Полный текст (772 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
بقول جميل فاقتلعه وهو:
يطُول اليومُ إن شَحَطَتْ نَواها ... وَحولٌ نلتقي فيه قصيرُ
ويروى: (يطول اليوم لاألقاك فيه). وهذا البيت جامع لِطَرفي الطول والقصر. ولا يزال الناس
يستقصرون أمد السرور وإن طالَ، ويستطيلون أَمَدَ المكروه وإن قَصُر.
ويحكى عن أبي حاتم العتبي انه قال: سمعت أعرابيا وذكر امرأته فقال: كاد الغزال يكونُها لوْلا ما
تَمَّ منها، ونقص منه، وما كانت أيامي معها إلا كَأَباهيم قطاً قِصَراً ثم طالت بعدهاشوقا اليها، فوا أسفا
عليها. قال: والعربُ تقولُ في هذا المثل: (مرَّ بنا يوْمٌ كعقرب قصراً) إذا مرَّ عليهم يوم سرور.
وألم فيه أبو الوليد أيضا بقول مهلهل:
فإنْ يَكُ بالذَّنائِبِ طالَ ليْلي ... فقد أبْكي من الليْلِ القصيرِ
وأخذه بعض المتأخرين فقال:
يطول النهار لميعادها ... ويقصر لي عند إسعادِها
وليلي إذا ما دنت لحظة ... وما ينقضي عند ابعادها
стр. 457
وقد جمعه أبو العباس بن سيِّد في بيت واحد فقال:
فاللَّيلُ إنْ وَصَلَتْ كالليل إنْ هجرْتْ ... أشكُو من الطَّولِ ما أشكو من القِصَرِ
ومنه قول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
فيالك من ليل تقاصر طُولُهُ ... وما كان لَيْلِي قبل ذلك يقصُرُ
والمقصود بهذا أن أيام السرور ولياليه قصيرة، وأيام الحزن ولياليه طويله، كما ذكرنا، ولذلك قال ذو
الرمة:
ولو شئتُ قَصَّرْتُ النَّهارَ بِطَفْلَةٍ ... هَضِيمِ الحَشا بَرَّاقَةِ المتَبَسَّمِ
وأما حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "يتقارب الزمان حتي تكون السنة
كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة" فذكر حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة
قال: سألتُ أبا سِنان
عن معني هذا الحديث، فقال: ذلك من استذاذ العيش يكون. يريد،
стр. 458
والله أعلم، زمان خروج المهدي
وربوع الأَمَنَةِ في الأرض ببسطه العدل فيها.
وقرأت في النوادر قول علي بن بسام:
لاأظْلم الليل ولا أدَّعي ... أنَّ نُجُومَ الليل ليست تَغُورُ
لَيْلي كما شاءتْ فإن لم تَجُدْ ... طال وإنْ جَادَتْ فليْلي قصيرُ
وهذان البيتان منقولان من قول علي بن الخليل وهو:
لا أظْلم الليلَ ولا أدَّعي ... أنّ نجومَ الليلِ ليْسَتْ تَزُولُ
لَيْلي كما شاءتْ قصيرٌ إذا ... جَادَتْ وإنْ ضنَّتْ فَلَيْلي طويلُ
وأخذ هذا المعنى ابن خليل من قول يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو:
لا أسألُ الله تَعْمِيداً لما صَنَعَتْ ... نامَتْ وقد أسْهرتْ عينيَّ عَيْناها
فالليلُ أطولُ شيءٍ حينَ أفْقدُها ... والليلُ أَقْصرُ شيء حين أَلْقاها
стр. 459
رجع لقول علي:
تصرّف الدهر على حُكْمِهَا ... فَهْوَ على ما صَرَّفَتْهُ يدورُ
ومن هذا المعنى قول عبد الصمد في أبيات له:
ونحنُ ضجيعان في مَجْسَدٍ ... فلِلَّهِ ما ضُمِّنَ المَجْسَدُ
فياليلة الوَصْل لا تَنْفَدِي ... كما ليلة الهجر لا تَنْفَدُ
وأبلغ ماأذكر في طول الليل، قول علي بن العباس الرومي قرأته أيضا في (النوادر):
رُبَّ ليلٍ كأنه الدَّهرُ طُولا ... قد تَنَاهَى فليسَ فيه مزيدُ
ذي نجومٌ كأنهنَّ نُجُومُ الشْ ... شَيبِ ليستْ تزولُ لكن تزيد
ومثله قول أبي بكر محمد بن أحمد الغساني:
وليلٍ كفكري في صدود مُعذِّبي ... وإلا كأنْفاسي عليه منَ الوَجْدِ
وإلاّ كعمر الهجر منه فإنه ... إذا قسته بالوصف كانَ بلا حدٍّ
стр. 460
وقال أيضا:
أطال ليلي الصدود حتى ... يَئستُ من غُرَّةِ الصَّباحِِ
كأنه إذْ دَجى غرابٌ ... قد حصر الأرض بالجناحِ
ومثله قول الآخر:
ألا ياليل هل لكَ منْ براحِ ... وهَل لأسير نَجْمِكَ من سَراحِ
ألا يا ليل طلت عليَّ حتَّى ... كأنك قدْ خُلقت بلا صباحِ
وذكروا أن أبا الوليد بن زيدون كان شديد الكَلَف بولادة قد جَعَلَ حُبَّها وَمَواصلَتها شِعاره وعناده،
وهي ولادة ابنة محمد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الرحمان الناصر المتسمى من الألقاب
السلطانية بالمستكفي بالله. بويع له بالخلافة بقرطبة يوم السبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع
عشرة وأربع مائة، وانقرضت مدة خلافته في جمادى الأخرى سنة ست عشرة، فيما ذكر أبو مروان
بن حيان. وكانت ولادة هذه من الأدب والظُّرفِ، والحَلاوَة واللُّطْفِ، واحدةَ نساء زمانها، وفذةَ وقتها
وأوانها، بحيث تخْتَلِس القلوب والألباب، وتُعيد الشيب إلي أخلاق الشباب، بِحُسنِ منظرٍ ومخْبر،
وعُذُوبَةِ موردٍ وَمَصْدرٍ، وجمالٍ فائقٍ في خَلْقها، وبراعة وذكاء في طبعها وخلقها، وكانَ
стр. 461
فِنَاؤُها بقرطبة منتدىً لأحْرار المِصْر، وأعيان ذلك العصر، وميدانا بجياد النظم والنثر. يعشو أهل الأدب
إلى ضوء غرّتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب علي خلافة عشرتها، إلى سُهُولة حِجابِها، وكثرة
مُنْتابها، تخلط ذلك من فعلها بعلُوِّ نصاب، وكرَمِ انتساب، وطَهارَة أثواب، وشرف أثْواب. والله تعالى
يسمح لها، ويغفر زَلَلَها، فلقد اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القولِ فيها السبيل، وذلك لِمُجاهَرتها
بِلَذَّاتِها، وقلة مبالاتها، وكانت قد رسمتْ على عاتقيْ ثوبها بيتين وهما:
أنا والله أصلُحُ للمعالي ... وأمشي مِشْيَتِي وأتيهُ تِيهَا
وأُمْكِنُ عاشِقي من عَض نهْدٍ ... وأُعْطي قُبْلتي منْ يَشْتَهِيها
قال أبو الحسن بن بسام: هكذا وجدتُ هذا الخبر، وأَبْرأُ إلى الله من عُهْدَة قائليه، وإلى الأدبِ من
غَلَطِ النَّقل إنْ كان وقع فيه.
قلت: وأنا أيضا أحْكيه عن ناقليه، ولا أعتمدُ على تصحيحه ولا أدَّعيه، فلأهْلِ النُّبل والفضل عن
هذا الخبر وأشباهه مناديح، وكمْ خَبَرِ حكيَ ودوِّن، وهُو غيرُ صحيح. ولولادة أخبارٌ يفوتُ إحْصاؤها
ويقلّ استقصاؤها، وكانت في ذكاء خاطرها، وكثْرة نوادرها، آية من آيات فاطِرِها. ذكروا أنها مرتْ
ذات يوم بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وكان من أعيان المصر، في ذلك العصر،
стр. 462
وكان مِمَّنْ هذى باسمها، وتعرَّف على حكمها، وكانت أمامَ دارِه بركةٌ تتولدُ من الأمطار، وربما استمدتْ بشيء ومما
كان ثم من الأقذار، فمرتْ به، وهو قاعدّ قد نشرَ كميه، ونظر في عِطْفيه، وحسن أعوانه إليه، فقالت
له: أبا عامر:
أنتَ الخصيبُ وهذه مِصْرُ ... فتَدَفَّقا فَكِلاكُما بحْرُ
وهذا البيت لأبي نواس من أبيات له في الخصيب والد ابراهيم عامل مصر. فتركته لا يحيرُ حرفاً،
ولا يَرُدُّ طرْفاً.
وطال عُمْرُها وعُمْرُ أبي عامر المذكور حتى أوفيا على الثمانين وهو لا يدعُ مُواصَلَتها، ولا يَغْفُلُ
مُراسَلتها، وتحيف الدهرُ المُسْتَطيلُ حالَ ولادة حتى لم يتْرُك لها شيئا من الوفْر إلا أبادَه. فكان أبو
عامر هذا يحمل كلها، ويرفعُ ظلها، على جَذْبِ واديه، ورُكود روائحه وغواديه، أثراً جميلا أبقاه،
وطَلقاً من الظَّرْف جرى إليه حتى استوفاه.
وأما أبو الوليد أحمد بن زيدون فعلمّ من أبناء العُلى، ومَحَاسِنُهُ مدى الأيام تُتْلى، وتُطَرّز بكلام الكتب
وتحلى، مرتبه في ذُرَى المجد، مُطْنَبٌ بالفخار، ومحْتده زاكي النِّجار، وأخباره مع الملوك مشهورة،
مروية في الكتب مسطورة، وحين هَمَّ بدره بالكمال، وأشْرَف علي احتفال الحال، تداركه حيْفُ
الزمن، فاعتقل وامتهن وحيل بينه وبين ولادة حتى يَئسَ من لقائها، أو أن يَنال نظره في محياها
بنكبة اشتدت بها حسراته، وتوقَّدت لها لَوْعاته وزفراتُه، فشجيت نفسه، وقَلَتْه الأيام كما (قَلَتْ صخْرا
سُلَيْمى عِرْسُهُ) فعند ذلك قال قصيدته الفريدة التي ضربت في الإبداع بأعلى سهم، وقصَّر عنها ابن
أوس
стр. 463
وابن الجهم، وعَجَزَ عن مثلها كلُّ ناظم وناثر، وفَتَنَتْ سمعَ كل أديب وشاعر، وأعْلَمَ فيها ولادة
باقامته على وُدِّها، وحفظ عهدها، وأولها:
بِنْتُم وبِنَّا فما ابْتلتْ جَوانِحُنا ... شوْقا إليكمْ ولا جَفَّتْ مآقينا
يَكادُ حينَ تناجيكُم ضمائرُنا ... يقضي علينا الأسى لولا تَأسينا
حالتْ لفقدكمُ أيامُنا فغدتْ ... سُودا وكانت بكم بيضا ليالينا
إذْ جانِبُ العيش طَلْقٌُ من تَألُّفِنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
وإذْ هَصَرْنا غصون الأنس دانية ... قُطوفُها فجنينا منه ما شينا
ليُسْقَ عهدُكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلاّ رياحينا
من مبلغ الملبسينا بِانْتِزَاحِكمُ ... حزنا مع الدّهر لا يَبْلَى ويُبْلينا
أنَّ الزَّمان الذي لا زال يُضْحِكُنا ... أُنْسا بقربكم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نَغَصَّ وقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقودا بأنفسنا ... وانْبَثَّ ما كان موصولا بأيدينا
وقد يكون وَمَا يُخْشَى تَفَرُّقُنا ... فاليوم َنحنُ وما يُرجى تلاقينا
стр. 464
لم نعتَقِدْ بعْدَكُم إلا الوفاء لكم ... رأيا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسَبوا نأيكم عنا يُغَيِّرُنا ... أنْ طالَما غيّر النَأيُ المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلا ... منكم ولا انصرفتْ عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا ... ولا اتخذنا بديلا منك يسلينا
يا ساري البرق عادِ القصر فاسْقِ به ... من كان صرفَ الهَوى والوُدِّ يسقينا
ويا نسيمَ الصَّبابَلِّغْ تَحيتنا ... منْ لوْعَلى البُعْدِ حَيَّا كانَ يُحيينا
يارَوضة طالما أجْنَتْ لَواحِظنا ... وردا حَلاهُ الصِّبَا غضّا ونسْرينا
ويا حياةً تملَّيْنَا بِزَهْرِتها ... مُنىً ضُرُوباًولذاتٍ أفانينا
لسْنا نُسَمِّيكَ إجْلالا وتكرمةً ... وقدرك المعتلى عن ذاكَ يُغْنينا
إذا انفردتِ وما شوركت في صفة ... فحسبُنا الوصف ايضاحا وتَبْيينا
يا جَنة الخلد ابدلنا بسلسلها ... والكوثر العذْب زقُّوما وغسلينا
كأننالم نبت، والوصلُ ثالِثُنا ... والسعدُ قد غضَّ من أجفان واشينا
سِرَّانِ في خاطر الظلماء تَكتمنا ... حتى يكاد لسانُ الصبح يُفْشينا
لا غَرْوَ أنا ذكرنا الحزن حين نَأتْ ... عنه النُّهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوراً ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أمَّا هَواك فلم نعْدِلْ بِمَنْهله ... شُرْباً وإنْ كانَ يُرْوينا فيُظْمِئُنا
لم يَخْفَ أفق جمال أنت كوكبه ... سالين عنه، ولم نهجره قالينا
стр. 465
نأسى عليك وقد حُثَّتْ مَشعشعة ... فينا الشُّمُولُ وغنَّانا مُغنِّينا
لا أكْؤُسُ الراحِ تُبْدي منْ شمائلنا ... سيمَا ارتياحٍ ولا الأوتارُ تُلْهينا
دومي على العهد مادمنا مُحافظةً ... فالحرُ منْ دانَ إنْصافاً كمادينا
أَبْدِي وفاء وإن لم تَبْذُلي صِلةً ... فالطيفُ يقْنِعُنا والذِّكرُ يَكْفينا
وفي الجواب متاعٌ إنْ شَفَعْتِ به ... بيضَ الأيادي التي مازلت تُولينا
عليك منّي سلام الله ما بقيَتْ ... صبابَةٌ بِكِ نخْفيها فتخفينا
البيت الرابع والخامس من هذه القصيدة، يشبه قول الحارث بن هشام في أبيات له:
إذْ نلْبَسُ العيش صَفواً ما يكدِّره ... طعنُ الوشاةِ ولا ينْبُوبنا الزَّمنُ
ومثله أيضا قول الآخر:
هناكَ تغنينا الحمام وَنَجْينِي ... جَنَى اللهو يَحْلَوْ لِي لنا ويطيبُ
وقد أثبتُّ من هذا المعني في الجزء الثاني من هذا المجموع، ما اقتضته المشاكلة، وألفته المماثلة،
وحسنته نسقا ونظاما، وفتقت من زهره الأرج كماما.
وقوله:
وقد تكون وما يُخْشى تَفرقنا
стр. 466
البيت، كقول أبي أيوب سليمان بن أبي أمية:
أناجيك من بعد كان لم يكن قرب ... وألقاك بالذكر ومن دونك الحُجبُ
وقوله: (يا جنة الخُلْد) معناه: يا جنة البقاء، لأن الخُلُود هو البقاء طول الأبد. فكلُّ منْ يدْخل الجنَّة
فهو خالِدٌ فيها، وكل من يدخل النار من المعذبين الجاحدين فهو خالدٌ فيها، لقوله تعالى (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) وأهلُ الجنَّة
فيها مُخَلَّدونَ خالدون طول الأبد لقوله تعالى (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
والخُلُودُ والدَّوام والبَقاءُ والتَّأبيد نظائر في اللغة.
وقال صاحب العين: الخُلُود البقاء في دار لا يخرج منها.
والفعل: خَلَدَ يَخْلُدُ خُلُوداً، وخَلَّدَه تخليدا. والخُلْدُ اسم من أسماء الجِنان. وحدُّ الخُلُود الوُجودُ في الشيء
إلى غير نهاية. ويقال: خَلَدَهُ في السجن، وخلَدَهُ في الديوان، إذا أوجده هناك. ويقال: أَخْلَدَ فلان إلى
كذا وكذا، والمعنى رَكَنَ إليهِ ورَضيَ به. قال الله تعالى وجلَّ (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).
والخَلَدُ البال. تقول: وقع ذلك في خَلَدي، أي في بالي. والخُلْدُ أيْضا ضربٌ من الجِرْذَان عُمي لم
تُخْلقْ لها عُيون، واحدها خِلْدَةٌ
بكسر الخاء والجميع خِلدان. والخَوالِدُ الأثافي في مواضعها، والجبال والحجارة تسمى أيضا
стр. 467
خوالد. قال الشاعر:
فتأتيك حَذَّاءَ محمولةً ... تَفُضُّ خَوالِدها الجَنْدلا
يعني بالخوالد هنا القوافي، كنى عنها بالحجارة. ومثله قول أبي تمام:
وكأنما هي في السَّماع جَنادلٌ ... وكأنما هي في العيون كواكِبُ
فأما الجُنَّةُ فمعروفة، سميت جُنَّة لأن الشجرة تَجُنُّها، أي تستُرُها. وكل شيء وقاك وسترك فهو جُنَّةٌ؛
ومنه سميت الدِّرع جُنَّةٌ. واستَجَنَّ فلان إذا استتر بشيء، والمِجنُّ: التُّرْسُ لستره صاحبه، وسمي القبر
جَنَناً من هذا.
وقال المقنع الكندي أو رافع بن هرم اليربوعي:
وصاحب السوء كالداء العياء إذا ... ما ارْفَضَّ في الجِسم يَجْري هاهنا وهنا
فذاكَ إنْ عاشَ كُنْ عنهُ بِمَعْزِلةٍ ... أوماتَ يوماً فلا تَشْهَدْ لهُ جَننا
ويروي:
إن عاشَ ذلك فأبعِدْ عنْكَ منزِله ... أوْ ماتَ ذاكَ فلا تعرف له جَنَنا
وللقبر أسماء غير الجَنَن هو الريْم والرَّمْس والجدث والحَدَب. قاله أبو علي. وقال الشاعر:
стр. 468
ولا شَمْطاء لم يَتْرك شَقاها ... لها منْ تسعةٍ إلاّ جَنينا
يعني مدفونا، أي قدْ ماتوا كلهم. وقد يسمى الرُّوح جَناناً، لأن الجسم يَجُنُّهُ.
وجَنانُ النَّاس مُعْظمهم قال الشاعر:
جَنانُ المُسلِمين أو دُّمسّاً ... وإنْ جَاوَرْتُ أسْلمَ أوْ غِفَارا
وكان أهل الجاهلية يسمون الملائكة جِنَّا لا سِتتارهم عن العيون. والجَنينُ: الولد في الرحم، والجميع
الأجنَّةُ. قال الله تعالى (أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) ويقال: أجَنَّت الحاملُ ولَدَها. وقال الشاعر:
وقد أجنَّتْ علقا ملقوحا ... ضمَّنه الأرحام والكشوحَا
ويقال جَنّ الولد يَجُنُّ جَنّا، وكذلك جَنَّ الليل، وهو يَجُنُّ جَنّاً وَمجَنَّةً، وجَنّ عليه الليل، إنْ غطَّى عليه
وستره بظلمته، وأجَنَّهُ الليل: أي ستره. وجِنَّةُ الليل أيضا بإسقاط الألف لغة، وبها قرأ علي بن أبي
طالب ﵁، وجملة من الصحابة أبو هريرة، وغيره في قوله تعالى في سورة النجم (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى)
وقال الهذلي، وقرأته في النوادر لأبي علي البغدادي:
من المُرْبَعينَ وَمِنْ آزِلٍ ... إذا جَنَّهُ الليْلُ كالناحِطِ
стр. 469
وَجِنُّ الليل: اختلاط ظلمته. قال الشاعر:
حتَّى يجئَ وَجِنُّ اللَّيل يُوغلُه ... والشُّوكُ في وضح الرِّجْلينِ مرْكُوزُ
ويقال: جَنَانُ الليل وَجُنونُ الليل. وقال الشاعر:
ولولا جُنُونُ الليل أدركَ رَكْضُنا ... بذي الرَّمْثِ والأرْضِ عياضَ بن ناشفِ
وجِنُّ الشَّباب: حدَّته ونشاطه. وفي الحديث: "الشباب شُعْبَةٌ من الجُنون" وذلك أن الجُنُون آفة تنالُ
العقل فتزيله، وكذلك الشَّباب، قد يسرع إلى غلبة العقل بما له من قوة الميل الى الشهوات، وشدة
النزاع إليها، وكذا قول بعضهم (الغَضَبُ جنُونُ ساعة).
وقال حسان بن ثابت:
إنّ شرخَ الشَّباب والشَّعرا لأسْ ... ودما لمْ يُعاصَ كانَ جُنُوناَ
قال: (ما لم يعاص) ولم يقل (يعاصيا) كما يجب، لأنه أراد ما لمّ يُعاصَ كُلُّ واحدِ منهما. وقيل: إنّ
الشعر الأسود داخلٌ تحت ذكر الشباب، فلهذا استغنى بالضمير الواحد واكتفى به.
وفي حديث عبد الله بن عمر: "مَتِّعْنا بأسْماعِنا وأبْصارنا واجْعلهُ الوارثَ منَّا" فقال: وجعله بلفظ
الواحد، وقد تقدم ذكر الأسماع والأبصار بلفظ
стр. 470
الجماعة ففي هذا وجهان: أحدهما أن تكون التاء راجعة
إلى ضمير الفعل وهو الإستمتاع بهما.
والوجه الآخر: أن تكون الإشارة بها إلى واحد واحدٍ من كل سمع ومن كل بصر.
قاله أبو سليمان الخطابي، وقال في معني هذا الحديث قولين: أحدهما أن يكون معنى الوراثة منهما
أن تبقى صحتهما عند ضعف الكبر فيكونا وارثي سائر الأعضاء الباقين بعدها.
والقول الآخر أن يكون دعي بذلك للأعقاب والأولاد. والأول أصح.
وبالقول الثاني قال ابن سراج.
وحكي ان الحسن كان يقول في دعائه (اللَّهمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ من صَناديد القدر وَجُنُون العمَل). قال ابن
الأعرابي: الصَّنايد: الشَّدائد والدَّواهي، وجُنونُ العمل الإعجابُ به حتى يبطل عمله. وأنشد:
فدقَّتْ وجَلَّتْ واسْبكرتْ وأٌكمِلتْ ... فلَوْ جُنَّ إنْسانٌ منَ الحُسْنِ جُنَّتِ
ويقال: جُنَّ الرجلُ وأجنَّه الله فهو مجْنونٌ، والجميع مَجانين.
قال الشاعر:
стр. 471
شكوتم إلينا مَجانينَكمْ ... ونشكو إليكمْ مَجَانينا
فلَوْلا المُعافاةُ كُنَّاكهُمْ ... ولوْلا البلاءُ لَكَانُوا كنا
وسمي المجنون مجنونا لأنه قد أطبق على قلبه. وأصله من الجِنِّ، وهو السَّتْر، ويقال بالرجل جِنَّةٌ
ومَجَنَّة أي جُنُونٌ. قال الله سبحانه (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) وقال (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) وقال الشاعر:
من الدّارميِّين الذين دِمَاؤُهُمْ ... شِفاءٌ من الدَّاء المجَنَّة والخَبْلِ
وأرضٌ مَجَنَّة كثيرة الجِنِّ. والجِنَّة والجِنَّان جماعة ولد الجان. والجانُّ هو أبو الجِن خُلِق من نار، ثم
خُلق منه نسْله، وسُمُّوا جِنّاً لأنهم استجنوا من الناس فلا يرون.
قال الحسن في قوله تعالى (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) يعني إبليس خلقه الله تعالى قبل آدم ﵇. ونارُ السَّموم؛ الحارة
التي تقتل. والجان أيضا الحَيَّةُ البيضاء. قال الله سبحانه (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ)
وفي حديث عبد الله بن عمر قال: شرب رجل من سقاء، فانساب في بطنه جانٌّ، فنهى رسول الله
ﷺ عن اخْتِناثِ الأسْقِية واختناثُ الأسقية هي أن تمال، فيشرب منْ أفواهِها، وعند
ميلها يحدث فيها تكسر
стр. 472
ورخاوة، وبذلك سميّ المُخَنث من الرجال. وفي الحديث أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم دخل على أمِّ سلمة، وعندها مخنث.
وشرب أحد الشعراء من سقاءٍ اختثنه حتى روى فألغز وقال:
أخذت مخنثا فلثمت فاه ... فيا طيب المخنث من لثيمِ
رجع
وقوله (والكوثر العذب)، والكوثرُ فَوْعَل: من الكثرة، والواو فيه زائدة كزيادتها في الدَّوْلس، وهو
فوعل أيضا من الدَّلَس. والدَّلَس: اخفاء العيب وستره في حين البيع. والكَوثر نهر في الجنة للنبي
خاصة تتشعب منه أنهار الجنة. قالته عائشة ﵂، وروى نحوه عن النبي ﵇،
وقال عطاء: هو حوض النبي ﵇. ويومئذ قول عطا حديث أبي سعيد سنان ين مالك بن
سنان الخدري أن النبي ﷺ قال: "إن لي حوضا طوله ما بين الكعبة إلى بيت
المقدس أبيض من اللبن آنيته عدد النجوم" وفي حديث أنس، فيما روى أبو بن بكر أبي شيبة، عن
علي بن
стр. 473
مسهر عن المختار عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر وعدنيه ربي
في الجنة عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم" ويقال: الكوثر
هو الخير الذي أعطاه الله تعالى وجل النبي محمدا ﷺ وأمته يوم القيامة.
وقال بعضهم: الكوثر: العَجَاجُ المُلتَفُّ بعضه ببعض، وأنشد:
وقد ثار نقْعُ الموتِ حتى تَكَوْثَرا
أي حتى التف بعضه بعض.
وقال الحسن: الكوثر: القرآن.
وقوله: (زقوما وغسلينا) قال ابن زيد: لا يعلم أحد ما الزَّقُوم ولا الغِسْلين. وعن قتادة طعام الزقوم
شر الطعام وأبشعه.
والغِسْلين غسالة أجواف أهل النّار. ووزنه فِعْلِين من غسل الجراح والدبر.
رجع
قال: فلما خلص أبو الوليد من اعتقاله، وتَنَسَّمَ من الدَّهر صلاح حاله، بعد أن أعوز نفسه الجَلَد، وملأ
جوانحه الوجْد والكمد، كرّ إلى (الزهراء) ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية مَراقبها، فوافاها،
والربيع قد خلع عليها برده ونثر على
стр. 474
بساطها سوْسَنه وورْده، وأغصان ثمارها مورقة، ونواحيها
مشرقة، قد سالت جداولها، وغنَّت بلابلها، فراح أبو الوليد بين روض يانع، وريح طيبة المسرى،
وارتاح ارتياح جميل ببوادي القرى، فتشوق إلى لقاء ولادة، وحنَّ وخاف تلك النَّوائب والمحن، فكتب
إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده وطلقه، ويعاتبها على اغفال تعهده، ويذكرها بحسن محضره معها
ومشهده، فقال:
إني ذكرتك بالزهراء مُشتاقا ... والأفقُ طلْق ووجهالأرض قد راقا
وللنسيم اعتلالٌ في أصائله ... كأنه رقّ لي فاعْتل إشْفاقا
والرَّوضُ عنْ مائه الفضي مُبْتَسِمٌ ... كما شَقَقْتُ عن اللبات أطواقا
يومٌ كأيامِ لذاتٍ لنا انصرمتْ ... بتْنا لها حين نامَ الدّهر سُرّاقا
نلهو بما يستميل العينَ من زهر ... جال النَّدى فيه حتى مال اعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقي ... بكت لما بي فجال الدّمع رَقْراقا
ورْد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين اشراقا
سَرى يُنافِحُه نَيْلُوفرٌ عَبِقٌ ... وَسْنان نبَّه معه الصُّبح أحداقا
كلٌّ يهيجُ لنا ذكرى تشوقنا ... إليك لم يعدعنها الصدر أن ضاقا
لو كان وفىَّ المنى في جَمعنا بكم ... لكان منْ أكرم الأيام أخلاقا
لا سكَّن الله قلباً عن ذِكركمُ ... فلم يطِر بِجَناحِ الشوق خَفَّاقا
لو شاء حملي نسيمُ الريح حين هفا ... وافاكُمُ بفتى أضْناه ما لاقى
стр. 475
كان التجازي بمحض الودِّ مذ زمن ... ميدان أنس جرينا فيه إطلاقا
فالآن أحمد ماكُنّا بعهدكمُ ... سلوتم وبقينا نحن عُشَّاقا
في أشعارٍ له كثيرة هي في كتاب ابن بسام وغيره مسْطُورة. وفي أبي الوليد يقول أبو الحسن بن
بسام: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شُعراء مخْزوم، أحدُ منْ جَرَّ الأيام جرًّآ، وفاتَ
الأنام طُرُاً، وصَرَّفَ السُّلْطان نفعاً وضَرّاً، ووسع البيان نظما ونثرا، إلى أدب ليس للبحر تدفُّقه، ولا
للبدر تَألُّقه، وشِعْرٍ ليس للسحر بيانُهُ، ولا للنجوم الزُّهْرِ اقتِرانُه، وحظٍّ من النَّثر غريب المَباني،
شِعريِّ الألفاظ والمعاني.
وفيه يقول أبو نصر الفتح بن محمد في (القلائد):
ذو الوزارتين أبو الوليد بن عبد الله بن زيدون زعيم الفئة القرطبية، ونَشْأةُ الدَّولة الجَهْوَرِيَّة الذي
بهر في نظامه، وطلعَ كالبَدْر ليلَةَ تمامِه، فجاء من القوْل بسحرٍ، وقلَّدَهُ أبْهى نحر، لم تصرفْهُ إلاّ بين
ريحان وراح، ولم يطلعه إلاّ في سماء مؤانساتِ وأفراح، ولا تعدى به الرؤساء والمُلوك ولا تَرَدى
منه إلاّ حظوة كالشمس عند الدُّلوك، فشرف بضائعه، وأرهف بدائعه وروائعه، وكلفت به تلك الدولة
حتى صار ملهج لسانها وحل محل انسانها.
قلت أنا: وكانَ ﵀ شِهابَ ذكاءٍ متألقاً، وبحر بيان متدفقا، يقذف بلسانه من البيان لؤلوآ مكنونا،
ويَبُثُّ من البلاغة ضروبا وفنونا، وفيما أثبت له في التَّصانيف، وسطر في التَّواليف، من النَّظْم الذي
أرْهَفَه بالتَّهْذيب، وطرَّزَهُ بكُلِّ معنى عجِيب، وبناه من اللَّفظ الصحيح، ووشحه بالوَشي المليح، ونثره
البديع، المزري بالدُّرّ الرفيع، دليل على أنه كان يملك من البيان بحرا لا يُمْتَطى
стр. 476
لهُ ثَبَج، ولا تُخاضُ بهِ اللجج. وناهيكَ من تحرير حلَّ من ابن عبّاد غُرةً في جبين مُلكِه، وواسطة في مُنْتَظم سِلْكِهِ،
واسْتَقَلّ من دولته بأعْبائها، ولاحَ بدْرا منيرا في سمائها، أشرق من لآلئه الإظْلامُ، وعَبِقَتْ بأرَجِهِ
الليالي والأيامُ، ولا يَتَّسِعُ هذا المجموع لاثباث محاسنه وفنونه، وتصرّفه في سهول الإبداع وحُزُونِه،
ولو أشرتُ إلى ذلك، لخرجتُ عما قصدتُ إليه من غرضي، واعتمدتُ عليه. وقد أثبتُّ له فيه ما
يشهد له بالسَّبْق، وفي الثّناء عليه بالحق.
وحكى أبو العباس أحمد بن عبد ربه في كتاب (العقد) عن أبي زيد الأسدي قال: دخلت يوما على
سليمان بن عبد الملك مروان فَوَجدته جالسا على دكان مبلط بالرخام الأحمر، مفروش بالديباج
الأخضر، في وسط بستان قد أينع وأثمر، ويشق البُستان من جانبيه ميدانٌ ينبُت الربيع، وعلى رأس
سليمان وصَائف. كُلُّ واحدة أحسن من الأخرى كأنّما شردن من الجنان، عن غفلة من الرضوان،
يُصْمِينَ بسهام الجُفون، ويُسْبين بقُدود تحكى تَثَنِّي الغُصون، ويُسْفرنَ عن بدور، ويَبْسمْنَ عن دُرِّ لم
تقلد مثله النُّحور. والشمس قد مالت للغروب، وحكت لون المُحِبِّ ساعَة وداعِ المَحْبُوب، وهَبَّ النَّسيمُ
على الغُصون فتَمايَلتْ، وحنَّتِ الأطيار فتَجاوبتْ فقلت: السلامُ عليك أيُّها الأمير، ورحمة الله
وبركاته، وكان مُطرقا، فعندما مَثُلْتُ بين يديه، وسَلَّمْت عليه، رفع رأسه إلي وقال: أبا زيد في هذا
الوقت غشيت حيّنا. فقلت أصلح الله الأمير، أو قدْ قامت القيامة؟ قال: نعم. على أهل الحب. ثم قال
لي: يا أبا زيد ما يَصْلُحُ في هذا الوقت؟ قلت: أصلَحَ الله الأمير. قهْوةٌ صفراء في زُجاجةٍِ بيضاء،
стр. 477
تناولينها جارية هَيْفاء، رخيمة الدال بديعة الشَّكل أشْرَبُها من كَفِّها، واجعل نقلي رُضابَ فمِها. فأطرق
الأمير وتَحَدَّرَتْ عبراته، وهاجَتْ لو عاته، وتحركت سَواكنه، وبكى حتى بُلَّ سِرْبالُه. فلما رأى
الوصائف حاله تَنَحَّيْن عنه، فعند ذلك قال لي: أبا زيد هذا والله آخر يوم من أيامك، وانصِرَامِ مُدَّتِك،
بالله لأضْرَبَنَّ عنقك. أو لتخبرني ما الذي أوقع هذه الصفة في قلبك.
فقلت: نَعَمْ، أصْلَحَ الله الأمير، كنْتُ جالِسا على بابِ أخيكَ سعيد، فإذا أنا بجاريةٍ قد خَرَجَتْ إلى بابِ
القصْر كالغزال، انفلت من شبكة صائد، وعليها قميص سَكْبٌ اسْكنْدراني، تبصر العين من فوقه
رمانتي صدرها، ونقش تكَّتها، وفي رجليها نَعْلان أحمران، فتعجَّبت أيها الأمير من بياض رجليها،
في حمرة نعليها، ولها ضفيرتان تضربان خصريها، قد أسبلتهما على منكبيها، وصدغان كأنهما نونان
وحَاجِبانِ كأنهما قوسان، وعينان ليستا لحور الجِنان، بالسحر مملوءتان. فأبصرت أحسن سواد، رأيته
في بياض، من لِحاظٍ مُعْتَلَّة، في جُفونِ ليست بمِراض، وعِقْدُها في نَحْرِها يبرق، والشَّمس فوق
إزارِها تُشْرِقُ. فلمّا وصلت إلى باب القصر، تَنَهَّدَتْ تنهدا جاوبتها الحِيطان، قالت: عِبادَ الله من لي
بدواء مالا يُشتكى، وعِلاج مالا يُوسى. طال والله الحجاب ومنع الجواب، ولزم الاكتئاب، فالفؤاد
مُخْتلس، والنوم مُحْتبس، والحزن دائم، والدمع ساجم. فرحم الله قوماً عاشوا تجلداً، وماتوا تبلداً، ولو
وجدنا إلى العزاء سبيلا، لكان الأمر أمراً جميلا. ثم أسبلت عبرات حكت تناثر اللؤلؤ الرطب، على
الورد الغض، ثم رفعت رأسي فقلت: أيتها الجارية إنسية أم جنية، أرضيّةٌ أمّ سَمائية؟ فقد أعجبني ما
رأيت من حسنك، وأذهلني ما سمعت من منطقك، فسترت وجهها بكمها. ثم قالت: عُذْرا أيُّها المُتَكَلِّمُ
الأديبُ فما أوْحَشَ الوحيدَ بلا مساعد، والغريبَ عن أوطانه، والنازحَ عن أحبابه وخِلانه. ثم
انصرفت، فوالله - أيها الأمير - ما رأيتُ حسنا بعده، الاّ سمج في عيني
стр. 478
لحسنها، ولا ذقت طيبا إلاّ عادَ عَلْقَما لشجوها. فاستوي الأمير جالسا، وعَبَراتُه تسكب. فقال: يا أبا زيد كاد الجهلُ يَسْتفزني،
والصِّبا يعودُ لي، والحِلمُ يغْرُبُ عنِّى. أتعرف تلك الجارية؟ قلتُ: لا، أعرفها أيها الأمير. قال: تلك
الذَّلْفاءُ التي يقول فيها الشاعر:
إنما الذَّلْفَاءُ ياقوتةٌ ... أُخْرِجَتْ من كيسِِ دِهْقانِ
اشتراها أخي الوليد بألف ألف درهم، وهي عاشقة للذي باعها، فلا يتمتع بها أخي ولا غيره إلا على
تلكَ الحال. ووالله ما يموتُ من رآها إلاّ بحسرتها، ولا يَدخُلُ القبر إلا بِغُصَّتها، ولكن في الصَّبرة
سُلْوَة، وفي توقُّع الموت بهتة. قُمْ أبا زيد واكتُمْ، فقلت: أفْعَلُ أيها الأمير، وَأمرَ لي ببدرةٍ فأخذتُها
وانصرفتُ.
قال الأصمعي في الأنف الذَّلِف؛ وهو قِصَرُهُ وصغَرُ أرْنبته: يُقال رجَلٌ أذْلَف، وامرأة ذَلْفاء.
قال أبو النجم:
للشَّمِّ عندي بهجةٌ ومَوَدَّةٌ ... وأُحِبُّ بعض ملاحَةِ الذَّلْفاءِ
وقال العجاج:
بسلهبينِ فوق أنْفٍ أذْلَفَا
стр. 479
فصل
وحكى إقبال الدولة بن مُجَاهد قال: حضرتُ عند صِهري المعتمد بن عباد، والنهارُ قد نشر من غَيمه
نَدى نَدٍ، وأسْكبَ من قَطْرِه ماء ورد، وأبْدى من برْقِهِ لسانَ نارٍ، وأظْهرَ من قُزَحِهِ بُستان آسٍ حُفَّ
بنرجسٍ وجُلَّنَار، والرَّوضُ قد بعث ريَّاه، وبثَّ الشكرلِسُقْياه. فكتب الى الطبيب الأديب أبي محمد
المصري:
أَيُّهَا الصَّاحبُ الذي فَارَقتْ نف ... سِي وعيني منه السَّتَا والسَّناءَ
نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حةَ والمسمع الغنى والغناء
نتعاطى التي تسمى من الل ... ذة والرقة الهوى والهواء
стр. 480
فاتهِ تُلف راحة ومحيَّا ... قدْ أَعدَّا لَكَ الحيا والحياء
فوافاه الطبيب المذكور، فألفى مجلسا قد اتْلَعَتْ أَباريقُه أَجْيَادَهَا، وأقامتْ به خَيْلُ السُّرُور طِرَادَها.
وأعطَتْهُ
الأماني انطباعَها وانقيادَهَا، وأهدت الدنيا ليومه مَوَاسِمَهَا وأَعْيَادَهَا، وخلعت عليه الشمسُ شُعَاعَها،
ونشرت فيه الحدائقُ ايناعها، فأدِيرَت الرَّاحُ، وتُعُوطيت الأَقْداح، وَخامر النُّفُوسَ الابتهاجُ والارتياحُ.
ؤأظهر المعتمد في ذلك اليوم من إيناسه، ما استرقَّ به نُفُوسَ جُلاَّسه. ثم دعا بكبير، فشَرِبَه عندما
تَناوله من يَدِ المُدِير. فكان كالشمس غَرُبتْ في ثِبير، وعندما تناوله قام الطبيب ينشد شعرا بمثله:
اشْرَبْ هنيئاً عَليكَ التَّاجُ مرتَفقاً ... في قَصْر حِمْصَ وَدَعْ غُمْدانَ لِلْيَمَنِ
فَأنتَ أَوْلى بتَاج الملْكِ تَلبَسُهُ ... مِنْ هَوْذَةَ بنِ عليٍّ وابنِ ذي يَزَنِ
فطرب المعتمد حتى زحف عن مجلسه، وأسرف في انبساطه وتأنُّسه. وأمر للطبيب المصري بخلعةٍ
لا تصلح إلاّ للخلفاء، فخلعت عليه، وأدناه حتى أجلسه مجلسَ الأكْفاءِ، وأَمَر له بدنانير عدداً، وملأَ
بالمواهب منه يداً.
قول الطبيب:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا
شطر بيت لأبي زمعة جد أمية بن أبي الصلت، من شعر قاله في معدي كرب بن ذي يزن، أوله:
стр. 481
ليطلب الوترَ أمثالُ ابن ذي يزِن ... رَيَّمَ في البحر للأعداء أَحْوَالا
يمَّمَ قيصر لما حان رحلَتُهُ ... فَلَمْ يجد عندهُ بعض الذي سأَلاَ
وفيها يقول:
أَرْسَلْتَ أُُسْداً على سُودِ الكلابِ فقد ... أضْحَى شَريدُهُمُ في الأرضِ فُلاَّلاً
فَاشْرَبْ هنيئاً عليكَ التَّاجُ مُرتَفِقاً ... في دار غُمْدَانَ داراً منكَ محلالا
ثمَّ اطل المسكَ إذْ شالتْ نَعَامَتُهُمْ ... وأسْبِلِ اليومَ في بُرْدَيكَ إِسْبالاَ
تِلك َالمكارمُ لاَقَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بمَاءفَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ
قوله: (إذْ شالت نعَامتُهُم)، العربُ تضرب زوالَ النَّعَامة مَثَلاً في الفِرار
فتقول: (شالتْ نَعَامَةُ القوم) إذا فرّوا أو هلكوا وانقرضوا. قال الشاعر:
أَزْرَى بنَا أَنَّنا شالَتْ نعَامَتُنا ... فخَالني دُونه بَلْ خِلْتهُ دُوني
وقال الآخر:
يَا ليتنَا أُمُّنَا شَالَتْ نَعَامتُنَا ... إِمَّا إلى جَنَّةٍ إِمَّا إلى نَارِ
والعرب تقول: أَشْرَدُ من نَعَامة، أي أسرع في الفرار من النَّعامة.
стр. 482
وقال الشاعر:
هُمُ تَرَكُوكَ أَسْلَحَ منْ حُبَارى ... رأَتْ صقراً وأَشْرَدَ مِنْ نَعَامِ
والنَّعامَةُ في اللغة: بَاطِنُ القَدَم، فمن مات فقد شَالَتْ رجْلُه، أي ارتفعت، وأَنْشَدُوا قول الشاعر:
تَنَعَّمْتُ لَمَّا جَاءَني سُوءُ فِعْلِهِمْ ... أَلاَ إِنَّمَا البَأْْسَاءُ لِلْمُتَنَعِّمِ
والنَّعَامَةُ أيضا: الجِلْدَة التي تغطى الدماغ، والنَّعَامَةُ: الظُّلْمَةُ. وابنُ النَّعَامة: عِرْقٌ في باطن القدم.
وقوله: (تِلك المَكَارِمُ) البيت، تمثل به عمر بن عبد العزيز ﵀، حين وفد عليه الرجل الذي
انتسب الى قتادة بن النُّعْمَان، الذي أصيبت عينه يوم أُحُد، فسأله عمر: من أَنْتَ؟ فقال الرجل:
أنَا ابْنُ الَّذي سَالتْ عَلَى الخَذِّ عَيْنُهُ ... فَرُدَّتْ بكَفِّ المصطفى أَيَّما رَدِّ
فَعَادَتْ كما كانَتْ لِأَوَّلِ أَمْرِهَا ... فَيَا حُسْنَ مَا عَيْن ويَا حُسْنَ مَا حَدِّ
فقال: عمر بن عبد العزيز: (تِلْلكَ المَكَارمُ لاَقَعْبَانِ مِنْ لَبَنِ) البيت بكماله.
ووصل الرجل وأحسن جَائزتَه.
وقد روي أن عيني قتادة بن النعمان الذي انتسب اليه الرجل، الوافد على
стр. 483
عمر، سقطتا معاً يوم أُحُد فردهما النبيّ ﷺ وروى هذا الحديث: محمد بن أبي عثمان، عن مالك بن أنس عن
محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن أخيه قتادة بن النعمان. قال:
(أصيبت عيناي يوم (أحد) فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي ﷺ ، فأعادهما
مكانهما، وبصق فيهما فعادتان تبرقان).
قال الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني: هذا حديث غريب عن مالك، تفرد به عمار بن
نصر وهو ثقة.
وحكى الحسين بن الضحاك قال: دخلت ذات يوم على الحسن بن
стр. 484
سهل في فصل الخريف، وقد جاء الوَسْميِّ، بِرَشٍّ خفيف، واليوم قَد تَجَلَّى في أحْسَنِ مَنْظَرٍ وأَعْجَبِهِ.
وَرَوائِحُ المجْلِسِ تَتَضَوَّعُ بأذْكى نَشْرٍ وَأطْيَبِهِ.
والحسَن جَالسٌ عَلَى سَرِيرِ آبنوس، وأمامه أَباريقُ مُتْرعة بالخمر وكؤوس، وهو ينظر
الى بستانٍ أنيق، والطَّيرُ تَشْدُو في أَفْنَانِه بِلَحْن يُطْرِب، وعلى رأسه غُلامٌ، كأنه البدر، وَجَبينُهُ قَدْ جَمَعَ
بين اللَّيْل والصَّبَاح، وَثَغْرُهُ بين العقِيقِ والأقَاح. فسلمت، فرد السلام عَلَيَّ. ونظر كالمستنطق اليَّ
فقلتُ:
أَلَسْتَ ترَى ديمةً تَهطلُ ... وَهذَا صَبَاحُكَ مُسْتَقبَلُ
وهذا العُقَار وقدْ راعنا ... بِطَلْعَتِهِ الشَّادِنُ الأكحلُ
وقد أَشْكَلَ العَيْشُ في يَوْمِنا ... فيَا حَبَّذَا عَيْشُنا المُشْكِلُ
فقال: العَيْشُ مشكل، فَمَا تَرى؟ قُلْتُ: مُبَاكَرةُ القَصْفِ، وَتَقْرِيبُ الإلْفِ. فقال: شَرْطَ أَنْ تَبِيتَ. قُلتُ:
لكَ الوَفَاءُ على أَنْ يَكونَ هَذَا الواقِفُ عَلَى رَأْسِكَ يَسْقِيني. فَضَحكَ الحَسَن وقال: ذلك لَكَ عَلَى مَافيه،
ثمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ والشَّرَابِ، ففَقَدْتُ الغُلام سَاعَةً، ثم إذا به قدْ جَاء مِنَ الحَمَّام، بجبينِ مُشْرق، وكأَن
وَجْهَهُ بَدْرٌ زَاهِر، وقدَّه غُصْنٌ نَاضِر، فقلت:
جَرَّدَهُ الحمامُ عَنْ دُرَّةٍ ... تَلُوحُ فيها عُكَنٌ غَضَّهْْ
стр. 485
كأنَّمَا الرَّشْحُ على خَدِّهِ ... طَلٌّ على تُفَّاحَةٍ عَضَّهْ
يَالَيْته زوَّدَني قُبْلَةً ... أَوْ لا فَمِنْ وَجْنَتِهِ عَضَّهْْْ
فقال لي الحسن: قد عمل فيك النبيذ، فقلت:
سقِّيَاني وَصرِّفا ... بِنْتَ حَوْلَيْنِ قَرْقَفا
واسْقِيَا المُرْهفَ الغرِي ... رَ سَقى اللَّهُ مرْهَفا
بِأبي مَاجنُ السَّرِي ... رَةِ يبْدِي تعطُّفا
فَإِذا رُمتُ ذَاك مِنْ ... هـ تَأَبى وَعنَّفا
وإذا هبَّ لِلْمنا ... مِ فَقِدْماً تَخَفَّفا
فتغاضب الغُلام، وقام وقعد، واشتدَّ حَنَقُه ووعبد ثم قال لي الحسن: أَقْبل على شرابك. وقام، فناولني
الغلام قَدَحاً، والحسن قد خرج، فشربتُ وأعطاني نَقْلا فقلتُ: اجْعَلْ لي عِوَضه قُبلة، فَأبى، فقال له
فَرَج، غلام
стр. 486
الحسن، وكان يتصرفُ علينا: بحياتي، يَابنيَّ، اسعفه بما طلب، فضحك، ثم دَنامِنِّي، كأنه
يُعطيني نَقْلا، وتَغَافَل، فاخْتَلَسْتُ منه قبلة، فقال: هي حرام: فقلت:
هَوَّنَ الأمْر عليه فرَجْ ... بِتَأبِّيهِ فَسقْياً لفَرَجْ
وَبِنَفْسي نَفْس مَنْ قال وَقدْ ... كان ما كان حرامٌ وحَرَجْ
وبتُّ تلك الليلة ناعمَ بالٍ بذلك الغزَال، فلَّما أصبح، انصرفتُ، ثم عدتُ الى الحسن، حين طَلعَ
النَّهار، فقال لي: كيف مَبيتُكَ البارحة؟
فقلتُ:
تأَلَّفْتُ طَيْفَ غزال الحَرَمْ ... فواصلني بعدما قد صَرَمْ
فَغَضَّ الجفون على غَفْلَةٍ ... وأعرض إعراضة المحتشمْ
فمازلت أبسطه مادحاً ... وَأُفْرِطُ في اللهو حتى ابتسمْ
وحكمني الريم في نفسه ... بشئٍ ولكنه مكتَتمْ
فقال لي الحسين: يافاسق! أظن ما ادَّعيت في النوم كان في اليقظة. وأصْلَحُ الأشْيَاءِ بِنَا، أن نُزِيلَ
العَارَ عَنَّا، بِهِبَتِهِ لَكَ. فَخُذْهُ، لا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فيه.
قال: وكان ابن الضحاك هذا، شديد الكَلَف بالغلمان، ومُغلِّباً حجة اللُّوطي على الزَّان. وهو القائل في
بِشْر غلام أبي عيسى بن الرشيد، حين حجبه، ووَكَل
стр. 487
به حافظه، ومراقبهُ، لَمَّا بَلغَهُ أن أخاه عيسى يتعشقه. واشتدَّ لذلك حنقهُ، وقَلَقه.
وكان ذلك الغلام بِشْر يَفْضُلُ رَبَّاتِ الحجال، في الحُسْن والجَمَال، فقال:
ظَنَّ مَنْ لاَ كانَ ظناَّ ... بحبيبي بحماهُ
أرصَدَ البابَ رقيبَيْ ... نِ بهِ فاكْتَنَفاهُ
فإذا ما اشتاق وُدِّي ... ولقائي مَنَعَاهُ
جَعَلَ اللَّهُ رقيبَيْ ... هـ من السُّوءِ فِدَاهُ
وحكى أبو بكر بن الاشبيلي قال:
حضرت مجلس أُنْس الوزير الكاتب أبي بكر بن عمّار بقصر الرشيد، فلما تمكن منَّا الأنْسُ، ودارتْ
بيننَا الكأْسُ، ارتجل أبو بكر أبياتاً من الشعر، وقام ينشدها، وجعل يرفع بها صوته، ويرددها وهي:
ما ضَرَّ أَنْ قيل إِسْحَاقٌ ومُوصِلُهُ ... ها أنت أنتَ وذي حِمْصٌ وإسْحاقُ
أنت الرَّشيدُ وَدَعْ مَا قدْ سَمِعتَ ... به وإنْ تَشابَهَ أَخلاَقٌ وأعرَاقٌ
للَّهِ دَرُّكَ دَارِكها مشَعْشَعة ... واحْضُرْ بِسَاقيكَ مَادَامَتْ بناسَاق
وحكى الكاتب أبو نصر في كتاب (القلائد) له قال:
стр. 488
دُعيت يوماً الى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية، وهي منتهى الجمال ومُزْهَى الصَّبا والشمال،
وعلى وهْيِ بنائها وَسُكُونِ الحَوَادِث بُرْهَةً في فِنَائها، فوافيتها، والصُّبْحُ قد ألبسها قميصه، والحُسْنُ قد
شرح بها عويصه. وَبِوَسَطِهَا مجلسٌ، قد تفتحت للروضة أبوابُه، وتوشحت بالأُزْرِ المبهجة أثوابُه.
يخترقه جدول كالحسام المَسْلُول، وينساب فيه انسياب الأيم بين الطلول. وضفتاه بالأدواح محفوفة،
وهو يروق كالخريدة المزفوفة.
وفيه يقول علي بن أحمد أحد شعرائها وقد دخله مع لمة من وزرائها:
قُمْ فَاسْقِني والرِّياضُ لاَبسَةٌ ... وَشْياً من النور حَاكهُ القَطْرُ
والشمسُ قد عُصْفرتْ غَلائِلُهَا ... والرَّوْضُ تَنْدَى ثيابه الخُضْرُ
في مجلس كالسماء لاَحَ لنا ... مِنْ وَجهِ من قدْ هَوِيتُهُ بدْرُ
والنهرُ مثلُ الفجر حفَّ به ... من الندَامى كوَاكبٌ زُهرُ
стр. 489
فحللتُ في ذلك المجلس، وفيه أخْدَانٌ، كأنهم الولْدَان وهُمْ في عيش لَدْن، كأنهم منه في جَنَّةِ عَدْن.
فأنختُ لَدَيْهم رَكَائبي وعَقَلْتُها، وقلّدت بهم رغائبي واعتقلْتُها. وأقمنا نتنعَّم بحسنه، طول ذلك اليوم.
ووافى الليل، فذُدْنا عن الجفون، طروقَ النوم. وبِتْنَابليلة كأن الصُّبْحَ منها مَقْدُود؛ والاغصان تميد
كأنها قدود. والمجرةُ تبصرها نَهراً؛ والكواكبُ تخالها في الجَوِّ زَهْراً. والثريا، كأنها راحة تشير؛
وعُطَارِِدُ، لنا بالطرب مشير. فلمّا كان من الغد، وافيتُ الرئيس أبا عبد الرحمن بن طاهر زائراً.
فأفضينا في الحديث، حتى انتهينا إلى ذكر منتزهنا بالأمس؛ وما نلنا من المسرات والأنس. فقال لي
الرئيس: وما بهجة مكان، قد بان قطينُه وَذَهَبَ؛ وسَلَبَ الزَّمَانُ بَهْجَتَه وانْتَهَبَ، وباد فلم يبقَ إلاَّ
رَسْمُهُ؛ ومحاه الحَدَثَان، فما يكاد يلوح وَسْمُه. عهدي به عندما فرغ من تشييده، وَتُنُوهي في تنميقه
وتنضيده.
وقد استدعاني اليه المنصور، في يوم حلت فيه الشمس بيت شرفها، واكتست الأرض بزخرفها.
فحللت به، والدُّوحُ تميس معاطفه؛ والنور يخجله قاطفه. والمدام تطلع فيه كواكبها وتغرب؛ وقد حلَّ
فيه قحطان ويَعْرب. وبين يدي المنصور، مائة غلام؛ ما يزيد أحدهم على العشر، غير أربع؛ ولا
يحل سوى الفؤاد من مربع. وهم يديرون رحيقا، خِلْتُهَا وكؤوسها دُرّاً
стр. 490
وعقيقا. فأقمنا به، والشهب تغازلنا؛ والأفلاك تنازلنا؛ ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على العشرين ألفاً، من صلات
متصلات، وأقطاع ضياع. ثم توحش الرئيس لذلك العَهْد وأفصح ما بين ضلوعه من الوَجْد. وأنشد:
سَقْياً لمنزلة الحِمَى وكثيبها ... إذ لا أرى زمنا كأزماني بها
وحكى الأستاذ أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي قال: دُعِيتُ إلى مَجْلِسِ أُنْسٍ؛ في
ليلة كأن سَمَاءها روضة، تفتحت النجومُ وسطها زُهراً؛ وتفجرت المجرّة خلالها نهراً. وشاحها اليُسْر؛
وسِوارُها البدْر. والمجلس قد احتشد به الأنس والطرب، وقرع فيه نبعُ السُرور بالغَرَب. فكان
كالشمس ضياء، وبدر التمام بهجة وبهاء، قد فَاحَ نَسيمُ رَنْدِهِ وَآسِه، ولاَحَ سِرَاجُ تَوَقُّدِ أَكْوَاسِه، وأبدت
سرور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها، والرَّاحُ يديرها غزال أَوْطَف، وَزَهْرُ
الأماني يُقْطَف، والحَدَثَان قد غَضَّ طَرْفه، والسرورُ قد نَشَرَ سَجْفه، فقلت مرتجلا:
يا رُبَّ لَيْلٍ قدْ هَتَكْتُ حِجَابهُ ... بزجاجة وَقادَةٍ كَالكَوْكَبِ
يَسْعى بها ساقٍ أَغَرَّ كَأَنها ... من خَدِّهِ وَرُضَابِ فيه الأشْنَبِ
стр. 491
بَدْرَانِ بدرٌ قد أمنْتُ غروبهُ ... يسعى ببدر جانح للمغربِ
فإذا نعمتَ برَشْفِ بدرٍ غاربٍ ... فانعمْ بِلَثْمِكَ نيِّراً لم يَغرُبِ
حَتَّى تَرى زُهر النجوم كَأَنها ... حول المجرَّةِ رَبْرَبٌ في مشربِ
واللَّيْلُ منْحَفِزٌ يَطيرُ غُرَابهُ ... والصُّبْحُ يتبعه بِبَازٍأشهب
وقد ذكر أبو محمد معنى هذا البيت الأخير، حين وصف مجلس أنس، فأحسن في صفة سقاته،
والصبح قد أقبل بميقاته. فَسَمَّى الخمرَ بأحسن أَسْمِائها، وأَثْنى عليها بآلائها. ونَبَّه النُّدَمَاء من نَوْمهم.
وحضَّهُم على اصطباح يومهم. فقال:
صَاحِ نبِّهْ كلَّ صَاحٍ نَصطَبحْ ... فَضْلَةَ الزِّقِّ الذي كان اغْتَبَقْ
قهوةً تحكى الذي في أضلعي ... من جَوَى الحُبِّ ومن نَفْح الحُرَقْ
مِنْ يَدَيْ سَاقٍ بَدَا منْ خَدِّهِ ... بدْرَ تمٍّ تحت فَرعٍ كَالغسَقْ
خِلْتُها إِذْ غَرَبتْ في ثَغْره ... شَمْسَها أَلْقَتْ بِخَدَّيه شَفَقْ
وَكأَن الصُّبحَ عينٌ فُجِّرَتْ ... وكأنَّ الليلَ زِنجيٌّ غرقْ
стр. 492
وكأن النَّجْمَ سرْبٌ لِمَهاً ... رَاعَهُ السِّرحَانُ صُبْحاً فافْترقْ
وهذا المعنى، قد تَدَاوَلَهُ الأُدَبَاء، وحَامَ على مسرعه الخطباء منهم والشعراء. وقصدوه قَصْدَ الظمآن
للنهر المُطرد، وشَدَوْا على أفنانه شَدْوَ الطائر الغَرِد. أخذه أبو أحمد المنفتل فقال:
بتنا كأن حداد الليل شَمْلَتُنَا ... حَتَّى غَدَا اللَّيْلُ في ثوبٍ سَحُولي
كأنَّ لَيْلَتنا والصُّبْحُ يتْبَعُها ... زِنجِيَّةٌ هَرَبَتْ قدّامَ رومي
قوله: (في ثوب سَحُولي) أي: في ثوب منسوب الى سَحُول، وهو موضع باليمن، تنسب إليه الثياب،
والسَّحْل: الثوب الأبيض، وكل ثوب من قطن أبيض، يقال له سَحْل، وهو معروف عند العرب. ومنه
قول طرفة:
وذالت كما ذَالَتْ وليدةُ مَجْلِسٍ ... تُِري رَبَّها أَذْيَالَ سحلٍ مُمَدَّدِ
ومنه أيضاً قول الهذلي يصف حمر وحش:
غَدَرْنَاها وكانت في مصامٍ ... كأنَّ سَرَاتهَا سحْلٌ نَسيجُ
قال هذا الأصمعي وأبو عبيدة.
стр. 493
وفي الحديث، فيما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لما مات، كُفنَ في ثلاثة أثواب بيضٍ سُحُوليَّةٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عمامة.
وقد اختلف أهل العلم في كَفَنِهِ ﷺ . فروى هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة قال: كُفِنَ رسول الله ﷺ في ربطتين، وثوب نَجْرَانِي. وعن ابن
عباس أنه قال: كفن رسول الله ﷺ في حلة حمراء، وقميصه الذي مات فيه. وعن
جعفر ابن محمد، عن أبيه، أنه كفن في ثوبين صَحَارِيَيْن وثوب حبرة.
قال: والصُّحْرَةُ، حُمْرَةٌ خفية الغُبْرَة. يقال: ثَوْبٌ أَصْحَرَ، وَصُحَارِيّ. ومُلاَءةٌ صَحْراء وصَحَارِيَّه.
وقال بعض أهل اللغة: الأصْحَرُ ما كان لونه لون الصَّحْراء من الأرض.
وقال الأصمعي: الأصْحَرُ قريبٌ من الأصْهَب ويقال: إن الصُّحَاريّ منسوب الى صُحَار: وهي قرية
باليمن. وروى معمر عن الزهري، عن أبي سلمة: أن أبا بكر أتى النبي ﷺ في
البيت الذي توفي فيه؛ فكشف عن وجهه بُرْدَ حِبَرَة، ثم أكب عليه فقبله.
قال أبو سليمان الخطابي: وأصحِّ هذه الأخبار حديث عائشة؛ لأنها أَعْلمُ بباطن أمره. إذ كان حجب
عنه الناس، ووليه نساؤه، وأهل بيته. وقد مات ﷺ في بيت عائشة وفي حِجْرِها،
ودفن في حُجْرَتِها
стр. 494
لم يَخْفَ عليها شيء من أمره. ويشبه أن يكون - والله أعلم - لما مات سُجِيَ بِبُرْدٍ،
فمن رآه سُجِي ظن أنه قد كفن فيه.
قال: وقد جاء عن عائشة، ما رفع الإشكال في هذا الباب أخبرنا ابن داسة، أخبرنا أبو داوود، أخبرنا
أحمد بن حنبل، أخبرنا الوليد بن مسلم أخبرنا الأوزاعي، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة قالت: أدرج رسول الله صلى اللله عليه وسلم في ثوب حبرة، ثم أخر عنه.
قال أبو إسحاق: ومما يؤيد قول أبي سليمان، حديث مالك عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أبا بكر
الصديق، قال لعائشة، وهو مريض: في كم كُفِنَ رسول الله ﷺ ؟ فقالت: في ثلاثة
أثوابٍ بيضِ سُحُولِيَّةٍ والحديث بطوله في (الموطأ). وفيه أيضا عن هشام بن عروة،
стр. 495
عن أبيه، عن عائشة، زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب،
بيض سحولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة.
رجع
وأخذه أبو بكر بن ظَهَار فقال:
عَلِّلاني فَإِنَّمَا أنا حَيْثُ ... جَادَ رَوْضَ الهَوَى من الوَصْلِ غَيثُ
وَكَأَنَّ الظَّلاَمَ لَما تَوَلى ... نَمِرٌ رَاعَهُ منَ الفَجْرِ لَيثُ
وإنما ألمَّ الأستاذ أبو محمد في قوله:
والليل مُنْحَفِزٌ يطير غرابُه
البيت.
بقول الأمير تميم بن المعز، في لفظه ومعناه. حيث يقول:
وكَأَنَّ الصَّبَاحَ في الأُفْقِ بازٌ ... والدُّجَى في مَخَالِبَيْهِ غُرَابُ
وقد كرره تميم في قوله أيضا:
وانْظُرْ إِلَى اللَّيْلِ كَالزَّنْجِي مُنْهَزِماً ... والصُّبْحُ في إِثْرِهِ يَعْدُو بِأشْهَبِهِ
وأخذه أبو الحسن التهامي فقال:
следующие страницы →