قلت: في كلامه نظر من وجوه:
الأول: ترجيحه حديث إسرائيل على حديث زهير، وهو معارض بما حكاه الإسماعيلي في صحيحه؛ إذ رواه من حديث يحيى بن سعيد، ويحيي بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير، عن أبي إسحاق، ما ليس بسماع لأبي إسحاق.
وكذلك رواية أبي جعفر الطحاوي حيث رواه من حديث يحيي بن سعيد، عن زهير، عن أبي إسحاق.
وقال الآجُرّيّ: سألت أبا داود، عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق؟ فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير.
وتابعه إبراهيم بن يوسف، عن أبيه كما قال البخاري في آخر الحديث المذكور، وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق حدثني عبد الرحمن، وتابعه أبو حماد الحنفي، وأبو مريم، وشريك وزكرياء بن أبي زائدة، كذا قاله الدارقطني.
الثاني: إسرائيل اختلف عليه؛ فرواه كرواية زهير، ورواه عباد القطواني، وخالد العبدي، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. وروى الحميدي، عن ابن عيينة عنه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، ذكره الدارقطني والعدني في "مسنده"، وزهير لم يختلف عليه.
الثالث: اعتماده على متابعة قيس بن الربيع، وهي لا شيء لشدة ما رُمِيَ به من نكارة الحديث والضعف، وإضرابه عن متابعة يونس والثوري، وهما هما.
الرابع: قوله: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه مردود، وقال أبو بكر بن أبي داود: قلت لأبي: أبو عبيدة سمع من أبيه، قال: يُقال: إنه لم يسمع منه قلت: فإن عبد الواحد بن زياد يروي عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الله بن أبي هند، عن أبي عبيد قال: "خرجت مع أبي لصلاة الصبح" فقال لي: ما أدري ما هذا، وما أدري ابن أبي هند من هو.
стр. 1017
وفي "المعجم الأوسط" (١) للطبراني: من حديث زياد بن سعد، عن أبي الزبير، قال: حدثني يونس بن [خباب] (٢) الكوفي، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: "كنت مع النبي ﵇ في سفر ... " الحديث.
وأخرج الحاكم في "مستدركه" (٣) حديث أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه في ذكر يوسف ﵊، ثم صححّه.
وكذلك الترمذيُّ حَسّنَ عِدّة أحاديث رواها أبو عبيدة، عن أبيه عبد الله، منها: "كان في الركعتين الأولين كأنه على الرَضْف" (٤)، ومن شرط الحديث أن يكون متصلًا عن المحدثين (٥).
الخامس: قوله: "وأبو عبيدة لم يُعرف اسمه"، يرّده ما ذكره مسلم في كتاب "الكنى"، وابن حبان في كتاب "الثقات"، وأبو أحمد في "الكنى"، وغيرهم أن اسمه عامر.
السادس: أنه أضرب عن الحديث المتصل الصحيح إلى منقطع -على زعمه- وهو قول الدارقطني: ثنا عمر بن أحمد الدقاق، نا محمَّد بن عيسى بن حبان، ثنا الحسن بن قتيبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، وأبي الأحوص، عن ابن مسعود فذكره.
стр. 1018
السابع: قوله: "ورواه زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن عبد الله"، ولم يزد على ذلك شيئًا, وليس كذلك فإن زكرياء روي عنه هذا على وجوه (١): منها رواية عبد الرحيم، والأزرق، وإسماعيل بن أبان.
ومنها رواية سهل، عن يحيي، عنه، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وقيل: عن منجاب، عن يحيي، عنه، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، لم يذكر بين أبي إسحاق والأسود أحدًا، فيما ذكره الدارقطني (٢).
قال: ورواه عمار بن رزيق، وورقاء، ومعتمر، وسليمان بن قَرْم، وإبراهيم الصائغ، وعبد الكبير بن دينار، وأبو شيبة، ومحمد بن جابر، وشعبة بن الحجاج، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله، وكذلك قال إسحاق الأزرق، عن شريك، وروي عن علي بن صالح بن حيّ، ومالك بن مِغول، ويوسف بن أبي إسحاق، وحُدَيج بن معاوية، وشريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأسود، عن عبد الله، ورواه أبو سنان، عن أبي إسحاق، عن هُبَيرة بن يريم، عن عبد الله وقفه شعبة، وسفيان، ورفعه عنه الثوري، وغيره، قال الدارقطني: قد اختلف فيه على أبي إسحاق اختلافًا شديدًا، والله أعلم (٣).
وتعلقت الظاهرية بنص هذا الحديث أن الأحجار متعينة في الاستنجاء، لا يجزئ غيرها. والإجماع على أن الحجر ليس بمتعين، بل يقوم الخزف، والخشب، والمدر، والتراب، ونحوها مقامه؛ لأن المعنى فيه كونه مُزيلًا، وقد يحصل ذلك بغير الحجر، وإنما نص ﵇ على الحجر لكونه الغالب المتَيسِّر.
стр. 1019
ويدلّ على عدم تعيّنه أيضًا نهيهُ ﵇ عن العظم، والبعر، والرجيع؛ فلو كان معينًا لنهى عما سواه مطلقًا.
ص: فهذا وجه الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وأما من طريق النظر فإنا رأينا الغائط والبول إذا غُسلا بالماء مرةً، فذهب بذلك أثرهما وريحهما حتى لم يبق شيء من ذلك، أن مكانهما قد طهر بذلك، ولو لم يذهب بذلك لونهما ولا ريحهما احتيج إلى غسله ثانيًا، فإن غسلا ثانيًا فذهب لونهما وريحهما طهر بذلك كما يطهر بالواحدة ولو لم يذهب لويهما ولا ريحهما بِغُسْل مرتين احتيج إلى أن يُغْسَلا بعد ذلك حتى يذهب لونهما وريحهما.
فكان ما يراه في غسلهما معلومًا لا يُجزئِ ما هو أقل منه، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الاستجمار بالحجارة، لا يراد من الحجارة في ذلك مقدار معلومٌ لا يجزئ الاستجمار بأقل منه، ولكن يُجْزئ من ذلك ما أذهب النجاسة، مما قل أو أكُثر فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.
ش: أشار بهذا إلى ما قاله، من قوله: "ففي هذا الحديث ما يدُلّ أن النبي ﵇ قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار"، إلى قوله: "ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين"، وإنما ذكر قوله للغائط في مكان إلى قوله من غير ذلك المكان تمهيدًا، وبسطًا لجواب سؤال يأتي من قبل الخصم، وهو أن يقول: يحتمل أن يكون اكتفاء النبي ﵇ بالحجرين، وعدم طلبه الثالث لكون الثالث موجودًا عنده، فلذلك لم يطلب منه الثالث، فقال: لا نُسَلِّم ذلك؛ لأن قعوده ﵇ للغائط كان في مكان ليس فيه أحجار، إذ لو كانت هناك أحجار لما قال له: ائتني بثلاثة أحجار؛ لأنه لا فائدة لطلب أحجار وهي حاصلة عنده وهذا معلوم بالضرورة.
فإن قيل: لو لم يكن تعيين الثلاث مفيدًا، لما قال: ائتني بثلاثة أحجار.
стр. 1020
قلت: كان ذلك للاحتياط؛ لأن التطهير بواحد أو اثنين لم يكن محققًا، فلذلك نصّ على الثلاث، وبالثلاث يحصل التطهير غالبًا.
ونحن أيضًا نقول: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلا بالثلاث، تَعيَّن عليه الثلاث، والتعيّن ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل منه، حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلمَّ جرّا، يتعين عليه ذلك.
قوله: "وأما من طريق النظر" أي القياس الصحيح، وهو ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وبالله المستعان في كل شأن.
стр. 1021
ص: باب: الاستنجاء بالعظام
ش: أي هذا باب في بيان أحكام الاستنجاء بالعظام، وفي بعض النسخ: باب الاستجمار بالعظام، وكلاهما بمعنى واحد.
وفي "المطالع": الاستنجاء إزالة النجو، وهو الأذى الباقي في فم المخرج، وأكثر ما يُستعمل في الماء، وقد يستعمل في الأحجار. وأصله من النجو، وهو القَشْر والإزالة، وقيل: من النجوة، وهو: ما ارتفع من الأرض لاستتارهم به، وقيل: لارتفاعهم وتجانبهم عن الأرض عند ذلك، وقال الأزهري عن شمر: الاستنجاء بالحجارة بالحجارة مأخوذ من نجوت الشجرة وأنجيِتها، واستنجيتها، إذا قطعتها؛ كأنه يقطع الأذى عنه بالماء أو بحجر يتمسح به، قال: ويقال استنجيت العقب إذا أخلصته من اللحم ونقيته منه، وأنشد ابن الأعرابي:
فتبازَتْ فَتَبازَخْتُ لها ... جِلْسةَ الأَعْسر يَسْتَنجي الوتَرْ
قلت: ذكر الجوهري هذا الشعر ونسَبه إلى عبد الرحمن بن حسّان (١)، والظاهر أنه لغيره، حكي في "العباب": قال أبو عمر الزاهد: كان شاعرا يلزم باب معاوية ﵁ وهو خليفة، فأبطأت عليه الجائزة، وكانت له جارية يقال لها: صولة يعني لهذا الشاعر، قال: فدفع إليها الشاعر يومًا رقعة، فقال: توصِلِينَها إليه. قال: فجاءت فدفعت إليه، فأخذها فقرأها، وهي قائمة، ثم قال لها معاوية: إن كان مثله إلا كاذبًا، فقالت: حاشاه مثله لا يكذبُ، فقال لها معاوية: إن كان مثله لا يكذب، فقد هتك الله سترك، قالت: وأيّ شيءٌ فيها، فأنشدها:
سَائلُوا صولَة هَل نَبَّهْتُها ... بَعْد ما نامَتْ بعَرْد ذي عُجَر
стр. 1022
فتبازَتْ فتبازختُ لها ... جلسْةَ الأعَسْر يَسْتنجِي الوتر (١)
وقال الجوهري: استنجى مسح موضع النجو أو غسله، واستنجى الوتر: أي مَدّ القوس، وقال الشاعر ... ، ثم أنشد هذا البيت، ثم قال: وأصله الذي يتخذ الأوتار للقيسيّ؛ لأنه يخرج ما في المصارين من النَجْو، وهو ما يخرج من البطن.
قلت: العَرْدُ، بفتح العن وسكون الراء المهملتين، الذكر إذا انتشر وانتصب، والعُجَر -بضم العن المهملة وفتح الجيم-: جمع عجُرة، وهي العُقدة في الخشب، وأراد به ها هنا الذكر الذي له طيات كالعقد.
قوله: "فتبازت" أي رفعت مؤخرتها لإتيان الرجل إليها، وأصله من البَزي، بالزاي المعجمة، وهو أن يستأخر العجز ويستقدم الصدر.
قوله: "فتبازخت" أي تطامنت، وأصله من البزخ بالمعجمتين، وهو خروج الصدر ودخول الظهر، ومنه رجل أبزخ.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سَنّة الخزاعي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهانا أن يَستطيب أحدٌ بعظم أو رَوث".
ش: يونس هو ابن عبد الأعلى، وابن وهب هو [عبد الله]، (٢)، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأبو عثمان بن سَنّة الخزاعي لا يدرى اسمه، وذكره ابن أبي حاتم، وسكت عنه، وقال: سئل أبو زرعة عن اسمه، فقال: لا أعرفه.
стр. 1023
وأخرجه النسائي (١): أنا أحمد بن عمرو بن السَرْحِ، قال: أنا ابن وهب ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "أحدكم".
ص: حدثنا فهد، قال: أنا جندل بن والق، قال: نا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سَلمان ﵁ قال: "نُهينا أن نستنجي بعظم أو رجيع".
ش: هذا الإسناد بعينه، بهؤلاء الرواة، قد مر في الباب الذي قبله. ولكن أخرج هناك عن سلمان: "نهينا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار" وأصل الحديث واحد؛ وإنّما قَطَّعه للتبويب.
وقد أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤) بتمامه، وقد ذكرنا بعضه هنالك.
ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني ابنُ وهب، قال: أخبرني عَمرو بن الحارث، عن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب رسول الله ﵇، عن النبي ﵇ "أنه نهى أن يَسْتطيب أحد بعظم أو روثة أو جلد".
ش: موسى بن أبي إسحاق وثقه بن حبان، وليس له رواية عند الجماعة (٥).
وعبد الله بن عبد الرحمن مجهول، قاله الدارقطني، وأخرج الحديث في "سننه" (٦): حدثني جعفر بن محمَّد بن نصير، نا الحسن بن علي، ثنا أبو طاهر وعمرو بن سَوَّاد، قالا: ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن موسى بن
стр. 1024
أبي إسحاق الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب رسول الله ﵇ أخبره، عن رسول الله ﵇ أنه نهى أن يستطيب أحدٌ بعظم أو روث أو جلد"، وهذا إسناد غير ثابت.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: أنا يحيي بن حسان، قال: نا سفيان بن عُيَينة، عن محمَّد بن عجلان، ح.
وحدثنا أبو بكرة، قال: نا صفوان، قال: أنا ابن عجلان، ح.
وحدثنا على بن عبد الرحمن، قال: نا عثمان، قال: أنا وُهَيب بن خالد، قال: أنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي ﵇ "نهى أن يستنجى بالروثة أو رمّة، والرّمة العظم".
ش: هذه ثلاث طرق، قد مر منها الطريق الثاني، والثالث بعَينهما في الباب السابق فالكل حديثٌ واحد، وإنما قطعّة للتبويب، وقد ذكرنا هناك أن النسائي (١) أخرجه، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه أيضًا.
وأما الطريق الأول، فعَن حُسين بن نصر بن المعارك، عن يحيى بن حسان التنِّيسي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح ذكوان الزيات إلى آخره.
وأخرجه الحديث في "مسنده"، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إنما أنا لكم مثل الوالد للولد أعلمكم؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول، وأمر أن نستنجي بثلاثة أحجار، ونهى أن يستنجي الرجل بيمينه، ونهى عن الروث، والرمّة"، قال سفيان: الرمّة العظام.
стр. 1025
ص: حدثنا محمَّد بن حُميد بن هشام الرُعَيني، قال: نا أصبغ بن الفرج، قال: نا ابنَ وَهب، قال: أخبرني حَيْوَةُ بن شُرَيح، عن عَيَّاش بن عباس، أن شُيَيْم بن بَيْتانَ أخبره، أنه سمع رُوَيفِعَ بن ثابت الأنصاريَ، أن رسول الله ﵇، قال له: "يا رويفع بن ثابت لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناسَ أنه من استنجى برجيع دابّة أو عظم، فإن محمدًا منه بريء".
ش: إسناده حسن جَيّد، ورجاله ثقات، وحيوة بن شريح التُجِيبي، أبو زرعة المصري الفقيه الزاهد العابد.
وعّياش بتشديد الياء آخر الحروف، والشين المعجمة ابن عباس، بتشديد الباء الموحدة والسين المهملة، القِتْباَني.
وشِيَيْم بكسر الشين المعجمة، ويقال: بضمها، وبفتح الياء آخر الحروف، وياء أخرى مثلها ساكنة، ابن بَيْتان بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح التاء المثناة من فوق القِتْباني المصري.
ورويفع بن ثابت بن سكن الأنصاري.
وأخرجه النسائى في كتاب "الزينة" (١): أنا محمَّد بن سلمة، نا ابن وهب، عن حيوة بن شريح -وذكر آخر قبله- عن عياش بن عباس القِتْباني، أن شييم بن بيتان حدثه أنه سمع رويفع بن ثابت يقول: إن رسول الله ﵇ قال: "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك بعدي؛ فأخْبِر الناس أنه مَن عَقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أوعظَم، فإن محمدًا بريء منه".
وأخرجه أبو داود (٢): نا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمْدانيِ، قال: ثنا المفضل -يعني بن فضالة المصري- عن عياش بن عباس القِتْبانيِ أن شييم بن بَيْتان أخبره، عن شيبان القِتْبَاني، "أن مسلمة بن مُخَلَّد استعمل رُويفع بن ثابت على أسفل
стр. 1026
الأرض، قال شيبان: فسرنا معه من كوم شريك إلى عَلقما -أو من علقما إلى كوم شريك- يُريد علقام، فقال رويفع: إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﵇ ليأخذ نِضْوَ أخيه، على أن له النصف مما يغنم و [لنا]، (١) النصف وإن كان أحدنا ليَطيرُ له النَّصْلُ والرِّيش، وللآخر القِدْح. ثم قال لي رسول الله ﵇: يا رويفع، لعل الحياة ... " إلى آخره، مثل ما ذكره النسائي.
قوله: "برجيع دابه": قد ذكرنا أنه العذِرة.
قوله: "أو عظم": عطف عليه، والتقدير: أو بعظم.
قوله: "فإن محمدًا": جواب قَوله: مَنْ، ودخلت فيه الفاء لتضمن "مَنْ" معنى الشرط.
فانظر إلى هذه التأكيدات: الجملة الاسمية التي تدلّ على الثبات والاستمرار، ودخول "إن" التي للتأكيد، وتقديم الشأن على الخبر.
فإن قلت: ما الحكمة في هذا الوعيد الشديد؟
قلت: الذي ظهر لي من الأسرار الربانية أن النبي ﵇ وعد الِجنّ ليلَة لُقِيِّهِم إياه في بعض شعاب مكة، حين سألوه الزاد أن يكون العظم زادًا لهم، والروث علفًا لدوابهم، وقبلوا ذلك من النبي ﵇، ثم إن أحدًا إذا استنجى بعظم أو روث، يتأذى منه الجن؛ فلذلك أكَّد الوعيد فيه حتى يجانبوا ذلك ولا يفعلوه (٢).
ولنتكلم في لغات رواية أبي داود تكثيرًا للفائدة.
فقوله: "على أسفل الأرض" أراد به الوجه البحري من مصر.
قوله: "من كوم شريك" هي بلد في طريق إسكندرّية، وشريك هذا هو ابن سُمّي المرادي الغُطَيْفي، وفد على رسول الله ﵇، وشهد فتح مصر.
стр. 1027
قوله: "إلى علقما" بفتح العين المهملة، وسكون اللام، وفتح القاف، والميم المقصورة، وهي بلدة في طريق إسكندرية، وهي خراب اليوم، وعلقام مثله، إلا أنه بالألف قبل الميم، وهي أيضًا بلدة وهي خراب.
قوله: "إن كان أحدنا" أصله إنه كان، وتُسمّى هذه "إنْ" المخففة من المثقلة؛ فتدخل على الجملتين، والأكثر كون الفعل ماضيًا (١) ناسخًا نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ (٢) وأمثال ذلك كثيرة في القرآن.
قوله: "ليأخذ نِضْو أخيه" النِضو بكسر النون، وسكون الضاد المعجمة البعير المهزول، يقال: بعير نضو، وناقة نضو، ونضوة.
وقال ابن الأثير: النضر الدابة التي أهزلتها الأسفار، وأنهبت لحمها.
وفي هذا حجة لمن أجاز أن يعطي الرجل فرسَه أو بعيره على شطر ما يُصيبه المستأجر من الغنيمة، وهو قول أحمد والأوزاعي، ولم يجوّز ذلك أكثر العلماء، وأوجبوا في مثل هذا أجرة المثل.
قوله: "إن كان أحدنا" أي: وإنه كان.
"ليطير له" أي يصيبه في القسمة، يقال: طار لفلان النصف ولفلان الثلث؛ إذا وقع في القسمة ذلك.
و"النصل": نصل السهم والسيف والسكين والرمح، والجمع نُصول ونِصال.
و"الريش": للطائر جمع ريشة (٣).
و"القِدْح": بكسر القاف وسكون الدال، خشبة السهم، ويقال للسهم أَوّلَ ما يقطع: قِطع بكسر القاف، ثم يُنْحت، ويُبْهرى، فيُسَمّي بَريًّا، ثم يُقَّوَّم
стр. 1028
فيسمّى قِدحًا، ثم يُرَاش ويركب نصله فيسمى سهمًا (١).
قوله: "من عقد لحيته": قيل: كانوا يفعلونه في الحرب، وهو من زيّ الأعاجم. وقيل: معالجة الشعر لينعقد ويتجعّد، وذلك من قبل التوضيع والتأنيث، فلأجل ذلك نهاه ﵇.
قوله: "أو تقلد وترًا" قيل: هي التمائم التي يشدونها بالأوتار، وكانوا يرَوْنها تعْصِمهم من الآفات وتدفع عنهم المكاره، فأبطل النبي ﵇ ذلك، وقيل: هي الأجراس التي يُعلّقونها بها. والله أعلم.
ص: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز الاستنجاء بالعظام، وجعلوا المستنجى بها في حكم من لم يَسْتنج، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا يجوز الاستنجاء بالعظام، واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث المذكورة.
وقال ابن قدامة في "المغني" (٢): والخشب والخِرق وكل ما أُنْقِيَ به كالأحجار إلا الروث والعظام، والطعام مقتاتا أو غيرُه مقتات، ولا يجوز الإستنجاء به، ولا بالروث، والعظام، طاهرا كان أو غير طاهر. وبه قال الثوري، والشافعي، وإسحاق.
وأباح أبو حنيفة الاستنجاء بالروث والعظام؛ لأنه يجفف النجاسة ويُنقيها، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما (٣).
стр. 1029
وقال ابن حزم في "المحلى": وممن قال: لا يجزئ بالعظام، ولا باليمين. الشافعي، وأبو سليمان، وغيرهما.
وفي "البدائع": فإن فعل ذلك، يعني الاستنجاء بالعظم أو الروث، يُعتدّ به عندنا، فيكون مقيما سنةً، ومرتكبًا كراهية. وعند الشافعي: لا يُعْتدُّ به حتى لا تجوزُ صلاته إذا لم يستنج بعد ذلك بالأحجار.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: لم ينه عن الاستنجاء بالعظم؛ لأن الاستنجاء به ليس كالاستنجاء بالحجر وغيره، ولكنه نُهِيَ عن ذلك لأنه جُعِلَ زادًا للجن، فأمر بني آدم أن لا يُقذّروه عليهم.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه، ومالكًا، وابن جرير الطبري.
قال القاضي: واختلفت الرواية عن مالك في كراهية هذا، يعني الاستنجاء بالعظم، والمشهور عنه النهي عن الاستنجاء به، على ما جاء في الحديث، وعنه أيضًا: إجازة ذلك، وقال: ما سمعت في ذلك بنهي عام.
وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك إذا وقع بما كان، وهو قول أبي حنيفة، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، وإليه نحا ابن القصَّار، وهو قول الشافعي. وقال بعضهم: لا يجوز بما كان نجس العين، إليه نحا القاضي ابن نصر، وذكر في فروع الحنفيّة: قال أبو حنيفة: يجوز الاستنجاء بالمدر، والتراب، والعود، والخزف، والقطن، والجلد، وبكل طاهر غير منقوم. وكره بعض العلماء الاستنجاء بعشرة أشياء: العظم، والرجيع، والروث، والطعام، والفحم، والزجاج، والورق، والخزف، وورق الشجر، والسَّعْتر، ولو استنجى بها أجزأه مع الكراهة؛ لما رُوي: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان له عظم يستنجى به، ثم يتوضأ ويصلي." وقال عياض: وقد شذّ بعض الفقهاء، ولم ير الاستنجاء بالماء العذب، بِناءً على أنه طعام عنده، والاستنجاء بالطعام ممنوع.
стр. 1030
وفي بعض شروح البخاري: وشذَّ ابن جرير الطبري فأجاز الاستنجاء بكل طاهر ونجس (١).
ويكره بالذهب والفضة عند أبي حنيفة، وعن الشافعي في قول: لا يكره.
قوله: "أن لا يقذوره" أي لا يلوثوه بالقذر وهو النجاسة.
ص: وقد بين ذلك وكشفه ما حدثنا حسين بن نصر، قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، قال رسول الله ﵇: "لا تستنجوا بعظم ولا روث، فإنه زاد إخوانكم من الجن".
ش: أي وقد أظهر ما قلنا من أنه نهى عن ذلك لأنه جُعِل زادًا للجن، ما حدثنا.
وقوله: "ما حدثنا" في محل الرفع على أنه فاعل "بيّن"، وإسنادُ هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، والشعبي هو عامر بن شراحيل.
وأخرجه الترمذي (٢): نا هناد، نا حفص بن غياث ... إلى آخره نحوه ولفظه: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام ... ".
ويستفاد منه: أن النهي عن ذلك إنما هو لكونه زادًا للجن لا لأنه لا يطهر؛ لأنه علله بقوله: "فإنه زاد إخوانكم من الجن"؛ فحينئذ إذا استنجى به جاز بالنظر إلى كونه مطهرًا صورة، ولكنه يأثم لارتكاب النهي.
ويستفاد أيضًا: وجود الجن، خلافًا لمن أنكر ذلك، وأن من الجن مسلمين؛ بدليل قوله: إخوانكم؛ لأن إخواننا لا يكونون (٣) إلا مسلمين.
فإن قيل: ما حقيقة الجن؟
стр. 1031
قلت: قال الجاحظ: الجن، والملائكة واحد؛ فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث منهم فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن.
وقال الشريف السمرقندي: قال المِلِّيون (١): الروحانيات السماوية والأرضية أجسام لطيفة قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة، وسَمُّوا السماوية بالملائكة، والأرضية بالجن إن كانت غير شريرة، وبالشياطين إن كانت شريرة، وأنكرت الفلاسفة وأوائل المعتزلة كونها كذلك؛ أرادوا أنها ليست بأجسام، ولهم مناقشات كثيرة، وقال الرازي: قالت الفلاسفة: إنها جواهر قائمة بنفسها ليست بمتحيزة البتة، فمنهم من هي مستغرقة في معرفة الله فهم الملائكة المقربون، ومنهم مدبرات هذا العالم إن كانت خيّرات فهم الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهم الشياطين.
ص: حدثنا عليّ بن مَعْبد، قال: نا عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "سألت الجنُّ رسول الله ﵇ في آخر ليلة لُقِيِّهم في بعض شعاب مكّة الزاد، فقال: كل عظم يقعُ في أيديكم قد ذكر اسم الله عليه تجدونه أَوْفَر ما يكون لحمًا، والبعرُ علفًا لدوابكم، فقالوا: إن بني آدم ينجسونه علينا فعند ذلك قال: لا تستنجوا بروث دابّة، ولا بعظمٍ، إنه زادُ إخوانكم من الجن".
ش: إسناده صحيحٌ على شرط مسلم، والشَعْبيّ هو عامرُ.
وأخرجه مسلم (٢)، والترمذي (١) بأتمّ منه، وقد ذكرناه في باب الوضوء بنبيذ التمر.
قوله: "شعاب مكة" جمع شِعب بكسر الشين، وهو الطريق في الجبل، وأما الشَّعب بالفتح فهو ما يشعب من قبائل العرب والعجم.
стр. 1032
قوله: "الزاد" منصوب؛ لأنه مفعول "سألت الجن".
قوله: "كل عظم" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: زادكم كل عظم.
وقوله: "يقع في أيديكم" صفة للعظم.
وقوله: "قد ذكر اسم الله" جملة وقعت حالًا، وكذا قوله "يَجدونه" حال أخرى، ويجوز أن يكون كل عظم مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: لكم كل عظم يقع في أيديكم، كما في رواية مسلم (١): "وسألوه الزادَ، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم".
قوله: "والبعرُ" بالرفع عطفًا على "كل عظم"، أي: ولكم البعرُ أيضًا حال كونه علَفًا لدوابكم، بمعنى: طعامًا لها، وفي رواية النسائي: وكلُ بعر علف لدوابكم، ويجوز: "والبعرَ" بالنصب، على تقدير: وجعلْتُ البَعْرَ علفًا لدوابكم.
ويستفاد منه: أن كراهة الاستنجاء بالعظم لكونه زاد الجنّ، لا لكونه لا يطهّره، وكراهة الاستنجاء به، وأن العظم الذي هو زادهم ذلك العظم الذي سُمّيَ عليه، حتى إن العظم الذي لا يذكر عليه اسم الله لا يكون لهم زادًا؛ لأن في المسمى عليه يجدون لحمًا يكتفون به، وذلك ببركة اسم الله تعالى وغير المسمّى عليه ليس عليه شيءِ يتناولونه، وأن البعر علف لدوابهم، وأن لهم دواب يركبونها، وأن في الجن مسلمين؛ بدلالة قوله: "إخوانكم من الجن"، وأن رسول الله ﵇ مرسل إلى الإنس والجن، وأن لهم قدرة على الكلام والخطاب مع الإنس، وأنهم يُروْن ويَرَوْن.
ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: نا أحمد بن محمَّد الأَزْرقي، قال: نا عَمرو بن يحيى بن سعيد، عن جدّه، عن أبي هريرة ﵁، قال: "اتبعت النبي ﵇ وخرج في حاجة له، وكان لا يَلتفت، فدنوتُ، فاستأنستُ وتنحنحتُ، فقال: مَنْ هذا،
стр. 1033
فقلتُ: أبو هريرة، فقال: يا أبا هريرة، أبغني أحجارًا أستَطيب بهنّ، ولا تأتني بعظم ولا رَوث، قال: فأتَيْتُه بأحجارٍ أحملها في مُلاءتي، فوضعتها إلى جنبه، ثم أعرضت عنه، فلما قضى حاجته، اتبعتُه فسألته عن الأحجار، والعظم، والروثة، فقال: إنه جاءني وَفْدُ جن نَصِيبيبن -ونعم الجنّ هم- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمرّوا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليه طعامًا".
ش: إسناده صحيح على شرط البخاريّ، وأحمد بن محمَّد بن الوليد، وأبو محمَّد المكي الأزرقي أحد مشايخ البخاريّ، وعمر بن يحيى بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص (١) بن أمّية القرشي الأموي المكي.
وأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" من حديث عمرو، عن جده، عن أبي هريرة ... إلى آخره، نحوه سواء.
وأخرجه البخاري (٢) مختصرًا: نا أحمد بن [محمد]، (٣) المكي، نا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو المكي، عن جده، عن أبي هريرة قال: "اتبعت النبي ﵇، وخرج لحاجته، فكان لا يلتفتُ، فدنوت منه، فقال: أبغني أحجارًا أستنفضُ بها -أو نحوه- ولا تأتني بعظم ولا بروث فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه، وأعرضت عنه، فلما قض حاجته أتبعه بهن".
قوله: "اتبعت النبي ﵇" قال ابن سيده: تبع الشيء تبعًا، وتباعًا، واتَّبعه، وأتْبَعَه، وتتبعّه: قَفَّاه، وقيل: اتبع الرجل سبقه فلحقه، وتبعه تبعًا، واتّبعه مرّ به فمضى معه، وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٤)، ومعناه: تبع، وقرأ أبو عَمرو "ثم اتبع سببًا" أي لحق وأدرك، واستتبعه طلب إليه أن يتبعه، والجمع تُبَّع، وتُبَّاع،
стр. 1034
وتَبعه، وتَبع، وفي "الأفعال" لأبن طريف: المشهور: تبعتُه: سرتُ في أثره، واتبعته لحقتُه، ولذلك فسّر في التنزيل ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (١) أي: لحقوهم.
وفي "الصحاح" تبعت القوم تبعًا، وتباعًا وتَبَاعةً -بالفتح- إذا مشَيْتَ، أو مرّوا إلى فمضيت معهم، قال الأخفش: تبعتُه، واتبعته بمعنى، مثل: رَدِفَه، وأَرْدَفَه.
قوله: "وخرج في حاجة له" جملة وقعت حالًا.
قوله: "أبغني أحجارًا"، قال أبو علي الهجري في "أماليه": بغيتُ الخير بغاءً، وقال أبو الحسن اللحياني في "نوادره": يقال: بغى الرجل الحاجَة والعلم والخيرَ وكل شيء يُطلبُ، يبغى بُغاء، وبِغْيَة و (بِغى) (٢) وبُغْية وبُغي واستبغى القوم يبغَوْه، وبغَوْا له أي طلبوا له، وفي الحكم المعروف بُغَاءٍ -يعني بالضم- والاسم البُغْية، والبَغْية ما ابتُغي، وأبغاه الشيء طلب له أو أعانه على طلبه، والجمع بغاة، وبغيان، وابتغى الشيء تَيَسر، وتسَهّل، وبغى الشيء بُغوا وانظر إليه كيف هو، وفي "الجامع" للقزاز: ابغني كذا أي أعنّي عليه، واطلبه معي، وقيل: بغيتك الشيء طلبته لك، وأبغيتك أعنتك على بغيتك، وفي كتاب "الداعي" لعبد الحق الأشبيلي، والبغاء الطلب، وفي "الصحاح" كل طلبة بُغاء بالضم، والمدِّ، وبُغاية أيضًا، وأبغَيْتُك الشيء جعلتك طالبًا له، وأبْتغيت الشيء، وتَبَغَّيْتُه إذا طلبته، قال ساعدةُ بن جُوَية الهُذلي: سباغٌ تَبغّي الناسَ مثنى ومَوْحد.
قوله: "استطيبُ بهن" صفة للأحجار أراد استنجي بهن، من الإستطابة، وهي طلب النظافة، والطهارة، وكذلك الإصابة.
قوله: "أحملها في مُلاءتي" جملة حالية والمُلاءة بضم الميم الإزار، وذكره الجوهري في باب المهموز، وقال الملاءة بالضم ممدود: الرَّيْطَة، والجمع: مُلاء.
стр. 1035
قوله: "وفد جن نصيبين" الوفد القومُ يجتمعون ويَرِدون البلاد، وواحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة أو استرفاد، وانتجاع وغير ذلك، تقول: وَفَدَ، يَفِدُ فهو وافد، وأوفدته يوفَد، وأوفد على الشيء فهو مُوفد إذا أشرف. و"نَصِيبين" بفتح النون، وكسر الصاد المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، ثم باء موحدة مكسورة، وياء ثانية ساكنة، ونون، وهي قاعدة ديار ربيعة، مخصوصة بالورد الأبيض، ولا يوجد فيها وردة حمراء، وفي شماليها جبل كبير منه ينزل نهرها، ويمر على سورها، والبساتين عليه، وهي شمال سنجار، وجبل نصيبين هو الجودي، وهو الذي استوت سفينة نوح ﵇ عليه، ويقال يسمّى نهرها الهرماس، وبها عقارب قاتلة.
قوله: "إلا وجدوا عليه": على كل واحد من العظم والروث، وظاهر الكلام يقتضي أن يكون طعامهم من العظم والروث، كما جاء في حديث آخر أخرجه أبو داود (١)، عن حيوة بن شريح، عن ابن عياش، عن يحيى بن [أبي] (٢) عمرو السَّيْبَانيِ، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: "قدم وفد الجن على رسول الله ﵇، فقالوا: يا محمَّد، انْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حمَمة فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقًا، قال فنهى النبي ﵇[عن ذلك] (٣) ".
وظاهر هذا الحديث أيضًا أن رزقهم من هذه الأشياء؛ فلذلك منع النبي عن الاستنجاء بها، وكذلك حديث ابن مسعود الذي مرّ ذكره عن قريب: "لا تستنجوا بعظم ولا روث؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن"، يقتضي ما ذكرنا، والدليل القاطع على ذلك ما جاء في رواية مسلم: "فلا تَسْتنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" والضمير يرجع إلى العظم، والبعرة.
стр. 1036
فإن قيل: كيف يكون التوفيق بين هذا، وبين قوله في رواية الترمذي: "وكل بَعرة أو روثة علف لدوابكم"، وكذا في رواية الطحاوي، و"البعر علفًا لدوابكم"؟
قلت: التوفيق بين الكلامين: أن العظم زادهم خاصة، وأن الروث، والبعر مشتركان بينهم وبين دوابهم، يدلّ على ذلك قرائن الكلام والحال، فافهم.
قوله: "استنفض بها" في رواية البخاري أي: استنجي بها، وهو من نفض الثوب لأن المستنجي ينفض عن نفسه الأذى بالحجر أي: يزيله ويدفعه، وجاء في السنن العشر انتقاص الماء بالقاف والصاد المهملة يُريد إنتقاص البول بالماء إذا غسل المذاكير به. وقيل: هو الانتضاح بالماء، ويروى بالفاء والمعجمة (١).
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا سويد بن سعيد، قال: أنا عمرو بن يحيى ... ثم ذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر في الحديث المذكور، عن أحمد بن داود المكي، عن سويد بن سعيد بن سهل الأنباري أحد مشايخ مسلم في الصحيح، عن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة نحوه
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث سويد بن سعيد، نا عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده سعيد بن عمرو قال: "كان أبو هريرة يتبع رسول الله ﵇ بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يومًا، فقال: مَنْ هذا؟ قال: أنا أبو هريرة، قال: إبغني أحجارًا استنفض بها, ولا تأتني بعظم ولا روث، فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه، حتى إذا فرغ وقام تبعتُه، فقلت: يا رسول الله، ما بال العظم، والروث؟ فقال: أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروّا بروثة ولا عظم إلا وجدوا عليه طعامًا".
стр. 1037
ص: فثبت بهذا الآثار أن رسول الله ﷺ إنما نهى عن الاستنجاء بالعظام؛ لمكان الجن لا لأنها لا تُطهّر كما يطهر الحجر، وجميع ما ذهبنا إليه من الاستجمار بالعظام أنه يطهّر قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي بالأحاديث المروية عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة، والباقي ظاهر.
وقد غمز البيهقي على الطحاوي ها هنا حيث يقول -بعد أن روى حديث سلمان، وجابر، وابن مسعود، وأبي هريرة عن النبي ﵇ "أنه نهى عن الاستنجاء بالعظم"، وحديث رويفع بن ثابت قال: "قال لي رسول الله ﵇: أخبر الناس أن من استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا منه بريء"-: وهذا كله يدل على أنه إذا استنجى بالعظم لم يقع موقعه، وكما جعل العلة في العظم أنه زاد الجن، جعل العلة في الرجيع أنه علف دواب الجن، وإن كان في الرجيع أنه نجس ففي العظم أنه لا ينظف لما فيه من الدسومة، وهذا جواب عمّا زعم الطحاوي في الفرق بينهما.
قلت: كلام البيهقي عَيْنه يُشْعِرُ بالفرق الذي ذكره الطحاوي، ولكنه غفل عنه ذريعة للغمز عليه بأن قوله: "كما جعل العلة في العظم أنه زاد الجن ... " إلى آخره، يُشْعِر أن المنع عن الاستنجاء به هو كونه زادًا للجن لا لكونه لا يُطهّر الحجر فإذا كان كذلك يقع الاستنجاء به، ولكنه يأثم لارتكابه النهي، وأما الروث فإنه نجس، والنجس لا يزيل النجس، ولا سيما إذا كان رطبًا، فلذلك لا يقع به الاستنجاء موقعه، وهذا الفرق واضح كعين الشمس، فكيف يرده البيهقي على الطحاويّ؟! على أن ابن حزم قد روى في "المحلى" (١) أن عمر ﵁ كان له عظم يستنجى به ثم
стр. 1038
يتوضأ، ويصلي" ولو لم يقع الاستنجاء بالعظم لما فعله عمر ﵁، ورأي عمر ﵁ أقوى من رأي البيهقي، ومن رأي من هو أكبر منه، ولقد صدق القائل:
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
حسدوا الفتى إذْ لم ينَالوُا ثناؤه ... والقومُ أعداءٌ له وخصوم
стр. 1039
ص: باب: الجنب يريد النوم أو الأكل أو الشرب أو الجماع
ش: أي هذا باب في بيان الجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب كيف يكون حكمه.
قوله: "يريد النوم": جملة وقعت حالًا لأن الجملة بعد المعرفة حال، وبعد النكرة صفة على ما عُرف في موضعه، ووجه المناسبة بين الناس غير خفي.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا أبو عامر، قال: نا سفيان ح.
وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عاصم، قال: نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂، عن النبي ﵇ "أنه كان ينام وهو جنب لا يَمسّ الماء".
حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا مسدد، قال: نا أبو الأحوص، قال: نا أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا رجع من المسجد صلى ما شاء الله، ثم مال إلى فراشه، وإلى أهله فإن كانت له حاجة قضاها، ثم نام كهيئته، ولا يمسُّ طيبًا".
حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف، قال: أنا عليُّ بن مَعْبد، قال: نا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ يجنب ثم ينام، ولا يمس ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا الحجاج بن إبراهيم، قال: نا أبو بكر بن عياش فذكر مثله بإسناده.
حدثنا صالح، قال: نا سعيد بن منصور، قال: أنا هُشَيم، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق فذكر مثله بإسناده.
حدثنا صالح، قال: أنا علي بن مَعْبد، قال: نا عبيد الله بن عَمرو، عن الأعمش، عن أبي إسحاق فذكر مثله بإسناده.
стр. 1040
ش: هذه سبعة طرق رجالهم كلهم ثقات، ولكن في الحديث مقال كثير نذكره عن قريب إن شاء الله.
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو السَّبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة ﵂.
وأخرجه ابن ماجه (١): [ثنا على بن محمَّد]، (٢)، نا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يجنُب ثم ينام كهيئته لا يمسّ ماءً".
الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن أبي إسحاق ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ ينام جنبًا, ولا يمس ماءً".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود، عن مُسدّد بن مسرهد، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم الحنفي، عن أبي إسحاق عمرو، عن الأسود، عن عائشة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "إن رسول الله ﵇ إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئته لا يمس ماء".
стр. 1041
وأخرجه ابن ماجه (١)، عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: "إن كانت له حاجة" أرادت بها الجماع.
قوله: "كهيئته" أي على حالته وهو جنب.
قوله: "ولا يمس طيبًا" أرادت به الماء كما قد وقع في رواية ابن أبي شيبة، وذلك أن الماء يطلق عليه الطيب، كما ورد في الحديث "فإن الماء طيب" (٢) لأنه يطيب، ويطهر، وأيّ طيب أقوى فعلًا في التطهير من الماء؟.
الرابع: عن مالك بن عبد الله بن سيف، عن عبد الله بن شهاب التجيبي، عن علي بن معبد بن شداد العبدي.
عن أبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف، والشين المعجمة- بن سالم الأسدي الكوفي الحفاط -بالنون- المقرئ، قيل: إسمه محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: شعبة، وقيل: رُؤْبَة، وقيل: مسلم، وقيل: خداش، وقيل: حماد، وقيل: حَبيب، والصحيح أن اسمه كنيته.
عن الأعمش وهو سليمان، عن أبي إسحاق عمرو، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة.
وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا محمد بن الصباح، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﵇ يجنب ثم ينام، ولا يمسّ ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل".
الخامس: عن صالح بن عبد الرحمن الحضرمي، عن الحجاج بن إبراهيم الأزرق، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة.
стр. 1042
وأخرجه الترمذى (١): ثنا هناد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﵇ ينام وهو جنب، ولا يمس ماء".
السادس: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور المروزيّ، عن هشيم بن بشير، عن إسماعيل بن أبي خالد أبي عبد الله البجلي الكوفي، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة.
السابع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو الأسدي الرَّقي، عن سليمان الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة.
وأخرجه أحمد (٢) أيضًا: من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يجنب، ثم ينام، ولا يمسّ ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل".
ص: فذهب قوم إلى هذا، وممن ذهب إليه أبو يوسف:، فقالوا: لا نرى بأسًا أن ينامَ الجنب من غير أن يتوضأ؛ لأن التوضأ لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة.
شَ: أي إلى هذا الحديث المذكور، وهو حديث عائشة، وأراد بالقوم هؤلاء: الثوري، والحسن بن حيّ، وابن المسيب، وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ينبغي له أن يتوضأ للصلاة قبل أن ينام.
شَ: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون في هذا الحكم، وأراد بهم: الأوزاعي، والليث، وأبا حنيفة، ومحمدًا، والشافعي، ومالكًا، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك، وآخرين.
стр. 1043
ولكنهم اختلفوا في صفة هذا الوضوء وحكمه، فقال أحمد: يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانيًا أو يأكل أن يغسل فرجه ويتوضأ، روي ذلك عن علي، وعبد الله بن عمر.
وقال سعيد بن المسيب: إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه، ويتمضمض، وحكي نحوه عن أحمد، وإسحاق، وابن الحنفية، وقال مجاهد: يغسل كفيه، وقال مالك: يغسل يديه إن كان أصابهما أذى.
وقال أبو عمر في "التمهيد": وقد اختلف العلماء في إيجاب الوضوء عن النوم على الجنب فذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحسان لا على الوجوب، وذهبت طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره، ويديه، وهو التنظيف، وذلك عند العرب يسمى وضوءًا، قالوا: وقد كان ابن عمر ﵄ لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل للصلاة، وهو روى الحديث، وعلم مخرجه.
وقال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله، ويأكل قبل أن يتوضأ، إلا أن يكون في يديه قذر فيغسلهما، قال: والحائض تنام قبل أن تتوضأ، وقال الشافعي في هذا كله: نحو قول مالك. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء، وأحب إلينا أن يتوضأ، قالوا: فإذا أراد أن يأكل مضمض، وغسل يَديْه، وهو قول الحسن بن حيّ، وقال الأوزاعي: الحائض والجنب إذا أرادا أن يطعما غسلا أيديهما، وقال الليث بن سعد: لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلًا كان أو امرأة. انتهى.
وقال القاضي عياض: ظاهر مذهب مالك أنه ليس بواجب، وإنما هو مُرغّب فيه، وابن حبيب يرى وجوبَه، وهو مذهب داود.
وقال ابن حزم في "المحلى": ويستحب الوضوء للجنب إذا أراد الأكل أو النوم، ولرّد السلام، ولذكر الله تعالى وليس ذلك بواجب.
стр. 1044
قلت: قد خالف ابن حزم داود في هذا الحكم.
وفي "البدائع": ولا بأس للجنب أن ينام، ويعاود أهله قبل أن يتوضأ، وإن أراد أن يأكل أو يشرب يتمضمض ويغسل يديه، ثم يأكل ويشرب؛ لأن الجنابة حلّت الفم فلو شربَ قبل أن يتمضمض صار الماء مستعملًا فيصير شاربًا الماء المستعمل، ويده لا تخلو عن نجاسة فينبغي أن يغسلها ثم يأكل.
قلت: فيه نظر من وجوه لا تخفى:
الأول: أن هذا ليس مذهب أبي حنيفة، وإنما هو مذهب أبي يوسف على ما صّرح به الطحاوي، وكل من ذكر أبا حنيفة ومحمدًا مع من لا يرى بأسًا للجنب إذا أراد النوم، فقد ذكر عن غير علم بمذهب أبي حنيفة، وإنما مذهبه أنه يرى باستحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم للأحاديث الصحيحة الواردة فيه، ألا ترى كيف صرح الطحاوي بذكر أبي يوسف مع الطائفة الأولى وسكت عن ذكر أبي حنيفة ومحمد، وهو أعلم الناس باختلاف العلماء من غير منازعة فيه:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
والثاني: لا نسلم صيرورة الماء مستعملا للشرب، لعدم النية، وإزالة الحدث بالكلية.
والثالث: يفهم من كلامه أن شرب الماء المستعمل ممنوع، وليس كذلك؛ لأنه ماء طاهر بالإجماع، بل طهور أيضًا عند البعض حتى قالوا: إنه يجوز الطبخ والعَجْنُ بالماء المستعمل، فإذا كان هذا جائزًا فالشرب كذلك.
ص: وقالوا: هذا الحديث غلط؛ لأنه حديث مختصر، اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه، وذلك أن فهدًا حدثنا، قال: أنا أبو غسّان، قال: أنا زهيرٌ، قال: نا أبو إسحاق، قال: أتيتُ الأسود بن يزيد، وكان لي أخًا وصديقًا، فقلت له: يا أبا عُمر، حدثني ما حدّثتك عائشةُ أم المؤمنين عن صلاة النبي ﵇، فقال: قالت: "كان النبي ﵇ ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له
стр. 1045
حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يَمسّ ماءً، فإذا كان عند النداء الأول وثبَ -وما قالت: قامَ- فأفاض عليه الماء -وما قالت: اغتسل وأنا أُعلَمُ ما تُريد- وإن نام جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة".
فهذا الأسود بن يزيد قد بان في حديثه لمَّا ذُكِرَ -بطوله- أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وأما قولُها: "فإن كانت له حاجة قضاها، ثم نام قبل أن يمس ماء" فيحتمل أن يكون ذلك على الماء الذي يغتسل به لا على الوضوء.
ش: أي قال الجماعة الآخرون -في جواب الحديث الذي احتج به أهل المقالة الأولى-: هذا الحديث غلط؛ لأن أبا إسحاق عمرو بن عبد الله اختصر هذا الحديث من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه، وقال الترمذي، وأبو علي الطوسي: روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة: "أنه كان يتوضأ قبل أن ينام"، وهذا أصح أن حديث أبي إسحاق، قال: وكانوا يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.
وبين الطحاوي ذلك بقوله: "وذلك أن فهدًا ... " إلى آخره، فإن هذا الحديث لما ذكر بطُوله من غير اختصار ظهر أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب يتوضأ وضوء الصلاة، فيكون معنى قولها في الحديث المختصر: "ثم نام قبل أن يمسّ ماء" أي الماء الذي يغتسل به لا الماء الذي يتوضأ به.
واعلم أن الأئمة اختلفوا في حديث أبي إسحاق عن الأسود، فصححه قوم، وضعفه آخرون، فقال أبو داود: حدثنا الحسين الواسطي: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم، يعني حديث أبي إسحاق، وفي رواية ابن العبد عنه: ليس بالصحيح، وفي موضع آخر: وهم أبو إسحاق في هذا الحديث.
وفي كتاب "العلل" (١) لأبي حاتم: قال شعبة: سمعت حديث أبي إسحاق أن النبي ﵇ كان ينام جنبًا, ولكني أتقيه.
стр. 1046
وقال مُهنّى: سألت أبا عبد الله عنه، فقال: ليس صحيحًا. قلت: ثم قال لأن شعبة روى عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة". قلت: من قِبَل مَنْ جاء هذا الاختلاف؟ قال: من قِبل أبي إسحاق، قال مُهنّى: وسمعت يزيد بن هارون يقول: [جَرْمَزَ] (١) أبو إسحاق في هذا الحديث.
قال: وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث فقال: لا يحل أن يروى.
قال أبو عبد الله: الحكم يرويه مثل قصة أبي إسحاق ليس عن الأسود "الجنب يأكل".
وفي كتاب الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكان يكفي وإبراهيم كان أثبت وأعلم بالأسود، ثم وافق إبراهيم عبد الرحمن، ووافقهما أبو سلمة، وعروة عن عائشة، ثم وافق ما صح من ذلك عن عائشة رواية عمر، وما روي عن أبي سعيد، وعمار فتبين أن حديث أبي إسحاق إنما هو وهم، قيل: رَوى هشيم، عن عبد الله، عن عطاء، عن عائشة، عن النبي ﵇، مثل ما رواه أبو إسحاق عن الأسود، قال: ورواية عطاء عن عائشة مما لا يحتج به إلا أن يقول: سمعت، ولو قال في هذا: سمعت كانت تلك الأحاديث أقوول، ولقائل أن يقول: قد صرّح جماعة من العلماء بسماعه من عائشة، وخرّج له الشيخان في صحيحها أحاديث صرح في بعضها بسماعه منها, ولم يَرمه أحد بالتدليس فيما علمنا حتى يتوقف في روايته إذا لم يبيّن سماعه، فلا يقدح هذا في حديثه، ويكون سنده على هذا صحيحًا، لاسيّما مع ما يذكر له من الشواهد.
وفي "المغني" لابن قدامة: قال أحمد: خالف أبو إسحاق الناسَ فلم يقل أحد: عن الأسود مثل ما قال، فلو أحاله على غير الأسود.
стр. 1047
وقال مسلم في كتاب: "التمييز" (١): ذكر الأحاديث التي نقلت على الغلط في متونها، ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا أبو إسحاق ... فذكره، قال: فهذه الرواية عن أبي إسحاق [خَاطئة] (٢)، وقد جاء النخعي وعبد الرحمن بخلاف ذلك.
فيه نظر، من حيث أنه روى في "صحيحه" عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس، قالا: ثنا زهير فذكر حديث أبي إسحاق دون قوله: "قبل أن يَمسّ ماء"، وقال ابن ماجه عقب روايته هذا الحديث: قال سفيان: ذكرت الحديث -يعني هذا- يومًا فقال لي إسماعيل: شُدَّ هذا الحديث يا فتى بشيءٍ.
وأما المصححون فقد قال الدارقطني: يشبه أن يكون الخبران صحيحين؛ لأن عائشة ﵂ قالت: ربما قدّم الغسل، وربما آخره كما حكى ذلك غُضَيف، وعبد الله بن أبي قيس، وغيرهما عن عائشة، وأن الأسود حفظ ذلك عنها فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل، وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل.
وقال البيهقي: طعن الحفاظ في هذه اللفظة، يعني: "قبل أن يَمسّ ماء" وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلس، فرأوها من تدليساته، واحتجوا على ذلك برواية النخعي وعبد الرحمن بن الأسود بخلاف رواية أبي إسحاق، قال أبو بكر: وحديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية وذلك أنه بيّن فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، والمدلّس إذا بيّن سماعه ممن روى عنه، وكان ثقة فلا وجه لردّه، ووجهُ الجمع بين الروايتين على وجه يحتمل، وقد جمع بينهما أبو العباس بن سريج فأحسن الجمع، وسئل عنه، وعن حديث عمر: "ينامُ أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ"، فقال: الحكم لهما جميعًا؛ أما حديث عائشة فإنما أرادت أنه كان لا يمسّ ماءً للغسل، وأما حديث عمر: "أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا
стр. 1048
توضأ أحدكم فليرقد" مفسّر ذكر فيه الوضوء، وبه نأخذ. انتهى.
ولو حمل على الاستحباب، والفعل على الجواز لكان حسنًا إذ الفعل لا يدل على الوجوب بمجرده، ويمكن أن يكون الأمران جميعًا وقعا، فالفعل لبيان الاستحباب، والترك لبيان الجواز، وقد أشار إلى هذا ابن قتيبة في كتاب "مختلف الحديث"، ولما ذكره ابن حزم مصححًا له من حديث سفيان عن أبي إسحاق قال: هذا لفظ يدل على مداومته ﵇ لذلك، وهي أحدث الناس عهدًا بمبيته ونومه، جنبًا وطاهرًا.
فإن قيل: إن هذا الحديث أخطأ فيه سفيان؛ لأن زهيرا خالفه.
قلنا: بل أخطأ بلا شك من خَطَّأَ سفيان بلا دليل، وسفيان أحفظ من زهير بلا شك. انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث أن زهيرًا رواه كما رواه سفيان عن أبي إسحاق فيما ذكره مسلم في "التمييز"، ومن حيث أن سفيان لم يتفرد بل قد تابعه غير واحد، منهم شعبة بن الحجاج -ذكره الترمذي- وأبو حنيفة، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أبي خالد -عند الطحاوي- وسليمان بن مهران، وأبو الأحوص -عند ابن ماجه- وحمزة الزيّات -ذكره الطبراني في "الأوْسط"- ثم قالوا: إنا وجدنا لحديث أبي إسحاق شواهد ومتابعين، فممن تابعه: عطاء، والقاسم، وكريب، فيما ذكره أبو إسحاق الحربيّ في كتاب "العلل"، قال: وأحسن الوجوه في ذلك -إن صح حديث أبي إسحاق فيما رواه ووافقه هؤلاء-: أن تكون عائشة أخبرت الأسود أنه كان ربما توضأ، وربما أخر الوضوء والغسل حتى يصبح، فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ، وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل، وقد حكى مثل ذلك غضيف، وعبد الله بن أبي قيس، ويحيي بن يَعُمر الصنابحي، عن عائشة، وهذا أحسن وجوهه، قال: ولم يزل المتفقهة من أصحاب الحديث تكلّم في حديث أبي إسحاق، يقولون: إنه حكى عن عائشة ما خالف ما حكاه إبراهيم وعبد الرحمن، وقد وافق إبراهيم
стр. 1049
وعبد الرحمن على روايتهما: أبو سلمة، وعروة، وأبو عمر، وذكوان، وقوّى هذا القول رواية عمر بن الخطاب ﵁ فيما سأل، وأبي سعيد، وعمار، وابن عباس، وجابر، وأم سلمة. انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث أن ابن عباس وعمار وأم سلمة حديثهم موافق لما رواه أبو إسحاق.
أما حديث [أم]، (١) سلمة فرواه أحمد (٢) بسند جيّد "كان النبي ﵇ يجنب، ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام".
وحديث ابن عباس "خرج النبي ﵇ من الخلاء فأتى بطعام فقالوا: ألا نأتيك بطهُر، فقال: أأصلي فأتطهر؟! ثم تناول عَزقًا فأكل ولم يمسّ ماء" (٣).
قال أبو عمر: صحيح، وفيه دلالة أن الوضوء لا يكون إلا لمن أراد الصلاة.
وحديث عمار صححه الترمذي (٤): "أن النبي ﵇ رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ".
قال أبو عمر: احتج به أهل الكوفة على أن الجنب لا بأس أن ينام قبل أن يتوضأ، قالوا: معناه: أي لا يتوضأ؛ لأنه في ذلك وردت الرخصة.
وقال ابن أبي شيبة (٥): ثنا شريك، عن إبراهيم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "إذا جامع الرجل ثم أراد أن يعود فلا بأس أن يؤخر الغسل".
وقال ابن الحصّار في كتابه "تقريب المدارك على موطأ مالك": رواه عن
стр. 1050
أبي إسحاق أئمة عدول، وهذه رخصة، ورفق من الله تعالى لا ينبغي أن يُطرح مثل هذا لأجل انفراد رَاويةِ العدل برواية لا تعارض رواية من روى عن الأسود ذكر الوضوء، إذ قد يصح أن يفعل الأمرين في وَقتين، والله أعلم.
ثم رجال حديث فهد رجال الصحيح، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، وزهير هو ابن معاوية بن [حديج] (١)، وأبو إسحاق عمرو.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أحمد بن يونس، قال: نا زهير، قال: نا أبو إسحاق.
وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا أبو خثيمة، عن أبي إسحاق، قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله ﵇، قالت: "كان ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب -ولا والله ما قالت: قام- فأفاض عليه الماء -ولا والله ما قالت: اغتسل- وأنا أعلم ما تريد -وإن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلّى" وليس في روايته: "قبل أن يَمسّ ماء".
ورواية البيهقي (٣) نحو رواية الطحاوي، وقال الذهبي: إنما ترك مسلم لمس الماء لأن الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها مأخوذة من غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلّس فرأوها من تدليساته.
قوله: "كان ينام أول الليل، ويحيى آخره" لما جاء في إحياء آخر الليل من الآثار والفضل، وأنه أسمع وأقرب للإجابة، ثم نومه بعد ذلك ليستريح من تعب القيام، وينشط لصلاة الصبح، والنوم بعد القيام آخر الليل مستحسن مُذهِب لكلل السّهر، وذبول الجسم، وصفرة اللون بسببه، بخلاف إيصال السهر بالصباح، وقد يكون
стр. 1051
فعل النبي ﵇ هذا في الليالي الطوال.
قوله: "ثم إن كانت له حاجة" أرادت عائشة بهذا الكلام الجماع، ولكنها ذكرته بالكناية للأدب.
قوله: "ثم ينام قبل أن يمسّ ماء" أرادت به الماء الذي يغتسل به لا الماء الذي يتوضأ.
فإن قيل: من أين قلت: إنها أرادت به الماء الذي يغتسل به؟ ولم لا يجوز أن تكون أرادت الماء الذي يتوضأ به؟
قلت: قالوا هذا حتى لا تتضادّ الآثار؛ لأنه قد أخبر في هذا الحديث نفسه أنه إذا كان جنبًا توضأ ثم نام، وكذلك الأحاديث الصحاح عن عائشة وغيرها أنه كان لا ينام إذا كان جنبًا حتى يتوضأ وضوئه للصلاة.
فإن قيل: كيف يجوز النوم على الجنابة وقد جاء في حديث علي ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب".
أخرجه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، فما وجه التوفيق بين الحديثين؟.
قلت: المراد بالجنب الذي لا تدخل الملائكة بيتًا هو فيه هو الذي يجنب فلا يغتسل، ويتهاون به، ويتخذه عادةً، وأما الجنب الذي لا يتخذ هذا عادة، ولا يترك الاغتسال إلى أن تفوته الصلاة لا يضرّ دخول الملائكة البيت؛ فإنه ﵇ كان ينام وهو جنب، وقال الخطابي: قوله: ولا جنب، ولا جِبْت بكسر الجيم وسكون الباء الموحدة، وبالتاء المثناة من فوق، وجُنب تصحيف.
فإن كان هذا صحيحًا فلا اعتراض حينئذ.
وقال الصغاني في "العباب": الجبت كلمة تقع على الصنم، والكاهن،
стр. 1052
والساحر، ونحو ذلك. وقال ابن عرفة: كل ما عبد من دون الله فهو جبت، وقيل: الجبت والطاغوت: الكهنة والشياطين.
وقال سعيد بن جبير: هي كلمة حبشية، وليست من محض العربيّة لاجتماع الجيم والتاء.
فإن قيل: فلم تمتنع الملائكة من البيت الذي فيه الجنب؟
قلت: لكون الجنب بعيدًا عن التلاوة والعبادة، وهو متصف بالنجاسة الحكمية، والملائكة يكرهون ذلك، وأيضًا المراد منه الملائكة غير الحفظة؛ لأن الحفظة لا يفارقون بني آدم جنبًا وغيره، والله أعلم.
ص: وقد روى ذلك غير أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يتوضأ وضوئه للصلاة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا بشر بن عُمر، قال: أنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﵇ إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جنب يتوضأ".
ش: أي قد روى الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل غير أبي إسحاق عمرو السَّبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة.
ثم بَيَّن ذلك بقوله: "حدثنا ابن مرزوق ... " إلى آخره.
وإسناده صحيح.
وأخرجه مسلم (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن عُليّة ووكيع وغندر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇
стр. 1053
إذا كان جنبًا وأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه" (١).
فإن قيل: كيف قال الطحاوي: يتوضأ وضوءه للصلاة، وليس في الحديث الذي خرجه إلَّا يتوضأ فقط، وكذا في رواية غيره: "توضأ وضوءه للصلاة".
أخرجه النسائي (٢): أنا حُميد بن مسعده، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة ح.
وأنا عَمْرو بن علي، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ وقال عَمر وكان رسول الله ﵇ إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ" زاد عمرو في حديثه: "وضوءه للصلاة".
ص: ثم روي عن الأسود -عن رأيه- مثل ذلك، حدثنا روح بن الفرج، قال: أنا يوسف بن عدي، قال: نا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قال الأسود: "إذا أجنب الرجل فأراد أن ينام فليتوضأ".
فاستحال عندنا -والله أعلم- أن تكون عائشة ﵂ قد حدّثته عن النبي ﵇ أنه كان ينام ولا يمسّ ماء، ثم يأمر هو بعد ذلك بالوضوء، ولكن الحديث في ذلك ما رواه إبراهيم.
ش: أي روي عن الأسود بن يزيد، عن اجتهاده ورأيه مثل ما روى عنه إبراهيم، عن عائشة، عن النبي ﵇: "أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة" فهذا يدل على أن الصحيح ما رواه إبراهيم عنه لا ما رواه أبو إسحاق عنه؛ لأنه من المحال أن يروي عن عائشة عن النبي ﵇: "أنه كان ينام ولا يمسّ ماء" ثم يأمر هو بعد ذلك بالوضوء، وذلك أن. الراوي إذا أفتى أو عمل بخلاف ما روى -في غير باب النسخ- يدل ذلك على قلة المبالاة والتهاون بالحديث؛ فيصير به
стр. 1054
فاسقًا، فلا تقبل روايته أصلًا، وحاشى الأسود عن مثل ذلك، فإنه إمام جليل الشأن كثير العبادة، حتى قيل أنه حج ثمانين حجة، وكان ابنه عبد الرحمن يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يستقلون ذلك بالنسبة إلى عبادة والده فإذا كان الأمر كذلك صار الحديث ما رواه إبراهيم النخعي عن الأسود لا ما رواه أبو إسحاق عنه، وهو معنى قوله: "ولكن الحديث من ذلك ما رواه إبراهيم".
وإسناد هذا الخبر صحيح، ويوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، وأبو الأحوص سلاّم بن سليم الحنفي، ومغيرة بن مقسم الضبيّ الفقيه الأعمى.
ص: وقد روى غير الأسود عن عائشة ﵂ ما يوافق ذلك:
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس والليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﵇ إذا أراد أن ينام وهو جنب يتوضأ وضوءه للصلاة".
حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: أنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى ... فذكر يإسناده مثله.
حدثنا ربيعُ المؤذن، قال: نا بشر بن بكر، قال: أخبرني الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا عليُّ بن شيبة، قال: أنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ ... مثله، وزاد: "ويغسل فرجه".
حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: نا أسد، قال: أنا ابن لهيعة، قال: أنا أبو الزبير، عن جابر، أن أبا عمرو مولى عائشة أخبره، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ ... مثل حديث الزهري عن أبي سلمة.
стр. 1055
فهذا غير الأسود قد روى عن عائشة، عن النبي ﵇ ما يُوافق ما روى إبراهيم، عن الأسود, عن عائشة، عن النبى ﵇.
ش: أي قد روى غير الأسود بن يزيد، عن عائشة ما يوافق ما رواه الأسود عنها من أنه ﵇ إذا أراد أن ينام وهو جنب كان يتوضأ وضوءه للصلاة، فهذا مما يقويّ رواية غير أبي إسحاق عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﵇ أنه كان يتوضأ إذا أراد أن ينام وهو جنب، ثم إنه أخرج ذلك من ستة طرق صحاح، غير أن الطريق السادس فيه عبد الله بن لهيعة؛ فإن فيه مقالًا.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي والليث بن سعيد كلاهما، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، ومحمد بن رمح، قالا: نا الليث.
ونا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام".
وأخرجه النسائي (٢) نحوه سواء: عن قتيبة بن سعيد.
وابن ماجه (٣): عن محمَّد بن رمح، عن الليث.
والحكمة في وضوئه ﵇ تخفيف بعض الحدث.
قال ابن أبي شيبة (٤): نا ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شداد بن أوس قال: "إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام فليتوضأ؛ فإنه نصف الجنابة".