قلت: روى الطبراني في "الكبير" (١)، والدراقطني (٢): "أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﵇ بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء، وعلّمه الوضوء".
وقال السُّهيلي: الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة.
وفي بعض شروح البخاريّ: وفي بعض الأحاديث أنه ﵇ صلى في أول النبوة عند زوال الشمس.
وقال القرطبي وعياض: لا خلاف أن خديجة ﵂ صلت مع النبي ﵇ بعد فرض الصلاة، وأنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، والعلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، وفي كتاب الزبير بن بكار عن عائشة ﵂: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. انتهى.
قلت: لعلها أرادت فرضها ليلة الإسراء.
وقيل: إنها توفيت في شوال سنة عشر بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة، وقيل: في رمضان قبل الهجرة بأربع سنين.
وفي الصحيح (٣): "فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين، فلما هاجر فرضت أربعًا وأقرت صلاة السفر"، وفي رواية: "بعد الهجرة بسنة"، وفي مسند أحمد (٤): "فرضت ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا".
وزعم ابن عبد البر أن قول عائشة ﵂: "فرضت" أي قدرت، والفرض في اللّغة التقدير.
وزعم السهيلي أن الزيادة تسمّى نسخًا؛ لأن النسخ رفع الحكم، فقد ارتفع حكم
стр. 1087
الإجزاء بالركعتين، وأما الزيادة في عدد الصلوات حين أكملت خمسًا بعد أن كانت اثنتن اثنتين فكذلك ارتفع حكم الصلاتين يعني صلاة العشى، وصلاة الإبكار.
وفي صحيح البخاري (١) عن عائشة ﵂: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر".
وذكر أن الصلوات زيدت فيها ركعتان ركعتان، وزيد في المغرب ركعة.
فإن قيل: هذا يعارض قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) فيدل أن صلاة السفر كانت كاملة؛ إذْ لا يجوز أن يؤمروا بالقصر إلا من شيء تامّ قبل القصر، والدليل على ذلك أنه ﵇ صلى بالناس يوم أنزلت صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين.
قلت: قال الطحاوي ﵀: لا تعارض بينهما؛ لجواز أن يكون فرض الصلاة كان ركعتين في الحضر والسفر فلما زيد في صلاة الحضر قيل لهم إذا ضربتم في الأرض فصلوا ركعتين مثل الفريضة الأولى.
وقال ابن بطال: قال جماعة من العلماء لم يكن على نبينا صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أُمِرَ به من قيام الليل من غير تحديد ركعات معلومة ولا وقت محصور، وقام المسلمون معه نحو حَوْل حتى شق عليهم، فأنزل الله التخفيف عنهم، قال ابن عباس: لما نزلتَ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (٣) كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في رمضان حتى نزل آخرها بعد حول.
وزعم ابن عباس، ونافع بن جبير بن مُطعم، وابن جريج: أن الصلاة فرضت أولًا أربعًا أربعًا، وفي السفر ركعتين ركعتين.
стр. 1088
وذكر عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": ثنا أسد بن موسى، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: "أن رسول الله ﵇ لما جاء بالخمس صلوات إلى قومه خلّى عنهم حتى إذا زالت الشمس عن بطن السماء نُودي فيهم: الصلاة جامعة. ففزعوا لذلك، فاجتمعوا فصلى بهم الظهر أربع ركعات لا يُعلن فيها بالقراءة، أطال الأولتين، وخفف الأخُرتين، جبريل ﵇ بين يدي النبي ﵇، ونبي الله بين أيدي الناس يقتدي الناس به، ويقتدي نبيّ الله بجبريل ﵇، ثم خلّى عنهم حتى إذا تصوبت الشمس وهي بيضاء نقية نودي فيهم: الصلاة جامعة، فاجتمعوا لذلك فصل بعهم العصر أربع ركعات ... " الحديث، وفي المغرب ثلاثًا، وفي العشاء أربعًا كصلاة اليوم، وفي الصبح ركعتين.
ثم اعلم أنه لا خلاف أنّ الصلوات الخمس فرضت ليلة المعراج، روى البيهقي من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال: "أسري برسول الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة". وعن السدي: فرض رسول الله ﵇ الخمس ببيت المقدس ليلة أُسريَ به قبل مهاجره بستة عشر شهرًا، فعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وعن جابر وابن عباس ﵃، قالا: وُلِدَ رسول الله ﵇ عامَ الفِيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه هاجر، وفيه مات" رواه ابن أبي شيبة، قيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته.
ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أُحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك.
ثم اختلفوا في أن الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حِدَةٍ، منهم من زعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في المنام، وقيل كان الإسراء مرتين مرةً بروحه منامًا، ومرةً بروحه وبَدنه يَقظةً، ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضًا حتى قال: إنها أربع إسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة.
стр. 1089
ووفق أبو شامة بين هذه الروايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات مرةً من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماوات على البراق أيضًا، ومرةً من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات. والله أعلم.
стр. 1090
ص: باب: الأذان كيف هو
ش: أي هذا باب في بيان كيفية الأذان، وقدّمه على الأوقات لأنه إعلام، وتلك أَعلام؛ فقدم الإِعلام لِتلك الأَعلام، وهو اسم للتأذين، من آَذَنَ يُؤْذِنُ إيذانًا، وأَذَّنَ يؤذِّن تأذينًا، والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة.
ومعناه الشرعي: إعلام مخصوص في أوقات مخصوصة، وسببه دخول وقت المكتوبة، وفي السنة الأولى من الهجرة شُرع الأذان، ويقال: وفي السنة الثانية من الهجرة، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاريّ صورة الأذان في النوم، وورد الوحي به، وروى السهيلي بسنده من طريق البزار، عن علي بن أبي طالب ﵁ فذكر حديث الإسراء، وفيه: "فخرج ملك من وراء الحجاب، فَأّذَّن بهذا الأذان، وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى ثم أخذ الملك بيد محمد ﵇ فقدّمه فأمّ بأهل السماء وفيهم آدم ونوح ﵈" ثم قال السهيلي: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحًا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء. وقال ابن كثير: فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح بل هو منكر تفّرد به زيادُ بن المنذر أبو الجارود، الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين، ثم لو كان هذا قد سمعه رسول الله ﵇ ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة.
ص: حدثنا عليّ بن معبد بن نوح وعلي بن شيبة بن الصلت، قالا: ثنا روح ابن عُبادة القيسي (ح).
وحدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة، قال: ثنا أبو عاصم النبيل، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب. قال: أبو عاصم في حديثه: أخبرني أبي وأم عبد الملك [بن أبي محذورة -يعني عن أبي محذورة- قال روح في حديثه: عن أم عبد الملك بن أبي محذورة] (١) عن أبي محذورة قال: "علّمني
стр. 1091
رسول الله ﵇ الأذان كما تؤذنون الآن: الله كبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله كبر، الله كبر، لا إله إلا الله".
قال روح في حديثه: أخبرني عثمان هذا الخبر كله عن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنها سمعت ذلك من أبي محذورة.
وقال أبو عاصم في حديثه: وأخبرني هذا الخبر كله عثمان بن السائب عن أبيه، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة.
حدثنا عليُّ وعليُّ قالا: ثنا روح، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله بن مُحيْريز حدثه -وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة- قال: أخبرني أبو محذورة: "أن رسول الله ﵇ قال له: قم فأذِن بالصلاة، فقمت بين يَدي رسول الله ﷺ فألْقيَ عَليّ التأذين هو بنفسه ... " ثم ذكر مثل التأذين الأول في الحديث الأول.
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن علي بن مَعبد بن نوح المصري الصغير، وثقه العجلي وابن حبان.
وعلي بن شيبة الصلت السدُوسي المصري وكلاهما نزيلان في العصر، بغداديان في الأصل، يَرْويان عن رَوْح بن عبادة بن العلاء القيسي البصري، روى له الجماعة.
وهو يروي عن عبد الملك بن جريج المكي، روى له الجماعة.
عن عثمان بن السائب الجمحي المكي مولى أبي محذورة، وثقه ابن حبان.
عن أم عبد الملك، ذكرها في "الميزان" فيمن لم تُسمّ، وقال: تفردّ عنها عثمان ابن السائب.
стр. 1092
وهي تروي عن أبي محذورة القرشي المكي المؤذن الصحابي، واختلف في اسمه واسم أبيه ونسبه، فقيل اسمه أوس. وقيل: سمرة. وقيل: سلمة. وقيل: سلمان. واسم أبيه مِعْيَر -بكسر الميم وسكون العن وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره راء- وقال أبو عمر: قد ضبطه بعضهم مُعَيَّن -بضم الميم وتشديد الياء وفي آخره نون-.
وقيل: عمير بن لَوْدان بن وهب بن سَعْد بن جمح، وقيل غير ذلك.
وأخرجه البيهقي (١) بأتم منه من حديث روح بن عبادة قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة قال: "لما رجع رسول الله ﵇ من حنين، خرجتُ عاشر عشرة من مكة أَطْلُبهم، فسمعتهم يؤذنون [للصلاة] (٢) فقمنا نؤذن ونستهزئ بهم، فقام النبي ﵇ فقال: لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت، فأرسل إلينا فأذَّنَّا رجالًا رجالًا، فكنت آخرهم، فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي وبارك عليّ ثلاث مرات، ثم قال: اذهب فأَذِّن عند البيت الحرام. قلت: كيف يا رسول الله ﵇؟ فعلّمني الأذان كما يؤذن الآن بها: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم -في الأولى من الصبح- الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
وعلمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله". قال ابن جريج: أخبرني هذا كله عثمان عن أم عبد الملك أنها سمعت ذلك من أبي محذورة، كذا رواه رَوْحٌ.
стр. 1093
الطريق الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن عثمان بن السائب.
عن أبيه السائب، وثقه ابن حبان وذكره ابن أبي حاتم فقال: سائب والد عثمان غير منسوب، روى عنه ابنه عثمان، وسكت عنه.
وعثمان هذا روى هذا الحديث في رواية أبي عاصم النبيل عن أبيه السائب وعن أم عبد الملك، كلاهما يَرويان عن أبي محذورة.
الطريق الثالث: عن علي بن معبد وعلي بن شيبة، وكلاهما عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز المكي يتيم أبي محذورة، عن أبي محذورة ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): نا محمَّد بن بشار، نا أبو عاصم، نا ابن جريج، أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذورة -يعني عبد العزيز- عن ابن محيريز، عن أبي محذورة قال: "ألقي عليَّ رسول الله ﵇ التأذين هو بنفسه، فقال: قل: الله أكبر الله أكبر (٢)، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
وأخرج مسلم (٣) أيضًا: عن ابن محيريز وفيه التكبير مرتان في أوله والترجيع أيضًا، وقال: حدثني أبو غسان المِسْمَعي مالك بن عبد الواحد وإسحاق بن إبراهيم -قال أبو غسان: ثنا معاذ، وقال إسحاق: أنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي- قال: حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة: "أن نبي الله ﵇ علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر،
стр. 1094
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة -مرتين- حي على الفلاح -مرتين-" زاد إسحاق: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
قوله: "الله أكبر" أي أكبر من كل شيء، وقد عرف أن أفعل التفضيل لا تستعمل إلا بأحد الأشياء الثلاثة: الألف واللام، والإضافة، ومن. وقد يُستعمل مجردًا عنها إذا قامت القرينة كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (١) أي أخفى من السر، ومنه قوله: الله أكبر.
قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله " أصله "أنه" فـ"أن" مخففة من المثقلة و"إِلَّا" بمعنى غير، وأشهد من الشهود وهو الحضور في اللغة، ومعناه هنا من الشهادة، وهي خبر قاطع تقول منه: شهد الرجل على كذا، أي قولهم: أَشْهد بكذا، أي أحلف، والمعنى أخبر قطعًا وجزمًا بأنه لا إله في الوجود غير الله.
وكذا معنى قوله: "أشهد أن محمدًا رسول الله" أخبر قطعًا وجزمًا بأن محمدًا رسول الله مرسل من عند الله تعالى.
قوله: "حي على الصلاة" أي أسرعوا إليها وهلمّوا وأقبلوا وتَعَالَوا، وهو اسم لفعل الأمر، وفتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، كما قيل: ليتَ ولعلَّ، والعرب تقول: حي على الثريد، و"الفلاح" النجاة.
ص: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هكذا ينبغى أن يؤذن.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمَّد بن سيرين، والحسن البصري، ومالكًا، وأهل المدينة؛ فإنهم ذهبوا إلى الحديث المذكور وقالوا: ينبغي أن يؤذن هكذا يعني التكبير في أوله مرتين.
стр. 1095
ص: وخالفهم في ذلك آخرون في موضعين من ذلك: أحدهما ابتداء الأذان، فقالوا: ينبغي أن يقال في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء، وأبا حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم خالفوا هؤلاء في موضعين:
الأول: في ابتداء الأذان، فإن عندهم ابتداء الأذان: الله أكبر، أربع مرات.
قال أبو عمر: علّم رسول الله ﷺ أبا محذورة الأذان بمكة عام حنين، فروي عنه فيه تربيع التكبير في أوله، ورُوي عنه فيه تثنيته، والتربيع فيه من رواية الثقات الحفاظ، وهي زيادة يجب قبولها، والعمل عندهم بمكة في آل محذورة بذلك إلى زماننا، وهو في حديث عبد الله بن زيد في قصة المنام، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وقال ابن حزم في "المحلى": وأحب الأذان إلينا أذان أهل مكة وهو: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أربع مرات ... إلى آخره، وذكر فيه الترجيح.
وأذان المدينة كما وصفنا إلا أنه لا يقول في أول أذانه: الله أكبر الله أكبر إلا مرتين فقط، وأذان أهل الكوفة كأذان أهل مكة إلا أنهم لا يرجعون، وإن أذن مؤذن أذان أهل المدينة أو بأذان أهل الكوفة فحسن.
وأما الموضع الثانى: فإن الآخرين افترقوا فرقتين: فرقة خالفوا القوم الأولين، وقالوا: لا ترجيع فيه. وهم أبو حنيفة وأصحابه.
وفرقة وافقوهم في الترجيح فقط، وهم الشافعي وأحمد وأصحابهم، على ما يأتي إن شاء الله.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة وعلي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة -واللفظ لأبي بكرة- قالا: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام بن يحيى، قال: ثنا عامر الأحول، قال: ثنا مكحول، أن عبد الله بن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن النبي ﵇ علمه الأذان تسع عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ... " ثم ذكر بقية الأذان على ما في الحديث الأول.
стр. 1096
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: نا همام (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا محمَّد بن سنان العَوَقي، قال: نا همام (ح).
وحدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: نا أبو الوليد الطيالسي وأبو عمر الحَوْضِي، قالا: نا همام ... ثم ذكروا مثله بإسناده.
ش: أي احتج الآخرون في قولهم إن التكبير في أول الأذان أربع مرات بحديث أبي محذورة أيضًا.
وأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، وعلي بن عبد الرحمن المعروف بِعَلَّان، كلاهما عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى البصريّ، عن عامر بن عبد الواحد الأحول البصري، عن مكحول بن زيد الدمشقي، عن عبد الله بن محيريز ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن [علي] (٢)، نا عفان وسعيد بن عامر والحجاج -والمعنى واحد- قال عفان: نا همام، نا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسعة عشرة كلمة، والإقامة سبعة عشرة كلمة".
الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
стр. 1097
والإقامة: الله كبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدَّاَ رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
كذا في كتابه في حديث أبي محذورة، ويستفاد منه ثلاثة أحكام:
الأول: أن التكبير في أول الأذان أربع مرات وهو حجة للجمهور، خلافًا لمالك وأهل المدينة.
والثاني: فيه الترجيع، وهو حجة للشافعي ومالك وأحمد.
والثالث: فيه الإقامة مثنى مثنى، وهو حجة أبي حنيفة وأصحابه ﵏.
الثانى: عن علي بن معبد، عن موسى بن داود بن عبد الله الضبيّ قاضي طرسوس ومصيصة الثقة المصنف، عن همام بن يحيى، عن عامر الأحول، عن مكحول عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة.
وأخرجه النسائي (١): أنا سُوَيْد بن نَصْر، قال: أنا عبد الله، عن همام بن يحيى، عن عمار بن عبد الواحد، قال: ثنا مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، أن رسول الله ﵇ قال: "الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، ثم عَدَّها أبو محذورة تسع عشرة، وسَبع عشرة".
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري، عن محمَّد بن سنان العَوَقي -بفتح العين والواو، وبالقاف- أحد مشايخ البخاري، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان، نا همام بن يحيى، عن عامر الأحول، أن مكحولًا حدثه، أن عبد الله بن محيريز حدثه، أن أبا محذورة
стр. 1098
حدثه، قال: "علمني رسول الله ﵇ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان: الله أكبر الله أكبر ... إلى آخره".
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وعن أبي عمر حفص بن عمر بن الحارث النَّمُري الحَوْضي، أحد مشايخ البخاري، كلاهما عن همام، عن عامر، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة ... نحوه.
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١) وقال: أنا أبو الوليد الطيالسي وحجاج بن المنهال، قالا: نا حماد، نا همام، نا عامر الأحول- قال حجاج في حديثه: عامر بن عبد الواحد- قال: حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة، حدثه: "أن رسول الله ﵇ علمه الأذان تسعة عشر كلمة، والإقامة سبعة عشر كلمة".
ص: قال أبو جعفر: ففيم هذا الأثر أنه يقول في أول الأذان: الله أكبر -أربع مرات- وكان هذا القول عندنا هو أصح القولين في النظر؛ لأنَّا رأينا الأذان منه ما يُردّد في موضعين، ومنه ما لا يُردّد إنما يذكر في موضع واحد، فأما ما يذكر في موضع واحد ولا يردد فالصلاة والفلاح، فذلك يُنادَى بكل واحد منه مرتين.
والشهادة تُذكر في موضعين في أول الأذان وفي آخره، فتُثَنّى في أوله، فيقال: أشهد أن لا إله إلا الله -مرتين- ثم تفرد في آخره فيقال: لا إله إلا الله ولا يثنى ذلك.
فكان ما يُثنى من الأذان إنما هو على نصف ما هو عليه في الأول منه، وكان التكبير في موضعين في أول الأذان وبعد الفلاح فاجمَعُوا أنه بعد الفلاح يقول: الله أكبر الله أكبر، فبالنظر على ما وصفنا أن يكون ما اختلف فيه مما يُبتدأ [به] (٢) الأذان
стр. 1099
من التكبير أن يكون مِثْلَي ما يثنى به؛ قياسًا ونظرًا على ما [بَيَّنَّا] (١) من الشهادة أن لا إله إلا الله، فيكون ما يُبْتَدأ به الأذان من التكبير على ضِعْف ما يثنى به من التكبير، فإذا كان الذي يثنى هو: الله كبر، كان الذي يبتدأ به هو ضعفه الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فهذا هو النظر الصحيح عندنا، والله أعلم.
وهو قول أبي حنيفة وأي يوسف ومحمد ﵏، غير أن أبا يوسف قد روي عنه أيضًا في ذلك مثل القول الأول.
ش: أي ففي الأثر الذي رواه عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة أن المؤذن يقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر -أربع مرات- وهذا القول هو أصح من القول الذي يقول فيه المؤذن: الله أكبر الله أكبر -مرتين- في النظر والقياس، وهذا كما رأيت ترجيع الطحاوي الرواية التي فيها التكبير من أول الأذان أربع مرات، على الرواية التي فيها التكبير مرتين، بما يقتضيه وجه النظر والقياس، وغيره رجح بأن هذه زيادة من الحفاظ الثقات (فيجب بها العمل) (٢) وأما بيان وجه النظر فنقول: إن ألفاظ الأذان على أنواع:
الأول: يذكر في موضع واحد ويكرر فيه ثم لا يردد، نحو لفظه الصلاة والفلاح، فإن كلا منهما يذكر مرتين في موضع واحد، فهذا في نفسه متكرر ولكن موضعه متحد.
الثاني: ما يذكر في موضعين فيُكررّ في موضع ويردد في موضع، نحو لفظ الشهادة، فإن يُكرر في أول الأذان حيث يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله -مرتين- ويفرد في آخره حيث يقال: لا إله إلا الله -مرة واحد-.
الثالث: ما يذكر في موضعين أيضًا ولكن يُكرر فيهما جميعًا نحو لفظ التكبير، فإنه يذكر في أول الأذان مكررًا، وبعد قوله: حي على الفلاح مكررًا، وهذا القسم
стр. 1100
هو المتنازع فيه ولكنهم أجمعوا على أنه بعد الفلاح مكرر يقال مرتين: الله أكبر الله أكبر، فبالنظر والقياس ينبغي أن يقال في أول الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر -أربع مرات- وذلك لأن ما كُرر منه في موضع نحو لفظ الشهادة؛ الذي يُكرر في أول الأذان يكون في الأخير على نصف ما هو عليه في الأول، حيث يقال: لا إله إلا الله مرةً واحدةً، فبالنظر على ذلك ينبغي أن يكون التكبير الذي في الأذان الذي اختلف فيه مثلي ما يثنى به في الأخير على نصف ما هو عليه في الأول كما في لفظ الشهادة، ولو لم يجعل لفظ التكبير في الأول أربع مرات لم يكن التكبير الذي في آخره على النصف منه، فحيمئذ يكون التكبير الذي يُبتدأ به الأذان على ضِعْف ما يُثنَّى به من التكبير في الأخير.
فإذا كان الذي يثنى في الأخير: الله أكبر الله أكبر مَرّتين كان الذي يبُدأ به ضِعفه الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر -أربع مرات- فهذا هو النظر الصحيح، فافهم فإنه دقيق.
ص: والموضع الذي اختلفوا فيه منه هو التَرْجيع، فذهب قوم إلى الترجيع.
ش: هذا هو الموضع الثاني من الموضعين اللذين ذكرهما فيما سلَف بقوله: "وخالفهم في ذلك آخرون في موضعين". وقد قلنا: إن الذين خالفوا أهل المقالة الأولى افترقوا فرقتين: فرقة ذهبت إلى الترجيع بظاهر الأحاديث المذكورة، وأشار إلى، ذلك بقوله: "فذهب قوم إلى الترجيع" وأراد بهم: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وآخرون؛ فإنهم قالوا: لا بد من الترجيع وهو أن يرجّع فيرفع صوته بالشهادتين بعد أن خفض بهما.
ص: وتركه آخرون.
ش: أي وترك الترجيح جماعة آخرون وأراد بهم: أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وزفر، وأهل الكوفة؛ فإنهم قالوا: ليس في الأذان ترجيع.
стр. 1101
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا عبد الله بن داود الخرَيبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أن عبد الله بن زيد الأنصاريّ ﵁ رأى رجلًا نزل من السماء عليه ثوبان أخضران -أو بُرْدان أخضران- فقامَ على جِذْمِ حائط، فنادى: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ... " - فذكر الأذان على ما في حديث أبي محذورة، غير أنه لم يذكر الترجيح، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال له: "نِعْمَ ما رأيتَ، عَلِّمْها بلالًا".
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من ترك الترجيح، بحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي ﵁.
ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق، ولكن الحديث مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يَسْمع من عبد الله بن زيد الأنصاري قاله الترمذي وغيره.
والخُرَيْبيِ -بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها باء موحدة-: نسْبة إلى الخَرَيْبَة محلة بالبصرة، كان عبد الله بن داود يسكن فيها، وهو أحد الأئمة الحنفية، وكان ثقة عابدًا ناسكًا، روى له الجماعة.
والأعمش هو سليمان بن مهران.
وأخرجه أبو داود (١) بأتمّ منه، نا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبي ليلى.
ونا ابن المثنى، نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: "أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال: قال: ونا أصحابنا، أن رسول الله ﵇ قال: لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين أو المؤمنين واحدة، حتى لقد هممت أن أبت رجالًا في الدور يُنادون الناس بحين الصلاة وحتى هممت أن آمُر رجالًا يقومون على الآطام يُنادون المسلمين بحين الصلاة، حتى نقسوا أو كادَوا أن يَنقسوا، قال: فجاء رجال من الأنصار، فقال: يا رسول الله، إني لما رجعت -لما
стр. 1102
رأيت من اهتمامك- رأيتُ رجلًا" كأن عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذن، ثم قَعَد قعدةً ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول الناس- قال ابن المثنى أن تقولوا- لقلت: إني كنت يقظانًا غير نائم. فقال رسول الله ﷺ -وقال ابن المثنى-: لقد أراك الله خيرًا- ولم يَقل عمروٌ: لقدْ- فَمُرْ بلالًا فليؤذن، قال: فقال عمر ﵁: أما إني قد رأيت مثل الذي رأى، ولكني لما سُبِقْتُ استَحْسَنْتُ الحديث".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" نا عيسى بن محمَّد السمسار الواسطي، نا وهب ابن بقية، نا خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: "اهتمّ رسول الله ﵇ بالأذان حتى همّ أن يَنْقُس، فبينما هو كذلك إذْ جاءه عبد الله بن زيد، قال: يا رسول الله، لولا أني أتهم نفسي لحدثتك أني كنت مستيقظا رأيت رجلًا عليه ثوبان أخضران، قائم على سقف المسجد، ثم نادى بالصلاة الله أكبر الله أكبر، مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم قعد قعدة، ثم قال مثل ما قال، غير أنه قال في آخر ذلك: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقال: قم فادْع إليك بلالًا فليرفع بها صوته، فألقاها عليه، ثم رفع بها بلالًا صوتَه، فجاء المسلمون سراعًا لا يَروْن إلا أنه فزعًا، ثم جاء عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، والله لولا أن عبد الله بن زيد سبقني لحدثتك أنه طاف بي ما طاف به".
قوله: "بُرْدان" تثنية برد، وهو نوع من الثياب معروف، والجمع أبراد وبُرُود، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صغر تلبَسه الأعراب، وجمعها بُرُد.
قوله: "حِذْم حائط" بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة، وهو أصل الحائط، وأراد به بقية حائط أو قطعة حائط.
стр. 1103
قوله: "لقد هممت" من هممت بالشيء أهِمُّه همًّا إذا أردته.
ومعنى "أبث" أُفَرِّق، من البَثّ، وهو النشْر.
قوله: "في الدور" أي في القبائل.
قوله: "بحين الصلاة" أي بوقتها.
قوله: "على الآطام" جمع أُطُم -بضم الهمزة والطاء-: وهو بناء مرتفع، وآطام المدينة: أبنيتها المرتفعة، وفي الصحاح: الأُطُم مثل الأجُمُ يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهي حصون لأهل المدينة، والواحدة: أَطَمَة، مثل: أَكَمَة. انتهى.
ويقال: الآطام جمع إِطام -بكسر الهمزة-: وهو ما ارتفع من البناء.
قوله: "حتى نقَسوا" -فتح القاف- من النَقْس: وهو الضرب بالناقوس، وهي خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، والنصاري يُعلمُون بها أوقات صلواتهم.
وقال ابن الأعرابيّ: الناقوس يُنظر فيه، أعربيٌّ أم لا؟
قلت: النَقْس هو الضرب بالناقوس يدل على أنه عربي، وزنه فاعول كقَابُوس البَحر، فيكون الألف والواو فيه زائدين.
قوله: "أو كادوا أن يَنْقُسوا" بضم القاف لأنه من نقس يَنْقُس، من باب نَصَرَ يَنْصُر.
وهو شك من الراوي، والمعنى: أو قَرُبوا من نَقْس الناقوس؛ لأن "كاد" من أفعال المقاربة.
قوله: "كان عليه ثوبين أخضرين" وقع كذا في رواية أبي داود، ووقع في رواية غيره: "كان عليه ثوبان أخضران" وهو القياس؛ لأن ثوبان فاعل "كان" وهو اسمه، فيكون مرفوعًا وخبره قوله: "عليه" ووجه رواية أبي داود -إن صحت-: أن تكون "كان" زائدة، وهي التي لا تخل بالمعنى الأصلي، ولا تعمل في شيء أصلًا، ويكون نصب "ثوبين" بالفعل المقدر، والتقدير، رأيت رجلًا، ورأيت عليه ثوبين أخضرين، فقوله: "رأيت" يكون دَالًّا على "رأيت" الثاني المقدر.
стр. 1104
قوله: "ثم قعد قعدة" بفتح القاف.
قوله: "أما إني"، بفتح الهمزة في "أما" وكسرها في "إني".
قوله: "لما سُبقت" على صيغة المجهول، فافهم.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثني أصحاب محمَّد: "أن عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁ رأى الأذان في المنام، فأتى النبي ﵇ فأخبره، فقال: علّمه بلالًا، فأذن مثنى مثنى".
ش: هذا طريق آخر، وهو متصل صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): حدثني وكيع، قال: نا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثنا أصحاب محمَّد ﵇: "أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله ﵇ رأيت في المنام كأن رجلًا قام وعليه بردان أخضران على خذْمة حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة. قال: فسمع ذلك بلال ﵁، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة".
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن الأذان ليس فيه ترجيع، وهو حجة على مَنْ رآه.
الثاني: أن الإقامة مثنى مثنى وهو حجة على من يقول الإقامة فرادى.
والثالث: استحباب الفصل بين الإقامة والشروع في الصلاة، وكذا بين الأذان والإقامة.
الرابع: استحباب اتخاذ المؤذن الذي صوته طيب عالي؛ لأنه ﵇ إنما قال لعبد الله: "علمه بلالًا"؛ لكونه حسن الصوت وعَالِيَه.
стр. 1105
ص: قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن زيد لم يذكر في حديثه الترجيع، فقد خالف أبا محذورة في الترجيع في الأذان، فاحتمل أن يكون الترجيع الذي حكاه أبو محذورة إنما كان لأن أبا محذورة لم يَمدّ بذلك صوته على ما أراد النبى ﵇ منه، فقال له النبي ﵇: ارجعْ وامدُده صوتك، وهكذا اللفظ بهذا الحديث الذي ذكر فيه، فلما احتمل ذلك وجب النظر؛ لنستخرج من القولين قولًا صحيحًا، فرأينا ما سوى ما اختلفوا فيه من الشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا ترجيعَ فيه، فالنظر على ذلك أن يكون ما اختلفوا فيه من ذلك معطوفًا على ما أجمعوا عليه منه، ويكون إجماعهم أن لا ترجيع في سائر الأذان غير الشهادة يَقْضِي على اختلافهم في الترجيع في الشهادة، وهذا الذي وصفنا وما بيّناه من نفي الترجيع؛ قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: لما لم يُذكَر الترجيع في حديث عبد الله بن زيد، خالف ذلك حديث أبي محذورة المذكور فيه الترجيع، والأصل في مثل هذا التوفيق بينهما، وأشار إلى التوفيق بقوله: "فاحتمل أن يكون ... " إلى آخره، وهو ظاهر.
وقوله: "وهكذا اللفظ بهذا الحديث الذي ذكر فيه" أراد أن لفظ الحديث الذي فيه الترجيع: "ارجع وامدُد صوتك" على ما رواه أبو داود، وقال: نا محمَّد بن بشار، نا أبو عاصم، نا ابن جريج، أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذور -يعني عبد العزيز- عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، قال: "ألقي عليّ رسول الله ﵇ التأذين هو بنفسه فقال: قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: ارجعْ فمُدْ من صَوْتك: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله" انتهى.
стр. 1106
وقال صاحب "البدائع" (١): الترجيع كان في ابتداء الإِسلام، فإنه روي أنه لما أذّن وكان حديث العهد بالإِسلام قال: الله أكبر الله أكبر أربع مرات بصوتين ومَدّ صوته، فلما بلغ إلى الشهادتين خفض بهما صوته، فقال بعضهم: إنما فعل ذلك مخافة الكفار، وبعضهم قال: إنه جهوريّ الصوت وكان في الجاهلية يجهر بسَبِّ رسول الله ﵇، فلما بلغ إلى الشهادتين استحيى، وخفض بهما صوته، فدعاه رسول الله ﵇ وعرك أذنه، وقال: ارجع وقل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله ومُدّ بهما صوتك غيظًا للكفار.
وقال شمس الأئمة في "مبسوطه" (٢): وأما حديث أبي محذورة فإنه ﵇ أمر بالتكرار حالة التعليم ليحسن تعلمه، وهو كان عادته فيما يُعلّم أصحابَه، فظنّ أنه أمر بالترجيع وحديث عبد الله بن زيد هو الأصل وليس فيه ترجيع، ولأن المقصود من الأذان قوله: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، ولا ترجيع في هاتين الكلمتين، ففيما سواهما أولى.
قلت: أخذ هذا من قول الطحاوي "فرأينا ما سوى ما اختلفوا فيه من الشهادة ... " إلى آخره.
قوله: "معطوفًا على ما أجمعوا" أي مصروفًا عليه موجهًا إليه.
قوله: "منه" أي من الأذان.
قوله: "يقضي" خبر لقوله: "ويكون إجماعهم" فافهم.
فإن قيل: كيف يقال: حديث عبد الله بن زيد هو الأصل؛ بل الأصل حديث أبي محذورة؛ فإن فيه تعليم النبي ﵇ بنفسه وفيه الترجيح؟
стр. 1107
قلت: قد روي عن أبي محذورة أيضًا ما ليس فيه الترجيح وهو ما رواه الطبراني فى "الأوسط" (١) قال: نا أحمد بن عبد الرحمن، ثنا أبو جعفر النفيلي ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: سمعت جدّي عبد الملك بن أبي محذورة، أنه سمع أبا محذورة يقول: "ألقي عليّ رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا: الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر، الله أكبر] (٢) أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله ... " إلى، آخره ولم يذكر فيه ترجيعًا.
فهذا يعارض سائر الروايات التي فيها الترجيح ويوافق حديث عبد الله بن زيد، فالرجوع إلى المتفق عليه أولى بلا خلاف.
стр. 1108
ص: باب: الإقامة، كيف هي ؟
ش: أي هذا باب في بيان كيفية الإقامة للصلاة، والمناسبة بين البابين ظاهرة جدًّا، وهي إعلام مخصوص للحاضرين، كما أن الأذان إعلام مخصوص للغائبين.
ص: حدثنا مُبَشِّرَ بن الحسن بن مُبَشِّر بن مُكَسِّر، قال: نا أبو عامر العقدي، قال: نا شعبة، عن خالد الحذَّاء، عن أي قلابة، عن أنس ﵁ قال: "أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
ش: إسناده صحيح، ومبشر بن الحسن أبو بشر البصري، وثقه ابن يونس.
وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو، ونسبته إلى عَقَد -فتح العين والقاف- قوم من قيس، وهم صنف من أزد.
وأبو قلابة اسمه عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام.
وأخرجه البخاري (١): نا علي بن عبد الله، نا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا خالد، عن أبي قلابة عن أنس قال: "أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة".
قوله: "أن يشفع الأذان" يعني يأتي به مثنًى، وهذا مجمع عليه اليوم، وحكي في إفراده خلاف عن بعض السلف.
قوله: "ويوتر الإقامة" يعني يأتي بها وترًا ولا يثنيها، بخلاف الأذان.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حَرْب، قال: نا شعبة وحماد بن زيد ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا خالد بن عبد الرحمن الخراساني، قال: نا سفيان، عن خالد ... ، ذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا حجاج بن منهال، قال: نا حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن خالد ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 1109
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الله الهرويَّ، قال: نا محمَّد بن دينار الطاحي، قال: ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "كانوا أرادوا أن يضربوا بالناقوس وأن يرفعوا نارًا لإعلام الصلاة، حتى رأى ذلك الرجل تلك الرؤيا، فَأْمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
حدثنا نَصْر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو الجزري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
ش: هذه ستة طرق أخرى في الحديث المذكور، وهي صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسي، عن سليمان بن حرب الواشحي أحد مشايخ البخاري، عن شعبة وحماد بن زيد، كلاهما عن خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس.
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١) وقال: أنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
الثاني: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس.
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة".
الثالث: عن محمَّد خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد، كلاهما عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس.
стр. 1110
وأخرجه مسلم (١) وقال: نا خلف بن هشام، قال: ثنا حماد بن زيد.
ونا يحيى بن يحيى، قال: أنا إسماعيل بن عَلية، جميعًا عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
الرابع: عن محمَّد بن عيسى بن فليح بن سليمان الخزاعي، عن سعيد بن منصور الخراساني أحد مشايخ مسلم، عن هُشَيْم بن بَشير، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢) وقال: ثنا أحمد بن عبد الله الوكيل، ثنا الحسن ابن عرفة، ثنا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أَن يشفع الأذان ويوتر الإقامة".
الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسي، عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، أحد مشايخ الترمذي وابن ماجه.
عن محمَّد بن دينار الأزدي الطَّاحِي -بالطاء والحاء المهملتين- نسبة إلى طاحية قبيلة من الأزد.
عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس.
وأخرجه البخاري (٣) وقال: ثنا محمَّد، قال: أنا عبد الوهاب، قال: أنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "لما كثر الناس قال: ذكروا أنْ يُعْلِموا وقت الصلاة بشيء يَعْرفونه، فذكورا أن يُورَوْا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمر بلال أن يشفع [الأذان] (٤) وأن يوتر الإقامة".
стр. 1111
وأخرجه مسلم أيضًا: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالدٌ الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "ذكروا أن يُعلموا وقتَ الصلاة بشيء يَعْرفونه، فذكروا أن يُنوّروا نارًا، ويضربوا ناقوسًا، فأُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
قوله: "حتى رأى ذلك الرجل" أراد به عبد الله بن زيد الأنصاري.
قوله: "أن يُوروا" من أورى النار إذا أوقدها وثلاثيَّه: وَرَى. يقال: وَرَى الزند يَرِي: إذا أخرجت نارُه، وأوْرَاه غيره إذا استخرج نارَه.
قوله: "ينوّروا" في رواية مسلم: من التنوير.
السادس: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن مَعبد بن شداد العَبدي، عن عَبَيْد الله عَمرو الجزريّ، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس.
وأخرجه أبو داود (١): عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا فقالوا هكذا الإقامة تفرد مرة مرة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: ربيعة، ومالكًا، وأهل المدينة؛ فإنهم قالوا: الإقامة فُرادى كلّها.
وقال القاضي عياض: المشهور عن مالك إفراد الإقامة؛ لأنه المعمول به بالمدينة.
وقال أبو عمر: قال مالك -في المشهور-: إن الإقامة عشر كلمات، فلا يثني لفظ الإقامة.
وهو قول قديم للشافعي، واحتجوا في ذلك بما روي عن أنس، المذكور آنفًا.
стр. 1112
ص: وخالفهم في ذلك آخرون في حرْف من ذلك، فقالوا: إلا قوله: "قد قامت الصلاة" فإنه ينبغي أن يثني ذلك مرتين.
ش: أي خالف القوم المذكورين فيما قالوا من إفراد كلمات الإقامة جميعها جماعة آخرون، وأراد بهم: مكحولًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عُبَيْد؛ فإنهم وافقوا القوم المذكورين في إفراد الإقامة، ولكن خالفوهم في حَرْف منه؛ أي: في طرف منه وهو أن لفظ "قد قامت الصلاة" عندهم مرتين، وعند أولئك القوم مرة واحد كغيرها من ألفاظ الإقامة.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حَرْب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن سماك بن عطية، عن أيوب، عن أن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلَّا الإقامة".
وحدثنا محمَّد بن حزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان العَوَقي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس.
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان، قال: ثنا إسماعيل -يعني ابن عُلَيَّة- قال: ثنا خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة".
قال إسماعيل: فحدثت به أيوب فقلت له: "وأن يوتر الإقامة" فقال: "إِلَّا الإقامة".
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من إِفراد ألفاظ الإقامة إلا لفظ الإقامة، بحديث أنس ﵁ أيضًا.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم ابن أبي داود البُرُلُّسي، عن سليمان بن حَرْب الواشحي، عن حماد بن زَيْد، عن سماك بن عطية البصري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرْمي، عن أنس.
стр. 1113
وأخرجه البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن زيد ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "إلا الإقامه" استثناء من قوله: "ويوتر الإقامة"، والمعنى: ويفرد ألفاظ الإقامة للصلاة إلا لفظ الإقامة وهي "قد قامت الصلاة" فإنها تثنى.
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن محمَّد بن سنان العَوَقي نِسبة إلى عَوَقة -بفتح العين المهملة والواو والقاف- من عبد القيس، عن حماد بن سلمة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس.
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة أيضًا، عن محمَّد بن سنان أيضًا، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن خالد ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢) وقال: نا علي بن عبد الله، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، نا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة" قال إسماعيل: فذكرت لأيوب، فقال: "إلا الإقامة".
وأخرجه مسلم (٣) وقال: ثنا خلف بن هشام، قال: ثنا حماد بن زيد.
وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا إسماعيل بن عُليَّة، جميعًا عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة" زاد يحيى في حديثه عن ابن علية: فحدثت به أيوب فقال: "إلا الإقامة".
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا شعبة، عن أبي جَعْفر الفرّاء، عن مسلم -مؤذنٍ كان لأهل الكوفة- عن ابن عمر ﵄ قال: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين والإقامة مرةً مرةً، غير أنه إذا قال: قد قامت الصلاة قالها مَرّتين، فعرفنا أنها الإقامة، فيتوضأ أحدُنا ثم يخرجُ".
стр. 1114
ش: إسناده حسن، وأبو جعفر الفراء الكوفي والد عبد الحميد بن أبي جعفر، قيل: اسمه كيْسان، وقيل: سَلْمان، وقيل: زياد وثقه ابن حبان، وأبو داود وروي له.
ومسلم مؤذن أهل الكوفة هو مسلم بن المثنى، ويقال: ابن مهران بن المثنى القرشي الكوفي، وثقه أبو زرعة وابن حبان.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن بشار، نا محمَّد بن جعفر، نا شعبة، قال: سمعتُ أبا جعفر يُحدّث، عن مسلم بن المثنى، عن ابن عمر ﵄ قال: "إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرةً مرةً، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة" قال شعبة: لم أسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا من النظر، فقالوا: قد رأينا الأذان ما كان منه مكررًا لم يثنّ في المرة الثانية، وجعل على النصف مما هو عليه في الابتداء، وكانت الإقامة لا يبتدأ بها، إنما تكون بعد الأذان، فكان النظر على ذلك أن يكون ما فيها مما هو في الأذان غير مثنى، وما فيها مما ليس في الأذان مثنى، فكل الإقامة في الأذان غير "قد قامت الصلاة" فتفرد الإقامة كلها ولا تُثَنّى غير "قد قامت الصلاة" فإنها تكررّ لأنها ليست من الأذان.
ش: أي واحتج الآخرون الذين خالفوا القوم المذكورين في حرف من ذلك فيما ذهبوا إليه من وجه النظر والقياس أيضًا، بيانه: أن الإقامة تكون بعد الأذان متابعة له، وفيها شيء من ألفاظ الأذان وشيء من غيرها، وكان ما يكرر في الأذان أولًا يُجَعلُ على النصف آخرًا، فالنظر على ذلك: ينبغيِ أن يكون ما في الإقامة مما هو في الأذان غير مثنى ليجعل على النصف من ذلك، وما فيها مما ليس في الأذان كلفظ: "قد قامت الصلاة" لا يجعل على النصف نحو ذلك؛ لأنها ليست من الأذان حتى تجعل على النصف، فحيئذ تثنى؛ فافهم.
стр. 1115
ص: وخالفهم آخرون في ذلك كله.
فقالوا: الإقامة كلها مثنى مثنى مثل الأذان سواء، غير أنه يقال في آخرها: "قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة".
ش: أي خالف الطائفتن المذكُورِين جماعة آخرون فيما ذهبوا إليه من إفراد ألفاظ الإقامة كلها، أو إفرادها غير "قد قامت الصلاة" وهم سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومن ذهب إلى مذهبهم من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: الإقامة كلها مثنى مثنى مثل الأذان سوء بسواء، غير أنه تزاد في الإقامة بعد الفلاح: "قد قامت الصلاة" مرتين.
ص: وقالوا ما ذكرتم عن بلال ﵁، فقد روي عنه خلاف ذلك مما سنذكره إن شاء الله بعد.
ش: أي قال هؤلاء الآخرون لأهل المقالتين المذكورتين: ما ذكرتم عن بلال ﵁ من أنه أُمر بأن يشُفع الأذان ويوتر الإقامة، فإنه وإن كان قد روي عنه ذلك فقد روي عنه أيضًا خلافه على ما يجيء بيانه، فحينئذ يتعارض خبراه فيرجع حينئذ إلى الأصول وهو على وجوه:
الأول: أن مدَّعَانَا يُرجَّح بكثرة الدلائل من الأخبار والآثار الدالة على أن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان.
والثاني: أن قوله: "أُمر بلال" قد يقال فيه: إن الأمر مُبْهم، يحتمل أن يكون رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون غيره، وقد قيل: إن الآمر بذلك أبو بكر ﵁، وقيل: عمر بن الخطاب ﵁، فحصل فيه احتمالات تدفع الاحتجاج به، مع وجود الآثار الدالة على خلافه.
وقال الشيخ محيي الدين النوويّ: إطلاق ذلك ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله ﵇، ومثل هذه اللفظة قول الصحابي: "أمرنا بكذا"، أو "نهينا عن كذا" وأُمر الناس بكذا فكله مرفوع سواء قال الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله ﵇ أم بعد وفاته.
стр. 1116
قلت: فيه مناقشة؛ لأن من الإطلاق تنشأ الاحتمالات، وقوله: "سواء ... " إلى آخره غير مُسَلَّم؛ لجواز أن يقول الصحابيّ بعد الرسول: "أمرنا بكذا" أو "نهينا عن كذا" ويكون الآمر أو الناهي أحد الخلفاء الراشدين.
والثالث: أن بعضهم ادعوا أن حديث أبي محذورة ناسخ لحديث أنسِ ﵁ هذا، قالوا: وحديث بلال ﵁ إنما كان أول ما شرع الأذان كما دلّ عليه حديث أنس، وحديث أبي محذورة كان عام حنين وبينهما مدّة مديدة، فإن قيل: شرط الناسخ أن يكون أصح سندًا وأقوى في جميع جهات الترجح، وحديث أبي محذورة لا يساوي حديث أنس من جهة واحدة فضلًا عن الجهات كلها.
قلت: لا نسلم أن من شرط الناسخ ذلك، بل يكفي فيه أن يكون صحيحًا متأخرًا معارضًا غير ممكن الجمع بينه وبين معارضه، فلو فرضناهما متساويين في الصحة، ووجد ما ذكر من الشرط لثبت النسخ، وأما أنه يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا نُسَلِّم، نعم لو كان دونه في الصحة ففيه نظر.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن داود الخريبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أن عبد الله بن زيد رأى رجلًا نزل من السماء عليه ثوبان أخضران أو بردان أخضران فقام على جِذْم حائط، فأذن: الله أكبر الله أكبر، على ما ذكرنا في الباب الأول، "ثم قعد، ثم قام فأقام مثل ذلك، فأتى النبي ﵇ فأخبره، فقال: نِعْمَ ما رأيتَ عَلِّمها بلالًا".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوريُّ، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثَنى أصحاب محمَّد ﷺ : "بأن عبد الله بن زيد الأنصاريّ ﵁ رأى في المنام الأذان، فأتى النبي ﵇ فأخبره، فقال: علمه بلالًا، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، وقعد قعدة".
стр. 1117
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا ... فذكر نحوه.
قال: وقال عبد الله: لولا أني أتهم نفسي لظننت أني رأيت ذلك وأنا يقظان غير نائم، وقال عمر بن الخطاب ﵁: وأنا والله لقد طاف بى الذي طاف بعبد الله، فلما رأيته قد سبقني سكَتُّ". ففيِ هذه الآثار: أن بلالًا أذَّنَ بتعليم عبد الله بن زيد بأمر النبي ﵇ إياه بذلك وأقام مثنى بخلاف الحديث الأول.
ش: هذا الحديث بثلاث طرقه الصحاح بيان لقوله: "فقد روي عنه خلاف ذلك"؛ لأن فيه أنه أذن بإلقاء عبد الله بن زيد عليه بأمر النبي ﵇ إياه بذلك، وفيه "وأقام مثنى" وهذا يخالف ما رواه أنس من أن بلالًا أُمِر أن يشفع بالأذان ويوتر بالإقامة، فحينئذ لا يتم احتجاج أهل المقالتين بحديث أنس كما ذكرناه عن قريب.
ثم إن الطحاوي: أخرج هذا الحديث بعينه بالإسنادين الأولين في باب "الأذان" في بحث الترجيع ولكن في السند الأول زيادة ها هنا، وهي قوله: "ثم قعد ثم قام فأقام مثل ذلك" وفي هذه الزيادة الاحتجاج على الخصم في إفراد الإقامة، فلذلك كرره ها هنا مع ذكر هذه الزيادة.
وكذلك في السند الثاني زيادة وهي قوله: "وأقام مثنى مثنى وقعد قعدة" وفيهما دلالة صريحة على أن الإقامة مثل الأذان.
وأخرجه ابن حزم (١) وقال: ثنا محمَّد بن سعيد بن نُبات، نا عبد الله بن نصر، نا قاسم بن الأصبغ، نا ابن وضاح، نا موسى بن معاوية، نا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمَّد ﵇: "أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام فأتى النبي ﵇ فأخبره، قال: "علمه بلالًا"، فقام بلالًا فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى" ثم قال: هذا إسناد في غاية الصحة
стр. 1118
من إسناد الكوفيين ثم قال: إنما صح أَنَّ تثنية الإقامة قد نُسخت وإنما هي كانت أول الأمر، والأفضل ما صح من أمر رسول الله ﵇ بلالًا بأن يوترها إلا الإقامة، والصحيح الآخِر أولى بالأخذ مما لا يبلغ درجته.
قلت: لو كان حديث بلال ناسخًا لهذا الحديث لما روي عن بلال بعده: "أنه كان يثني الأذان ويثني الإقامة". كما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١) والدارقطنى في "سننه" (١) على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وكيف يُظن ببلال أنه يترك الناسخ ويأتي بالمنسوخ، ولئن سلمنا أن حديثه ناسخ لحديث ابن أبي ليلى ولكن لا نسلم أن حكمه باقٍ؛ لأنه منسوخ أيضًا بحديث أبي محذورة لما أن حديثه كان في أول الأمر، وحديث أبي محذورة كان عام حنين كما ذكرناه آنفًا.
قوله: "لولا أنهم نفسي" من الاتهام، وهو الريبة، والمعنى: لولا أني أشك في نفسي، وأصل هذا من الوهم وهو الغلط والسهو ومنه التُهَمَة، وأصلها وَهَمَة، فأبدلت الواو تاءً.
قوله: "يقظان" بفتح القاف وكسرها.
قوله: "غير نائم" حال أيضًا، تأكيد للحالة الأولى.
قوله: "لقد طاف بي" من طاف بالشيء إذا دار حوله. يقال: طُفْتُ أَطُوفُ طَوْفًا وطَوَافًا.
ص: ثم قد روي عن بلال ﵁ أنه كان بعد النبي ﵇ يؤذن مثنى مثنى ويقيم مثنى مثنى، فدلّ ذلك أيضًا على انتفاء ما روى أنس ﵁.
حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن بلال: "أنه كان يثني الأذان، ويُثني الإقامة".
стр. 1119
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان، قال: نا شريك (ح).
وحدثنا روح بن الفرح، قال: ثنا محمَّد بن سليمان لوين، قال: ثنا شريك، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال: "سمعت بلالًا يؤذن مثنى، ويقيم مثنى" فهذا بلال قد روي عنه في الإقامة ما يخالف ما ذكره أنس ﵁.
ش: لما بَيَّن ما روي عن بلال من تثنية الإقامة في حياة النبي ﵇ الذي يخالف ما رواه أنس عنه من أنه أُمر بأن يوتر الإقامة، أكدَّ ذلك بما روي عنه أيضًا من أنه كان يثني الإقامة بعد النبي ﵇ أيضًا، مثل ذلك يدلّ على انتفاء ما رواه أنس، وأن العمل على حديث عبد الله بن زيد؛ لأنه هو أصل الأذان والإقامة في تثنية ألفاظهما.
فإن قيل: قال ابن حزم: لم يؤذن بلال لأحد بعد رسول الله إلا مرة واحدة بالشام للظهر أو العصر ولم يستتم الأذان فيها.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لعدم الدليل الصحيح عليه، ولئن سلمنا ذلك فلا يضرّنا؛ لأن النزاع في الإقامة، ولا شك أن بلالًا إذا صلى كان يقيم، وكان يقيم مثنى مثنى وإن كان لا يقيم بنفسه بعد كان يسمع من يقيم، ولو أمر من يقيم بالإفراد أو منع من يقيم مثنى لنُقِل عنه ذلك، فحيث لم ينقل دلّ على أن الإقامة عنده مثنى مثنى، ولم يتغير حكمها عما كان عليه في حديث عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁.
ثم إنه أخرج ما روي عن بلال -من تثنية الإقامة- من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، وثقه ابن يونس.
عن يعقوب بن حميد شيخ البخاريّ في كتاب "الأفعال" ووثقه يحيى وابن حبان.
عن عبد الرزاق بن همام صاحب "المصنف".
عن معمر بن راشد.
عن حماد بن أبي سليمان الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتجت به الأربعة.
عن إبراهيم النخعي.
стр. 1120
عن الأسود بن يزيد النخعي الكوفي.
عن بلال ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): أنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد: "أن بلالًا كان يثني الأذان، ويثني الإقامة، وإن كان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير".
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا محمَّد بن إسماعيل الفارسي، ثنا إسحاق ابن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر ... إلى آخره نحوه.
فإن قيل: قال ابن الجوزي في "التحقيق": والأسود لم يدرك بلالًا.
قلت: قال صاحب "التنقيح": وفيما قاله نظر؛ وقد روى النسائي للأسود عن بلال ﵁ حديثا (٣).
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد.
عن محمَّد بن سنان العَوَقيِ.
عن شريك بن عبد الله النخعي.
عن عمران بن مسلم المنْقري البصْري القَصِير.
عن سويد بن غَفَلة بن عوسجة أبي أمية الكوفي.
وأخرجه الحكم (٤) ثم البيهقي في "الخلافيات" وعلله الحاكم بأنه مرسل، وأن سويدًا لم يدرك أذان بلال، وإقامته في عهد النبي ﵇ وأن شريكا وعمران غير محتج بهما في "الصحيح".
стр. 1121
قلت: سويد أدرك الجاهلية ولم يَر النبي ﷺ وأدى الزكاة لمصدق رسول الله ﵇، فهو وإن لم يدرك آذان بلال وإقامته في عهد النبي ﵇ فلا مانع من إدراكه لهما في عهد أبي بكر ﵁؛ فقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره (١): "أن بلالًا أذن حياة النبي ﵇، ثم أذن لأبي بكر ﵁ حياته ولم يؤذن لعمر ﵁، فقال له عمر: ما يمنعك أن تؤذن؟ فقال: إني أذنت لرسول الله ﵇ ثم قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله ﵇ يقول: يا بلال، ليس عمل أفضل من [عملك هذا إلا] (٢) الجهاد في سبيل الله، فخرج وجاهد".
وفى "الخلافيات" للييهقي أيضًا؛ أنه أذن لأبي بكر ﵁.
ورواية الطحاوي تصح بالسماع.
وأما شريك فإن الحاكم صحح روايته في المستدرك، وأخرج له مسلم متابعة.
وعمران بن مسلم وثقه يحيى وأبو حاتم وغيرهما، فلا يعارض ذلك بعدم الاحتجاج بهما في الصحيح.
الثالث: عن روح بن الفرح القطان المصري.
عن محمَّد بن سليمان بن حبيب المصيصي العلاف، المعروف بلُوَيْن -بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- شيخ أبي داود والنسائي، ووثقه ابن حبان وغيره.
عن شريك النخعي ... إلى آخره.
وقد روى الطبراني (٣) أيضًا بإسناده إلى بلال: "أنه كان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى، وكان يجعل إصبعيه في أذنيه".
стр. 1122
وأخرجه الدارقطنى في "سننه" (١) بإسناده إلى بلال: "أنه كان يؤذن للنبي ﵇ مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى".
فإن قيل: ضعّف ابن حبان هذا الحديث بزياد البكائي.
قلت: لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن أحمد وثقه، وقال أبو زرعة: صدوق، واحتج به مسلم.
ص: في حديث أبي محذورة أن رسول الله ﷺ علمه الإقامة مثنى مثنى.
حدثنا علي بن معبد وعلي بن شيبة، قالا: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، قالت: سمعت أبا محذورة (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أبيه وأم عبد الملك بن أبي محذورة، أنهما سمعا أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله ﷺ الإقامة مثنى مثنى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
غير أن أبا بكرة يذكر في حديثه "قد قامت الصلاة".
حدثنا أبو بكرة وعليّ بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عثمان، قال: ثنا همام، قال: حدثني عامر الأحول، قال: أخبرني مكحول، أن عبد الله بن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله ﵇ علمه الإقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر ... " ثم ذكر مثل حديث روح بن عبادة.
حدثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام (ح).
стр. 1123
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن سنان، قال: ثنا همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أي محذورة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد وأبو عمر الحوضيّ، قالا: ثنا همام (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا همام، قال: ثنا عامر الأحول، قال: ثنا مكحول. أن ابن محيريز حدثه أنه سمع أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله ﵇ الإقامة سبع عشرة كلمة".
ش: أخرج حديث أبي محذورة هذا ها هنا من سبع طرق فيها: أن رسول الله ﷺ علمه الإقامة مثنى مثنى.
وهذا أيضًا مما يؤيد أن الأصل الذي يرجع إليه: حديث عبد الله بن زيد الأنصاري الذي فيه: الإقامة مثل الأذان مثنى مثنى.
الأول: عن علي بن معبد بن نوح وعلي بن شيبة بن الصَلْت، كلاهما عن رَوح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، قالت: سمعت أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله ﵇ ... إلى آخره".
وهذا الإسناد بعينه قد ذكره في أول باب الأذان ولكن فيه: "علّمني رسول الله ﵇ الأذان كما تؤذنون الآذان الله أكبر ... إلى آخره" وها هنا: "علّمني رسول الله ﵇ الإقامة مثنى مثنى ... إلى آخره".
وأخرجه النسائي (١): عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة وفيه: "وعلّمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
стр. 1124
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النَّبِيل الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه، وعن أم عبد الملك كلاهما عن أبي محذورة ... إلى آخره.
وهذا أيضًا بعينه قد ذكره في أول باب الأذان.
وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة وفيه: "علّمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
الثالث: عن أبي بكرة بكار وعلي بن عبد الرحمن، كلاهما عن عفان بن مسلم، عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن مكحول الدمشقي، أن عبد الله بن محيريز حدثه إلى آخره.
وهذا أيضًا بعينه قد ذكره في باب الأذان، ولكن لفظه هناك: "علّمه الأذان تسع عشرة كلمة" وها هنا: "علمه الإقامة سبع عشرة كلمة".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا الحسن بن علي، ثنا عفان وسعيد بن عامر والحجاج -والمعنى واحد- قال عفان: نا همام، نا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله ﷺ علّمه الأذان تسعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشرة كلمة ... " الحديث، وقد ذكرناه بتمامه في باب "الأذان".
وأخرجه الترمذى (٣): نا أبو موسى محمَّد بن المثنى، قال: نا عفان، قال: نا همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة:
стр. 1125
"أن رسول الله ﵇ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وأبو محذورة اسمُه سَمرة بن مِعْيَره.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١) ولفظه: "فعلّمه الأذان والإقامة مثنى مثنى.
وكذلك رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢)، واعترض البيهقي وقال: هذا الحديث عندي غير محفوظ الوجوه:
أحدها: أن مسلمًا لم يخرّجه ولو كان محفوظًا لم يتركه مسلم لأن هذا الحديث قد رواه هشام الدستوائي، عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة كما أخرجه مسلم في "صحيحه".
والثاني: أن أبا محذورة قد روي عنه خلافه.
والثالث: أن هذا الخبر لم يَدُم عليه أبو محذورة ولا أولاده، ولو كان هذا حكمًا ثابتًا لمَا فعلوا بخلافه.
وأجاب الشيخ في "الإِمام" بأن عدم تخريج مسلم إياه لا يدلّ على عدم صحته؛ لأن لم يلتزم إخراج كل الصحيح.
وعن الثاني: أن تعيين العدد "تسعة عشر وسبعة عشر" ينفي الغلط في العدد، بخلاف غيره من الروايات؛ لأنه قد يقع فيها اختلاف وإسقاط، وأيضًا قد وجدت متابعة لهمام في روايته عن عامر.
كما أخرجه الطبراني (٣): عن سعيد بن أبي عروبة، عن عامر بن عبد الواحد، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة: قال: "عَلَّمني رسول الله ﵇ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة".