Полный текст (772 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
رقعة. فما كان إلا هنيهة، واقتنصه صاحب الكرخ، وجاء به إلى باب الأمير فأخذ، وحذف ونظف، وأُدْخِل الحمام، وأُلْبِسَ ثياباً
نظافا، وأُدْخِلَ على الأمير. فقال: السلام عَليك أيها الأمير. فقال محمد: وعليك السلام ياماني. ألم يَأْنِ
لك أن تزورنا على حين شوقٍ منَّا إليك، ومنازَعَة قُلُوبٍ نحوك. فقال ماني الشوقُ شديدٌ، والحُب ُّ
عَتيدٌ، والمزَارُ بعيد، والحِجَابُ صَعْبٌ، والبوَّابُ فَظٌّ. فلو سَهَّلَ لَنَا في الإذن، لَسَهُلَتْ علينا الزِّيَارة
فقال الأمير: أَلْطَفْتَ في الاسْتِئْذَان، فَلْتُلْطِف لَك في الاذن، لا يُمْنَعَنْ ماني أيَّ وَقْتٍ جَاءَ، أو وَرَدَ، من
ليْل أَوْنهَار. ثم أَذِن له في الجُلُوسِ، فَجَلَسَ، ودَعَا له بالطَّعَامِ، فَأَكَلَ، ثم غَسَلَ يَدَيْهِ وأخذ مجلسه وكان
محمد قد تَشَوَّقَ إلى السَّمَاع منْ تنوسة جارية ابنة المهدي. فأُحْضِرت، فكان أول ما غَنَّتْ به:
ولستُ بناسٍ إذْ غَدَوْا فتحدرت ... دُمُوعي على الخَدَّين من شدةِ الوَجْدِ
وَقَوْلي وقد زَالتْ بليلٍ حُمُولُهُمْ ... بَوَاكِرُ تَخْدي لا يَكنْ آخر العهدِ
فقال لها ماني: أحسنت وبحق الأمير ألا ما زِدْتِ فيه:
وقمْتُ أنَاجِي الفِكْرَ والدَّمْعُ جَائِرٌ ... بمُقْلَةِ مَوْقُوفٍ على الضُّرِّ والجَهْدِ
ولَمْ يُعْدِني هذا الأمير بِعِزَّةٍ ... على ظالمِ قد لَجَّ في الهَجْرِ والصَّدِّ
стр. 597
فاندفعت الجارية تُغَنِّيه. فقال الأمير: أَعَاشِقٌ أنت يا ماني؟ فاسْتَحْيَى، وَغَمَزَ ابن طالوت أَلاَّ يَبُوحَ له
بشيء، فيسقط من عينه. فقال: مَبْلَغُ طَرَبٍ وشوق. كان كامنا فَظَهَرَ. وَهَلْ بَعْدَ المَشِيبِ صَبْوَة؟
ثم اقترح محمد على تنوسة بهذا الصوت:
حَجَبُوهَا عن الرِّيَاح لأنِّي ... قُلت يا رِيحُ بَلِّغِيها السَّلاَمَا
لَوْ رَضُوا بالحِجابِ كانَ ولكِنْ ... مَنَعوها عندَ الرِّيَاحِ الكَلامَا
فَغَنَّتْه فَطرِبَ محمد، ودَعا برطل فشرب. فقال ماني: ما على قائل هذا الشِّعر، لوْ زَاد فيه:
فَتَنَفَّستُ ثُمَّ قُلتُ لِطَيْفِي ... آهِ إن زُرتَ طيفَها إلْماماَ
خُصَّها بالسَّلاَمِ سِرّاً وإِلاَ ... منَعوها لِشِقْوَتِي أَن تَنَاما
فكان أثقفَ لدبيب الصبابة بين الأحشاء؛ وألطفَ تغلغلا الى كبد الصَّدى من زُلاَلِ الماء، مع حسن
تأليف نظامه، والانتهاء بالمعنى الى غاية تمامه. فقال محمد: أحسنت يا ماني. ثم أمر تنوسة بإلحاقهما
بالبيتين الأولين، والغناء بهما. ففعلت، ثم غنت بهذين البيتين:
يا خَليليَّ ساعةَ لاَ تَرِيما ... وعَلَى صَبَابَةٍ فأُقِيما
ما مَرَرْنا بِدارِ زَينبَ إلاَّ ... هَتَكَ الدَّمعُ سِرِّي المَكْتوما
стр. 598
فاستحسنه محمد. فقال ماني: لولا رهبة التعدي، لأضفت إلى هذين البيتين، لا يَرِدان على سَمْعِ ذِي
لُبٍّ، فَيَصْدُرَان إلاَّ عن استحسان لَهُما فقال محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائِلَةٌ دون كُلِّ رهبة.
فَهَاتِ ما عنْدَكَ. فقال:
ظَبيةٌ كالهلالِ لو تَلحُظ الصّخْرِ ... بطَرْفِ لَغَادَرَتْهُ هَشِيما
واذا ما تبسَّمَتْ خِلتُ إيما ... ض بُرُوقٍ أوْ لُؤْلُؤاً مَنْظومَا
فقال محمد: أحْسَنْتَ وَاللَّهِ يا ماني. فَأجِزْ هذا الشعر:
لِم تَطِبِ اللَّذَّاتُ إِلاَّ بِمَن ... طابَتْ بهِ اللَّذَّاتُ تَنُّوسَهْ
غَنتْ بِصِوْتٍ أطلقتْ عَبْرةً ... كانتْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ مَحْبُوسَهْ
فقال ماني على البديه:
وكَيْفَ صَبْرُ النَّفْسِ عنْ غَادَةٍ ... أظْلِمُهَا إن قُلْتُ طَاوُوسهْ
وَجُرْتُ إنْ شَبَّهْتُها بانَةً ... في جَنَّةِالفِردوْسِ مغْروسهْ
وَغَيرُ عَدْلٍ إنْ عَدَلْنا بها ... جَوهرة في البحْرِ مَغمُوسَهْ
ثم سكت، فقال محمد: عدافِي وَصْلِك لها، فقال ماني:
جَلَّتْ عن الوَصْفِ فَما فكرةٌ ... تَلْحَقُها بالنَّعْتِ مَحْسُوسَهْ
стр. 599
فقال محمد: أحْسنت، فقالت تنوسة: وجب شكرك يا ماني، فَساعدك دهرُك، وعَطَفَ عليك إِلْفُك،
وقارنك سرورك، وفارقك محذورك. واللَّهُ يُديمُ لنا ذلك ببقاء مَن به اجْتمع شَمْلُنا فقال لها ماني عند
قولها: (وَعَطَف عليك إلفك) مجيبا:
لَيْسَ لي إِلْفٌ فَيَقْطَعُنِي ... فَارَقَتْ نَفْسِيَ الأَبَاطِيلُ
ثم أنشأ يقول:
أَنا مَوْصُولٌ بِنِعْمَةِ منْ ... حَبْلُهُ بِالمَجْدِ مَوْصولُ
أَنا مَغْبوطٌ بِزَوْرَةِ منْ ... طَبْعُهُ بِالحمدِ مَأْمُولُ
ثم أومأ إليه ابن طالوت بالقيام فنهض وهو يقول:
مَلِكٌ قلَّ النَّظَيرُ له ... زَانَهُ الغُرُّ البَهَاليلُ
طاهري في مركبه ... عُرْفُهُ في النَّاسِ مَبْذُولُ
دَمُ منْ يَشْقى بِصَارِِمه ... مَعَ هُبُوبِ الرِّيح مَطْلُولُ
يا أَبَا العباس صنْ ... أَدَباً حَدُّهُ بِالدَّهْرِ مفْلُولُ
فقال محمد: وجب جَزَاؤك، لِشُكْرك على غير نعمة تقدمت. ثم أقبل على ابن طالوت فقال: ليْسَت
خساسةُ المرْءِ، ولا اتضاح المنظر، ولا نُبُوُّ العين عن الظَّاهر، بِمُذْهِبٍ جَوْهَرِيَّة الأدب المركبة في
الإنسان. وما أخْطأ صالح ابن عبد
стр. 600
القدوس حيث يقول:
لاَ يُعْجِبَنَّك مَنْ يَصُونُ ثِيابَهُ ... حَذَرَ الغُبارِ وَعِرْضُهُ مَبْذولُُ
ولَرُبَّما افْتَقَرَ الفَتَى فَرَأَيْتَهُ ... دَنِس الثِّيَاب وعرْضُهُ مَغْسُولُ
قال ابن طالوت فما رأيتُ أحْضَرَ ذِهْناً منه؛ إِذْ تَقُولُ له الجارية: (عَطَفَ عليك إِلْفُكَ)، وإبعاده عند
قولها ذلك بقوله:
ليس لي إلفٌ فَيَقْطَعُني ... فارقَتْ نفسِي الأباطيلُ
فلم يزل محمد بن عبد الله بن طاهر مُجرياً عليه رزقا سنِيّاً حتى توفي.
стр. 601
الباب الرابع: في الحُبِّ
قال أبو إسحاق:
وقد أثبتُّ في هذا الباب السَّابغ الأطناب؛ المتصل الأسباب، من الأحاديث، وأقوال العلماء،
والحكماء، جملا تعيد سامعها ثملا، دون تعاطي أكواس العقار؛ وإصاخة إلى تحنين المزاميز
والأوتار.
والحبُّ نقيض البُغْض، وخِلاَفه. وأصل الحب: الإِرَادَة. بدليل قولهم: أحببت أن أفعل كذا؛ بمعنى:
أردت أن أفعل. يقال منه: أحبه يحبه إحباباً. وحبَّه حباً. وتحبب تحببا. وحببه تحبيبا.
وقال صاحب العين: المحبَّةُ: الحُبُّ. وقد استعاروا لفظ الحب، لميل الطباع. كقولهم: فلان يحب ولده
أن يميل طبعه إليه، والحُبُّ أيضا، الجَرَّةُ الضخمة. سميت بذلك لأنها تضم ما يُحَبّ. فأما الحَبّ بفتح
الحاء، فجمع حَبَّة؛ من بُرٍّ، أو شعير، أو زبيب، ونحو ذلك. وحَبَّةُ القلب؛ ثمرته. والحِبّ بكسر الحاء؛
القُرطُ؛ من حبّة واحدة.
وقد تنازع الناس في ابتداء وقوع الحب، وكيفيته. وهل كون وقوع عن نظر، وسماع، واختيار، أم
عن اضطرار.
стр. 602
وسئل حماد الراوية عن الحب فقال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر،
وأوراقها السقم، وثمرها المنية.
وسئل بعض الحكماء عن الحب فقال: هو أغمض مسلكاً في القلب، من الروح في الجسد. وليس أمر
الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره. بل قدرته أغلب، وجانبه أعزّ من أن تنفذ فيه حيلة
حازم أو لطف محتال
وقال معاذ بن جبل: الحُبُّ أَصْعَبُ ما رُكِب، وأَسْكَر ما شُرب، وأفظع ما لُقِي، وأَحلَى ما اشْتُهِي،
وأوجع ما بَطَن، وأشهر ما عَلَن. وأنه لكما قال الشاعر:
وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ إِذَا هِيَ صَرَّحَتْ ... تَبَدَّتْ عَلاَمَاتٌ لَهَا غُرَرٌ صُفْرُ
فَبَاطِنُهُ سُقْمٌ وَظَاهِرُهُ جَوَى ... وَأَوَّلُهُ ذِكرٌ وَآخِرُهُ فِكْرٌ
والهوى آمرٌ مطاع، وقائد متبع. يفتن الأذهان، ويشجع الجبان. وعلامته نحول الجسم، واصفرار
اللون، وخشوع البصر، وتواتر التنفس، وسرعة الدمع.
وقال علي ﵁: (آفَةُ العَقْل الهَوَى). وقال عبد الله بن
стр. 603
عباس: (الهَوَى إِلهٌ مَعْبُود). وتلا قول امره تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).
وقال بعض الحكماء: - الهَوَى جَلِيسُ مُمْتع، واَلِيفٌ مونس، ومالك قاهر. يملك الأبدان وأرواحها،
وامقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس واراها. توارى على الأبصار مدخله؛ وخفي عن
القُلُوبِ مسلكُه.
وسئل أبو نوفل المدني: هَلْ سَلِمَ أحدٌ من الحب والهوى؟ فقال: نعم، الجِلْفُ الجافي الذي ليس له
فَضْلُ ولاَفَهْمٌ. فأمَّا من في طبعه أدنى ظَرْف، أو أقل لُطْف، أو معه دماثة أهل (الحجاز) وحلاوتهم،
ورقة أهل (العراق) وأدبهم؛ فهيهات هيهات. وما رأيت فاضلا يسلم من الهه؛ لكن في الناس من يملك
نفسه، ويغلب هواه، ولا يظهر ما كمن في قلبه.
قوله: (الجِلْف الجافي) يريد الأعرابي الجافي في خلقته وأخلاقه.
وقال أبو حاتم عن أبي عبيدة: الجِلْفُ هو الجافي، الخالي الجوف مثل الدن الفارغ. ويقال للشاة
المسلوخة بلا رأس، ولا بطن: جِلْف. وإِنما يقال للرجل: جِلْف؛ إذا وصف بالجَفَاء، وقلة العقل. يراد
أن جوفه هواء خال من العقل. وأنشد يعقوب، لقيس بن الخطيم:
стр. 604
كَأَنَّ لَباتِهَا تَبَدَّدَهَا ... هَزْلَى جَرَادٍ، أَجْوَازُهُ جُلُفُ
يَعْني بِلاَ رُؤُوس، ولاَ قَوَائم. فشبَّه ما على لَبَّات هذه المرأة من صنعة الذهب بالجراد. والجِلْفُ من
كل شيء: ما كان غير نَظِيف، ولا مُحْكَم.
أنشد ابن الأعرابي، عن أبي صالح الفزاري:
الْوَحْشُ خَيرٌ مِنْ مَبِيتٍ بِتُّهُ ... بِجَنُوبِ زَخَّةَ عِنْدَآلِ مُعَارِكِ
جَاؤُوا بِجِلْفٍ مِنْ شَعيرٍ يَابِسٍ ... بَيْنِي وَبَيْنَ غُلاَمِهِمْ ذِي الحَارِكِ
والوَحْشُ؛ أن يبيتَ الرجل طاوياً. ومنه قول حميد يصف الذئب:
وإِنْ بَاتَ وَحْشاً طَاوياً لم يَضِقْ بِهَا ... ذِراعاً ولم يُصْبِحْ لها وَهْوَ خاشِعُ
ويقال: بَاتَ القوم أو حاشاً، وقد أَوْحَشُوا مُذْليلتين، أو ثلاث: أي ذهب زاَدُهم، والرَّجلُ مُوحِشٌ بَيِّنُ
الإِيحاش، ويقولون: تَوَحَّش للدواء: أي أَخْلِ جوفَكَ من الطعام.
وفي حديث علي بن أبي طالب ﵁، فيما روى نعيم بن حماد
стр. 605
عن سفيان، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أبي عثمان بن شبة، قال: سمعت علياً يقول في صلاة المغرب اللَّهم العن
فلاناً الجلف الجافي. وقيل لأعرابي: صفْ لنا الحب، فانتحب ثم قال بِالقَلْبِ وَثْبَتُه، وبالفُؤاادِ وَجْبَتُه، وبالأحشاء نارُه،
وسائر الأعضاء خُدَّامُه، العَقْلُ من الحبِّ ذَاهل، والجِسْمُ نَاحِل، وَالدُّمُوعُ هَوَامِل. مُرُورُ الأَيَّامِ
المُخْلِقَات تُجَدِّدُه؛ والإساءة من المحبوب لاتفسده. ثم أومأ بيده إلى قلبه وأنشأ يقول:
أَلاَ فَتَخَلَّصْ إِنَمَا أَنْتَ شَامِتُ ... لمَا لم يكن يَا قلبِ يَنْفَعُكَ الزَّجْرُ
كَأن دُمُوعي غصنُ طَرْفَاءَ حَركت ... أَعَاليه أَرْيَاحٌ وَأهطله قَطْرُ
قال أبو إسحاق:
وهو يَتَوَلَّد، ويَتَسَبَّبُ من النَّظَرِ، وتَكَرُّرِ اللَّمْحِ بالبصر. والدَّلِيلُ على هذا، قول الرسول ﵇:
"النَّظَرُ سَهْمٌ مسمومٌ من سِهَامِ إِبليس. فمن تَرَكَهُ خَوفاً من الله، أثابه الله إيماناً يجد حَلاَوَتَه في قلبه".
وقال ﵇: "لاتُتْبِع النظرة النظرة. فإِنَّما لَكَ الأولى وليست لك الآخرة". ولهذا المعنى، دخلت
(من) في قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ).
стр. 606
لأن النظرة الأولى لاتَمْلك، فوجب التبغيض لذلك. ولم يقل ذلك في الفروج؛ لأنها تملك. وغَضُّ
البَصَرِ عن جميع المحرمات؛ عن كل ما يُخْشَى الفتنة من أجله واجب.
ولما وفد على رسول الله ﷺ وفد عبد القيس؛ كان فيهم غلامٌ أَمْرَد، ظاهر الوضاءة؛
فأجلسه النبي ﵇ وراءه. وقال: "كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوود النَّظر".
وفي الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "لاتُجَالِسُوا أَوْلاَدَ الملوك، فَإِنَّ لَهُم فِتْنة كفتنة العذارى".
وجاء عنه ﵇ أنه قال: "غضُّوا أَبْصَارَكم عن الغلمان المُرْد فإن لهم فِتَناً كَفِتَن النساء".
وقال سعيد بن حميد الكاتب:
نظرتُ وقَادَتني إلى الحَتْفِ نَظْرَةٌ ... إِلَيكِ بِمَكْنونِ الضَّمِير تُشِيرُ
فَلا تَصْرِفَنَّ الطَّرْفَ فِي كُلِّ مَنْظَرٍ ... فَإِنَّ مَعَارِيضَ البَلاَءِ كَثِيرُ
стр. 607
وقال مهيار في المعنى:
نَظرةٌ عَادَتْ فعادت حَسْرَةً ... قتل الرَّامِى بِهَا مَنْ جَرَحَا
وقال الآخر في المعنى:
نَظرَةٌ كَانَتْ لِحَيْنِي سَبَباً ... جَلَبَ الْحَيْنُ لَهَا مَا جَلَبَا
وقال ابن الرومي فيه:
أورثت قلبي سقاماً ... نظرة فيها سقامُ
وقال الأديب الكامل، أبو العباس أحمد بن عبد ربه:
نَظَرْتُك نَظْرة بِالخِيف كانَتْ ... جَلاءَ العَيْن بَلْ كَانَتْ قَذَاها
فآهاً كَيْف تَجْمَعُنا الليالي ... وآهاً من تَفَرُّقِنا وآها
وقال المُؤَمِّلُ بن أميل:
شَفَّ المُؤَمِّلَ يوم الحيرة النظر ... ليت المؤملَ لم يُخْلَقْ لَهُ بَصَرُ
وقال غيره:
الحُبُّ دَاءُ رجالٍ يُقتلُون به ... ظلماً وأولُ أسبابِ الهوى النَّظَرُ
قد كنتُ أحْذَره حتى ابْتُليتُ به ... لو كان ينفعني الإشْفَاقُ والحَذَرُ
стр. 608
وقال ادريس بن اليماني:
عَن الهوى إِنْ تَسَلْ: أصلُ الهوى النظر ... وَرُبَّمَا قَادَ حَتْفَ المُهْجَة البَصَر
وقال فيه أبو محمد بن عبد البر:
لاَ تُكْثِرَنَّ تَأَملا ... وَاحْبِسْ عَلَيكَ عِنَانَ طَرْفِكْ
فَلَرُبَّما أَرْسَلْتَه ... فَرَمَاكَ في مَيْدَانِ حَتْفِكْ
وقال أبو محمد الجزيري:
واغْضُضِ الطَّرْفَ تَسْتَرِحْ من غرامٍ ... تكتَسِي فيه ثوبَ ذُلٍّ وَشيْنِ
فبلاءُ الفتَى اتِّباعُ هَوَى النف ... س وبَدْءُ الهوى طُمُوحٌ بعَيْنِ
وجاء عن ابن عباس أنه قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه، فمرَّبنا غلامٌ من الأَنْصَار، جميل
الوجه، فَحَدَّ إليه نظرهُ، فقال له (جبريل) ﵇ "لِمَ فَعَلْتَ ذلك يا رسول الله"؟ فقال: "رأيت وجهاً
جميلا فسبحت الله أحسن
стр. 609
الخالقين".
وقال سفيان بن عيينة: كنت عند بكر بن عبد الواحد بن زيد، فمرّ به غلام من (ثقيف) حسن
الصورة، فحدّق إليه بصره، ثم قال: (أَتُرَانَا لاَ نشتهي الذّكران من الرِّجال، وَشُرْب الخمر في
البساتين؛ ولكن خوف الله ﵎ يَمْنَعُنا).
وفي كتاب الشيخ أبي حامد ﵀، أن أهل مصر مكثوا أربعة أشْهُرٍ، لم يكن لهم غذاء إلاّ النظر
إلى وجه يوسف الصديق ﵇. كانوا إذا جاعوا، نظروا إلى وجهه، فيشغلهم جماله عن ذلك.
ألا ترى أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، لأنهن أبلغن في ملاحظة جماله، حتى ما أَحْسَسْنَ
بذلك.
وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو داء تداوى به النفوس الصحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سُقْمٌ
مُكْتَتِم، وَجَمْرٌ مُضْطَرِم، وأنشد:
الحبُّ دَاءٌ عَيَاء لاَدواءَ له ... يَضِلُّ فيه الأطباءُ النحارِيرُ
قد كُنتُ أحسِبُ أن الوَاصِفِين غَلَوْا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصيرُ
وكان عامر الشعبي ﵀ يقول: إِنَّمَا سمى الهوى هوى، لأنه يهوي بصاحبه.
стр. 610
وحقيقة الحُبِّ أنه أَرْيَحِيَّة؛ تحدث في النفس داعية إلى مالايجوز في العقل. وذلك أن اتباع الهوى
مذموم. قال الله ﵎ (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).
وقال الطبيب إبقراط: الهَوَى بين المُتَصَافِيَيْن؛ هُوَ اْمْتِزَاجُ النَّفْسِ بالنفس، كما المَاءُ إذا امتزج بالماء،
عَسُرَ تَخْلِيصُهُ عَلَى مَنْ رَامه. والنُّفُوسُ أَرَقُّ من الماء، وألطفُ مَسْلَكاً.
فلذلك لاتُزيله مرور الأيام، ولا يُخْلِقه تصرف الدهر، ولاَيَدْفَعُه دافع دَقَّ عن الأوهام مَسْلكُه، وَخَفِيَ
عن الأبصار مَوْضِعُه، وحارت العقولُ في كيفية تَمَكُّنه، غير أنَّ ابتداء حركته، وعظيم سلطانه هما
من القلب. ثم ينقسم على سائر الأعضاء؛ فيبدي الرعدة في الأطراف، والصفرة في الألوان، والثقل
في اللسان، والزلل، والعثار في المنطق، حتى ينسب صاحبه إلى النقص مما يلحقه من الإضطراب،
والتغيير في جميع أحواله. وألمه أشد الآلام. وعلاج صاحبه، يعزب عن الأطباء وذوي الأفهام.
ولذلك قال أبو تمام:
أَمَّا الهَوَى فَهُوَ العذابُ فَإِنْ جَرتْ ... فِيهِ النَّوَى فَأَلِيمُ كُل أَليمِ
قال: وأحبت امرأة رجلا؛ فما فرطت في حبه، فجاءت أختها، فقالت لها: كيف أنت من حُبِّ فلان؟
فقالت: حَرَّكَ، وَاللَّهِ، حُبُّه السَّاكِن، وَسَكَّن المُتَحَرِّك. ثم أنشأت تقول:
قد كنت أَسْمَعُ بالمُحبِّ وَشَجّْوِهِ ... فَأظَل منه معَجَّباً أَتَفَكَّرُ
стр. 611
حَتّى ابْتُلِيتُ من الهوى فَعُظْيمَةٌ ... كادَ الفُؤاد من أَجْلها يَتَفَطَّرُ
فقالت: واللَّهِ، لا أذهب حتى أسأله؛ كيف هُو مِنْ حبك. فجاءته، فسألته: كيف أنت من حب فلانة؟
فقال لها: (الهوى هوانٌ)، ولكن خولف باسمه، وإنما يعرف ذلك من استبْكته المعارف والطلول مثلي.
وأنشد:
للحُبِّ نارٌ على قلبي مُضَرَّمَةٌ ... لم يَبْلُغِ النارُ منها غَيْرَ مِعْشَارِ
الماءُ يَنْبُعُ منها في محاجرنا ... ياللَرجاَلِ لماءٍ فَاضَ من نار
وهذا كقول أبي بكر بن دريد من أبيات أربعة قرأتها في (النوادر) لأبي علي:
عجباً لنار ضُرِّمَتْ في صدره ... فاستَنْبَطَتْ مِنْ جَفْنِهِ يَنْبُوعَا
لَهَبٌ يَكون إذَا تلبَّسَ في الحَشَا ... قيظاً فيظهرُ في الجفونِ ربيعاَ
وقال مزروع البصري: بينما أنا أسير في أزقة (البصرة)؛ إذ سمعت صوت رجل؛ فوقفت عليه،
وهو ينشد، فقلت له: ما تقول؟ فأنشد:
قلبي إلى مَاضَرَّنِي داعي ... يُكثر أشواقي وأَوْجَاعِي
стр. 612
لعَلَ ما أبقَى على ماأرى ... يوشك أن ينعاني النَّاعِي
كيفَ احْتِرَاسِي منْ عَدُوي إِذاَ ... كانَ عُدِّوي بَيْنَ أَضْلاَعِي
قال: فقلت له: مَا العِشْقُ؟ فقال هو ارْتِيَاحٌ في الخِلْقَة، وفَرَحٌ يَجُولُ في الرُّوح، وسُرُورٌ تُسَبِّبُه
الخواطر، في مُسْتَقَرِّ غَامض، ومَحَلٍّ لَطِيفِ المَسَالِك، يتصل بأجزاء القُوَى، وَيَنْسَابُ في الحركات.
وهو أُنْسُ العَقْل، وَبَشَاشَةُ الخواطر. وأنشد:
كُلُّ النفوس لها في قَتْلها قَوَدٌ ... إلاَّ نُفُوسٌ أَبادتها الدُّمَى القُتْلُ
وكُلُّ جرحٍ له شيءٌ يُلائمه ... إلا جروحاً جَنَتْهَا الأعينُ النُّجْلُ
وقال الضحاك: بينما أنا أطوف بالبيت؛ إذ سمعتُ جارية تقول: اللهمَّ مالكَ يوم القضاء، وخالقَ
الأرضِ والسماء، فارحَمْ أَهْلَ الهوى، واستنقذهم من البلاء، واعطف عليهم قلوبَ أَوِدَّائِهمْ بالصَّفاء،
إنك سميعُ الدعاء، فقلت: يا هذه، أما تَتَّقِينَ اللَّه، وأَنْتِ في الطواف، فأَقْبَلَتْ عَلَيَّ بوجه، كأنه فَلْقَةُ
قمر. وقالت: إِليكَ عَنِّي! لاَيُرْهِقُكَ الحُبُّ؟ فقلت: وما الحُبُّ؟ قالت: جَلَّ، واللَّهِ، أنْ يَخْفى، وخَفِيَ أن
يُرَى، له كُمونٌ ككمون النار في الحجَر إِنْ قَدَحْتَه أَوْرَى؛ وَإنْ تَرَكْتَهُ تَوَارَى.
وأنشدني بعض الأدباء لسعيد بن حميد:
стр. 613
ولم أَرَ مثلَ الحبِّ أسْقمَ ذا هوى ... ولا مثل حُكْمِ الحُبِّ كيف يَجُورُ
لَقَدْ صُنتُ نفسي في الضمير لَوَانَّهُ ... يُصَانُ لدى الطَّرف النَّمُوم ضميرُ
وأنشدني غيره في المعنى:
ليس خَطبُ الهوى بِخَطِبٍ يَسِيرِ ... لا يُنَبِّيكَ عَنْهُ مِثْلُ خبيرِ
ليسَ أَمرُ الهَوَى يُدَبَّرُ بالرَّأ ... ي وَلاَ بالقِياسِ والتَّفْكِيرِ
إِنَّمَا الأَمْرُ في الهوى خَطَراتٌ ... مُحْدَثَاتُ الأُمُور بَعْدَ الأُمُورِ
وأنشد أبو نصر في (القلائد) قول الأديب أبي جعفر الأعمى التطيلي:
هُوَ الهَوَى وَقديماً كنتُ أَحْذَرُهُ ... السُّقْمُ مَوْرِدُهُ والموتُ مَصْدَرُهُ
يالوعةً وجلا من نظرة آمل ... الآن أعرف رشداً كنت أنكره
جِدٌّ من الشوق كان الهَزْلَ أَوَّلُهُ ... أقَلُّ شيءٍ إذا فكرت أكْثَرُهُ
وَلي حبيبٌ دَنَا لولا تَمنُّعه ... وقد أقولُ نَأَى لولا تَذكُّرُه
وقال الآخر في المعنى:
يَا عَاذِلي قَدْ كُنْتُ قَبْلَكَ عَاذِلاً ... حَتَّى ابْتُليتُ فَصِرْتُ صَبّاً ذاهلا
الحُبُّ أول ما يَكُونُ لجاجة ... فإذا تَمَكَّنَ صَارَ شُغْلاً شَاغِلا
стр. 614
هذا من لفظ العبّاس بن الأحنف حيث يقول:
الحُبُّ أَوَّلُ مَا يَكُونُ لجَاجَةً ... تَاْتِي بِهِ وَتَسُوقُهُ الأَقْدَارُ
حَتَّى إِذَا اقْتَحَمَ الفَتَى لُجَجَ الهَوَى ... جَاءَتْ أُمُورٌ لاَ تُطَاقُ كِبَارُ
وَسُئِل أحد البلغاء عن الحب، فقال:
مَنْ كَانَ لَمْ يَدْرِ مَاحبٌّ أَحَسَّ بِهِ ... أَوْ كَانَ في غَفْلَةٍ أَوْ كَانَ لَمْ يَجِد
فَالحُبُّ أَوَّلُهُ رَوعٌ وآخِرُهُ ... مِثْلَ الحَرَارَةِ بينَ الخِلْبِ والكَبِد
وأنشد أبو نصر في قلائده، قول أبي القاسم بن العطار:
الحبُّ تَسْبَحُ في أَمْوَاجِه المُهَج ... لَوْ مَدَّ كَفّاً إلى الغَرْقَى بِهِ الفَرَجُ
بَحْرُ الهَوَى غرَّقت فيه سَواحِله ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِبَحْر كُلُّه لجج
بين الهوى والردى في لحظه سبب ... هذي القلوب وهذي الأعين الدُّعْجُ
دين الهوى شرعة غفلٌ بلا كتب ... كما مسائله ليست لها حجج
لا العَذْلُ يدخل في سمع المشُوقِ ولا ... شخص السلو على باب الهوى يلج
стр. 615
كأن عيني وقد سَالَتْ مدامعها ... بحر يفيض على آفاقه خُلجُ
وقالت علية أخت ابراهيم بن المهدي:
وُضع الحُبُّ على الجَوْرِ فَلَوْ ... أنْصف المعْشوقُ فيه لَسَمجْ
لَيْسَ يُسْتَحْسَنُ في أَمْرِ الهَوَى ... عَاشِقٌ يُحْسِنُ تأليفَ الحُجَجْ
وقليلُ الحبِّ صِرْفاً خالصاً ... لك خيرٌ من كثيرٍ قد مُزِجْ
وقال الآخر، وقرأته في (النوادر) لأبي علي البغدادي:
مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنْ سَيَكْتُمُ حُبَّهُ ... حتى يُشَكِّك فيهِ فَهْوَ كَذُوبُ
الحبُّ أَغُلَبُ للفؤَاد بِقَهْرِه ... من أن يُرى للسَّتْر فيه نَصيبُ
وإذا بَدَا سرّ الفؤاد فإنه ... لم يبدُ إلاَّ والفَتَى مَغْلُوبُ
إِني لأَبْغَضُ عاشقا مُتَسَتِّراً ... لم تَتَّهِمْهُ أَعْيُنٌ وقُلوبُ
وقال العتبي سمعت أعرابيا يقول: مِسْكِين العاَشِق، الرِّيحُ يُقْلِقُه، وَلَمَعَانُ البَرْق يُؤَرِّقه، وَرُسُومُ الدِّيَار
تُحْرِقه، والعَذلُ يُؤلمه، والتَّذْكير يسلمه، والبُعْدُ يجرحه، والقُرْبُ يُهَيِّجُه، واللَّيْلُ يُضَاعف بَلاَءه، والنَّوْمُ
لايوجد حذاءه،
стр. 616
ولقد تداويت بالبُعْدِ وَالقُرْب فَمَا نَجَحَ فيه دَوَاء، ولا عَزَّاني عَنْهُ عَزَاء. ولقد أحسن الذي يقول:
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ المُحِبَّ إِذَا دَنَا ... يَمَلُّ وَأَنَّ النَّأْيَ يَشْفِي مِنَ الوَجْدِ
بِكُلِّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَابِنَا ... عَلَى أَنَّ قُرْب الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ البُعْدِ
القُرْبُ نَقِيضُ البُعْدِ، ونَظِيرُه الدُّنُوُّ والمجاورة. وأصل القُرْبِ، والبعد، والدنوّ؛ أن توصف بها
الأجسام؛ كما أن الحركة والسكون، إنما هما في الأصل للأجسام، وقد يقال: هذا المعنى قريب من
ذاك، على معنى المشاكلة، كمقاربة معنى الدلالة، لمعنى الحجة، ومعنى الإشتباه لمعنى الإلتباس،
ومعنى العمل لمعني اليقين، ومعنى الدوام لمعنى الخلود، ومعنى اللزوم لمعنى البقاء، وقالوا: كلُّ قُرْبٍ
كَوْن، وليس كل كون قُرباً. ومسافة القُرْب معقولة، كما أن مسافة البُعْد معقولة أيضا. وهما أصلان
يُسْتَدَلُّ بهما على الكون، لأن الشيئين، أو الجزءين في أول حال وجودهما، لا يخلوان من أن يكونا
متلاصقين، أو متباينين. فما تلاصق كنى عنه بالبعد والتقارب والتباين، على مراتب معقولة.
والقُرْبُ أيضا؛ قُرْبُ الفرس؛ وهو كَشْحُه: وهو من لدن الشاكلة إلى مَرَاقِّ البَطْن، وكذلك من لدن
الرُّفْعِ إلى الإبط: قُرُبٌ من كل جانب.
ويقولون: فَرَسٌ لاَحِقُ الأَقْرَابِ فيجمعون. وإنما له قُرْبَانٌ؛ ولكن لِسَعَته جمعوه. كما يقولون: شاةٌ
عظيمة الخَوَاصر. وإِنَّما لها خاصرتان. وقد بيّنا هذا في داخل الكتاب.
стр. 617
ويقولون: فَرَسٌ مُقْرِبٌ؛ وهو الذي قد قَربَ مَرْبِطُه، ومَعْلَفُه لكرامته. والجميع المُقْرَبَات، والمَقَارِيب.
ويقول: قَرَّبَ الفرس تَقْريبا. وتقريبه دون الجَرْي ويقال: قد حَيّاً فلان وَقَرَّبَ؛ إذا قال: حَيَّاكَ اللَّهُ،
وقَرَّبَ دَارَك.
والقُربَان: ما تَقَرَّبْتَ به إلى الله تعالى، تبتغي قُرْبة، وتقرِّباً ووسيلة. قال الله تعالى (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ). ذكر أهل
العلم، أن القُرْبَان الذي تقبله الله ؛ قربان هابيل؛ وكان كبشاً حبسه الله عنده، حتى أخرجه
لإبراهيم ﵇ فداء لابنه، والقُرْبَان الذي لم يتقبله الله، قربان قابيل، وكان زرعاً. وكان علامة
تقبل القربان، أن تأتي نار من السماء فتأكله.
وقُرْبَانُ المَلِكِ قَرَابِينُه، ووزراؤه. يقال: هذا قُرْبَانٌ من قرابين الملك. مجموع بالنون. وهم الذين
يستشفع بهم إلى الملوك. وأنشد أبو بكر بن دريد في قرابين الملك:
وَمَالِي لاَ أُحِبُّهُمُ وَمِنْهُمْ ... قَرَابِينُ الإِلَهِ بَنُو قُصَيِّ
وقال صاحب العين: القَرَبُ: طلب الماء ليلاً. تقول: قَرَبَ الماء يَقْرُبُهُ، وقد قَرَّبَهُ قَرَباً؛ إذا طلبه ليلا،
قال الشاعر:
стр. 618
عَسَلاَنَ الذّيبِ أَمْسَى قاَرِباً ... بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
ولا يقال لطالب الماء نهاراً قَارِبٌ، وقال الكميت:
هَاجَ الصَّوادي والحِرَّانُ فانْدَلَقَتْ ... وَانْقَضَّ سَائِقُهَا الحادي لَهَا القَرِبُ
والقَارِبُ: سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية، تستخف لحوائجهم. والجمع: القَوَارِب.
والقِرَابُ للسَّيف والسِّكين، والفعل منه: قَرَّبْتُ قِرَاباً بالتشديد. ولغة أخرى: قَرَبْت قِرَابا. ويقال: قَرَبَ
فلانٌ أهله قُرْبَاناً، كناية عن الغِشْيَان. وَمَا قَرَبْتُ هذا الأمر، ولا قربت فلاناً قُربَاناً ولا قُرْباً.
وَيُقَال: أَقْرَبَت الشاة فهي مُقْرِبٌ؛ إذا دنا ولادها. وكذلك الأتان. ولا يقال للناقة إلاَّ أَدْنَتْ فهي مُدْنِ.
رجع
وقرأت في كتاب (النوادر) لأبي علي أخبرنا أبو بكر. قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي. قال:
كان بشر بن أبي مروان شديداً على العصاة، فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كُرسي، وسمّر كفه
في الحائط بمسمار، ونزع الكرسي من تحته، فيضطرب حتى يموت معلقا. وكان فتى من بني عِجْل
مع المهلب، وهو يحارب الأزارقة، وكان عاشقا لابنة عم له.
стр. 619
فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها:
لَوْلاَ مَخَافَةُ بِشْرٍ أَوْ عُقُوبَتُهُ ... أَوْ أَنْ يَشُدَّ عَلَى كَفِّيَ مِسْمَارُ
إِذاً لعطلتُ ثَغري ثم زُرْتُكُمُ ... إِنَّ المحبَّ إِذَا ما اشتاقَ زَوَّارُ
فكتبت إليه:
لَيْسَ المحبَّ الذي يخشَى العقابَ وَلَوْ ... كَانَتْ عُقُوبَتَهُ فِي إِلْفِهِ النَّارُ
بَلِ المُحِبُّ الَّذِي لاَ شَيءَ ينفعُهُ ... أَوْ يَسْتَقِرُّ وَمَنْ يَهْوَى بِهِ الدَّارُ
قال: فلما قرأ كتابها، عطَّلَ ثغره، وانصرف إليها، وهو يقول:
أستغفرُ اللهَ إِذ خفتُ الأمير وَلَمْ ... أَخْشَ الذي أنا فيه غيرُ مُنْتَصِرِ
فشأنُ بِشْرٍ بِلَحْمِي فَلْيُعَذِّبُهُ ... أو يَعفُ عَفْوَ أمير خيرِ مقتدرِ
فَمَا أُبَالِي إِذا أَمسيتِ راضيةً ... يا هندُ مانِيلَ من شَعرِي وَمِنْ بَشَرِي
ثم قدم (البصرة)؛ فما أقام إلا يومين، حتى وشي به واش إلى بشر. فقال: علي به، فأتيَ به فقال:
يافاسق، عطلت ثغرك! هلموا الكرسيَّ. فقال: أعز الله الأمير إن لي عذراً، فقال: وما عذرك؟ فأنشد
الأبيات، فرق له وكتب إلى المُهَلَّب، فأثبته في أصحابه.
وحكى أبو العباس أحمد بن عبد ربه في كتاب (العقد). قال: قال رجل من الأدباء: لقد جلت في
مشارق الأرض، ومغاربها، حتى وصلت إلى حقائقها، فوجدت الإنسان إنما فضل الحيوان بالنطق
المعبر عن النفس، المخبر بما يَهْجُسُ في الحس، ويتصور في الضمير. ورأيت اللسان خادم الجنان،
بتصرفه يتصرف،
стр. 620
ومع توقفه يتوقف. ووجدت العقل إِمَام الخَواطر؛ وَزِمَام النَّوَاظرِ، وجَلاَء
البَصَائر. ومالك الأفهام، وسُلْطَان الأوهام. وَشهِدْت الهَوَى يَخْدَعُ العقل ويَسْحَرُه؛ وَيَمْلِك اللب وَيَقْهَرُه،
ويغلب اللبيب ويَبْهَرُه، حتى يَرْتبط بملكه؛ وَيَنْخَرِط في سِلكه. وَعَهِدْتُه لاَ يَعْلَق إِلاَّ بذوي الأَفْهَام
اللَّطِيفة، وَالأَوْهَامِ الشَّرِيفَة. فمن اتَّسَعَ بالأَدَبِ بَاعُه؛ واشتدَّ في الظرْف ذِرَاعُه، وزكا أصله وفرعه،
وكرم ذهنه وطبعه، وشق بحره وسمعه. وألف من الحلاوة جوا غذيا؛ وصادف من النظافة ثرى ثريا.
ولذلك قال عُبَيْد الريحاني: لاَ يَخْلُو أحدُ من صَبْوةٍ إلاَّ أن يكونَ وَحْشِيَّ الخِلْقَةِ، مَنْقُوضَ البِنْية، خلاف
تركيب الاعتدال. وقال الرسول ﵇: "عجب ربنا سبحانه من شابٍّ ليست له صبوة".
وقال الأعمش: (كانوا يَسْتَحِبُّون أن تكون للشاب صبوة).
وروى عن ابراهيم بن يزيد النَّخعي، إنه كان يعجبه أن تكون للصبي إذا نشأ صبوة. وإِنَّمَا كان
يعجبهم ذلك منه، وإن كان تَرْكُ الصَّبا أسلم له، لأنه إذا تاب وارعوى، كان أشدَّ لاجتهاده في الطاعة،
وأبعد له من أن يعجب بعمله، وذكر للأعمش هذا الكلام، عن ابراهيم، فقال: يخاف، ويحذر، ويجتهد.
وقال أبو حازم: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السيئَة؛ إن عمل حسنة قط، أنفع له
стр. 621
منها. وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الحَسَنَة؛ إن عمل سيئة قط، أضر عليه منها.
قال ابن الأعرابي: معناه؛ أن يعمل الذَّنْب؛ فلا يزال منه مشفقاً وَجِلاً أن يعاوده فينفعه ذلك. ويعمل
الحسنة فيحتسبها على ربه، ويعجب بها، ويَنْسَى فضل الله عليه فيها فتهلكه.
وقال الحسن: إِنَّ الرَّجُلَ لَيذنب الذَّنب، فما يزال كئيبا حتى يَلْقَى ربه؛ وإذا مال الرجل إلى الهوى
قبل: صَبَا يَصْبُو صَباً وَصَبْوَةً. قال الشاعر:
وَمَا يَسْتَوي الصَّابي ومَنْ ترَكَ الصَّبَا ... وَان الصَّبَا لَلْعَيْشُ لَوْلاَ العَوَاقِبُ
وكانوا يقولون (الغَريبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَبيب).
وحكى يحي بن الفضيل، عن الأصمعي أنه قال: كنت في بعض البوادي، فقال لي أعرابي: يا
أصمعي! أنت بهذه البلدة غريب. فقلت له: نعم. فقال: هيهات هيهات! (إنما الغريب من جفاه
الحبيب). وقال الشاعر:
وفي الجِيرةِ الغَادِينَ مِنْ بطن وَجْرَةَ ... غَزالٌ كحيلُ المُقْلَتَينِ رَبِيبُ
فلا تحسَبِي أن الغريبَ الذي نأى ... ولكنَّ مَنْ تَنْأَيْنَ عنه غَريبُ
стр. 622
وشكا مؤدب أولاد سعد بن سليمان إلى سعد بعض أولاده. فقال له سعد: ومَا يُرِيبُكَ منه؟ قال:
إِنَّه يَتَعَشَّقُ، وَيَشْغَلُ بَالَه. فقال له سعد: دَعْهُ يَتَعَشَّق، فإِنه يَظْرُفُ، وَيَنْظُفُ، وَيَلْطُفُ.
قال أبو إسحاق:
والفرقُ بين الحبِّ والعِشْق: أن الحُبَّ في غالب الأمر عَارٍ من الشهوة؛ بَلْ في كل الأمر. لأن الله
تعالى قال في كتابه العزيز (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).
وقال تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وفي حديث أبي هريرة فيما روى حفص بن عاصم عنه: إن من السبعة الذين يُظِلُّهم الله
- في ظِلِّه، يوم لاظِلَّ إِلاَّ ظِلُّه رجلا لقى آخر فقال له: وَاللهِ إِنِي لأُحِبُّكَ في اللَّهِ ، وقال
الآخر مثل ذلك.
وفي كتاب (الشهاب):
стр. 623
"حَبَّذَا المُتَحَابُّونَ مِنْ أُمَّتِي" وفي الحديث الصحيح: "لايَزَالُ العَبْدُ يتقرب إِلَيَّ
بالنوافل حتى أحبه". ومحبة الباري سبحانه للعبد؛ رحمته إياه، وتوفيقه للعمل بطاعته. ومَحَبَّةُ العبد لله
تعالى إِنَابَتُه إليه، وَعَمَلُه بطاعته، وانْتِهَاؤُه عن مَعْصِيَّته. فَكَنَّى عن هذا كله بالمحبة. وليس في هذا
كله شهوة. إنما هو إِرَادة ورغبة في حَمْد الله، والثَّنَاء عليه. وحُبُّ المؤمن للمؤمن هو إِرَادَتُه مَدْحَه،
والثَّنَاء عليه قضاءً لحقه. فإذا قيل: المُومِنُ يحب المومن؛ فمعناه أنه يريد مدحه، وَيَلْهَج بالثناء عليه.
ولا يقال: المومن يريد المومن؛ لأن المحبَّة لما كانت تستعمل على مَيْل الطباع، أخرجت ذلك المخرج
في الكلام، للمبالغة فيما يراد من التعظيم في الصفة. وليس العِشْقُ كما ذكرنا، لأنه مَمْزُوجٌ بالشهوة،
وهو لَذَاذَاةٌ تَصْدُرُ عن فُرُط.
اللَّحْظ، وكثرة الإستحسان بمناسبة روحانية ومجاذبة فلكية، وهو مخصوص بالشَّباب؛ فإن صادف
مسنا، فذلك فتنة مُضّلَّة، نعوذ بالله منها.
وقال بعض الحكماء: العِشقُ ضرورة شغل نفس فارغة. وقال أرسطوطاليس: العِشقُ ضرورةٌ داخلة
على النفوس.
стр. 624
وقال بعض الحكماء: العِشْقُ طَمَعٌ يتولد في القلب، ويَنمى، وتسري إليه موادُ الحركة، فكلما قَوِيَ،
ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الفِكر والهيمان، وضيق الصدر. فإذا فَسَد الفكر،
أدى ذلك إلى الجنون؛ فربما قَتَل العاشقُ نفسه، وربما مات غَمّاً وحُزناً، وربما نظر إلى معشوقه،
فمات فرحاً، وربما شَهقَ الشهقة، فَخَفِيَ روحه أربعة وعشرين ساعة، فَيُظَنُّ أنه قد مات فيدفن حيَّا.
وربما تنفس الصعداء، فخفيَ روحه في تَامُورِ قلبه، وينضم القلب عليه فلا ينفرج حتى يموت. وقد
ترى العاشق إذا سمع بذكر محبوبه تستحيل لونه، ويموت دمه، ويخفق قلبه. وهذا كله صحيح موجود
عند أهل العشق.
وقال الشاعر، وقيل هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
سقيمٌ لايموتُ ولا يَفِيقُ ... قد أَقْرَحَ جَفْنَه الدَّمْعُ الطَّلِيقُ
شَدِيدُ الحزنِ يحزنُ مَنْ رَءَاهُ ... أَسِير الصّبو نَاظِرُه أريقُ
ضَجِيعُ صَبَابَة وَحليفُ هَوْنٍ ... تَحمَّل قلبُه ما لا يُطيق
يَظَل كأنه ممَّا اجتواه ... يَسْعرُ في جوانبه الحَرِيق
قال: ولمَّا ارتحلت ليلى عن قيس، جعل يقبل موضع رجليها من الأرض،
стр. 625
وحول خبائها. فلما رأى ذلك قومه، أقبلوا على أبيه بالعذل واللَّوم. فقال ذريح، لما رأى حاله تلك: قد جنيت عليك يابني! فقال
له قيس: قد كنتُ أخبرك أَنِّي مَجْنون بها، فلم تَرْضَ إلا بقتلي.
فاللَّهُ حسيبك، وحسيب أمي. وأقبل قومه يَعْذِلُونَه في تقبيل التراب، فأنشأ يقول:
فما حُبِّي لِطِيب تُرَاب أرضٍ ... ولكنْ حُبُّ مَنْ وَطِئَ التُّرَابَا
فهذا فعلُ شَيْخَيْنَا جميعاً ... أَرَادَا لِي البليَّةَ والعَذَابَا
وكان من أمره بعد ذلك ماعلم، وشهر. نعوذ بالله من آفة العشق، وفتنته.
وقال حامد البلْخي: سمعت أعرابيا ينشد:
أَهَاجَ سرورُ القَلب مِنِّي حرارةً ... فَأَوْرَثَه سُقماً على آخر الدَّهرِ
فقلت له: هَل للسُّقْم من الحُبِّ دواءٌ؟ فقال: إِلْتِقَاءُ الشَّفَتَيْنَ، بِضَمِّ البَدنَيْنِ. وقيل لهند بنت الحسن: مَا
أَلَذَّ شَئً في الدُّنْيَا؟ فقالت: قُبْلَةُ فَتَاة فتىً ضَمَّهُمَا هوىً. وَعَيْشِكَ مَا ذُقْتُهَا.
стр. 626
وقال جالينوس: مُحَادَثَةُ الرَّجل من يهوى، تَسُلُّ التَّعَب والنَّصَب من مَفَاصِله سَلاّ.
وقال بعض الحكماء: صَفْوُ العِيش؛ الخُلْوةُ بِمَنْ تُحب. وسُئلَ بعضُ الظُّرفاء فقيل له: مَا أَحَبُّ شيٍ
إليكَ في الدُّنْيَا؟ فقال: خُلوةٌ بِمَنْ أحب، لايرانا إِلاَّ الموت.
وقال أبو صخر الهذلي في هذا المعنى، من قصيدة قرأتها في (النوادر) لأبي علي:
تمنيتُ من حُبِّي عُلَيّةَ أَنَّنَا ... على رَمَثٍ في البحر ليس لنا وَفْرُ
على دائمٍ لايَعْبُرُ الفُلْكُ مَوْجَهُ ... ومن دونِنَا الأهوالُ واللُّجَجُ الخُضْرُ
فَنَقْضِي هَمَّ النَّفْسِ في غير رِقْبَةٍٍ ... وَيُغْرِقُ مَنْ نَخْشَى نَمِيمَتَهُ البَحْرُ
فالرَّمَثُ أعواد يضم بعضها إلى بَعض، فيركب عليها في البحر.
وَيُرْوَى: (على رمث في الشرم). والشَّرْمُ: البَحْرُ من قولهم: شَرَمْتُ الشيء إذا شَقَقْتَه. والبحر؛ من
قولهم بحرت الشيء؛ إذا شققته أيضا شقّاً واسعا. وقيل: الشّرْمُ لُجَّة البحر، ومنه البحيرة، وهي الناقة
المشقوقة الأذن، والناقة بَحِيرَةٌ وَهَجُورَةٌ. ويقال للبحر أيضا: البَضِيعُ من قولهم: بَضَعْتُ الشيء إذا
شَقَقْتُهُ.
قوله: (ويغرق من نَخْشَى نميمته) أي: أفشاه للحديث. قال أبو زيد:
стр. 627
يقال منه: رجلٌ نَمٌّ، من قومٍ
نَمِّينَ، وأنِمَّاء. وامرأة نَمَّةٌ، من نسوة نَمَّات.
قال الشاعر:
ولاَ أَكْتُمُ الأَسْرَارَ لكنْ أَنُمُّهَا ... ولا أَتْرُكُ الأَخْبَارَ تَغْلي عَلَى قَلبي
وقال الآخر:
إِن النَّمُومَ أُغَطِّي دونَهُ خَبَرِي ... وَلَيْسَ لي حِيلةٌ فِي مُفْتَرِي الكَذِبِ
ومثل هذا البيت قول الآخر:
لِي حِيلَةُ فِيمَنْ يَنُ ... مُّ وليس في الكذَّابِ حِيلَهْ
مَنْ كانَ يَخْلقُ مَا يَقُو ... لُ فَحيلتي فيه قَلِيلَهْ
ويروى: (مَنْ كان يَكذِبُ ما أَرادَ).
стр. 628
وحكى الزبير بن أبي بكر قال: حَجَّ مروان بن عبد الملك مع الوليد بن عبد الملك بن مروان، فلما
كانوا بوادي القُرَى، جرت بينه وبين أخيه الوليد بن عبد الملك مُحاورة، والوليد يومئذ خليفة، فغضب
الوليد فأمضَّه فتفوَّه مروان بالردّ عليه. فأمسك عمر بن عبد العزيز على فِيه فمنعه من ذلك. فقال
لعمر: قتلتني! رددت غيظي في جَوْفِي. فما راحوا من وادي القُرى حتى دفنوه.
فله يقول الشاعر:
لَقَد غادَرَ الرَّكْبُ اليَمَانُون إذْ غَدَوْا ... بِوَادِي القُرى جَلْدَ الجَنَانِ مُشَيَّعَا
فَسَاروا فَلاَ مروانَ للحيِّ إذْ شَتَوْا ... وَللرَّكْبِ إِذ أَمْسَوْا مُضلين جُزَّعَا
وذكر غير الزبير، أن الشعر لجرير بن عطية.
стр. 629
قال: وكان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لأمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وزاد:
أَبَا خَالدٍ فَارَقْتَ مروانَ عَنْ رِضىً ... وكانَ يزينُ الأرضَ أَنْ تُرَيَا مَعَا
قال: ومثل النَّمَّام: القتَّات، والقَسَّاس أيضا مثله. وقد فرق بعض أهل اللغة بينهم، فقال: النَّمَّام: هو
الذي يكون مع القوم يتحدثون فَينِمُّ حديثهم.
والقَتَّاتُ: هو الذي يتسمع على القوم، وهم لايعلمون، ثم يَنِمُّ حديثهم.
والقَسَّاسُ: الذي يَقُسُّ الأخبار؛ أي يسأل الناس عنها، ثم ينشرها، ومثل ذلك قولهم: رجل نَمِلٌ.
والنَُِّمْلَةُ مثل القلق بالخبر.
والنَّمِلُ: هو الذي لايكتم الخبر، ولا يستطيع الصبر عليه، وهو أيضا النَّمَّال. وقد نَمَلَ يَنْمُلُ.
وقال الكميت:
وَلاَ أُزْعِجُ الكَلِم المُحَفَظَاتِ ... إِلَى الأَقْرَبِينَ ولا أَنْمِلٌ
стр. 630
أيْ: لا أَمشي بِالنَّميمة.
ويقال: رجلٌ نَمِلُ الأصابع؛ الذي لايكاد يكُفُّ أصابعه عن العبث، وكذلك إذا كان خفيف الأصابع في
العمل، وكذلك الفرس؛ وهو الذي لايكادُ يستقرّ.
قال هذا قاسم في الدلائل، وأنشد:
لَسْنَا بِإِخْوَانِ أَقْوامٍ يُغَيِّرُهُمْ ... قَوْل العُدَاةِ ولاَذُو النَّملةِ النَّمِلُ
قال: وفي حديث عمر ﵁ أنه قال للحطيئة: إِيَّاكَ والشعر! قال: لاأَقْدِر ياأمير المؤمنين
على تركه؛ مأْكَلَةُ عِيالي، ونُمْلَةٌ على لساني، قال: فَشَبِّبْ بِأَهْلك، وَإِيَّاكَ وَكُلُّ مِدْحَةٍ مُجْحِفَةٍ! قال: يا
أمير المؤمنين! وما المدحَةُ المُجْحِفَة؟
قال: تقول: بنو فُلانٍ خيرّ من بني فلان. إمْدَحْهُمْ ولا تُفَضلهُمْ، قال: أَنْتَ يا أمير المومنين أشعرُ
مني.
قال: والنَّمُّ، والقَتُّ، والقسُّ، والتَحَسُّسُ بالحاء، والتَّجَسُْسُ بالجيم نظائر في اللغة، ومتقاربات في
المعنى.
قال الشاعر:
تجنيت سُعْدى رَهبَة أن يشيد لي ... إذا زرت سعدى الكاشح المتحسسُ
يروى بالجيم؛ من قولهم (تجسس) وبالحاء من قولهم (تحسس)، وقرأ الحسن.
стр. 631
رجع
وسأل ابراهيم بن المهدي بعض المجانين. ما المحاسن؟ فأنشده:
يقولون في البستان للعين نزهة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسنِ
إذا شئت أن تلقى المَحَاسِنَ كُلَّهَا ... ففي وَجْهِ مَنْ تَهْوَى جميعُ المحاسن
ورأيت في بعض تواليف الحافظ أبي نعيمْ بسند، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "النظرة إلى الخضرة والوجه الحسن يزيدان في البصر".
стр. 632
فصل
قال: ومن غريب الأحاديث والحكايات في معنى الحب، ماروى عن أبي عبد الله عكرمة مولى ابن
عباس لله، قال: بينما نحن عند عبد الله بن عباس، إذ أقبل فتية يحتملون فتى من بني عذرة، قد بلي
بدنه، وكانت له حلاوة، وجمال. فجاءوا به حتى وقفوا بين يديه، وقالوا: استشف لهذا الفتى يا ابن عم
رسول الله ﷺ ، قال: وما الذي به؟ قال: فترنم الفتى بصوت خفي، لا يستبين، وقال:
بِنَا من جَوَى الأحزان والحبِّ لوعة ... تكاد لها نفس المحبِّ تذوبُ
ولكنما أَلْفَى حشاشة مقولى ... على مابه عودٌ هناك صليب
وما عَجَبٌ موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب
ثم شهق شهقة فمات، فقال ابن عباس: هل رأيتم غلاماً مثل هذا؟ والله، إنه لقتيل الهوى، لادية له،
ولا قود فيه، فأنشد بعض أهل المجلس:
стр. 633
قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ دِمَائِهِمْ ... وَلكنْ دماءُ العاشقين جُبَارُ
تُطَلُّ دِماء العاشقين وثأرُها ... لدى الحَدَقِ المرضَى وذلك ثَارُ
وأنشد آخر منهم:
ما يَذْكُرُ الدهر لي سُعْدَى وَقَدْ فقدتْ ... إلاَّ تَرَقْرَقَ دَمْعُ العين فاطَّرَدَا
يالَلرِّجالِ لِمَعْشُوقٍ بِلاَ تِرَةٍ ... لاَتَأخذون له عَقْلاً وَلاَ قَوَدَا
قال عكرمة: فقال ابن عباس: نرغب إلى الله في العافية، ومازال يتعوذ بالله من الحبِّ بقية يومه.
قول الشاعر:
قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ
أي: فرض الله في القتلى قِصاص دمائهم وأوجب، والقِصَاصُ: الأخذ من الجاني مثل ما جنى،
والقِصَاصُ، والمقَاصَةُ، والمعاوضة، والمبادلة: نظائر في اللغة.
يقال منه: قصَّ يَقُصُّ قَصّاً وَقِصَصاً، وأقَصَّهُ به إقْصَاصاً، واقْتَصَّ منه اقتصاصاً.
وَاسْتَقَصَّ اسْتِقْصَاصاً؛ إذا طلب القِصَاص، وقَاصَّهُ مَقَاصَّةً وقِصَاصاً.
وقال أبو بكر بن دريد: قَصَّ الشيء بِالمِقَصِّ يَقُصُّهُ قَصّاً. وقَصَّ الحديث يَقُصُّهُ قَصَصاً.
стр. 634
وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، يعني القرآن اقتفاء الأثر قَصَصٌ أيضا. قال الله تعالى (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا).
والقِصَاصُ التَّقَاصُّ، من الجراحات والحقون شيء لشيء.
واقْتَصَّ منه: أَخَذَ منه. قال الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
وقال صاحب العين: القَصّ: الصَّدْر هو المُشَاشُ المغروسةُ فيه أَطْرَافُ شَرَاسيف الأضلاع في وسط
الصدر.
والقُصَّةُ من القُصَاصِ معروفة. والقَصَّةُ الجَصُّ.
وفي هذا اللفظ اشتراكٌ، وبابه مَشِيعٌ.
وقوله: (دماء العاشقين جُبَار): يعني أن دماءهم هَدَر لاَدِية فيها.
وفي حديث أبي هريرة فيما روى، عن عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه عنه، النار جُبَار،
стр. 635
ورواه مسلمة بن علقمة، عن داوود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال: قال
رسول الله صلى عليه وسلم: (النَّارُ جُبَار والبِئْرُ جُبَار والمعدنُ جُبَار وفي الرَّكَازِ الخُمُسُ).
وقوله: النَّار جٌبَار، قال الخطابي: يتأول على وجوه: أحدها أن يكون معنى ذلك إباحة النار،
واقتباسها من غير إذن موقدها، وأنه إذا أخذ منها جَذْوة، لم يلزمه لها قيمة.
وقال بعضهم: تأويله: النارُ تطير بها الريح، فتحرق متاعاً لقوم، يريد أنه لايلزم موقدها غرامة.
ومنهم من فرق بين النار يوقدها رجل، ليصطلي بها، أو يشوي عليها لحماً، وبين أن يوقدها عبثا لا
لأرب، فرأى ما تَجْنِي تلك هدراً، وماتجني هذه الغرامة. وأنكر بعضهم هذه اللفظة، وزعم أنها
تصحيف، وإنما هو: البئر جُبَارٌ.
وذلك أن أهل (اليمن) يُميلون النار. فكتبها بعضهم بالياء فرأى القارئ البئر، فصحفها بالنار، كذا قال
أبو بكر بن المنذر.
следующие страницы →