Полный текст (772 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
بَدْرَانِ بدرٌ قد أمنْتُ غروبهُ ... يسعى ببدر جانح للمغربِ
فإذا نعمتَ برَشْفِ بدرٍ غاربٍ ... فانعمْ بِلَثْمِكَ نيِّراً لم يَغرُبِ
حَتَّى تَرى زُهر النجوم كَأَنها ... حول المجرَّةِ رَبْرَبٌ في مشربِ
واللَّيْلُ منْحَفِزٌ يَطيرُ غُرَابهُ ... والصُّبْحُ يتبعه بِبَازٍأشهب
وقد ذكر أبو محمد معنى هذا البيت الأخير، حين وصف مجلس أنس، فأحسن في صفة سقاته،
والصبح قد أقبل بميقاته. فَسَمَّى الخمرَ بأحسن أَسْمِائها، وأَثْنى عليها بآلائها. ونَبَّه النُّدَمَاء من نَوْمهم.
وحضَّهُم على اصطباح يومهم. فقال:
صَاحِ نبِّهْ كلَّ صَاحٍ نَصطَبحْ ... فَضْلَةَ الزِّقِّ الذي كان اغْتَبَقْ
قهوةً تحكى الذي في أضلعي ... من جَوَى الحُبِّ ومن نَفْح الحُرَقْ
مِنْ يَدَيْ سَاقٍ بَدَا منْ خَدِّهِ ... بدْرَ تمٍّ تحت فَرعٍ كَالغسَقْ
خِلْتُها إِذْ غَرَبتْ في ثَغْره ... شَمْسَها أَلْقَتْ بِخَدَّيه شَفَقْ
وَكأَن الصُّبحَ عينٌ فُجِّرَتْ ... وكأنَّ الليلَ زِنجيٌّ غرقْ
стр. 492
وكأن النَّجْمَ سرْبٌ لِمَهاً ... رَاعَهُ السِّرحَانُ صُبْحاً فافْترقْ
وهذا المعنى، قد تَدَاوَلَهُ الأُدَبَاء، وحَامَ على مسرعه الخطباء منهم والشعراء. وقصدوه قَصْدَ الظمآن
للنهر المُطرد، وشَدَوْا على أفنانه شَدْوَ الطائر الغَرِد. أخذه أبو أحمد المنفتل فقال:
بتنا كأن حداد الليل شَمْلَتُنَا ... حَتَّى غَدَا اللَّيْلُ في ثوبٍ سَحُولي
كأنَّ لَيْلَتنا والصُّبْحُ يتْبَعُها ... زِنجِيَّةٌ هَرَبَتْ قدّامَ رومي
قوله: (في ثوب سَحُولي) أي: في ثوب منسوب الى سَحُول، وهو موضع باليمن، تنسب إليه الثياب،
والسَّحْل: الثوب الأبيض، وكل ثوب من قطن أبيض، يقال له سَحْل، وهو معروف عند العرب. ومنه
قول طرفة:
وذالت كما ذَالَتْ وليدةُ مَجْلِسٍ ... تُِري رَبَّها أَذْيَالَ سحلٍ مُمَدَّدِ
ومنه أيضاً قول الهذلي يصف حمر وحش:
غَدَرْنَاها وكانت في مصامٍ ... كأنَّ سَرَاتهَا سحْلٌ نَسيجُ
قال هذا الأصمعي وأبو عبيدة.
стр. 493
وفي الحديث، فيما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لما مات، كُفنَ في ثلاثة أثواب بيضٍ سُحُوليَّةٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عمامة.
وقد اختلف أهل العلم في كَفَنِهِ ﷺ . فروى هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة قال: كُفِنَ رسول الله ﷺ في ربطتين، وثوب نَجْرَانِي. وعن ابن
عباس أنه قال: كفن رسول الله ﷺ في حلة حمراء، وقميصه الذي مات فيه. وعن
جعفر ابن محمد، عن أبيه، أنه كفن في ثوبين صَحَارِيَيْن وثوب حبرة.
قال: والصُّحْرَةُ، حُمْرَةٌ خفية الغُبْرَة. يقال: ثَوْبٌ أَصْحَرَ، وَصُحَارِيّ. ومُلاَءةٌ صَحْراء وصَحَارِيَّه.
وقال بعض أهل اللغة: الأصْحَرُ ما كان لونه لون الصَّحْراء من الأرض.
وقال الأصمعي: الأصْحَرُ قريبٌ من الأصْهَب ويقال: إن الصُّحَاريّ منسوب الى صُحَار: وهي قرية
باليمن. وروى معمر عن الزهري، عن أبي سلمة: أن أبا بكر أتى النبي ﷺ في
البيت الذي توفي فيه؛ فكشف عن وجهه بُرْدَ حِبَرَة، ثم أكب عليه فقبله.
قال أبو سليمان الخطابي: وأصحِّ هذه الأخبار حديث عائشة؛ لأنها أَعْلمُ بباطن أمره. إذ كان حجب
عنه الناس، ووليه نساؤه، وأهل بيته. وقد مات ﷺ في بيت عائشة وفي حِجْرِها،
ودفن في حُجْرَتِها
стр. 494
لم يَخْفَ عليها شيء من أمره. ويشبه أن يكون - والله أعلم - لما مات سُجِيَ بِبُرْدٍ،
فمن رآه سُجِي ظن أنه قد كفن فيه.
قال: وقد جاء عن عائشة، ما رفع الإشكال في هذا الباب أخبرنا ابن داسة، أخبرنا أبو داوود، أخبرنا
أحمد بن حنبل، أخبرنا الوليد بن مسلم أخبرنا الأوزاعي، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة قالت: أدرج رسول الله صلى اللله عليه وسلم في ثوب حبرة، ثم أخر عنه.
قال أبو إسحاق: ومما يؤيد قول أبي سليمان، حديث مالك عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أبا بكر
الصديق، قال لعائشة، وهو مريض: في كم كُفِنَ رسول الله ﷺ ؟ فقالت: في ثلاثة
أثوابٍ بيضِ سُحُولِيَّةٍ والحديث بطوله في (الموطأ). وفيه أيضا عن هشام بن عروة،
стр. 495
عن أبيه، عن عائشة، زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب،
بيض سحولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة.
رجع
وأخذه أبو بكر بن ظَهَار فقال:
عَلِّلاني فَإِنَّمَا أنا حَيْثُ ... جَادَ رَوْضَ الهَوَى من الوَصْلِ غَيثُ
وَكَأَنَّ الظَّلاَمَ لَما تَوَلى ... نَمِرٌ رَاعَهُ منَ الفَجْرِ لَيثُ
وإنما ألمَّ الأستاذ أبو محمد في قوله:
والليل مُنْحَفِزٌ يطير غرابُه
البيت.
بقول الأمير تميم بن المعز، في لفظه ومعناه. حيث يقول:
وكَأَنَّ الصَّبَاحَ في الأُفْقِ بازٌ ... والدُّجَى في مَخَالِبَيْهِ غُرَابُ
وقد كرره تميم في قوله أيضا:
وانْظُرْ إِلَى اللَّيْلِ كَالزَّنْجِي مُنْهَزِماً ... والصُّبْحُ في إِثْرِهِ يَعْدُو بِأشْهَبِهِ
وأخذه أبو الحسن التهامي فقال:
стр. 496
أُحْيِي لَيالي بِتُّهَا وتُميتُنِي ... ويمُيتُهُنَّ تَبَلُّجُ الأَنوَارِ
حتى رأيت الفَجْرَ ترفع كَفَّه ... بالضوءِ رفرفَ خيمةٍ كَالقارِ
والصبحُ قد غَمَرَ النُّجُوم كَأنهُ ... سَيْلٌ طَمَا فَطَفَا عَلَى النُّوَارِ
وأخذه أبو محمد الصقلي فقال:
مَازِلْتُ أشْرَبُ كأسهُ من كفِّهِ ... ورُضَابُهُ نَقْلٌ عَلى مَا أَشربُ
حتَّى انْجَلَى الإِصْبَاحُ عن إظْلامِهِ ... كالسَّتْرِ يُرْفَعُ عن مليك مُحْجَبُ
وأخذه الآخر فقال:
في ليلةٍ أكل المِحَاقُ هلالها ... حتَّى تََبَدّى مثلَ وَقْفِ العاجِ
والصُّبْحُ يَتْلو المشتري فَكَأَنهُ ... عُرْيَانَ يَمشي في الدُّجَى بسراج
وأخذه أبو جعفر بن الأبار فقال:
والصبح ينشر من سَنَاهُ صوارما ... والليلُ يرفعُ منْ دُجَاهُ سُدُولا
стр. 497
وكَأَنَّ جُنْحَ اللَّيْلِ طرْفٌ أَدْهمٌ ... متَضَمِّنٌ من صُبحه تحجيلا
وما أحسن قول ابن المعتز في هذا المعنى وهو:
فَإنْ شئتُ غادَتْني السُّقَاةُ بكَأسها ... وقد فتح الإِصْبَاحُ في ليلهِ فَما
فَخلتُ الدُّجَى والليلُ قد مدَّ خَيْطهُ ... رداءً مُوَشّىً بالكَواكبِ مُعْلماَ
وفي هذا المعنى من قول ابن المعتز؛ أنشد أبو بكر ابن دريد، عن عبد الرحمان، عن عمه، عبد
الملك الأصمعي لرجل من العرب:
كَأَنَّ بَقَايَا الليل في أخريَاته ... مُلاَءٌ تُنَقَّى من طَيَالِسَةٍ خُضْرِ
تَخَالُ بَقَايَاهُالتي أَسْأَر الدجى ... تَمُدُّ وشيعاً فَوْقَ أَرْدِيةِ الفَجْرِ
شبهها بالوشيع، لما تراءى في خلاله، من خيوط بياض وسواد
قال: وَلِهَذَيْنِ البَيْتَيْن، خبرٌ عجيب، ونبأٌ غريب، يَجْنَحُ لسماعه كل أديب. ويُستَحْسَن موقعه في
القلوب. حكاه أبو علي البغدادي عن أبي بكر بن دريد، عن أبي حاتم، وعبد الرحمان، ابني أخي
الأصمعي عن الأصمعي.
قال: نزلت بقوم من غَنِيٍّ مجتورين، هم وقبائل من بني عامر بن صعصعة فحضرتُ ناديا لهم،
وفيهم شيخ طويل الصمت، عالم بالشعر وأيام الناس. يجتمع إليه فتيانهم، ينشدونه أشعارهم. فإذا سمع
الشعر الجيد، قرع الأرض قرعة، بمحجن في يده، فَيَنْفذُ حكمهُ على من حضر، بِبَكْرٍ للمنشد. وإذا
سمع ما لا يعجبه، قرع رأسه بمحجنه، فينفذ حكمه عليه، بشاة، إن كان ذا غنم، وابن مخاض، إن كان
ذا إبل فإذا أُخِذَ ذلك، ذبح لأهل النَّادي.
فحضرتهم
стр. 498
يوماً، والشيخ جالس بينهم. فأنشده بعضهم بيتين في وصف قطاة:
غَدَتْ في رَعِيلٍ ذي أَدَاوَى مَنُوطَةٍ ... بِلَبَّاتِها مدبوغَةٍ لَمْ تُمرَّخِ
إِذَا سَرْبَخ عَطَّتْ مَجَالَ سَرَاته ... تَمَطَّتْ فَحَطَّت بين أَرْجَاءِ سَرْبَخ
فقرع الأرض: بمحجنه وهو لا يتكلم، ثم أنشده آخر في وصف ليلة:
كأن شميطَ الصُّبح في أخرياتها
مُلاء ...........
البيتين المذكورين.
قال: فقام الشيخ كالمجنون، مصْلتا سيفه حتى خالط البرْكَ، فجعل يضرب يمينا وشمالا وهو يقول:
لاِ تُفْرِغَنْ في أذُنَيَّ بَعْدَها ... مَا يَسْتَفِزُّ فَأُريكَ فَقْدَها
إنِّي إذا السيف تولى ندَّها ... لا أستطيع بعد ذاك رَدَّها
وهو معنى مشهور. وفي الأشعار منه كثير.
وأرى أبا جعفر التطيلي إليه أومأ، وعليه نبَّه، وبه أنبأ، حيث يقول:
كمْ لَيْلَةٍ جُبْتُ مَثنى طُولها بفَتىً ... شَتَّى التََّسَالك بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّررِ
حَتىَّ بدَا ذَنَبُ السِّرحان لِي وَلها ... كَأنَّمَا هُو زَنْدٌ بالصَّباحِ يرِِِي
стр. 499
وفي قوله أيضا، من قطعة، هي ثابثة في مكانها من هذا الكتاب:
وَالصُّبْحُ يَقْدَحُ فِي الظَّلْمَاءِ نَائِرَةً ... كَأَنَّهَا نَفْثَةُ المَصْدُور عَن حَنقِ
والشَّرْقُ يَفْهَقُ وَالآفاقُ وَارِدَةٌ ... وَأَنْجُمُ اللَّيْلِ قَدْ أَيْقَنَّ بِالبَلقِِ
وقد أخذ الوزير الأجل أبو عمرو بن غياث شيخنا بيت تميم: وانظر الى الليل كالزنجي البيت، فقال
من قصيدة له طويلة:
يَا سَارياً ملَّ السُّرى الكَوْكبُ ... وَأَنْتَ تَسْرِي كَمْ وَكَمْ تدْأَبُ
كَأَنْ لَمْ تُبْصِرْ كُمَيْتَ الدُّجى ... يَرْهَقُهُ مِنْ صُبْحهِ أَشهَبُ
وَمِنْ قَوْلِي فيهِ من قَصِِيدَةٍ فِي التغزل:
كَمْ لَيْلَةٍ بِتُّها حَرَّانَ مُكْتَرثاً ... رَهْنَ الأَسى وَظَلامُ اللَّيلِ معْتَكرُ
ما بين ضدَّين من نارٍ مُؤجَّجةٍ ... ودمعُ عَيْني بماءِ الشوقِ يَنْهمرُ
ما بين خدين لا والله ما اجتمعا ... إلاَّ لأمر كبار ليس يُحْتَقَرُ
حتى رأيت كُمَيْتَ الليل منهزماً ... وأَشهبَ الصبح قد وافى به السَّحَرُ
وفيما أثبتُ منه كفاية، وَمَنِ الَّذي في وُسْعهِ أن يُحيِط بالغاية؟
والأستاذ ابو محمد بن السيد ﵀ في أدباء (الأندلس) وأعْلامِها مشهور؛ وله من النحو والأدب
حظ موفور. وكان منفردا في فهمه ونُبْلُه؛ ومعروفا بالصحة في حكايته ونقله وله (شروحات)
وتواليف دلَّت على ذكائه، وبراعته، وتهذيبه، وفصاحته: منها كتابه على (أدب الكتاب) المسمى
بكتاب (الاقتضاب) وشرحه
стр. 500
(لسقط الزند) للمعري، جوَّد فيه وأتقن، وبالغ في الإيضاح وأحسن. وبلغ
في (المثلث) الغاية؛ بل زاد علي النهاية. الى رقة الطبع والمنزع؛ وحلاوة المعاني والمشرع. سريع
الارتجال؛ مليح الوصف لأهل الحسن والجمال. وله في التغزل مُعَشَّرات، أحسن إيات من الشمس،
وأجرى من النَّفْسِ في النَّفَسِ. عارض فيها أبا الحسن الحصري فما قصر عنه، وان لم يكن ساواهُ،
فلقد دنا في الإبداع منه.
مولده سنة أربع وأربعين وأربع مائة. وتوفي ببلنسية في رجب الفرد سنة إحدى وعشرين وخمس
مائة. رحمة الله عليه وبركاته. ذكر مولده ووفاته ابن الصيرفي في تاريخه وحكى أنه حضر مع ابن
ذي النون، المتسمى من الألقاب السلطانية بالقادر بالله رئيس طليطلة. أحيا الله بنور الإيمان رمقها
ووسمها، وأعاد
стр. 501
في ديوان المسلمين رسمها، مجلس أنس في (المنية) المتناهية في البهاء والإشراق،
الجامعة لمحاسن (اليمن) و (العراق) التي تتفجر أبدا وتقطر، وتكاد من الغضارة تمطر، والقادر بالله
قد التحف بالوقار، وَارتداَه، وحكم العقار في جوده ونداه، والدولاب يئن كناقة اثر الحُوار، أو كَثكْلى
مِنْ حَرِّ الأُوار، والمجلسُ قد راق في أعين الناظرين، ونغماتُ العود والقيان تَنْحَرُ السَّامعين، فكأنه
لحُسْنِهِ الشمس في الحَمَلِ، وأَهله قَد ابتهجوا بِنَيْلِ الأَمل، والجَوُّ قد عنبرته أنواره، والروضُ قد ذهبته
أنداؤه. والأسْدُ قد فغرت أَفْوَاهَهَا، ومجَّتْ أََمْوَاهَهَا. فقال: أبو محمد مرتجلا:
يا منظراً إِنْ رَمَقْتُ بَهْجَتَهُ ... أَذْكَرَنيِ حُسْنَ جنَّةِ الخلْدِ
تُرْبَةُ مسكٍ وَجَوُّ عَنْبرَةٍ ... وَغَيْمُ ندٍّ وطشُّ ما وردِ
وَالماءُ كاللاَّزَوَرد قد نُظِمَتْ ... فيِه اللآلي فواغِرَ الأُسدِ
كَأَنما جَائِلُ الحبابِ بِهِ ... يَلعَبُ في حافَتَيْهِ بالنرْدِ
تراهُ يُزْهَى إِذا يَحِلُّ به ال ... قادرُ زَهْوَ الفتاةِ بالعقدِ
تَخَالُهُ إَنْ بَدا لِناظِرِهِ ... بَدْراً بداَ فِي مطالع السَّعْدِ
كأَنَّما أُلبِسَتْ حَدائِقُه ... ما حَازَ مِنْ شيمَةٍ وَمِنْ مجدِ
كَأنّمَا جادَها فَرَوَّضهاَ ... بنائلٍ من يمينه رغْدِ
الرَّغْْدُ، النَّفْعُ الواسِعُ الكثير، الذي ليس فيه تعب ولا عناء.
стр. 502
وقال أبو بكر ابن دريد الرَّغْد: السعة في العيش والمرعى.
يقال: عَيْشٌ راغِدٌ، وَرَغْدٌ وَرَغيِد.
وقالَ صَاحبُ العين عَيْشٌ رَغَدٌ رَغيِدٌ: رَفيِهٌ.
وقال أبو عبيدة: الرَّغْدُ، الكَثيرُ الذي يقيك من ماء، أو عيش، أوكلاء، أو مال. يقال: قد أرْغدَ فلان،
اذا أصاب عيشا واسعاً.
وأرغد الرجل ماشيته، إذا تركها وَسوَْمَهَا فى المرعى. والرَّغِيدَة، الزُّبْدَةُ فى بعض اللغات.
وقال الأعشى يصف نيل مصر، بالرَّغَد والكثرة:
زبِداً بِمِصْرٍ يَوْمَ يَسْقيِ أَهْلَهَا ... رَغْداً تُفَجِّرُهُ النَّبيطُ خِلاَلَهَا
وقال الله سبحانه (وكُلاَ منها رَغَداً حيث شئتما).
قرأ النخعي، ويحي بن وثاب، رغدا، بإسكان الغين، وفتحها الجمهور من القراء. وهي اللغة
المستعملة الفصيحة. ويقال: قوم رَغَدٌ، ونساء رَغَدٌ.
وحكى بعض الرواة: أن المعتمد بن عباد اختص ذات يوم، بجواريه
стр. 503
وكرائمه، وشرب حتى أخذت منه الحميّا ثارها؛ وأبدت له الاماني اسفارها. فمشت بين يديه جارية، من تلك الجواري؛ وهي
كالشمس تحلت بالدراري، وعليها غلالة، لا تُخفي نضرة جسمها، وقد أسلبت ذوائب، يخفى ضوء
الشمس في مدلهمها. فسكب المعتمد عليها إناء ماء وَرْد، كان بين يديه. فامتزج الدَّلُّ ليناً واسْتِرْسَالاً؛
وتشاكل طيبا وجمالا. فأدركت المعتمد أريحيةُ الطرب؛ ومالت به راح الأدب فقال:
وَهَوِيتُ سَالِبَةَ النُّفُوسِ غَرِيرَةً ... تَخْتَالُ بين أسنّةٍ وبَوَاتِر
ثم تعذر عليه المقال؛ أو شغلته عنه تلك الحال. فأمر بعض الخدم، أن يسير إلى النَّحْلي، ويأمره
بإجازة البيت. فلما بلغ الرسول إلى النحلي، وأعلمه بالحال، وأضاف إلى البيت من حينه:
راقَتْ مَحَاسِنُهَا ورَقَّ أَدِيمُها ... فَتكَادُ تُبْصِرُ بَاطِناً من ظَاهرِ
وتَمَايلَتْ كالغُصْنِ هَزَّتْهُ الصَّبا ... والتَفَّ في وَرَقِ الشَّبَابِ الناضِر
يَنْدَى بِمَاء الوَرْدِ مُسْبِلُ شَعْرِهَا ... كالطلِّ يَسْقُطُ من جَنَاحِ الطَّائرِ
стр. 504
تَزْهَى بِروْنَقِهَا وحسنِ جَمَالها ... زَهْوَ المؤيَّد بالثَّنَاء العَاطرِ
مَلِكٌ تضَاءلَتِ المُلوكُ لقدْرهِ ... وَعَنَا لهُ صَرْفُ الزَّمَانِ الجَائرِ
وإذا لَمَحْتَ جَبِينَهُ وَيَمِينَهُ ... أَبْصَرْتَ بَدْراً فَوْقَ بحرٍ زَاخرِ
فلما وصلت الأبيات الى المعتمد ولمحها، استغربها واستملحها. وتعجب من موافقة الغرض،
واستعذاره. وأمر في الحين بإحضَارِه. فلما وصل إليه، قال له: أصبتَ وأحسنت. أَوَ معَنا كنت؟ فقال
له النحلي: يا قاتل المحْل أو ما تلوت (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ). فزاد المعتمد هذا الجواب عجبا؛ واهتز له استغرابا وتعجبا.
وقرَّبَ النحلي وأدناه، ووهب له من المال ما أرضاه به، وأغناه.
وحكى الفقيه الكاتب، أبو محمد بن عبدون، أنه ساير المتوكل على الله أبا المظفر بن الأفطس إلى
مدينة (شنترين)، أعاد الله للمسلمين مُلْكها؛ وزين
стр. 505
بنور الإيمان سِلْكَها؛ وطهر بالهدى رِجْسَهَا وإِفْكَهَا
وهي عَلَى ضفة نهر، استدار بها استدارة القُلْبِ بالسَّاعِدِ؛ فحكت واسطة عقد، على نَحْرِ كَاعِبٍ نَاهِد.
قد أطلت على خَمَائِلِها إطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من خصتها. ولها جَنَابٌ
خَصيب، يروق منه مرأى عجيب. فمروا بقصر يلبش، وقد سالت جداولُه، واخْتالت خَمَائلُه. فما
تجول به العينُ إلا في مدينة غشاء، أو بقعة أنيقة زهراء. فتلقاهم الأديب أبوزيد بن مقانا، قاضي
حضرته. فأنزلهم، وأوْرى بالمبَرَّة زنده لهم، وقدم لهم طعاما، واعتقد قبوله منه، منّاً عليه وإنعاما.
فطعموا، وقَعَدَ القاضي بباب المجلس رقيبا لا يبرح، وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تَمْرح.
فخرج أبو محمد، وقد أضرمه بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله، فلقي ابن خيرون منتظرا له، وقد
أعد لحلولهم منزله، فصار معه أبو محمد إلى مجلس، قد ابتسمت ثُغُورُ نُوَاره، وخَجِلَت خُدُودُ وَرْدِه
من زوَّارِه. وأبدتْ صُدُور أباريقِه أسرَارَها، وضمت عليه المجالس أزرارها. وحين حضروقت
الأنس وحينه، وتأرَّجتأزْهَارُه ورياحينه، وجه مَن يَرْقُب المتوكل حين يقوم جليسه، ويَزولُ موحِشُه لا
أَنِيسُهُ. فأقام الرسول، والقاضي بمكانه لا
стр. 506
يَرِيمُهُ، قد لازَمَهُ كَأَنَّهُ غَريمُهُ. فما انفصل، حتى ظن أن
عارِضَ الليل قد نَصَل. فلما علم أبو محمد بانفصال القاضي عن المتوكل، وقد أضَرَّ به من شدَّة
التثقل، بعث إليه قطيع خَمْر، وطبق وَرْد، وكتب إليه:
إليكَهَا فَاجْتَلِهَا مُنيرَةً ... وقَد خَبَا حتّى الشِّهَابُ الثَّاقِبُ
وَاقِفَةً بالبابِ لَمْ يُؤْذَنْ لَها ... إلاَّ وَقَدْ كَادَ يَنامُ الحَاجبُُ
فَبَعْضُها من المَخَاف جَامدٌ ... وَبَعْضُهَا من الحَيَاءِ ذَائبُ
فلما رآها المتوكل، وضعها أمامه، وكتب إلى أبي محمد ببيتين هما:
قَد وَصَلَتْ تِلْكَ التي زَفَفْتَهَا ... بِكْراً وَقَدْ شَابَتْ بِهَا ذَوائبُ
فَهُبََّّ حتى نستَردَّ ذَاهِبا ... من يَوْمِنَا إن استُردَّ ذَاهبُ
فصار إليه أبو محمد، ونقل ما كان في المجلس، فوضع بين يدي المتوكل، وباتا ليلتهما، لا يَريمَان
السَّهَر؛ ولا يشيمَان برقا إلا الكأس والوَتَر.
قال واصطبح المعتمد في بعض أيام مُلْكه، وسعدُه مستقيم على فلكه، والدهر من خُدَّامه، والنصر
مُلازِمٌ لأعلامه والأرضُ قد نَشَرَت مُلاَءَها؛ وَسَحَبَتْ رِدَاءَها وَجَرَّتْ فوقها ذُيُولَ السَّحَابِ؛ فاكتَسَتْ
أحْسَن جِلْبَاب. واهتَزَّ الرَّوْض لتغريد حَمَامه؛ وبرز الوردُ من كِمَامه، والأشجارُ قد نشرت شعرها؛
стр. 507
والاماني قد أماطت عُبُوسها، وأبدت بشرها، وهو إذ ذاك في قصره الذي طويل الوصف فيه قصير،
والواصف دون بلوغ مداه حسير.
فدخل عليه ابنه الرشيد فأمره بإحضار أَهْلِ أُنْسِه، المختصين بمشاهدة مَجْلِسِه؛ من الوزراء الكِرام،
والكتاب، والأدباء المشاهير الأعْلام، ممن اشتهر بالذكاء والفَصَاحَة، وسُمِّيَ بالجزالة والرَّجاحة، فلما
كَمُلَ أُنْسُ المَجلس ورَاقَ، وقام السُّرُور به على سَاق. قال لهم المعتمد: قلت البارحة بيت شعر وهو:
بعثنا بالغَزَال إلى الغَزَالِ ... وبالشمسِ المنيرةِ لِلْهِلاَلِ
وأحبّ أن يذَيّل عليه. وذلك أنه، كان قد أمر بصناعة غَزَالَيْن من ذهب، فصنعا معا من سبع مائة
مثقال خالصة. فأهدى أحدهما إلى ابنه الرشيد. والآخر إلى الحرة المصونة ابنة ابن مجاهد. وقال
البيت المذكور. فذيله الأديب أبو القاسم بن مَرْزُقان فقال:
فَذَا سَكَني أُسَكِّنُهُ فؤادي ... وذا َنجْلي أقَلِّدُهُ المَعَالي
стр. 508
شَغَلْتُ بذَا وذا خَلَدي ونفسي ... ولكني بذَاكَ رَخيُّ بالِ
دَفَعْتُ إلى يدَيه زمام مُلكي ... مُحَلَّى بالصَّوَارِمِ والعَوَالي
فَقَامَ يُقرُّعَيْنِي في مَضاءٍ ... ويَسْلُكُ مَسْلَكِي في كُلِّ حال
فَدُمتَ للعَلاء ودَامَ فينَا ... فَإنّا للكفَاح وللنزال
فَسُرَّ المعتمد بهذا القول واستحسنه، وقرب أبا القاسم من نواله ومكنه، واستغرب إصابته الغرض،
وأثبت له راتباً جَزْلاً وَفَرْض وأَمَرَه ألا يغيب عن مجلسه؛ وأدناه زيادة على ما كان في يومه وأمسه.
قوله: (فذا سَكَني) قال أبو بكربن دريد السَّكَنُ، صَاحِبُكَ الذي تَسْكُن إليه. فقال: فلان سَكَني وقال الله
﵎: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) أي تسكن فيه الحركات. والسكَنُ أيضا، الرَّحْمَة والبركة، قال الله تعالى وجلّ (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بن هشام في اختياره، وحفص عن عاصم بالتوحيد،
стр. 509
وقرأ سائر القراء بالجمع لأنها صلوات جماعة. والإفراد لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. وقد وافق حمزة والكسائي
وحفصا عن التوحيد، جماعة من غير السبعة، منهم الأعمش وحُمَيْد وابن وثاب.
والتّوحيد اختيار أبي عبيد. وقال: الصلاة بالتوحيد عندي، أكثر من الصلوات. ألا تسمع قول الله
تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) للصلوات، لا يتكلم بها إلا على العدد، كقولك: ثلاث صلوات، وأربع وخمس.
وقال صاحب العين سَكَنَ يَسْكُنُ سُكُوناً، إذا ذهبت حركته. ويقال: سَكَنَتِ الرِّيح، وَسَكَنَ المَطَر،
وسَكَنَ الغَضَب وسَكَنَ في معنى سَكَتَ. وهو المستعمل في أشياء كثيرة وفي كتاب الله تعالى (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ)، أي
سَكَنَ. شبّه سُكُوت الغضب، بسكوت الناطق، من حيث كان ثُؤْرُهُ، كالناطق، وسُكُونُه كالسُّكُوتِ، وقيل
هو من المقلوب. والمعنى ولما سكت موسى عن الغضب فهو كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي
والسَّكْن بسكون الكاف، هو العيال، وهم أهل البيت، ومنه قول الشاعر:
لَيْسَ بِأَسْفَى ولا أَقْنَى ولا سَعَلٍ ... يُسْقَى دَوَاءَ قَفِيِّ السَّكْنِ مَرْبُوبِ
стр. 510
والسَّكَن أيضا المنزل، والسَّكْن السُّكانُ، والسَّكينة الوداعة والوقار. يقال: فلان ساكن هاديء وقور
وفي حديث أبي هريرة فيما روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه، إذا ثُوِّبَ بالصلاة، فلا تأتوها
وأنتم تسعون، واتوها وعليكم السكينة. أي: الوقار. فهي فعيلة، من السكون الذي يراد به الوقار، لا
السكون الذي هو ضد الحركة.
فأما قوله تعالى: (أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فاختلف أهل العلم فيه. فقال علي ﵁: السَّكِينَةُ رِيحٌ هَفَّافَةٌ، لها وجه
كوجه الانسان رواه سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الاحوص عن علي.
стр. 511
والهفافة السَّرِيعَةُ المَرِّ، يقال: هَفَّتْ، تَهِفُّ، هفيفا.
ومنه قول ذي الرمة:
إِذَا مَا نَعِسْنَا نَعْسَةً قُلْتُ غَنِّنَا ... بِخَرْقَاءَ وارْفَع من هَفِيفِ الرَّواحِلِ
وقال مجاهد: لها رَأْسٌ وذَنَبٌ، كرأس الهرِّ وَذَنَبِه. وكذا قال ابن عباس، إلا أنه قال: لها عينان، لهما
شعاع، اذا الْتقى الجمعان، أخرجت رأسها، ونظرت إليهم، فينهزم الجيش من الرعب، وعنه أنه قال:
هي طَسْتٌ من ذَهَب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء.
قوله: (هي طَسْتٌ) فالطَّسُّ مؤنثة أعجمية معربة. يقال: الطَّسُّ، والطَّسْتُ، والطَّسَّة بفتح الطاء،
والطِّسَّة بكسرها
وتصغيرها طُسَيْسَة والجميع طِسَاسُ، وَطَسَّاة ٌ، وَطُسُوسٌ، وطُسُوتٌ أيضا، وطسيسٌ. وهو من الجمع
الشاذ، مثل كلب وكليب، وفحل وفحيل.
وقال وهب هي روح من الله، يكلمهم، اذا اختلفوا في شىء بيَّنه لهم. الضحاك: هي الرَّحمة. عطاء:
هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها.
стр. 512
وقال الحسن كانت سكينة بني إسرائيل، ما في التابوت من ميراث الأنبياء، وكان فيه عصا موسى،
وعمامة هارون الصفراء، ورصاص اللوحين اللذين رفعا. جعل الله لهم ذلك سكينة. لا يفرون عنه
أبدأ، وتطمئن قلوبهم إليه.
وقال مقاتل في تفسيره: كان في التابوت رأس كرأس الهِّرَّة، إذا صاح كان الظفر لبني اسرائيل.
والسَّكْنُ أيضا: الناروالجميع الإسكان. قال الراجز:
قُوِّمَنْ بالدُّّهْنِ وبالإسكان
والمسكينُ الذى لا شيء له. وربما جعل الناس المسكين في غير موضعه، فيجعلونه الفقير قال أبو
عبيدة وليس كذلك، لأن الفقيرالذي له شىء، والمسكين الذي لا شيء له. وأنشد أبو عبيدة:
أَمَّا الفقير الذي كانت حَلُوبتُهُ
البيت.
стр. 513
فأما قوله تعالى: (أما السَّفينة فكانت لمساَكِين يَعْمَلونَ فيِ البَحْر) فقال أبو حاتم أحسبه أنهم كانوا
شركاء في سفينة لا يملكون سواها فخالف أبا عبيدة.
والمسكنة مصدر فعل المسكين. يقال: تَمَسْكَنَ الرجُل إذا صار مسكينا ووزنه مِفْعِيل. والسُّكَّان، ذَنَبُ
السفينة الذي تعدل به. والسِّكّين، فِعِّيل من قولهم:
ذَبَحْتُ الشيء، حتى سَكَنَ اضطرابه. يذكر ويؤنث وجمعه السَّكاَكين وأصل الباب كله السُّكُون. وهو
ضد الحركة، لأن السكون، والهدوء، والثبوث، نظائر وكذلك الاستقرار والاطمئنان والثبات والمسكن
والمأوى والمثوى نظائر.
وقال الله ﵎ (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) أي: اجعلها تأوي فيه، وتسكن إليه. ويقال: اسْكُنْ؛ أي استقر في مكانك،
ولا تتحرك. ويقال: سَكَنَ يَسْكُن سُكُونا، وأَسْكَنَهُ إِسْكَاناً. وسَكَّنَهُ تَسْكِيناً، وسَاكَنَهُ مُسَاكَنَة. وفلان
يَتَمَسْكَنُ لربه.
رجع
وحكى إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يوم بين المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساءإلا
حَضَر. وكنت فيهم. وحضر معنا أبو صدقة
стр. 514
مسكين المدني، وكان يوقِّع بالقضيب، مطبوعا حاذقا،
طيب العشرة، مَليح النادرة. فاقترح الرشيد حين عمل فيه النَّبيذ، صوتا. فأمر ابن جامع، صاحب
الستَّارة أن يغنيه إياه، ففعل؛ فلم يطرب عليه. ثم فعل ذلك بجماعة ممَّنْ حضر، فلم يحرك منه أحد.
فقال صاحب الستارة لمسكين المدني: يأمرك أمير المومنين، إنْ كُنت تُحسن هذا الصوت تُغَنيِّه. قال
إبراهيم: فاندفع فَغَنَّاه، فَأَمسكنا جَميعا متعَجِّبين، من جرأةِ مِثْله على الغِنَاء بحضرتنا، في صوت، قد
قصرنا فيه، عن مراد الخليفة.
قال إبراهيم: فلما فرغ منه، سمعت الرشيد يقول، وقد رفع صوته: أحسنت - والله يا مسكين -
وأجملت، أَعِدْه! فأعاده بِقُوَّة ونَشَاط، واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان، فقال الرشيد: أحسنت -
والله يا مسكين وأجملت. ثم أمر برفع الستارة بيننا وبينه، فقال له مسكين: ياأمير المومنين، إن لهذا
الصوت خبرا عجيبا. قال: وما هو؟ قال: كنت عبدا خياطا لبعض آل الزبير، وكانت لمولاي عليَّ
ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين، فإذا فرغت من ضريبتي، تصرفت في حوائجي وكنت مولعا
بالغناء، ومحبا له. فخِطتُ يوما قميصا لبعض الطالبيين، فدفع إلي درهمين، وتغذيت عنده، وسقاني
أقداحا،
стр. 515
فخرجت، وأنا فرحان جذلان.
فلقيتني سوداء، على عاتقها جرة، وهي تغني هذا الصوت؛ فأذهلتني عن كل مهم، وأنساني ما
سمعت منها كل حاجة. فقلت لها: بحق صاحب القبر، أَلاَ أَلْقَيْتِ عَلَيَّ هذا الصَّوت. فقالت: وحقِّ
صاحب القبر، لاَ أَلْقَيْتُهُ عليك، إلا بدرهمين. فأخرجت - والله يا أمير المومنين - الدرهمين اللذين
أعددتهما للضريبة، ودفعتهما إليها فحدَّرَت الجَرَّة عن عاتقها، وقعدت تُوَقِّع عليها، واندفعت تغنيه. فما
زالت تردده عليّ، حتى كتب في صدري. وانصرفت إلى مولاي؛ فلما رآني، قال: هَلُم خراجك
فقلت: كان وكان. فقال يا ابن اللخناء ألم أتقدم إليك، إني لا أقبل لك عذرا، في حبة تكسرها، ثم
بَطَحَني، فضربني خمسين جريدة، بأشد ضرب يكون. وحلق رأسي، ولحيتي. فبت - يا أمير
المومنين - أسوء خلق الله حالا. وأنسيت الصوت، من حرارة ما نالني من الضرب. فلم يكن شيء،
هو أشد عليّ من نسيان الصوت فلما أصبحت، غطيت رأسي، وأخذت جَلَمي في كمي، ومضيت نحو
الموضع الذي لقيت فيه السوداء. فبقيت كالمتحيِّر، لا أعرف لها إسما، ولا منزلا، فلم أبرح على تلك
الحال، حتى بصرتُ بها مقبلة؛ فأنسيت كل ما نالني عند رؤيتها، وملت إليها، فقالت: أنسيت، ورب
الكعبة، الصوت. فقلت لها: الأمر كما ظننت. وعرفتها ما اتفق
стр. 516
لي، وما كان من حلق رأسي،
ولحيتي، بعد ضربي. وقلت: أرعى في الأجر وردديه علي فقالت: وحق القبر، ومن فيه، لارددته
عليك الا بدرهمين، فأخذت جَلَمي، فرهنته على درهمين، دفعتهما إليها. فحدرت الجرة عن رأسها،
وفعلت كما فعلت بالأمس، واندفعت تغني؛ فَسَاعة مَرَّت في الصوت، قلت لها: رُدِّي عليّ الدرهمين،
لا حاجة بي في غنائك.
فقالت: والله، لا تراهما، ولا تطمع في ردهما إليك أبدا ثم قالت: كأني بك، وقد أخذت مكان الأربعة
دراهم، أربعة آلاف دينار من الخليفة. ثم جعلت تغنيه، وتوقع على جرتها، وتردده عليّ، حتى رسخ
في قلبي ثم مضت عني، وانصرفت إلى مولاي حَذِراً، وَجِلاً منه. فلما رآني، قال: هلم خراجك،
فلويته لساني، فقال: يا ابن اللخناء! ألم يكفك ما مر عليك في أمسك؟ فقلت: أصدقك ولا أكذبك. إني
اشتريت بخراجي، أمس واليوم، هذا الصوت، ثم اندفعت أغني، فقال لي: ويحك معك مثل هذا
الصوت، منذ يومين، ولم تعلمني، امرأته طالق، لو كان يملك شيئا سواك لأعتقتك وأما حلق الرأس
واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك، فقد وهبه الله لك إلى أن ينبت شعرك. قال: واستضحك
الرشيد، وقال له: ما أدري أيها أحسن، أحديثك أم غناؤك؟ وقد أمرت لك بما حكمت به السوداء. ولم
يبرح من مجلسه، حتى قبض الأربعة آلاف دينار.
قال: وكان الشعر المذكور:
стр. 517
قف بالمنازل ساعة فتأمل ... هل بالديار لزائر من منزل
مَا بالدِّيار منَ البِلَى وَلَقَد أرى ... أن سوف يحملني البِلى في مَحْمَلِ
وحكى بعض الوزراء بإشبيلية، قال: خرج المعتمد في بعض الأيام، يريد (لورقة) ليتطلع على
أحوالها، ويتفقد جميع أعمالها. فاشتد وجده بمن كان يهوى، وتحقق أنه على البعد ليس يقوى. وألم به
شغفه وهيامه، وغلب على قلبه غرامه فوصل (لورقة) ليلا، واستدعى القائد أبا عيسى بن اليَسَع في
ساعة لم يخف فيها زائر من مراقب، ولم يبد في الأفق غير نجم ثاقب فَريعَ القائد أبو عيسى لذلك،
وجَزِعَ جَزَعاً شديدا هنالك، حتى ودع من تَخَلَّف؛ وَأَوصى بِمَا خَلَّف، وسار إلى المعتمد فوصل، وما
للأمن إلى قلبه وُصول، وهو يتخيل أن الجوّ صَارمٌ وَنُصُول. فلما مَثُلَ بين يديه، وسَلَّم عليه، قرَّبَه
المعتمد وآنسه، وسكَّن رعبه وتوَجُّسَه،
стр. 518
وأخذا في الحديث ساعة. وليس للمعتمد في كتمان حاله استطاعة
فقال للقائد: خرجت من (اشبيلية)؛ فحدث في النفس غرام طوته ضلوعي؛ وكفكفت به غَرْب دموعي
بفتاة هي الشمس، أو كالشمس إخالها: لا يجول قُلْبُها ولا خلخالها. وفيها أقول عند وداعها، يوم تفطر
كبدي وانصداعها:
ولما التقينا للوداع غديةً ... وَقَدْ خَفَقَتْ في ساحة القصر راياتُ
بكينا معاًً حتى كأن عيوننا ... بِجَرْي الدموع الحُمرمنها جِراحاتُ
وقد زارتني هذه الليلة في مضجعي؛ وأبرأتني من توجعي وأمكنتني من عناقها، وبردت كبدي من
إحراقها لما سقتني سلسال رُضابها ومتعتني من دلالها وخضابها. فقلت:
أبَاحَ لَطيفي طَيْفُها الخَدَّ والنَّهْدَا ... فعض بها تفاحةً وجنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يَقْظةٍ ... ولكنْ حِجَابُ البَيْنِ ما بيْنَنَا مدَّا
أَمَا وَجَدَتْ عَنَّا الشُّجُون ُمُعَرَّجا ... وَلاَ وَجَدَتْ منا خَطوبُ النَّوَى بُدَّا
стр. 519
سقى اللهُ صَوْبَ القطر أُمَّ عُبَيْدة ... كَمَا قد سَقَتْ قَلْبِي على حَرِّهِ بَرَدَا
هي الظَّبْيُ جيداً والغَزَالَةُ مَنظَراً ... وَرَوْضُ الرُّبَا عَرْفاً وغُصْنُ النَّقا قَدَّا
فأكثر القائد استعادتها، وكرر استجادتها؛ فأمر له المعتمد بخمس مائة مثقال، وولاه (لورقة) من حينه.
قال أبو إسحاق:
أجاد المعتمد في قوله وانطبع، وأحسن ما شاء وإن لم يكن اخترع، وشكر للطيف حين زاره ما صنع
وقوله: برّدت كبدي. فيه لغتان: بَرَّدْتُ بالتشديد، وبَرَدْتُ بالتخفيف.
وينشد قول الراجز:
قد علِمَتْ أنِّي مُرَوِّي هَامِهَا ... وبارد الغَليل منْ أُوَامِها
إذا عقدتُ الدَّلْوَفي خِطَامِهَا
خِطَامُها: رشاؤها.
وأنشد أبو زيد:
стр. 520
قد وَرَدَتْ من بحر ذِي عَدوق ... خَوامِصاً جاءتْ من العَقِيقِ
ترتشفُ الماء ارتِشَافَ الريقِ ... كأنما يَبْرَدْنَ بالغَبوقِ
قال هذا قاسم في (الدلائل). وحكى عن الحسين، عن أحمد بن يحيى عن ابن الاعرابي. قال: تقول
العرب: وَسْقني وَأَبْرِد.
ومعناه: ايتني به باردا. وأسقني وأَبْرِدْ غليلي. قال: وزعم بعض أهل العربية أنك تقول: برَّدت
الماء: من الإِبْراد، وبرَّدته من الإسخان وقال: هو من الأضداد. وكان ينشد في ذلك بيتا يغلط فيه:
عابت الماء في الشتاء فَقُلْنَا ... بَرِّديهِ تُصَادِفِيهِ سَخِينَا
وإنما هو: بَلْ رُدِّيهِ فأدغم اللام في الراء كما يقرأ (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
قال: وفي الحديث، ان رسول الله ﷺ ، لما فتح (خيبر)، وهي مخضرة من الفواكه؛
فواقع الناس للفاكهة؛ فمغثتهم الحمى، فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيها
الناس إن الحمى رائد الموت، وسِجْنُ الله في الأرض. فبرِّدوا لها الماء في الشِّنانِ؛ ثم صبوه عليكم
فيما بين الصلاتين".
стр. 521
قال: يعني المغرب والعشاء الآخرة: قال: ففعلوا فذهبت عنهم. فقال رسول الله ﷺ :
"إن الَّله لم يخلق وعاءً مُليءَ شراً من بطن، فإن كان لا بدّ فاجعلوا ثُلُثاً للطعام وثلثاً للشراب وثلثاً
للريح". وكذلك الحديث الآخر في الحمّى: أن رسول الله ﷺ ، أمرنا أن نُبْرِدَها
بالماء. وأن نُبَرِّدهَا. والرجلُ مُبَرَّدٌ وبارِد. والأَبْرَدان: الغَدَاةُ والعَشِيُّ. والأبردان أيضا: الظِّلُّ والفَيْءُ،
سُمِّيَا بذلك لِبَرْدِهِمَا، وطيب الهَوَاءِ فيهما. ويقال لهما أيضا: البَرْدَان.
فأما الحديث المروي عن أبي هريرة في (الموطأ)، وغيره: ان رسول الله ﷺ ، قال:
"إذا اشتدَّ الحرُّ، فَأَبْرِدوا عن الصلاة، فإنَّ شِدَّة الحرّ من فَيْح جَهَنَّمَ" فليس من بَرْدَي النّهار اللذين هما
الغداة والعشى، ولا من بَرْدَي الظِّلِّ وَالفَيْء. وإنما الإِبراد في هذا الحديث يراد به انكسار وَهَج
الشمس بعد الزوال. وسمي ذلك إبْرَادا، لأنه بالإضافة، إلى حر الهاجرة بَرْدٌ. قاله أهل العلم: أبو
سليمان وغيره.
وحكى عن محمد بن كعب القُرظي أنه قال في قوله: "أَبْرِدُوا بالصَّلاة" قال: كلام العرب، إذا كان
القوم في سفر، فزالت
стр. 522
الشمس، وهبت الأرواح، تنادوا: أَبْرَدْتُمْ، أَبْرَدْتُمْ بالرواح. وكان يعد إِبْراداً حين
تزول الشمس وقول المعتمد في صفة الجارية: لا يجول قُلْبُهَا ولا خلخالها فالقُلْبُ بضم القاف هو
السِّوارُ. قال فيه الشاعر، وهو خالد بن يزيد بن معاوية من أبيات له:
تَجُولُ خَلاَخيل النِّساءِ وَلاَ أَرى ... لِرَمْلَةَ خَلْخاَلاً يَجُولُ وَلاَ قُلْبَا
وبعده:
فَلاَ تُكْثِروا فيهَا المَلاَمَ فَإِنَّنِي ... تَخَيَّرْتُهَا مِنْهُم زُبَيْرِيَّةً قَلبا
أُحِبُّ بني العَوَّامِ طُراً لِحُبِّها ... وَمن أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَحْوَالَهَا كَلْبا
إِذَا نَزَلَتْ أَرْضاً تَحَبَّبَ أَهْلُها ... إِلَيْهَا وإِنْ كَانَتْ منازِلُهَا جَدْبا
فَإِنْ تُسْلِمي أُسْلِم وَإِنْ تَتَنصَّرِي ... يُعَلِّقْْ رِجَالٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ صُلْبا
ويروى: (أُحِبُّ بني العوام طُرّاً بِحُبِّهَا).
َوقُلْبُ النخلة بالضم أيضا، وهي شطبة بيضاء، تخرج في وسطها، كأنها قُلْب فضة. سميت بذلك،
لبياضها. والجميع قُلُوب.
стр. 523
وقوله في هذه القطعة:
تخيرتُها منهم زبيريَّةً قَلْبَا
هو بفتح القاف. يقال: هو عربيٌّ قَلْبٌ، وعربيةٌ قَلْبٌ.
قال أبو عبيدوَ إِنْ شئتَ قُلْت: عربيةٌ قَلْبَة. وإن شئت ثَنَّيْتَ، وهوالمحض.
قال ابن الاعرابي يقال: إنه لعربيٌّ مَحْضٌ، وَقَلْبٌ، وهو الخالص المحض.
وتجوز التثنية فيها. فإذا جمعت وحَّدْتَ.
وفي حديث علي ﵁، فيما روى سفيان، عن أبي رزين عنه، أنه كان يقرأ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وكان
قرشياً قَلْباً يعني قرشيا خالصا محضا والذي يراد من هذا الحديث، أن عليا كان يقرأ إياك بالهمز وهو
قرشي، والقرشيون ليس من لغتهم الهمز وفي الحديث، ان رسول الله ﷺ أتى بأسير
يرعد، فقال: ادْفُوهُ يريد أدفئوه، من الدِّفْء. فَذَهَبُوا بِه، فَقَتَلُوهُ، فوَدَاهُ رسول الله صلى الله
стр. 524
عليه وسلم
قال أبو سليمان: ولو كان يريد معنى القتل، لقال دافوه، أو دافّوه، بالتثقيل. يقال: َدافَيْتُ الأسير،
وِداففته، إذا أجهزتَ عليه. ويقال: دافوه بالتخفيف لغة جُهَيْنة.
قال ابو بكر بن دريد ويقال دَأفتُ الأسير بالدال، وذَأفْتُ بالذال معجمة، إذا أجهزت عليه.
وقرأ أبو سوَّار الغنوي "هِيَّاك نَعْبد وهياك نستعين" بالهاء فيهما بدلآ من الهمز. قالوا: وهي لغة قليلة
الإستعمال، وأكثر ما تجيء في الشعر.
أنشد أبو حاتم عن الأخفش:
стр. 525
فَهِيَّاكَ والأمرُ الذي إن توسَّعَتْ ... مواردُه ضاقت عليه مصاِدرهُ
وأنشد إسماعيل الأسدي، عن يموت بن المزَرِّع البكري البصري.
قال: أنشدتني أم الهيثم القبرية لنفسها:
دَعَوْتُ عِيَاضاً يَوْمَ صَعْدَةَ دَعْوَةً ... وَعَالَيْتُ صَوْتي يَاعِيَاضَ بنَ طَارِق
وقُلْتُ لهُ هِيَاكَ والبُخْلَ إنهُ ... إذَا عُدَّتِ الأَخْلاقُ شَرُّ الخَلاَئقِ
وحكى الحسن بن أبي مهران عن أحمد بن يزيد الحلواني عن عيسى بن مِينَا قَالُون، أنه قال: كان
أهل المدينة لا يهمزون، حتى همز ابن جندب فهمزوا. وابن جندب هو مسلم بن جُنْدَب الهذلي،
القاص، يكنى أبا
стр. 526
عبد الله. أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وسمع ابن عمر
وأسلم مولى عمر. وروى عنه القراءة نافع بن أبي نعيم، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وابن أبي ذيب.
قال مالك ﵀: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد أيُّ الأيام خَيرٌ، فقال: سل
عن ذلك القاضي مسلم بن جندب فذهب فسأله فقال: يوم النحر، ثم رجع إلى سعيد، فأخبره بما قال له
مسلم، فقال سعيد: أعرابي يعظم الدماء. أعظم هذه الأيام يوم الجمعة.
رجع
ونذكر هنا بعض ما قيل في طيف الخيال. إذ الشيء يذكر بالشيء، للشبه والمثال.
قال: أبو القاسم الشريف:
стр. 527
إنَّ طَيْفَ الخَيَالِ زارَ طروقاً ... والمطايا بيْنَ القِنانِ وَشِعْبٍ
زارني واصلاً على غير وعْدٍ ... وانثنى هاجراً على غير ذَنْبِ
كان قلبي إلَيْهِ رائِد عَيْني ... فَعَلى العَيْنِ منه مُنَّةُ قَلْبي
وقال أيضا:
أَلَمَّ خَيَالٌ من أمَيْمةَ طَارقٌ ... وَمِنْ دُونِ مَسْرَاهُ الِّلوَى والأَفَارِقُ
أَلَمَّ بِنَا لَمْ نَدْرِ كيْفَ لمامهُ ... وَقَدْ طَالَ ما عَاقَتْهُ عَنَّا العَوَائقُ
نَعِمْنَا بِهِ حَتَّى كَأَنَّ لقاءَنا ... وَمَا هُوَ إلاَّ غَايَةُ الزُّور صادِقُ
وهذا كقول الطائي الصغير وهو البحتري:
وَيَكْفيكَ منْ حَقٍّ تَخَيُُّلُ بَاطِلٍ ... تَرُدُّ بِهِ نَفْسَ اللَّهيفِ فَتَرْجعُ
وقال الشريف أيضا:
وَسَّدنِي كَفَّهُ وَعَانَقَني ... وَنحْنُ في سَكْرَةٍ من الوَسَن
وبات عِنْدي إلى الصَّبَاحِ وما ... شاع التقاءٌ لَنا وَلم يَبِنِ
خَادَعني ثم عَدَّ خَدْعَته ... بمقلتي مِنَّةً من المِننِ
وقال أبو الحسن التُّهَامِي:
أَهْدَى لَنا طَيفهاُْ نَجْداً وَساكِنهُ ... حتَّى اقْتَنَصْنَا ظِبَاءَ البَدْوِ والحَضر
стр. 528
فَبَاتَ يَجْلُو لَنَا من وَجْهِهَا قَمراً ... من البَرَاقع لولا كُلْفَةُ القَمَر
وَرَاعَها حَرُّ أَنْفَاسي فَقُلْتُ لَها ... هوَايَ نَارٌ وَأَنْفَاسي من الشَّرَرِ
وَزَادَ دُرُّ الثَّناَيَا دَرُّ أَدْمُعِها ... فَالْتَفَّ منتظِمٌ منه بِمُنْتَثِرِ
فَمَا نَكِرْنَا من الطَّيْفِ المُلِمِّ بنَا ... مِمَّنْ هوينَاهُ إلا قِلةَ الخفرِ
فَسرتُ أَعْثُر في ثَوْبِ الدُّجى وَلَها ... والجَوُّ رَوْضٌ وَزُهْرُ الشُّهْبِ كالزَّهَرِ
وللمَجَرَّةِ فوق الأرض مُعْتَرِضٌ ... كَأَنَّهَا حَبَبٌ يَطْفُو على نَهَرِ
وللثّريا ركودٌ فوق أَرْحُلِنَا ... كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ من فَرْوَةِ النَّمِرِ
قوله:
أهدى لنا طيفُها نجداً وساكِنَهُ
نَجْدُ: بلد، سمي نجْداً لعلوه عن انخفاض تِهَامَة، وأصل النَّجْد العلوّ. يقال: لكل مرتفع من الأرض؛
نَجْدَة. ورجل نَجْدِيِّ؛ منسوب إلى نَجْد، ورجل نَجْد، بيِّن النجدة، إذا كان جَلْداً قويا. قيل له ذلك.
لاستعلائه على قرنه.
ويقال: اسْتَنْجَدْتُ فلانا، فَأَنْجَدَنِي؛ أي: اسْتَعَنْتُه على خصمي فأعانني.
كما يقال: استرشدته، فأرشدني. قال الشاعر:
إذا استنجدتُهُمْ ودعوتُ بكراً ... لتَنْصُرَني كسرتُ بهم همومي
стр. 529
وقال أبو عبيدة: يقال: نَجَدْتُ الرجل، أَنْجُدُهُ. إذا غَلَبته وَأَنْجَدْتُه إذا أعنته ومنه حديث معاوية أنه
قال: إني لألقى الرجل، أعلم أن في نفسه علي شيئا، فأستثيره، فيثورني بقدر ما يجد في نفسه،
فيوسعني شتما وأوسعه حلما. ثم ألقاه بعد ذلك صديقا، استنجده فينجدني، وأريده، فيقبل إلي.
والنَّجْدُ أيضا، الكَرْبُ والغَمُّ، لِعُلُوِّه على صاحبه.
والنِّجَادُ: مَا عَلاَ على العاتق من حمالة السَّيف. وفي كتاب الله تعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) أي: الطَّريقَين: طريق
الخير، وطريق الشر. سُمِّيِا بذلك، لظهور الإنسان فيهما.
والنَّجْدُ أيضا، ما يزين به البيت، من أنواع البسط والثياب.
يقال: نَجَدْتُ البيت تَنْجِيداً. وقال ذو الرمة:
حتى كَأَنَّ رياضَ القُفِّ أَلْبَسَهَا ... منْ وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وَتَنْجِيدُ
والنَّجَّادُ، هو الذي يفرش البيوت، وهو أيضا المُنَجِّد رجع:
وقال أيضا:
وَأَرَادَ الخيال لَثمي فصَيَّرْ ... تُ لِثَامي دُون المَرَاشِفِ سَتْرَا
اصرفي الكَأْسَ من رضابِكِ ... عَنِّي حاشَ للَّهِ أَنْ أُرَشَّف خَمرَا
стр. 530
ولوَ اَنَّ الرُّضَابَ غيرُ مدَامٍ ... لم تكوني في حَالَةِ الصَّحّوِ سَكرَى
وقال أيضا:
عَبَسْنَ مِنْ شَعَرٍ في الرَّأسِ مُبْتَسمٍ ... مَا نَفَّرَ البيضَ مِثْلُ البيضِ في اللَّمَمِ
وقَبَّلَتْني تَوْدِيعا فَقُلْتُ لَها ... كُفِّي فَلَيْسَ ارتِشَافُ الخَمْرِ من شِيَمي
لَوْ لَمْ يَكُنْ رِيقُهَا خَمْراً لمَا انْتَطَقتْ ... بِلُؤْلُؤٍ من حبَابِ الثَّغْرِ مُنْتَظمِ
ولو تيقنت غيرالرَّاحِ في فَمِهَا ... ما كُنْتُ ممَّنْ يَصُدُّ اللَّثْمَ باللَّثمِ
وزَادَ ريقَتَهَا بَرْداً تَحدُّرُها ... على حَصَى بردٍ من ثَغْرِهَا شَبِمِ
والبيت الثاني من هذه القطعة، يشبه قول الرضي:
وقَبَّلْتُهُ فَوْقَ اللِّثَامِ فَقَالَ لي ... هي الخَمْرُ إلاَّ أَنَّهَا بِفِدَام
وقال الإيَادِي علي بن محمد:
طَيْفٌ يَزُورُكَ من حَبيبٍ هَاجرٍ ... أَهْلاً بِهِ وبِطَيْفِهِ من زَائرِ
следующие страницы →