← Адаб

Адаб · id 13666

كنز الكتاب ومنتخب الأدب

البونسي

Полный текст (772 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

البيت بكماله لأبي الحسن التهامي. وقوله: جيش يظل به الفضاء البيت بكماله للنابغة الذبياني. وقال أيضا: رجاءٌ كانَ فانْقَطَعَ الرَّجاءُ ... وللأشْياء حدٌّ وانْتِهاءُ إذا سَبَقَ القضَاءُ فلا مرَدَّ ... لِمَا فينا به سَبَقَ القَضاءُ يُريدُ المرءُ أنْ يُوتى مُناهُ ... ويأبى الله إلاّ ما يَشاءُ فلا تغْتَرَّ بالدُّنْيا وذَرْها ... فَعُقْباها وعُقْبَانَا فَنَاءُ إذا ما افْتَرَّ عنْ أمَلٍ صَباحٌ ... فرَاقِبْ مَابِهِ يَأْتي المَسَاءُ فيا مغرور إنْ أثرى تنبَّه ... فما تحتَ الثَّرى يعني الثواءُ ويا مغرور بالفاني بعز ... يسومُ الذُّل حيث هُوَ البَقَاءُ سَيَفْنى كلُّ مَخْلُوقٍ سَريعاً ... فلا يَبْقَى الخَلاءُ ولا الملاَءُ ألا يا موْتُ حَسْبُكَ لمْ تدَعْ لي ... بما يقْوى به عنْدي العزاء سَلَبْت الرُّوح عن جِسْمٍ ضعيفٍ ... فأيْنَ الرِّفْقُ أوْ أيْنَ الحَياءُ إذا لمْ تَرْثِ يَوْماً للثَّكَالى ... بَدَتْ منْكَ القَسَاوَةُ والجَفَاءُ أَلاَهَلْ مُبْلِغُ مِنِّي سلاماً ... يَهُبُّ مع الرِّياحِ به رَخَاءُ

стр. 422

إلى القبر الّذي في كُل حينٍ ... يَطوفُ بِهِ المَكَارِمُ والعلاءُ إلى شخْصٍ إذا أَنْصَفْتَ فيه ... فَقُلْ فَضُلَ الرِّجَالَ به النساءُ أسامِعَةً ندايَ إذا أُنَادي ... شقيتُ وخبْتُ إنْ خابَ النِّداءُ دعوتُ وما أرى لكِ منْ جَوابٍ ... أيَنْبو عنْ مَسَامِعِك الدُّعاءُ بَكَتْكِ إذاً عَدِمْت الأُنْسَ حتى ... بكتْ لي الأرْضُ حُزْناً والسّماءُ وكادَتْ شُهْبُهاتَنْقَضُّ ثَكْلى ... لِتَبْكِيني وأَدْمُعُها دِماءُ فكمْ أخْفَيْتُ حُبَّكِ في ضميري ... وأمّا الآنَ قدْ بَرَحَ الخَفاءُ ولوْ يُجْدي البُكاءُ عَلَيكِ شيْئاً ... لكانَ لكُلِّ جارِحَةٍ بُكاءُ ولوْ تُفْدى من الدُّنيا بشَيْءٍ ... لقَلَّ بما حَوَتْهُ لَها الفِداءُ وَلَوْ وقِيتْ بشيءٍ منْ رَدَاها ... لَدامَتْ والنُّفوسُ لَها وقاءُ ومنها: فلَيْتَكِ في مَحَلك منْ فُؤادي ... دُفِنت ولا يَطُولُ بيَ الشَّقاءُ وإلاّ في سَوادِ العينْ منِّي ... فعيني فيكِ أوْ قَلْبي سَواءُ فإنَّكِ قدْ ثَويتهما زماناً ... وليتَ يَدُومُ بيْنَهُما الثَّواءُ ومنها: عَجِبْتُ لهالَةٍ عَجِلَتْ أُفولاً ... وَكَمْ عن ..... فَيا بعضي فقدْتَ الكُلَّ مِنِّي ... وهَلْ للبَعْضِ عنْ كلِّ بَقاءُ سأَدْعو الله في سِرٍّ وجَهْرٍ ... مَحَلكِ حيثُ حَلَّ الأَوْلِياءُ

стр. 423

ونَفْسي سوفَ تُقْضى عنْ قريبٍ ... وليس ِلحُزْنها فيك ِانْقِضاءُ قوله: يريد المرءُ أنْ يوتى مُناه البيت بكماله لأبي الدرداء عويمر بن عامر وقيل ابن قيس الأنصاري ﵀، روى من حديث ابن عيينة، ومن حديث إسماعيل بن عباس أيضاً، أنه قيل لأبي الدرداء: مالكَ لا تقول الشعر، وكل لبيب من الأنصار قال الشعر. قال: وأنا قد قُلْتُ شعراً. فقيل: وما هو فقال: يريد المرء أن يُؤتَى مناه ... ويَأْبَي الله إلاّ ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي ... وتَقْوَى الله أَفَضَلُ ما استفادا كذا قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيره. وقال الوزير أبو عمرو أيضاً: سَحُّوا دُمُوعَكُمْ وإلاّ كَفْكِفُوا ... فالمجد يبْكي والمَكارمُ تَهْتِفُ والحُزْنُ جَلَّ كَأَنَّما هذا الورى ... يعْقوبُ والمفْقودُ منهُ يوسُفُ رُزْءٌ عَظيمٌ حلَّ حتَّى إنَّه ... لِوُقُوعهِ اهتزَّ المَقامُ الأشْرَفُ ياكَوْكَباَ أوْ يا هِلالاً اطْفَأَتْ ... أنوارهُ ريحٌُ ولكنْ حرْجَفٌ

стр. 424

هَلْ تُكْسَفُ الأقْمارُ غيرُ كوامِلٍ ... أعَلِمْتُمُ أنّ الأهِلَّةَ تُكْسَفُ بَكَتِ السماءُ لفَقْدِهِ ونُجُومها ... والأرضُ قدْ كادَتْ تَميدُ وترْجُفُ ونَعَتْهُ إذْ سَمِعَتْ بهِ أمُّ القُرى ... وبَكى الحطيمُ وزمزم ومُعَرَّفُ والعالمُ الأعْلى يطيبُ بقبْرهِ ... وعليه أفْواجُ المعالي عُكَّفُ عجباً لقبْرٍ حلَّ منه ضريحُهُ ... أنْ ليسَ يَنْبُتُ في ثراه الزخرفُ لو كانَ بالدُّنْيا الذي بي أصبحت ... منها المعالم وهْيَ قاعٌ صَفْصَفُ ياليتهمْ دَفَنوه بين جوانحي ... تسقيه فيها سَحْبُ دمعي الوكَّفُ أوَ ليْسَ أهْلُ الأرضِ طُرّاً أُثكِلوا ... فجُفُونُهُمْ أبداً نجيعاً تذْرِفُ سُكَّانَ أَحْنَاءِ الجوانح ربعُكم ... منكم خلاءٌ والأسى مُسْتَخلف عيناي أفْقَدني الرَّدى إحداهما ... أَوَ ليست الأخرى لدمعي تضعُفُ ويدايَ أفقَدني الردى يُمْناهما ... وليست الأخرى ... تعطف والقصيد طويل، ولفظه لفظ جزيل، ومعناه معنى جليل، والنظير في مساقه نزرٌ قليل. وكلام الوزير الأجلِّ كلّه رفيع، ومنحاه بديع، يحلُّ من القلوب في صميمها، ويزين العيون بهجة بأزاهر آداب حياة النفوس في نسيمها، كثيراً ما يأتي بالمبدعات، ويبرز من خاطره أنواع المعجزات، حتى كان ما أنزل على الملكين أو مرتبط في مُجَاجِ أقلامه. وفي رثاء أحد الأعيان يقول أبو الحسن بن عطية ﵀: كذَبَتْ ظُنُونُكَ ما العَزاءُ جَميلا ... أو ما رأيتَ َدمَ العُلا مَطْلُولا

стр. 425

هذا جَوادُ أبي شجاعٍ مُخْبِراً ... أن الجواد انقضَّ منه قتيلا ولَطالما لَبِسَ الدُّروعَ غَلائلاً ... ولطالما جَرَّ الرّماحَ ذُيولا وسَرى إلى الغاراتِ وهْي كتيبة ... مِلْء الفضاء فَوارِساً وخُيُولا واسْتَقبَلَ الزَّمَنَ البَهِيم فَلمْ تزلْ ... أيَّامُهُ غُرَراً به وحُجُولا حتى اسْتَفاضَ عليه بَحْرُ حِمامِه ... يَرْبَدُّ فيه أَسِنَّةً ونُصُولا في مأزِقٍ ضنَْك المسالك رَتَّلَتْ ... فيه الظُّبَى سُوَر الرَّدى تَرتيلا حَامَ الكُماةُ فكَرّ كَرَّةَ ضيغمٍ ... لم يرْض إلا السَّمْهريَّة غِيلاَ لَبِسَ الشهادَةَ حُلَّةً حمراء منْ ... عَلَقٍ تَعُمُّ السَّامِريّ فُضولا يا شَدَّ ما اتَّخَذَ المنية خِلَّةً ... منْ بعْدِ ما اتَّخَذَ الحُسامَ خَليلا وأجالَ عادِيةَ الجيادِ مُحَارباً ... وأذالَ أعْناقَ التِّلادِمُنيلا يا رَاحِلاً رَكِبَ الحِمَامَ مَطِيَّةً ... هَلْ تَرْتَجي بعْدَ الرَّحيلِ ٍقفولا غَادَرْتَ مَعْمُورَ المَكارِمِ بَلْقعاً ... وتَرَكتَ رَبعَ المَعْلُوّاتِ مَحيلاْ إنْ كُنْتَ وَدَّعْتَ الحَياةَ فإنَّما ... ودَّعْتَ داءً في القلوب دخيلا إنْ كانَ واراكَ الصَّفيحُ فإنَّما ... وارى رَقيقَ الشَّفْرتينِ صقيلا أزْرى بهِ طُولُ الضِّرابِ وغادَرَتْ ... في مضْربيه الحادثاتُ فُلولاَ أمَّا الأنامُ عُيُونُهم وقُلُوبُهم ... فلقد مُلئنَ مَدامِعاً وَغليلاَ عِنْدِي حديثٌ عنْ وجيبِ ضُلُوعهم ... لوْ كنت تُصْغي للحَديثِ قليلا لمْ تبقِ منْ نطفِ المَدامعِ قَطْرةً ... إلاّ وراحَ مَصُونُها مَبْذُولا

стр. 426

مازِلْتَ صَبَّاً بالشهادةِ في الوغى ... حتى وجدْتَ إلى الوصال سبيلا فبكى الحصانُ الأعْوَجِيّ تَحَمْحُماً ... والهُنْدُ وانيّ الجُرازُ صليلا واغرورقت عينُ السَّماءِ ورُبَّما ... رفعتْ كواكِبُها عليكَ عويلا وتَغيَّر الصُّبْحُ المُنيرُ فَخِلْتُهُ ... ممَّا تَسَرْبَلَ بالشَّحوبِ أَصيلا ياحسرةً نفتِ الرقادَ وأَطْلَعتْ ... للشَّيْبِ في رأس الوليد نُصُولا ما كانَ أجْدرَنا لمَصْرَعِ أرْقم ... أنْ تَغتدي بي حيثُ حلَّ حُلُولا أببعده نَبْغي الحياةَ إذنْ فلا ... نَقَعَ م البُكا منَّا عليه غليلا قُلْ للمؤمل كُفَّ عنْ شَأوِ المُنى ... رمت المنُونُ فأصمَتِ المأمولا واهْتِفْ بَمَنْ رَكِبَ السُّرى نَسْراً فَمَا ... تُجْدي السُّرى بعد الوزير فتيلا خَلَعَ ابنُ لَبُّونٍ ثيابَ حَياتِهِ ... فاخْلَعْ وجيفاً بعْده وذميلا يا حامِليه إلى الثَّرى رِفْقاً به ... فالمجدُ أصبح للثَّرى مَحْمولا خُضُّوا به قلبي الشجيَّ لفقدِه ... ولْتَجْعَلُوه من الضريح بَديلا أوْ فاكفليه يا سماءُ فإنه ... مااعْتادَ نجْمٌ في سِواكِ أُفولا كان الشِّهاب المستضيء فلم يَنُبْ ... عنْ نُوره نور السماك دليلا

стр. 427

كان الغمامَ المُسْتَهل فما لنا ... نشْكو وإنْ همت السحاب مُحُولاَ عَظُمَ المُصابُ وقدْ أُصيبَ بَمَعْرِك ... أخذَتْ بهِ منْهُ العُداةُ ذُحولا والرُّزْءُ ليسَ يَحُلُّ أوْ يُلْفِي الذي ... أَصْماه سهمُ الحادِثاتِ جليلا أين الذي ْهُدِمَتْ صَوارِمُه الطَّلى ... وغدا بتشْييدِ العلاءِ كفيلا أيْنَ الذي مَلَكتْ حُلاهُ نَواظِراً ... ومَسامِعاً وقرائحاً وعُقُولا وسَرى فَسَميْنا النجوم حَبّا حَبَا ... وحَباً فَسَمَّيْنا الغمامَ بَخيلا من ذاْ يَسُدُّ مَكانَه في غارَةٍ ... تَرَكَتْ سوابقها الحزُونَ سُهُولا أمْ منْ يُنُوبُ منابَه لحوادث ... تَذَرُ العَزيزَ بحكمهن ذليلا أوَ لَمْ يكن يغشى الحُروبَ منَازِلاً ... فيشبُّها بحُسامه مسْلُولا أَوَ ما غَدا بِجياده فتَبَخترت ... مَرَحاً وَرَجَّعَت الغناءَ صهيلا ما بالُهُ نبَذَ السَّوابح والقنا ... وأقامَ عنْ شُغْلٍ بها مَشْغولا ما بالُه تَرَكَ الجُفونَ سَحائباً ... ما بالُه تركَ الجُسُومَ طُلُولا يا دَهْرُ أما غِلْتَ منه مُثَقَّفاً ... لَدْنَ المِهَزِّ وصارماً مصقولا يا قبرُ كيفَ وسعت منه سحابة ... وَطْفاء ساجية الذُّيولِ هَطُولا قدْ زُرْتُ موضِع قبره فكأنّما ... قابَلْتُ منه روْضَةً وقَبُولا ونشرْتُ حرَّ ثنائهِ فكأَنما ... عاطيْتُ منهُ السامعين شَمولا

стр. 428

ما رَاعَنا موْت الوزير فلمْ يزَلْ ... حَيّاً لِمَنْ يَتَأَوَّلُ التَّنْزيلاَ لكِنْ جَزِعْنا للفراقِ وقدْ نَوى ... عَنَّا إلى دارِ القرارِ رَحيلا الله أنْزلَهُ الجِنَانَ ومَدَّ منْ ... رضْوانه ظِلاًّ عليهِ ظليلاَ وقال أبو الحسن أيضاً: ألا يا واقِفاً بي عنْدَ قَبْري ... سَلِ الأجْداثَ عنْ صرفِ الليالي وعنْ حالي فإنْ عَيَّتْ جَواباً ... فعبْرتُها تُجيبُ أَخا السُؤالِ لئنْ شمِتَ العدُوَّ بِنا فَمَهْلاً ... سَيُنْقَلُ للصفائح كانتقالي وأيُّ شَماتَةٍ في ترْكِ دُنْيا ... لِذي أملٍ رأى عنها ارْتِحال وكنتُ أُقيمُ بين النَّاسِ فيها ... فصرت إلى المُهَيْمن ذي الجلالِ ومعنى هذه القطعة من قول الحُصْرِي في ابنه: لا يَشْمَتَنَّ الأعادي ... فليس بالموتِ عارُ لا الياسمينُ المندَّى ... يبقى ولا الجُلُّنَارُ وقال أبو الحسن أيضاً:

стр. 429

أَإِخْوانُنَا والموتُ قد حالَ بيننا ... وللموت حكم نافذٌ في الخلائٍق سبقتكم للحين والعمر حلبة ... وأعلم أن الكل لا بُدّ لا حِقي بِعيشكم أو با ضطجاعي في الثَّرى ... ألم يكُ في حلوٍ من الودّ رائق فمن مرّ بي فليمض بي مترحّماً ... ولا يك منسيّا وفاء الأصادقِ وقال أبو الحسن أيضاً: بيْني وبينَ الحادِثاتِ خِصامُ ... فيما جَنَته على العُلاَ الأيَّامُ كسَفت هِلالَ سَمائها منْ بَعْدما ... وافاهُ منْ كرمِ الخلال تَمامُ ورَمتْ قضيبَ رِياضها بتَقَصفٍ ... غَضّاً سقاه منَ الشّبابِ غَمامُ فاليَوْمَ بُستانُ المَكارِمِ ما حِلٌ ... واليومَ نُورُ المَعْلُواتِ ظلاَمُ رامتْ صُرُوفُ الحادِثاتِ فأدْرَكَتْ ... منْ كانَ لم يبْعدْ عليه مَرَامُ أوْدَتْ بِمُهْجَتِهِ اللّيالي بعْدَما ... فخَرتْ بهِ الأسْيافُ والأقْلامُ وغدا وراحَ المجْدُ ذا ثقةٍ بهِ ... أنْ يردعَ الأحداثَ وهْيَ جِسامُ وبدَتْ عليه منْ حُلاه شَمائلُ ... لا تَهْتَدي لِنُعُوتِها الأوْهامُ كالرّوْضِ لمّا دَبَجتْه غَمامَةٌ ... والمسْكُ لمّا فُضّ عنهُ خِتام ناحَتْ عليهِ الشهبُ وهي عَوابِسٌ ... وبَكى عليه الغيمُ وهْوُ جَهَامُ وانْجابَ ظِلُّ الأُنْسِ فهوَ مقلَّصٌ ... وامتدَّ ليلُ الخطْبِ فهوَ تَمامُ وارْبَدَّ نورُ الشمس في رَأْد الضُّحى ... حتّى استوى الإشْراق والإظلامُ

стр. 430

ما للمَدامِعِ لا يطَلُّ بها الثرى ... والسَّادَة الكُبراء فيه نِيامُ أكَذا يُبادُ حُلاحلٌ ومُهَذَّب ... أكذا يُقالُ مُسَوَّدٌ وهُمام تعس الزّمانُ فإنما أيّامُهُ ... وَمُقامُنا في ظِلِّها أحْلامُ لَتَرى الدِّيارَ وهُنَّ بعدَ أنيسها ... دُرُس المَعالِمِ والجُسُومُ رِمامن والنسرُ مقْتنصٌ بأشراك الردى ... وبناتُ نَعْشٍ في الدُّجى أيتامُ بأبِي قتيلٌ قَاتِلٌ حُسْنَ العزا ... مُذْ أقصدته من المنُونِ سهامُ غدَرتْ به أمُّ اللُّهَيْمِ وَطالما ... فلَّ الخميسَ المجْرَ وَهْوَ لُهَامُ وأبى له إلاّ الشهادَةَ ربُّه ... ومَضاؤُهُ والبَأْسُ والإقْدامُ يا عيْنُ شَانُكِ والمدامعُ فَاسْجِمي ... ولْتَعْلَمي أنَّ الهُجوع حرامُ إنَّ الذي كان الرجاءُ مُشيَّداً ... بِوفائه غَدَرَتْ به الأيامُ فتكَ الرَّدى بأبي شُجاعٍ فَتكَةً ... زَلَّتْ لها رَضْوى وخرَّ شَمَامُ فُقِدَتْ لها الآدابُ والألْباب ... والأحْسابُ والإسْراجُ والإلْجامُ بَدْرٌ ولَيْثٌ أَقْفَرتْ منْ نُورهِ ... وآبائهِ الهالاتُ والآجامُ نَدَبَتْهُ أبْكارُ الحُرُوبِ وعُونُها ... وبكاهُ حِزْبُ الله والإسلامُ أيُّ السُّيوفِ قَضى عليه وبينَهُ ... قِدْماً وَبَيْنَ ظُبا السُّيوفِ ذمامُ

стр. 431

وبأيّ لحْدٍ أوْ دَعُوه وإنه ... ماقَطُّ أودِعَ في الضّريحِ حُسامُ ما كانَ إلاّ التبْرُ أُخلِصَ سبكُهُ ... فاسْتَرْجَعَتْهُ تُرْبَةٌ ورغامُ يا حامِليه قِفوا عليْنا وقْفَةً ... يَشْفى بها قبلَ الوداعِ هُيامُ رُدُّوا وليَّ الله حتَّى نَشْتفي ... من أروعِ شُفيتْ بِهِ الآلامُ لا تُسْلِمُوهُ إلى الثَّرى فلسيفه ... مُذْ كان مِنْ أعدائه استسلامُ ولتدْفِنُوه في الجَوانِح والحشا ... إنْ كانَ يُقْنِعه بهن مقامُ واسْتَنْشِقُوا لِثَنائهِ عَرْفاً كما ... يَنْحطُّ عنْ نَفْسِ الصَّباحِ لِثامُ أعْززْ عليّ بِزَهْرةٍ مَطْلُولة ... أمْسَتْ ولا غيْرَ الضَّريح كِمَامُ أعزِزْ عليَّ بِضيغم ذي سَطْوةٍ ... أجَمَاتُه بعد الرِّماح رِجَامُ إنْ كانَ أَفْنَتْهُ الحُرُوبُ فشَدَّما ... فنِيَتْ بِمُنْصُله الطلى والهامُ أَوْرَاحَ مَهْجورَ الفِناء فَطالَما ... هَجَرَتْ به أرْواحَها الأجْسامُ أمُضرّجاً بِدِ مائه هي ميتَةٌ ... وقْفٌ عليها السَّيّد القمقامُ البأسُ والإقدامُ أوْ ردكَ الرَّدى ... إنْ كان أنجَى غيرَك الإحجامُ

стр. 432

قدْ كنتَ في ذاكَ المُقامِ مُخَيَّرا ... لكنْ ثبتَّ وزلّتِ الأقدامُ لم تُلف فيه سِوى الفرارأو الرَّدى ... فاخترتَ صِرْفَ الموتِ وَهْوَ زُؤامُ فأَبَتْ لَكَ الذَّمَّ المكارِمُ والعُلا ... والسَّمّهريُّ اللدنُ والصمصامُ اللَّيلُ بعْدَكَ سَرْمدٌ لا ينقضي ... فكأنما ساعاتُه أعوامُ والأُنْسُ غمٌّ والسُّرورُ كآبةٌ ... والنَّومُ سُهْدٌ والحياةُ حمامُ لمن اطَّرَحْتَ المجدَ وَهْوَ كأنه ... طُللٌ تُعَفِّيهِ صَباً وغمامُ ولمنْ تركتَ الصَّافِنات كأنها ... موسُومَةٌ باللؤمِ وَهْيَ كِرَامُ ولقدْ عَهِدْتُكَ كوكباً أبراجُهُ ... جُرْدُ المذاكي والسّماءُ قَتامُ وعَهِدْتُ سيْفَكَ جَدْوَلاً في وَرْدِهِ ... يَوْمَ الكريهَةِ للنُّفوسِ زِمامُ بَكَتِ السَّوابقُ منْ تَسَمَّى أرْقماً ... والحرْبُ سلْمٌ إنّه ضرغامُ زفرتْ لموتِ أبي شجاعِ زفرةً ... لم يَبْقَ سَاعتَها لَهُنَّ حِزامُ عَمَّتْ رَزِيَّتُه القُلوبَ فَكُلُّها ... كَأْسٌ وأنواعُ الهُمومِ مُدامُ كَثُرَ العَوِيلُ عليه يومَ نَعِيِّه ... حتّى كأن العالمينَ حِمَامُ وَحَكَتْ دموعَ الغانياتِ عقُودُها ... لو لم يَكُنْ لِعُقُودِهِن نِظام يا حامِلينَ النَّعْشَ أيْنَ جِيادُه ... يا مُلْبِسيه التُّرْبَ أيْنَ اللامُ أيْنَ السَّماحةُ والفَصاحَةُ والنُّهى ... منهُ وأيْنَ الجُودُ والإكرامُ

стр. 433

أضْحى لعمرُ الله دون جلاله ... سَتْرٌ منَ الأجداث ليس يُرامُ أأبا شجاعٍ إنْ حُجِبْتَ بربوةٍ ... فالزَّهْرُ مَنْبتُه رُبى وأكامُ قُمْ تبصر الخفراتِ حولكَ حُسَّراً ... إنْ كان يُمكنكَ الغداة قيامُ واسمعْ عَويلَ بُكائها فلقد بكتْ ... لِبُكائها الأصْواءُ والأعْلامُ ضَجَّتْ لِمَصْرَعِكَ النَّوادِبُ ضجَّةً ... سَدَّتْ مسَامِعها لها الأيَّامُ أبْشِرْ بِدارِ الخُلْدِ منكَ بِمَوْعِدٍ ... واهنأْ فَفيها غِبْطَةٌ ودَوامُ مرَّ الغمامُ على ثَراكَ محيِياً ... فَعلى الغمامِ تحِيَّةٌ وسلامُ هاهنا كمل الباب بعون الله وتأييده.

стр. 434

الباب الثالث: في حكايات حسان وأخبار ملوك وأعيان قال أبو اسحاق: وقد جَمَعْتُ في هذا الباب جُمْلةً من حكاياتٍ مُسْتغرِبة، مُشْتَمِلَةٍ على أخْبار مُسْتَعْذَبَة، تَضَمَّنتْ مَحاسِنَ أعْيانٍ وملوك، تَحَلَّتْ أزْمانُهُم منْ فَضائلهم بقلائدَ وسُلوك. عَمَروا أنْدية النَّشوة، وارتشفوا ثُغُورَ الأماني عَذْبَةً حُلْوة، في عزٍّ مُتَّصل الإقبالِ، وسعْدٍ مُبينِ الأسْبابِ والحِبال، وقمَعُوا الطُّغاة والعِدى، وأحْيَوا ماماتَ منَ البذْلِ، والنَّدى، وتشَمَّروا نحو الوَغى، وأَظْهَروا سَنَنَ الهُدى، واسْتَرخصوا الحمْدَ بالثَّمنِ الغالي، ونالوا العُلى والمَعالي. ففي تِلْكَ الشيم والشمائل يَحْسُنُ قوْلُ القائل: يا أيها التالي كتاب محاسن ... هو ذلك القصصُ المُعَلَّى فاقصُصِ وكان للأدب في أيامهم نَفَاقٌ، ولأهله رواء وإشراق، أنا لوهم المبرة والإكرام، وأفاضوا عليهم سوابغ النعم والإنعام، وقلدوهم بعض الأمور، فأقاموا في أوانهم في ثروة برّ وحبور، فنظموا أسلاك القريض من مدائحهم، ونشر مفاخرهم، ودوّنوا حسن سيَرهم وآثارهم. حكى الوزير الكاتب أبو المغيرة بن حزم عن نفسه. قال:

стр. 435

نادمت المنصور بن أبي عامر في منية السرور الجامعة بين روضة وغديرِ، فلمّا تَضمخَ النّهار بزعفران العشيّ، ورفرف غراب الليل الدَّجوجي، وأسبل الليل جنحه، وتقلّد السماك رمحه، وهمّ النسر بالطيران، وعام في بحر الأفق زورق الدَّبَران، أَوْ قَدْنا مصابيح الراحِ واشْتمَلْنا مُلاَء الارْتِياح، وللدَّجْنِ فَوْقَنا رِواقٌ مَضْروب، غنَّتْنا عنْدَ ذلك جاريةٌ منْ جواريه تُسَمَّى أنس القلوب: قدمَ الليْلُ عند سيرِ النَّهار ... وبدَ البدْرُ مِثْلَ نصف سِوارِ فكَأن النَّهار صفْحةُ خَدٍّ ... وكأنَّ الظلام خَطُّ عذارِ وكَأنَّ الكؤوس جامدُ ماءٍ ... وكأنّ المُدامَ ذائبُ نارِ نظري قد جنى عليّ ذنوباً ... كيف مما جنته عيني اعتذاري يَالَقَوْمِي تعجّبوا منْ غزالٍ ... جائر في محبتي وهو جاري ليت لو كان لي إليه سبيلٌ ... فأقضيَ من حبِّه أوْ طاري قال: فَلَمّا أكْملت الغناء، أحْسسْت بالمعنى فقلت: كيف كيف الوصول للأقمار ... بين سُمر القنا وبيض الشفارِ لو علمنا بأنّ حبك حقٌّ ... لطلبنا الحياة منك بثارِ وإذا ما الكرام همّوا بشىءٍ ... خاطَروا بالنُّفوسِ في الأخْطار قال: فعند ذلك بادر المنصور إلى حُسامه، وغلّظَ في كلامه، وقال لها، قولي واصدقي إلى منْ تُشيرين بهذا الحنين والتشوق. فقالت الجارية: إنْ كان الكذبُ أنْجى فالصدقُ أولى وأحرى. والله ما كانت إلاّ نظرةٌ ولَدتْ في القلب فكرة فتكلم الحُبُّ على لساني، وبرَّح الوَجْدُ بكتماني، والعَفْوُ مضمونٌ

стр. 436

عنكَ عند المقدرة، والصَّفح معلومٌ منك عند المعذرة، ثم بكت، فكأنَّ دمعها دُرٌّ تناثر منْ عِقْدٍ، أوطلٌّ تساقط منْ وردٍ، وأنْشدَتْ: أذنبتُ ذنْبا عظيما ... فكيف منه اعتذاري والله قدّر هذا ... ولم يكن باختياري والعفو أحسن شيءٍ ... يكونُ عند اقتِدارِ قال: فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إليَّ، وسلَّ سيفَ السَُّخْط عليَّ. فقلتُ: أيَّدَكَ الله، إنَّما كانت هَفْوَةٌ جَرّها القَدرُ، وصَفْوةٌ ولَّدها النَّظر، وليسَ للمرءِ إلاّ ما قُدِّرَ لَهُ لا ما اخْتارَهُ وأمَّلهُ. فأطْرَقَ المنصورُ قليلا، ثمَّ عَفا وصَفَحَ، وتجاوزَ عَنّا وسَمح، وخَلّى سبيلي، فَسَكنَ وجيبُ قَلْبي وغليلي، ووهَبَ الجارية لي، فَبِتْنا بأنْعَمِ ليْلةٍ وسَحَبْنا فيها للصَّبا ذَيْله، فلَمَّا شَمَّرَ الليْلُ غدائرهُ، وسلَّ الفجْرُ بَواتِره، وتجاوبت الأطْيارُ بضروب الألحان، في أعالي الأغصان، انصرفت بالجارية إلى منزلي، وتكامل سُرُوري وجَذَلي. قول الجارية: وبدا البدْرُ مثْلَ نصفِ سِوار من قول الأمير تميم بن المعز: وانْجَلى الغيْمُ عن هِلالٍ تَبَدَّى ... في يدِ الأُفْقِ مثل َنصفِ سِوارِ وقول أبي المغيرة: وإذا ما الكرام همّوا بشيء البيت.

стр. 437

أخذه ابن الزقاق فقال: وأحمدُ النَّاسِ في الصَّبابةِ مَنْ ... جُلُّ أمانيه في غَوَائِلِهِ وأول هذه الأبيات: أقبَل يختال في غَلائلِهْ ... ويشْتكي الظُّلْمَ منْ خَلاخِلِهْ مُهَفْهَفُ الخصرِ غيرُ مُفْعمه ... مُطَوَّقُ الجيدِ غيرُ عاطِله يحملُ زهر النجومِ وَهْوَ رَشاً ... مَنابِتُ الزَّهْرِ منْ خَمائلِه تتَبَعُهُ الريحُ حيثُ سارَ وقَدْ ... هامَتْ بِرَيّاهُ أوْ شَمائله فتَلْثِمُ التُّرْبَ منْ مَواطِئِهِ ... أوْ أثر المِسْك منْ ذَلاذِلِه بتُّ به ليتني قَتِيلُ هوىً ... لا يتمنى بغيرِ قاتِلِهِ (وأحمد الناس) البيت. وقول الجارية في القطعة الثانية: (والعفو أحسن شيء)، معناه واضح. ومنه قول أبي يحيى بن صمادح: مالي وللبَدْرِ لم يَسْمَح برُؤيتِه ... لعَلَّه تَركَ الإجْمال أوْ هَجَرا إنْ كانَ ذلكَ لِذنب ما شَعرْتُ به ... فَأكْرَمُ النَّاسِ منْ يَعْفُو إذا قَدَرا وفي العفو قالت الحكماء: (أولى الناس بالعفوِ أقدَرُهم عليه).

стр. 438

وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: (ما قُرنَ شيءٌ إلى شيء أفْضل منْ حِلْمٍ إلي عقْل، ومنْ عفوٍ إلى قُدْرَة). وقال رجل مُذْنب للمنصور، وقد سَخِط عليه: ذَنْبي أعظمُ من نِقْمتِك عليَّ، وعَفْوكَ أعْظمُ منْ ذَنْبي، فَرَضي عنهُ. وقال له رجل آخر، قد استوجَبَ العقاب، وهو قد مثُلَ بين يديه: الإنتقامٍ عدْلٌ، والتَّجاوُزُ فَضْلٌ، ونحنَ نُعيذ أمير المومنين بالله، أنْ يرضى لنفسه بأوْكَسِ النَّصِيبَيْن، دُون أنْ يَبلُغَ أرْفَع الدَّرَجَتَين. وقال له آخر في المعنى: إنْ عاقبتَ جَزيتَ، وإن عفوتَ أحسنْتَ. والعَفوُ أقربُ للتقوى. ونظم الشاعر هذا المعنى فقال: فإن كنت ترجو في العقوبة راحةً ... فلا تَزْهَدَنْ عند المعافاة في الأجر وقال الآخر أيضا في المعنى: إن كان جُرْمي قدْ أحاطَ بِحُرْمتي ... فأحِطْ بِجُرْمي عفوكَ المأمولا ومن أناشيد أبي عبد الله محمد بن الحسين النيسابوري في كتاب (أدب الصُّحْبة).

стр. 439

قال: أنشدني ابن أبي زائدة عن أبيه المنصور: أذنَبتُ ذنْبا عظيماً ... وأنتَ أعْظَمُ منهُ فجُدْ بِحِلْمِكَ أوْلا ... فاصفح بعَفْوكَ عنْه إنْ لم أكن في فعالي ... منَ الكرامِ فَكُنْهُ وأنشد فيه أيضا: هَبْني أَسَأتُ كما تَقُو ... لُ فأيْنَ عاقِبَةُ الأخوَّهْ إذا أسأتُ كما أسأ ... تَ فأيْنَ فَضلُكَ والمروَّّهْ وأنشد فيه أيضا: قيل لي قدْ أسا إليكَ فُلانٌ ... وَمُقامُ الفَتى على الذُّلِّ عارُ قلْتُ قدْ جاءنا وأحدث عُذْراً ... ديَّةُ الذَّنْبِ عندنا الإِعْتِذَارُ وأنشد فيه أيضا: اِقبلْ معاذِير منْ يَأتيكَ مُعْتَذِرا ... إنْ بَرَّ عندكَ فيما قال أوْ فَجَرا

стр. 440

لقد أطاعكَ منْ أرْضاكَ ظاهِرُه ... وقدْ أجَلَّكَ منْ يَعْصيكَ مُسْتَتِرا ولمَّا أسر معاوية جميل بن كعب ومثل بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكنني منك. ألست القائل يوم الجمل: أصْبحَتِ الأمّة في أمر عَجَبْ ... والمُلْكُ مَجْمُوعٌ غَداً لمن غلبْ فقلتُ قولا صادِقا غير كذبْ ... إنَّ غدا تهلك أعلام العَرَبْ قال: لا تَقُلْ ذلك فإنَّها مُصيبة. قال له معاوية: وأيُّ نِعْمةٍ أكبرُمنْ أنْ يكونَ الله قد أمْكنَني منْ رَجُل، وأظْفَرَني بِرَجُل قتل في ساعةٍ واحدةِ عدّةً منْ حُماةِ أصْحابي. آضربوا عنُقَهُ. فقال: اللهُمَّ اشهد أنَّ معاوية لم يَقتلني فيك ولا لأنَّكَ ترْضى قَتْلي على حُطامِ الدنيا؛ فإنْ فَعَلَ فافعل به ما هُوَ أهله؛ وإن لمْ يفعل، فافعَلْ بهِ ما أنتَ أهْلُه. فقال معاوية: قاتلك الله لقد سببْتَ فأبْلَغْتَ في السَّبِّ، ودَعَوتَ فبالَغْتَ في الدُّعاء. ثم أمر به فأطلق. وتمثل معاوية بأبيات للنعمان بن المنذر ولم يقل النعمان غيرها فيما ذكر ابن الكلبي وهي: تعْفو الملوكُ عنِ الجَلي ... لِ من الذُّنوب لِفَضْلها

стр. 441

ولقدْ تُعاقِبُ في اليسي ... ر وليس ذاكَ لِجَهْلِها الا ليعرف فضلها ... وَيُخَافَ شِدّةَ نَكْلِها وما أحسن قَوْلَ يحيى بن المبارك العدوي القارئ المعروف باليزيدي في هذا المعنى يعتذر للمأمون: أنا المذنب الخَطَّاءُ والعفوُ واسعٌ ... ولو لمْ يكن ذنبٌ لما عُرِفَ العفوُ سَكرْتُ فأبْدَتْ مِنِّي الكأسُ بعض ما ... كرهت وما إنْ يسْتَوي السُّكرُ وَالصَّحوُ تنَصَّلْتُ منْ ذَنْبي تَنُصُلَ ضارِعٍ ... إلى من لديه يُغْفَر العمْدُ والسَّهوُ فإنْ تعفُ عنِّي كان خَطْوِيَ واسعا ... وإنْ لم يكن عفْوٌ فقد قَصُرَ الخَطْوُ ولما أدخل إبراهيم المهدي على المأمون وهو في زيِّ امرأة ومعه، امرأتان، قال له المأمون: هيه يا إبراهيم. فقال: يا أمير المومنين، وليُّ الثأر محَكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومنْ ناوَلهُ الزمانُ فاستولى عليه الاغترار بما مدّ له في أسباب الشقاء، أمكنَ عاديةَ الدَّهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كلِّ ذي ذنب، كما جعل كلَّ ذي ذنبٍ دونك، فإنْ تُعاقِبْ فبِحَقِّك، وإنْ تعفُ فبفضلكَ. قال المأمون: بل العفوُ يا إبراهيم فكبَّرَ ثُمَّ خَرَّ ساجِدا. فأمر المأمون بِالمقَنَّعَة فصيرتَ على صدره ليَرى النَّاس الحالَ التي أُخِذَ عليها. ثم قال إبراهيم بعد ذلك قصيدة يشكر فيها للمأمون صنعه به. يقول فيها:

стр. 442

إنَّ الذي قسمَ المكارم كلها ... منْ صُلْب آدم للإمام الشافعِ جمعَ القُلُوب عليكَ جامع أهلها ... وحوى وِدادَك كلّ خير جامع فبَذلت أعظم ما يقوم بحمله ... وَسْعَ النفوس من الفِعَالِ البارع وعفوتَ عمَّنْ لم يكنْ عنْ مثلِه ... عفوٌ ولمْ يَشْفعْ إليكَ بِشافِعِ قول المأمون: (هيه يا إبراهيم) هي كلمة يُسْتفهم بها من أراد أنْ يشار عليه برأي، أو أمر، وهي مبنية على السكون. وقد تكلم بها عمر بن الخطاب ﵁. وقال يعقوب: تقول للرجل، إذا استزدته من عمل أو حديث: إيهِ. فإن وصلت قلت: إيهٍ حدِّثْنا. يعني: إيهٍ بالتَّنوين. وقال ذو الرمة: وقفنا فَقُلنا إيه عن أُمِّ سالِمٍ ... وما بالُ تكْليمِ الدِّيارِ البَلاقِعِ فجاء بغيرِ تنْوين في الأصل لأنه نوى الوقف. وإذا أسكتَّه أو كفَفْته أو أغريته بالشيء قلت: إيهاً يا فلان، فإذا تعجَّبت من حسن الشيء أو من طيبه: واهاً له ما أطيبه. قال أبو النجم: واهاً لِرَيَّا ثمَّ واهاً واهاً

стр. 443

ثم قال أبو النجم: واها لِسَلْمَى ثم واها وَاها ... هيَ المنى لو أننا قلناها يا ليت عيناها لَنا وفاها ... بِثَمَنٍ رَضِي به أباها وكُلُّها على لفظ واحد، في الواحد والاثنين والحمع والتأنيث. قاله أبو حاتم وغيره. وقول إبراهيم (أمكن عادية الدهر من نفسه). عاديةُ الدَّهر: شَيء يُقال له: كُفَّ عَنَّا يا فُلان عَاديتك، وهُو ما عَداكَ منَ المَكْروه. قال أبو تمام: مالي بِعاديةِ الأيامِ منْ قبَلِ ... لم يَثْن قَيْدُ النوى كَيْدي ولا حِيَلِي والعادية شُغْلٌ من أَشْغالِ الدَّهْرِ يَعْدُوكَ منْ أمرٍ؛ أي يَشْغَلك. قال علقمة: تُكَلِّفُني لَيْلَى وقدْ شَطَّ وَلْيُها ... وَعادَتْ عَوادٍ بيْننا وخُطُوبُ أرادَ فاعلت، فحذف الألف لا لتقاء الساكنين، فلذاك قال عوادٍ. ولولا ذلك لقال عَوائد. وقال زهير: فصرِّم حَبلَها إذ صَرَّمَتْهُ ... وعادكَ أن تُلاَقِيَهَا عَدَاءُ أي شغل. ويروى: (وعادى أن تلاقيها).

стр. 444

ودخل إبراهيم بن المهدي يوماً علي المأمون بعدَ مُدَّةٍ منَ الظَّفَربه، وللْعَفْو عنه، فقال له المأمون: إنَّ هذين قدْ حمَلاني علي قَتْلك. وأشارَ إلى المُعْتَصِمِ وإلي العباس بن المأمون. فقال: ياأمير المُومنين ما أشارَا عليك إلاّ بما يُشارُ به على قَتْلك ولكن تدع ما تخافُ بما ترجو. وأنشد: ردَدتَ مالِيِ ولم تَبْخلْ عليَّ بهِ ... وقَبْل ردِّكَ مالي قد حَقَنْتَ دَمي فَبُؤْتُ منكَ وما كافَيْتُها بِيَدٍ ... هُما حَياتانِ من موْتٍ ومنْ عَدمِ البِرُّ بِي مِنْكَ وَطَّا العذر عندك ... لي فيما أتيت فلم تُعْذَرْ، ولم تُلَم وقام عِلْمُكَ بي فاحتجّ عندك لي ... مَقام شاهدِ عدْلٍ غير مُتَّهم وقرأت هذه الأبيات في (النوادر) على خلاف هذه الحكاية، وهي: رَدَدْت مالي ولم تَبْخل عليَّ به ... وقبل ردِّك مالي قد حَقنْتَ دمي فأبْتُ منك وما كافأتها بيدٍ ... هُما الحياتان من وفر ومن عَدَمِ وقام عِلْمُك بي فاحْتجَّ عندكَ لي ... مَقامَ شاهدِ عدلٍ غير مُتَّهمِ

стр. 445

فلو بَذَلْتُ دمي أبْغي رضاكَ به ... والمال حتى أسلّ النعل من قَدَمِي ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... اليك لوْ لم تَهَبْها كنتَ لم تُلَمِ ومما اعتذر به أبو الوليد بن زيدون إلى ابن جهور فصل يقول فيه. يامَوْلايَ الذي وِدَادِي لهُ، واعْتِدادي به، واعْتِمادي عليه، أبْقاكَ الله ماضي حد الغرار، وَارِي زَنْدِ الأمل، ثابث عهد النعمة، إنْ سَلَبْتني - أعزك الله - لِباس إنْعامك، وعَطَّلْتني منْ حَلْي إيناسك، وغَضَضْتَ مِنِّي طرْفَ حمَايَتِك، بعدَ أن نظر الأعمي إلي تأميلي لك، وسمِعَ الأصَمّ ثنائي عليك، وأحسَّ الجَمَادِي بإسْنادي إليك. فلا غرْو، فقد يَغَصُّ بالماء شَارِبُه، ويقتُلُ الدَّواءُ المشْتَفى به، (ويُؤْتى الحذرُ منْ مأْمَنه)، وإنِّي لأتَجَلَّدُ فأَقُول: هلْ أنا إلاّ يَدٌ ادْماها سوارُها، وجَبينٌ عَضَّهُ إكليله، ومَشْرَفِيٌّ ألْصَقَهُ بالأرْضِ صاقِلُه، وسَمْهريٌّ عرِضَهُ على النَّارِ مُثْنِيه. (والغيثُ مَحْمُودٌ عواقِبُه)، والنَّبْوَةُ

стр. 446

غمْرَةٌ ثمَّ تنْجَلي، والنَّكْبَةُ: (سَحابَةُ صيفٍ عنْ قريب َتقَشَّعُ) وسيدي إنْ أَبْطَأَ مَعْذورٌ: وإنْ يَكُنِ الفِعْلُ الذي شاءَ واحِداً ... فأَفْعالُهُ التي تَرُوقُ أُلُوفُ فيا ليتَ شِعْري ما الذَّنْبُ الذي أذْنَبْت، ولم يَسَعْهُ عفوك، ولسْتُ أخْلُو منْ أنْ أكونَ بريئا. فأيْنَ العَدْلُ؟ أوْ مُسيئا فأيْنَ الفَضلُ؟ لوْ أنَّني أُمِرْتُ بالسُّجودِ لآدَم فأبَيْتُ، وعَكَفْتُ على العِجْلِ، واعْتَدَيْتُ في السَّبْت، وتَعاطيّتُ فَعَقَرْتُ، وشربتُ منَ النهرِ الذي ابْتلى به جُنودُ طالُوت، وقُدْتُ الفيل لأبرهة، وعاهدتُ قُريشاً على ما في الصَّحيفَة، وتَأَوَّلْتُ في بيعَةِ العَقَبة، ونَفَرْتُ إلى العِيرِ بِبَدْر، وانْعَزَلْتُ لِثُلُث الناسِ يومَ أُحُد، وتَخَلَّفْتُ عنْ صلاةِ العصرِ في بني قريظَة

стр. 447

وأَنِفْتُ منْ إمارةِ أسامة، وزعَمْتُ أنَّ خِلافَةَ الِّدين فَلْتَة ورَويْتُ رُمْحي منْ كَتيبَةِ خالد) وضَحَّيْتُ بالأشْمَطِ الذي عُنْوانُ السَّجود به، لكانَ فيما جَرى عليَّ ما يَسُومُني نَكَالا، ويَدَعُني ولوْ على المجازِ عقالا: وَحَسبُك منْ حادثٍ بامْرئٍ ... يَرى حاسِديهِ لهُ راحِيمنا فكيفَ ولا ذَنْبَ لي إلاّ نَميمَةٌ أهْداها كاشِحٌ، ونَبَأٌ جاءَ به فاسِقٌ. ووالله ما غَشَشْتُكَ بعْدَ النَّصيحة، ولا انْحرفت عنْكَ بعْدَ الصَّاغية. ففيمَ عبَثَ الجفاءُ بأَذِمَّتي؟ وعاثَ في مَوَدَّتي؟ وإنَّي غَلَبَني المُغَلَّب، وفَخَرَ عليَّ الضعيف (ولَطَمني غيْرُ ذاتِ السِّوار) ومالكَ لا تَمْنَعُني قبلَ أنْ أُفْتَرَس، وتُدْرِكُني ولمَّا أُمزَّق. وقدْ زانني اسْمُ خِدْمتِك، وأَبْلَيْتُ الجميلَ في سماطِك، وقُمْتُ المَقامَ المَحْمود على بِساطِك:

стр. 448

أَلَسْتُ المُوالي فيكَ نَظم قصائدٍ ... هيَ الأنْجُمُ اقْتادَتْ معَ اللَّيْلِ أنْجمَا والفضْلُ كثير، وقَدْ جِئْتُ منهُ باليَسير. والعَفْوُ عن المُذْنِبِ: ترْكُ عُقُوبَتِه. وأصْلُ العفو في اللغة هو ما سَهُلَ وزادَ. وفي كتاب الله تعالى (فمن عُفِيَ له من أخيه شيء) أي يَسَّرَ. وفيه (ويَسْأَلونك ماذا يُنْفِقون قُل العفْو) أي ما فَضُلَ وزادَ. قال أبو اسحاق: وذَكرتُ بحكاية أبي المغيرة، حكايةً قَرَأْتُها في النَّوادر لأبي علي البغدادي، حذتْ في المطرف حَذْوَها، وزهت بالإغْراب زهوها. حَدَّثَ أبو علي بسند عن منصور البرمكي قال: كان لهارون الرشيد جاريةٌ غُلامية، يعني وصيفَةً في قدِّ الغُلام، وكانَ المأمون يَميلُ إليْها، وهو إذ ذاك أمْرد، فَوَقَفَتْ يوما تَصُبُّ على يَدِ الرَّشيد منْ إبريقٍ معها، والمامون جالسٌ خلفَ الرشيد، فأشار إليها يُقَبِّلها، فأنْكَرتْ ذلكَ بِعَيْنِها، وأَبْطَأتْ في الصَّبِّ، على قدْرِ نظَرِها إلى المأمون واشارتها إليه. فقال الرَّشيد: ماهذا. ضعي الإبْريق من يدك. ففعلتْ. فقال: والله لَئِنْ لمْ تُصدقيني لأقْتلنك. فقالت: ياسيِّدي أشار

стр. 449

إِلَيَّ عبد الله كأنّه يُقبلني فأنكرتُ ذلك، فالتفَتَ إلى المأمون فنظر إليه كأنه مَيْتٌ لما دَخَله من الجزع والخجل، فرحِمهُ وضمَّه إليه وقال: يا عبد الله أتُحِبُّها؟ قال: نعَمْ يا أمير المومنين. قال: هي لكَ قُمْ، فادْخُلْ بها في تلك القُبَّة. ففعل، ثم قال له: هل قلت في هذا الأمر شيْئا. قال: نعم يا سيدي، ثم أنشده: ظَبْيٌ كتبتُ بِطرْفي ... من الضَّمير إليه قَبَّلْتُه منْ بَعيدٍ ... فاعتلَّ من شفتيه ورَدَّ أَخْبَثَ ردٍّ ... حتَّى قَدَرْتُ عليه وفي هذا المعنى يقول أحد البلغاء: (اللَّحْظُ يُعْربُ عن اللفْظ) وقال الآخر: (رُبَّ كِنايَةٍ تُغْني عنْ إيضاح) (ورُبَّ لحظٍ يدُلّ على ضمير). ونظمه الشاعر، فقال: جَعَلْنا علاماتِ المَوَدَّة بيننا ... دَقائقَ لحْظٍ هُنَّ أَخْفَى من السِّحْرِ فأعْرِفُ منها الوَصل في لين لَحْظِها ... وَأَعْرِفُ منها الهَجْرَ بالنَّظَرِ الشَّزْرِ ومثل هذا قول بعض الحكماء: (والعينُ بابُ القلبِ). فما كان في القلْبِ ظَهَرَ في العين. وقال الشاعر:

стр. 450

العينُ تُبْدي الذي في نَفْسِ صاحبها ... منَ المحبَّةِأوْ بُغض إذا كانا والعينُ تَنطقُ والأفْواهُ صامتةٌ ... حتَّى ترى منْ ضميرِ القلْب تِبْيانا وقال محمود الوراق: وإذا تلاحظت العيونُ وأومأتْ ... وتحدثت عَمَّا تجِنُّ قُلُوبُها يَنْطِقْنَ والأفواه صامتَةٌ فما ... يخفى عليك بَريئها أوْ مُريبُها وقرأت في (النوادر) لأبي علي قول إبراهيم بن المهدي في المعنى: إذا كَلَّمتني بالعُيُون الفواتر ... ردَدْتُ عليها بالدُّموعِ البَوادرِ فلَمْ يعلم الواشون ما دار بيْننا ... وقد قُضيَتْ حَاجَاتُنا بالضمائر ومثل هذا قول الأمير تميم: سُبْحانَ مَنْ خَلَقَ الخُدو ... دَ شَقَائقا تَتَبَسَّمُ وأعارها الألحاظ فَه ... يَ بِلَحْظِها تتَكَلَّم ومثله قول الآخر أيضا:

стр. 451

أشارتْ بِلَحْظ العينِ خِيفَةَ أهْلِها ... إشارةَ مَذْعُورٍ ولم تتكَلّمِ فَأيْقَنْتُ أنَّ اللَّحظَ قد قال مرْحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيَّمِ ومثله قول الآخر أيضا: أشارَتْ بعيْنها إشارة خائفٍ ... إلَيَّ حَذَارَِ الكاشحين فسلَّمتْ فردَّ عليها الطَّرْفُ منِّي سلامها ... وأوْمَأ اليها بالهوى فتَبَسَّمت وأنشَدني بعض الأدباء في المعنى: إذا نحنُ خِفْنا الكاشحينَ ولَمْ نُطِقْ ... كَلاماً تَكَلَّمْنا بأعْيُننا سِرّا فنقضي ولمْ يَعْلَمْ بِنا كل حاجة ... ولم نَكْشِف البَلْوى ولم نَهْتِكِ السَّتْرا وقال أبو نواس الحسن بن هانئ في المعنى: وحَثْحَثَتْ كأسها مُقَرطَقَة ... لوْ مُنِيَ الحُسْنُ ما تَعَدَّاها تَجْمَع عيني وَعَيْنَهَا لُغَةٌ ... مُخالفٌ لَفْظُها لمَعْناها إذا اقْتَضاها طرْفي لها عِدَةً ... عَرَفْتُ مَرْدودُها لِفَحْواهَا يا لُغة تَسْجُدُ اللغاتُ لها ... ألْغَزَها عاشِقٌ وعَمَّاها وهذا المعنى مليح بليغ. أراد باللغة: اللحظ، لأنه كلام الأعين. ومعنى

стр. 452

البيت الذي من هذه القطعة، أي: أعيننا غضاب وقلوبنا راضية. فلذلك قال: (مخالف لفظها لمعناها). وقوله (بفحواها) أي بظاهر أمرهما. يقال: عرفت فحوى كلامه وقال أبو تمام: فحواكَ عينٌ على جَواكَ يا مَذِلُ ... حَتَّى مَ لا يَتَقَضَّى قَولُكَ الخَطِلُ ويجوز مده وقصره، قاله أبو علي في كتاب المقصور والممدود قال: وقال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول فَحَوَى بفتح الحاء. وهو مقصورُ لا يَجوز مده وحكى عن اللحياني: فُحَواء كلامه بضم الفاء وفتح الحاء، والمدّ قال: وهذا نادر. وقوله: يا لغة تَسْجُدُ اللُّغاتُ لها معنى السُّجود هنا: الخُضُوع والتذلل. ومنه قول الشاعر: بِجَمْعٍ يظلُّ البُلْقُ في حجرَاتِه ... تَرى الأُكْمَ منه سُجَّداً للحَوافِرِ

стр. 453

كأنه قال: مذللة للحوافر. والسَّجود أيضا خَفْضُ الرَّأْس على جهة التعظيم. ومنه قول الأعشى: من يلقَ هَوْدَةَ يسجُدْ غيرَ مُتَّئِبٍ ... إذا تَعَمَّمَ فوق الرأس واتَّضَعا ومنه قوله تعالى وعز (وادْخُلوا البَابَ سُجَّداً) في أحد الأقوال، وقيل معناه: رُكَّعا عن ابن عباس وغيره. وروى أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركّعا فدخلوا مُتَورِّكين على أَسْتاهِهِمْ. والسُّجود والخُضوع والتَذَلل نظائر في اللغة. والسُّجود في اسماء الدين معروف، وهو وضع الوجه على الأرض. ومنه قول حميد بن ثور الهلالي: فلمْ نُكذِّبْ وَخَرَرْنا سُجَّدا ... نعْطي الزكاة ونُقيمُ المَسْجِدا وقال صاحب العين سجدنا لله سجودا ويقال: سجَد يسجُد سجودا، وأسجد للسجاد إذا خفض رأسه من غير وضع لجبهته. قال الشاعر: فَكِلْتَاهما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رَأْسُها ... كَما سَجَدتْ نَصْرانةٌ لم تُحَنَّفِ

стр. 454

وقرأت في كتاب (الأدب): (أسْجَدَ الرَّجلُ إذا طَأْطَأ، وسَجَدَ إذا وضعَ جَبْهَته بالأرض). ومِمَّا جاء من السجود كناية عن الرُّكوع حديث عبد الله بن عمر فيما روى عن عبد الرحمان بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر انه كان يقول في صلاةِ الخوفِ: "يَقُومُ الإمام وتقوم معه طائفةٌ، وتكون طائفةٌ بينهم وبين العدو، فيسجد سجدةً واحدةً بمن معه، ثم ينصرف الذين سجدوا سجدة، فيكونون مكان أصحابهم الذين كانوا بينهم وبين العدو، وتقوم الطائفة الأخرى الذين لم يصلوا، فيصلون مع الإمام سجدة ثم ينصرف الإمام، وتُصلي كلُّ واحدة من الطائفتين لأنفسهم سجدة سجدة، فإن كان الخوف أكثر من ذلك فليصلوا قياما على أقدامهم، أو ركباناً علي ظهور الدوائب". قال موسى بن هارون الطُّوسي: كُلُّ سَجْدَةِ في هذا الحديث فمعناها ركعة. سمعت أبا خيثمة يقول: أهلُ الحجاز يسمون الركعة سَجْدة. ويقال نساءٌ سُجَّد؛ وهنَّ الفاترات الأعين ومنه قوله: ولَهْوي إلى حُورِ المدامعِ سُجَّد والإسْجادُ أيْضا: إدامَةُ النَّظرِ في فتورِ وسكون، وقيل له ذلك لأنه كفعل المتذلل. قال الشاعر وهو كثير:

стр. 455

أغَرَّك منِّى أنَّ دَلَّكِ عنْدنا ... وإسْجادَ عيْنيك الصَّيُودَيْن رابِحُ وحكى أبو الوليد بن زيدون عن نفسه قال: كنت أيامَ شبابي وغمرة التَّصْباب، أهيمُ بغادة تُدْعى ولادة فلمّا قُدِّر اللقاءُ، وساعد القضاء كتبت اليّ بهذين البيتين: ترقَّبْ إذا جَنَّ الظلامُ زيارتي ... فإني رأيْتُ الليل أَكتَمَ للسّرِّ وبي منكَ ما لو كان بالبدْرِ ما بَدا ... وبالليل ما أدْجَى وبالنجمِ لم يسْر قال: فلمّا طوى النَّهارُ كافورَه، ونشرَ الليْلُ عنْبَرهُ، أقْبلتْ بقدٍّ كالقضيب، وَرِدْفٍ كالكثيب، وقد أطبقتْ نرجِسَ المُقَل، على وردِ الخجل، وملنا عند ذلك إلى روض مُدَبَّج، وظلّ سَجْسج، قد قامت راياتُ أشْجارهِ، وفاضتْ سلاسِلُ أنْهاره، وتفتحت كَمَائمُ أَزْهاره وتَأرَّجَت نفحاتُ نواره، ودرُّ الطَّلِّ منثورُ، وَوَجيبُ الراح مزور. فلما ارتَشَفنا كُؤُوسها، وأَغْرَبَنا في الأفْواه بُدُورها وشُمُوسَها، وَشَبَبْنَا نارَها، أدركت فيها ثارها، وَبرحَ كلُّ واحدٍ منَّا بِحُبِّه، وشَكا إليه ما بِقَلْبه، وبِتْنَا ليْلَتَنا نَجْني أُقْحُوان الثُّغور، ونَقْطِفُ رُمَّانَ الصُّدور، فلمَّا شَمَّر الليلُ ذيلَهُ، وَجَيَّشَ الصبح خيْلهُ، وولّى الظلام منهزما، وأقبل ابن ذُكاء مبْتَسما، ودنَتْ ساعَةُ الوداعِ صَباحا، عانَقْتُها وأنْشَدْتها ارتياحا: ودَّع الصَّبْرَ محبّ ودَّعَكْ ... ذائعا من سره ما استودعكْ يقرع السنَّ على أنْ لم يكنْ ... زاد في تلك الخطى إذْ شَيَّعكْ يا أخا البدْرِ سناءً وسَنى ... حَفِظَ الله زماناً أَطْلَعك إِنْ يُطُلْ بَعْدَكَ لَيْلي فَلَكَمْ ... بِتُّ أَشكُو قِصَرَ اللَّيلِ مَعَكْ قوله: (إن يطل بعدك ليلي) البيت، ليس أبو الوليد اخترعه، وإنما ألمّ فيه

стр. 456

بقول جميل فاقتلعه وهو: يطُول اليومُ إن شَحَطَتْ نَواها ... وَحولٌ نلتقي فيه قصيرُ ويروى: (يطول اليوم لاألقاك فيه). وهذا البيت جامع لِطَرفي الطول والقصر. ولا يزال الناس يستقصرون أمد السرور وإن طالَ، ويستطيلون أَمَدَ المكروه وإن قَصُر. ويحكى عن أبي حاتم العتبي انه قال: سمعت أعرابيا وذكر امرأته فقال: كاد الغزال يكونُها لوْلا ما تَمَّ منها، ونقص منه، وما كانت أيامي معها إلا كَأَباهيم قطاً قِصَراً ثم طالت بعدهاشوقا اليها، فوا أسفا عليها. قال: والعربُ تقولُ في هذا المثل: (مرَّ بنا يوْمٌ كعقرب قصراً) إذا مرَّ عليهم يوم سرور. وألم فيه أبو الوليد أيضا بقول مهلهل: فإنْ يَكُ بالذَّنائِبِ طالَ ليْلي ... فقد أبْكي من الليْلِ القصيرِ وأخذه بعض المتأخرين فقال: يطول النهار لميعادها ... ويقصر لي عند إسعادِها وليلي إذا ما دنت لحظة ... وما ينقضي عند ابعادها

стр. 457

وقد جمعه أبو العباس بن سيِّد في بيت واحد فقال: فاللَّيلُ إنْ وَصَلَتْ كالليل إنْ هجرْتْ ... أشكُو من الطَّولِ ما أشكو من القِصَرِ ومنه قول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: فيالك من ليل تقاصر طُولُهُ ... وما كان لَيْلِي قبل ذلك يقصُرُ والمقصود بهذا أن أيام السرور ولياليه قصيرة، وأيام الحزن ولياليه طويله، كما ذكرنا، ولذلك قال ذو الرمة: ولو شئتُ قَصَّرْتُ النَّهارَ بِطَفْلَةٍ ... هَضِيمِ الحَشا بَرَّاقَةِ المتَبَسَّمِ وأما حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "يتقارب الزمان حتي تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة" فذكر حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة قال: سألتُ أبا سِنان عن معني هذا الحديث، فقال: ذلك من استذاذ العيش يكون. يريد،

стр. 458

والله أعلم، زمان خروج المهدي وربوع الأَمَنَةِ في الأرض ببسطه العدل فيها. وقرأت في النوادر قول علي بن بسام: لاأظْلم الليل ولا أدَّعي ... أنَّ نُجُومَ الليل ليست تَغُورُ لَيْلي كما شاءتْ فإن لم تَجُدْ ... طال وإنْ جَادَتْ فليْلي قصيرُ وهذان البيتان منقولان من قول علي بن الخليل وهو: لا أظْلم الليلَ ولا أدَّعي ... أنّ نجومَ الليلِ ليْسَتْ تَزُولُ لَيْلي كما شاءتْ قصيرٌ إذا ... جَادَتْ وإنْ ضنَّتْ فَلَيْلي طويلُ وأخذ هذا المعنى ابن خليل من قول يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو: لا أسألُ الله تَعْمِيداً لما صَنَعَتْ ... نامَتْ وقد أسْهرتْ عينيَّ عَيْناها فالليلُ أطولُ شيءٍ حينَ أفْقدُها ... والليلُ أَقْصرُ شيء حين أَلْقاها

стр. 459

رجع لقول علي: تصرّف الدهر على حُكْمِهَا ... فَهْوَ على ما صَرَّفَتْهُ يدورُ ومن هذا المعنى قول عبد الصمد في أبيات له: ونحنُ ضجيعان في مَجْسَدٍ ... فلِلَّهِ ما ضُمِّنَ المَجْسَدُ فياليلة الوَصْل لا تَنْفَدِي ... كما ليلة الهجر لا تَنْفَدُ وأبلغ ماأذكر في طول الليل، قول علي بن العباس الرومي قرأته أيضا في (النوادر): رُبَّ ليلٍ كأنه الدَّهرُ طُولا ... قد تَنَاهَى فليسَ فيه مزيدُ ذي نجومٌ كأنهنَّ نُجُومُ الشْ ... شَيبِ ليستْ تزولُ لكن تزيد ومثله قول أبي بكر محمد بن أحمد الغساني: وليلٍ كفكري في صدود مُعذِّبي ... وإلا كأنْفاسي عليه منَ الوَجْدِ وإلاّ كعمر الهجر منه فإنه ... إذا قسته بالوصف كانَ بلا حدٍّ

стр. 460

وقال أيضا: أطال ليلي الصدود حتى ... يَئستُ من غُرَّةِ الصَّباحِِ كأنه إذْ دَجى غرابٌ ... قد حصر الأرض بالجناحِ ومثله قول الآخر: ألا ياليل هل لكَ منْ براحِ ... وهَل لأسير نَجْمِكَ من سَراحِ ألا يا ليل طلت عليَّ حتَّى ... كأنك قدْ خُلقت بلا صباحِ وذكروا أن أبا الوليد بن زيدون كان شديد الكَلَف بولادة قد جَعَلَ حُبَّها وَمَواصلَتها شِعاره وعناده، وهي ولادة ابنة محمد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الرحمان الناصر المتسمى من الألقاب السلطانية بالمستكفي بالله. بويع له بالخلافة بقرطبة يوم السبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربع مائة، وانقرضت مدة خلافته في جمادى الأخرى سنة ست عشرة، فيما ذكر أبو مروان بن حيان. وكانت ولادة هذه من الأدب والظُّرفِ، والحَلاوَة واللُّطْفِ، واحدةَ نساء زمانها، وفذةَ وقتها وأوانها، بحيث تخْتَلِس القلوب والألباب، وتُعيد الشيب إلي أخلاق الشباب، بِحُسنِ منظرٍ ومخْبر، وعُذُوبَةِ موردٍ وَمَصْدرٍ، وجمالٍ فائقٍ في خَلْقها، وبراعة وذكاء في طبعها وخلقها، وكانَ
следующие страницы →