← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فعل النبي ﵇ هذا في الليالي الطوال. قوله: "ثم إن كانت له حاجة" أرادت عائشة بهذا الكلام الجماع، ولكنها ذكرته بالكناية للأدب. قوله: "ثم ينام قبل أن يمسّ ماء" أرادت به الماء الذي يغتسل به لا الماء الذي يتوضأ. فإن قيل: من أين قلت: إنها أرادت به الماء الذي يغتسل به؟ ولم لا يجوز أن تكون أرادت الماء الذي يتوضأ به؟ قلت: قالوا هذا حتى لا تتضادّ الآثار؛ لأنه قد أخبر في هذا الحديث نفسه أنه إذا كان جنبًا توضأ ثم نام، وكذلك الأحاديث الصحاح عن عائشة وغيرها أنه كان لا ينام إذا كان جنبًا حتى يتوضأ وضوئه للصلاة. فإن قيل: كيف يجوز النوم على الجنابة وقد جاء في حديث علي ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب". أخرجه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، فما وجه التوفيق بين الحديثين؟. قلت: المراد بالجنب الذي لا تدخل الملائكة بيتًا هو فيه هو الذي يجنب فلا يغتسل، ويتهاون به، ويتخذه عادةً، وأما الجنب الذي لا يتخذ هذا عادة، ولا يترك الاغتسال إلى أن تفوته الصلاة لا يضرّ دخول الملائكة البيت؛ فإنه ﵇ كان ينام وهو جنب، وقال الخطابي: قوله: ولا جنب، ولا جِبْت بكسر الجيم وسكون الباء الموحدة، وبالتاء المثناة من فوق، وجُنب تصحيف. فإن كان هذا صحيحًا فلا اعتراض حينئذ. وقال الصغاني في "العباب": الجبت كلمة تقع على الصنم، والكاهن،

стр. 1052

والساحر، ونحو ذلك. وقال ابن عرفة: كل ما عبد من دون الله فهو جبت، وقيل: الجبت والطاغوت: الكهنة والشياطين. وقال سعيد بن جبير: هي كلمة حبشية، وليست من محض العربيّة لاجتماع الجيم والتاء. فإن قيل: فلم تمتنع الملائكة من البيت الذي فيه الجنب؟ قلت: لكون الجنب بعيدًا عن التلاوة والعبادة، وهو متصف بالنجاسة الحكمية، والملائكة يكرهون ذلك، وأيضًا المراد منه الملائكة غير الحفظة؛ لأن الحفظة لا يفارقون بني آدم جنبًا وغيره، والله أعلم. ص: وقد روى ذلك غير أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يتوضأ وضوئه للصلاة". حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا بشر بن عُمر، قال: أنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﵇ إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جنب يتوضأ". ش: أي قد روى الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل غير أبي إسحاق عمرو السَّبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة. ثم بَيَّن ذلك بقوله: "حدثنا ابن مرزوق ... " إلى آخره. وإسناده صحيح. وأخرجه مسلم (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن عُليّة ووكيع وغندر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇

стр. 1053

إذا كان جنبًا وأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه" (١). فإن قيل: كيف قال الطحاوي: يتوضأ وضوءه للصلاة، وليس في الحديث الذي خرجه إلَّا يتوضأ فقط، وكذا في رواية غيره: "توضأ وضوءه للصلاة". أخرجه النسائي (٢): أنا حُميد بن مسعده، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة ح. وأنا عَمْرو بن علي، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ وقال عَمر وكان رسول الله ﵇ إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ" زاد عمرو في حديثه: "وضوءه للصلاة". ص: ثم روي عن الأسود -عن رأيه- مثل ذلك، حدثنا روح بن الفرج، قال: أنا يوسف بن عدي، قال: نا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قال الأسود: "إذا أجنب الرجل فأراد أن ينام فليتوضأ". فاستحال عندنا -والله أعلم- أن تكون عائشة ﵂ قد حدّثته عن النبي ﵇ أنه كان ينام ولا يمسّ ماء، ثم يأمر هو بعد ذلك بالوضوء، ولكن الحديث في ذلك ما رواه إبراهيم. ش: أي روي عن الأسود بن يزيد، عن اجتهاده ورأيه مثل ما روى عنه إبراهيم، عن عائشة، عن النبي ﵇: "أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة" فهذا يدل على أن الصحيح ما رواه إبراهيم عنه لا ما رواه أبو إسحاق عنه؛ لأنه من المحال أن يروي عن عائشة عن النبي ﵇: "أنه كان ينام ولا يمسّ ماء" ثم يأمر هو بعد ذلك بالوضوء، وذلك أن. الراوي إذا أفتى أو عمل بخلاف ما روى -في غير باب النسخ- يدل ذلك على قلة المبالاة والتهاون بالحديث؛ فيصير به

стр. 1054

فاسقًا، فلا تقبل روايته أصلًا، وحاشى الأسود عن مثل ذلك، فإنه إمام جليل الشأن كثير العبادة، حتى قيل أنه حج ثمانين حجة، وكان ابنه عبد الرحمن يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يستقلون ذلك بالنسبة إلى عبادة والده فإذا كان الأمر كذلك صار الحديث ما رواه إبراهيم النخعي عن الأسود لا ما رواه أبو إسحاق عنه، وهو معنى قوله: "ولكن الحديث من ذلك ما رواه إبراهيم". وإسناد هذا الخبر صحيح، ويوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، وأبو الأحوص سلاّم بن سليم الحنفي، ومغيرة بن مقسم الضبيّ الفقيه الأعمى. ص: وقد روى غير الأسود عن عائشة ﵂ ما يوافق ذلك: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس والليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﵇ إذا أراد أن ينام وهو جنب يتوضأ وضوءه للصلاة". حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: أنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى ... فذكر يإسناده مثله. حدثنا ربيعُ المؤذن، قال: نا بشر بن بكر، قال: أخبرني الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا عليُّ بن شيبة، قال: أنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ ... مثله، وزاد: "ويغسل فرجه". حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: نا أسد، قال: أنا ابن لهيعة، قال: أنا أبو الزبير، عن جابر، أن أبا عمرو مولى عائشة أخبره، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ ... مثل حديث الزهري عن أبي سلمة.

стр. 1055

فهذا غير الأسود قد روى عن عائشة، عن النبي ﵇ ما يُوافق ما روى إبراهيم، عن الأسود, عن عائشة، عن النبى ﵇. ش: أي قد روى غير الأسود بن يزيد، عن عائشة ما يوافق ما رواه الأسود عنها من أنه ﵇ إذا أراد أن ينام وهو جنب كان يتوضأ وضوءه للصلاة، فهذا مما يقويّ رواية غير أبي إسحاق عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﵇ أنه كان يتوضأ إذا أراد أن ينام وهو جنب، ثم إنه أخرج ذلك من ستة طرق صحاح، غير أن الطريق السادس فيه عبد الله بن لهيعة؛ فإن فيه مقالًا. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي والليث بن سعيد كلاهما، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، ومحمد بن رمح، قالا: نا الليث. ونا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام". وأخرجه النسائي (٢) نحوه سواء: عن قتيبة بن سعيد. وابن ماجه (٣): عن محمَّد بن رمح، عن الليث. والحكمة في وضوئه ﵇ تخفيف بعض الحدث. قال ابن أبي شيبة (٤): نا ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شداد بن أوس قال: "إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام فليتوضأ؛ فإنه نصف الجنابة".

стр. 1056

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو نعيم، قال: نا هشام وشيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة أكان النبي ﵇ يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم ويتوضأ". الثالث: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة. وأخرجه أحمد (٢): من حديث يحيى، عن أبي سلمة، قال: "سألتُ عائشة هل كان النبي ﵇ يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم، ويتوضأ وضوءه للصلاة". الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن بشر بن بكر التِّنِّيسي، عن عبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﵇ ... مثل الحديث المذكور. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا بهلول بن حكيم القرقساني، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا أراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة". الخامس: عن علي بن شيبة بن الصلت السَدُوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، وزاد في روايته: "ويغسل فرجَه".

стр. 1057

السادس: عن ربيع المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله، عن أبي عَمرو ذكوان مولى عائشة، أخبره عن عائشة، عن رسول الله ﵇ ... مثل حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة. ص: وقد روي عن عائشة ﵂ من قولها مثل ذلك أيضًا: حدثنا يونس، قاله: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تقول: "إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام، فلا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة". حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا يحيي بن سعيد القطان، قال: أنا هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂ مثله، وزاد: "فإنه لا يدري لعل نفسه تُصابُ في نومه". فمحال أن يكونَ عندَها من رسول الله ﵇ خلافُ هذا، ثم تفتي بهذا، فثبت بما ذكرنا فساد ما روي عن الأسود مما ذكرنا، وثبت ما روي عن إبراهيم، عن الأسود. ش: أي قد روي عن عائشة من قولها عن نفسها وفتواها مثل ما روي عنها عن النبي ﵇ أنه كان يتوضأ إذا أراد أن ينام وهو جنب. وأخرج ذلك عن طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن هشام ابن عروة، عن أبيه عروة، عن عائشة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عثام بن علي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "في الرجل تصيبه جنابة من الليل فيريد أن ينام، قالت: يتوضأ أو يتيمم".

стр. 1058

الثاني: عن يزيد بن سنان القزّاز البصري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "إذا أراد أحدكم أن يرقد وهو جنب فليتوضأ؛ فإنه لا يدري لعله يُصابُ في منامه". قوله: "فإنه تعليل لقولها فليتوضأ" وأرادت بقولها "لعل نفسه تصاب" أنه يموت فجأة، أو يقع عليه هدم فيموت، أو يلذعه حيوان، ونحو ذلك من أسباب الموت، وهي كثيرة. قوله: "فمحال" مرفوع على أنه خبر لقوله: "أن يكون" لأن "أن" مصدرية في محل الرفع على الابتداء، والتقدير: كون حدوث هذا عندها محالٌ، فافهم. قوله: "فثبت بما ذكرنا" أي إذا كان الأمر كذلك فثبت بما ذكرنا فساد حديث أبي إسحاق، عن الأسود، وثبت حديث إبراهيم النخعي عن الأسود، عن عائشة. ص: وقد يحتمل أيضًا أن يكون ما أراده أبو إسحاق في قوله: ولا يمسّ ماء يعني الغسل، فإن أبا حنيفة قد روي عنه من هذا شيء: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا معاذ بن فضالة، قال: نا يحيى بن أيوب، عن أبي حنيفة وموسى بن عقبة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، أنها قالت: "كان رسول الله ﵇ يُجامعُ، ثم يَعُود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل" فكان ما ذُكِر أنه ﵇ لم يكن يفعله إذا جامع قبل نومه هو الغسل، فذلك لا ينفي الوضوء. ش: إلى هنا حكم بضعف حديث أبي إسحاق عن الأسود، وبَيَّنَ ذلك بوجوه كثيرة، ثم أشار إلى تأويل حديثه -على تقدير تسليم صحته-: تحريره أن يقال:

стр. 1059

سلمنا أن ما رواه أبو إسحاق عن الأسود صحيح، ولكن تأويل قوله: "ولا يمسّ ماء" يعني لأجل الغسل لا لأجل الوضوء، وعدم مسّ الماء لأجل الغسل لا ينفي مسه لأجل الوضوء، وقد روي عن أبي حنيفة ما يقوي هذا التأويل، فعل كلا التقديرين يثبت المدعى وهو أن الجنب لا ينبغي له أن ينام إلا بعد أن يتوضأ. وقد قيل: إن المراد به أنه كان في بعض الأوقات لا يَمسّ ماءً أصلًا؛ لبيان الجواز، إذْ لو واظب عليه لَتُوهِّم الوجوبُ. ثم إسناد حديث أبي حنيفة صحيح؛ لأن رجاله ثقات يحتج بهم، ولا يلتفت إلى كلام ابن حزم في تضعيفه هذا الخبر. قوله: "يجامع" مفعوله محذوف، أي يجامع أهله، وأراد بالمجامعة الوطء، على سبيل الكناية. قوله: "ثم يعود" أي إلى الجماع مرة أخرى من غير تخلل بين الجماعين بوضوء، وهو معنى قوله ولا يتوضأ أي بين الجماعين. قوله: " وينام ولا يغتسل" أي على الفور، ولكن نومه قبل الاغتسال لا ينافي وضوءه قبل النوم، فيحمل على هذا حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة في قوله: "لا يمسّ ماء" يعني الغسل، وهو لا ينافي الوضوء. فإن قيل: روى مسلم (١) من حديث أبي سعيد: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ". ورواه الأربعة (٢) أيضًا ورواه ابن خزيمة (٣) بزيادة: "وضوءه للصلاة"، ثم قال: هذه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما، وهذا

стр. 1060

يدل على أنه لا بد من الوضوء بين الجماعين، وحديث أبي حنيفة لا يدل على هذا. قلت: هذا الأمر للندب عند الجمهور، والدليل عليه حديث الطواف على ما نذكره، فإذن لا تعارض بين الحديثين؛ لأن حديث أبي حنيفة يبيِّن الجواز، وحديث غيره يبين استحباب الوضوء بين الجماعين، وتعلقت الظاهرية بظاهر الأمر، وقالوا: إنه واجب، وبه قال ابن حبيب المالكي. وقال ابن حزم في "المحلى": والوضوء فرض بين الجماعين، ثم قال: وبإيجاب الوضوء في ذلك قال عمر بن الخطاب، وعطاء، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وابن سيرين. وقال أبو عمر بن عبد البر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر، وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به، ويستحبونه. قلت: في كلام كل واحد من ابن حزم، وأبي عمر نظر، أما كلام ابن حزم فيعارضه ما أخرجه ابن أبي شيبة (١)، ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يجامع الرجل امرأته، ثم يعود قبل أن يتوضأ، قال: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا". وأما كلام أبي عمر فيرده ما حكاه النووي من أن ابن حبيب المالكي يرى بوجوب الوضوء بين الجماعين، على ما ذكرناه. فإن قيل: يعارض ما رواه مسلم وغيره ما رواه ابن عباس أنه ﵇[قال] (٢) "إنما أمُرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة".

стр. 1061

أخرجه أبو عوانة في"صحيحه" (١). قلت: أجاب بعضهم بأن هذا كله مشروع جائز، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بالآخر، وأجاب بعضهم بأن المراد من قوله في رواية مسلم: "فليتوضأ" هو الوضوء اللغوي، والدليل عليه حديث [ابن عمر] (٢) قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أقول أحدكم أهله فأراد أن يعود فليغسل فرجه". وقال ابن أبي شيبة (٣)، ثنا عبدة بن سليمان، عن يحيي بن سعيد، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا أتى أهله ثم أراد أن يعود غسل وجهه وذراعيه". قلت: فيه نظر لأن زيادة ابن خزيمة "وضوءه للصلاة" تنافي هذا الكلام، وأيضًا معنى قوله: "فليتوضأ" الوضوء المعهود؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، وحديث ابن عمر الصحيح أنه موقوف عليه، قاله الترمذي عن البخاري (٤). أما حديث الطواف فما أخرجه البخاري وغيره، فقال البخاري (٥): حدثنا محمَّد بن بشار، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، ثنا أنس ﵁: "كان النبي ﵇ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قلت لأنس: أَوَ كان يُطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطيَ قوة ثلاثين". وقال سعيد، عن قتادة، أن أنسًا حدثهم: "تسع نسوة".

стр. 1062

وجاء في صحيح الإسماعيلي: من حديث أبي يعلى، عن أبي موسى، عن معاذ: "قوة أربعين" وفي "الحلية" (١) لأبي نعيم، عن مجاهد: "أعطي قوة أربعين رجلًا كل رجل من رجال أهل الجنة". وزعم المهلب أن دورانه ﵇ هذا يحتمل أن يكون في يوم من القسمة ينتهي فيقرع في هذا اليوم لهن كلهن يجمعهّن فيه، ثم يستأنف بعد ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك عند إقباله من سفر حيث لا قسمة تلزم، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك بإذنهن أو بإذن صاحبة النوبة، هذا على قول مَن يرى أن القسم كان عليه واجبًا، وأما من لا يُوجبه فلا يحتاج إلى تأويل. وذكر ابن العربيّ: أن الله خصّ نبيّه ﵇ في النكاح بأشياء، منها أنه أعطاه ساعةً لا يكون لأزواجه فيها حق، يدخل فيها على جميع أزواجه فيفعل ما يُريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها. وفي "مسلم": عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر فلو اشتغل عنها لكانت بعد المغرب وغيره، والله أعلم. ص: وقد روي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇ مثل ذلك أيضًا. حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: أنا محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر: "أن عُمر قال: يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ويتوضأ". ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇ مثل ما روي عن عائشة ﵂ وعلي بن زيد الفرائضي أبو الحسن الطرسوسي. ومحمد بن كثير أبو يوسف المِصيصي، فيه مقال لكن ابن مَعين صدّقه، وابن حبان وثقه.

стр. 1063

والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، والزهري محمَّد بن مسلم. وهذا الحديث أخرجه الجماعة على مما يأتي. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: أنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله، وزاد: "وضوئه للصلاة". ش: إسناده حسن جيّد. وأخرجه النسائي (١): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: "يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا توضأ". وأخرجه عبد الرزاق (٢) بهذا الزيادة، ولكن بغير هذا الإسناد عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر سأل النبي ﵇: "أنامُ وأنا جُنب؟ فقال: توضأ وضوءك للصلاة". ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: أنا سعيدُ بن سفيان الجحدري، قال: أنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇ مثله. ش: إسناده حسن، وابن عون اسمه عبد الله بن عون بن أرطبان البصري. أخرجه ابن ماجه (٣): نا نصر بن علي الجهضميّ، نا عبد الأعلى، نا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله ﵇: "أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا وهب بن جرير، قال: أنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ مثله، وزادَ: "واغسل ذكرك". ش: إسناده صحيح.

стр. 1064

وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر، "أن عمر ﵁: سأل النبي ﵇ عن الجنب ينام، فقال: اغسل ذكرك وتوضأ، ثم ارقد". وأخرجه النسائي (٢): أنا قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: "ذكر عمر لرسول الله ﵇ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال رسول الله ﵇: توضأ واغسل ذكرك، ثم نم". وكذا أخرجه أبو داود (٣): عن عبد الله بن مسلمة عن مالك ... إلى آخره. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا أبو حذيفة ح. وحدثنا علي بن شيبة، قال: نا أبو نعيم ح. وحدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريايّ. ثم أجمعوا جميعًا فقالوا: عن سفيان، عن عبد الله بن دينار ... فذكروا مثله بإسناده. ش: هذه ثلاث طرق صحاح. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النَهْدي أحد مشايخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇. وأخرجه أبو عبد الله العدني في "مسنده": نا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر "أن عمر سأل النبي ﵇ أيرقُد أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا أراد أن ينام فليتوضأ، ويطعم إن شاء".

стр. 1065

الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا الفضل بن دكين، نا سفيان، عن عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر قال: "سأل عمر ﵁ رسول الله ﵇ وقال: تصيبني الجنابة من الليل، فأمره أن يغسل ذكره ويتوضأ ويرقد". الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (٢): أنا عبد الله بن موسى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "سأل عمر النبي ﵇ فقال: تصيبني الجنابة من الليل فأمره أن يغسل ذكره ويتوضأ ثم يرقد". قوله: "ثم أجمعوا" أي أبو حذيفة، وأبو نعيم، والفريابي، و"جميعًا" نصب على الحال، أي مجتمعين. ص: حدثنا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله. ش: إسناده على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري (٣): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﵇ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﵇: توضأ واغسل ذكرك ثم نَمْ". وأخرجه مسلم (٤): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.

стр. 1066

وأبو داود (١): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. والنسائي (٢): عن قتيبة، عن مالك ونحوه. ص: وقد روي عن عمّار بن ياسر، وأبي سعيد، عن النبي ﵇ أيضًا مثل ذلك. حدثنا أبو بكرة، قال: نا مؤملٌ، قال: نا حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيي بن يعمر، عن عمار بن ياسر، قال: "رخصّ رسول الله ﵇ للجنب إذا أراد أن ينام أو يشرب أو يأكل أن يتوضأ وضوءه للصلاة". حدثنا ربيعُ الجيزي، قال: أنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب ونافعُ بن يزيد -نحو ذلك- عن ابن الهَاد، عن عبد الله بن خَبّاب، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: "قلت: يا رسول الله ﵇، أصيب أهلي وأريد النومَ، قال: توضأ وارقد". فقد تواترت الآثار عن النبي ﵇ في الجنب إذا أراد النوم بما ذكرنا، وقد قال بذلك نفر من الصحابة من بعده، منهم عائشة ﵂، قد ذكرنا ذلك عنها من رأيها فيما تقدم من هذا الباب. ش: أي قد روي عن عمار، وأبي سعيد الخدري مرفوعًا مثل ما روي عن ابن عمر في وضوء الجنب إذا أراد النوم. وإسناد الحديثين صحيح، ومؤمل بن إسماعيل القرشي. وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم شيخ البخاريّ. وابن لهيعة هو عبد الله، فيه مقال ولكنه ذكر متابَعًا. ويحيي بن أيوب الغافقي المصريّ.

стр. 1067

ونافع بن يزيد الكلاعي المصري روى له الجماعة سوى الترمذي، البخاري مستشهدًا. وابنُ الهاد هو يزيد بن عبد الله بن شداد بن الهاد المدني، روى له المجماعة. وعبد الله بن خباب الأنصاري، روى له الجماعة، وخَبّاب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة، وفي آخره باء أخرى. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك، مشهور باسمه وكنيته. وحديث عمار أخرجه أبو داود (١): نا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، قال: أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر ﵁: "أن النبي ﵇ رخّص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ". قال أبو داود: بين يحيى وعمار رجل. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة ... " إلى آخره نحوه، وفي آخره: "أن يتوضأ وضوءه للصلاة" كرواية الطحاوي. وحديث الخدريّ أخرجه ابن ماجه (٣): نا أبو مروان الدمشقي محمَّد بن عثمان، نا عبد العزيز بن محمَّد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدريّ: "أنه كان تصيبه الجنابة بالليل، فيريد أن ينام: فأمره رسول الله ﵇ أن يتوضأ ثم ينام". قوله: "فقد تواترت الآثار" أي تكاثرت وتتابعت عن النبي ﵇ ولم يرد به التواتر المصطلح عليه. قوله: "نفر" أي جماعة من الصحابة.

стр. 1068

قوله: "قد ذكرنا عنها من رأيها" أي عن عائشة، وهو الذي أخرجه عن يونس بن الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، وقد ذكره فيما مضى في هذا الباب. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن زَيْد بن ثابت: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابنُ لهيعة، عن ابن هُبَيْرة، عن قييصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، قال: "إذا توضأ الجنب قبل أن ينام باتَ طاهرًا". فهذا زَيدُ بن ثابت يُخبر أنه إذا توضأ قبل أن ينام، ثم نام كان كمن اغتسل قبل أن ينام في الثواب الذي يكتب كمن بات على طهر. وقد ذكرنا في حديث الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة "أن النبى ﵇ كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب توضأ"، وعن عمار بن ياسر ما يُوافق ذلك. ش: أي قد روي الوضوء للجنب الذي يريد النوم أيضًا، عن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁. ويونس هو ابن عبد الأعلى. وابن وهب هو عبد الله. وكذلك ابن لهيعة هو عبد الله، فيه مقال، وابن هبيرة أيضًا اسمه عبد الله، روى له الجماعة سوى البخاري، وقبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي أبو إسحاق المدني، قال البخاريّ: في حديثه نظر (١)، ووثقه ابن حبان. قوله: "بات طاهرًا" أي بات كالطاهر في حصول الثواب بالوضوء الذي توضأ،

стр. 1069

وليس المراد أنه يبيت طاهرًا حقيقةً، ولا يطهر حقيقة إلا بالاغتسال، وفيه ترغيب عظيم للجنب الذي يريد النوم أن لا ينام إلا بعد الوضوء. قوله: "وقد ذكرنا في حديث الحكم" أشار بهذا الكلام إلى أنه كما بيّن حكم الجنب إذا أراد النوم هل يتوضأ أم لا، يُريدُ أن يُبيّن حكمه أيضًا إذا أرادَ أن يأكل، وقد كان ذكرَ الأكل في الحديث الذي رواه عن ابن مرزوق، عن بشر بن عمر، عن شعبة، عن الحكم بن عُتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﵇ إذا أرادَ أن ينامَ أو يأكل وهو جنب توضأ"، ومَهّد هذا الكلام حتى يُوطئ عليه الخلاف المذكور فيه بين العلماء. قوله: "وعن عمار بن ياسر ما يوافق ذلك" أي وقد ذكرنا أيضًا عن عمار بن ياسر ما يوافق حديث الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وهو الذي رواه الآن عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر، قال: "رخّص رسول الله ﵇ للجنب إذا أراد أن ينام أو يشرب أو يأكل أن يتوضأ". روى الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر، قال: "قدمت على أهلي من سفر، فضمخوني بالزعفران، فلما أصبحتُ أتيتُ رسول الله ﵇، فسلمت عليه فلم يُرحّب بي ولم يَبُش بي، وقال: أذهَبْ فاغِسلْ هذا عنك، فغسلتُه عني فجئته وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه فلم يُرحّب بي، ولم يَبُشّ بي، وقال: اذهب فاغسل هذا عنك، فغسلته ثم أتيتُ رسول الله ﵇ فسَلّمتُ عليه، فَردّ عليّ السلام ورحّبَ بي، فقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ولا المتضمّخَ بالزعفران، ولا الجنب، ورخّصَ للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أن يتوضأ".

стр. 1070

وأخرجه البيهقي (١) من طريق الطيالسي، وأخرج أبو داود (٢) منه ترخيص الجنب فقط (٣)، وقد ذكرناه، وكذا الطحاوي كما ذكر. ص: فذهب إلى هذا قومٌ فقالوا: لا ينبغي للجنب أن يطعم حتى يتوضأ. ش: أي إلى ما في حديث الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة من الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل، وأراد بالقوم هؤلاء: داود من الظاهرية، وأحمد بن حنبل، وبعض المالكيّة؛ فإنهم قالوا: لا ينبغي للجنب أن يأكل حتى يتوضأ. قوله: "أن يطعم" من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، ومعناه أكل، ومصدره طُعْم بالضم، وأما الطعم بالفتح فهو ما يؤديه الشيء من حلاوة ومرارة وغيرهما. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس أن يطعم وإن لم يتوضأ. ش: أي وخالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيّب، ومجاهدًا، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا بأس للجنب أن يأكل وإن لم يتوضأ، وقد بَسطنا الكلام فيه في هذا الباب عند قوله: "فذهب قوم إلى هذا". ص: وكان لهم من الحجة في ذلك: أن فهدًا قد حدثنا، قال: حدثنا سُحَيم الحراني -وهو محمَّد بن القاسم- قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: نا يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل كفيّه".

стр. 1071

وقد روى عن عائشة ﵂ ما ذكرنا، ورَوي عنها خلافُ ذلك أيضًا مما روَينا عنها أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة، فلما تضادّ ذلك عنها احتمل ذلك عندنا -والله أعلم- أن يكون وضوءه حين كان يتوضأ في الوقت الذى ذكرنا في غير هذا الباب أنّه كان إذا رأى الماء يتكلّم، وكان يتوضأ ليتكلم، فيُسمي ويأكل، ثم نُسِخَ ذلك بغسل كفيه للتنظيف وتركَ الوضوءَ، وكذلك وضوءه ﵇ عند النوم يحتملُ أن يكون كان يَفعلهُ أيضًا لينام على ذكر، ثم نُسِخَ ذلك، فأبيح للجنبُ ذكر الله فارتفع المعنى الذي له تَوضّأ، وقد روينا في غير هذا الموضع عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﵇ خرج من الخلاء، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: أأريد الصلاة فأتوضأ؟! ". فأخبر أنه لا يتوضأ إلا للصلاة، ففى ذلك أيضًا نفي الوضوء عن الجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو الشرب. ش: أي كان للآخرين من الحجة والبرهان فيما ذهبوا إليه حديث فهد الذي رواه عن عائشة، وقوله: "أن فهدًا" في تأويل المصدر في محل الرفع على أنه اسم "كان" وخبره مقدم، والتقدير: وكان تحديثُ فهدٍ إيانا بإسناده عن عائشة ثبت لهم من الحجة. وإسنادُه حسن، ورجاله ثقات. وسُحَيْم بضم السين وفتح الحاء المهملتين، وسكون الياء آخر الحروف، وهو لقب محمَّد بن القاسم، قال أبو حاتم: صدوق. وأخرجه أبو داود (١) ولكن عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة وقال: ثنا محمَّد بن الصباح البَزَّاز، قال: نا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوء الصلاة، وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه".

стр. 1072

وقال أبو داود: رواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري كما قال ابن المبارك إلا أنه قال: عن عروة أو عن أبي سلمة. وأخرجه النسائي (١)، وابن ماجه (٢) أيضًا كرواية أبى داود، وليس في روايتهما ذكر الوضوء للجنب إذا أراد النوم. قوله: "وقد روي عن عائشة ما ذكرنا وروي عنها خلاف ذلك أيضًا" أشار بذلك إلى أن الحديث الذي رواه هنا يُضَادِدُ الحديث الذي رواه عنها فيما سلف من أنه ﵇ كان يتوضأ وضوءه للصلاة. ثم أشار إلى وجه التوفيق بينهما بقوله: "فلما تضاد ذلك عنها ... " إلى آخره، وتحريره: أن عائشة ﵂ رَوَت عن النبي ﵇ فعلين متضادين، حيث أخبرت في أحدهما: الوضوء كوضوء الصلاة، وفي الآخر الاقتصار على غسل الكفين، وهو وضوء غير تام، فإخبارها، بغسل الكفين بعد أن كانت علمت أنه ﵇ أمر بالوضوء التامّ يدلّ على ثبوت النسخ عندها؛ لأن وضوءه ﵇ كان فيما إذا كان رأى الماء لم يتكلّم، فيتوضأ ليتكلّم، فيسمِّي ويأكل، وغَسْلُ كفيه كان بعدَ ذلك، فاكتفاؤه ﵇ بذلك بعد ذلك يَدلُّ على ثُبوت نسخ الأول. وكذلك وضوءه ﵇ عند النوم كان لينام على ذكر، وذلك حين كانَ ذكر الله مُحرَّمًا على الجنب، ثم نُسخ بحديث عائشة: "كان رسول الله ﵇ يذكر الله على كل أحيانه". أخرجه مسلم (٣)، وغيره فأبيح للجنب أن يذكر الله تعالى. قوله: "وقد روينا في غير هذا الموضع عن ابن عباس إلى آخره" تأييد لما ذكره من ثبوت النسخ في وضوء الجنب للأكل، بيانُه: "أنه ﵇ لما خرج من الخلاء، فقيل

стр. 1073

له: ألا تتوضأ؟ فقال: أأريد الصلاة فأتوضأ؟! " فأخبر أنه لا يتوضأ إلا لأجل الصلاة، ففيه نفي الوضوء عن الجنب مطلقًا، سواء أراد النومَ أو الأكل أو الشرب، فإذا ارتفع الوجوب، يبقى الندب والاستحباب. ص: ومما يدل على نسخ ذلك أيضًا أن ابن عمر ﵄ قد روى ما ذكرنا "عن النبي ﵇ في جوابه لعمر ﵁، ثم جاء عنه أنه قال بعد النبي ﵇ ما حدثنا به محمد بن خزيمة، قال: أنا حجاج، قال: أنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "إذا أجنب الرجل، وأراد أن يأكل أو يشرب أو ينَام غسل كفَّيه، وتمضمض، واستنشق، وغسل وَجْهه، وذراعيه، وغسل فرجه، ولم يغسل قدميه". فهذا وضوء غير تامّ، وقد عَلِمَ أن النبي ﵇ أمر في ذلك بوضوء تامّ، ولا يكون هذا إلا وقد ثبت النسخ كذلك عنده. ش: أي من جملة ما يدل على نسخ الوضوء التام للجنب إذا أراد أن يأكل: ما روي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: "إذا أجنب الرجل ... إلي آخره"، فإن قوله هذا بعد علمه أن النبي ﵇ أمَر بالوضوء التامّ للجنب وذلك في جواب النبي ﵇ لعمر بن الخطاب لما سأله ﵇ "أيرقد أحدنا وهو جنب، قال: نعم؛ إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب" وفي رواية: "وضوءه للصلاة" على ما مَرَّ عن قريب في هذا الباب يدل على ثبوت النسخ عنده؛ لأن الراوي إذا روى شيئًا عن النبي ﵇ أو علمه منه، ثم فعل أو أفتى بخلافه يَدُلّ على أن ذلك قد أنتسخ، إذْ لو لم يثبتا ذلك لما كان له الإقدام على خلافه. ثم إسنادُ ما روي عن ابن عمر صحيح، وحجاج هو ابن المنهال، وحماد هو ابن سلمة، وأيّوب السختياني. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) [عن] (٢) إسماعيل بن عليّة، عن أيوب، عن

стр. 1074

نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب، غسل وجهَه ويديه، ومسح برأسها". وروى مالك (١) عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا أراد أن يطعم أو ينام وهو جنب، غسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام". ص: وقد روي عن النبي ﵇ في الرجل يجامعُ أهله ثم يريد المعاودة، ما قد حدثنا حسين بن نصر، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا أبو الأحوص، عن عاصم، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله ثم أرادَ أن يعود فلا يعود حتى يتوضأ". حدثنا يزيد بن سنان، قال: نا يوسف بن يعقوب، قال: نا شعبة، عن عاصم ... ثم ذكر مثله بإسناده. فقد يجوز أن يكون أمر: بهذا في حال ما كان الجنب لا يستطيع ذكر الله حتى يتوضأ، فأمر بالوضوء ليُسَمّي عند جماعه كما أمرهم النبي ﵇ في غير هذا الحديث، ثم رخص لهم أن يتكلموا بذكر الله وهم جنب، فارتفع ذلك وقد روي عن عائشة ﵂: "أنه كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ" وقد ذكرنا ذلك في هذا الباب فهذا عندنا نسخ لذلك. ش: ذكر هذا جوابًا عن سؤال مقدَّر تقريره: أن يُقال: إنكم قلتم: إن الجنب ليس عليه وضوء إلى أن يغتسل، وهذا حديث أبي سعيد يخبر أن الجنب إذا أراد أن يعود إلى أهله فلا يعود حتى يتوضأ، فأجاب عنه بقوله فقد يحتمل أن يكون النبي ﵇ أمر بالوضوء للجنب إذا أراد العود حين كان ذكر الله محرمًا عليه بلا وضوء، فأمره بالوضوء لأنه يُسمّي عند جماعه، كما أمر للجنب في غير هذا الحديث أن يتوضأ عند الأكل أو الشرب أو النوم، ثم لَمَّا رخصّ لهم بذكر الله وهم جنب،

стр. 1075

عُلِمَ أن ما كان من ذلك أولًا قد انتسخ وارتفع؛ لأن الحكم المتأخر ينسخ الحكم المتقدم بلا شك في قضيتين متنافيتين. ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين ورجاله رجال الصحيح ما خلا حسين بن نصر ويزيد بن سنان. وأبو الأحوص سلاّم بن سُليم الحنفي الكوفي. وعاصم هو ابن سليمان الأحول. وأبو المتوكل الناجي اسمه علي بن داود، وقيل دُؤاد. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا حفص بن غياث. ونا أبو كريب، قال: أنا ابن أبي زائدة. وحدثني عَمرو الناقد وابن نمير، قالا: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، كلهم عن عاصم، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ". زاد أبو بكر في حديثه: "بينهما وضوءًا"، وقال: "ثم أراد أن [يُعاود] (٢) ". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا عمرو بن عون، قال: نا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبي ﵇ قال: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا". وأخرجه الترمذي (٤): عن هناد، عن حفص ... إلى آخره نحوه.

стр. 1076

والنسائي (١): عن الحسين بن حريث، عن سفيان، عن عاصم ... إلى آخره. وابن ماجه (٢): عن محمَّد بن عبد الملك، عن عبد الواحد بن زياد، عن عاصم ... إلى آخره. قوله: "ثم بدا له" أي ثم ظهر له أن يعاود في الجماع. ص: فإن قال قائل: فقد روي عنه أنه كان يطوف على نسائه، فيغتسل كلما جامع واحدةً منهن، وذكر في ذلك ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا عفان وأبو الوليد، قالا: ثنا حماد بن سلمة ح. وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: أنا يحيى بن حسان، قال: نا حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع: "أن رسول الله ﵇ كان إذا طاف على نسائه في يوم، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقيل: يا رسول الله، لو جعلته غسلًا واحدًا، فقال: هذا أزكى وأطهر وأطيب". قيل له: في هذا ما يدلّ على أن ذلك لم يكن على الوجوب لقوله ﵇: "هذا أزكى وأطهر وأطيب". ش: تحرير السؤال أن يقال: إنكم نفيتم وجوب الوضوء بين الجماعين وادعيتم أن ما كان منه قد انتسخ حكمه فهذا عندنا ما ينافي كلامكم، وهو أن النبي ﵇ كان يطوف على نسائه كلهن في يوم واحد يغتسل عقيب كل جماع، ولا يعاود إلى الأخرى إلا بالطهارة، فهذا يدل على أن الوضوء واجب؛ لأنه ﵇ لما لم يترك في هذه الحالة الطهارة الكبرى فبالطريق الأولى أن لا يترك الطهارة الصغرى. والجواب: أنه ﵇ ما كان إلى هذا على أنه واجب، بل لكونه أزكى أي أمدح إلى الله تعالى وأطهر للبدن، وأطيب للقلب، وليس فيه ما يدل على الوجوب، ويؤيد

стр. 1077

ذلك ما روي أنه ﵇ كان يطوف على نسائه بغسل واحد على ما يجيء الآن، ثم إنه أخرج حديث أبي رافع من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى أخت أبي رافع، عن أبي رافع مولى النبي ﵇، واسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، القبطي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع: "أن النبي ﵇ طاف ذات ليلة على نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر". والثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن حماد ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي لي "سُننه" (٢): من حديث حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه. فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟ قلت: صححه ابن حزم، ويفهم من كلام أبي داود أيضًا أنه صحيح عنده؛ لأنه لما روى حديث أنس الذي رواه مسلم عن مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس: "أن- النبي ﵇ كان يَطوفُ على نسائه بغسل واحد"، قال: حديث أنس أصح؛ فيفهم منه أن حديث أبي رافع صحيح، ولكن حديث أنس أصح منه (٣)، فلا يلتفت إلى تضعيف ابن القطان إياه.

стр. 1078

ص: وقد روي أنه ﵇ طاف على نسائه في غسل واحد: حدثنا يونس بن عبد الأعلى وبحرٌ، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عيسى بن يونس ح. وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا عيسى، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أنس: "أن النبي ﵇ طاف على نسائه بغسل واحدٍ". حدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا قييصة بن عقبة، قال: أنا سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. وحدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، نا هُشَيْم، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. وحدثنا أحمد بن داود، قال: نا سُليْمان بن حَربْ، قال: نا حماد بن سلمة ح. وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس, النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن النبي ﵇ مثله. ش: ذكر هذا الحديث تأييدًا لقوله: إن غُسله ﵇ عند جماع كل امرأة في طوافه في يوم واحد كان على طريق الاستحباب لا الوجوب، إذا لو كان ذاك واجبًا لفعله دائمًا، وحديث أنس أنه كان يطوف على نسائه بغسل واحد صريح على أن الغسل عند كل جماع ليس بواجب.

стр. 1079

ثم إنه أخرج حديث أنس من ثمان طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، كلاهما عن يحيى بن حسان التنيسي. عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. عن صالح بن أبي الأخضر اليمامي مولى هشام ابن عبد الملك، ضعّفه ابن معين وأبو زرعة، وعن البخاريّ: لين، وعنه: ليس بشيء. عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أنس بن مالك. وأخرجه أبو داود (١): من طريق صالح بن أبي الأخضر معلقًا. الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود البرلُّسي. عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري. عن عيسى بن يونس. عن صالح ... إلى آخره. الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت. عن قبيصة بن عقبة شيخ البخاري. عن سفيان الثوري. عن معمر بن راشد. عن قتادة بن دعامة، عن أنس، عن النبي ﵇. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﵇ طاف على نسائه في غسل واحد". الرابع: عن فهد بن سليمان. عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان ... إلى آخره.

стр. 1080

وأخرجه ابن ماجه (١): عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يطوف على نسائه في غسل واحد". الخامس: عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري، عن هشيم بن بشير، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي ﵇. وأخرجه ابن أبى شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هشيم وابنُ علية، عن حميد، عن أنس: "أن النبي ﵇ طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد". السادس: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس، عن النبي ﵇. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (٣): أنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس "أن رسول الله ﵇ طاف على نسائه في يوم واحد". السابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد. عن عبيد الله بن محمَّد بن حفص بن عمر القرشي التيمي أبي عبد الرحمن البصري المعروف بالعيشي، وبالعايشي، وبابن عائشة. عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤)، ثنا أبو كامل، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: "أن النبي ﵇ طاف على نسائه جمع في يوم واحد". الثامن: عن إبراهيم بن أبي داود، عن حيوة بن شريح، عن بقية بن الوليد الكلاعي الحمصي، عن شعبة، عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، عن جده أنس.

стр. 1081

وأخرجه مسلم (١): ثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، قال: نا مسكين -يعني ابن بكير الحذّاء- عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس "أن النبي ﵇ كان يطوف على نسائه بغسل واحد". وهذه الطرق كلها صحاح، غير أن في الطريق الأول صالح بن أبي الأخضر فإن فيه مقالا، وقد ذكرناه. قوله: "طاف على نسائه" من طاف حول الشيء إذا دار، وأراد بنسائه جميع نسائه، وهن إحدى عشرة على ما صرّح به البخاري في روايته، وعن سعيد، عن قتادة: "تسع نسوة"، وعن ابن خزيمة: لم يقل أحد من أصحاب قتادة: "إحدى عشرة" إلا معاذ عن أبيه. قلت: الروايتان ليس بينهما خلاف؛ لأن نسوته ﵇ كنّ تسعًا، وريحانة، ومارية سريتان، فسعيد لمح إلى المدخول بهن من الحرائر، وهشام أراد الموطوءات مطلقًا. وقال أبو عبيدة: إن فاطمة بنت شريح، وريحانه زوجتان؛ فحينئذ يصرن إحدى عشرة. وقال ابن حبان: حكى أنس ﵁ هذا الفعل منه ﵇ في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة؛ لأن هذا الفعل كان منه مرارًا لا مرةً واحدةً، ولا نعلم أنه كان تزوّج نسائه كلهن في وقت واحد، ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره، حيث اجتمع عنده تسع نسوة، وجاريتان، ولا نعلم أنه اجتمع عنده إحدى عشرة امرأةً بالتزويج، فإنه تزوج بإحدى عشرة أولهن خديجة، ولم يتزوج بعدها حتى ماتت. قلت: لا خلاف أنه ﵇ توفي عن تسع نسوة، وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق التَيْميّة، وحفصةُ بنت عمر بن الخطاب العَدوّية، وأم حبيبة رَملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب الأُمَوّية، وزينب بنت جحش الأسدية، وأم سلَمة هِند بنت أبي أمية المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسَوَدةُ بنت زمعة

стр. 1082

العامِرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصَفِيَّةُ بنت حييّ بن أخطب النضريّة الإسرائيلية الهارُونيّة ﵅. وقد اختلفوا في عِدّة أزواج النبي ﵇، وفي ترتيبهن، وعدة من مات منهن قبله، ومن دخل بها، ومَنْ لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومَنْ عرضت نفسها عليه. فقالوا: أول امرأة تزوجها خديجة بنت خويلد، ثم سودة بنت زمعة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم جويرية، ثم زينب [بنت] (١) جحش، ثم زينب بنت خزيمة، ثم ريحانة بنت زيد، ثم أم حبيبة، ثم صفية، ثم ميمونة، وتزوج فاطمة بنت الضحاك، وأسماء بنت النعمان. وفيه اختلاف كثير، إلا أن المتفق عليه: أنهن إحدى عشرة امرأةً: خديجة، وسودة، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجويرية، وميمونة، وصفيّة. مات منهن في حياته ﵇ خديجة، وزينب بنت خزيمة، ومات رسول الله ﵇ عن الباقيات، وهن تسع كما ذكرنا. ماتت خديجة بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع، وقيل: بثلاث، وهو الصحيح، وكان لها من العمر خمس وستون سنة، وكانت مدة مقامها مع رسول الله ﵇ خمسًا وعشرين سنة، ودفنت بالحَجُون. وماتت سودة بنت زمعة بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. وماتت عائشة بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلًا فدفنت بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية بن أبي سفيان. وماتت حفصة بنت عمر بن الخطاب في شعبان سنة خمس وأربعين، وهي ابنة ستين سنة.

стр. 1083

وماتت زينب بنت خزيمة في ربيع الآخر سنة أربع، ودفنت بالبقيع. وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، وكان عمرها أربعًا وثمانين سنة. وماتت زينب بنت جحش بالمدينة سنة عشرين، ولها ثلاث وخمسون سنة، وصلى عليها عمر بن الخطاب ﵁. وماتت أم حبيبة بنت أبي سفيان بالمدينة سنة أربع وأربعين. وماتت جويرية بنت الحارث في ربيع الأول سنة ست وخمسين ولها خمس وستون سنة. وماتت ميمونة بنت الحارث بسَرف على عشرة أميال من مكة سنة ست وخمسين، ولها خمس وستون سنة. وماتت صفية بنت حُييّ بالمدينة سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين والله أعلم. ثم يستفاد من هذا الحديث: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة، وهذا بالإجماع. فإن قيل: ما يثبت وجوب الغسل؟ قلت: الجنابة مع إرادة القيام إلى الصلاة كما أنه سبب الوضوء الحدث مع إرادة القيام إلى الصلاة، وليست الجنابة وحدها كما هو مذهب بعض الشافعية، وإِلَّا يلزم أن يجب الغسل عقيب الجماع، والحديث ينافي هذا, ولا مجرد إرادة الصلاة وإِلَّا يلزم أن يجب الغسل بدون الجنابة. ويستفاد أيضًا: عدم كراهة كثرة الجماع عند القدرة، وجواز الاكتفاء بغسل واحد عقيب جماع متعدد، وفيه تلويح إلى أن الوضوء بين الجماعين ليس بواجب، وما روي [من] (١) الأمر به فمنسوخ، كما قد بيناه مستقصىً.

стр. 1084

ص: كتاب الصلاة ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة، شرع في بيان الصلاة بأنواعها التي هي المشروطة، والشرط مقدم على المشروط، وقدمها على الزكاة، والصوم، وغيرهما لما أنها تالية الإيمان وثانيته في الكتاب والسنة، ولشدة الاحتياج وعمومه إلى تعلمها؛ لكثرة وقوعها ودورانها، بخلاف غيرها من العبادات. وهي في اللغة: من تحريك الصلوين، وهما العظمان الناتئان عند العجيزة، وقيل: من الدعاء. فإن كانت من الأول تكون من الأسماء المغيّرة شرعا المقررة لغةً. وإن كانت من الثاني تكون من الأسماء المنقولة. وفي الشرع: عبارة عن الأركان المعلومة، والأفعال المخصوصة. وقال ابن الأثير: وأصلها في اللغة الدعاء، فسمّيت ببعض أجزائها، وقيل: إن أصلها في اللغة التعظيم، وسمّيت العبادة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الربّ انتهى. وقيل: إن أصلها من الاستقامة، تقول: صلّيت العُود إذا قومته، وقيل: من الرحمة، وقيل: من التقرب، من شاة مصلية وهي التي قربّت إلى النار، وقيل: من اللزوم، قال الزجاج: يقال صَلى، واصطلى إذا لزم. وأنكر غير واحدٍ بعض هذه الاشتقاقات؛ لأن "لام" الكلمة في الصلاة "واو"، وفي بعض هذه الأقوال لامها "ياء"؛ فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف. قلت: إن أراد به الاشتقاق الصغير فمسلّم، وإن أراد به الاشتقاق الكبير أو الأكثر، فلا يمتنع ذلك، فافهم. فإن قيل: متى فرضت الصلاة؟ وكيف فرضت؟ ومتى فرض الوضوء؟ وكيف فرض؟

стр. 1085

قلت: جاء في "مسند الحارث بن أبي أسامة" (١) من حديث أسامة بن زيد "أن جبريل ﵇ أتاه في أول ما أوحي إليه فعلمه الوضوء، والصلاة". ورواه ابن ماجه (٢) بلفظ "علمني جبريل الوضوء، وذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاةً قبل غروب الشمس، وصلاةً قبل طلوعها، قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٣). وذكر الحكيم أبو عبد الله الترمذي في كتاب الصلاة: إن أول فرض كتب على هذه إلامة: الصلاة، وأهلها مسئولون عنها يوم القيامة في أول جسر من الجسور السبعة، وقال مقاتل: كان فرضها ركعتين ركعتين، وقال القزاز: فرضت الصلاة أولًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وهما معنى قوله ﷺ : "من صلى البردين دخل الجنة" (٤)، إلى ليلة الإسراء فرضت على الخمس بغير أوقات فكان الرجل يصليها في وقت واحد إن شاء، وإن شاء فرقها، ثم لما هاجر صلاها ركعتين ركعتين بأوقات، ثم زيد في صلاة الحضر، وفرض الوضوء والغسل. انتهى كلامه. وقال أبو عمر: روي عن ابن عباس أن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وكذلك قال نافع بن جُبير، والحسنُ، وهو قول ابن جريج. وقال ابن حزم: لم يأت قط أثر -يعني صحيحًا- أن الوضوء كان فرضًا بمكة شرفها الله تعالى.

стр. 1086

قلت: روى الطبراني في "الكبير" (١)، والدراقطني (٢): "أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﵇ بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء، وعلّمه الوضوء". وقال السُّهيلي: الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة. وفي بعض شروح البخاريّ: وفي بعض الأحاديث أنه ﵇ صلى في أول النبوة عند زوال الشمس. وقال القرطبي وعياض: لا خلاف أن خديجة ﵂ صلت مع النبي ﵇ بعد فرض الصلاة، وأنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، والعلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، وفي كتاب الزبير بن بكار عن عائشة ﵂: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. انتهى. قلت: لعلها أرادت فرضها ليلة الإسراء. وقيل: إنها توفيت في شوال سنة عشر بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة، وقيل: في رمضان قبل الهجرة بأربع سنين. وفي الصحيح (٣): "فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين، فلما هاجر فرضت أربعًا وأقرت صلاة السفر"، وفي رواية: "بعد الهجرة بسنة"، وفي مسند أحمد (٤): "فرضت ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا". وزعم ابن عبد البر أن قول عائشة ﵂: "فرضت" أي قدرت، والفرض في اللّغة التقدير. وزعم السهيلي أن الزيادة تسمّى نسخًا؛ لأن النسخ رفع الحكم، فقد ارتفع حكم

стр. 1087

الإجزاء بالركعتين، وأما الزيادة في عدد الصلوات حين أكملت خمسًا بعد أن كانت اثنتن اثنتين فكذلك ارتفع حكم الصلاتين يعني صلاة العشى، وصلاة الإبكار. وفي صحيح البخاري (١) عن عائشة ﵂: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر". وذكر أن الصلوات زيدت فيها ركعتان ركعتان، وزيد في المغرب ركعة. فإن قيل: هذا يعارض قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) فيدل أن صلاة السفر كانت كاملة؛ إذْ لا يجوز أن يؤمروا بالقصر إلا من شيء تامّ قبل القصر، والدليل على ذلك أنه ﵇ صلى بالناس يوم أنزلت صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين. قلت: قال الطحاوي ﵀: لا تعارض بينهما؛ لجواز أن يكون فرض الصلاة كان ركعتين في الحضر والسفر فلما زيد في صلاة الحضر قيل لهم إذا ضربتم في الأرض فصلوا ركعتين مثل الفريضة الأولى. وقال ابن بطال: قال جماعة من العلماء لم يكن على نبينا صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أُمِرَ به من قيام الليل من غير تحديد ركعات معلومة ولا وقت محصور، وقام المسلمون معه نحو حَوْل حتى شق عليهم، فأنزل الله التخفيف عنهم، قال ابن عباس: لما نزلتَ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (٣) كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في رمضان حتى نزل آخرها بعد حول. وزعم ابن عباس، ونافع بن جبير بن مُطعم، وابن جريج: أن الصلاة فرضت أولًا أربعًا أربعًا، وفي السفر ركعتين ركعتين.

стр. 1088

وذكر عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": ثنا أسد بن موسى، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: "أن رسول الله ﵇ لما جاء بالخمس صلوات إلى قومه خلّى عنهم حتى إذا زالت الشمس عن بطن السماء نُودي فيهم: الصلاة جامعة. ففزعوا لذلك، فاجتمعوا فصلى بهم الظهر أربع ركعات لا يُعلن فيها بالقراءة، أطال الأولتين، وخفف الأخُرتين، جبريل ﵇ بين يدي النبي ﵇، ونبي الله بين أيدي الناس يقتدي الناس به، ويقتدي نبيّ الله بجبريل ﵇، ثم خلّى عنهم حتى إذا تصوبت الشمس وهي بيضاء نقية نودي فيهم: الصلاة جامعة، فاجتمعوا لذلك فصل بعهم العصر أربع ركعات ... " الحديث، وفي المغرب ثلاثًا، وفي العشاء أربعًا كصلاة اليوم، وفي الصبح ركعتين. ثم اعلم أنه لا خلاف أنّ الصلوات الخمس فرضت ليلة المعراج، روى البيهقي من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال: "أسري برسول الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة". وعن السدي: فرض رسول الله ﵇ الخمس ببيت المقدس ليلة أُسريَ به قبل مهاجره بستة عشر شهرًا، فعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وعن جابر وابن عباس ﵃، قالا: وُلِدَ رسول الله ﵇ عامَ الفِيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه هاجر، وفيه مات" رواه ابن أبي شيبة، قيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته. ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أُحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك. ثم اختلفوا في أن الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حِدَةٍ، منهم من زعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في المنام، وقيل كان الإسراء مرتين مرةً بروحه منامًا، ومرةً بروحه وبَدنه يَقظةً، ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضًا حتى قال: إنها أربع إسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة.

стр. 1089

ووفق أبو شامة بين هذه الروايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات مرةً من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماوات على البراق أيضًا، ومرةً من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات. والله أعلم.

стр. 1090

ص: باب: الأذان كيف هو ش: أي هذا باب في بيان كيفية الأذان، وقدّمه على الأوقات لأنه إعلام، وتلك أَعلام؛ فقدم الإِعلام لِتلك الأَعلام، وهو اسم للتأذين، من آَذَنَ يُؤْذِنُ إيذانًا، وأَذَّنَ يؤذِّن تأذينًا، والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. ومعناه الشرعي: إعلام مخصوص في أوقات مخصوصة، وسببه دخول وقت المكتوبة، وفي السنة الأولى من الهجرة شُرع الأذان، ويقال: وفي السنة الثانية من الهجرة، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاريّ صورة الأذان في النوم، وورد الوحي به، وروى السهيلي بسنده من طريق البزار، عن علي بن أبي طالب ﵁ فذكر حديث الإسراء، وفيه: "فخرج ملك من وراء الحجاب، فَأّذَّن بهذا الأذان، وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى ثم أخذ الملك بيد محمد ﵇ فقدّمه فأمّ بأهل السماء وفيهم آدم ونوح ﵈" ثم قال السهيلي: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحًا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء. وقال ابن كثير: فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح بل هو منكر تفّرد به زيادُ بن المنذر أبو الجارود، الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين، ثم لو كان هذا قد سمعه رسول الله ﵇ ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة. ص: حدثنا عليّ بن معبد بن نوح وعلي بن شيبة بن الصلت، قالا: ثنا روح ابن عُبادة القيسي (ح). وحدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة، قال: ثنا أبو عاصم النبيل، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب. قال: أبو عاصم في حديثه: أخبرني أبي وأم عبد الملك [بن أبي محذورة -يعني عن أبي محذورة- قال روح في حديثه: عن أم عبد الملك بن أبي محذورة] (١) عن أبي محذورة قال: "علّمني
следующие страницы →