Полный текст (772 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
عبد الله. أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وسمع ابن عمر
وأسلم مولى عمر. وروى عنه القراءة نافع بن أبي نعيم، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وابن أبي ذيب.
قال مالك ﵀: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد أيُّ الأيام خَيرٌ، فقال: سل
عن ذلك القاضي مسلم بن جندب فذهب فسأله فقال: يوم النحر، ثم رجع إلى سعيد، فأخبره بما قال له
مسلم، فقال سعيد: أعرابي يعظم الدماء. أعظم هذه الأيام يوم الجمعة.
رجع
ونذكر هنا بعض ما قيل في طيف الخيال. إذ الشيء يذكر بالشيء، للشبه والمثال.
قال: أبو القاسم الشريف:
стр. 527
إنَّ طَيْفَ الخَيَالِ زارَ طروقاً ... والمطايا بيْنَ القِنانِ وَشِعْبٍ
زارني واصلاً على غير وعْدٍ ... وانثنى هاجراً على غير ذَنْبِ
كان قلبي إلَيْهِ رائِد عَيْني ... فَعَلى العَيْنِ منه مُنَّةُ قَلْبي
وقال أيضا:
أَلَمَّ خَيَالٌ من أمَيْمةَ طَارقٌ ... وَمِنْ دُونِ مَسْرَاهُ الِّلوَى والأَفَارِقُ
أَلَمَّ بِنَا لَمْ نَدْرِ كيْفَ لمامهُ ... وَقَدْ طَالَ ما عَاقَتْهُ عَنَّا العَوَائقُ
نَعِمْنَا بِهِ حَتَّى كَأَنَّ لقاءَنا ... وَمَا هُوَ إلاَّ غَايَةُ الزُّور صادِقُ
وهذا كقول الطائي الصغير وهو البحتري:
وَيَكْفيكَ منْ حَقٍّ تَخَيُُّلُ بَاطِلٍ ... تَرُدُّ بِهِ نَفْسَ اللَّهيفِ فَتَرْجعُ
وقال الشريف أيضا:
وَسَّدنِي كَفَّهُ وَعَانَقَني ... وَنحْنُ في سَكْرَةٍ من الوَسَن
وبات عِنْدي إلى الصَّبَاحِ وما ... شاع التقاءٌ لَنا وَلم يَبِنِ
خَادَعني ثم عَدَّ خَدْعَته ... بمقلتي مِنَّةً من المِننِ
وقال أبو الحسن التُّهَامِي:
أَهْدَى لَنا طَيفهاُْ نَجْداً وَساكِنهُ ... حتَّى اقْتَنَصْنَا ظِبَاءَ البَدْوِ والحَضر
стр. 528
فَبَاتَ يَجْلُو لَنَا من وَجْهِهَا قَمراً ... من البَرَاقع لولا كُلْفَةُ القَمَر
وَرَاعَها حَرُّ أَنْفَاسي فَقُلْتُ لَها ... هوَايَ نَارٌ وَأَنْفَاسي من الشَّرَرِ
وَزَادَ دُرُّ الثَّناَيَا دَرُّ أَدْمُعِها ... فَالْتَفَّ منتظِمٌ منه بِمُنْتَثِرِ
فَمَا نَكِرْنَا من الطَّيْفِ المُلِمِّ بنَا ... مِمَّنْ هوينَاهُ إلا قِلةَ الخفرِ
فَسرتُ أَعْثُر في ثَوْبِ الدُّجى وَلَها ... والجَوُّ رَوْضٌ وَزُهْرُ الشُّهْبِ كالزَّهَرِ
وللمَجَرَّةِ فوق الأرض مُعْتَرِضٌ ... كَأَنَّهَا حَبَبٌ يَطْفُو على نَهَرِ
وللثّريا ركودٌ فوق أَرْحُلِنَا ... كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ من فَرْوَةِ النَّمِرِ
قوله:
أهدى لنا طيفُها نجداً وساكِنَهُ
نَجْدُ: بلد، سمي نجْداً لعلوه عن انخفاض تِهَامَة، وأصل النَّجْد العلوّ. يقال: لكل مرتفع من الأرض؛
نَجْدَة. ورجل نَجْدِيِّ؛ منسوب إلى نَجْد، ورجل نَجْد، بيِّن النجدة، إذا كان جَلْداً قويا. قيل له ذلك.
لاستعلائه على قرنه.
ويقال: اسْتَنْجَدْتُ فلانا، فَأَنْجَدَنِي؛ أي: اسْتَعَنْتُه على خصمي فأعانني.
كما يقال: استرشدته، فأرشدني. قال الشاعر:
إذا استنجدتُهُمْ ودعوتُ بكراً ... لتَنْصُرَني كسرتُ بهم همومي
стр. 529
وقال أبو عبيدة: يقال: نَجَدْتُ الرجل، أَنْجُدُهُ. إذا غَلَبته وَأَنْجَدْتُه إذا أعنته ومنه حديث معاوية أنه
قال: إني لألقى الرجل، أعلم أن في نفسه علي شيئا، فأستثيره، فيثورني بقدر ما يجد في نفسه،
فيوسعني شتما وأوسعه حلما. ثم ألقاه بعد ذلك صديقا، استنجده فينجدني، وأريده، فيقبل إلي.
والنَّجْدُ أيضا، الكَرْبُ والغَمُّ، لِعُلُوِّه على صاحبه.
والنِّجَادُ: مَا عَلاَ على العاتق من حمالة السَّيف. وفي كتاب الله تعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) أي: الطَّريقَين: طريق
الخير، وطريق الشر. سُمِّيِا بذلك، لظهور الإنسان فيهما.
والنَّجْدُ أيضا، ما يزين به البيت، من أنواع البسط والثياب.
يقال: نَجَدْتُ البيت تَنْجِيداً. وقال ذو الرمة:
حتى كَأَنَّ رياضَ القُفِّ أَلْبَسَهَا ... منْ وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وَتَنْجِيدُ
والنَّجَّادُ، هو الذي يفرش البيوت، وهو أيضا المُنَجِّد رجع:
وقال أيضا:
وَأَرَادَ الخيال لَثمي فصَيَّرْ ... تُ لِثَامي دُون المَرَاشِفِ سَتْرَا
اصرفي الكَأْسَ من رضابِكِ ... عَنِّي حاشَ للَّهِ أَنْ أُرَشَّف خَمرَا
стр. 530
ولوَ اَنَّ الرُّضَابَ غيرُ مدَامٍ ... لم تكوني في حَالَةِ الصَّحّوِ سَكرَى
وقال أيضا:
عَبَسْنَ مِنْ شَعَرٍ في الرَّأسِ مُبْتَسمٍ ... مَا نَفَّرَ البيضَ مِثْلُ البيضِ في اللَّمَمِ
وقَبَّلَتْني تَوْدِيعا فَقُلْتُ لَها ... كُفِّي فَلَيْسَ ارتِشَافُ الخَمْرِ من شِيَمي
لَوْ لَمْ يَكُنْ رِيقُهَا خَمْراً لمَا انْتَطَقتْ ... بِلُؤْلُؤٍ من حبَابِ الثَّغْرِ مُنْتَظمِ
ولو تيقنت غيرالرَّاحِ في فَمِهَا ... ما كُنْتُ ممَّنْ يَصُدُّ اللَّثْمَ باللَّثمِ
وزَادَ ريقَتَهَا بَرْداً تَحدُّرُها ... على حَصَى بردٍ من ثَغْرِهَا شَبِمِ
والبيت الثاني من هذه القطعة، يشبه قول الرضي:
وقَبَّلْتُهُ فَوْقَ اللِّثَامِ فَقَالَ لي ... هي الخَمْرُ إلاَّ أَنَّهَا بِفِدَام
وقال الإيَادِي علي بن محمد:
طَيْفٌ يَزُورُكَ من حَبيبٍ هَاجرٍ ... أَهْلاً بِهِ وبِطَيْفِهِ من زَائرِ
стр. 531
شَقَّ الدُّجَى وَسَرَى فَأَمْعَنَ في السرَى ... حتَّى أَلَمَّ فَبَاتَ بينَ مَحَاجري
يَحْدو به هَيْفَ القَضِيبِ المَنْثَني ... نَحْوِي وَسَالِفَةَ الغِزَال النَّافِر
للَّهِ دَرُّكَ من خَيَالٍ وَاصلٍ ... أسْرَى فَأَنْصَفَ منْ حَبِيبٍ هَاجرِ
عَلَّلْتُ غُلَّةَ قَلْبٍ صَبٍّ هائِمِ ... وَقَضَيْتُ ذِمَّةَ فَيْضِ دَمْعٍ مَاطِرٍ
وقال أبو الحجاج الرمادي:
لا شُكْرَعندي للحَبيب الهَاجِرِ ... بل كلُّ شكري للخَيَالِ الزَّائر
فكَأنَّمَا يخشى العيونَ نَهَارَه ... فيزورني تحت الظلامِ السَّاترِ
نَوْمي يُريهِ لِنَاظِري فَكَأنهُ ... قبل المَنَامِ قد اختفى في نَاظِري
وقال أبو العباس بن سيد:
إن التي بَخِلَتْ عَلَيَّ بِوَصْلِها ... شُحّاً، وأََغْرَتْنِي بها اللوامُ
بَعِدَتْ فَقَرَّبَهَا التَّذَكُّرُ والكرى ... حتى تساوتْ يَقْظة ومنامُ
فَلِذَاكَ أعْتَقِدُ التَّخَيلَ وصلةً ... والطَّيْفَ، إذْ لا يمكن الإلمامُ
وَلَرُبَّ ممنوعٍ تَضِنُّ به النَّوَى ... فتجُودُ لي بِوِصالهِ الأحلامُ
وقال أبو إسحاق الخفاجي:
стр. 532
يا حبَّذَا والطَّيْفُ ضَيْفٌ طَارقٌ ... طَيْفٌ علَى شَحَطٍ أَجَدَّ مَزَارَا
تَلْوي الشَّمُولُ به قَضيباً رُبَّما ... عَاطَى بِسُوسَانٍ هُنَاكَ عَرَارَا
فَلثَمتُ فيمَا قَد لَثَمتُ عَلاَقَةً ... خَدّاً يَسِيلُ مَعَ العُقارِعُقَارَا
مَا إِنْ دَرَيْتُ وقَدْ نَعِمْتُ بِلَثْمِهِ ... ماذا رَأَيتُ أَجَنَّةً أَمْ نارَا
وقال الأستاذ أبو محمد بن صارة:
وَزَائرَةٍ واللَّيْلُ مُلْقٍ جِرَانه ... أتَاني بِهَا وَجْدِي وَفَرْطُ وَلُوعي
فَبَاتَتْ تُعَاطِيني سُلاَفَ رُضَابِها ... وَبِتُّ أُهَادِيها جُمَانَ دُمُوعِي
فَأَيُّ مَهَاةٍ بِتُّ مُقْتَنِصاً لَها ... وَلَكِنْ بِقَلْبِي في كِنَاسِ ضُلُوعي
وأنشدني بعض الأدباء:
ضَنَّ بالقُرْبِ إذْ أَنَا يَقْظَا ... نُ وَأَعْطَى كَثيرَهُ في المَنامِ
فالتقينا كما اشتَهَيْنا ولا عَيْ ... بَ سِِوى أَنَّ ذَاكَ فِي الأَحلاَمِ
وَإِذَا كَانَتِ الملاَقَاةُ لَيلاً ... فَاللَّيَاليِ خَيْرٌ مِنَ الأَيامِ
وهذا كقول أبي تمام الطائي:
стр. 533
اللياليِ أَحْفىَ بِقَلْبِى إِذاَ ما ... جَرَّحَتْهُ النَّوىَ مِنَ الأَياَم
يا لَهَا لَذَّةً تَنَزَّهتِ الأَر ... واحُ فِيهَا سِرّاً مِنَ الأَجْسامِ
مَجْلِسٌ لمْ يَكنْ لَنَا فِيهِ عَيْبٌ ... غَيْرَ أَنا فِي دَعْوةِ الأَحلامِ
قال أبو إسحاق:
وَطَيْفُ الخَيَال، ما عرض للإنسان، وخطر بباله، من كل شىء. والطَّيْف مصدر من قولهم: طاف
يَطِيفُ، وقِيل: هو من الواو.
وأصله: طَيْوِفٌ
قال أبو اسحاق الزجاج: يقال: طُفْتُ عليهم أَطُوفُ. وَطَافَ الخَيال يَطيِفُ.
وَقَالَ أَبوُ الحَسَن الكِسائي: الطَّيْفُ: اللَّمَم ُ، وَالطَّائِفُ: ما طاف حول الإنْسان.
وقال أبو عمرو بن العلاء: الطَّيفُ: الوَسْوَسَة. وأنشد غيره:
أنَّى ألَمَّ بكَ الخَيَالُ يَطِيفُ
وقال أبو الحسن الرماني: الطَّائفُ؛ طَائفُ الجن والشيطان:
وكل شيء يَغْشَى القلب من وسواسه فهو طيفه، وأنشد:
أَرَّقَني زَائرُ طَيْفٍ أَرَّقا
يعني أنه رأى خيالها في منامه.
وأنشد نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء، قول حسان بن ثابث:
стр. 534
مَا هَاجَ حسَّانَ رُسُومُ المَنَامْ ... ومَظْعَنُ الحيِّ ومبنَى الخِيَامْ
جِنِّيةٌ أَرَّقَني طَيْفُها ... تذهبُ صُبْحاً وتُرَى في المَنامْ
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، والكسائي ويعقوب "إذا مسَّهُم طَيْفٌ من الشيْطَانِ تَذَكَّروا" بغير ألف ولا
همز
وقرأ سائر السبعة: نافع، وغيره (طَائِفٌ) على وزن فاعل وقرأ ابن عباس، وابن جبير، طيِّفٌ
بتشديد الياء مكسورة
ومعنى قراءة أبي عمرو ومن وافقه؛ أنهم جعلوه مصدر طاف الخيال، يَطِيفُ طَيْفاً. مثل كال يَكِيلُ
كَيْلاً، وبَاعَ يَبِيعُ بَيْعاً. ويحتمل أن يكون مخففا من طَيِّفٍ، كَمَيْتٍ من مَيِّتٍ
ومعنى قراءة نافع، ومن وافقه؛ أنهم جعلوه أيضا مصدراً كالعاقبة والعافية. قاله أبو محمد مكي. قال:
وفَعْل أكثر في المصادر من فَاعِل.
стр. 535
ومعنى قراءة ابن عباس وابن جبير. ومن وافقهما، أنهم جعلوه، من طاف يطوف. فالأصل فيه
طَيْوِف.
حكى أبو زيد: طَاف الرجل، يَطُوفُ طَوْفاً: إذا أقبل وأدبر. وأَطَافَ يُطِيفُ إذا جعل يستدير بالقوم،
ويأتيهم من نواحيهم ويشهد لهذا القول، قول امرىء القيس:
أطافَتْ بِهِ جِيلاَنُ .....
وقيل: الطَّائفُ، ما طَافَ به من وسوسة الشيطان. والطَّيْف من اللمم. والمَسُّ: الجنون.
وقال أبو بكر بن دريد طَافَ يَطُوفُ طَوْفاً: إذا دَارَ حول الشيء.
وأَطَافَ به، يُطِيفُ إِطَافَةً: إذا ألم به.
ويقال: أطاف فلان بهذا الأمر: إذا أحاط به. والطَّوَّافُون: المماليك. لقوله تعالى (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ).
والطَّوْفُ، خشب يُجْمَع بعضه إلى بعض، ويركب عليه في البحر
والطَّوَفَان؛ مصدر لطَافَ يَطُوفُ.
стр. 536
فأما قولهم طَافَ بالبيت. فتقول فيه: فهو طَوَّاف. قال: والطَّائِف الذي بالغَوْر؛ إنما سمي طَائفاً
بالحائط الذي بنوا حوله في الجاهلية؛ حصنوها به. وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت:
نحن بَنَيْنَا طَائِفاً حَصِينا ... نُقَارِعُ الأعداءَ عن بَنِينا
وأصل الباب كله، الدَّور، والطائف. والدّائر، والحائل نظائر.
والطائفة من كل شيء: قطعة منه. يقال: طائفة من الناس، ومن الليل.
وقال صاحب العين الطُّوفَان؛ الماء الذي يغشى كل مكان. كما قال تعالى وجل (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) وكان سَيْلاً عظيماً.
وطُوفانُ الليل: شدةُ سواده. وهو مُشَبَّهٌ بالماء الذي يَغْشَى كل شيء. ومنه قول العجاج:
стр. 537
وعم طُوفانُ الظلام الأثأبا
والأثأب: شجر شبه الطَّرْفَاء إلاَّ أنه أكبر.
وحكى بعض وزراء (اشبيلية) أن المعتمد بن عباد وجه ابنه المعتدّ بالله إلى (شِلْب) والياً؛ وكانت
بُلْغَة شبابه؛ ومَأْلَفَ أحبابه التي عمر نجُودَها غلاما؛ ويذكر عهودها احلاما. فقال يخاطب ابا بكر بن
عمار:
ألا حَيِّ أَوْطَاني بِشِلْبٍ أبا بَكْرِ ... وَسَلْهُنَّ هل عهْدُ الوَِصال كَمَا أدري؟
وَسَلِّمْ على قصر الشَّراجيب عن فَتًى ... له أبداً شوْقٌ إلى ذلك القصر
منازلُ آسادٍ وبيضٍ نواعمٍ ... فناهيك من غِيلٍ وناهيك من خدْرِ
فَكَم ليلةٍ قد بتُّ أنعمُ جُنْحَها ... بِمُخْصِبَةِ الأردافِ مُجْدِبَةِ الخَصرِ
وبيضٍ وسُمْرٍ فاعِلاتٍ بمُهْجتي ... فعالَ الصِّفَاحِ البيضِ والأُسُلِ السُّمْرِ
وَلَيْلٍ بِسَدِّ النَّهْرِ لَهْواً قَطَعْتهُ ... بِذَاتِ سِوارٍمثل مُنْعَطَفِ النَّهرِ
نَضَتْ بُرْدَهَا عَن غُصْنِ بان مُنَعَّمٍ ... نَضِيرٍكما انشق الكِمامُ عن الزَّهرِ
وقصر (الشَّراجيب) الذي ذكر؛ كان متناهيا في الإشراق؛ مباهيا لزوراء
стр. 538
(العراق). ركضت فيه جياد راحاته؛ وجرى الدهر مطيعا بين بُكَرِه وروحاته. أيام لم تحلّ عنه تمائمه،
ولا خلت من أزهار الشباب كمائمه. وكان يَعْتَدُّها مَجْبَى مالِه؛ ومنتهى اعماله، الى بهجة جنباتها؛ وطيب نفحاتها وهباتها،
والتفاف حمائلها؛ وتقلدها لنهرها مكان حمائلها، وفيها يقول أبو بكر الداني:
ألا عَلِمَ المعتدُّ بالله أنّني ... بِحَضْرَتِهِ في جنَّةٍ شَقَّها نَهْرُ
وما هو نهر أعشَبَ النبتُ حوله ... ولكنه سيف ٌحمائله خُضرُ
فلما صدر عنها، وقد حسنت آثاره في تدبيرها؛ وانسدلت رغائبه على صغيرها وكبيرها. نزل
المعتمد عليه مشرفا لأوبته؛ ومعرفا بسمو قدره لديه ورتبته. فأقام يومه عنده مستريحا؛ وجرى في
ميدان الأنْس بطلا مشيحا.
وكان المعتمد واجِداً على ابنه الراضي؛ فذكَّرَتهُْ الحُميّا بُعْدَهُ عنه ونَواه؛ فَحَنَّ عند ذلك لِلُقْيَاه، وزال ما
كان يَجِدُ عليه؛ فأمر بإحضاره بين يديه. فلمْ ياتِ ابنُهُ الراضي إلا وقد مَالت بالمعتمد نَشْوَتُه؛ بعدما
ازدهته من الطَّرب أَرْيَحِيَّتُه. فلما وصل ابنه الراضي؛ أَلْفاه قد أغفى في مُنْتداه؛ وهو
стр. 539
طريح في منتهى مداه. فأقام تُجَاهه؛ ينتظر انتباهه. وصنع في أثناء ذلك شعراً؛ أتقنه وجوّده. فلما استيقظ أبوه
من نومه، أنشده:
ألآنَ تعودُ حياة الأملْ ... ويدْنو شفاء فؤادٍ مُعلْ
فقد وعدَتْني سَحابُ الرِّضا ... بِوابِلِها حين جادت بطلْ
ويُورقُ للعزِّ عُصنٌ ذَوَى ... وَيَطْلُعُ للسَّعْدِ نجْمٌ أفلْ
أيا ملكاً أمْرُهُ نافذٌ ... فَمَنْ شَا أعزَّ ومَنْ شَا أَذَلْ
وَلا غَرْوَ إن كان منك اغْتِفَارٌ ... وإن كان منا جميعا زَلَلْ
فمثلك وَهْوَ الذي لم يزَلْ ... يعود بحلمٍ على من جَهِلْ
وحكى أبو الحسين بن سراج أنه حضر الكتاب والوزراء، مجلس أنْسٍ (بالزهراء)؛ في يوم غفل
عنه الدَّهر، فلم يرْمُقْه بِطَرْف؛ ولم يطْرُقْه بصرْف. أرَّخت به المسراتُ عَهْدَها؛ وأبرزت له الأماني
خَدَّها. وأباحت للرائدين حماها؛ وأرشفتهم لَمَاهَا فلم يزالوا ينتقلون من قصر الى قصر؛ ويبْتَدِلون
الغُصون بِجَنْيٍ وهَصْر. ويتَوقَّلون في تلك الغرفات؛ ويتعاطون الكؤوس بين تلك الشرفات. حتّى
استقروا بالرّوض، بعدما قضوا من تلك الآثار
стр. 540
أوطاراً؛ ورَمَقُوا بالاعتبار أقْطَارا فحلّوا منه في درَانيك
رَبِيع مُفَوَّفَة بالأزهار؛ مُطَرَّزَةٍ بالجداول والأنهار. والغصون تختال في أَدْواحها؛ وتَنْثَني في أكُفِّ
أرواحها. وآثار الديار قد أشرفت عليهم، كثكالى ينحن على خرابها؛ وانقراض أطرابها. والوَهْي
بمشيدها لاعب؛ وعلى كل جدار غُرَابٌ نَاعِبٌ. وقد مَحَت الحوادث ضِيَاءَهَا؛ وَقَلَّصَت ظِلاَلَهَا
وَأَفيَاءَهَا. وَطَالَ ما أشرقت بالخَلائف وابتهجت، وفاحت من شَذَاهم وتَأَرَّجت أيام نزلوا خلالها؛
وتَفَيَّؤُوا ظلالها، وعَمَروا حدائقها وجناتها؛ ونبهوا الآمال من سِنَاتِها، وراعوا اللُّيوث في آجامها؛
وأخجلوا الغُيُوثَ عند انسجامها. فأضحت ولها بالتَّدَاعي تلفع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نُؤَي
وأحجار، وقد وهت قبابها، وهرم شبابهاوقد يَلينُ الحديد؛ وَيَبْلَى على طَيِّهِ الجديد. فبيناهم يتعاطونها
صغارا وكبارا؛ ويُديرُونَهَا تأنسا واعتبارا، إذا برسول المعتمد قد وَافَاهم برقعة فيها مكتوب:
حسد القصر فيكم الزهراء ... وََلَعَمْرِي وَعَمْرُكُم ما أَساءَ
قَد طَلَعْتُمْ بِهَا شُمُوساً صَبَاحا ... فَاطْلَعُوا عندنَا بُدُوراً مسَاءَ
فعند ذلك، صاروا إلى قصر البستانَ بباب (العطارين)؛ فَأَلْفَوْا مجلساً يَحَارُ فيه الوَصْف؛ قد احتشد
فيه اللهو والقصف، وتوقدت نجوم مُدَامه؛ وتأوَّدَت قدود خدامه. وَأَرْبَى على الخَوَرْنَقِ والسَّدير؛
وأبدى صفحة البدر من أزرار المدير. فأَقاَموا لَيْلَتَهُمْ لم يطرقهم نوم؛ ولاَ عَدَلَهُمْ عن طيب اللذات سَوْم
стр. 541
وَحَكَى بعض الأدباء أن الوزراء الثلاثة بني القَبْطُورْنَة، باتوا في أيام الصِّبَاحِينَ، استطابوا الهوى؛
بين الجنوب والصَّبَا، في (المنية) المسماة (بالبديع)؛ وذلك في أوان الربيع. وبروضَ كان المتوكل
كَلِفاً بِمُوَافَاته؛ مُبْتَهجاً بحسن صِفَاته. وكان يستفزه الطَّرَب مَتى ذَكَرَه، وينتهز الأُنْسَ منه، روحاته
وبُكَره؛ ويدير حُمَياه على ضفة نهره؛ ويخلع فيه سره لطاعة جهره، ويقطف رياحينه وَزَهْرَه، ويقف
عليه اغفاءه وسهره. فطردوا خيل اللذات حتى أَنْضَوْهَا؛ ولَبسوا برود السرور وما نَضَوْهَا. حتى
صدعتهم العُقَار؛ وطلحتهم تلك الأوتار فلما هَمَّ رداء الفجر أن يُبْدَى؛ وجبين الصُّبح أن يُتَبدَّى،
استيقظ أبو محمد وقال:
يَا شَقِيقي أَتَى الصَّبَاحُ بِوَجْهٍ ... سَتَرَ اللَّيْلَ ضَوؤُهُ وبَهاؤُهُ
стр. 542
فاصْطبِحْ واغْتَنِمْ مَسَرَّةَ يَوْم ... لَسْتَ تَدْرِي بما يَجيء مَسَاؤُهُ
ثم استيقظ أبو بكر فقال:
يَا أخي قُمْ تَرَ النَّسيمَ عَليلا ... باكِر ِالرَّوْضَ والمُدَامَ شَمولاً
لا تَنَمْ واغْتَنِمْ مَسَرَّةَ يوْمٍ ... إنََّ تَحْتَ التراب نَوما طَويلاَ
ثم استيقظ أبو الحسن فقال:
يَا صَاحِبَيَّ ذَرَا لَوْمي وَمَعْتَبَتي ... قُمْ نَصْطَبِحْ خَمْرَةً ما خير ما ذَخروا
وَبَادرا غَفْلَةَ الأَيامِ وَاغْتَنِما ... فاليومَ خُبْرٌ ويبدو في غَدٍ خَبَرُ
وفي معنى هذه الأبيات يقول أبو بكر الغساني من أبيات له:
سَقِّني يا غلام فالعيش عضٌّ ... وعُيُونُ الخُطُوبِ عَنَّا رَقودُ
لاَ تَبِعْ عَاجل السُّرور وبَادِرْ ... فعساه يَعُودُ أولاَ يَعودُ
وقرأت في النوادر لأبي علي البغدادي مثل هذا المعنى:
لاَ تَدَعْ لذَّةَ يوْمٍ لغدٍ ... وَبِعِ الغَيَّ بِتَعْجِيل الرَّشدْ
إنهَا إن أخرَتْ عن وَقْتِها ... باخْتِدَاعِ النَّفْسِ يَوْماً لَم تُعدْ
فاشْغَلِ النفسَ بها عن شُغْلِها ... لاَ تُفَكِّر في حَمِيمٍ وَوَلدْ
стр. 543
أَوَمَا خُبِّرْتَ عَمَّا قيلَ في ... مَثَلٍ بَاقٍ على مَرِّ الأبدْ
إِنَّمَا دُنْيايَ نَفْسِي فإِذَا ... تَلِفَتْ نفْسي فلاَ عاشَ أَحَدْ
قال: وكان أبو محمد، أحد هؤلاء الثلاثة أعجوبة ذلك العصر؛ وفارس ميداني النظم والنثر. وقد
تَرَدَّى من الفصاحة برداء كبريائها؛ وتزين بتاج بهائها؛ وقعد على ثبج جوزائها، وتصرف في
ساحاتها وأرجائها وهو القائل:
وَمُنكرة شَيْبي لعرفانِ مَوْلدي ... تُرَجِّعُ والأجْفَانُ ذات غروبِ
فقلت يسوق الشيب من قبل وقته ... زوال نعيم أو فراق حبيبِ
وهو القائل أيضا:
إذا ما الشوقُ أرقني ... وبات الهَمُّ من كَثَبِ
فضَضْتُ الطينَة الحمرا ... ء عن صفراءَ كالذهبِ
وقال أيضا:
يا خليليّ لقَلبٍ ... نيلَ من كُلِّ الجهاتِ
إنْ هَامَ بِلَيْلَي ... وبِرَيَّا والبنات
وبِأَنْ صادَتْهُ أَسمى ... بَين بيضٍ خَفرات
بِلحاَظٍ ساحِراتٍ ... وَجُفُونٍ فاتراتِ
وَبِجِيدِ الظَّبْيَة ارتا ... عتْ فَظَلَّتْ في التفاتِ
وَبِعَيْني مغزل تر ... عى غزالاً في فلاة
تَتَمَشَّى بين أترَا ... بٍ لهَا حورٍ لات
стр. 544
وَعليها الوَشْيُ والخ ... زُّوَبُرْدُ الحبرات
رَاعَهَا لمَّا التقينا ... ما دَرَتْ من فَتكات
عَثَرتْ ذُعْراً فَقُلْنا ... وَالَعا للْعَثرات
ضَحِكَتْ عُجْباً وقالتْ ... لأخصِّ الفتيات
راجعيه ثم قولي ... ائتنا في السَّمراتِ
وارْقَب الأَعداءَواحْذَرْ ... من عُيُونٍ نَاظراتِ
فَإذا أَعْلَقَ فيها النْ ... نومُ أشراك السناتِ
وعلاَ البَدرُ جَلاَبي ... بُ لِباس الظلمات
فَاطْرَق الحَيَّ تَجِدْنا ... من وراء الحُجرات
فالتقينا بعد يأْسٍ ... بدليل النفحات
وتَلاَزَقْنَا اعْتِنَاقا ... كَالْتِوَاءِ الألفاتِ
ونَفثنا بيننا شَجْ ... واً كَنَفْثِ الراَّقِيَاتِ
وَبَرَدْنا لوْعةَ الحُ ... بِّ بمَاء العبراتِ
وَتشاغلنا ولم نَعْ ... لمْ بأنَّ الصبحَ آتِ
وَبَدَتْ فيه تباشي ... رُ مشيبِ في شواتِ
قوله: (بينِ أَتْرَاب لها حور لِذَات). لِدَةُ الرجل؛ الذي وُلِدَ معه، أَوْ قَرُبَ من ميلاده، والجمع لِدَاتٌ
ولِدُونَ أنشد يعقوب:
стр. 545
صفواءُ أعجلها الشبابُ لِدَاتَها ... موسومةٌ بالحسن غير قَطُوبِ
تخطو على فَرْديتين غَدَاهُمَا ... غَدَقٌ بساحة حائر يَعْبُوبُ
يقول: سبقت أقرانها في الشباب. ومنه قول ابن قيس الرقيات:
لم تَلْتَفِتْ لِلِدَاتِها ... وَمَضَتْ عَلى غُلَوَائها
يقال: كان ذلك في غُلَوائه؛ أي حين يَغْلُو فيطول. وغَلاَ النَّبْت، يغْلُو غُلُوّاً: إذا طال، وكذلك غَلاَ
الصبي: إذا شَبَّ.
قال الحارث بن خالد:
خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُها ... رُؤدُ الشَّبَابِ غَلاَ بِهَا عَظْمُ
رُؤدُ الشَّبَابِ؛ أى نَاعِمَة الشباب. ويقال للجارية، إذا شبت شبابا حسنا، وجاوزت لِداتِها؛ قد غَلاَ بِهَا
عظم.
وأنشد أبو حاتم عن أبي زيد قول الراجز:
حَتَّى إذا غَلاَ بُنَيَّ وَاحْتَجنْ ... وَزَانَهُ الشَّحْمُ وللشحم زِيَنْ
وقول الشاعر: (موسومة بالحسن): أي عليها سمةٌ من الحسن. وقوله في
стр. 546
البيت الثاني: (على برديتين): أي على ساقين، كأنهما بَرْديَّتان، في بياضهما وصفائهما، واملساسهما.
قال العجاج:
كأنَّمَا عِظَامها برْدِيُّ ... سَقَاهُ رِيَّاحائرٌ رَوِيٌّ
قال: والبرْدِيُّ أعقد له. ويقال: مكان حائر؛ إذا كان مطمئن الوسط مرتفع الحروف.
وفي حديث العباس بن عبد المطلب، ﵀ قال: كنت لِدَةَ الرسول ﷺ .
وقوله وبَدَتْ فيه تَبَاشي ... رُ مَشِيبٍ في شَوَاتِ
تَباشيرُ كل شيء: أَوَائِلُه.
قال أبو الحسن الرماني: ولم أسمع منه فعلا، ومنه تَبَاشِيرُ الصبح.
قال الشاعر:
تَبَاشَرُوا بعد ما طال الوجيفُ بهم ... بالصُّبح لما بَدَتْ منه تباشيرُ
وقوله في شَوَات: أي في شعر رأسي النابت على شَوَاتي؛ وهي جِلْدَة رأسه. والجميع شَوىً. قال الله
﵎ (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى). وقال الأعشى:
стр. 547
قَالتْ قُتَيْلَةُ مَالَهْ ... قَدْ جُلِّلَتْ شَيْباً شَوَاتهْ
أَمْ لاَ أَرَاهُ كَمَا عَهِدْ ... تُ صَحَا وَأَقْصَرَ عَاذِلاَتهْ
وحكى عن أبي عبيدة أنه قال: أنشد الأخفش أبو الخطاب أبا عمرو بن العلاء، بيت الأعشى:
قَالَتْ قُتَيْلَةُ مَالهُ ... قد جُللت شيبا شواتهْ
فقال أبو عمرو لأبي الخطاب: صحفت، إنما هي سَرَاتُه، ولكنك رأيت الراء منتفخة فصَيَّرتها واوا.
قال: فغضب أبو الخطاب، وأقبل علي وقال: إنما هيشواته، وهو الذي صحف، والله؛ لقد سمعت هذا
باليمامة من عدة من الناس.
قال أبو عبيدة: فأخذنا بقول أبي عمرو. فما مضت إلا أيام حتى قدم علينا رجل مُحْرِم، من آل
الزبير، فسمعته يحدثه بحديث فقال: اقشَعَرَّتْ شواتي، فعلمت أن أبا الخطاب وأبا عمرو أصابا
جميعا.
وسَرَاةُ كلِّ شيء: أعلاه. وقال أبو ذؤيب:
إذا هي قامَتْ تَقْشَعِرُّ شَوَاتُهَا
وقال أبو تمام:
стр. 548
خَضَبَتْ خَدَّهَا إلى لُؤْلُؤِ العِقْ ... دِ دماً أنْ رَأَتْ شَوَاتي خَضيبَا
أي خضبت خدها بالدمع المشوب بالدم. والشَّوى أيضا إِخْطَاء المَقْتَل يقال: رماه فأَشْوَاه؛ إذا أخطأ
مَقْتَله. قال ابن مقبل:
أَرْمي النُّحورَ فَأُشْويها وَتَثْلِمُني ... ثَلْمَ الإِنَاءِ فَأَعْدُو غَيْرَ مُنْتَصِرِ
وأنشد الأصمعي:
لا يُسْلِمُونَ قَريحاً حَلّ وَسطُهُمُ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ وَلاَ يُشْوُونَ مَنْ قَرَحوا
قال: ويقال أَشْوَاه؛ إذا لم يصب مَقْتَلَه. وشَوَاهُ؛ إذا أصاب منه المَقْتَل. والشَّوَى أيضا؛ اليَدَان
والرِّجْلاَن.
يقال فَرَسٌ عَبْلُ الشَّوَى: أى غليظ القوائم. قال امرؤ القيس:
سَليم الشَّظَى عَبْلِ الشَّوَى شَيْجِ النَّسَا ... لَهُ حَجَبَاتٌ مشْرِفاَتٌ على الفالِ
ويقال: كل مصيبة ما أخطأتك شَوىً، وكل ذلك شَوى ما سلم دينك: أي هَيِّن.
قال الشاعر:
وكنتُ إذا الايَّامُ أَحْدَثْنَ هَالكاً ... أَقُولُ شَوىً ما لم يُصِبْنََ صَميمي
стр. 549
والشَّوى أيضا: رُذَالُ المال. قال الشاعر:
أَكَلْنَا الشَّوَى حتَّى إذا لم نَجِدْ شَوى ... أَشَرْنَا إلى خَيْرَاتِهَا بالأَصابعِ
رجع
وأبو محمد القائل أيضا مخاطبا لأبي نصر الخاقاني:
أَبَا النَّصْرِ إنَّ الجَدَّ لاَ شَكَّ عاثرُ ... وإنَّ زَمَاناً شَاء بينك جَائرُ
فلاَ تُوِّجَتْ من بعد بَيْنِك رَاحةٌ ... براحٍ ولا حنت عليها المزامرُ
ولا اكتحلت من بَعْد نأيك مُقلةٌ ... بنوم ولا ضُمَّت عليها المَحاجرُ
ولي رغبةٌ جاءتك وهي مُدِلَّةٌ ... تسوق إليك المجد وهو أزاهرُ
لِتَعْلَمَ أَنِّي عن جوابك عاجزٌ ... ومعتذرٌ فيه فقل أنا عاذرُ
وكيف أجاري سابقاً لم يقم له ... هبوبُ الصبا والعاصفاتُ الخواطرُ
إذا قيل مَنْ هذا يقولون كاتبُ ... وإن قيل من هذا يقولون شَاعِرُ
وإن أخذ التحقيقُ فيك بِحقِّه ... فقيلَ وَمَنْ هذا يقولون سَاحرُ
تُشَيِّعُكَ الألبابُ وهي أَوَاسِفُ ... وتتبعك الالحاظُ وَهْيَ مَوَاطرُ
وكتب الكاتب أبو الحسين بن جبير إلى أبي عبد الله محمد بن غالب الرُّصافي:
стр. 550
يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ يُقَصِّرَ بالعلاَ ... زَمَانٌ وَمَازَالَ الزَّمَانُ يُقَصِّرُ
عَجِبْتُ لِدَهْرٍ غَضَّ منكَ سَفَاهةً ... لَقَدْ غَضَّ من عَيْنٍ بهَا كَان يُبْصِرُ
فأجابه أبو عبد الله بقوله:
أَيَا شَائِقِي ملءَ الضُّلُوع ودونَهُ ... مها ويمدُّ الخَطْوَ فيها فَيَقْصرُ
ويَا عضُدي عند المُليمِ ونَاصِري ... عَلى نُوَبِ الدُّنيَا ومثلك يَنْصُرُ
بصرت بحالي مُنْعَماً وَمَنِ الذي ... يُحِسُّ بأَحْوَالِ الصديق ويبصِرُ
شَمَائلُ تُكْنِي عن إعانتك التي ... تَناَهى بها في الطِّيب خِيمٌ وَعُنْصُرُ
ستقدم من شكري عليكَ عقيلةٌ ... سِوَى مجدها يُحْصَى الثَّنَاء ويحصُر
يتيمةُ نظمٍ لا تزال بحُسنها ... تَوارثها بعدي بلادٌ وأَعْصُرُ
وكتب إلى بعض إخوانه:
خَليلي أبا بكر فهَلْ تَمَّ حيلةٌ ... يكون إليها في نَواكَ رُجُوعي
سَيُخبرك السلوان أني رُمته ... فحال اشتياقي دونه ونزوعي
ولو كنت في غير الضلوع مخيما ... عذرت على هذا الحنين ضلوعي
وكتب أبو محمد بن القبطورنة أيضا إلى أبي الحسين بن سراج (بقرطبة) وجماعة من إخوانه:
يا سيِّدي وأبي هُدىً وجَلالَةً ... ورَسولَ وِدِّي إن طلبتُ رسولاَ
стр. 551
عَرِّجْ بِقُرْطُبَةٍ إِن آنْتَ بَلَغْتَها ... بأبي الحسين ونَادِهِ تَمْويلاَ
واذا سَعِدْتَ بِنَظْرَةٍ في وَجْهِهِ ... فَاهْدِ السَّلاَمَ لِكَفِّهِ تَقْبيلاَ
واذْكُرْ لَهُ شُكْري وشَوْقِي مُجْملاً ... ولو استطعتُ شرحتُه تفصيلا
بِتَحِيَّةٍ تُهْدَى إِليه كَأَنَّما ... جَرَّتْ عَلَى زَهرِ الرِّيَاضِ ذُيولاَ
وَأَشِمَّ منها المُصْحَفِيّ على النوى ... نَفَساً يُنَسِّي السَّوْسَنَ المَبْلولاَ
وَإلى أبي مَروانَ منْهَا نفحة ... تُهْدِي بها نَوْرَ الرُّبى مَطْلولاَ
وإذا لقيتَ الأَصْبَحي فَسَقِّهِ ... من صَفْوِ وِدِّي قَرْقَفاً وَشَمولاَ
وأبو عَليّ بُلَّ منه رِيقَةً ... مِسْكاً بماء غَمَامَةٍ محلولاَ
واذْكُرْ لَهُم زمناً يَهُبُّ نَسِيمُهُ ... أُصُلاً كَنَفْثِ الرَّاقيات عَليلاَ
مولى وموليَ نعمةٍ وكرامةٍ ... وَأَخَا إِخَاءٍ مخلصاً وخَليلاَ
بالحَيْرِ لاَ عَبَسَتْ هناكَ غمامةٌ ... إِلاَّ تَضَاحَكَ إِذخراً وجليلاَ
يوماً وليْلاً كان ذلك كلَّهُ ... سَحَراً وهذا بكرةً وأصيلاَ
стр. 552
لا أدركت تلك الأهلة دهرها ... نقصاً ولا تلك النجوم أفولا
قال أبو إسحاق:
(الحير) الذي ذكره أبو محمد في هذه الأبيات؛ هو (حير الزجالي) معروف خارج (باب اليهود
بقرطبة). وفيه يقول أبو عامر بن شهيد:
لَقَدْ أَطْلَعُوا عِنْدَ بَابِ اليَهو ... دِ شَمْساً أَبَى آلْحُسْنُ أَنْ تُكْسَفَا
تَرَاهُ آلْيَهُودُ عَلَى بَابها ... أَميراً فَتَحْسِبُهُ يوسُفا
وفيه يقول ويصفه وكان في ذلك الأوان من أبدع المواضع وأجملها؛ وأتمها حسنا وأكملها، قد جعل
منه مرمرا صافي البياض؛ يخترقه جدول كالحية النضناض، وكانت به جَابِيَةٌ؛ كل لجة فيها كَابية. قد
قُرْبِسَتْ باللاَّزَوَرد سماؤه؛ وتأزرت به جوانبه وأرجاؤه، والرّوض قد اعتدلت أسطاره؛ وابتسمت عن
كمامها أزهاره. قد مَنَعَ الشمس أن ترمق ثراه؛ ويعطر النسيم بهبوبه عليه ومسراه. شهد به أبو محمد
بن القبطرنة المذكور مع الجلة؛ من أصحابه ليالي وأياماً؛ كأنما تصورت من لمحات الاحباب؛ أوقُدَّت
من صفحات الشباب،
стр. 553
وكانت لأبي عامر بن شهيد به مشاهد؛ أعطاه فيها الدهر ما شاء، ووالى عليه
الصحْووالانتشاء، وكان هو وصاحب الروض المدفون، بإزائه، أليفيْ صبوة؛ وحليفيْ نشوة. عكفافيه
على جِرْيَالِهِمَا؛ وتصرفا بين زهوهما واختيالهما، حتى رداهما الردى؛ وعَدَاهما الحِمَامُ عن ذلك
المدى؛ فتجاورا في الممات، تجاورهما في الحياة، حينَ تقلصت عنهما وارفات تلك الظلال؛ عند بلوغ
الآجال. وإلى ذلك العهد أشار أبو عامر، وبه عرّض، وبكثرة تشوقه إليه صحّ ومرض، حيث قال
عند موته مخاطبا لصاحبه المذكور، وأمر أن يدفن بإزائه، وتكتب هذه الأبيات عند قبره:
يَا صَاحبي قُمْ فَقَدْ أَطَلْنا ... أَنَحْنُ طُولَ المَدَى هُجودُ
فقَالَ لي لَنْ تَقُومَ منْها ... مَادَامَ منْ فَوْقِنَا الصَّعِيدُ
تَذْكُرُكُمْ ليلةٌ نَعِمْنا ... بِظِلِّهَا والزَّمَانُ عِيدُ
وَكَمْ سُرُور هَمَى عَلَينا ... سَحَابَةً ثَرَّةً تَجُودُ
كلٌّ كَأنْ لَمْ يَكنْ تقضى ... وَشُؤْمُهُ حَاضِرٌ عَتيدُ
حَصَّلَهُ كَاتبٌ حَفيظٌُ ... وضَمَّهُ صَادِقٌ شَهيدُ
يَا وَيْلَنَا إنْ تَنَكَّبَتنا ... رَحْمَةُ مَنْ بَطْشُهُ شَد يدُ
يَا رَبِّ عَفْواً فأَنْتَ مَوْلًى ... قَصَّرَ في حَقِّهِ العَبيدُ
أضيف هذا المنظوم، إلى كلام منثور في لوح، وغرز عند رأس قبره، رحمة الله عليه.
стр. 554
قال: وكان أبو عامر في ذلك الأوان؛ قُدْوَةَ الوزراء والأعْيان. وكان كلُّ شَاعر وكاتب، بَيْنَ صِلَةٍ منه
وَرَاتب، يحضرون مجالس آدابه؛ ولا يَنْفَصِلونَ عن بابه. وكان له بباب الصَّوْمَعَة من الجامع،
مَوْضِعٌ لا يُفارقه أكثر نهاره؛ وَلاَ يخليه من نَثْر دُرره وأَزْهَاره. فبينما هو قاعدٌ فيه ليلة سبع
وعشرين من رمضان، مع جُملَة من الوزراء، والإخوان، وبهاء ذلك الزمان، وهم قد حَفُّوا به، وهو
يَخلطُ لهم الجِدَّ بالهزل؛ ولا يفرط في انبساط مستهتر، وانقباض جزل. وإذا بجارية من أعيان
المصر؛ وأهل العَفَاف في ذلك العصر، وهي في جملة من جَوَاريها؛ بين من يَسْتُرها ويُوَاريها؛ قد
جعلت تَرتَاد موضعاً لمناجاة رَبِّها؛ وتبتغي منزلا لاستغفار ذَنْبِها. وهي مع ذلك حذرة متنقبة؛ خائفة
ممن يرمقها مترقبة، وأمامها طفل لها، كأنه بدر على غصن آس؛ أو ظبي يمرح في كِناس. فما
وقعت عينها على أبي عامر ولت سريعة؛ وتولَّت وَجِلة مروعة؛ خيفة منها على نفسها أن يشبِّب بها
أو يشهرها باسمها، ويعرف بمنصبها. فلما نظر إليها ووقعت عينه عليها، وتحقق خبرها، قال قولا
فضحها به وشهرها:
وناظِرةٍ تحت طيّ القناع ... دَعَاهَا إلى الله للْخَيرِ دَاعِي
سَعَتْ بِابْنِهَا تبتغي منزلاً ... لِوَصْلِ التَّبَتُّلِ والانقِطاعِ
فَجَاءَتْ تَهَادى كمثلِ الرَّؤومِ ... تُرَاعي غَزاَلاً بأَعْلى يَفاعِ
وَجَالَتْ بأَربعِنَا جَوْلةً ... فحلّ الربيع بتلك البقاعِ
стр. 555
أتتنا تَبختر في مَشْيِها ... فَحَلَّتْ بوَادٍ كَثيرِ السِّباعِ
وريعتْ حِذَاراً على طِفْلهَا ... فَنَادَيْتُ يا هذه لا تُرَاعي
غَزَالُكِ تَفْرَقُ منه الليوث ... وتنصَاعُ منه كماةُ المصاعِ
فَوَلَّتْ وللمسك من ذَيْلهَا ... على الأرضِ خَطٌّ كَظَهْرِ الشجاعِ
وأخبار أبي عامر معْروفة، وَمَنَازِعُهُ شريفة. وقد أثبتَ ابن بسام في كتابه؛ من نوادره القصَار
والطِّوال؛ وتعريفَاته السائرة سير الأمثال؛ ما لا يُحَاطُ بإِحصائه؛ ولا يلحق غاية انتهائه. وفيه يقول:
كان أبو عامر بن شهيد (بقرطبة) ينبوع آماتها؛ ومادَّة حَيَاتِها، وحقيقة ذاتها، ومعنى أسمائها
ومُسَمَياتها. نادرة الفلك الدَّوَّار؛ وأُعجوبة اللَّيل والنَّهَار إنْ هَزَلَ؛ فَسَجْعُ الحَمَامِ؛ وإن جَدَّ؛ فَزَئيرُ الأسَد
الضرغام. له نظمٌ كما اتسق الدُّرُّ على النحور؛ ونَثْرٌ كما خُلِطَ المِسْكُ بالكافور.
وقد أثبتنا من مقطوعاته الغزليات في هذا التأليف، ما فيه أمنية الخالي، ولهو اللاهي؛ ويشهد له
بالتقديم والتناهي. ويجنح بالكبير إلى الصِّبا؛ ويكون حجة لمن صَبا.
حكى عن نفسه ﵀ قال: لما قدم زهير فتى ابن عامر حضرة
стр. 556
قرطبة من (المرية)، ومعه وزيره أحمد بن عباس؛ وجه عن جماعة من الكُتَّاب، والأعيان، والمشاهير من الأصحاب، والإخوان؛ كأبي الاصبغ عبد العزيزالطبني، وأبي حفص بن برد، وأبي بكر بن الحناط وأبي عبد الله المرواني،
وغيرهم من الأكابر، وتخلفت أنا، فسأل عنّي، وأمر
стр. 557
بإحضاري، فوافاني رسوله بدابة، فركبت
وسرت إليه. فلما وصلت وجدت أحمد بن عباس غائبا عن المجلس، وألفيت كل من كان فيه مراقبا
لقدومه. فتحرك أهل المجلس لدخولي، ورحب بي الكل منهم عندَ حلُولي فَلمْ أَسْتَوِ قاعدا إلاَّ وابن
عباس قد أقبل يَجُرُّ ذَيْلَ الخيلاء؛ ويسبل رداء الكبرياء، وهو يَتَرَنم؛ والإِعْجَابُ يخامره؛ والزَّهْوُ
يسايره. فسَلَّمْتُ عليه تسليم من يعرف حقَّ الرجال، وجمعت في كلامي بين الإيجازِ والإِكماَل. فرمز
رمزا خفيفا، وردَّ علي السلام ردّاً ضعيفا. فعلمت أن في أنفه نَعْرةً؛ لا تخرج إلاَّ بِسَعُوطِ الكَلاَمِ، ولا
تُرَامُ إلا بمثقب النظام فرأيت الأصحاب يصغون إلى تَهَمْهُمِهِ؛ ويصيخون إلى تَرَنُّمِه. فسألتهم عن
ذلك. فقال لي أبو عبد الله الحَنَّاطي وَكَانَ كثيرَ التَّعَصُّب علي؛ جالبا في المحافل ما يسوء الأولياء
إليّ: الوزيرحَضَرَهُ قَسيمٌ من شعره؛ وهو يسألنا إجازته فعلمت أنّي بذلك المراد؛ وعليَّ في الإجازة
الاعتماد فاستشهدته فقال مرضُ الجُفُونِ وَلَثْغَةٌ في المنطِقِ. فأخذت القلم مستعجلا؛ وكتبت مرتجلا
على القَسيمِ مذيلا ولما أمرت به ممتثلا:
مَرَضُ الجُفُونِ ولثغَةٌ في المَنْطِقِ ... سَبَبَانِ جَرَّا عِشْقَ مَنْ لَمْ يَعْشقِ
مَنْ لي بألثَغَ لا يَزال حَديثهُ ... يُذْكي على الأكبادِ جَمْرَةَ مُحْرقِ
يُنْبِي فَيَنْبُو في الكلام لِسانهُ ... فكأَنَّهُ من خَمْرِ عَيْنَيْهِ سُقِي
لا تُنْعِشُ الألفَاظُ منْ عَثَرَاثِها ... ولَو آنَها كُتِبَتْ لَهُ في مُهرَقِ
стр. 558
فأقمت ساعة، ثم سلمت، وَمَشيتُ عنهم إلى منزلي فلم أَلْبَثْ أن ورد عليّ بعضهم، وأعلمني أن ابن
عباس، لم يرض بما جئت به من البداية، ونسبني إلى التقصير فيه، وسألني أن أحمي عليه مكاوي
الكلام؛ وأن أقرع سمعه بضروب من الإقماع والإفحام. وذكرلي أن ادريس بن اليماني هجاه فأفحش؛
فلم أستحسن الإفحاش. فقلت فيه معرضا؛ إذ التعريضُ من محاسن القول:
أبو جَعْفَرِ رجلٌ كاتبٌ ... مَليحُ شَبَا الخَطِّ حُلْو الخَطَابَهْ
وذُو عَرَقٍ لَيْسَ ماءَ الحَياءِ ... ولَكِنَّهُ رشْحُ فضلِ الجَنَابهْ
جرى الماءُ في سُفْلِهِ جَرْيَ لِينٍ ... فأَحْدَثَ في العُلْوِ منه صَلاَبهْ
قوله:
وذو عرق ليس ماء الحياء
يشبه قول أبي الوليد بن زيدون؛ لكنه زاد فيه زيادة لطيفة، ونكتة ظريفة فقال:
стр. 559
مخَضَتْ في آسْتِهِ الأُيُورُ حَليباً ... فَعَلَتْ عَيْنهُ من الزُّبْدِ نُقْطَهْ
وأَخَذَ هذا المعنى أبو الحسن بن الزقاق، فقال يهجو أزرق:
وأَزْرَقَ والأُمُورُ لَها اشْتِباهٌ ... ويوُتَى العَيْنُ من قِبَلِ العجانِ
ولَماَّ شَكَّ أسفَلَهُ العَوالى ... جَرَى في عينه زَرَقُ السِّنانِ
وقوله (فأحدث في العلو منه صلابة) البيت، كقول بعض الأدباء، في قريب من هذا المعنى:
صَلُبَتْ ولاَنَ القَاعُ منها فَاسْتُهُا ... لَوْلاَ لِيَانَةُ قَاعِهَا لَمْ تَصْلُبِ
ومثله قول النابغة الذبياني:
جَفَّتْ أَعَالِيهِ وَأَسْفَلُهُ نَدِي
وهذا الكلام كله إقذاع، ومرفوض بالإجماع.
والمناسبة التي بين قطعة أبي عامر وبينه، جرَّتني إليه؛ وأَحْوَجَتْني للتعريج عليه. فلذلك تَعَلَّقَ
بإطنابي؛ واثبتُّهُ في كتابي. وليس الهجاء مما يليق بهذا الديوان؛ لما فيه من الفُحش والبهتان. فلذلك
نبذته نَبْذَ الكُرَاع من الأديم؛ وحذفته حذف الهاء في الترخيم وقول أبي عامر في صفة الألثغ، مما
انطبع فيه، ولا سيما على البديه.
ومن جيِّد ما قيل في صفة الألثغ، قول أبي الحجاج الرمادي وهو:
стр. 560
الَّراءُ لا تَرْجُو الوصَالَ ولاَ أنَا ... الهَجْرُ يَجْمَعُنَا فَنَحْنُ سوَاءُ
فإذَا خَلَوتُ كتبتُهَا في رَاحتي ... وبَكِيتُ منتحباً أَنَا والرَّاءُ
وفي هذا المعنى أيضا يقول الأديب الظريف الأستاذ أبو القاسم بن العريف:
أيهَا الألثغُ الذي شَفَّ قَلْبي ... جُدْ بِحَرْفٍ ولَوْ نَطَقْتَ بِسَبِّي
هَجْرُكَ الرَّاءَ مثلُ هَجْري سَواءُ ... فَكِلاَنَا معذَّبٌ دونَ ذَنْب
فإِذَا شِئْتُ أَنْ أَرى لي مَثَلا ... في هَوَاني خَطَطْتُ راَءً بِجَنْبي
وقال أبو نواس الحسن بن هانىء:
وَبِأبي أَلْثَغُ لاَجَجْته ... فقالَ في غُنْجٍ واخْتِناثِ
لَمَّا رَأى منِّي خِلافي له ... مَا لَقِي الناَّثُ من النَّاثِ
قارَعْتُهُ صَفْراءَ كَرْخِيةً ... قَدْْ جُلِبَتْ منْ كَرْمِ حرَّاثِ
إِبْريقُنَا منتَصِبٌ سَاعة ... وتَارةً مبتَرِكٌ جاث
стр. 561
وأخذ هذا المعنى أحد الظرفاء فقال:
اليوم يوم ثلاثا ... فاسق النديم ثلاثا
في ود ظبي رخيم ... يقول للكَأْسِ كاثا
وحكى أبو بكر محمد بن أحمد المصحفي قال: دخلت يوما على الوزير أبي عامر بن شهيد، أعُودُه
في العِلَّة التي مات منها؛ فَتَأَنَّسَ بي، وسألني عن حالي، وجرى الحديث بيننا إلى أن شكوت له تَجَنِّيَ
من كنت أهواه عليَّ، وتألفه من كان ينسب الخمول والتقصير إلي، ونفاره عني؛ وتماديه في البعد
مني. وأعلمته بما أنا من الاحتدام والقلق؛ وما أكابد من الأشجان والأرق، فقال لي سأسعى في صَلاَح
ذات البين؛ وأوضح له ما زخرف من الإِفك والميْن. ويزول الخلاف، وتؤولُ الحالُ إلى الائتلاف. ثم
خرجتُ عنه، وأنا مسرور عنا له داع إلى الله تعالى في صحته، وبُرْئِه من اعتلاله. فلقيتُ ذلك
المتجنى، مع بعض الأصحاب، فوليت عنهم، ولم أَدْنُ منهم فأنكر ما رأى منَّا ذلك الصديق؛ وسأل
المتجني عن السبب المُوجِبِ للانصرام والتفريق. فأخبره بما جرى واتفق، من التهاجر الذي سبق،
والسبب الموجب للإعراض. فجدّا في مشيهما، وأسرعا في الانتهاض، حتى لحقاني، وعزم علينا في
الكلام؛ فتكلمنا وتعاتبنا، ومشينا، حتى وصلنا دار أبي عامر، واستأذن عليه، فأذن لنا، ودخلنا. فلما
رآنا أبو عامر ضحك، وقال: من كان الذي تَوَلَّى إِصْلاَحَ مَا كُنَّا سُرِرْنَا بِفَسَادِه؟ فقلت: قد كان ما كان.
فأطرق قليلا ثم
стр. 562
أنشد:
مَنْ لاَ أُسَمِّي وَلاَ أَبُوحُ به ... أَصْلَحَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَهْوَى
أَرْسَلْتُ مَنْ كَابَدَ الهَوَى فَدَرَى ... كَيْفَ تُدَاوَى مَوَاضِعُ البَلوَى
وَلي حُقُوقٌ في الحُبِّ ظَاهرةٌ ... لكِنَّ إلْفي يَعُدُّهَا دَعوَى
يَارَبِّ إنَّ الرسولَ أَحْسَن لي ... يَا رَبِّ فاحفَظهُ لي من الأَسْوا
وحكى بعض الوزراء بإشبيلية ممن عُنِيَ بالاخبار، والبحث على السير والآثار. أن أبا المطرف عبد
الرحمان بن هشام بن عبد الجبار، المتسمى من الألقاب السلطانية بالمستظهر بالله، أحد أمراء بني
أمية؛ خطب حبيبة، ابنة عمه المستعين سليمان بن الحكم، فَلَوَتْهُ أمها شَنَف، المدعوة بأم الحكم. وكان
بقلبه منها نار تتوقد؛ وشوق يتزيد، وجوى ناره لا تخمد، وََوَلُوعٌ يتجدد مع الاحيان ويتأكد. عافت
عيناه منه الكرى؛ وكاد النحولُ يخفيه فما يرى. وكانا قد نشأ معاً في وقت واحد؛ وعن طارف وتالد.
فلما اشتد بها كلفه؛ وأقلقه شغفه، وخامرت لوعات الأسى فكره؛ وأضاقت أسباب المنع والصدّ صدره
كتب إليها بقوله:
وَجَالِبَةٍ عُذْراً لتَصْرفَ رَغْبَتي ... وتَأْبَى المَعَالي أَنْ نُجيزَلها عذْرَا
يُكَلِّفُهَا الأَهلونَ رَدِّي سَفَاهةً ... وَهَلْ حسنٌٌ بالشمس أن تمنع البدرا
стр. 563
وماذا عَلَى أُمِّ الحبيبة إذْ رأتْ ... جَلاَلَةَ قَدْرِي أنْ أَكُونَ لها صِهْرَا
جَعَلْتُ لَهَا شَرطاً عليّ تَعَبدي ... وسُقْتُ إِلَيْهَا في الهَوَى مُهْجَتي مَهرَا
تَعَلَّقْتُهَا من عبد شَمسٍ غَريرةً ... مُحَدَّرَةً من صيد آبائها غرَّا
حمامةُ بنت العبشميِّين رفرفتْ ... فَطِرتُ إليها من سَراتهمُ صَقرَا
لَقَدْ طالَ صومُ الحبّ عنك فما الذي ... يَضُرُّكِ عنه أن تكوني له فِطرَا
وإني لأسْتَشْفي بِمَرِّي بداركمْ ... هدوءا واسْتَسقى لساكنها قَطراً
وَأَلْصِقُ أَحْشائي ببَرْدِ تُرَابِها ... لأُطْفِئ من نار الأسى بكمُ جَمراً
فإِنْ تَصْرفِيني يا ابْنَةَالعمِّ تصرفي ... وَعَيْشِكِ كُفْؤاً مدَّ رَغْبَتَه سَتْرَا
وإني لأرجو أن أطوِّق مَفخريِ ... بِمِلْكي لهَا، وَهْيَ التى عَظُمَت فَخْراً
وإِنِي لَطَعَّانٌ اذا الخَيْلُ أَقبلتْ ... جَراَئِرُهَا حتى تَرَى جُونَها شُقراً
وإِني لأَوْلى النَّاس من قَوْمِهَا بها ... وأَنبَهُهُم ذِكراً وأَرفَعُهُم قَدراً
وعِنْديَ ما يُصْبي الحَليمَة ثَيِّباً ... وَيُنْسي الفَتاة الخَوْد عُذْرَتَهاَ البكرا
جمالٌ وَادابٌ وَخُلْقٌ موطَّأٌ ... ولفظ إِذاَ ماَ شِئتِ أسمعكِ السِّحْرا
فَللْمُسْبِلِ النُّعْمىَ عَلَيَّ بِفَضله ... حَقائق نُعْمى لا أملُّ لهاَ نَشرَا
وأبصرها ذات يوم؛ فأومأ إليها بالسلام؛ فلم ترد عليه خجلا منه فكتب إليها:
سَلاَمٌ على مَنْ لَمْ يَجُدْ بِكَلامه ... وَلَمْ يَرَني أهلاً لردِّ سَلاَمه
стр. 564
سَلاَمٌ على الظبي الذي كلما رَمى ... أَصَابَ فؤادي عَامداً بسهامه
بنفسي حبيبٌ لم يَجُدْ لمحِبه ... بطيفِ خَيالٍ زائرٍ في مَنامه
أَلَمْ تعلَمي يَاعذْبَةَ الماء أنني ... فتىً فيك مخلوعٌ عِذَارُ لجامه
وإني وفيٌّ حافِظ لأَذِمَّتِي ... إذا لم يقم غيري بحفظ ذِمامه
يُبَشر ذَاكَ الشِّعْرُ شِعْرِيَ أنه ... سَيُوصل حبلي بعد طول انصرامه
وما شَكَّ طَرْفي أن طَرْفَكِ مُسْعِدي ... ومُنْقِذُ قلبي من حِبَال غَرامه
عليك سلام الله مِنْ ذِي تَحيَّةٍ ... وإن كان هذا زَائداً في اجترامه
ومن شعره أيضا فيها قوله:
تَبَسَّمَ عن دُرٍّ تَنَظَّمَ في الوَرْسِ ... وَأَسْفَرَ عنْ وجهٍ يَنوبُ عن الشَّمسِ
غَزَالٌ بَراهُ اللهُ من نُورِ عَرْشِهِ ... لِتَقْطيعِ أَنْفَاسي، وليس منَ الإنسِ
وَهَبْتُ له مُلكي وروحي ومُهْجَتي ... ونفْسي ولا شَيءٌ أَعَزُّ من النَّفْسِ
وقال أيضا فيها:
طال عُمْرُ الليْلِ عندي ... مُذْ تَوَلَّعْتِ بِصدِّي
يا غَزَالاً نَقَضَ الوُ ... دَّ ولم يُوفِ بِعَهدي
أَنَسِيتِ العهد إذْ بتْ ... نا عى مَفْرش وَرْدِ
стр. 565
واجْتَمَعْنَا في وشاحٍ ... وانتظمنا نَظْمَ عِقْدِ
وَتَعَانَقْنا كَغُصْنيْ ... نِ وقدَّانا كقدِّ
ونُجُومُ الليلِ تَحكي ... ذَهبا في لاَزَ وَرْدِ
وهذا تشبيه مصيب؛ ساقه في لفظ مختصر عجيب. ومثله في الحسن وانطباع الألفاظ والمعاني، قول
أبي بكر محمد بن أحمد الدِّمشقي الغسَّاني، وهو:
كَأَنَّ نُجُومَ الليْلِ حول مِجَرِّها ... وقد حدَّ منها للْغُروب عَزَائمُ
جُفُونٌ حَمَاهَا الشوقُ أن تُطْعَمَ الكَرى ... فَأَعْيُنُهَا مستيقظات نَوائمُ
وَوَصف النُّجوم وقد ظهرت في الماء، بعض الشعراء المجيدين فأحسن:
اُنْظُرْ إلى زُهْرِ النُّجُومِ وقَدْ بَدَتْ ... في النَّهْر يعجبُ ذَاتُها من ذَاتِهَا
فَكَأَنَّهَا سِرْبُ الحِسانِ تَطَلَّعَتْ ... لِترى منَ المرآةِ حُسْنَ صِفاتِهَا
وقال الأديب أبو تمام غالب بن رباح الأندلسي:
أَصِلُ السُّرَى والليل في خوضي له ... بَحْر رَكِبْتُ عليه أَسْبَح زورق
وَالأفقُ قد نظمَ النجومَ كَأنَّها ... دُرٌ تَنَاثر في بساط أزرقِ
следующие страницы →