← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وسوْفَ أَجْشَم نَفْسي سيْرَ تلكَ إلى ... بيتٍ أطافَ بهِ في فُلْكِهِ نوحُ قَبْرٌ بِيَثْرِبَ هَمِّي لوْ ظَفِرْتُ بِهِ ... ومقْصدٌ بِجِبالِ الطَّفِّمَطْرُوحُ منْ كانَ في جَفْنِه دَمْعٌ يَضِنُّ بِهِ ... فُإنَّ دَمْعي لأهلِ البيتِ ممْنُوحُ آلَ النَّبيِّ لَقدْ سُقْيتُمُ عَلَلاً ... كأسَ المَنايا فَمَغْبُوقٌ ومَصْبُوحُ صَلَّى الإلهُ على أشْلاءِ مُنْجَدلٍ ... بِكَرْبلاءَ يُحَيِّي رَوْحَه الرُّوحُ أوْفى على معْرِك الأبْطال مُحْتَسِباً ... ليْت شِعَاراهُ تَهْليلٌ وتَسْبيحُ يافارساً هاشمِياً ما أضرَّبِه ... تثاقُلُ القومِ إذْ نادَاهُمُ رُوحوا طاروا وأثْبَتَ في الهيْجَاء أَخْمَصَهُ ... صبْراً، وكانَ لَهُ عنْها مناديحُ حتَّى ثَوى الفارِسُ الحجَّاجُ يتْبَعُهُ ... منْ هاشِمِ الخَيْرِ فُرْسانٌ جَحاجِيحُ لمْ يتقوا الضرْبَ بالأكتافِ إذْ صُرِعوا ... بل النَْجيع على اللَّبَّاتِ مَنْضُوحُ تنْدى الوُجُوه نجِيعاً وَهْيَ مُشْرِقةٌ ... كَأنَّها في دُجَى الهَيْجَا مَصَابيحُ لوْ كُنْتُ شاهِدَ يوْمِ الرَّوْعِ قُلْتُ له ... لشائحُ القومِ جَلْدٌ دونهُمْ شِيحُ ولا اخْتَضَبْتُ أمامَ الصِّفِّ منْ جَسَد ... جُوداً بنَفْسي، وبعْضُ الجُودِ مرْبُوحُ ضلَّتْ حُلُومُ أناسٍ كيفَ لمْ يَرِدوا ... نارَ الكِفاحِ، وزنْدُ الحرب مقدُوحُ

стр. 387

أمَّ الحسينُ بِهِمْ عَدْناً فلَمْ يَلجُوا ... بابَ الجنان عِياناً وهْوَمفْتُوحُ أمَّا ابنُ حرب فَدَعْ حرْباً وأسْرتَه ... تلكَ الجُسومُ لَو انَّ العِرْضَ ممْدُوحُ طافوا برأسِ ابن خَيْر الناس كُلِّهم ... بئْسَ الطَّوافُ ونِعْمَ الرَّأسُ والرُّوحُ ولسْتُ أبْسُطُ قَوْلاً في دَعِيِّهِم ... كُلُّ الدَّعيينَ مَلْعُونٌ ومَقْبُوحُ ياعينُ جُودي على قتْل الحُسين دَمآً ... وابْكي جَهَاراً، فإنَّ الوَجْد تصريحُ ويا لساني عاوِدْ مَدحَهُ أبَداً ... وإنَّ أيْسَرَ ما فيه الأماديحُ قوله ﵀: (فيَافٍ بَيْنَنَا فيح)، أي: أرض مُقْفرّة مُتسعة بعيدة. قال الشاعر: ونَاحتْ وفَرْخاها بِحيثُ تراهُما ... ومنْ دُون أفْراخي مَهَامهُ فيحُ وقوله: (ولست أَبْسُطُ قولاً في دَعِيِّهم). فالدَّعِيَّ يعني به عبيد الله بن زياد دَعِي ابن أمية. ووالده كان يقال له زياد بن أبي سفيان ويقال زياد بن أبيه وزياد ابن أبه وزياد بن سمية بكل هذه الأسامي كان يدعى وكان قبل الاستخلاف ببني أمية. يدعى بزياد بن عبيد الثقفي وأمه سمية جارية للحارث بن كِلْدَة الثقفي وكان زياد طويلاً جميلاً يَكْسِرُ إحدى عيْنَيْه. وفي زياد هذا قال الفرزدق للحجاج:

стр. 388

وقَبلك ما أَعْيَيْتُ كاسِرَ عَيْنِه ... زياداً فلمْ تَعْلَقْ عليَّ حَبائلُهْ وبَعثه عمر بن الخطاب ﵁ في إصلاح فسادٍ وقع باليمن، فلما رجع من وجهته خطب خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العا ص: أمَا والله لوْ كَان هذا الغُلامُ قُرَشِيَّا لَسَاقَ النَّاس بِعَصاه، فقال أبوسفيان بن حرب: والله إِنِّي لأَعْرِفُ الَّذي وضَعَهُ في رحِمِ أُمِّه. فقال له علي بن أبي طالب ﵁: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال أنا. فقال له علي: مَهْلاً يا أبا سفيان. وأنشد في ذلك أبو سفيان أبياتاً من الشعر وهي: أما والله لَوْلا خَوْفُ شخْصٍ ... يراني يا عَلِيُّ من الأعادي لأَظْهَر أمْرهُ صخْرُ بنُ حربٍ ... ولم يُكْنِ المَقالة عنْ زياد وقد طالت مجاملتي ثقيفاً ... وتركي فيهِمُ ثَمْرَ الفُؤادِ وفي زياد وأخويه، يقول يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري وقيل ان عبد الرحمن بن الحكم هو القائل: إنَّ زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العَجَبِ هُمُ رِجَالٌ ثلاثةٌ خلقوا ... من رحم أنثى كُلُّهُمْ لأب ذا قُرشِيٌّ، كما يقولُ، وذا ... مولىً وهذا ابن عمه عَربي وحكى الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه قال: قال عبيد

стр. 389

الله بن زياد ما هُجِيتُ بشَىءٍ أشَدَّ عَلَيَّ منْ قوْلِ ابن مفرغ: فكِّرْ ففي ذاك إنْ فكَّرتَ مُعْتبَرٌ ... هَلْ نلْتَ مَكْرُمةً إلاَّ بتَأميرِ عاشتْ سُمَيَّةُ ما عاشتْ وما عَلِمَتْ ... أنَّ ابْنَها من قريشٍ في الجماهير وليزيد بن مفرغ في هجاء زياد وبنيه أشعار كثيرة كقوله: أعَبَّادُ ما للرُّومِ عنك مُحَوَّلٌ ... ولالك أُمٌّ من قريش ولا أبُ وقلْ لعبَيْدِ الله: مَالكَ والِدٌ ... بِحقٍّ، ولا يَدْري امرؤُ كيف تُنْسبُ وقصته مع عباد وعبيد الله أخيه مشهورة. وقال هو أو غيره في زياد: زيادٌ لسْتُ أدْري منْ أَبُوهُ ... ولكنَّ الحمار أبو زياد وفيه أيضا يقول: شهدتُ بأنَّ أمّك لم تُباشِرْ ... أبا سُفيان واضعةَ القِنَاع ولكنْ كان أمْراً فيه لَبْسٌ ... على وَجَلٍ شديدٍ وارْتِياع وفيه يقول عبد الرحمن بن الحكم حين اعتذر من هجائه من أبيات

стр. 390

له: زيادٌ من أبي سُفيانَ غُصْنٌ ... تَهَادى ناضراً بينَ الجِنَان أرادَ أخَاً وعَمَّا وابنَ عمٍّ ... فمَا أدري بعينٍ ما تَراني وأنتَ زيادةٌ في آل حربٍ ... أحبُّ إليَّ من وُسْطى بَنَاني وعبيد الله هو الذي وجه عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين بن علي ﵄، حين ولاه يزيد (الكوفة) وهو (بالبصرة) فخرج مسرعاً حتى قدم الكوفة، وبعث عمر بن سعد لقتال الحسين وأردفه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله، والخبر مشهور. وقتل الدَّعي عبيد الله ابراهيم بن الأشتر ليلة التقائه معه بالمجاز وقيل حارر وهو اسم نهر بناحية الموصل. وكان إبراهيم بن الأشتر على جيش المختار بن عبيد، وعبيد الله على جيش لعبد الملك بن مروان، فتقاتلا في ذلك الموضع، حتى دخل عليهما الليل من يوم عاشوراء سنة سبع وستين بعد قَتْلِ الحسين بست سنين، وتمادى القتل، فقتل إبراهيم عبيد الله، وانهزم أصحابه أشد هزيمة. فلمّا كان عند الصبح قال إبراهيم لأصحابه: إنِّي قتلتُ البَارِحَة رَجُلاً، فَوَجدْتُ عليه أثر طيب، فمَا أراهُ إلاَّ عبيد الله بن زياد فالتَمِسُوه، فإنِّي قَسمتُهُ بنصفين، فرميتُ ذِراعيهِ نحوَ المَشْرِق، وساقَيْهِ نحوَ المَغْرِب فالْتَمِسوه. فَوَجَدوه كما ذكر، فلمَّا قُتِلَ عُبيد الله حُزَّ رأسُهُ، وبَعَثَ به المختار بن عبيد بن مسعود إلى علي بن الحسين،

стр. 391

وحكى الرّسولُ الذي مشى برأسه إلى علي بن الحسين، قال: دَخَلْتُ على علي بالرأس، وهو يتَغَذَّى، فقال: سُبْحان الله. لقدْ أُدْخِلَ رأْسُ أبي عبد الله، يعني الحسين على عبيد الله بن زياد، وهو يتغدَّى. رجع وقال أبو العباس أيضاً: يابَرْقُ بَرقاً بينَ مَرْوَةَ والصَّفا ... باكِرْ بِسُقْيا الحَجِّ ديناً قدْ عَفا واهْدِ الحَجيجَ إلى مَعالِم مكَّةٍ ... فلقدْ تركْتَهمُ حَيَارى وُقَّفا حَمِّل عِمَامَكَ ديمَةً منْ زَمْزَمٍ ... وانْضَحْ بِريَّاها القُلوب الرُّجفا وَاكْحَلْ جُفُوني منْ سَوافي ريحها ... إنِّي أشحُّ بتُرْبِها أنْ يَنْسِفَا بينَ الحجونِ إلى الحطيم لأحْمدٍ ... أثَرٌ زكَامنْهُ الثَّرى وتَشَرَّفا بِمِنىً بجَمْرَتِه إلى عَرَفاته ... ناهيكَ مسْعى للنَّبي وموْقفا والحِجْرُ والحَجَرُ الأحمُّ تَأَلَّقتْ ... أَنْوارُهُ فأبى الهُدى أنْ تُكْسَفا وَمَقامُ إبراهيمَ يَدْعو رَبَّهُ ... قد أثَّرَتْ قَدَمَاهُ في صُمِّ الصَّفا والبيتُ ذو الأستار تمْسَحُ رُكْنهُ ... وُرْقُ الحَمَامِ عِياذَةً وتعَطّفا

стр. 392

يالَيْتَ أنِّي في ذراهُ حَمَامَةٌ ... أدَعُ الهديل سُدًى وَأَبْكي المصطفى يا عيْنُ بَكِّي للدَّفينِ بِطيبَةٍ ... ولِمَفْرقٍ بِدَمِ الوَصيِّ تغَلَّفا أخَوَيْنِ خَيْرُهُما بِحَرَّةِ يثْرِبٍ ... ثاوٍ وَآخَرُ بالعِراقِ تَخَلفا شُلَّتْ يمينُ المُلْجَميِّ فإنَّهُ ... تَرَكَ الإِمَامَة بالإمام على شَفا أرَتِ الشَّماتَة بالوَصِيَّ أمَيَّةً ... لا سَرَّها قتْلُ الوصيِّ ولا شَفى ودَّت أمَيَّةُ لوْ يُصابُ بِسَيْفِها ... يكْفِيكَ جَمرُهُ يا أميةُ لوْ كَفى أشَفَاكُمُ منْ يومِ بدْرٍ قَتْلُهُ ... تِلْكَ الشَّهادَةُ ما بذلكَ مَنْ خَفَى وَابْكِي على السِّبْطين بعْدَ أبيهماَ ... حُبَّا لِجَدِّهِما الرَّحيمَ الأرْأفا عَمْري لقدْ جَارَ الضَّلالُ على الهُدى ... بالطَّفِّ في قتْلِ الحُسينِ وطَفَّفا واهاً لَها منْ عَثْرةٍ لوْ تُتَّقى ... واهاً لَها من ضِلَّةٍ لوْ تُقْتَفى ماكانَ أجْدَرَها بأنْ تَدَعَ الظُّبا ... متَشَظِّياتٍ والقَنا مُتَقَصِّفَا رضِيَتْ قُرَيشٌ أنْ يُقَتَّلَ هاشِمٌ ... فعَلى قُريشٍ بعْدَ هَاشِمٍ العَفا لا دَرَّدَرُّ العَبْشَمَيَّةِ كمْ لَها ... منْ فَتْكةٍ فيهم عَلَتْ أنْ تُوصَفا

стр. 393

لوْ أنَّ صقْراً في مكانِ أمَيةٍ ... لَحْماً لَحَامَ على الحُسين ورَفْرفا أوْ أنْ لَيْثاً يوْمَ خَرَّ مَكَانَها ... غَرَثاً لَمَهَّدَ للحُسين وأَلْطَفا أوْ أنَّ سِرْبَ قطاً غداةَ شَكا الصَّدى ... وافاه مجَّ لِوِرْدهِ ما اسْتَخْلَفَا مَنَعُوهُ ماءَ النَّهرِ ليْتَ مَدَامِعي ... مَعَهُ إذاً لَسَقى الرِّكابَ ولا اشْتَفى إنّي لأشْرِقُ بالزُّلالِ تَذكُّراً ... هُمُ وأقْلقُ بالنَّعيم تَأسُّفا يا لَيْتَ شِعْري كيفَ كانَ على العَصا ... رأْسُ الحُسَيْن ونُورُهُ كيفَ انْطَفا أمْ كيفَ تُقْرعُ بالقضيبِ ثنِيَّةٌ ... كانتْ ملذاً للنَّبِي ومَرْشفا إنْ يرفعُوا رأسَ الحُسين فقبْلَه ... رَفَعوا لواذاً منْ أبيه المُصْحَفا إيهاً حديثاً عنْ فُؤادي إنَّهُ ... ذكرَ الرسولَ وآله فتشوَّفا مَالي طَرِبْتُ بذكْرهمْ فكَأنَّني ... عاقَرْتُ منْ ذكرِ الأحِبَّةِ قرْقَفا أقِمِ الصلاةَ على النبيِّ فإنّها ... تذَرُ الذُّنوبَ الشُّمَّ قاعاً صَفْصَفَا صلّى الإلهُ على النبيِّ وآلهِ ... من ضَمَّ خَمْسَتَهُمْ كِساءٌ قدْ صَفا ياربِّ إنِّي قدْ أنِسْتُ بِحُبِّهم ... فاجعلهُمُ لِيَ عنْ سِواهُمُ مَصْرِفَا قوله: (والحِجر والحَجَرُ الأَحَمُّ) يعني الأسود، وإنما قال: الأحمُّ لِيقُوم له الوزن. وفَضْلُ هذا الحجر عظيم، وشرفه معلوم، وذُكِرَ أنه يمين الحيّ القيوم.

стр. 394

حدَّث يحيى بن سليم عن ابن جُرَيْج قال: سمعت محمد ابن عباد ابن جعفر المخزومي يقول: سمعت عبد الله بن عباس يقول: إن هذا الرُّكْنَ الأسوَد، هو يَمينُ الله في الأرض، فَصافَح بِه عبادَهُ مُصافحة الرجل أخاه. وقال القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني كتبَ إلَيَّ الشًّيْخُ أبو الفتوح طاهر بن علي الرفاء المصري وأجاز لي الرواية عنه قوله: في الحجَر الأسْود سرُّكُمَا ... في غامضات العلم أسرارُ فَهْوَ يمينُ الله في أرضه ... واللَّهُ للأشياء يختارُ وإنَّما الأمثال مضروبةٌ ... وفي رموز القول تذْكارُ وطاعةُ الله وعصيانُهُ ... عقباهما الجَنَّةُ والنَّارُ والوَصِيُّ الذي ذَكَرَ هو علي بن أبي طالب ﵁، وسنذكر بعد هذا طَرَفاً من خبره. والملجمي هو عبد الرحمن بن ملجم التَّجُوبي. وقيل

стр. 395

السُّكُوني، وقيل الحميري. قال الزبير بن بكار: تَجُوبُ رجل من حِمْير كان أصاب دماً في قومه، فلجأ إلى مراد فقال: جئت إليكم أجوبُ البلاد، فقيل له: أنت تجوب. فسمي به. وهو اليوم في مُراد، وهم رهط ابن مُلْجَمُ المرادي ثم التَّجُوبي، وأصله من حمير، ولم يختلفوا أنه حليفٌ لمراد، وعِدادُه، فيهم، وكانَ فاتكاً ملعُوناً انتدب من لقايا الخوارج لِقَتْل علي بن أبي طالب ﵁، فقتله ليلة الجمعة لثلاث عشرة، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت، وقيل بقيت من رمضان. سنة أربعين، وفي ذلك يقول شاعرهم: علاه بالعَمُودِ أخو تجوبِ ... فأوهى الرأس منه والجبينا وقُبِضَ رحمةُ الله عليه ورضوانه في أول ليلة من العشر الأواخر منه. وذكر المزني عن الشافعي عن سفيان بن عيينة قال: قال لي جعفر بن محمد توفي علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقتل الحسين بن على، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي محمد بن علي بن الحسين وهوابن ثمان وخمسين سنة.

стр. 396

قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين سنة، فتوفي فيها رحمة الله عليه وعليهم. (حُبَّا لِجَدِّهِما الرَّحِيم الأَرْأَفَا) جاء به منصوباً على المدح للمبالغة فيه. ومثله قول الشاعر: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابن الهُمَامْ ... وليثَ الكَتِيبَةِ في المزْدَحَمْ فنصب (ليث) على المَدح. وقال الآخر: الخائضَ الغَمْرَ والميْمونَ طائرُهُ ... خليفَةَ الله يُسْتَسْقى به المطرُ نصب الخائض والميمون وخليفة الله على المدح والترفيع. ومثله أيضا قول الآخر: لقد حَمَلَتْ قَيْسُ ين عيْلاَنَ ... حَرْبَها على مُسْتَقلِّ بالنَّوائبِ والحربِ أَخَاها إذا كانتْ غضاباً سمَالَها ... على كلِّ حالٍ منْ ذَلولٍ ومنْ صعْبِ فنصب (أخاها) على المدح. ولولا ذلك لخفضه على البدل من مستقل. وقال يونس في قوله (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)، وفي قوله تعالى

стр. 397

(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ): نصبهما على المدح. ونظير هذا من الكلام: مرَرْتُ بِزَيْدٍ الرجَل الصَّالحَ. فإن خفضته جعلته بَدَلاً من زيد، وإن رفعته على إضمار هو. والنصبُ على المدحِ والذم والترحُّم والاختصاص؛ إنَّما هو بإضمار: أعني. فمثال النصب على المدح ماذكرناه من الأبيات، ومن قول الله . ومثال الذم قوله في صفة المنافقين (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ) وقوله تعالى (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا) و (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) على قراءة عاصم ومنه قول الشاعر: سَقَوْني الخمر ثمَّ تَكَنَّفُوني ... عُداةَ الله من كَذِبٍ وَزُورِ وقول النابغة: وَجُوهَ قرودٍ تبْتغي من تُخَادِعُ نصب عُدَاة الله، ووجوه قرود على الذَّم. ونظيره في الكلام: مررت بزيد الفاجرَ. والفاسقَ. ومثال الترحُّم قولك: مررت بزيد المسكينَ والضعيفَ. ومنه قول الشاعر:

стр. 398

ولقدْ خَبَطْنَ بُيُوتَ يشْكُرَ خَبْطةً ... أخْوَالَنَا وهُمُ بَنُو الأعْمَامِ فنصب (أخوالنا) على الترحم، ومنه قول امرئ القيس: فأَسْقِي بِهِ أُخْتِي ضَعيفَةً إذْ نأَتْ ... وإذْ بعُِدَ المزار غير القريضِ فنصب ضعيفة على الترحم. فأمّا قول ذي الرمة: وَأَنْتُمْ بني قيسٍ إذا الحربُ شَمَّرَتْ ... حُمَاةُ الوغى والخائضُونَ العواليَا فانصبه إن شئت على المدح، وإن شئت على الاختصاص. ومن المنصوب على الاختصاص قول الشاعر: إنَّا بني مُنْقَرٍ قوم ذوو شَرَفٍ ... فينا سراةُ بني سعد وناديها ويروى هذا البيت على مساق آخر وهو: إنَّا بَني منقر لا نَنْتَمِي لأبٍ ... عنْه ولا هَو بالآباء يَشْرِينا أي يبيعنا. كأنه قال: إنا، أعني بني منقر. وهذه الوجوه التي ذكرناها كثيرة في الشعر والكلام. رجع وقول أبي العباس (أم كيف تُقْرَعُ بالقضيب ثنية) الحسين. وذلك أنه لما قتل ﵁ يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، قتله سِنَان بن أنس، وقيل سنان بن

стр. 399

أبي سنان النخعي، وقيل قتله شَمْر بن ذي الجَوْشَن الأبرص الضبابي، وأجهز خولي بن يزيد الأصبحي لعنة الله عليهم ثلاثتهم وسخطه. حزّ رأسه خولي، وأتى به عبيد الله بن زياد، وهو يقول: أوْ قِرْ رِكَابي فِضَّةً وذَهَبا ... إني قتلتُ الملِكَ المُحَجَّبا خيْرُ عِبادِ الله أُمَّا وأبا ... وَخَيْرُهم إذْ يُنْسَبُون نَسَبا فقال له عبيد الله بن زياد: فَلِمَ قَتَلْتَه إنْ كان خير عباد الله أمَّا وأباً؟ فضرب عنقه ثم أمر بحمل الرأس إلى يزيد بن معاوية، فحكى القوم الذين حَمَلُوه، أنّهمْ نزَلوا منْزلاً من المنازِل، ووضعوا الرأس بين أيديهم، فرأوا يداً من حديد قد خرجت فكتبت على جبين الحسين بالدم: أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَت حُسيناً ... شَفَاعةَ جَدِّهِ يوْمَ الحِسَابِ ويروى أنّ هذا البيت وجد مكتوباً في كنيسة من كنائس الرُّوم، وعليه تاريخه مذ كتب، فَعُدَّ تاريخه فوجد قبل الإسلام بثلاث مائة سنة. فلما وصل الرأس إلى يزيد جعل ينكث بقضيب كان في يده على ثَنِيَّةِ الحُسين وهو يقول: نُفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزَّةٍ ... علينا وَهُمْ كانوا أَعَزَّ وأظلما فقال له أبو برزة نَضْلة بن عبيد الأسلمي: ارفعْ قضيبَكَ فَطَالَ واللهِ ما رأيتُ رَسول الله صلى الله عليه وسلم يُكِبُّ عليه يقبله فذلك الذي عنى أبو العباس بقوله: (أم كيف تقرع بالقضيب) البيت.

стр. 400

وحكى أبو عمر المطرز عن أحمد بن يحيى بن ثعلب عن عمر بن شبة قال: دخل سِنَان بن يزيد النَّخَعي على الحجاج: فقال له الحجاج كيفَ صنعتَ بالحسين؟ فقال: دَسَرْتُهُ بالرُّمْح دَسْراً، وهَبَرْتُهُ بالسيفِ هَبْراً، ووكَلْتُه إلى امرئ غيري وَكْلاً فقال الحجاج: ألاَ واللهِ لا تَجْتَمِعُونَ في الجنَّةِ أبَداً. وأمَرَ له بخمسة آلاف درهم. فلما ولي قال: لا تُعْطُوه إياها. وحكى مروان بن معاوية الفزاري عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مسلم النخعي انه قال: رأيت رأس الحسين قد جيء به، فوضع بدار الإمارة بالكوفة بين يدي عبيد الله بن زياد. ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار بن عبيد. ثم رأيت رأس المختار قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المصعب، ثم رأيت رأس المصعب قد جِيء به، فُوُضِعَ ذلكَ الموْضع بين يدي عبد الملك بن مروان، فرأى عبد الملك مني اضطراباً يوم جيء برأس المصعب، فسألني، وأخبرته بالقصة. وقلت: وهذا رأس المصعب بين يديك، فَوَقاكَ الله يا أمير المومنين. قال: فوثب عبد الملك عن ذلك المجلس وأمَرَ بهَدْمِ الطَّاق الذي كان عليه.

стр. 401

رجع وقال أبو العباس أيضاً يمدح أهل البيت صلوات الله عليهم. وقد سئل بعض الجفاة عن تفضيلهم وتطهيرهم وتقديمهم على من سواهم فقال: عَادَيْتُ في الله قوْماً أنْكَرُوا رَصَداً ... للدِّينِ تَطْهيرَ أهْلِ البيتِ ذي الحُجُب ياأهْلَ بيتِ النَّبِيِّ المصطَفى حَرَبي ... ممَّنّ يُخَفِّضُ منْ أَقْداركُم حَرْبِي منْ لمْ يَقُلْ إنَّ خيرَ النَّاسِ كُلهُمُ ... أنْتُم، فقدْ سدَّ بابَ الصِدْق بالكَذِبِ اللهُ طهَّرَكُم والرِّجْسَ أذْهَبَه ... عنْكم، شَهادَةُ ربَّ العرْشِ في الكُتُبِ وقائلٍ لا، جَوَاباً عنْ طَهارَتكمْ ... ويْلٌ لِقَائلِها، إنْ كانَ لمْ يَتُبِ أخو الرَّسول، أبو السِّبْطَيْنِ، أكْرمُ منْ ... يَمْشي على الرّتبِ أوْ يَرْقى على الشُّهُب يا منْ يُفاخِربالأْنساب، هلْ لكَ في ... فخْرٍ فحُبُّ النبيِّ المُصْطَفى حَسَبي وحُبُّ فَاطِمَةٍ والمرتضى حَسَنٍ ... وصِنْوِهِ وعليِّ كاشف الكُرَبِ يومَ البعير ويومَ النَّهْروانِ ... وفي صفِّين داوى شُكاةَ الدينِ بالقُضُبِ ما كنتُ أجْعَلُ شَكاً في أبي حَسَنٍ ... ولوْ رَمَتْني جميعُ العُجْمِ والعَرَبِ وقال أيضاً في المعنى ردَّا على ذلك الجافي المذكور بعينه: لقدْ طَهَّرَ الرحْمنُ آلَ محمدٍ ... وأذْهَبَ عنْهُمْ رِجْسَهُمْ وَهَدُوا كُلاَّ عَجِبْتُ لِقوْمٍ لا يرَوْنَ وصيَّة ... أبا حَسَنٍ للأمْرِ يومَ انْتدوا أهلاً أَمَا كان في آلِ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ ... بِزَعْمِهم منْ يَشْهَدُ العقْدَ والحَلاَّ كَذَبْتُمْ، أخُوهُم كانَ فيهمْ وَعَمُّهُ ... أشَدُّ الوَرى رأْياً وأوْثقُهم إلاَّ

стр. 402

فمَنْ كان يَدْعُوهُ الرَّسُولُ لنصْرِه ... إذا لَقَحَتْ حرْبٌ ومنْ كانَ للْجُلاَّ ومنْ كان في دارِ النَّبيِّ خليفَةً ... كهَارُونَ من مُوسى، ومنْ بسَطَ العْدْلا ومنْ كانَ مَوْلىً منْ يُوالي مُحَمَّداً ... ومنْ كانَ أَسْمى في المنَاسِبِ أوْ أعْلى فموسى وهارُونٌ كأحْمَدَ والرِّضا ... عَليٍّ فهلْ من ثالِثٍ نَالَ ذا الفضْلاَ أخُوَّةُ خيْرِ النَّاسِ خيْرُ مزِيَّةٍ ... فأيْنَ بِكُمْ عنْ هذه أوْضَحُوا السُّبْلاَ وأرْبَعَةٌ والمصطَفى خامًسٌ لهُم ... أفاضَ عليهمْ مرطهُ وتَلا فَصْلاَ وفيهم عليُّ بالكِسَاء مُلَفَّعاً ... وفي سورة الإنسان أمْداحُهُ تُتْلى وإني لأعْطي أوَّلَ الفضْل رُتْبَةً ... وإنْ لامَنِي قوْمٌ لأوَّل منْ صلَّى قوله ﵀: (ومن كان في دار النبي خليفة) إلى آخر الأبيات، إشارة إلى علي بن أبي طالب ﵁. ذلك أن علياً أول من آمن بالله من الناس بعد خديجة، وأول من صلى مع رسول الله ﷺ معها، وأنه صلى القبلتين، وهاجر وشهد (بدراً) و (حديبية) وسائر المشاهد، وأبلى يوم (بدر) و (أُحُد) و (الخَنْدَق) و (خَيْبَر) بلاء عظيماً، ولم يتخلف عن مشهد شهده الرسول ﵇ إلاّغزوة (تَبُّوك)، فإن رسول الله صلى الله عليه خلفه على (المدينة) وعلى عياله، وقال له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي

стр. 403

بعدي)، وقال له ﵇: (أنت أخي وصاحبي). وآخى بينه وبين نفسه ﷺ يوم آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال له: "أنت ولي كل مؤمن بعدي، وأنت الذائذ عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه الرجال كما يُذادُ البعيرُ الصادي". وزوَّجه رسول الله ﷺ ابنته فاطمة في سنة اثنتين من الهجرة، وهي سيدة أهل الجنة ماخلا مريم ابنة عمران، وقال لها: "زَوَّجْتُكِ سيِّداً في الدنيا والآخرة" وفضائله رضوان عليه كثيرة لا تحصى، وخصوصية بالنبي ﷺ مشهورة. وكان ﵁ يقول: "أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذَّاب". وروى عن جماعة من الصحابة عن النبي ﵇ انه قال يوم (خيبر) لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار يفتح الله على يديه. ثم دعا لعلي وهو أرمد، فتفل في عينيه، وأعطاه الراية، ففتح الله عليه. ولما نزلتْ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). دعا رسول الله ﷺ فاطمة وعلياً وحسناً وحسيناً، وهو في بيت أم سلمة، فأقعد علياً عن يمينه، وفاطمة عن شماله، وحسناً وحسيناً في حجره، وألقى الكساء على نفسه صلى الله عليه وعليهم، وقال: "اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرَّجس وطهرهم تطهيرا" وإلى هذه الفضائل أشار أبو العباس في أبياته المذكورة. وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀، ومكانه من العلم

стр. 404

والفَضْل والوَرَع مَعْلُومة: كُلُّ منْ نازَعَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في خلافته، فهو باغ. على هذا عهدت مشايخنا لقوله ﵇: "تقتل عمار الفئة الباغية" يعني عمار بن ياسر بن عامر العبسي. وقتل عمار ﵀ (بصفين) وكان مع علي ﵁، ووُجِدَ مقتولاً على باب سرادق معاوية. وأتى يومئذ رجلان إلى معاوية يختصمان في رأسه وسلبه، أحدهما: أبو الغادية الجهني، والآخر هوى بن ماتع. وقيل هوى بن جزء طعنه أبو الغادية واحتزّ هوى رأسه، ويقال إنهما اختصما في رأسه، وسلمه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما، اخرجا عني، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أولعت قريش بعمار يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". وفي مقتل عمار يقول الحجاج بن غزية الأنصاري من أبيات رثاه بها: قال النَّبِيُّ له تَقْتُلْكَ شِرذمةٌ ... سِيطَتْ لُحومهمُ بالبَغْي فُجَّارُ فاليَوْمَ يعلمُ أهلُ الشام أنهمُ ... أصحابُ تلك وفيها العارُ والنارُ وكان أهلُ الشّام يسمون قتل عمار فتح الفتوح. وفي عمار قال رسول الله

стр. 405

صلى الله عليه وسلم، وقد سمع رجلاً من المهاجرين قد أغلظ عليه في شيء، فقال: "عمَّار جِلْدةُ ما بين عيني وأنفي فمن بلغ منه فقد بلغ مني" وأشار بيده فوضعها على عينيه. وقال أبو العباس في طريقة الصوفية: حدَّثني الشوقُ عنْ تباريحي ... أن ضنى الجِسْمِ صَيْقَلُ الرُّوحِ وأنَّ صُفْرَ الوُجُوه مُسفرَةٌ ... تُشْرِقُ في الليل كالمَصابيح وأنَّ رَوْحَ الإلهِ مُطَّلِعٌ ... على المحبينَ في التراويح أفْلَحَ عبدٌ جَفا الكرى سَهَراً ... بين سجودٍ وبين تسبيح خلا بمولاه غيرَ مُلتَفِتٍ ... في الجمْعِ للفَرْقِ غيرَ تَلْوِيح أصبح منْبتُ سيْرهِ فَلَه ... منْ لُطْفِ مَوْلاه أيُّ تَرْويحِ شاهدٌ ماغَابَ في سَريرَتِه ... وطَارَ إحساسُهُ معَ الرِّيحِ لا مثْلَ منْ لُوِّنَتْ مَسَالِكُه ... فَتاهَ بينَ المَهَامهِ الفيحِ عرِّضْ بالحقِّ في المثال لهُ ... والفوْزِ، لوْ نالَهُ بتصريح موْلاي إنِّي علَيْكَ مُعْتَمدٌ ... فجُدْ بفضْلٍ عليَّ ممْنوحِ ونجِّني فالذُّنوبُ مُغْرقتي ... وأنتَ نجَّيْتَ تابِعي نوحِ وفي المعنى أيضاً يقول: أجيرَةَ بيتي مالَكُمْ بِكُمُ السَّهوُ ... أمَرَّلكمْ شَجْوٌ وطابَ لي الشَّجْوُ خَدعْتُكُم واسْتَأثرَ القلبُ بالهَوى ... لكُم مُرّهُ البادي وفي كبِدي الحُلْوُ

стр. 406

أبَتْ كَبِدُ المشتاقِ أنْ تَسْأمَ الجَوَى ... ولو سئمتْ لم يَسْأم الجَسَدُ النِّضْوُ لقدْ سَقَمَتْ أهْواؤُكُم فَزَلَلْتُمُ ... ولوْ صحَّتِ الأهْواءُ لا تّصَلَ الخطْوُ وَليَ سيِّدٌ لمْ يَعْلَم النَّاسُ كُنْهَهُ ... قريبٌ فإنْ هَاجَرْتُهُ بعُدَ الشَّأوُ جَوادٌ إذا فرَّ المُسِيءُ بِذَنْبِهِ ... إليه فأدْنى جُودِهِ الصَّفْحُ والعَفْوُ تشاغَل أقْوامٌ بِخِدْمَةِ عِزَّةٍ ... فعَزُّوا وأعْلى عزَّهُمْ ذلكَ القَتْوُ رَدَدْتُ بِحُبِّيهِ على النّاسِ حُبَّهمْ ... وهلْ كنْتُ أسْتَسْقي وفي يَدِيَ الدِّلوُ وما سرني أنْ أملكَ الأرضَ كُلّها ... وأنَّ فُؤادي منْ مَحَبَّتِه خِلْوُ ولوْ أنَّ قلبي في يَدَيَّ بلا هَوى ... لجُنَّ فما ظَنِّي به وهوَ الحشْوُ إذا هاجَ لي شَوْقٌ تَيَمَّمْتُ نَحْوَه ... على أنَّ منْ أحْبَبْتُ ليسَ لهُ نَحْوُ وليسَ لَهُ أيْنٌ وليسَ له لَدُنْ ... وليسَ لَهُ مثْلٌ وليسَ لهُ صِنْوُ أمَثِّلُهُ في خَاطري فيفُوتُنِي ... وبالقَلْبِ منْ عِرْفانهِ التِّيهُ والزَّهْوُ وقدْ طارَ حتَّى قرَّ في مطْلَعِ الهُدى ... فسَوْداؤُهُ حَضْرٌ وأضْلاعُهُ بَدْوُ أُوَاصِلُهُ في كُلٍّ خَطْرَةِ خاطِر ... ولا لعبٌ عندَ الوِصال ولا لَهْوُ وُقُوفاً على سُفْلِ البِساطِ تَجِلَّةً ... ولوْلا انْبِساطي كانَ موقِفيَ العُلْوُ فواحسْرَتي إنْ خابَ مَسْعايَ عنكُم ... ولوْ خابَ أيضاً ما اعْتَرى حُبِّيَ السَّهْوُ ولا كهذا فَلْيَهْوَ منْ كانَ ذا هَوى ... وإلاّ فحُبُّ النَّاسِ أكْثَرُه لهْوُ سُقيتُ الهَوى صِرْفاً فَعربَدْتُ صاحِياً ... ولكنَّ صحْوي دُونَ أيْسَرِهِ النَّشْوُ حَنَانَيْكَ إنَّ الحُبَّ كَأْسٌ شَرِبْتُها ... على ظَمَأ صَفْواً فكَدَّرني الصَّفْوُ فدُونَكُمُ يا أيُّها الشَّرْبُ فانعَموا ... دُموعي لكم خمرٌ ونَوحي لكم شدْوُ

стр. 407

قال أبو إسحاق: انتهى ما اختلسْتُه واخْتَطَفتُه، ومن أزْهارِ كَلامِهِ واقْتطَفْتُه. ويا حُسْنَها من أزَاهِر، وبدائِعَ وجَواهِر. أفْكارٌ وألْبابٌ، أحْسَنُ منْ ساعَاتِ الوِصالِ والاقتِراب، بعدَ يَأْسٍ منَ الأحْباب، أُمْنِيةُ راغِبٍ، وعَقِيلَةُ مُبْتَغٍ وطالِبِ. موالك للقلوب والأسماع، وأفتَنُ منَ الحَسْناء سافرَةَ القناع: لوْ كنَّ في فَلَكٍ لكُنَّ كواكِباً ... أوْ كُنَّ في وجْهٍ لكنَّ عُيُونَا وكان الأديب أبو العباس ﵀ فريد الإبداع في زمانه، معروفاً بانطِبَاعه وإتْقانِه، ولَهُ في أنواع المديح قصائدُ سُلْطَانيات، تُوليكَ كثْرة طائل، وتدلكَ على أنْبَلِ قائل. بصير بمعاني اللغاتِ والآداب، كثير التَّنْديرِ في كَلاَمِه والإغرابِ، وقدْ أثْبَتُّ في هذا الديوان من شعره المليح المعاني، السَّالمِ المبَاني، ما يَسْترِقُّ القُلوبَ والنفوس، وتتيه بحُسْنه المَهَارِقُ والطُّرُوسُ. وُلِدَ لعشر ليال خلت من شهر رجب الفرد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة، وتوفي ﵀ ضحى يوم الثلاثاء الثالث عشر لجمادى الأخرى سنة خمس وستمائة. وقال الفقيه الوزير أبو الربيع سليمان بن موسى الكَلاَعي البلنسي من أهل عصرنا، في مدح الرسول وأزواجه، والصحابة وأهل البيت، وسَمَّى هذه القصيدة: "نَتِيجةُ الحُبِّ الصَّميمَ وزَكَاةُ المنثُور والمنْظوم" نفعَهُ الله بما صَنَّفَ ونظم في أهل البيت، وفي تَعْزِيزِ نبينا المصطفى المكرم، وفي أزواجه، أمَّهاتِ المؤمنين

стр. 408

الخَفَرات الطَّاهرات، العَفائف المكرمات، وبلغه من إحسانه الجزيل ما أمَله، وتقبل دعاءه وعمله فقال ﵁ وأجاد في النسق والنظام، وضمّن أولها ذكر مثال نعل النبي ﵇: يا مَنْ لِصَبٍّ يرى أشْجَانَه النظرُ ... مَهْمَا تَبَدَّى له من حُبِّه أثَرُ يَفي لهُ الصَّبر عند النائبات فإن ... يَلُحْ لهُ أثرٌ لمْ يبْقَ مُصْطَبِرُ وذاكَ غيرُ ذميم من مواقِعِهِ ... إذا تعقَّبهُ التنقيحُ والنَّظَرُ فلا يُبالي الشَّجَى وَجْداً يُعَالجه ... في ذاكَ لوْ طارَ من حافاتِه الشَّرَرُ ولا يرْوي اعتذاراً عن لواعِجِه ... فما عن الرُْشد والتوفيقِ معتذرُ هدىً أضَل عزاء المستهامِ بِما ... رأى فيَا لِضلالٍ بالهُدى يفِرُ رأى مِثالاً لنعلِ المُصْطَفى فَهَفا ... بِهِ النِّزاعُ وهَاجَتْ شَوْقَهُ الذِّكَرُ وليْسَ نُكْرُ نزاع عند رُؤيَتِه ... لكنْ قَسَاوَتُهُ في مثْلِها نُكُرُ أعوذُ بالله من قلبٍ يُطالِعُها ... فلا يُرى بأليمِ الوجْدِ ينْفَطِرُ وحَاشَ للهِ أنْ تُهدى الضُّلوعُ على ... أبْصَار آثارِ منْ حيزَتْ لهُ الأَثَرُ مَن صَرَّحتْ بِمزايا فضْل سُؤْدَدِه ... آيُ الكتاب وشادت مَدْحهُ السُّوَرُ محمدٌ خيرُ خَلقِ الله كُلِّهِمُ ... مَمَّنْ نمَت يمَنٌ أوْ من نمت مُضرُ وغيرهم من جميع العالَمين فَلا ... يَزِغْ بِذي العقْلِ عنْ سمْتِ الهُدى البَصَرُ فَيا مُطارَ الحشَى شوقاً لرُؤيته ... والعينُ تشْتاقُ مهْما أبْصرَ الأثَرُ مثالُ نعْلِ النبي المصطفى عِوَضٌ ... منْ نعْلِهِ حينَ حالتْ دُونَهُ الغِيَرُ فمَرِّغ الشَّيْبَ في ذاكَ المِثَالِ عَسى ... بِذاكَ شوْبُكَ للأعْمالِ يُغْتَفَرُ واسْتَشْعِرنْ لَثْمَها في لَثْمِ مَمْتَثِلٍ ... به حذاءً لهَا أَودى به العُصُرُ

стр. 409

ففي مُشابهِ آثارِ الأحِبَّةِ مَا ... يُرَى به وجْدُ مَشْغوفٍ ويَسْتَعِرُ واركبْ من الشَّوقِ نحو المصطفى مَتْناً ... شَجْوَ الضلوع فلا يَفْنى ولا يَذَرُ وَادْأَبْ على ذكَ واصْبِرْ تجنِ خيْرَ جَنىً ... في جَنَّةٍ إنَّما يَحْظَى بها الصَّبرُ وفي الصلاةِ عليه أيُّ ما وَطرٍ ... فلا يَعُوقَنْكَ عنْ إدْمانِها وَطَرُ واذْكُرْ مواعدَهُ الحُسْنى لِمُنْتهِجِ ... سَبيلها يتَقَرَّاها ويَغْتَفِرُ ونادِ في كلِّ نادٍ إذْ تمُرُّ بِهِ ... نِداءَ منْ أُحْكِمَتْ منْ حُبِّهِ المِرَرُ صلَّى الإلهُ وأهلُ الأرْضِ كُلُّهُمُ ... معَ السماء وشمسُ الأُفْقِ والقمرُ والأنْجُمُ الزُّهْرُ منْ أَعْلى معَارِجِها ... والنورُ والظُّلُماتُ البُهْمُ والغُرَرُ والوحشُ في القَفْرِ والطيرُ المطيفَةُ في ... جوِّ السماء تعالى ثمَّ تنْحَدرُ وكلُّ ما ضمَّنَهُ عُلْوٌ وضُمِّنَه ... سُفْلٌ من الخلق مما ليس يَنْحصرُ أزْكى صلاةٍ وأنآها مَدى شرَفٍ ... بكُلِّ معنى لَدى الإعْياءِ يُعْتَبَرُ كالشَّمسِ في أُفُقٍ كالمِسْكِ في عَبَقٍ ... كالدُّرِّ في نسَقٍ بلْ دُونَها الدُّرَرُ على البَشير النَّذيرِ المنْتَقى كَرَماً ... من مَحْتِدٍ طابَ منْهُ الخُبْرُ والخَبَرُ منْ مَعْشَرٍ إنَّما هُمْ منْظراً بَشَرٌ ... لكنْ مزاياهُم يُعْنى بِها البَشَرُ على المبارك منهم مذهباً وأباً ... وشيمةٌ شأْنُها في الذِّكْرِ مُسْتَطِرُ على الَّذي ابتهجَتْ سُبُلُ النَّجَاة به ... على الذي خُتِمَتْ فَخْراً به النُّذُرُ على ابنِ آمِنَةَ المَرْجُوِّ نائُلُهُ ... يوْمَ القيامَةِ إذْ يُهْدى لَهُ الظَّفَرُ على المُؤَثِّل دُونَ الأنبياء إذا ... جَدَّ الحسابُ وأَدَّتْ فَيْحَها سقَرُ على الذي كَلَّمَتْهُ الشاةُ مُشْعِرَةً ... بِسُمِّها فانْثَنى عنْ قصْدِها الضَّرَرُ

стр. 410

على الَّذي لمْ تُهْدِ تَحِيَّتها ... إليه مَهْمَا رَأَتْهُ الأرضُ والشَّجَرُ على الذي كان يُسْتَسْقى الغَمَامُ به ... فَتَسْتدرُّ بِهِ منْ صَوْبِه الدُّرَرُ على الذي نبعتْ بالرَّيِّ أنْمُلُهُ ... للوارِدِينَ فهالَ الوِرْدُ والصَّدرُ فَيَا لِيُمْنِ مُحَيّاً إنْ سألْتَ بِهِ ... في الجَذْبِ جاءَكَ وَفْقَ البُغْيَةِ المَطَرُ ويا لَيُمْنى ويُسْرَى ما عَطَاؤُهُما ... في أَعْسَرِ العُسْرِ إلاَّ اليُمْنُ واليُسرُ وضُوعِفتْ بركاتُ الأرْض فانْبَعَثَتْ ... مَشاهِبُ الخِصْبِ بالأَرْزاقِ تَبْتدِرُ على الذي أَسْعَدَ الأيامَ مَبْعثُهُ ... فاستشْعرتْ طيبَها الآصالُ والبُكَرُ على الذي حُبُّهُ موت بِمُخْلصه ... على مشارع صَفْوٍ مَا بِها كَدَرُ صلاةُ صدق وإخْلاصٍ إذا صَدَرَتْ ... عن الضمير فلا ريْبٌ ولا سَدَرُ تزُورُ تُربتَه دأْباً نَوَافِحُها ... فيسْتَمِدُّ شذاها الرَّوضُ والزَّهرُ إذا انْبَرَى رائحٌ منها يُيَمِّمُها ... بَاراهُ في قصده المَحْمودِ مُبْتَكِرُ فلا تزالُ بها الآذانُ عَالِيَةً ... يَحْدوبِها السَّفْرُ أوْ يحْلو بها السَّمرُ بلا انقضاءٍ ولا عدٍّ ولا أَمَدٍ ... ما غرَّدَ الوُرْقُ أوْ ما أوْرَقَ الشَّجَرُ

стр. 411

وَبعده صلواتُ الله عَاطِرَةً ... على الصَّحابَة تَتْلُو زُمْرةً زُهَرُ جماعة تَحْسِبُ الصديقَ أوَّلَهُمْ ... وَتِلْوُهُ في تناهي فضْلِه عُمرُ وللشَّهيد ابن عَفَّانٍ مَكانتُه ... وفي عَلِيٍّ أثارتْ سِرَّهَا الأثَرُ وللزُّبيرِ حوَارى النبي سنَا ... جَلاَلةٍ هي في عيْن العُلا حَوَرُ وطَلْحَةُ الخيْرِ لا تُهْمِلْ فَضَائِلَه ... وفيضَ كفٍّ لَهُ بالجودِ تَنْفَجِرُ ومِلْ إلي الخَالِ سعْدٍ فَهْوَ مَنْ قَصَفَتْ ... بهِ الأكَاسِر قَصفاً والقنا كِسَرُ في موقفٍ يُعْذَرُ الفرَّارُ فيه فَما ... ثناهُ عن هولِهِ جُبْنٌ ولا خَوَرُ والمُسْتَقِلُّ بِشُورى القومِ مُؤتَمِناً ... على الخِلافَةِ يأْبَاهاً ويَنْشَمِرُ ذاكَ الأمينُ ابنُ عَوْفٍ فارْضَ عَنْهُ وَعَنْ ... جَمِيعهمْ فَهُمُ أهلُ الرِّضى الزُّهُرُ ثمَّ اذْكُرنْ عَامِراً واعْمُرْ بِمِدْحَتِهِ ... أَسْماعَ كلِّ عِبادِ الله ما عَمَرُوا ذاكَ الذي طلَّقَ الدُّنيا وزُخْرَفَها ... فما تعَلَّقَهُ منْ غمْرها غُمَرُ فيالَهُ منْ أميرٍ باتَ مُدْرَكُهُ ... في كلِّ ما كانَ يأْتِيهِ ويَأْتَمِرُ

стр. 412

وما تأخَّر عنْ إهْمالِ واجِبِه ... ذِكْرُ ابنِ زيْدِ ولكنْ قبْلَهُ أُخَرُ هُمُ الأُلى سَبَقَتْ ذكراهم وَهُمُ ... أهْلُ السَّوابِقِ لا ميْنٌ ولا هَذَرُ وَكُلُّهمْ وسَعيدٌ عاشرٌ لَهُمُ ... لاَيَدَّعي شَأوَهُمْ في الفخْرِ مُفْتَخِرُ وأمْرُ حمْزَة لا يَخْفى على أحدٍ ... ولا مَكَانَتُهُ في الدِّينِ تُفْتَقَرُ عمُّ النَّبيِّ وليْثُ الحرب ما بَرِحَتْ ... تَشْقَى بأسْيافِهِ الأعْداءُ والجذُرُ ومَدْرُهُ البَأْسُ عبَّاسٌ وموقِفه ... مُسْتسْقيا وغَزَالَى السُّحْبِ تَنْهَمِرُ ساقي الحجيج وعَمُّ المصطفى وَأَبو ال ... أمْلاَكِ تُنْبِيكَ عنْهُ الكُتْبُ والسِّيَرُ وفي بَنِيهِ مَعَاني المَجْدِ أجْمَعها ... قدْ قَرَّ في كلِّ سمعٍ عنهم خَبَرُ وكُلُّ أبناء منْ حَبَّرْتَ مِدْحَته ... لهُ بُرُودُ ثَناءٍ دونها الحِبَرُ ولا كَسِبْطَيْ رسولِ الله منْ أَحَدٍ ... وهلْ كفاطِمَةٍ من صفها بَشَرُ ومَنْ دنَتْ مِنْ رسول الله نِسْبَتُهُ ... دُنُوُّها لهُمُ لمْ يَخْتَطِرْ خَطَرُ وكُلُّ ذي رَحِمٍ منه فإنّ لهُ ... بذاكَ فَخْراً قُواه ليْسَ يَنْبَتِرُ وسائرُ الصَّحْبِ والأنْصارِ أَوَّلُهُمْ ... أهلُ الثَّناءِ فهم آوَوْا وهُمْ نَصَرُوا

стр. 413

أيَّامُهُمّ بَيَّضَتْ وجْهَ النبي رضىً ... وَسَوَّدَتْ أوْجُهَ القوْمِ الأُلى كفَروا وَإِنَّهُمْ لَخيارٌ فارْعَ حَقَّهمُ ... فَسُنَّةُ الحَقِّ ألاَّ تُهْمَلَ الخِيَرُ وانظِمْ إلى سِلْكِ منْ تُهْدي الثَّناءَ لَهُ ... أزْواجَهُ فلهَنَّ الشَّأْنُ والخَطَرُ خديجَةُ البَرَّةُ العُلْيا مَكَانَتُها ... وزيرَةُ الصِّدقٍ في الإسلام والوَزَرُ وأُمُّ كُلِّ بَنيه غَيْرُ منْ وَلَدَتْ ... عَقيلةُ القبْطِ أدَّى ذلكَ الأَثَرُ وهْيَ المُحَيَّاةُ منْ جبْريلَ مُبْشِرَةً ... بِبَيْتِ دُرٍّ فَحُمَّتْ عِنْدَها البَشَرُ وبَعْدَها ابنَةُ أَعْلى النَّاسِ منْزِلَةً ... عِنْدَ الرسول بَما أَعْلاهُ مُخْتَبَرُ فتِلْكَ عائِشَةُ المشهورِ موضِعُها ... من حُبِّه فاعْذِرُوها إنْ عَرَا أَشِرُ وليسَ من شَأْنها لكن مَكَانَتُها ... حَرى بِهِ فَلْيُزايِلْ صَدْرَكَ الوحَرُ عَلامَةُ الدِّين أُمُّ المؤمنين متى ... يَحْضُرْنَها العِلْمُ يَضْمَنْ سَبْقَها الحضرُ وَحَفْصَةُ بنتُ فاروقَ الهُدى فَلَهَا ... سَعْيٌ منَ السِّرِّ عند الله مُدَّخَرُ صَوَّامَةٌ ونَهَارُ الصيف مُحْتَدِمٌ ... قَوِّامَةٌ والدُّجى مُرْخَى لَها الأُزُرُ وكُلُّ أزْواجِه بالدين مشتملٌٌ ... وكلُّهنَّ بتقوى الله مؤتزرُ وكلُّهن لنا أُمٌّ مباركةٌ ... منْ كُلِّ منْ ضَمَّت الأبياتُ والحُجُرُ مُباركاتٌ تَوَلِّى الله معتَلياً ... تَطْهيرَهُنَّ فَهُنَّ الصَّوْنُ والطُّهُرُ وإنْ غَدَوْنَ احتقاراً للْحُلَى عُطُلاً ... فَخَيْرُ زينَتهن الدِّين والخَفَرُ وما حُلاهُنَّ بالأَصوافِ مُدْركَةٌ ... وكلُّ ما طال منها فهو مُخْتَصَرُ كذاكَ وصْفُ الصِّحابِ الغُرِّ تَعْجِزُ عَنْ ... أَدْناهُ ما نَظَموا منه وما نثَروا

стр. 414

فليسَ إلاَّ الرِّضى عَنْهُمْ وصدْقُ هَوى ... فيهم تَوَفَّرَ عن إِخْلاصِه العِذَرُ وذَكِّرْ ما ساعد الإمْكانُ ذاكرةً ... فالعَجْزُ من بعد بَذْل الجَهْدِ مُغْتَفَرُ وليسَ عجزٌ ولَكِنْ شَأْوُ حَقِّهمُ ... شيءٌ يُقَصِّرُ عنه الطولُ والقِصَرُ فيا لِساني وقَلْبي ما يَعُوذُكُما ... عَمَّا يَحِقُّ لَهمْ عِيٌّ ولا حَصَرُ أوتيتُما حسنَ إدْراكٍ فلا تنياَ ... واجْرِيا لمدى باغيهِ مؤْتجِرُ وبالِغا إنْ ونى بُعْدُ المَدى بِكُما ... في الاجتهادِ فإعْذارُ الفتى عُذُرُ وأيُّ عَتْبٍ على منْ رامَ مُجْتَهداً ... مثْلُ الّذي رُمْتُما فاعْتَاقَهُ قَدَرُ خُصَّا وعُمَّاً عسى ألاَّ يَفُوتَكُما ... من الصَّحابَة لا أُنْثى ولا ذَكَرُ وَكَرِّرا وأَعيدا أنتُمُ فئةً ... غَيْثُ الرِّضى مُسْتَهِلٌّ كُلَّما ذُكِروا واسْتَجْزِلِ الدُّخْرَ من إخلاَصِ حُبِّكَ يا ... قلبي لهُم فَلَنِعْمَ الزادُ والدُّخْرُ وفي الدُّعاءِ رجاءٌ لا يَخيبُ ولا ... يغِبُّ مُرْتَقبٌ منه ومنْتَظِرُ فاصْدَعْ به يالِساني ضارِعاً أَبَداً ... ففي الضَّراعَةِ ما يُقْضى بِهِ الوَطَرُ ويا إلهيَ أَمْتِعْني بِحُبِّهمُ ... حتَّى يُعَمِّرَ بي أَحْشاءَهُ العَفَرُ وجَازِ يا رَبِّ قلبي عنْ مَحَبَّتهمْ ... عَفْواً يُزوِّدُني إذْ جَدَّ بي السَّفَرُ واصرف عِنانَ اعتنائي نحْوَ خِدْمَةِ مَا ... يُرْضيكَ عنْ زَلَلِي ما امْتَدَّبي العُمُرُ كَمُلَ ما أَسْداهُ الفقيه العلم وألْحَمَهُ، ويا حُسْنَ ما أَنْشَأه ونَظَمَه منَ الثَّناء الجميل وتَمَّمه، ولقد سَلَكَ سبيلاً لا يَعْدَمُ سالكَهُ ثواباً، ولا يزْدادُ من الله تعالى إلاّ دُنُوَّا واقتراباً، والله تعالى يَنْفَعُهُ بما قال، ويأ جُرُهُ كما أطْنَبَ في الثناء على منْ يُحِبُّ وأطالَ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ منْ مناقِبِ الرسول ﵇ وأصحابه مَعْلُومٌ مشهور، وفي الكتب بالأسانيد الصحاح مذكورٌ، وجاء بالعشْرة ﵃ على النَّسقِ الواجبِ، في الأماكن من الفضلِ والمراتِب، والسَّنن الذي اتَّفَقَ عليه الأئمة والعُلَماءُ المتقدَّمون سرحُ هدْي الأُمَّة.

стр. 415

قال الحافظ أبو عمر ﵀ في كتاب (الصحابة): وقف جماعة من أئمة السلف وأهل السنة في علي وعثمان، فلم يُفَضِّلوا واحداً منهما على صاحبه، منهم مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وابن معين. وأهل السُّنة اليوم على تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي، وعلى هذا جماعة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل؛ إلاّ خواصّ من جِلَّة الفقهاء، وأئمة العلماء، فإنهم على ما ذكرناه عن مالك ويحيى وابن معين. فهذا ما بين أهل الفقه والحديث في هذه المسألة، وهم أهل السنة. قال: وكان يحيى بن معين يقول: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته وفضله، فهو صاحب سنة. ومن قال أبو بكر وعمر وعلى وعثمان، وعرف لعثمان سابقته وفضله، فهو صاحب سُنَّة. قال يحيى بن معين: خَلَوْتُ بأحمد بن حنبل على باب عثمان بن مسلم فقلت: ما تقول؟ قال: أقول: أبو بكر وعمر وعثمان. وفي الحديث عن محمد بن طلحة عن أبي عبيدة بن الحكم عن الحكم بن جَحْل قال: قال لي علي ﵁: لا يُفَضِّلُني أحدٌ على

стр. 416

أبي بكر وعمر إلاَّ جَلدْتُه جلد المفتري. وأنكر ابن معين قول منْ قال: كُنَّا نقول على عهد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت. وتكلم فيه بكلام غليظ، لأن القائل بذلك، قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه. والأثر أن علياً أَفْضَلُ الناس بعد عثمان. هذا مما لم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان. وقول أبي الربيع: (وللزبير حواري النبي) البيت، هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ابن عبد العزيز بن قصي، وفي قصي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه، وهو حواريه، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب. وقال ﵇: "الزُّبير ابن عمتي وَحوَاري من أمتى". وقال ﵇: "لكل نبي حواريّ وحواري الزبير" وسمع ابن عمر رجلاً يقول: أنا ابن الحواري فقال: (إن كُنْتَ ابن الزبير وإلاَّ فلا). قال محمد بن السائب: الحواري الخليل، وأنشد قول جرير: أَفَبعْدَ مَقْتَلِهمْ خليلَ محمَّدٍ ... تَرجُو العُيُونُ مع الرسول سبيلا رقال غيره، الحواريُّ: النَّاصر، وأنشد: ولكنه ألقى زمام قَلُوصِه ... فيحيا كَرِيماً أو يَمُوتَ حواريا

стр. 417

وقال غيره: الحواريُّ: الصَّاحبُ المستَخلص. وقيل غير ذلك. وأصلُ الحَوَرِ في اللغة: شِدَّةُ البياض. وقوله: (وَمِلْ إلى الخَالِ سَعدٍ) يعني سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن وهب. وقيل: وهب بن عبد مناف الزهري القرشي. جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ ، فجاء سعد فقال: أنت خالي، وكان سعد مجاب الدِّعْوة مشهوراً بذلك، لأن النبي عيه السلام دعا له وقال: "اللهم سَدِّدْ سَهْمهُ وأجبْ دَعْوَتَه" وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وذلك في سرية عبيدة بن الحارث. وفي ذلك يقول سعد: ألا هَلْ جاءَ رسول الله أني ... حَمَيْتُ صحابتي بصدور نَبْلِي أذودُ بها عَدُوَّهمُ ذياداً ... بكلّ حَزُونةٍ وبِكُلِّ سَهْلِ فما يعتد رامٍ من مَعَدٍّ ... بسهمٍ مَعْ رَسُولِ الله قبلي ولما قُتِل عن راية المشركين من بني عبد الدار يوم أحد من قتل، أخذ اللواء غلام لهم أسود، وكان اللواء قد انتكس فنصبه العبد وبربر يسُبُّ. رماه سعد بسهمٍ ُأصاب ثغرته، فسقط العبد صريعاً، فأقبل أبو سفيان، وقال: منْ رَدَاهُ منْ رَدَاهُ؟ أي، منْ رماهُ، ومن أصابَه.

стр. 418

يقال: رَدَيْتَ الرجل، إذا رميته. وأكثر ما يستعمل رَدَيْتَ في رمي الحجارة. وسعد والزبير جمع رسول الله ﷺ أبويه، فقال لكل واحد منهما: "ارم فِداكَ أبي وأمي" وكان سعد بن أبي وقاص من القُرَّاء وكان يكنى أبا إسحاق. وقوله: (ذاك الأمين ابن عوف) يعني عبد الرحمن بن عوف. روى عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال: "عبد الرحمن بن عوف أمينٌ في السماء أمين في الأرض". وقال فيه عبد الرحمن: سيد من سادات المسلمين. وفي الحديث فيما روى ميمون بن مهران عن ابن عمر أن عبد الرحمن ين عوف قال لأصحاب الشورى، هل لكُم أن أخْتار لَكم، وأُشْفَى منها؟ فقال علي ﵁: أنا أولُ منْ رضي، فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: "أنت أمينٌ في أهل السَّماء، أمينٌ في أهلِ الأرض". ومناقبهم رضوان الله عليهم أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تُحْصى وتُحْصَرُ، وهمُ الأولياءُ الذين طلقوا الدنيا ثلاثاً، وتركوا أسباب زخارفها رِثَاثاً. آياتُ فضلِهم ظاهِرة، وأَقْمار شَرَفِهم وسؤدَدِهم نَيِّرَةٌ باهِرةَ، ومراتِبُهمْ عالية، وأماكِنُهم هائلة، ورحمَةُ الله عليهم مُتَواتِرةٌ مُتوالية، ﵃ أجْمعين. وقال الوزير الأجل أبو عمرو بن غياث شيخنا في رثاء ابن لأحد أعيان بلدنا: هذي المَطالِعُ أيْنَ بَدْري السَّارِي ... أَتُرى اعْتَراهُ مَدارُه بِسِرارِ أومَلَّ مطلعهُ فَمَال إلى الثَّرى ... يَسْري على فُلْكٍ به دَوَّارِ

стр. 419

هَيْهَاتَ أعْجَلَه الأُفُولُ بأفْقه ... إنَّ الأُفولَ لآفةُ الأَقْمار يا كَوْكَباً ما كانَ أَقْصَرَ عُمْره ... وكذاكَ عُمْرُ كواكِبِ الأسْحَار لَهْفي عليْكَ وقلَّ لَهْفي أن أرى ... حَيَّاً وما غيْرُ البُكاءِ شِعارِ ياموتَ كِبْدي قد أَخَذْتُ ولم تدَع ... إلاّ أنينَ الحُزْنِ تحتَ دثار أقْسمتُ لوْ أنِّي بمُقلةٍ نائم ... ما إنْ أحسَّتْ غيرَ دَمْعي الجاري بكَ كُنْتُ أُبْصِرُ يا بُنَيّ وها أنا ... أعْمى وإنيِ منْ ذوي الأبْصارِ بكَ كنتُ أسْطو أوْ أصولُ على العِدَى ... في جُنْح ليْلٍ أوْ ضياء نَهارِ بكَ كنُت مُنْتَصِراً فما أَسْلمْتَني ... للنَّائبات ولا أضَعْتَ ذماري لهْفي عَلَيْكَ وتمَّ لَهْفي دائماً ... ضَعُفَتْ قوَايَ وَبُدِّدَتْ أنصاري سلَبَتْكَ عَنِّي النَّائباتُ بسُرْعَةٍ ... سلبَ النَّواظر منْ حِمَى الأشْفار كُنْتَ المُهَنَّدَ حيْثُ شمَتُك لمْ تزَلْ ... في نُصْرتي أمْضى من الأقْدار والسّيفُ مهْما شيمَ رُدَّ لِغِمْدِهِ ... معنى الغَمُودِ صيانَهُ الأشْفارِ إنْ تَعْذِلُوني لَسْتُ أوَّلَ والِهٍ ... أوْ تَعْذِرُوني قدْ بَدَتْ أَعْذاري إنْ كُنْتُ معْتَرِفاً فمِنْ حُكْمِ الأسى ... أوْ كُنْتُ أُنْكِرُ لمْ يُفِدْ إنْكاري لوْ كانَ دَمْعي قدَّرَ بَعْضِ تَفَجُّعِي ... أَغْنى الورى عنْ وابِلِ الأمطارِ ياأيُّها المُغْتَرُّ منْ أَيَّامِهِ ... دَارِ انْقِلابَ صُرُوفِها بكَ دارِ لاتخْدَعَنْكَ بَوارِقٌ منْ أُفْقِها ... وحَذارمنها ما اسْتَطَعْتَ حَذارِ لا تخْدعَنْكَ من الزمانِ مَسَرَّةٌ ... خُلِقَ الزَّمانُ مَساءَةَ الأحرارِ وإليكِ يا دُنْيا فلسْتُ بِغافِلٍ ... عَمَّا جَرى لبََنيك أوْ هُوَ جارِ أَجَهِلْتِ ما تُطْوى عليهِ بِذي الورى ... أوَ ما درَيْتِ بأنَّني بِكِ دَارِ كَمْ كدْتِ منْ أَهْلِ العُلُومِ وغيرهِمِ ... حتَّى منَ الرُّهْبَانِ والأحْبارِ

стр. 420

وفَتَكْتِ بالأبْطالِ دُونَ أَسِنَّةٍ ... وَقَواضِبٍ فَتكاتِ ليْثٍ ضارِ وإذا قَتَلْتِ بلاَ قتالٍ لمْ يُفِدْ ... كَسْبُ المُهَنَّدِ والقَنا الخَطَّارِ دارُ الفَناء نَعُدُّها لِبَقائنا ... عيْنُ المُحالِ بَقاءُ هذي الدارِ دارُ الرَّحيلِ نعُدُّها لِقَرارِنا ... كَيْفَ القرارُ بغيرِ دارِ قرارِ مَكَّارَةٌ غَرَّارَةٌ غَدَّارَةٌ ... وثَّابَةٌ سلاَّبَة الأعْمارِ أكَّالةٌ أبْنَاءَهَا قَتَّالَةٌ ... من غيرِ خَوْفِ مُطالبِ بالثَّارِ دَرَّاكَةُ الأوْطارِ منْ مَطْلُوبِها ... قدْ أمَِّنَتْ منْ طالِب الأوتارِ إنْ أًَقْبَلَتْ فَلْتَرْتَقِبْ إدْبارَهَا ... لا بُدَّ للإقْبالِ منْ إدْبارِ أوْ أوْردَتْ فلْتَرْتَقِبْ إصْدارَهَا ... لا بُدَّ للإيرادِ منْ إصْدارِ وإذا صَفَتْ حِيناً تَشُوفُ صَفَاءَهَا ... لِلْحَيْن بالأقدارِوالأكْدارِ إسْكَنْدَرٌ طَوَّافُها جَوَّابُها ... فَتَكَتْ بِه وبِجَيْشِهِ الجَرَّارِ جَيْشٌ يَظَلُّ به الفَضاءُ مُعَضِّلاً ... تَرَكَ الإكَامَ كَأنَّهُنَّ صَحَار أيْنَ الفَراعِنة الَّذين تَمَرَّدُوا ... وتَجَبَّروا سَفَهاً على الجَبَّارِ أيْنَ الّذين إلى الرِّياحِ تعرَّضوا ... صاروا لَنا خبَراً منَ الأخْبارِ عَصَفَتْ علَيْهِم للمَنُونِ عَواصٍفٌ ... نَقَلَتهُمُ منها لدَارٍ بَوَار وهذه القصيدة طويلة، ذكربها أسماء أفناهم المَلَوان، وأخْلََق جَديدَهُم الجديدان، وعَفَّتْ آثارَهُم خُطُوبُ الأزْمان، ولا يَبْقى على الخدمان، إلاّ القائم الدَّائم الواحدُ المَنَّان، وكُلُّ شيءٍ بعْدَه فمنقطع وفان. وقوله: يا كوكباً ما كان أقصر عمره

стр. 421

البيت بكماله لأبي الحسن التهامي. وقوله: جيش يظل به الفضاء البيت بكماله للنابغة الذبياني. وقال أيضا: رجاءٌ كانَ فانْقَطَعَ الرَّجاءُ ... وللأشْياء حدٌّ وانْتِهاءُ إذا سَبَقَ القضَاءُ فلا مرَدَّ ... لِمَا فينا به سَبَقَ القَضاءُ يُريدُ المرءُ أنْ يُوتى مُناهُ ... ويأبى الله إلاّ ما يَشاءُ فلا تغْتَرَّ بالدُّنْيا وذَرْها ... فَعُقْباها وعُقْبَانَا فَنَاءُ إذا ما افْتَرَّ عنْ أمَلٍ صَباحٌ ... فرَاقِبْ مَابِهِ يَأْتي المَسَاءُ فيا مغرور إنْ أثرى تنبَّه ... فما تحتَ الثَّرى يعني الثواءُ ويا مغرور بالفاني بعز ... يسومُ الذُّل حيث هُوَ البَقَاءُ سَيَفْنى كلُّ مَخْلُوقٍ سَريعاً ... فلا يَبْقَى الخَلاءُ ولا الملاَءُ ألا يا موْتُ حَسْبُكَ لمْ تدَعْ لي ... بما يقْوى به عنْدي العزاء سَلَبْت الرُّوح عن جِسْمٍ ضعيفٍ ... فأيْنَ الرِّفْقُ أوْ أيْنَ الحَياءُ إذا لمْ تَرْثِ يَوْماً للثَّكَالى ... بَدَتْ منْكَ القَسَاوَةُ والجَفَاءُ أَلاَهَلْ مُبْلِغُ مِنِّي سلاماً ... يَهُبُّ مع الرِّياحِ به رَخَاءُ

стр. 422

إلى القبر الّذي في كُل حينٍ ... يَطوفُ بِهِ المَكَارِمُ والعلاءُ إلى شخْصٍ إذا أَنْصَفْتَ فيه ... فَقُلْ فَضُلَ الرِّجَالَ به النساءُ أسامِعَةً ندايَ إذا أُنَادي ... شقيتُ وخبْتُ إنْ خابَ النِّداءُ دعوتُ وما أرى لكِ منْ جَوابٍ ... أيَنْبو عنْ مَسَامِعِك الدُّعاءُ بَكَتْكِ إذاً عَدِمْت الأُنْسَ حتى ... بكتْ لي الأرْضُ حُزْناً والسّماءُ وكادَتْ شُهْبُهاتَنْقَضُّ ثَكْلى ... لِتَبْكِيني وأَدْمُعُها دِماءُ فكمْ أخْفَيْتُ حُبَّكِ في ضميري ... وأمّا الآنَ قدْ بَرَحَ الخَفاءُ ولوْ يُجْدي البُكاءُ عَلَيكِ شيْئاً ... لكانَ لكُلِّ جارِحَةٍ بُكاءُ ولوْ تُفْدى من الدُّنيا بشَيْءٍ ... لقَلَّ بما حَوَتْهُ لَها الفِداءُ وَلَوْ وقِيتْ بشيءٍ منْ رَدَاها ... لَدامَتْ والنُّفوسُ لَها وقاءُ ومنها: فلَيْتَكِ في مَحَلك منْ فُؤادي ... دُفِنت ولا يَطُولُ بيَ الشَّقاءُ وإلاّ في سَوادِ العينْ منِّي ... فعيني فيكِ أوْ قَلْبي سَواءُ فإنَّكِ قدْ ثَويتهما زماناً ... وليتَ يَدُومُ بيْنَهُما الثَّواءُ ومنها: عَجِبْتُ لهالَةٍ عَجِلَتْ أُفولاً ... وَكَمْ عن ..... فَيا بعضي فقدْتَ الكُلَّ مِنِّي ... وهَلْ للبَعْضِ عنْ كلِّ بَقاءُ سأَدْعو الله في سِرٍّ وجَهْرٍ ... مَحَلكِ حيثُ حَلَّ الأَوْلِياءُ

стр. 423

ونَفْسي سوفَ تُقْضى عنْ قريبٍ ... وليس ِلحُزْنها فيك ِانْقِضاءُ قوله: يريد المرءُ أنْ يوتى مُناه البيت بكماله لأبي الدرداء عويمر بن عامر وقيل ابن قيس الأنصاري ﵀، روى من حديث ابن عيينة، ومن حديث إسماعيل بن عباس أيضاً، أنه قيل لأبي الدرداء: مالكَ لا تقول الشعر، وكل لبيب من الأنصار قال الشعر. قال: وأنا قد قُلْتُ شعراً. فقيل: وما هو فقال: يريد المرء أن يُؤتَى مناه ... ويَأْبَي الله إلاّ ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتَقْوَى الله أَفَضَلُ ما استفادا كذا قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيره. وقال الوزير أبو عمرو أيضاً: سَحُّوا دُمُوعَكُمْ وإلاّ كَفْكِفُوا ... فالمجد يبْكي والمَكارمُ تَهْتِفُ والحُزْنُ جَلَّ كَأَنَّما هذا الورى ... يعْقوبُ والمفْقودُ منهُ يوسُفُ رُزْءٌ عَظيمٌ حلَّ حتَّى إنَّه ... لِوُقُوعهِ اهتزَّ المَقامُ الأشْرَفُ ياكَوْكَباَ أوْ يا هِلالاً اطْفَأَتْ ... أنوارهُ ريحٌُ ولكنْ حرْجَفٌ

стр. 424

هَلْ تُكْسَفُ الأقْمارُ غيرُ كوامِلٍ ... أعَلِمْتُمُ أنّ الأهِلَّةَ تُكْسَفُ بَكَتِ السماءُ لفَقْدِهِ ونُجُومها ... والأرضُ قدْ كادَتْ تَميدُ وترْجُفُ ونَعَتْهُ إذْ سَمِعَتْ بهِ أمُّ القُرى ... وبَكى الحطيمُ وزمزم ومُعَرَّفُ والعالمُ الأعْلى يطيبُ بقبْرهِ ... وعليه أفْواجُ المعالي عُكَّفُ عجباً لقبْرٍ حلَّ منه ضريحُهُ ... أنْ ليسَ يَنْبُتُ في ثراه الزخرفُ لو كانَ بالدُّنْيا الذي بي أصبحت ... منها المعالم وهْيَ قاعٌ صَفْصَفُ ياليتهمْ دَفَنوه بين جوانحي ... تسقيه فيها سَحْبُ دمعي الوكَّفُ أوَ ليْسَ أهْلُ الأرضِ طُرّاً أُثكِلوا ... فجُفُونُهُمْ أبداً نجيعاً تذْرِفُ سُكَّانَ أَحْنَاءِ الجوانح ربعُكم ... منكم خلاءٌ والأسى مُسْتَخلف عيناي أفْقَدني الرَّدى إحداهما ... أَوَ ليست الأخرى لدمعي تضعُفُ ويدايَ أفقَدني الردى يُمْناهما ... وليست الأخرى ... تعطف والقصيد طويل، ولفظه لفظ جزيل، ومعناه معنى جليل، والنظير في مساقه نزرٌ قليل. وكلام الوزير الأجلِّ كلّه رفيع، ومنحاه بديع، يحلُّ من القلوب في صميمها، ويزين العيون بهجة بأزاهر آداب حياة النفوس في نسيمها، كثيراً ما يأتي بالمبدعات، ويبرز من خاطره أنواع المعجزات، حتى كان ما أنزل على الملكين أو مرتبط في مُجَاجِ أقلامه. وفي رثاء أحد الأعيان يقول أبو الحسن بن عطية ﵀: كذَبَتْ ظُنُونُكَ ما العَزاءُ جَميلا ... أو ما رأيتَ َدمَ العُلا مَطْلُولا

стр. 425

هذا جَوادُ أبي شجاعٍ مُخْبِراً ... أن الجواد انقضَّ منه قتيلا ولَطالما لَبِسَ الدُّروعَ غَلائلاً ... ولطالما جَرَّ الرّماحَ ذُيولا وسَرى إلى الغاراتِ وهْي كتيبة ... مِلْء الفضاء فَوارِساً وخُيُولا واسْتَقبَلَ الزَّمَنَ البَهِيم فَلمْ تزلْ ... أيَّامُهُ غُرَراً به وحُجُولا حتى اسْتَفاضَ عليه بَحْرُ حِمامِه ... يَرْبَدُّ فيه أَسِنَّةً ونُصُولا في مأزِقٍ ضنَْك المسالك رَتَّلَتْ ... فيه الظُّبَى سُوَر الرَّدى تَرتيلا حَامَ الكُماةُ فكَرّ كَرَّةَ ضيغمٍ ... لم يرْض إلا السَّمْهريَّة غِيلاَ لَبِسَ الشهادَةَ حُلَّةً حمراء منْ ... عَلَقٍ تَعُمُّ السَّامِريّ فُضولا يا شَدَّ ما اتَّخَذَ المنية خِلَّةً ... منْ بعْدِ ما اتَّخَذَ الحُسامَ خَليلا وأجالَ عادِيةَ الجيادِ مُحَارباً ... وأذالَ أعْناقَ التِّلادِمُنيلا يا رَاحِلاً رَكِبَ الحِمَامَ مَطِيَّةً ... هَلْ تَرْتَجي بعْدَ الرَّحيلِ ٍقفولا غَادَرْتَ مَعْمُورَ المَكارِمِ بَلْقعاً ... وتَرَكتَ رَبعَ المَعْلُوّاتِ مَحيلاْ إنْ كُنْتَ وَدَّعْتَ الحَياةَ فإنَّما ... ودَّعْتَ داءً في القلوب دخيلا إنْ كانَ واراكَ الصَّفيحُ فإنَّما ... وارى رَقيقَ الشَّفْرتينِ صقيلا أزْرى بهِ طُولُ الضِّرابِ وغادَرَتْ ... في مضْربيه الحادثاتُ فُلولاَ أمَّا الأنامُ عُيُونُهم وقُلُوبُهم ... فلقد مُلئنَ مَدامِعاً وَغليلاَ عِنْدِي حديثٌ عنْ وجيبِ ضُلُوعهم ... لوْ كنت تُصْغي للحَديثِ قليلا لمْ تبقِ منْ نطفِ المَدامعِ قَطْرةً ... إلاّ وراحَ مَصُونُها مَبْذُولا
следующие страницы →