... وما فيه للإنْسانِ إلاَّ الذي سعى
تُغَرُّ بِدُنْيا ليسَ تترُكُ منْزِلاً ... أنيساً ولا شملاً لقومٍ مُجَمَّعاَ
رماني الرَّدى قصْداً فأقْصَدَ مُهْجَتي ... وأخْطَأَ جُثْماني فأخْفى وأوْجَعَا
أُصِبْتُ بأصلٍ كنْتُ فرْعاً لفرْعِهِ ... وشَأْنُ الرَّدى أنْ يهْصِرَ العُود أجْمَعَا
стр. 381
فنَفسي التي أبْكي، وإنْ كنْتُ باكِياً ... عَليها، فدَمْعي قدْ تقسَّمَ أَدْمُعا
دَعَتْها المنَايا فاسْتَجابَتْ دُعَاءها ... سريعاً وداعِي الموتِ أسرعُ منْ دَعاَ
فَخِلْتُ عَلَيَّ الأَرضَ حَتَّى كأنّما ... حرامٌ على الأجْفانِ أنْ تتطلَّعا
وحَتْمٌ عليْها أنْ تَصُوبَ فما هَمَتْ ... على مُمْحِلٍ إلاَّ وأَصْبَحَ مُهْرَعَا
بَكى بَعْدَها المِحْرابُ شَوْقاً لقربها ... وروَّضَ منْها التُّرْبُ خِصْباً فأيْنَعَا
وصلَّى عليها كاتِبا ها وصَحْبُها ... وجيرَتُهَا شيْخاً وكهلاً ومُرْضِعاً
سأُثْني عليها بالِّذي هيَ أَهْلُهُ ... فإنَّ ثنائي طابَ قيلاً ومَسْمَعاَ
وما المدحُ والتَّأبينُ ممَّا يَرُدُّهَا ... ولكنَّهُ قدْ صار مَبْكى ومجْزَعَا
عليكِ سلامٌ لا تلاقي بينَنا ... سلاَمُ امرئٍ أمْسى بِفَقْدِكِ موجِعاَ
وله يرثي ابنين لأبي الحجاج يوسف بن مطروح من خطه أيضا:
قِفْ بِرَبْعِ الأسى وُقُوفَ الطَّليح ... وشِبِ الدَّمْعَ بالدّمِ المَسْفوحِ
واقضِ منْ واجِبِ البُكاء فَعَيْنَا ... كَ تَجُودانِ عنْ فُؤادٍ قريحِ
إنَّ شدْوَ الزَّمانِ نوْحُ الثَّكَالى ... وحُمَيَّاهُ كلُّ دمْعٍ سفوحِ
وسيفْنى كما فنينا ويلْقى ... مالَقينا منْ فُرْقَةٍ ونُزُوحِ
وتَغُولُ المنُونُ مِنَّا أناساً ... ذهَبُوا إذْ مَضَوا بجِسْمي ورُوحِي
стр. 382
وأرى الدَّهّر شامِتاً بالمَعالي ... في سَلِيلَيْ فتى بني مَطْروحِ
طلعا طَلعَة الهلالِ علَيْنا ... واسْتَسرا سِرَارَه في الضَّريحِ
هَصَرَتْ منْهُما المَنُونُ قَضيبي ... نِ فَمَالاَ مَعاً إلى التَّصْريحِ
يَا تُراباً أَجنَّ شَخْصَيْهِما أج ... ننْتَ رُكْنَيْ عُلا وبَابيْ مديحِ
وصغيرين غيرَ أنَّ المَعَالي ... قدْ يُمَتَّعْنَ بالصَّغير الصَّريح
أرِجَتْ تِلكم البطاحُ لطيبٍ ... ساطِعٍ منْهُما بعرفٍ نفُوحِ
لَيْسَ مِسْكاً وإنَّما هُوَطِيبُ الذْ ... ذِكْرِ تَسْري بعرْفِهِ كُلُّ ريحِ
ضَلَّ سَعْيُ البُكاةِ إلاَّ على أحْ ... مَدَ، يانَفْسُ أَسْعديني ونُوحي
مُر إذْ لا مُحمَّدَ الحيِّ باقٍ ... فاسْتَشِفَا ثَمَادَ قلْبي القريحِ
أسْعداني يافَرْقَدان وغُورا ... فَرْقَدا الأرض غوَّرا في الصفيحِ
كيفَ تَبْقى النُّجومُ بعدَهُما لمْ ... تنْكَدِرْ والجِبالُ ذاتُ جُنُوحِ
كيفَ لمْ تلْفظِ المَقابِرُ موْتَا ... هَا ويبْدُو الأديمُ غيرَ صحيحِ
ليسَ إلاّ أنَّ التَّصبُّر أجْدى ... منْ بُكاء يدُومُ غيرَ مُريحِ
ولقدْ قُلْتُ للوَزير أبي الحَجْ ... جَاج صبْراً لِريبِ دهْرٍ مُشيحِ
стр. 383
مِثْلُ مَفْقُودِكَ اسْتباحَ حِمى الصَّبْ ... رِ كما مِثْلكَ ارْعَوى للنَّصيحِ
فاصْطَبِرْ وارتقِبْ مُراجَعَةَ الحُسْ ... نى مِنَ اللَّهِ فَهْوَ غيرُ شحيحِ
قوله في أول القصيدة (وقوف الطَّليح) يريد الفَاتِرُ المُعْيي.
يقال طَلَحَ الرَّجُلُ يَطْلَحُ طَلْحاً: إذا عَيِيَ وفَتُرَ. قال الشاعر:
لقدْ طَلَحَ البينُ القَذُوفُ ركائبي ... فَهَلْ أَرَيَنَّ البَينَ وَهْوَ طليحُ
ويقال: ناقةٌ طليح أيضاً بغير هاء. وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى لأبي حية النُّمَيْري:
وقالوا حماماتُ فَحُمَّ لِقاؤُها ... وطَلْحٌ فَزِيرَتْ والمَطِيُّ طليحُ
وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ كُفارَ قريش لَمَّا بَلَغَهم إسْلامه ثاروا عليه، فمَا برِحَ
يُقاتِلُهُم حتّى طَلَحَ. والطَّلَحُ أيْضاً، النِّعْمَةُ. قاله ابن السكيت وأنْشد قول الشاعر:
كم رأيْنا من أُناسٍ هَلَكُوا ... ورَأينا المَلْكَ عَمْراً بِطَلَحْ
أي: صَاحبُ نِعْمة.
وكتب لأحد أصحابه يُعَزِّيه في ابنة أخ له من خطه أيضاً:
صبْراً أبا عبد الإله عنِ الَّتِي ... سَلَبَتْ جميلَ الصَّبْرِ يوم تَوَلَّّتِ
عنْ دُرَّةٍ جَلَّى الضَّريحُ جَمَالَها ... وعَقيلةٍ بالمَكْرماتِ تَحَلَّتِ
حُجِبَتْ بِتُرْبِ القَبْرِ عنْ أبْصارِنا ... لكِنَّها بينَ الجوانِحِ حَلَّتِ
стр. 384
بَخِلَ الغَمامُ بِصَوْبِه عنْ ترْبِها ... فَسَقيتُها العَبَراتِ لَمّا انْهَلَّتِ
عَزت على الكُرَماء مِنْ مفْقُودَة ... ودهتْ مُصيبَتُها الجلالَ فَجَلَتِ
لوْ تسْتَبينُ الأرْضُ قدْرَ جَلالِها ... بِكُمُ لألْقتْ شخْصها وتَخَلَّت
ريْحانَةٌ ذبَلَتْ وقَرَّتْ أعْيُنٌ ... ألْقَتْكِ أيَّامَ السُّرورِ وقلَّتِ
حازتْ بكُمْ شرَفَ العُمُومَةٍ فانجلتْ ... شَمساً دَهَاهَا الكسفُ حين تجَلَّتِ
فاصْبِرْ فإنَّ الحُرَّ منْ إنْ تَدْعُهُ ... للصَّبْرِ طابتْ نفسهُ وتَسَلَّتِ
فالموْتُ أمْرٌ عمَّ فينا حُكْمُهُ ... خَضَعَتْ لعِزَّتِهِ الرِّقابُ وذَلَّتِ
وقال أيضاً يرثي:
وخَبَّرَني النَّاعُون ما صَنَعَ الرَّدَى ... بِأسْماءَ منْ أفْعالهِ النَّكراتِ
فكَذَّبْتُ ما قالُوا، وإنْ كانَ صادِقاً ... فيَا خيْرَ مُنْعىً، وشرَّ نُعَاتِ
أساءتْ بأسْماء الخُطُوبُ صنيعَها ... إليْنا، فأَنْسَتْ سالِفَ الحَسَنَات
طَوى التُّرْبُ منها في حَشاهُ سريرَةً ... منَ المجْدِ، والأسْرارُ للْمُهَجَاتِ
ورَوَّضَ ظَمْآنَ الثَّرى منْ سَمَاحِهَا ... فأنْبَتَ زهْرَ الحمْدِ أيَّ نباتِ
سَقَاها الحَيا، والفخْرُ في ذاكَ للحَيا ... وَإلاّ سَقَاها سائلُ العَبَراتِ
وإلاّ سقاها جُودُها في ضريحِها ... فقدْ كانَ مثْلَ الغيثِ في اللَّزَباتِ
وقالوا: عَجُوزٌ. قُلْتُ: رُبَّ صَنيعَةٍ ... تزيدُ بها حُسْناً على الفَتَيَاتِ
مَضَتْ سَلَفاً، والكُلُّ يقْفُو سبيلَها ... مُشَيَّعةً بالبِرِّ والصلَواتِ
شَفَى النَّفْسَ أنْ لمْ يَخْلُ منها مَكَانُها ... ولمْ تَكُ مثْلَ الأعْظُمِ النَّخرَاتِ
ولَكِنَّها أبْقَتْ فُرُوعاً كثيرةً ... حياةً لَها منْ بَعْدِ كُلِّ مَمَاتِ
كَمِثلِ أبي بَكْرٍ، ومثْلِ سليلِه ... خَلِيلِي أبي إسْحَاقَ خيْرِ لِداتِي
стр. 385
لَعَمْرُ المَنَايا لا تَفُوزُ بِمِثْلِها ... فقدْ فَعَلَتْها أعْظمَ الفَعَلاتِ
تداعَتْ سماءُ العِزِّ فانْفَطَرَتْ لها ... وأضْحتْ نُجُومُ الفَخْرِ مُنْكَدِراتِ
وباتَ الأسى فيها يَقُضُّ مَضاجِعي ... ويَمْنَعُ أجْفاني لذيذَ سِناتِ
فَقُلْ للْمَنَايا قدْ وتِرْتِ سَرَاتِنا ... تراتٍ بَظَنِّي مِنْهمُ بِترات
فَلَوْ كُنْتِ شَخْصاً ما اجتَرأتِ عليْهم ... وجَنَّبْتِهِم عنْ هيْبَة وَهِباتِ
خليليَّ منْ عَلْيا مُراد تَصَبَّرا ... ففي الصَّبْرِ أعْوانٌ على الحَسَراتِ
وكُفَّ الدُّموعَ الواكِفاتِ فإنَّما ... دُمُوعُ الفَتى وقْفٌ على العَرَصَاتِ
فيَارُبَّ مَنْ تَبْكيه يَضْحَكُ فرْحَةً ... وأنْت عليهِ دائِمُ التَّرحَاتِ
فإنَّكَ لاقٍ من سُرورٍ ومنْ أسىً ... وما هُوَآتٍ لا مَحالَةَ آتِ
وقال أبو العباس أيْضاً في رثاء الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄:
أحَقُّ ما كان منْ قَلْبي تباريحُ ... فَلْيَهْنِئِ العَيْنَ أنَّ الدَّمْعَ مَسْفُوحُ
تَأَلَّقَ البرْقُ غَوْرِيا فسَحَّ لَهُ ... سُحْبٌ منَ الدَّمْعِ لَمَّا هَبَّتِ الرِّيحُ
يَاأَيُّها البرْقُ إنِّي عنكَ في شُغُلٍ ... دُونَ المزارِ فَيَافٍ بيْنَنا فيحُ
تخْدي النَّجائبُ حوْلاً في نَفَانِفِها ... لا يأتيهنَّ إعياءٌ وتطْليحُ
وكيْفَ بالسيْرِ في جَرْداء بَلْقَعَةٍ ... أقْرى مراتِعَها القَيْصُومُ والشيحُ
стр. 386
وسوْفَ أَجْشَم نَفْسي سيْرَ تلكَ إلى ... بيتٍ أطافَ بهِ في فُلْكِهِ نوحُ
قَبْرٌ بِيَثْرِبَ هَمِّي لوْ ظَفِرْتُ بِهِ ... ومقْصدٌ بِجِبالِ الطَّفِّمَطْرُوحُ
منْ كانَ في جَفْنِه دَمْعٌ يَضِنُّ بِهِ ... فُإنَّ دَمْعي لأهلِ البيتِ ممْنُوحُ
آلَ النَّبيِّ لَقدْ سُقْيتُمُ عَلَلاً ... كأسَ المَنايا فَمَغْبُوقٌ ومَصْبُوحُ
صَلَّى الإلهُ على أشْلاءِ مُنْجَدلٍ ... بِكَرْبلاءَ يُحَيِّي رَوْحَه الرُّوحُ
أوْفى على معْرِك الأبْطال مُحْتَسِباً ... ليْت شِعَاراهُ تَهْليلٌ وتَسْبيحُ
يافارساً هاشمِياً ما أضرَّبِه ... تثاقُلُ القومِ إذْ نادَاهُمُ رُوحوا
طاروا وأثْبَتَ في الهيْجَاء أَخْمَصَهُ ... صبْراً، وكانَ لَهُ عنْها مناديحُ
حتَّى ثَوى الفارِسُ الحجَّاجُ يتْبَعُهُ ... منْ هاشِمِ الخَيْرِ فُرْسانٌ جَحاجِيحُ
لمْ يتقوا الضرْبَ بالأكتافِ إذْ صُرِعوا ... بل النَْجيع على اللَّبَّاتِ مَنْضُوحُ
تنْدى الوُجُوه نجِيعاً وَهْيَ مُشْرِقةٌ ... كَأنَّها في دُجَى الهَيْجَا مَصَابيحُ
لوْ كُنْتُ شاهِدَ يوْمِ الرَّوْعِ قُلْتُ له ... لشائحُ القومِ جَلْدٌ دونهُمْ شِيحُ
ولا اخْتَضَبْتُ أمامَ الصِّفِّ منْ جَسَد ... جُوداً بنَفْسي، وبعْضُ الجُودِ مرْبُوحُ
ضلَّتْ حُلُومُ أناسٍ كيفَ لمْ يَرِدوا ... نارَ الكِفاحِ، وزنْدُ الحرب مقدُوحُ
стр. 387
أمَّ الحسينُ بِهِمْ عَدْناً فلَمْ يَلجُوا ... بابَ الجنان عِياناً وهْوَمفْتُوحُ
أمَّا ابنُ حرب فَدَعْ حرْباً وأسْرتَه ... تلكَ الجُسومُ لَو انَّ العِرْضَ ممْدُوحُ
طافوا برأسِ ابن خَيْر الناس كُلِّهم ... بئْسَ الطَّوافُ ونِعْمَ الرَّأسُ والرُّوحُ
ولسْتُ أبْسُطُ قَوْلاً في دَعِيِّهِم ... كُلُّ الدَّعيينَ مَلْعُونٌ ومَقْبُوحُ
ياعينُ جُودي على قتْل الحُسين دَمآً ... وابْكي جَهَاراً، فإنَّ الوَجْد تصريحُ
ويا لساني عاوِدْ مَدحَهُ أبَداً ... وإنَّ أيْسَرَ ما فيه الأماديحُ
قوله ﵀: (فيَافٍ بَيْنَنَا فيح)، أي: أرض مُقْفرّة مُتسعة بعيدة. قال الشاعر:
ونَاحتْ وفَرْخاها بِحيثُ تراهُما ... ومنْ دُون أفْراخي مَهَامهُ فيحُ
وقوله:
(ولست أَبْسُطُ قولاً في دَعِيِّهم). فالدَّعِيَّ يعني به عبيد الله بن زياد دَعِي ابن أمية. ووالده كان يقال له
زياد بن أبي سفيان ويقال زياد بن أبيه وزياد ابن أبه وزياد بن سمية بكل هذه الأسامي كان يدعى
وكان قبل الاستخلاف ببني أمية. يدعى بزياد بن عبيد الثقفي وأمه سمية جارية للحارث بن كِلْدَة
الثقفي وكان زياد طويلاً جميلاً يَكْسِرُ إحدى عيْنَيْه. وفي زياد هذا قال الفرزدق للحجاج:
стр. 388
وقَبلك ما أَعْيَيْتُ كاسِرَ عَيْنِه ... زياداً فلمْ تَعْلَقْ عليَّ حَبائلُهْ
وبَعثه عمر بن الخطاب ﵁ في إصلاح فسادٍ وقع باليمن، فلما رجع من وجهته خطب
خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العا ص: أمَا والله لوْ كَان هذا الغُلامُ قُرَشِيَّا لَسَاقَ النَّاس
بِعَصاه، فقال أبوسفيان بن حرب: والله إِنِّي لأَعْرِفُ الَّذي وضَعَهُ في رحِمِ أُمِّه. فقال له علي بن أبي
طالب ﵁: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال أنا. فقال له علي: مَهْلاً يا أبا سفيان. وأنشد في ذلك
أبو سفيان أبياتاً من الشعر وهي:
أما والله لَوْلا خَوْفُ شخْصٍ ... يراني يا عَلِيُّ من الأعادي
لأَظْهَر أمْرهُ صخْرُ بنُ حربٍ ... ولم يُكْنِ المَقالة عنْ زياد
وقد طالت مجاملتي ثقيفاً ... وتركي فيهِمُ ثَمْرَ الفُؤادِ
وفي زياد وأخويه، يقول يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري وقيل ان عبد الرحمن بن الحكم هو
القائل:
إنَّ زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العَجَبِ
هُمُ رِجَالٌ ثلاثةٌ خلقوا ... من رحم أنثى كُلُّهُمْ لأب
ذا قُرشِيٌّ، كما يقولُ، وذا ... مولىً وهذا ابن عمه عَربي
وحكى الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه قال: قال عبيد
стр. 389
الله بن زياد ما هُجِيتُ بشَىءٍ أشَدَّ عَلَيَّ منْ قوْلِ ابن مفرغ:
فكِّرْ ففي ذاك إنْ فكَّرتَ مُعْتبَرٌ ... هَلْ نلْتَ مَكْرُمةً إلاَّ بتَأميرِ
عاشتْ سُمَيَّةُ ما عاشتْ وما عَلِمَتْ ... أنَّ ابْنَها من قريشٍ في الجماهير
وليزيد بن مفرغ في هجاء زياد وبنيه أشعار كثيرة كقوله:
أعَبَّادُ ما للرُّومِ عنك مُحَوَّلٌ ... ولالك أُمٌّ من قريش ولا أبُ
وقلْ لعبَيْدِ الله: مَالكَ والِدٌ ... بِحقٍّ، ولا يَدْري امرؤُ كيف تُنْسبُ
وقصته مع عباد وعبيد الله أخيه مشهورة. وقال هو أو غيره في زياد:
زيادٌ لسْتُ أدْري منْ أَبُوهُ ... ولكنَّ الحمار أبو زياد
وفيه أيضا يقول:
شهدتُ بأنَّ أمّك لم تُباشِرْ ... أبا سُفيان واضعةَ القِنَاع
ولكنْ كان أمْراً فيه لَبْسٌ ... على وَجَلٍ شديدٍ وارْتِياع
وفيه يقول عبد الرحمن بن الحكم حين اعتذر من هجائه من أبيات
стр. 390
له:
زيادٌ من أبي سُفيانَ غُصْنٌ ... تَهَادى ناضراً بينَ الجِنَان
أرادَ أخَاً وعَمَّا وابنَ عمٍّ ... فمَا أدري بعينٍ ما تَراني
وأنتَ زيادةٌ في آل حربٍ ... أحبُّ إليَّ من وُسْطى بَنَاني
وعبيد الله هو الذي وجه عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين بن علي ﵄، حين
ولاه يزيد (الكوفة) وهو (بالبصرة) فخرج مسرعاً حتى قدم الكوفة، وبعث عمر بن سعد لقتال الحسين
وأردفه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله، والخبر مشهور. وقتل الدَّعي عبيد الله ابراهيم بن
الأشتر ليلة التقائه معه بالمجاز وقيل حارر وهو اسم نهر بناحية الموصل. وكان إبراهيم بن الأشتر
على جيش المختار بن عبيد، وعبيد الله على جيش لعبد الملك بن مروان، فتقاتلا في ذلك الموضع،
حتى دخل عليهما الليل من يوم عاشوراء سنة سبع وستين بعد قَتْلِ الحسين بست سنين، وتمادى
القتل، فقتل إبراهيم عبيد الله، وانهزم أصحابه أشد هزيمة. فلمّا كان عند الصبح قال إبراهيم
لأصحابه: إنِّي قتلتُ البَارِحَة رَجُلاً، فَوَجدْتُ عليه أثر طيب، فمَا أراهُ إلاَّ عبيد الله بن زياد فالتَمِسُوه،
فإنِّي قَسمتُهُ بنصفين، فرميتُ ذِراعيهِ نحوَ المَشْرِق، وساقَيْهِ نحوَ المَغْرِب فالْتَمِسوه. فَوَجَدوه كما ذكر،
فلمَّا قُتِلَ عُبيد الله حُزَّ رأسُهُ، وبَعَثَ به المختار بن عبيد بن مسعود إلى علي بن الحسين،
следующие страницы →