Полный текст (772 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وأخذ هذا المعنى أحد الظرفاء فقال:
اليوم يوم ثلاثا ... فاسق النديم ثلاثا
في ود ظبي رخيم ... يقول للكَأْسِ كاثا
وحكى أبو بكر محمد بن أحمد المصحفي قال: دخلت يوما على الوزير أبي عامر بن شهيد، أعُودُه
في العِلَّة التي مات منها؛ فَتَأَنَّسَ بي، وسألني عن حالي، وجرى الحديث بيننا إلى أن شكوت له تَجَنِّيَ
من كنت أهواه عليَّ، وتألفه من كان ينسب الخمول والتقصير إلي، ونفاره عني؛ وتماديه في البعد
مني. وأعلمته بما أنا من الاحتدام والقلق؛ وما أكابد من الأشجان والأرق، فقال لي سأسعى في صَلاَح
ذات البين؛ وأوضح له ما زخرف من الإِفك والميْن. ويزول الخلاف، وتؤولُ الحالُ إلى الائتلاف. ثم
خرجتُ عنه، وأنا مسرور عنا له داع إلى الله تعالى في صحته، وبُرْئِه من اعتلاله. فلقيتُ ذلك
المتجنى، مع بعض الأصحاب، فوليت عنهم، ولم أَدْنُ منهم فأنكر ما رأى منَّا ذلك الصديق؛ وسأل
المتجني عن السبب المُوجِبِ للانصرام والتفريق. فأخبره بما جرى واتفق، من التهاجر الذي سبق،
والسبب الموجب للإعراض. فجدّا في مشيهما، وأسرعا في الانتهاض، حتى لحقاني، وعزم علينا في
الكلام؛ فتكلمنا وتعاتبنا، ومشينا، حتى وصلنا دار أبي عامر، واستأذن عليه، فأذن لنا، ودخلنا. فلما
رآنا أبو عامر ضحك، وقال: من كان الذي تَوَلَّى إِصْلاَحَ مَا كُنَّا سُرِرْنَا بِفَسَادِه؟ فقلت: قد كان ما كان.
فأطرق قليلا ثم
стр. 562
أنشد:
مَنْ لاَ أُسَمِّي وَلاَ أَبُوحُ به ... أَصْلَحَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَهْوَى
أَرْسَلْتُ مَنْ كَابَدَ الهَوَى فَدَرَى ... كَيْفَ تُدَاوَى مَوَاضِعُ البَلوَى
وَلي حُقُوقٌ في الحُبِّ ظَاهرةٌ ... لكِنَّ إلْفي يَعُدُّهَا دَعوَى
يَارَبِّ إنَّ الرسولَ أَحْسَن لي ... يَا رَبِّ فاحفَظهُ لي من الأَسْوا
وحكى بعض الوزراء بإشبيلية ممن عُنِيَ بالاخبار، والبحث على السير والآثار. أن أبا المطرف عبد
الرحمان بن هشام بن عبد الجبار، المتسمى من الألقاب السلطانية بالمستظهر بالله، أحد أمراء بني
أمية؛ خطب حبيبة، ابنة عمه المستعين سليمان بن الحكم، فَلَوَتْهُ أمها شَنَف، المدعوة بأم الحكم. وكان
بقلبه منها نار تتوقد؛ وشوق يتزيد، وجوى ناره لا تخمد، وََوَلُوعٌ يتجدد مع الاحيان ويتأكد. عافت
عيناه منه الكرى؛ وكاد النحولُ يخفيه فما يرى. وكانا قد نشأ معاً في وقت واحد؛ وعن طارف وتالد.
فلما اشتد بها كلفه؛ وأقلقه شغفه، وخامرت لوعات الأسى فكره؛ وأضاقت أسباب المنع والصدّ صدره
كتب إليها بقوله:
وَجَالِبَةٍ عُذْراً لتَصْرفَ رَغْبَتي ... وتَأْبَى المَعَالي أَنْ نُجيزَلها عذْرَا
يُكَلِّفُهَا الأَهلونَ رَدِّي سَفَاهةً ... وَهَلْ حسنٌٌ بالشمس أن تمنع البدرا
стр. 563
وماذا عَلَى أُمِّ الحبيبة إذْ رأتْ ... جَلاَلَةَ قَدْرِي أنْ أَكُونَ لها صِهْرَا
جَعَلْتُ لَهَا شَرطاً عليّ تَعَبدي ... وسُقْتُ إِلَيْهَا في الهَوَى مُهْجَتي مَهرَا
تَعَلَّقْتُهَا من عبد شَمسٍ غَريرةً ... مُحَدَّرَةً من صيد آبائها غرَّا
حمامةُ بنت العبشميِّين رفرفتْ ... فَطِرتُ إليها من سَراتهمُ صَقرَا
لَقَدْ طالَ صومُ الحبّ عنك فما الذي ... يَضُرُّكِ عنه أن تكوني له فِطرَا
وإني لأسْتَشْفي بِمَرِّي بداركمْ ... هدوءا واسْتَسقى لساكنها قَطراً
وَأَلْصِقُ أَحْشائي ببَرْدِ تُرَابِها ... لأُطْفِئ من نار الأسى بكمُ جَمراً
فإِنْ تَصْرفِيني يا ابْنَةَالعمِّ تصرفي ... وَعَيْشِكِ كُفْؤاً مدَّ رَغْبَتَه سَتْرَا
وإني لأرجو أن أطوِّق مَفخريِ ... بِمِلْكي لهَا، وَهْيَ التى عَظُمَت فَخْراً
وإِنِي لَطَعَّانٌ اذا الخَيْلُ أَقبلتْ ... جَراَئِرُهَا حتى تَرَى جُونَها شُقراً
وإِني لأَوْلى النَّاس من قَوْمِهَا بها ... وأَنبَهُهُم ذِكراً وأَرفَعُهُم قَدراً
وعِنْديَ ما يُصْبي الحَليمَة ثَيِّباً ... وَيُنْسي الفَتاة الخَوْد عُذْرَتَهاَ البكرا
جمالٌ وَادابٌ وَخُلْقٌ موطَّأٌ ... ولفظ إِذاَ ماَ شِئتِ أسمعكِ السِّحْرا
فَللْمُسْبِلِ النُّعْمىَ عَلَيَّ بِفَضله ... حَقائق نُعْمى لا أملُّ لهاَ نَشرَا
وأبصرها ذات يوم؛ فأومأ إليها بالسلام؛ فلم ترد عليه خجلا منه فكتب إليها:
سَلاَمٌ على مَنْ لَمْ يَجُدْ بِكَلامه ... وَلَمْ يَرَني أهلاً لردِّ سَلاَمه
стр. 564
سَلاَمٌ على الظبي الذي كلما رَمى ... أَصَابَ فؤادي عَامداً بسهامه
بنفسي حبيبٌ لم يَجُدْ لمحِبه ... بطيفِ خَيالٍ زائرٍ في مَنامه
أَلَمْ تعلَمي يَاعذْبَةَ الماء أنني ... فتىً فيك مخلوعٌ عِذَارُ لجامه
وإني وفيٌّ حافِظ لأَذِمَّتِي ... إذا لم يقم غيري بحفظ ذِمامه
يُبَشر ذَاكَ الشِّعْرُ شِعْرِيَ أنه ... سَيُوصل حبلي بعد طول انصرامه
وما شَكَّ طَرْفي أن طَرْفَكِ مُسْعِدي ... ومُنْقِذُ قلبي من حِبَال غَرامه
عليك سلام الله مِنْ ذِي تَحيَّةٍ ... وإن كان هذا زَائداً في اجترامه
ومن شعره أيضا فيها قوله:
تَبَسَّمَ عن دُرٍّ تَنَظَّمَ في الوَرْسِ ... وَأَسْفَرَ عنْ وجهٍ يَنوبُ عن الشَّمسِ
غَزَالٌ بَراهُ اللهُ من نُورِ عَرْشِهِ ... لِتَقْطيعِ أَنْفَاسي، وليس منَ الإنسِ
وَهَبْتُ له مُلكي وروحي ومُهْجَتي ... ونفْسي ولا شَيءٌ أَعَزُّ من النَّفْسِ
وقال أيضا فيها:
طال عُمْرُ الليْلِ عندي ... مُذْ تَوَلَّعْتِ بِصدِّي
يا غَزَالاً نَقَضَ الوُ ... دَّ ولم يُوفِ بِعَهدي
أَنَسِيتِ العهد إذْ بتْ ... نا عى مَفْرش وَرْدِ
стр. 565
واجْتَمَعْنَا في وشاحٍ ... وانتظمنا نَظْمَ عِقْدِ
وَتَعَانَقْنا كَغُصْنيْ ... نِ وقدَّانا كقدِّ
ونُجُومُ الليلِ تَحكي ... ذَهبا في لاَزَ وَرْدِ
وهذا تشبيه مصيب؛ ساقه في لفظ مختصر عجيب. ومثله في الحسن وانطباع الألفاظ والمعاني، قول
أبي بكر محمد بن أحمد الدِّمشقي الغسَّاني، وهو:
كَأَنَّ نُجُومَ الليْلِ حول مِجَرِّها ... وقد حدَّ منها للْغُروب عَزَائمُ
جُفُونٌ حَمَاهَا الشوقُ أن تُطْعَمَ الكَرى ... فَأَعْيُنُهَا مستيقظات نَوائمُ
وَوَصف النُّجوم وقد ظهرت في الماء، بعض الشعراء المجيدين فأحسن:
اُنْظُرْ إلى زُهْرِ النُّجُومِ وقَدْ بَدَتْ ... في النَّهْر يعجبُ ذَاتُها من ذَاتِهَا
فَكَأَنَّهَا سِرْبُ الحِسانِ تَطَلَّعَتْ ... لِترى منَ المرآةِ حُسْنَ صِفاتِهَا
وقال الأديب أبو تمام غالب بن رباح الأندلسي:
أَصِلُ السُّرَى والليل في خوضي له ... بَحْر رَكِبْتُ عليه أَسْبَح زورق
وَالأفقُ قد نظمَ النجومَ كَأنَّها ... دُرٌ تَنَاثر في بساط أزرقِ
стр. 566
وهذا لفظ أبي محمد بن وكيع حيث يقول:
حتَّى بَدَتْ زُهْر النجومِ كَأَنَّهَا ... دُرّ نُثِرْنَ عَلى بساطٍ أَزْرَقِ
قال: وهنَّأهُ بعض الشعراء بالخلافة، يوم بويع في قصيد كتب به إليه؛ في رَقٍّ مبشور، واعتذر من
ذلك ببيتين وهما:
الرَّقُّ مبشورٌ وفيه بِشَارَةٌ ... بِبَقَا الإمامِ الفاَضِلِ المستظهرِ
مَلِكٌ أَعَادَ العيش غَضّاً شَخْصُهُ ... وكذَا يَكونُ بِهِ طَوَالَ الأَدْهرِ
فأَجزل صلته، ووقع على ظهر رقعته بهذه الأبيات:
قَبلنا العُذْرَ في بَشْرِ الكتابِ ... لِمَا أَحْكَمْتَ مِنْ فَصْلِ الخِطابِ
وَجُدْنَا بالجَزَ مِمَّا لدينَا ... على قَدر الوجُودِ، بلاَ حِسابِ
فَنَحْنُ المنعمون إذا قَدَرْنَا ... ونحنُ الغافرون أذى الذباب
ونحنُ المطْلعونَ بِلاَ امْتِراءٍ ... شُمُوسَ المَجْدِ من فلك الثواب
قوله: (أذى الذباب). الأذى، هو الضرر بالشيء. والأذى: كل ما تأذيت به. قال امرؤ القيس:
стр. 567
وإذا أُذيتُ بِبَلْدَةٍ ودَّعْتُها ... ولاَ أُقيمُ بِغَيْرِ دَارِ مُقامِ
يقال: أَذِيَ الرجل يأْذَى أذىً. ورجل آذٍ: إذا كان شديد التَّأَذِّي.
وحكي أن رجلا من بني أمية، وقف للرشيد على طريقه، وبيده كتاب، وفيه أربعة أبيات:
يا أمينَ الله إنِّي قَائلٌ ... قولَ ذي صدق ولُب وَحَسَبْ
لَكُمُ الفضلُ علينا ولنا ... بكمُ الفضلُ على كلِّ العربْ
عبدُ شَمْسٍ كانَ يَتْلُوهَا شِماً ... وهُما بعْدُ لِأمٍّ وَلأَبْ
فصلِ الأرحامَ منا إِننا ... عبدُ شَمْسٍ عَمُّ عبدِ آلمطلبْ
فاستحسن قوله الرشيد، وأمر له لكل بيت بألف دينار. وقال: لَوْ زِدْتَنَا لَزِدْنَاك.
قوله:
قول ذي صدق ولُبّ وحسب
اللُّبُّ: العقل. وهو مأخوذ من لُبِّ النخلة، على جهة التشبيه بريه وجمعه ألْبَابٌ.
قال أبو بكر بن دريد: اللُّبُّ العقل.
стр. 568
يقال: لَبَّ الرجل يَلَبُّ؛ إذا صار لبيبا.
ولُبُّ كل شيء؛ الخالص منه. وهو داخل الشيء الذي يركبه القشر. ويقال: لَبَّ بالمكان لَبّاً، وأَلَبَّ به
إلْباباً؛ إذا لزمه وأقام به.
واللَّبَّةُ من الصدر؛ موضع القلادة والجميع لَبَّات. قال امرؤ القيس:
كَأَنَّ عَلى لَبَّاتِهَا جَمْرَ مُصْطَلٍ ... أَصَابَ غَضىً جَزْلاً وكُفَّ بِأَجْذَالِ
والتلْبيبُ؛ مجمع ما في موضع اللَّبَبِ من ثياب الرجل.
ومنه قولهم: أخذ فلان بِتَلابِيب فلان وكل من جمع ثيابه، وتحزَّم فهو متَلَبِّب. ويشبه به المتَسَلِّحُ
بالسلاحِ.
وقال صاحب العين اللَّبَب: البال. تقول: الأمر منه في لبَبٍ رخي: أي في بال رخي وسمى بذلك.
لأن فيه اللُّب. وقال أبو تمام:
سَأَشْكُرُ فُرْجَةَ اللَّبَبِ الرَّخِيِّ ... ولِينَ أَخَادِعِ الدَّهْرِ الأَبيِّ
واللبب من الرمل؛ شبه حِقْفٍ بين معظم الأرض، وَجَلَدِهَا، وهو مُستَرَقُّ الرمل. قال ذو الرمة:
بَرَّاقَةُ الجِيدِ وَاللَّباتُ وَاضِحَةٌ ... كَأَنَّهَا ظَبْيَةٌ أَفْضَى بِهَا لَبَبُ
وقال أبو تمام:
стр. 569
أَلْوَى بِصَبْرِك إِخّلاَقُ اللِّوَى وهَفَا ... بِلُبِّكَ الشَّوْقُ لَمَّا أَقْفَرَ اللَّبَبُ
وسمي لَبَباً للزوم بعضه بعضا؛ كلزوم لُبِّ الشيء له، وكذلك المُتَلَبِّبُ المُتَحزِّمُ بثيابه، بعضها ببعض.
وأخذ بتلبيبه؛ إِذَا لزمه في ذلك الموضع. ومنه: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ: أي ملازمة لأمرك، وإسعاداً لك. وهو
مصدر. مثنى للتكثير والمبالغة في التأكيد، لا تثنية حقيقة؛ بمنزلة قوله تعالى (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) أي نعمتاه. على
تأويل اليد هنا على النعمة.
وذهب يونس بن حبيب البصري في لَبَّيْكَ؛ إلى أنه اسم مفرد، وليس بمثنى، وان ألفه إنما انقلبت
ياء لاتصالها بالمضمر على حد لَدَيَّ وعلَيَّ.
وذهب سيبويه؛ إلى أنه مثنى، بدليل قلب ألفه ياء مع المظهر، وأكثر الناس على مذهب سيبويه.
قال أبو بكر بن الانباري ثنوا لَبَّيْكَ كما ثنوا حَنَانَيْك: أي تحننا بعد تَحَنُّن.
وأصل لَبَّيْك: لَبَّبْكَ؛ فاسْتُثْقِل الجمعُ بين ثلاث باءات؛ فأبدل من الثالثة ياء، كما قالوا من الظَّنِّ
تَظَنَّيْتُ. والأصل تَظَنَّنْتُ.
قال الشاعر:
стр. 570
يَذْهَبُ بي في الشِّعْرِ كُلَّ فَنِّ ... حَتَّى يَرُدَّ عَنِّي التَّظَني
أرادَ التظنن. ومثله تَسَرَّيْتُ سُرِيَّة. والأصل تَسَرَّرْتُ من السِّر؛ وهوالنكاح. ومثله لَبَّيْكَ. واشتقاقها
كما اختلف في صيغتها. فقيل: معنى لَبَّيكَ: اتِّجاهي وقصدي إليك؛ مأخوذ من قولهم: دارى تَلُبُّ
دَارَك: أيتواجهها. وقيل: معناها محبَّتي لك؛ مأخوذ من قولهم: امرأة لَبَّةٌ؛ إذا كانت مُحِبَّة لِوَلَدها،
عاطفة عليه وقيل معنى لَبَّيْكَ: إخلاصي لك؛ مأخوذ من قولهم: حَسْبُهُ لُبَاب؛ اذا كان خالصا محضاً.
ومن ذلك لُبُّ الطعام، ولُبَابه: أي خالصه.
وقيل معنى لبيك أي أنا مقيم على طاعتك. وإجابتك، مأخوذ من قولهم: قد لَبَّ الرجل بالمكان، وأَلَبَّ؛
إذا أقام فيه، ولزمه.
قال الشاعر:
مَحَلُّ الهَجْرِ أَنْتَ بهِ مُقيمُ ... مُلِبٌّ ما تَزُولُ وَلاَ تَريمُ
وقال الآخر:
لَبَّ بِأَرْضٍ مَا تَخَطَّاهُ العَنَمْ
стр. 571
قال أبو بكر بن الانباري: وإلى هذا المعنى، يذهب الخليل، وخلف الاحمر.
وفي حديث عبد الله بن عمر: أن تلبية رسول الله ﷺ كانت (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ
لاَ شَرِيكَ لَكَ). والمعنى؛ إجابة لك، وإقامة عندك وملازمة وعن ابن جريج، عن ابن شهاب قال:
كانت تلبية قريش، وأهل مكة في الجاهلية، تلبية إبراهيم خليل الرحمان ﵇؛ حتى كان
عمرو بن يحيى فزاد فيه بعد قوله له: (لَبَّيْكَ لاَ شَريكَ إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك). قال: وتلبية
نزار، ومضر: (لَبَّيْكَ حقّاً حقّا تَعَبُّداً ورِقاً. جئناك للنصاحة ولم نأت للرَّقَاحة). وفي رواية أخرى:
(جئناك للرَّبَاحة) والنَّصَاحة؛ إخْلاَصُ العمل. والنَّاصِح؛ الخالص من كل شيء. يقال: نَصَحْتُ العسل؛
إذا صفيتها.
وقال: نفطويه نَصَحَ الشيء؛ اذا خَلَص. وأَنْصَحُ له القول؛ اذا أَخْلَصَه له. وفي كتاب الله تعالى (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ).
وفي الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن
стр. 572
تميم بن أوس بن خارجة الداري أن رسول الله ﷺ قال "إن الدِّين النَّصيحة، إن الدِّينَ النصيحة، إن الدين
النصيحة" قال أبو عبد الله المازري في كتاب (المعْلِم) له: النَّصِيحَةُ تحتمل أن تكون مشتقة من
نَصَحْتُ العسل؛ اذا صفيتُه. وتحتمل أن تكون من النُّصْح؛ وهي الخياطة. ويقال للإبرة: المنْصحَةُ
والنَّصاَحُ: الخيط الذي يخاط به. والنَّاصِحُ الخَائط. فمعناه أنه يَلُمُّ شَعَتَ أخيه بالنُّصْح، كما تلم
المِنْصَحَةُ خَرَق الثوب. وهذا القول، وقول نفطويه، متفقان في المعنى، والاشتقاق؛ لأنه يصفو لأخيه،
كما يصفو العسل إذا نصحَ قال أبو سليمانوالرَّبَاحَةُ: الرِّبْحُ. يقال: رَبَحٌ ورِبْحٌ ورباح وَرَبَاحَةٌ.
والرَّقَاحَةُ: جمع المال، وكسبه. والرَّقَاحيّ: التاجر. وفلان يَرْقَحُ معيشته: معناه يصلحها. قال الحارث
بن حلزة:
стр. 573
يتركُ ما رقحَ مِنْ عَيْشِهِ ... يَعيشُ فِيهِ هَمَجٌ هَامِجُ
ويروى يعبث فيه: أي يُعْبَدُ فيه.
قال: وكانت تلبية قيس عيلان، ومن وَالاَها، وكان بينهما، وبين بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكانوا لا
يستطيعون أن يدخلوا مكة متفرقين:
واللَّهِ لَوْلاَ أَنَّ بَكراً دُونَكا
يبارك النَّاسُ ويَهْجُرُونَكَا
مَا زَالَ منَّا غنجٌ يَاتونَكا
العَنَجُ الجماعة في السفر، قال: وكانت تلبية عكّ:
أَتَتْكَ عَكُّ عَانيَهْ
عِبَادُكَ آمْ يَمَانِيَهْ
على قِلاَصٍ نَاجِيَهْ
العانيةُ: الخاضعة الأعناق، يقال: عَنَا الرَّجُل يَعْنُو: إذا خضع وذَلَّ. قال اللَّه ﵎ (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) أي
ذلت. قاله ابن عباس وغيره
стр. 574
ولذلك قيل للأسير: عَانٍ. وقوله: (عبادك أَمْ يَمانيَة) يريد اليمانية. جعل
أمْ بدلاً من اللام، وهي لغة لهم، كقول أبي هريرة: (طَاب أمْ ضَرْب) يريد: طاب الضرب؛ أي حلَّ القتال.
رجع
قوله: عبد شمس كان يتلوهاشما: يريد أنهما كانا أخوين، وأبوهما عبد مناف بن قصي. واسم هاشم:
عمرو. وفيه يقول الشاعر:
عُمْرو العُلاَ هَشَم الثَّريدَ لِقَوْمه ... ورِجَالُ مَكَّة مُسْنِتُونَ عِجَافُ
وبفعله ذلك سمي هاشما.
وحكى أبو المطرف عبد الرحمان بن فُتُوح، عن نفسه قال بينما أنا ذات ليلة في رمضان؛ أطوف
بالمسجد الجامع (بألمرية) وأردد قول العباس بن الأحنف:
وأحسنُ أيّامِ الهَوَى يَومُكَ الذي ... تُروَّعُ بالتحريش فيه وبالعتْب
إذا لم يكن في الحبِّ سُخْطٌ ولا رِضىً ... فَأَين حلاوةُ الرسائل والكَتبِ
стр. 575
وإذا بفتى وسيم، كما شب عقيق خديه؛ وتم شَاربه بالتذكير عليه، وكأنما طبعت الصوارم من عينيه،
واستعير اللين من عطفيه فسلم عليّ سلاما؛ ارتاحت له نفسي؛ وَتَنَسَّمتُ منه أُنْسي، فردَدْتُ عليه
السلام، رَدَّ مَنْ تَوَسَّمَ فيه سِمَةَ الفَهْمِ، مُتَحَقِّقاً بالاختبار لا بالوهم. فقال لي: بحرمة الأدب ألا ما أعدت
عليّ إنْشادك فأنشدته القطعة بجملتها. فقال لي: وَرِيَتْ بِكَ زِنَادي؛ وَسَقَتْكَ الرَّوَائح والغَوَادي. أخبرني
عن السبب الموجب لإنْشَادِك البيتين، وترْدِيدهما.
فقلت له: بُليتُ بخلّ مولعٍ بالخلاف؛ قَليلِ الإِنْصَاف. إن لا يَنْتُه غَضب؛ وإن استعتبته عَتب. وقد
يعلم الله اشفاقي لفرقته؛ وتشوقي لرؤيته. فقال لي: جنبك الله عتبه؛ وقلب لك قلبه. ثم ولَّى عني، وقد
غرس الله في قلبي ثمرة وِدِّه؛ وأَشْفَقْتُ من بعده. فبت ليلتي تلك مستأنسا بخياله؛ مسرورا بوصاله،
حتى بدت غرة الصبح لامعة، كأنها عجاجٌ سُلَّ من تحته مُنْصُل؛ وخليجه ينساب كأنه جدول فقمت
بانيا على قصده؛ فلم ألبث أن سمعته يَنْشُد، ويَطْلُب مَنْزِلي، فوصل، وقرع الباب، فأذنت له فدخل،
فقمتُ إليه، ورَحَّبْتُ به، فقال لي: يا ابن الكرام هذا يَوْمٌ قد تَكَاثف غَيْمُه؛ وتَجَهّم أُفْقُه، وخَفَق قلبُ
رعده، ولمع بَرْقُه. ونحن لا نجد السبيل إلى الخمر، فبم نقطعه. فقلت: الرأي إلى سيدي، أبقاه الله.
فقال لي: كيف ذكرُك لرجال مصْرك؛ ووُقوفك على نبهاء عصرك. قلت: خَيرذكر. فقال أخبرني من
أعذبهم لفظا، وارجحهم وزناً قلت: الرقيقُ حاشية الظَّرف، الأنيق ديباجة اللطف، أبو حفص بن برد.
قال: فمن أقواهم استعارات، وأصحهم تشبيهات، قلت: البحر العجاج، السراج الوهاج أبو عامر بن
شهيد. قال: فمن أَذكرهم للأشعار، وأقصهمْ للأخبار. قلت: الحلو الظريف، البارع اللطيف، أبو الوليد
بن زيدون. قال: فمن أكلَفُهم بالبديع، وأشْغَفُهُم بالتقسيم والتتْبِيع. قلت: الرَّاتع في روض الحَسَب،
المستظل بِمَرْخ
стр. 576
الأدب، أبو بكر يحيى بن إبراهيم الطبني. وأنشد:
وخاطب قُسّاً في عُكَاظٍ مُجَاوباً ... على البُعْدِ سَحْبانٌ فألجمَهُ قسُّ
فَمَا رَأَيْتُ فَتى أظرف منه، على صِغَر سنه، فتذاكرنا بَقِية يوْمِنا، الى أن فَرقَ اقبالُ الليل بيننا.
فبقيتُ أُْنْشد بمَفَاخرِه، وأَذْكُرُ مَآثِرَه، وأرى أنّه في الدَّهْر إحْدَى غرائبه، وأُعْجوبة من عجائبه.
قال أبو إسحاق:
نسب أبو المطرف البيتين اللذين في أول الحكاية، للعباس بن الأحنف ونسبهما غيره، لأبي حفص
الشطرنجي، مولى المهدي. وقرأتهما في النوادر لأبي علي البغدادي لغيرهما:
تحبَّبْ فإن الحبَّ داعيةُ الحبِّ ... وكَمْ منْ بعيد هو مُسْتَوجِبُ القُرْبِ
تَفكَّرْ فإن حُدِّثْتَ أَن أَخَا هَوىً ... نجا سالماً فارجُ النجاةَ من الحُبِّ
وآحسنُ أَيام الهَوى يومُك الذي ... تروَّعُ بالتَّحْريش فيه وبالعَتْبِ
إذا لم يكن في الحب سُخطٌُُ وَلاَ رِضىً ... فأين حَلاَوَةُ الرسائلِِ والكُتْبِ
стр. 577
هذا ما ثبت في (النوادر): لست أَدري، أكملت القطعة. أم بقي منها شىء؟ وأخذ المعنى الأخير منها
كشاجم فقال:
لولا اطراد الصَّْْْيد لم تَكُ لذَّةُ ... فتطاردي لي بالوصَالِ قليلا
هو الشَّراب أَخُو الحَيَاة ومالَهُ ... من لَذَة حتى يُصيب غَليلا
وأخذه الآخر، وضمنه اعتذار تأخير هدية. فقال:
أَخَّرَ ما عنده لتَطْلُبَهْ ... ولَذةُ الصَّيد حينَ تطردهْ
وأخذه أبو بكر بن عمار فقال:
فلولاامتناعُ الفَتاةِ الكَعَا ... بِ لَمَا كَمُلَتْ لَذَّةُ النَّاكِحِ
وهو معنى قد وُلِجَ بابُه، وتُجُوذ بت أهدابه، وأصله من المثل السائر: (تَمنَّعي أشْهَى لك).
وحكى إبراهيم بن المهدي عند نفسه قال: خرجت في بعض الأيام، من عند المامون، فطفت في أزقة
بغداد متنزها، حتى أتيت الى زقاق، وفيها دار بأعلاها شباك مطل. فنظرت إلى الشباك، فرأيت كفا
ومعصماً، دلَّه عقلي،
стр. 578
وكدت لا أتمسك على مركوبي فالتفت إلى خائط بمقربة من الدار، فمشيت إليه،
وسألته عن صاحب الدار. فقال لي: هو رجل من تجار البز. فسألته عن اسمه. فقال: فلان بن فلان.
فقلت: أهو ممن يشرب النبيذ؟ قال لي: نعم، وأحسب أن عنده اليوم راحة. فقلت:
ومن ينادمه؟ فقال: تجار مثله. فبينما أنا واقف مع الخَائط أسأله، إذْ أقبل فَتيان راكبان في أوَّلِ
الدَّرْبِ. فقال الخائط: هذان منادماه اليوم. فسألته عن أسمائِِهما. فقال: فلان وفلان. فقلت: أكون اليوم
طفيليا. فحركت دابَّتي، وداخلتهما. وقلت لهما: جعلت فداكما قد استبطاكما أبو فلان - أعزه الله -
أعني صاحب الدار. وسايرْتُهُماحتَّى بَلَغْنَا البَاب، فأَجَلاَّنِي وقدمانِي. فدخلْتُ، ودَخَلا. فلما رآني معهما،
لم يشك أني منهما، بسبيل أو قادم قدمت عليهما، فرحبَ بي، وأقْعَدَني في أجل المَراتب، ثم جيء
بالطعام، فأكلنا طعاما مختلف الألوان لا أدْرِِي، أطعمه طيب، أم رَائِحتَه. وكنت قبل أن أدْخل المنزل،
قد شممت رائِحَة تلْكَ الأَلْوَان، فَتَمَنَّيْتُها، وشَغَلَني عنها الكف والمعصم. فقلت حينئذ: هذه الألوان!
فمن لي بالكف والمعصم. ثم سرنا الى مجلس المنادمة، فحللنا في أحسن منزل فشربنا أقداحا، ثم
أقبلت جارية راعني جمالها، كأنها قمر، فسلمت، وقعدت، وجئ بعود، فوضع في حجرها، فجسَّتْه،
فاستبنتُ حذقها في جسها للعود، ثم اندفعت تغني:
توهَّمه طَرْفي فأصْبحَ خَدُّه ... وفيه مكَانَ الوهم من ناظِري أُثَرْ
وصافحُه كفي فآلم كفه ... فَمِنْ لَمْسِ كفي في أنَامِله عَقَرْ
стр. 579
ومَرَّ بِفِكري خاطراً فَجَرحته ... ولم أرَ شيئا قَطُّ يَجْرَحَهُ الفِكَرْ
فهيجت بلابلي، وطربت بحسن شعرها، ثم غنت:
أشرتُ اليها هل عرفتِ مَوَدَّتي ... فَرَدَّتْ بِطرفِ العيْن إني على العهد
فَجُدْتُ عن الإِظهَار حِفظاُ لِسِرِّهَا ... وحادت عن الإِظهار أيضاً على عمْدِ
فصحْتُ: السِّلاحَ وفجأني من الطرب، ما لم أملك به نفسي، ثم اندفعت تغني:
أليس عجيباً أنَّ بيتاً يضمُّني ... وإيَّاكِ لا نخلو ولا نتكلمُ
سِوَى أعْينٍ تَشكُو الهوى بجُفُونها ... وَتَقْطيعِ أنفاس على النار تُضْرَمُ
إشَارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسيرُ أجفانٍ وكف يسلّم
فحسدتها - والله - على معرفتها بالغناء، وإصابتها المعنى، وأنها لم تخرج عن المعنى الذي ابتدأت
به غناءها. فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بعودها الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون
مجالسكم البغضاء؟ فتغير القوم لذلك، فندمت على ما كان مني، ثم قلت: أما عندكم عودُ غير هذا؟
قالوا: بلى. فأتيت بعود، وأصلحت من شأنه، ثم غنيت:
ما للمنازل لا يُجبن حزينا ... أَصَمِمْن أم بَعُد المدى فبلينا
стр. 580
رُوحُوا العشية روحة مذكورة ... إِنْ متْنَ مِتْنا وإن حيينَ حَييناً
فما أتممت الغناء، حتى قامت الجارية، فأكبت على رجليّ تقبلهما. وقالت: معذرة يا سيدي. فوالله ما
سمعت أحداً يغني هذا الشعر غناءك. وقام مولاها، والرجلان، ففعلوا كفعلها وطربوا، واستحسنوا
الشراب، فشربوا بالطاسات، ثم اندفعت أغني:
أفي الحقِّ أن أُمسي ولا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكرك الدَّما
إلى الله أشْكو بُخلها وسماحتى ... لها عَسَلٌُ مني وَتَبْذُلُ عَلْقما
فداوي مصاب العقل أنْتِ دواؤه ... ولا تتركيه ذاهل العقل مُغْرَما
إلى الله أشكو أنها أجنبية ... وإني لها بالوُدِّ ما عِشْتُ مكرما
فطرب القوم حتى خرجوا عن عقولهم، أو كادوا. فأمسكت عنهم ساعة، حتى تراجعوا ثم غنيت:
هذا مُحبك مَطوِيّاً على كمده ... فاضَتْ مدامعه سحّا على جسَدِهْ
له يَدٌ تسأل الرحمانَ راحتَه ... مما به ويدُ أحْرى على كَبِدهْ
فجعلت الجارية تصيح: هذا والله، هذا والله، لا ما كنا فيه. وسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن
الشرب، صحيح العقل. فأمر الغلمان أن
стр. 581
يخرجوا الرجلين الى منازلهما، وخلوت معه، فشربنا ساعة،
ثم قال لي: يا سيدي ذهب ما مضى من أيامي باطلا، اذ كنت لا أعرفك. فمن أنت يا مولاي؟ ولم
يزل يلحُّ علي، حتى أخبرته الخبر. فبادر اليّ، وجعل يقبل رأسي، ويقول: يا سيدي، ولا تكون هذه
المحاسن إلا لمثلك. وإني لجالس مع الخلافة، ولا أشعر.
ثم سألني عن قصتي، فأخبرته بما رأيت من الكف والمعصم. فقال للجارية: قومي، فقولي لفلانة
تنزل. فلم يزل ينزل إلي جواريه، واحدة بعد أخرى، فأنظر إلى كفها ومعصمها وأقول: ليس هي،
حتى قال لي: والله ما بقي غير أمي، وأختي. ووالله لأنزلتهما اليك. فعجبت من كرمه، وسعة صدره.
فقلت: جعلت فداك أبدأ بالأخت قبل الأم، فعسى أن تكون هي. فبرزت، فلما رأيت كفها ومعصمها.
قلت: هي هذه. فأمر غلمانه، فصاروا إلى عشرة من جيرانه، فأقبلوا معهم، وأمر ببدرتين، فيهما
عشرون ألف درهم. ثم قال للمشائخ: هذه أختي فلانة، أشهد كم أني قد زوجتها من سيدي ابراهيم بن
المهدي. وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم فرضيت، وقبلت النكاح. ودفع إليها البدرة، وفرق الأخرى
على المشايخ. وقال: انصرفوا راشدين، بارك الله عليكم. ثم قال: يا سيدي، أمهد لك في بعض
البيوت، فتنام مع أهلك. وأحشمني ما رأيت من كرمه. فقلت: بل أُحضر عمارية، وأحملها الى
منزلي. فقال: ذلك لك. فكان ما أمرت به. فوالله لقد تبعها من الجهاز ماضاقت عنه البيوت. فجاءني
منها ولد، يقوم رأس أمير المؤمنين، أيده الله.
حدث إبراهيم بن المهدي بهذه الحكاية، في مجلس: أبي العباس المأمون في اليوم الذي أذخل عليه
الزنادقة العشرة، والطفيلي معهم، ساعة جيء بالرجل الطفيلي فقال المأمون من هؤلاء القوم قد نفذت
عدتهم؟ فقيل له:
стр. 582
وجد مع القوم، فجيء به. فسأله المأمون عن قصته، فقال له: أنا رجل طفيلي.
وخبره مشهور. فأمر المأمون بتأذيبه، على فرط تطفيله، ومخاطرته بنفسه وكان إبراهيم بن المهدي
قائما، بين يدي المأمون. فقال: يا أمير المؤمنين هب لي ذنبه، وأحدثك بحديث عجيب في التطفيل
عن نفسي. قال: قل يا إبراهيم. فحدثه الحكاية المذكورة فتعجب؛ المأمون من كرم ذلك الرجل. وأطلق
الطفيلي، وأعطاه عطية سنية، وأمر ابراهيم باحضار ذلك الرجل فصار بعد ذلك اليوم من خواص
المأمون وأهل مودته ولم يزل معه على أحسن الأحوال في المنادمة وغيرها.
ومما يناسب هذه الحكاية، حدث أبو محمد الشعبي الوراق، وكان على باب (خراسان)، على الجسر
الأول، عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الموصلي قال: بينا أنا ذات يوم عند المأمون، وقد
جلا وجهه، وطابت أنفاسُه، إذ قال: يا اسحاق هذا يوم خلوة وطيب. فقلت: طيب الله عيش أمير
المؤمنين، وأدام سروره وفرحه. فقال: يا غلمان صدوا علينا الباب، واحضروا الشراب. قال: ثم أخذ
بيدي، وأدخلني مجلساً غير المجلس الذي كنا فيه، واذا به قد نصب فيه كل ما يحتاج اليه، حتى كأنه
كل شيء كان قد تقدم الإذن فيه. فأكلنا وشربنا، وأخذنا في لذتنا، وأقبلت الستارات من كل ناحية،
بضروب من الغناء، وصنوف من اللهو. فلم نزل على ذلك، الى آخر أوقات النهار. قال: فلما غربت
الشمس، فقال لي: يا إسحاق! خير أيام الفتى أيام الطرب. قلت هو والله يا أمير المؤمنين. قال: فاني
فكرت شيئا. فهل لك فيه؟ قلت: يا سيدي أوَ أتأخَّر عن أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه. قال: لعلنا
نباكر الصبوح في غدوة غد، وقد عزمتُ على دخلة إلى دارالحرم، فكن
стр. 583
بمكانك، ولا ترمْ، فاني وافيك عن قريب. فقلت: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين!
ثم مضى الى دار النساء، فما علمت به خبراً إلى أن ذهب من الليل عامته.
قال إسحاق: وكان المأمون من أشغف خلق الله بالنساء، وأشدهم ميلا اليهن. فعلمت أن النبيذ قد غلب
عليه، وأنهن قد أنسينَه أمري، وما كان تقدم له من ذكري لسرعة رجوعه. فقلت في نفسي: هو -
أعزه الله - في لذته، وأنا هنا في غير شئ. وفي َّبقية، وعندي صبيَّة، قد كنت اشتريتها. وكانت
نفسي متطلعة إلى افتضاضها، فنهضتُ مسرعاً عند ذكرها. فقال الخدم: يا سيدي! أيَّ شئ عزمت،
وأين تريد. قلت: أريد الإنصراف. قالوا: فإنْ طلبك أمير المؤمنين. قلت: انه أدام الله سروره من لذة
طربه، واشتغاله، وما هو فيه يشتغل عن طلبي. وقد كان بيني وبينه موعد، قد جاز وقته، ولا وجه
لجلوسي قال إسحاق وكنت مصدقَ القول في دار المأمون، مسموع القول، لا أعارض في شئ.
فخرجت أبادر الباب، فلقيني غلمان الباب، وأصحاب النَّوبة. فقالوا: يا سيدي إن غلمانك قد انصرفوا،
وكانوا قد جاؤوك بدابة، فلما علموا بمبيتك في الدار انصرفوا. قلت: لأصبر، وأنا أتمشى الى الدار
وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النَّوبة. قلت: لا حاجة لي بذلك. قالوا: فنمشي بين يديك
بمِشعل. قلت: ولا أريد ذلك. ومضيت حتى اذا صرت ببعض الطريق، وجدت حركة البول، فعدلت
الى بعض الأزقة، لئلا يراني أحد من العوام أبول على الطريق فَبُلت حتى إذا قمتُ لبعض الحيطان،
اذا بشئ معلق من بعض ذلك الدور الى الزقاق. فما تمالكت أن تماسحت، ثم دنوت الى ذلك الشيء،
لا أعرف ما هو فاذا أنا بزنبيل معلق كبير، بأربعة آذان فاذا هو ملبس بديباح، وفيه أربعة أحبُل
стр. 584
إبريسم فلما نظرت إليه، وتبينته قلت: والله، إن لهذا لسبباً، وإن له امرا. وأقمتُ ساعة أروِّي أمره،
وأفكر فيه، حتى اذا طال ذلك، قلتُ: والله لأتجاسر، ولأجلسن فيه، يكون ذلك ما يكون. ثم لففت
رأسي بردائي، وجلست في جوف الزنبيل. فلما أحسَّ من كان على ظهر الحائط بثِقله جذبوا الزنبيل
اليهم، حتى انتهوا إلى ظهر الحائط، فإذا بأربعة جوار صغار، يقلن لي: انزل بالرحب والسعة.
أصديق أم جديد؟ فقلت: لا بل جديد. فقلن: يا جارية قومي بين يديه بالشمعة وأبدرت بين يدي
بشمعة، حتى نزلت الى دار نظيفة بها من الحُسن والظرف والنظافة ما حِرْتُ له، ثم أدخلتني الى
مجالس مفروشة ومناصِّ مرصوصة، بصنوفٍ من الفرش الذي لم أر مثله إلا في دار ملك أو خليفة،
فجلستُ في أدنى مجلس من تلك المجالس، فما شعرت بعد ساعة إلا بضَجَّة وجَلَبَة وستُور قد رُُفِعَتْ
في ناحية من نواحي الدار، وإذا بوصائف يتَسَاعيْن، في أيدي بعضهنَّ الشمع، وبعضهن المجامر،
يسجر فيهن فيهن العود والعنبر، واذا بينهن جارية، كأنها قمر طالع على الغصون، فما تمالكت عند
رؤيتها أن نهضت فقالت: مرحبا بك من زائر، وليس تلك عادتك. وجلست، ورفعت مجلسي عن
الموضع الذي كنت فيه. فقلت: عن ما قصد: والله، الى ذلك، ولا أعلم كان وقع الي. فقالت: فعلى كل
حال أنسيت. قلت: انصرفت من عند بعض اخواني،
стр. 585
وظننت أني على وقت، فخرجت في وقت ضيق، فحركني البول، فعدلت إلى هذا الطريق فوجدت زنبيلا معلقاً،
فحملني النبيذ أن جلست فيه فان كان خطأ، فالنبيذ حملني عليه، وإن كان صوابا فالله ألهمنيه. قالت: لا ضير، إن شاء الله. وأرجو أن تحمد عواقب أمرك. فما صناعتك؟ قلت: بزاز قالت أين: مولدك؟ قلت: بغداد، قالت: وأيِّ الناس؟
قلت: من أوساطهم. قالت: حياك، وقرت دارك. فهل رويت من الأخبار شيئا. قلت: شيئا ضعيفاً
فقالت: ذاكرنا شيئا مما حفظت. قلت: جُعِلْتُ فداك، ان للداخل دهشة، ولكن تبتدئين بشئ من ذلك،
فأتأنس بالمذاكرة. قالت: لعمري، لقد صدقت. فهل تحفظ لفلان قصيدته التي يقول فيها كذا وكذا. ثم
أنشدتني لِجماعة من الشعراء الأقدمين، والمحدثين، من أحسن أشعارهم، وأقاوليهم، وأنا مستمع أنظر
من أي أحوالها أعجب: من ضبطها، أم من حُسن لفظها، أم من حسن اقتدارها على اللفظ، والنحو،
ومعرفة وزن الشعر. ثم قالت: أرجو أن نذهب عنك بعض ما بك من الإنقباض، فقلت: أي والله، قد
كان ذلك ثم قالت: فإن: رأيت أن تنشدنا من بعض ما تحفظ فافْعَلْ قال: فاندفعتُ أُنشد لجماعة من
الشعراء، فاستحسنتْ نشيدي، وأقبلت تسألني عن أشياء تمرُّ في شعري كالمختبرة لي، وأنا أجيبها بما
أعرف في ذلك، وهي مُصْغيّة اليَّ، ومستحسنة لما آتي به، حتى إذا أتيتُ على ما فيه مَقْنَعٌ، قالت:
والله ما قصَّرت، وما توهمت فيك ما ألفيت، وما رأيت في أبناء التجار وأبناء
стр. 586
السُّوقة مثلَ ما معك، فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟ قلت: قد نظرت في شئ من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما
عندك. فما غابت عنا شيئا، حتى قدمت إلينا مائدة لطيفة، قد جمع عليها غرائبُ الطعام السريِّ،
فقالت: إن الممالحة أوَّل الرضاع، فدونك. فتقدمت، فأقبلت أعتذر بعض الاعتذار، وهي مع ذلك
تحثني وتضع بين يديِّ، وإني لمتقسَّم القلب لِمَا أرى من ظرفها وعقلها، وحسن خفرها، وكثرة أدبها،
حتى رُفِعت المائدة، وأحضرت آنيةُ النبيذ فوضعت بين يدي صينية وقنينة وقدح ومِغْسل، وبين يديها
مثلُ ذلك، وفي وسط المجلس من صنوف الرياحين وغرائب الفواكه، مالم أره اجتمع لأحدٍ، إلا لوليِّ
عهدٍ أو سلطان، قد عُبِّئَ أحسن تعبئة، وهيءَ بأحسن تهيئة
وحكى نصر بن علي الجهضمي قال: كان رجل طفيلي يجاورنا، فكنت إذا دعيت إلى مكان، ركب
بركوبي، ومضى معي. فدعاني ذات يوم جعفربن سليمان أميرالبصرة، فركبت، وركب الطفيلي معي.
فقلت: والله، لأفضحنه اليوم. فلما حضرت المائدة، أقبلت على الطفيلي، فقلت: حدثنا ابن زياد عن
أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله صلى
стр. 587
الله عليه وسلم. قال: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله"،
"ومن مشى الى طعام ولم يدع اليه فقد دخل سارقا وخرج مغيراً"، قال: فأقبل الطفيلي عليّ،
وقال أبا عمرو. وتروي هذا الحديث، على مائدة الأمير. ولعل لا يحضرها أحدٌ، إلا
وهو يظن بك أنك تقصده به. أما علمت أن ابن زياد هذا كذاب، متروك الحديث، وأن أبان بن طارق
كان يمشي في السكك، فيلعب به الصبيان. أين أنت من حديث أبي عاصم عن ابن جريح، عن أبي
الزبير عن جابر أن النبي ﷺ ،
стр. 588
قال: "طعام الواحد كافي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة"
قال نصر: فكأني لقمت حجراً في فمي. فلما خرجنا أقبل عليّ الطفيلي وجعل يقول:
ومَنْ ظَن مِمَّنْ يُلاقِي الحُروبَ ... بألاَّ يُصابَ فقدْ ظَنَّ عَجْزَا
وحكى بعض الأدباء، قال: كان بسوسة إفريقية رجل أديب ظريف، فهام بغلام جميل من غلمانها،
يروق العين منظره، ويسترق الأحرار مخبره فلما استولى على ذلك الرجل غرامه، وكلفه، وتمادى به
أسفه وشغفه، عمد الى المدام، ليداوي بها بعض ما يجد من الآلام، فشرب منها فوق المقدار، وأسرف
حتى غلبت على عقله سورة العقار، وحمله السكر على خلع ثوب الوقار، فأخذ قبس نار، وجاء الى
دار ذلك الغلام ليحرقها؛ فرأى ذلك من فعله بعض الجيران، فأطفأ النار، وسلمت الدار، وبقي عليها
من السَّتر أوقى صَدار. فلما أصبح، جيء بالرجل إلى الحاكم، لما وشى به أهل النمائم،
стр. 589
فسأله لم فعل ذلك، فأنشأ يقول:
لمَّا تمادى على بِعَادي ... وأضْرمَ النَّارَ في فُؤَادِي
ولم أجِدْ مِنْ هَوَاهُ بُدّاً ... ولا مُعيناً عَلَى السُّهادِ
حَمَلْتُ نَفْسي عَلَى وُقُوفي ... بِبَابِهِ حَمْلَةَ الجَوادِ
فَثَارَ مِنْ بَعْضِ نارِ قَلْبِي ... أَقَلَّ مِنْ قَدْحَةِ الزِّنادِ
فاحترقَ الدَّارُ دونَ عِلْمي ... ولم يكنْ ذاكَ منْ مُرَادِى
فاستظرفه قاضي البلاد، وتحمل عنه قيمة ما أفسد.
قال أبو عبد الله الحميدي: فكنت أظن أن هذه المعنى ممَّا تفرد به هذا الرجل حتّى أخبرتُ أن
نصربن أحمد دخل على أبي الحسين المثنى في
стр. 590
إثر حريق المربد فقال له: هل قلت في هذا شيئا؟ فقال: ما قلت شيئا ولكن أنشدك ارتجالا:
أتتكم شهود الورى تَشْهد ... فَمَا يستطيعون أَنْ يَجْحدوا
فَيَامِرْ بَدِيُّونَ ناشدتكم ... على أَنَّني مِنْكُمُ كَمِدُ
جَرَى نَفَسي صُعُداً نحوكم ... فَمِنْ حرٍّه احترق المِرْبدُ
وهاجت رياحُ حنيني لكم ... فظلت بها نارُكم توقدُ
فلولا دموعٌ جَرَتْ لم يكنْ ... حَرِيقُكُمُ أَبَداً يَخْمُدُ
قوله:
وهاجت رياح حنيني لكم
البيت.
كقول أبي اسحاق الحصري:
وَلَقَدْ تَنَسَّمْتُ الريَاحَ لَعَلَّني ... أَرْتَاحُ أَنْ يبعثن منك نسيما
فَأَثَرْنَ منْ حُرَقِ الصبابة كامناً ... وأذَعْنَ من سِرِّ الهوى مكتوما
وكذَا الريَاحُ إذا مررنَ على لَظى ... نارٍ خَبَتْ ضَرَّمْنَهَا تَضْريماً
стр. 591
وفي معناه يقول ابن هُذَيْلِ القرطبي:
رَوَّحَني عَائِدي فقلتُ له ... مَهْ لا تَزِدْنِي على الذي أجِد
أَمَا تَرَى النَّارَ وَهْيِ خَامِدَةٌ ... عند هُبوبِ الرّياح تَتَّقِدُ
قوله: (مَهْ) معناه: اكْفُف. يقال: مَهْمَهت بالرجل؛ إذا زجرته. ومثله صَهْ. ومعناه: اسكت.
وفي الحديث عن: ابن عباس، أن النبي ﵇ دخل على عثمان بن مظعون حين مات. فأكب
عليه ثم رفع رأسه، فكأنهم رأوا أثر البكاء في عينيه، ثم جثا عليه الثانية؛ فرفع رأسه فرأوه يبكي، ثم
جثا عليه الثالثة، ثم رفع رأسه، وله شهيق فعرفوا أنه يبكي، فبكى القوم. فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: "مَهْ. إنما هذا من الشيطان. ثم قال: استغفروا الله".
وفي الحديث أيضا، فيما روى معمر عن الزهري، عن صفوان بن
стр. 592
عبد الله بن صفوان، أنه قال: قام رجل يوم صفين. فقال: اللهم العن أهل الشام.
فقال علي بن أبي طالب ﵁: مَهْ. لا تسب أهل الشام جَمّاً غفيراً؛ فإن منهم الأبدال.
قول علي ﵁: (جَمَّاءٌ غفير) كلمة معناها: الوفور والكثرة.
وحكى أبو عمر المطرز فيها ثلاث لغات. يقال: جاء القوم جَمّاً غفيرا. وهذا أفصحها. وكذا جاءت
في حديث أبي ادريس الخولاني قلت: يا رسول الله: كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاث مائة وثلاثة عشر
جما غفيرا. الحديث.
وجاء القوم جَمَّاء الغفير، والجَمَّاء الغفير، وعلى هذه اللغة الثالثة جاء قول الشاعر:
كبيرُهم وطِفْلُهُم جَميعاً ... هُمُ الجَمَّاءُ في اللَّوْمِ الغَفيرُ
وقال الكميت:
وقد كان جِلَّتُهُمْ والرَّعَا ... عُ جَمَّاءَ في شَنآنِي غفيرا
وحكى غير أبي عمر وجاء القوم جَمَّا الغفير، بالإضافة. قال أبو عمر
стр. 593
وقد تناظر فيها أبو العباس أحمد بن يحيى ومحمد بن يزيد في الاعتلال لها، والاحتجاج لإلزامها، النَّصَفُ من الإعراب.
وحكى عن البصريين، ومن يقول بالاشتقاق. الجَمَّاء، مشتقة من قولهم بئر جَمَّة أي كثيرة الماء.
والغَفِير؛ مأخوذ من الغَفْرِ، وهو السَّتْر، ومنه سمى المِغْفَر، لأنه يُغَطي الرأس ويسْتُره. والمعنى أنهم
لكثرتهم يغطون وجه الأرض وحكى غير أبي عمر أن المعنى: جاءوا جميعا. والجَمَّاءُ الغَفير؛ بيضة
الحديد التي تجمع الشعر. والمعنى أنهم جاءوا مجتمعين، كاجتماع البيضة، وما تحتها من جَمَّة الشعر،
وهو اجتماعه. والغفير من قولهم: غَفَرْتُ المتاع، إذا غطيته وسترته. وانتصابه على الحال قال أبو
حاتم: تقول العرب: هم فيها الجَمَّا الغَفير بالنصب على توهم جَمّاً غفيرا. لأن الحال لا يكون معرفة.
قال: وهذا مثل قوله:
لا هَيْثَمَ الليلةَ للمطي
وهيثم معروف بعينه. وإنما تنصب في النفي النكرات، وترفع المعارف. ومثل قوله: لا هيثم الليلة
للمطي: قول معاوية: كان إذا أتته معضلة شديدة يقول: (مُعْضِلَةٌ ولا أبا حسن لها).
وحكى سلمة، عن الفراء أنه قال: هذه معرفة وضعت في موضع
стр. 594
النكرة، وأعطيت إعرابها. كأنه قال: معضلة ولا رَجُلٌ لها كأبي حسنٍ، يؤخذ عِلْمُهَا من قِبَلِهِ
وحق التبرئة أن تقع على النكرة كقولك: لا باكيةَ لخَمرة، ولا حامية للجيش.
وكقول الشاعر:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
رجع
وما أحسن قول ابن الرومي في المعنى المتقدم:
لاَ تُغْرين جوىً بِلَوْمٍ إنَّهُ ... كالريحِ لا يُغْري الناربالإحراق
وقول عبد المحسن أيضا:
قَبَّلْتُهَا أشْتَفي بِقُبْلَتِها ... فَزَادَني ذَلك اللَّمَى أَلَمَا
стр. 595
ولأبي العشائر في المعنى وهو:
ما بالُ ريقك ليس مِلْحاً طَعْمُهُ ... ويزيدني عَطَشاً إذا ما ذُقْتُهُ
وحكى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قال: ارتاح محمد بن عبد الله بن طاهر يوما للمنادمة، وقد
حضرهُ وزِيرُهُ ابن طالوت، وكان أخصَّ النَّاس به، وأَحْضَرَهُم لِخَلَوَاتِه. فَأَقْبَلَ عليه، وقال: لا بد لنا
في يومنا هذا، من ثالث تَطِيبُ بقوله المُعَاشَرَة، وتَلَذُّ بِمُؤَانَسَتِه المُنَادَمة. فَمَنْ تَرى أَنْ يَكُون؟ واعفنا
من شَرسِ، الأَخْلاق، أَوْ دنس الأَعراق، أَو طَاهِرِ الأَخلاق. فَأَعْمل ابن طالوت فكره، ثم قال: أيُّها
الأمير، خَطَر ببَالي رَجُلٌ، ليست علينا من مُجَالسته مؤُنة. قد خَليَ من إبْرَام المَجَالِس، وبَرِئَ من ثِقَلِ
المُؤَانس. خفيف الوطأة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أردت. قال: وَمَنْ ذلك؟ قال: ماني الموسوس.
قال: أَحْسَنْتَ واللهِ فلتتقدم إلى أصحاب الثمانية والعشرين في طلبه برقعة
стр. 596
رقعة. فما كان إلا هنيهة، واقتنصه صاحب الكرخ، وجاء به إلى باب الأمير فأخذ، وحذف ونظف، وأُدْخِل الحمام، وأُلْبِسَ ثياباً
نظافا، وأُدْخِلَ على الأمير. فقال: السلام عَليك أيها الأمير. فقال محمد: وعليك السلام ياماني. ألم يَأْنِ
لك أن تزورنا على حين شوقٍ منَّا إليك، ومنازَعَة قُلُوبٍ نحوك. فقال ماني الشوقُ شديدٌ، والحُب ُّ
عَتيدٌ، والمزَارُ بعيد، والحِجَابُ صَعْبٌ، والبوَّابُ فَظٌّ. فلو سَهَّلَ لَنَا في الإذن، لَسَهُلَتْ علينا الزِّيَارة
فقال الأمير: أَلْطَفْتَ في الاسْتِئْذَان، فَلْتُلْطِف لَك في الاذن، لا يُمْنَعَنْ ماني أيَّ وَقْتٍ جَاءَ، أو وَرَدَ، من
ليْل أَوْنهَار. ثم أَذِن له في الجُلُوسِ، فَجَلَسَ، ودَعَا له بالطَّعَامِ، فَأَكَلَ، ثم غَسَلَ يَدَيْهِ وأخذ مجلسه وكان
محمد قد تَشَوَّقَ إلى السَّمَاع منْ تنوسة جارية ابنة المهدي. فأُحْضِرت، فكان أول ما غَنَّتْ به:
ولستُ بناسٍ إذْ غَدَوْا فتحدرت ... دُمُوعي على الخَدَّين من شدةِ الوَجْدِ
وَقَوْلي وقد زَالتْ بليلٍ حُمُولُهُمْ ... بَوَاكِرُ تَخْدي لا يَكنْ آخر العهدِ
فقال لها ماني: أحسنت وبحق الأمير ألا ما زِدْتِ فيه:
وقمْتُ أنَاجِي الفِكْرَ والدَّمْعُ جَائِرٌ ... بمُقْلَةِ مَوْقُوفٍ على الضُّرِّ والجَهْدِ
ولَمْ يُعْدِني هذا الأمير بِعِزَّةٍ ... على ظالمِ قد لَجَّ في الهَجْرِ والصَّدِّ
стр. 597
فاندفعت الجارية تُغَنِّيه. فقال الأمير: أَعَاشِقٌ أنت يا ماني؟ فاسْتَحْيَى، وَغَمَزَ ابن طالوت أَلاَّ يَبُوحَ له
بشيء، فيسقط من عينه. فقال: مَبْلَغُ طَرَبٍ وشوق. كان كامنا فَظَهَرَ. وَهَلْ بَعْدَ المَشِيبِ صَبْوَة؟
ثم اقترح محمد على تنوسة بهذا الصوت:
حَجَبُوهَا عن الرِّيَاح لأنِّي ... قُلت يا رِيحُ بَلِّغِيها السَّلاَمَا
لَوْ رَضُوا بالحِجابِ كانَ ولكِنْ ... مَنَعوها عندَ الرِّيَاحِ الكَلامَا
فَغَنَّتْه فَطرِبَ محمد، ودَعا برطل فشرب. فقال ماني: ما على قائل هذا الشِّعر، لوْ زَاد فيه:
فَتَنَفَّستُ ثُمَّ قُلتُ لِطَيْفِي ... آهِ إن زُرتَ طيفَها إلْماماَ
خُصَّها بالسَّلاَمِ سِرّاً وإِلاَ ... منَعوها لِشِقْوَتِي أَن تَنَاما
فكان أثقفَ لدبيب الصبابة بين الأحشاء؛ وألطفَ تغلغلا الى كبد الصَّدى من زُلاَلِ الماء، مع حسن
تأليف نظامه، والانتهاء بالمعنى الى غاية تمامه. فقال محمد: أحسنت يا ماني. ثم أمر تنوسة بإلحاقهما
بالبيتين الأولين، والغناء بهما. ففعلت، ثم غنت بهذين البيتين:
يا خَليليَّ ساعةَ لاَ تَرِيما ... وعَلَى صَبَابَةٍ فأُقِيما
ما مَرَرْنا بِدارِ زَينبَ إلاَّ ... هَتَكَ الدَّمعُ سِرِّي المَكْتوما
стр. 598
فاستحسنه محمد. فقال ماني: لولا رهبة التعدي، لأضفت إلى هذين البيتين، لا يَرِدان على سَمْعِ ذِي
لُبٍّ، فَيَصْدُرَان إلاَّ عن استحسان لَهُما فقال محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائِلَةٌ دون كُلِّ رهبة.
فَهَاتِ ما عنْدَكَ. فقال:
ظَبيةٌ كالهلالِ لو تَلحُظ الصّخْرِ ... بطَرْفِ لَغَادَرَتْهُ هَشِيما
واذا ما تبسَّمَتْ خِلتُ إيما ... ض بُرُوقٍ أوْ لُؤْلُؤاً مَنْظومَا
فقال محمد: أحْسَنْتَ وَاللَّهِ يا ماني. فَأجِزْ هذا الشعر:
لِم تَطِبِ اللَّذَّاتُ إِلاَّ بِمَن ... طابَتْ بهِ اللَّذَّاتُ تَنُّوسَهْ
غَنتْ بِصِوْتٍ أطلقتْ عَبْرةً ... كانتْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ مَحْبُوسَهْ
فقال ماني على البديه:
وكَيْفَ صَبْرُ النَّفْسِ عنْ غَادَةٍ ... أظْلِمُهَا إن قُلْتُ طَاوُوسهْ
وَجُرْتُ إنْ شَبَّهْتُها بانَةً ... في جَنَّةِالفِردوْسِ مغْروسهْ
وَغَيرُ عَدْلٍ إنْ عَدَلْنا بها ... جَوهرة في البحْرِ مَغمُوسَهْ
ثم سكت، فقال محمد: عدافِي وَصْلِك لها، فقال ماني:
جَلَّتْ عن الوَصْفِ فَما فكرةٌ ... تَلْحَقُها بالنَّعْتِ مَحْسُوسَهْ
стр. 599
فقال محمد: أحْسنت، فقالت تنوسة: وجب شكرك يا ماني، فَساعدك دهرُك، وعَطَفَ عليك إِلْفُك،
وقارنك سرورك، وفارقك محذورك. واللَّهُ يُديمُ لنا ذلك ببقاء مَن به اجْتمع شَمْلُنا فقال لها ماني عند
قولها: (وَعَطَف عليك إلفك) مجيبا:
لَيْسَ لي إِلْفٌ فَيَقْطَعُنِي ... فَارَقَتْ نَفْسِيَ الأَبَاطِيلُ
ثم أنشأ يقول:
أَنا مَوْصُولٌ بِنِعْمَةِ منْ ... حَبْلُهُ بِالمَجْدِ مَوْصولُ
أَنا مَغْبوطٌ بِزَوْرَةِ منْ ... طَبْعُهُ بِالحمدِ مَأْمُولُ
ثم أومأ إليه ابن طالوت بالقيام فنهض وهو يقول:
مَلِكٌ قلَّ النَّظَيرُ له ... زَانَهُ الغُرُّ البَهَاليلُ
طاهري في مركبه ... عُرْفُهُ في النَّاسِ مَبْذُولُ
دَمُ منْ يَشْقى بِصَارِِمه ... مَعَ هُبُوبِ الرِّيح مَطْلُولُ
يا أَبَا العباس صنْ ... أَدَباً حَدُّهُ بِالدَّهْرِ مفْلُولُ
فقال محمد: وجب جَزَاؤك، لِشُكْرك على غير نعمة تقدمت. ثم أقبل على ابن طالوت فقال: ليْسَت
خساسةُ المرْءِ، ولا اتضاح المنظر، ولا نُبُوُّ العين عن الظَّاهر، بِمُذْهِبٍ جَوْهَرِيَّة الأدب المركبة في
الإنسان. وما أخْطأ صالح ابن عبد
стр. 600
القدوس حيث يقول:
لاَ يُعْجِبَنَّك مَنْ يَصُونُ ثِيابَهُ ... حَذَرَ الغُبارِ وَعِرْضُهُ مَبْذولُُ
ولَرُبَّما افْتَقَرَ الفَتَى فَرَأَيْتَهُ ... دَنِس الثِّيَاب وعرْضُهُ مَغْسُولُ
قال ابن طالوت فما رأيتُ أحْضَرَ ذِهْناً منه؛ إِذْ تَقُولُ له الجارية: (عَطَفَ عليك إِلْفُكَ)، وإبعاده عند
قولها ذلك بقوله:
ليس لي إلفٌ فَيَقْطَعُني ... فارقَتْ نفسِي الأباطيلُ
فلم يزل محمد بن عبد الله بن طاهر مُجرياً عليه رزقا سنِيّاً حتى توفي.
следующие страницы →