قلت: سويد أدرك الجاهلية ولم يَر النبي ﷺ وأدى الزكاة لمصدق رسول الله ﵇، فهو وإن لم يدرك آذان بلال وإقامته في عهد النبي ﵇ فلا مانع من إدراكه لهما في عهد أبي بكر ﵁؛ فقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره (١): "أن بلالًا أذن حياة النبي ﵇، ثم أذن لأبي بكر ﵁ حياته ولم يؤذن لعمر ﵁، فقال له عمر: ما يمنعك أن تؤذن؟ فقال: إني أذنت لرسول الله ﵇ ثم قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله ﵇ يقول: يا بلال، ليس عمل أفضل من [عملك هذا إلا] (٢) الجهاد في سبيل الله، فخرج وجاهد".
وفى "الخلافيات" للييهقي أيضًا؛ أنه أذن لأبي بكر ﵁.
ورواية الطحاوي تصح بالسماع.
وأما شريك فإن الحاكم صحح روايته في المستدرك، وأخرج له مسلم متابعة.
وعمران بن مسلم وثقه يحيى وأبو حاتم وغيرهما، فلا يعارض ذلك بعدم الاحتجاج بهما في الصحيح.
الثالث: عن روح بن الفرح القطان المصري.
عن محمَّد بن سليمان بن حبيب المصيصي العلاف، المعروف بلُوَيْن -بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- شيخ أبي داود والنسائي، ووثقه ابن حبان وغيره.
عن شريك النخعي ... إلى آخره.
وقد روى الطبراني (٣) أيضًا بإسناده إلى بلال: "أنه كان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى، وكان يجعل إصبعيه في أذنيه".
стр. 1122
وأخرجه الدارقطنى في "سننه" (١) بإسناده إلى بلال: "أنه كان يؤذن للنبي ﵇ مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى".
فإن قيل: ضعّف ابن حبان هذا الحديث بزياد البكائي.
قلت: لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن أحمد وثقه، وقال أبو زرعة: صدوق، واحتج به مسلم.
ص: في حديث أبي محذورة أن رسول الله ﷺ علمه الإقامة مثنى مثنى.
حدثنا علي بن معبد وعلي بن شيبة، قالا: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، قالت: سمعت أبا محذورة (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أبيه وأم عبد الملك بن أبي محذورة، أنهما سمعا أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله ﷺ الإقامة مثنى مثنى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
غير أن أبا بكرة يذكر في حديثه "قد قامت الصلاة".
حدثنا أبو بكرة وعليّ بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عثمان، قال: ثنا همام، قال: حدثني عامر الأحول، قال: أخبرني مكحول، أن عبد الله بن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله ﵇ علمه الإقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر ... " ثم ذكر مثل حديث روح بن عبادة.
حدثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام (ح).
стр. 1123
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن سنان، قال: ثنا همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أي محذورة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد وأبو عمر الحوضيّ، قالا: ثنا همام (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا همام، قال: ثنا عامر الأحول، قال: ثنا مكحول. أن ابن محيريز حدثه أنه سمع أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله ﵇ الإقامة سبع عشرة كلمة".
ش: أخرج حديث أبي محذورة هذا ها هنا من سبع طرق فيها: أن رسول الله ﷺ علمه الإقامة مثنى مثنى.
وهذا أيضًا مما يؤيد أن الأصل الذي يرجع إليه: حديث عبد الله بن زيد الأنصاري الذي فيه: الإقامة مثل الأذان مثنى مثنى.
الأول: عن علي بن معبد بن نوح وعلي بن شيبة بن الصَلْت، كلاهما عن رَوح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، قالت: سمعت أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله ﵇ ... إلى آخره".
وهذا الإسناد بعينه قد ذكره في أول باب الأذان ولكن فيه: "علّمني رسول الله ﵇ الأذان كما تؤذنون الآذان الله أكبر ... إلى آخره" وها هنا: "علّمني رسول الله ﵇ الإقامة مثنى مثنى ... إلى آخره".
وأخرجه النسائي (١): عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة وفيه: "وعلّمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
стр. 1124
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النَّبِيل الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه، وعن أم عبد الملك كلاهما عن أبي محذورة ... إلى آخره.
وهذا أيضًا بعينه قد ذكره في أول باب الأذان.
وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة وفيه: "علّمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
الثالث: عن أبي بكرة بكار وعلي بن عبد الرحمن، كلاهما عن عفان بن مسلم، عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن مكحول الدمشقي، أن عبد الله بن محيريز حدثه إلى آخره.
وهذا أيضًا بعينه قد ذكره في باب الأذان، ولكن لفظه هناك: "علّمه الأذان تسع عشرة كلمة" وها هنا: "علمه الإقامة سبع عشرة كلمة".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا الحسن بن علي، ثنا عفان وسعيد بن عامر والحجاج -والمعنى واحد- قال عفان: نا همام، نا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله ﷺ علّمه الأذان تسعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشرة كلمة ... " الحديث، وقد ذكرناه بتمامه في باب "الأذان".
وأخرجه الترمذى (٣): نا أبو موسى محمَّد بن المثنى، قال: نا عفان، قال: نا همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة:
стр. 1125
"أن رسول الله ﵇ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وأبو محذورة اسمُه سَمرة بن مِعْيَره.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١) ولفظه: "فعلّمه الأذان والإقامة مثنى مثنى.
وكذلك رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢)، واعترض البيهقي وقال: هذا الحديث عندي غير محفوظ الوجوه:
أحدها: أن مسلمًا لم يخرّجه ولو كان محفوظًا لم يتركه مسلم لأن هذا الحديث قد رواه هشام الدستوائي، عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة كما أخرجه مسلم في "صحيحه".
والثاني: أن أبا محذورة قد روي عنه خلافه.
والثالث: أن هذا الخبر لم يَدُم عليه أبو محذورة ولا أولاده، ولو كان هذا حكمًا ثابتًا لمَا فعلوا بخلافه.
وأجاب الشيخ في "الإِمام" بأن عدم تخريج مسلم إياه لا يدلّ على عدم صحته؛ لأن لم يلتزم إخراج كل الصحيح.
وعن الثاني: أن تعيين العدد "تسعة عشر وسبعة عشر" ينفي الغلط في العدد، بخلاف غيره من الروايات؛ لأنه قد يقع فيها اختلاف وإسقاط، وأيضًا قد وجدت متابعة لهمام في روايته عن عامر.
كما أخرجه الطبراني (٣): عن سعيد بن أبي عروبة، عن عامر بن عبد الواحد، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة: قال: "عَلَّمني رسول الله ﵇ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة".
стр. 1126
وعن الثالث: أن هذا داخل في باب الترجيح لا في باب التضعيف؛ لأن عمدة التصحيح عدالة الراوي، وترك العمل بالحديث لوجود مأثور أرجح منه لا يلزم منه ضعفه؛ ألا ترى أن الأحاديث المنسوخة يحكم بصحتها إذا كانت روُاتها عدولًا, ولا يعمل بها لوجود الناسخ، وإذا آل الأمرُ إلى الترجيح فقد يختلف الناس.
قلت: وله طريق أخر عند أبي داود (١) أخرجه: عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب وفيه: "وعلّمني الإقامة مرتين مرتين" ثم ذكرها مفسرا وقد مرّ بيانه.
وله طريق عند الطحاوي (٢) أخرجه: عن شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: "سمعت أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى ويقيم مثنى مثنى".
قال في "الإِمام": قال ابن معين: عبد العزيز بن رفيع ثقة.
الرابع: عن علي بن معبد بن نوح، عن موسى بن داود الضبّي، عن همام بن يحيى، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، عن رسول الله ﵇.
وأخرجه الدارقطني (٣): ثنا أبو هاشم عبد الغافر بن سلامة الحمصي، ثنا محمَّد ابن عون الحمصي، ثنا موسى بن داود، عن همام، عن عامر الأحول، أن مكحولًا حدّثه، أن ابن محيريز حدّثه، أن أبا محذورة حدّثه، قال: "علمني رسول الله ﷺ الأذان تسعة عشر كلمةً بعد فتح مكة، والإقامة سبعة عشر كلمة".
الخامس: عن محمَّد بن راشد، عن محمَّد بن سنان العَوَقي، عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 1127
وأخرجه النسائي (١): أنا سُويد بن نَصْر، قال: أنا عبد الله، عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد، قال: ثنا مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، أن رسول الله ﷺ قال: "الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، ثم عدّها أبو محذورة تسع عشرة وسبع عشر كلمة".
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي وأبي عمر حفص بن عُمر الحَوضْي، كلاهما عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة يقول: "علّمني رسول الله ﷺ الإقامة سبع عشرة كلمة".
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال (ح).
وثنا محمَّد بن يحيى بن المنذر القزاز، ثنا حفص بن عمر الحوضي (ح).
وثنا معاذ بن المثنى، ثنا أبو الوليد الطيالسي (ح).
وثنا زكرياء بن حمدويه الصفَّار، ثنا عفان، قالوا: ثنا همام، ثنا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله ﵇ علَّمه الأذان تسعة عشر كلمة، والإقامة سبعة عشر كلمة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والإقامة مثنى مثنى".
السابع: عن محمَّد بن خزيمة البصري، عن الحجاج بن منهال الأنْماطي، عن همام، عن عامر، عن مكحول، أن ابن مُحيريز حدثه، أنه سمع أبا محذورة يقول: "علّمني رسول الله ﷺ الإقامة سبع عشرة كلمةً".
стр. 1128
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا أبو الوليد الطيالسي وحجاج بن المنهال، قالا: نا حماد، قال: نا همام، نا عامر الأحول- قال حجاج في حديثه: عامر بن عبد الواحد- قال: حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله ﵇ علمه الأذان تسعة عشر كلمة، والإقامة سبعة عشر كلمة".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فتصحيح معاني هذه الآثار يُوجبُ أن تكون الإقامة مثل الأذان سواءً، على ما ذكرنا؛ لأن بلالًا اختلف عنه فيما أُمِر به من ذلك، ثم ثبت هو من بعد على التثنية في الإقامة بتواتر الآثار في ذلك.
ش: أراد بها الآثار المروية عن أبي محذورة فإنها صريحة في أن الإقامة والأذان متساويان.
قوله: "لأن بلالًا اختلف عنه فيما أُمِرَ به من ذلك" أي: من أَمر الإقامة، فروي عنه أنه أُمِر بأن يوتر الإقامة، وروى أنه ﵇ علّمه ما رآه عبد الله بن زيد في منامه، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم بعد ذلك ثبت هو على تثنية الإقامة كما روى عنه الأسود النخعي وسُويد بن غفلة، على مَا مَرَّ مستقصىً.
قوله: "بتواتر الآثار" أي بتكاثر الأخبار والروايات فيها على ما ذكر.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإن قومًا احتجوا في ذلك ممن يقول الإقامة تُفرَدُ مرةً مرةً بالحجة التي ذكرناها لهم في هذا الباب مما يكرر في الأذان ومما لا يكرر، فكانت الحجة عليهم في ذلك: أن الأذان كما ذكروا ما كان منه مما يذكر في موضعين مرّ ثُنِّي في الموضع الأول وأفْرِد في الموضع الآخر، وما كان منه غير مُثنى أفْرِد، وأما الإقامةُ فإنَّها تُفْعلُ بعد انقطاع الأذان، فلها حكم مستقِلٌّ، وقد رأينا ما تُختمُ به الإقامة من قول لا إله إلا الله هو ما يُختْمُ به الأذان من ذلك، فالنظر على ذلك: أن تكون بقية الإقامة على مثل بقية الأذان أيضًا، فكان مما يدخل على هذه الحجة: أنَّا رأينا ما تُخْتَمُ به الإقامةُ لا نِصْفَ له، فيجوز أن يكون المقصود إليه منه هو نصفه إلا
стр. 1129
أنه لما لم يكن له نصفٌ كان حكمه كحكم سائر الأشياء التي لا تنقسمُ مما إذا وجَب بعضها؛ وجَب بوجُوبه كلُها، فلهذا صَارَ ما يُختم به الأذان والإقامة من قول لا إله إلا الله سواءً، فلم يكن في ذلك دليلٌ لأحَد المعنيين على الآخر، ثم نظرنا في ذلك، فرأيناهم لم يَخْتلفوا أنه في الإقامة بعد الصلاة والفلاح يقولُ: الله أكبر الله أكبر، فيجيء به ها هنا على مثل ما يجيء به في الأذان في هذا الموضع أيضًا, ولا يجيء به على نصف ما هو عليه في الأذان، فلما كان هذا من الإقامة مما له نصفٌ على مثل ما هو عليه في الأذان أيضًا سواء؛ كان ما بقي من الإقامة أيضًا هو على مثل ما هو عليه في الأذان أيضًا، لا يُحذَف من ذلك شيء، فثبتَ بذلك أن الإقامة مثنى مثنى، وهذا قول أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: لما قال الخصم فيما مضى: إن الأذان ما كان منه مكررًا لم يثنى في المرة الثانية وجعل على النصف مما هو عليه في الابتداء، وكانت الإقامة لا يبتدأ بها وإنما هي تفعل بعد انقطاع الأذان، وكان النظر على ذلك: أن يكون ما فيها مما هو في الأذان غير مثنى وما فيها مما ليس في الأذان مثنى، فكل الإقامة في الأذان غير "قد قامت الصلاة" فتفرد الإقامة كلها ولا تكرر غير "قد قامت الصلاة" فإنها تكرر لأنها ليست في الأذان.
شرع الطحاوي في الجواب عنه بقوله: "إن الأذان كما ذكروا ... " إلى آخره.
تحريره: سلَّمنا أن الأذان ما كان منه يذكر في موضعين يثنى في الموضع الأول ويفرد في الموضع الآخر، وما كان فيه غير مثنى أفرد ولكن رأينا ما يختم به الإقامة من قول: "لا إله إلا الله" هو ما يختم به الأذان في ذلك، فالنظر والقياس على ذلك: أن تكون بقية الإقامة مثل بقية الأذان أيضًا، وبقية الأذان مثنى مثنى، فتكون بقية الإقامة مثنى مثنى كذلك.
حاصل هذا الكلام: أن الخصم لما نظر في إفراد الإقامة إلى كون ألفاظها على النصف مما كان عليه ألفاظ الأذان، بناء على أن ما يكرر في ألفاظ الأذان يجعل على النصف مما هو عليه في الابتداء، نظرنا نحن في كونها مثنى مثنى مثل
стр. 1130
الأذان، إلى كون مساواة آخرها بما كان يختم به الأذان، فإذا ساوت الأذان في إفراد اللفظ فيما يختتم به كل منهما؛ كان النظر والقياس أن تساوي بقيتها بقية الأذان، فثني حينئذ، وفيه نظر من جهة الخصم، أشار إليه بقول: فكان مما يدخل على هذه الحجة، وجه النظر: أن ما تختم به الإقامة هو قول لا إله إلا الله لا نصف له؛ لأنه لا يتجزأ، ويجوز أن يكون المقصود إليه منه أي مما يختم به الأذان هو نصفه؛ لأن النظر أن يكون ما في الإقامة نصف ما في الأذان -على ما تقرر- ولكن لما لم يكن له نصف لعدم التجزء كان حكمه كحكم الأشياء التي لا تتجزأ مما إذا وجبت بعضها وجبت به كلها لعدم التجزأ، فحينئذ تكون مساواة اختتام الإقامة والأذان بقول لا إله إلا الله من أجل هذا المعنى، وهو كونه مما إذا وجب بعضه وجب كله لعدم التجزأة لا لأجل ما ذكرتم من كونها تُختم بما يختم به الأذان، وهو معنى قوله: "فلهذا صار ... " إلى آخره. فحينئذ لم يكن لأحد المعنيين دليل على الآخر؛ فنحتاج حينئذ إلى نظر صحيح في كون الإقامة مثل الأذان، فأشار إليه بقوله: "ثم نظرنا في ذلك ... " إلى آخره، تحريره: أنا رأيناهم أي الأخصام كلهم لا يختلفون أن المُقيمُ يقول في الإقامة بعد الصلاة والفلاح: الله أكبر الله أكبر، مرتين فيجيء به ها هنا -أي في الإقامة- مثل ما يجيء في الأذان، حيث لم يجعله على النصف مما كان هو عليه في الأذان، والحال: أن هذا ما له نصف لأنه لا يتجزأ، ولما جاء على مثل ما هو عليه في الأذان سواء من غير تنصيف كان النظر على ذلك: أن يكون ما بقي من الإقامة من سائر ألفاظها أيضًا على مثل ما هو عليه في الأذان، ولا يحذف من ذلك شيء ولا ينصِّف، فحينئذ ثبت بذلك أن الإقامة مثنى مثنى كما أن الأذان مثنى مثنى.
قوله: "سواءً" نصبَ على أنه خبر "كان" الذي في قوله: "فلما كان هذا من الإقامة".
وقوله: "كان ما بقي من الإقامة" جواب قوله: "فلما كان" فافهم.
стр. 1131
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن نفرٍ من أصحاب- ﵇:
حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع بن جارية، عن عبيد موك سلمة بن الأكوع: "أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة".
ش: أي قد رُوي ما ذكرنا من تثنية الإقامة أيضًا عن جماعة من الصحابة منهم سلمة بن الأكوع، أخرج عنه: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد ابن صالح بن عجلان البرُجمي الكوفي -وثقه ابن حبان وغيره- عن وكيع بن الجراح الكوفي، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجمَّع -بتشديد الميم- ابن جارية -بالجيم- وقيل: إبراهيم بن إسماعيل بن يزيد بن مجمِّع بن جارية الأنصاري، أبي إسحاق المدني، فيه مقال: قال ابن عدي: ومع ضعفه يكتب حديثه. واستشهد به البخاري.
عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن عبيد الله مولى سلمة بن الأكوع: "أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة".
وأخرجه الدارقطني (٢) ولكن عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع.
قال: ثنا أبو عمر القاضي، ثنا ابن الجنيد، ثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع: "أنه كان إذا لم يدرك الصلاة مع القوم أذَّن وأقام وثنى الإقامة".
ويستفاد منه: أنه لو لم يثبت عنده استقرار الأمر بعد النبي ﵇ على شبه الإقامة لم يأت بها مثنى.
стр. 1132
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان العَوَقِي، قال: نا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: "كان ثوبان ﵁ يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى".
ش: رجاله ثقات، وحماد الثاني هو ابن أبي سليمان، ولكنه منقطع لأن العجلي قال: إبراهيم النخعي لم يحدث عن أحد من أصحاب النبي ﵇ وقد أدرك منهم جماعةً.
قلت: إبراهيم ثقة ثبت لو لم يثبت عنده أن ثوبان كان يثني الإقامة لما أخبر به عنه.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان، قال: ثنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: "سمعت أبا محذورة يؤذن مثنى، ويقيم مثنى".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، أما ابن خزيمة فإن ابن يونس وغيره وثقوه.
ومحمد بن سنان العوقي روى عنه البخاري، وقال ابن معين: ثقة مأمون.
وشريك النخعي وثقه ابن معين فقال: صدوق ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان حسن الحديث.
وعبد العزيز بن رفيع روى له الجماعة، وهو أحد مشايخ أبي حنيفة ﵁.
وهذا دليل قاطع على أنه ثبت عند أبي محذورة انتساخ حكم إفراد الإقامة، إذ لو كان ثابتا لما كان وسعه أن يأتي إلا بالإفراد، فلما أتى بها مثنى دلّ على أن التثنية هي الأصل فيها، كما كان في أذان عبد الله بن زيد وإقامته.
فهذا كما رأيت قد أُخْرج عن ثلاثة من الصحابة أنهم كانوا يثنون الإقامة، وهم: سلمة بن الأكوع، وثوبان، وأبو محذورة.
وفي الباب عن عبد الله بن زيد الأنصاري، وعلي بن أبي طالب.
стр. 1133
أخرج خبرهما ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان عبد الله بن زيد الأنصاري مؤذن النبي ﵇ يشفع الأذان والإقامة".
نا هشيم (٢)، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن الهجيع بن قيس: أن عليًّا ﵁ كان يقول: [الأذان مثنى والإقامة] (٣)، وأتى على مؤذن يقيم مرة مرة فقال: ألا جعلتها مثنى، لا أم لك".
وأخرج الطبراني في "الكبير" (٤) وقال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا زكريا ابن يحيى، ثنا زياد بن عبد الله، عن إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: "أذن بلال لرسول الله ﵇ بمنى مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى".
وأخرجه الدارقطني (٥): ثنا محمَّد بن مخلد، ثنا أبو عون محمَّد بن عمرو بن عون ومحمد بن عيسى الواسطيان، قالا: ثنا يحيى بن زكرياء، ثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل، عن إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: "أن بلالًا كان يؤذن للنبي مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى، وقال ابن عون: بصوتين صوتين، وأقام مثل ذلك".
فهذا دليل صريح على أن أذان النبي ﵇ وإقامته: مثنى مثنى على الدوام؛ لأن قوله: "كان يؤذن" يدل على ذلك لأن "كان" للاستمرار والدوام، فافهم.
ص: وقد روي عن مجاهد في ذلك ما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا فطر بن خليفة، عن مجاهد: "في الإقامة مرة مرة: إنما هو شيء استخفه الأمراء" فأخبر مجاهد أن ذلك محدث وأن الأصل هو التثنية.
стр. 1134
ش: أي قد روي عن مجاهد بن جبر المكي في إفراد الإقامة أنه ليس له أصل، وأنه مُحْدَث أحدثه الأمراء لأجل الاستخفاف، فهذا مجاهد ينادي بأعلى صوته أن أصل الإقامة التثنية، وأن إفرادها مُحْدَث.
ورجال هذا ثقات.
وفِطر بكسر الفاء.
стр. 1135
ص: باب: قول المؤذن في أذان الصبح الصلاة خير من النوم
ش: أي هذا باب في بيان قول المؤذن في أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم " بعد "الفلاح" وفي بيان أصله ومشروعيته وحكمه.
ص: قال أبو جعفر: كره قوم أن يقال في أذان الصبح: "الصلاةَ خير من النوم" واحتجوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في الأذان الذي أمره النبي ﵇ بتعليمه إياه بلالًا فأمر بلالًا بالتأذين به.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح، وطاوسًا، والأسود بن يزيد؛ فإنهم كرهوا أن يقال في أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم" وهو قول عن الشافعي وإسحاق وقالوا: لم يكن هذا في الأذان الذي أمر به النبي ﵇ لعبد الله بن زيد أن يعلم بلالًا.
وقال عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، قال: أخبرني حسن بن مسلم: "أن رجلًا [سأل] (٢) طاوسًا وحسن جالس مع القوم، فقال: يا أبا عبد الرحمن، متى قيل: "الصلاة خير من النوم"؟ فقال طاوس: أما إنها لم تُقَلْ على عهد رسُول الله ﵇ ولكن بلالًا سمعها في زمان أبي بكر ﵁ بعد وفاة النبي ﵇ يقولها رجل غير مؤذن، فأخذها منه فأذن بها، فلم يمكث أبو بكر إلا قليلًا، حتى إذا كان عمر ﵁ قال: لو نهينا بلالًا عن هذا (الذي) (٣) أحدث وكأنه نسيه، فأذن به الناس حتى اليوم".
عبد الرزاق (٤): عن ابن جريج، قال: "سألت عطاءً: متى قيل: الصلاة خير من النوم؟ قال: لا أدري".
стр. 1136
عبد الرزاق (١): عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن حفص: "أن سعدًا أول من قال: الصلاةُ خير من النوم. في خلافة عمر ﵁ , فقال عمر: بدعة. ثم تركه، وإن بلالًا لم يؤذن لعمر ﵁".
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن عمران بن أبي الجعد، عن الأسود بن يزيدٌ أنه سمع مؤذنًا يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم فقال: لا تَزِيدَنَّ في الأذان ما ليس منه".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح بعد "الفلاح"، وكان من الحجة لهم في ذلك: أنه وإن لم يكن ذلك في تأذين عبد الله بن زيد فقد علمه النبي ﵇ أبا محذورة بعد ذلك، وأمره أن يجعله في الأذان للصبح.
حدثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة: "أن النبي ﵇ علمه في الأذان الأول من الصبح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم".
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، وأبا حنيفة، والشافعي، ومالكًا، وأحمد، وأصحابهم، وجماهير العلماء؛ فإنهم استحسنوا أن يقال ذلك أي قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" في أذان صلاة الصبح، وقالوا: إن لم يكن هذا القول في أذان عبد الله بن زيد فإن النبي ﵇ عَلَّم أبا محذورة أن يقول ذلك في أذان الصبح، وأخرج ذلك عن علي بن معبد ... إلى آخره، وكلهم قد ذُكِرُوا في باب الأذان غير مرة.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا الحسن بن علي، نا أبو عاصم وعبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة نحوه، وفيه: "الصلاة خير من النوم" في الأول من الصبح مرتين.
стр. 1137
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (١)، وابن حزم (٢) بإسناده إلى أبي محذورة قال: "كنت أؤذن لرسول الله ﵇ في صلاة الفجر فأقول في الأذان الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم" وصححه.
وأخرج الدارقطني (٣): عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، قضية الأذان مطولة، وفيه: "فإذا أذَّنْت بالأولى من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم. مرتين".
ص: حدثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا الهيثم بن خالد بن يزيد، قال: ثنا أبو بكر ابن عياش، عن عبد العزيز رفيع، قال: سمعت أبا محذورة قال: "كنت غلامًا صيِّتًا، فقال لي رسُول الله ﵇ ... ، قل: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم". فلما عَلَّم رسُول الله ﵇ ذلك أبا محذورة كان ذلك زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد، ووجب استعمالها.
ش: إسناده صحيح.
وأخرجه الدارقطني (٤): ثنا أحمد بن العباس البغوي، ثنا عباد بن الوليد أبو بدر، حدثني الحماني، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عبد العزيز بن رفيع، قال: سمعت أبا محذورة يقول: "كنت غلامًا صيِّتًا، فأذنت بين يدي رسُول الله ﵇ الفجر يوم حنين، فلما بلغت حي على الصلاة حي على الفلاح، قال رسُول الله ﵇: ألحق فيها: الصلاة خير من النوم".
قوله: "صيِّتًا" على وزن ضيّق، صفة مشبهة؛ وأراد به شديد الصوت عالية، يقال: هو صيِّتٌ وصائت، مثل مَيِّت ومائت، وأصله صَيْوت؛ لأنه من الأجوف
стр. 1138
الواوي، اجتمعت الواو والياء وسُبِقَت [إحداهما] (١) بالسكون، فأبدلت "الواو" "ياء" وأدغمت "الياء" في "الياء".
وفي الباب عن بلال وأبي هريرة وعائشة ﵃.
أما حديث بلال فعند ابن ماجه (٢): ثنا (عَمْرو) (٣) بن رافع، نا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن بلال: "أنه أتى النبي ﵇ يُؤْذنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم. فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فأُقِرَّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك".
وأخرجه الدارمي أيضًا في "سننه" (٤).
وأما حديث أبي هريرة فعند الطبراني في "الأوسط" (٥) بإسناده عنه: "أن بلالًا أتى النبي ﵇ عند الأذان في الصبح فوجده نائمًا فناداه: الصلاة خير من النوم. فلم ينكره رسُول الله ﵇، وأدخله في الأذان، فلا يؤذن لصلاة قبل وقتها غير صلاة الفجر".
وأما حديث عائشة ﵂ فعند الطبراني أيضًا في "الأوسط" (٦) بإسناده عنها قالت: "جاء بلال إلى النبي ﵇ يُؤذِنه بصلاة الصبح، فوجده نائمًا، فقال: الصلاة خير من النوم، فأقرت في أذان الصبح".
ص: وقد استعمل ذلك أصحاب النبي ﵇ مِنْ بعده.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن العجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم".
стр. 1139
ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دُكَيْن.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) بإسناده إلى الثوري، عن ابن عجلان ... إلى آخره نحوه.
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن محمَّد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقول في الفجر إذا قال حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم".
ص: حدثنا علي بن شيبه، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هُشَيْم (ح).
وثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عوْن، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن أنس قال: "ما كان التثويب إلا في صلاة الغداة، إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم مرتين".
قال أبو جعفر: فهذا ابن عمر وأنس ﵃، يخبران أن ذلك مما كان المؤذن يؤذن به في أذان الصبح، فثبت بذلك ما ذكرناه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: هذان إسنادان:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن هُشْيم بن بَشير، عن عبد الله بن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن أنس.
وأخرجه الدارقطني (٣): ثنا أحمد بن عبد الله الوكيل، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين عن أنس قال: "كان التثويب في صلاة الغداة، إذا قال المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ أن يقول: الصلاة خير من النوم".
стр. 1140
الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُسي، عن عمرو بن عَوْن، عن هُشيم بن بشير، عن عبد الله بن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن أنس نحوه.
وأخرج البيهقي في "سننه" (١) بإسناده إلى أبي أسامة: ثنا ابن عون، عن محمَّد ابن سيرين، عن أنس قال: "من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".
قال الذهبي في مختصر السنن: إسناده صحيح.
قوله: "مكان التثويب" الأصل في التثويب أن يجيء الرجل مُسْتَصْرِخًا فَيُلوِّح بثوبه لِيُرى ويشتهر، فسمِّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مُثوِّبٌ، وقيل: إنما سمّي تثويبًا من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال حي على الصلاة فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعد: الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلامٍ معناه المبادرة إليها (٢)، ومن ذلك تسمّى الثَّيِّب؛ مُصِيبَهَا عائد إليها.
وهذا أنس ﵁ قد فَسَّر التثويب بقوله: "الصلاة خير من النوم".
وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في تفسير التثويب فقال بعضهم: أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، وهو قول ابن المبارك وأحمد، وقال إسحاق في التثويب غير هذا، قال: التثويب شيء أحدثه الناس بعد النبي ﷺ , إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال: وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي ﵇، والذي فسّر ابن المبارك وأحمد أن التثويب أن يقول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم هو قول صحيح، وهو الذي اختاره أهل العلم.
стр. 1141
وفي "البدائع" (١) ذكر محمَّد في كتاب الصلاة: قلت: أرأيت كيف التثويب في صلاة الفجر؟ قال: كان التثويب الأول بعد الأذان: الصلاة خير من النوم، فأحدث الناس هذا التثويب، وهو حسن فسّر التثويب وبيّن وقته، ولم يُبيّن التثويب المحدث ولم يبُين وقته، وفسر ذلك في "الجامع الصغير" وبيّن وقته، فقال: التثويب الذي يَصْنعه الناس بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين حسَنٌ، وإنما سماه مُحْدث؛ لأنه حدث في زمان التابعين، ووصفه بالحُسْن لأنهم استحسنوه.
وأما محل التثويب: فمحل الأول: هو صلاة الفجر عند عامة العلماء، وقال الناس بالتثويب في صلاة العشاء أيضًا، وهو أحد قولي الشافعي في القديم، وأنكر التثويب في الحديث.
وأما التثويب المحدث فمحله صلاة الفجر أيضًا ووقته بين الأذان والإقامة، وتفسيره أن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح غير أن مشايخنا قالوا: لا بأس بالتثويب المحدث في سائر الصلوات؛ لفرط غلبة الغفلة عَلى الناس في زماننا، وشدة ركونهم إلى الدنيا، وتهاونهم بأمور الدين، فصار سائر الصلوات في زماننا مثل الفجر في زمانهم، فكانت زيادة الإعلام من باب التعاون على البر فكان مستحسنًا, ولهذا قال أبو يوسف: لا أري بأسًا أن يقول المؤذن: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله لاختصاصهم بزيادة شغْل بسبب النظر في أمور الرعية فاحتاجوا إلى زيادة إعلام نظرًا لهم، ثم التثويب في كل بلدة على ما يتعارفونه إما بالتنحنح أو بقوله: الصلاة الصلاة، أو قامت قامت، ونحو ذلك. انتهى.
وعند الشافعي ومالك وأحمد: لا تثويب في الفجر يعني التثويب المحدث كما في سائر الصلوات، وقد عرف هذا في الفروع.
стр. 1142
ص: باب: التأذين للفجر أي وقت هو بعد طلوع الفجر أو قبل ذلك
ش: أي: هذا باب في بيان حكم التأذين للفجر هل يكون بعد طلوع الفجر أو قبله؟
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسُول الله ﷺ : "إن بلالًا يُنادِي بليل، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أم مكتوم".
قال ابن شهاب: وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحْتَ أصبحتَ.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن الزهري، عن سالم، عن النبي ﵇ مثله. ولم يذكر ابن عمر ﵄.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يزيد قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الزهري فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: قال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله يقول: إن النبي ﵇ قال: "أن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أم مكتوم".
حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالِسيُّ، قال: ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابيه، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا إبرهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 1143
حدثنا علي بن شَيْبة، قال: ثنا روح بن عُبادة، قال: ثنا مالكُ وشعبة، عن عبد الله بن دينار، فذكر بإسناد مثله، غير أنه قال: "حتي ينادي بلال أو ابنُ أم مكتوم" شك شعبة.
ش: هذه تسع طرق صحاح مَرفوعة غير الطريق الثاني فإنه موقوفٌ على ما نذكره الآن.
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي -شيخ البخاري ومسلم وأبي داود- عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، عن النبي ﵇.
وهذا على شرط الشيخين.
وأخرجه البخاري (١) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "إن بلالًا يؤذن بليل".
قوله: "ينادي" أي يؤذن، و"الباء" في "بليل" للظرف، واسم ابن أم مكتوم: عبد الله ويقال: عَمرو -وهو الأكثر- ابن قيس بن زائدة القرشي العامريّ، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويل ﵂، وابن أم مكتوم هاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي ﵇، واستخلفه النبي ﵇ على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد فتح القادسية وقتل شهيدًا بها وكان معه اللواء يومئذٍ.
وفي صحيح مسلم (٢): "وكان لرسول الله ﵇ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم" يعني في وقت واحد وإلا فقد كان له ﵇ غيرهما، أذن له أبو محذورة بمكة ورتّبه لأذانها وسعد القرظ أذّن للنبي ﵇ بقباء ثلاث مرات.
стр. 1144
قوله: "أَصبَحْتَ" أي قاربت الصباح؛ لأن قرب الشيء قد يُعبَّر به عنه.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: استدل به قوم على جواز الأذان في الفجر قبل طلوعه على ما يجيء.
الثاني: فيه جواز أذان الأعمى بلا كراهة، وقالت الشافعية: يكره أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده، وعند مالك لا يكره، وقال أبو عمر: وفيه جواز أذان الأعمى وذلك عند أهل العلم إذا كان معه مؤذن آخر يهديه إلى الأوقات.
وفي "البدائع": البصير أولى من الضرير لأنه لا علم له بدخول الوقت، ومع هذا لو أذّن يجوز؛ لحصول الإعلام بصوته، وإمكان الوقوف على المواقيت من غيره في الجملة.
الثالث: فيه جواز اتخاذ المُؤَذِّنَين وإذا جاز اتخاذ اثنين منهم جاز أكثر من ذلك.
وقال عياض: يؤذنان مجتمعين أو مفترقين إلا في ضيق الوقت فلا بأس بأذانهم مجتمعين.
الرابع: فيه دليل على أن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، لقوله ﵇: "إن بلالًا ينادي بليل فكلوا" ثم منعهم ذلك عند أذان ابن أم مكتوم، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده فشذَّ ولم يُعَّرج على قوله، والنهار الذي يجب صيامه: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لا خلاف في ذلك، وعليه إجماع علماء المسلمين.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١) عن ابن شهاب، عن سالم، أن رسُول الله ﵇ قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ. قال أبو عمر (٢) هكذا رواه
стр. 1145
يحيى مرسلًا عن سالم لم يقل فيه: عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر رواة الموطأ، وممن تابعه على ذلك ابن القاسم والشافعي وابن بكير وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف التِنِّيْسي ومُصعب الزُبَيْري ومحمد بن الحسن ومحمد بن المبارك الصوري وسَعيد بن عُفير ومَعْن بن عيسى، ووصله جماعة عن مالك فقالوا فيه: عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇. وممن رواه هكذا مسندًا: القعنبي وعبد الرزاق وأبو قرة موسى بن طارق ورَوح بن عبادة وعبد الله بن نافع ومطرف وابن أبي أُويس وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن إبراهيم الحُنَيْني ومحمد بن عمر الواقدي وأبو قتادة الحرّاني ومحمد بن حَرْب الأبرش وزهير بن عبَّاد وكامل بن طلحة وابنُ وهب في رواية أحمد بن صالح عنه. وأما أصحاب ابن شهاب فرووه متصلًا مسندًا عن ابن شهاب.
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الله بن صالح -كاتب الليث- عن الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله ابن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرجه النسائي (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا يُؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم".
الرابع: عن يزيد بن سنان أيضًا عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عن النبي ﵇.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢): ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم قال: وكان ضريرًا فكان يقال له: أذّنْ فقد أَصْبَحْت".
стр. 1146
الخامس: عن إبراهيم ابن أبي داود البرُلُّسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي، عن محمَّد ابن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇.
وأخرجه العدني في "مسنده" عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم".
السادس: عن الحسن بن عبد الله بن منصور بن حبيب بن إبراهيم الأنطاكي المعروف بالبالِسي، عن محمَّد بن كثير الثقفي الصنعاني، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عن النبي ﵇.
السابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا شعبة، قال: عبد الله بن دينار أخبرني، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسُول الله ﷺ : "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
الثامن: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢) وقال: أنا قتيبةُ، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسُول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
التاسع: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن رَوْح بن عُبادة القَيْسي، عن مالك ابن أنس وشعبة بن الحجاج إلى آخره.
стр. 1147
وأخرج أحمد في "مسنده" (١): عن عفان، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسُول الله ﷺ : "إن بلال ينادي بليل -أو ابن أم مكتوم ينادي بليل- فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدّد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة ﵂، عن النبي ﵇ مثله، ولم يشك قالت: "ولم يكن بينهما إلا مقدار ما ينزلُ هذا ويَصْعد هذا".
ش: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مُسَدّد -شيخ البخاري- عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عائشة الصديقة ﵂، عن النبي ﵇ مثله.
وأخرجه النسائي (٢): أنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا حفصٌ، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسُول الله ﷺ : "إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال. قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويَصْعد هذا".
وقد وقع في بعض نسخ النسائي (٣) "إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
وكذا وقع في مسند "الدارمي" (٤) وقال: أنا إسحاق، أنا عبدة، أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وعن القاسم، عن عائشة قالت: "كان للنبي ﵇ مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فقال رسول الله ﵇: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا
стр. 1148
حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، قال القاسم: وما كان بينهما إلا أن ينزل هذا ويَرْقى هذا".
وكذا في "الصحيحين" (١) من حديث عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة.
وعن نافع، عن ابن عمر قالا: "كان للنبي ﵇ مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم فقال رسُول الله ﵇: إن بلالًا يَؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. قال القاسم: لم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويَرْقي هذا" وقد وفق بعض المحدثين بين الروايتين فقال: لعلَّ بين بلال وبين ابن أم مكتوم مناوبة بالتقديم والتأخير، يعني بأن يتقدم ابن أم مكتوم على بلال وتارة يتقدم بلال على ابن أم مكتوم وما ذكر في الصحيحين هو الأصح.
وقال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: مجموع ما ورد في تقديم الأذان قبل الفجر إنما ذلك بزمن يسير لعله لا يبلغ مقدار قراءة الواقعة بل أقل، فبهذا المقدار تحصل فضيلة التقديم لا بأكثر، أما ما يُفْعل في زماننا من أنه يؤذن للفجر أولًا من الثلث الأخير؛ فخلاف السنة لو سُلِّم جوازه.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة, قال: سمعت خُبَيْب بن عبد الرحمن، يحدث عن عمته أَنَيْسة، أن نبي الله ﷺ قال: "إن بلالًا -أو ابن أم مكتوم- ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال -أو ابن أم مكتوم- وكان إذا نزل هذا وأراد هذا أن يصعد تعلقوا به وقالوا: كما أنت حتى نتسحَّر".
ش: إسناده صحيح وخُبَيْب -بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة- ابن عبد الرحمن بن خُبَيْب ابن يَسَاف -بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة- الأنصاري الخزرجي، أبو الحارث المدني روى له الجماعة.
стр. 1149
وأَنيْسة -بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف- بنت خُبَيْب بن يَسَاف الأنصارية الصحابية.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنيْسَةَ -وكانت مُصَلِّيةً- عن النبي ﷺ قال: "إن ابن أم مكتوم -أو بلالًا- يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال -أو ابن أم مكتوم- وما كان إلا أن يؤذن أحدهما حتى يَصْعد الآخر [فنأخذ] (٢) بيديه فنقول: كما أنت حتى نتسحر".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) من حديث الطيالسي وجماعة، عن شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، حدثتني عمتي أُنَيْسة قالت: كان بلال وابن أم مكتوم يؤذنان للنبي ﵇، فقال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. فكنا نحتبس ابن أم مكتوم عن الأذان فنقول: كما أنت حتى نتسحر، ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا".
وأخرجه (٤) عن أبي الوليد والحوضيّ أيضًا: قالا: ثنا شعبة، عن خُبَيْب، سمعت عمتي أُنَيْسة، أن رسُول الله ﷺ قال: "إن ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال". ثم قال البيهقي: كذا رواه محمَّد بن أيوب، وقد رواه الكديمي، عن أبي الوليد كالأول. ورواه سليمان بن حرب وجماعة عن شعبة بالشك، فقال سليمان: نا شعبة، حدثني خُبَيْب، سمعت عمتي -وكانت قد حجَّت مع رسُول الله ﵇- قالت: قال رسُول الله ﵇: "إن بلالًا يؤذن بليل -أو قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل- ... " الحديث، وفيه: "فكنا نتعلق به، نقول: كما أنت حتى نتسحر".
стр. 1150
قال أبو بكر الضُبَعي: فإن صح رواية أبي عمر الحوضيّ وغيره فيجوز أن يكون بين ابن أم مكتوم وبين بلال نُوَبٌ، وإن لم يصح فقد صح من وجوه أن الذي كان يؤذن أولًا بلال ﵁.
قوله: "ينادي" أي يؤذن؛ لأن النداء بالصلاة هو الأذان.
قوله: "تعلقوا به" أي تعلقت الناسُ به.
قوله: "كما أنت" "الكاف" فيه يجوز أن تكون للتعليل ويكون خبر "أنت" محذوفًا والتقدير: تعلقنا بك لأنك لا تصبر حتى نتسحر، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (١) أي: لهدايتكم.
ويجوز أن تكون على حالها للتشبيه كما هو الأصل في معناها.
والمعنى: اصبر لا تؤذن كحالك الآن حتى نتسحر.
فإن قيل: كيف يجوز لهم التسحر بإمساك بلال أو ابن أم مكتوم عن الأذان إذا كان الفجر طالعًا؟!
قلت: ما كان تعلقهم بأحدهما ليؤخر الأذان حتى يتسحروا وإن كان الفجر طالعًا، بل المراد أن لا يستعجل أحدهما في الصعود عقيب أذان الآخر لأن أحدهما كان يؤذن بليل والآخر يصعد، ولهذا قال في رواية الطحاوي: "كان إذا نزل هذا وأراد هذا أن يصعد تعلقوا به ... ".
وفي رواية الطبراني: "وما كان إلى [أن] (٢) إلى يؤذن أحدهما حتى يصعد الآخر".
فحينئذ كان تعلقهم به؛ لأجل استعجاله في الصعود لا لأجل أن يؤخر الأذان عن وقته المستحق حتى يتسحروا.
стр. 1151
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة ... فذكر مثله بإسناده، وزاد: "وكانت قد حَجَّتْ مع النبي ﵇"، "ولم يكن بينهما إلا مقدار ما يَصعْد هذا وينزل هذا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون الواسطي، قال: ثنا هُشَيم، عن منصور بن زاذان، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنَيْسة قالت: قال رسُول الله ﷺ : "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا نداء بلال".
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حفص بن عمرو الحوضيّ (ح).
وثنا أبو مسلم الكَشِّي، ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمتي -وكانت قد حجّت مع النبي ﵇- قالت: قال رسُول الله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. وكان يصعد هذا وينزل هذا، فكنا نتعلق به نقول: كما أنت حتى نتسحّر".
والآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البُرلُّسي، عن عمرو بن عون ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): أنا يعقوب بن إبراهيم، عن هُشَيم، قال: أبنا منصور، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة قالت: قال رسُول الله ﷺ : "إذا أذان ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" وفي بعض النسخ له: "إذا أذن بلال ... إلى آخره".
стр. 1152
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عُبَادة، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت سوادة القشَيْري -وكان إمامهم- قال: سمعت سمرة بن جُنْدب أن رسُول الله ﵇ قال: "لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا اليياض حتى يَبدوُا الفجر أو ينفجر الفجر".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: نا شعبة، عن سوادة القشيري، عن سمرة، عن النبي ﵇ مثله.
ش: [هذان] (١) إسنادان صحيحان حَسَنَان ورجالهما ثقات، وسوادة هو ابن حنظلة القُشَيْري البصري إمامُ مسجد بني قشُيْر، والد عبد الله بن سوادة قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له مسلم.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) ثنا محمَّد بن جعفر ورَوْح، قالا: ثنا شعبة، عن شيخ من بني قشير- قال روح: سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﵇: "لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر [الفجر] (٣) أو يطلع الفجر".
وأخرجه مسلم (٤): من حديث حماد بن زيد، ثنا عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير هكذا- وحكاه حماد بيده يعني معترضًا".
وأخرجه الطبراني (٥): ثنا يوسف القاضي، نا عمرو بن مرزوق، نا شعبة، عن سوادة بن حنظلة القشيري، قال سمعت سمرة بن جندب أن رسُول الله ﵇ قال: "لا يغرنكم نداء بلال؛ فإن في بصره سوءًا , ولا بياض يُرى بأعلى الشجر" وفي
стр. 1153
رواية أخرى له (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا شعبة، سمعت سوادة القشيري، يحدث عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ قال: "لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير وأومأ بيده (هكذا) (٢) وأشار يزيد بيده اليمنى".
قوله: "ولا يغرنكم نداء بلال" أي أذانه.
قوله: "ولا هذا البياض" أي ولا يغرنكم أيضًا هذا البياض، وأراد به: الفجر الكاذب؛ لأنه يبدوا أولًا كذنب السرحان ثم تعقبه الظلمة وهذا لا يخرج به الليل، ولا تحل به الصلاة، فيجوز للصائم حينئذ الأكل والشرب والجماع، وإذا صلى العشاء تكون أداءً.
قوله: "حتى يبدوا الفجر" أي: يظهر الفجر وأراد به الفجر الصادق وهو الذي يَبدوا في الأفق وينتشر ضياؤه في العالم، فهذا يدخل به وقت الصبح، ويخرج به حكم الليل.
قوله: "أو ينفجر" شكٌ من الراوي أي أو ينشق.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الفجر يؤذن لها قبل دخول وقتها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف:
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وداود وابن جرير الطبريَّ وعبد الله بن المبارك؛ فإنهم قالوا: يجوز أن يُؤَذن للفجر قبل دخول وقتها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار المذكورة، وممن ذهب إلى قولهم هذا: أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة ﵁.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يُؤذن للفجر أيضًا إلا بعد دخول وقتها كما لا يُؤَذنُ لسائر الصلوات إلا بعد دخول وقتها.
стр. 1154
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة ومحمدًا وزفر بن الهزيل؛ فإنهم قالوا: لا يجوز أن يؤذن للفجر أيضًا إلا بعد دخول وقتها كما لا يجوز ذلك في غيرها من الصلوات إلا بعد دخول وقتها، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن ذلك جائزًا إذا كان للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله ﵇، فأما إذا لم يكن فيه إلا واحد فإنه لا يجوز أن يفعله إلا بعد دخول الوقت، فيحتمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسُول الله ﵇ في الوقت الذي نهى بلالًا حين أذن قبل طلوع الفجر، وأمره أن يعود فينادي: "أَلَا إِن العبد نام"؛ إلا مؤذن واحد وهو بلال، ثم أجازه حين أقام ابن أم مكتوم مؤذنا؛ لأن الحديث في تأذين بلال قبل طلوع الفجر ثابت كما ذكرناه.
ص: واحتجوا في ذلك فقالوا: إنما كان أذان بلال الذي كان يؤذن بليل لغير الصلاة، وذكروا ما.
حدثنا علي بن معبد وأبو بشر الرَّقيَّ، جميعًا قالا: ثنا شجاع بن الوليد -واللفظ لابن مَعْبدَ- (ح).
حدثنا محمَّد بن عمرو بن موسى، قال: حدثني أسباط بن محمَّد (ح).
وبما حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك (ح).
وبما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، ثم اجتمعوا جميعًا فقالوا: عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النَهْدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لا يَمنعنَّ أَحدَكم أذان بلال من سَحوُره؛ فإنه ينادي -أو يؤذن- ليرجع غائبكم، ولينبه نائمكم، وقال: ليس الفجر -أو الصبح- هكذا وهكذا وجمع إصبعيه وفرقهما" وفي حديث زهير خاصةً: "ورفع زهير يده وخفضها حتى يقول هكذا ومدَّ زهيرٌ يدَيْه عرضًا".
فقد أخبر النبي ﵇ أن ذلك النداء كان من بلال لينتبه النائم وليرجع الغائب لا للصلاة.
стр. 1155
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه، وقالوا: الأصل في الأذان أن يكون بعد دخول الوقت لأنه للإعلام به، وقبل دخوله تجهيل وليس بإعلام، فلا يجوز كما في غير الفجر من الصلوات، وأما أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة، بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليتسحر الصائم وليرجع الغائب، والدليل حديث ابن مسعود، فلم يصح استدلالًا لهم به.
وأخرجه عن أربع طرق صحاح:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح وأبي بشر عبد الملك بن مروان الرَّقي، كلاهما عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن سليمان بن بلال القرشي التَيمي، عن أبي عثمان النَهْدي واسمه عبد الرحمن بن ملّ -بفتح الميم وكسرها- الكوفي، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إسماعيل، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود قال: قال رسُول الله: "لا يمنعن أحدَكم أذانُ بلال -أو قال: نداء بلال- من سحوره فإنه يؤذن -أو قال: ينادي- ليرجع غائبكم ولينتبه نائمكم ثم ليس أن يقول هكذا أو قال هكذا حتى يقول هكذا".
الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس بن عمران المعروف بالسوسيّ، عن أسباط بن محمَّد بن عبد الرحمن الكوفي، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه النسائي (٢): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، عن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم، وليس أن يقول هكذا -يعني في الصبح".
стр. 1156
الثالث: عن نصر بن مرزوق العُتَيقي، عن نُعَيْم بن حماد المروزي، عن عبد الله ابن المبارك، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا سليمان بن المعافى بن سليمان، ثنا أبي، ثنا القاسم بن مَعْن، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسُول الله ﷺ : "لا يَمْنعنّ أحدَكم من السَحُور أذان بلال فإنه إنما يؤذن لينتبه نائمكم، ويرجع قائمكم، ويَقوُل الفجر هكذا".
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النَهْدي، عن زهير بن معاوية، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهيرٌ، قال: ثنا سُليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النَهْدي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﵇ قال: "لا يمنعن أحدَكم -أو أحدًا منكم- أذانُ بلال من سَحُورِه؛ فإنه يؤذن -أو ينادي- بليل؛ ليرجع قائَمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول: الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا".
وقال زهير "بِسَبَّابَتَيْه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله".
وأخرجه البخاري (٢) في كتاب الصلاة في باب الأذان.
وأخرجه مسلم (٣) في كتاب الصيام في باب صفة الفجر الذي يُحرِّم الأكل على الصائم، وقال: ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: قال رسُول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال -أو قال: نداء بلال- من سَحُوره؛ فإنه يؤذن -أو قال: يُنادي-
стр. 1157
[بليل] (١)، ليرجعَ قائمكم، ويوقظ نائمكم، وقال: ليس بأن يقول هكذا وهكذا، و [ضرب] (٢) يده ورفعها حتى يقول هكذا وفرج بين إصبَعَيْه".
قوله: "أذان بلال" برفع أذانُ لأنه فاعل "لا يمنعن" و"أحَدَكم" منصوب لأنه مفعول.
قوله: "من سَحُوره" بفتح السين: اسم ما يُتَسَحّر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما يروي بالفتح وقيل: إن الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام، وعدم منع أذان بلال عن الفعل لا عن الطعام، وكذلك الكلام في قوله: "تسحروا فإن في السحور بركة" (٣) والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام.
قوله: "ليرجع غائبكم" كذا في رواية الطحاوي، وهو من الغَيْبة وفي رواية غيره وهي المشهورة: "ليرجع قائمَكم" بنصب الميم من قائمَكم لأنه مفعول "يرجع"، لأن رجع الذي هو ثلاثي متعدي بنفسه ولا يتعدّى، يقال: رجع بنفسه رجوعًا ورجعه غيره، وهذَيل تقول: أرجعه غيرُه، ومعناه: يرده إلى راحته وجمام نفسِه بإعلامه بأذانه السَّحر وقرب الصَباح، وينام غفوة السحر، ونَوْمهْ الفجر المستلذّة المستعان بها على النشاط، وذهاب كسل السهر، وتغيّر اللون، كما كان يفعل النبي ﵇ من نومه بعد صلاته من الليل إذا أذن المؤذن، وقد يكون معنى ذلك ليُكمل ويَسْتعجلَ بقيّة ورْدِه، ويأتي بوتره قبل الفجر.
قوله: "ولينتبه نائمكم" أي النائم آخر الليل أو لصلاة الوتر لمن غلبه النوم على ذلك أو معقد الصوم للسحور.
قوله: "وجمع إصبعَيْه" يرجع إلى قوله: "هكذا" الأول.
стр. 1158
وقوله: "وفرقهما"إلى هكذا الثاني.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن فيه أن أذان بلال بالليل إنما كان لتنبيه النائم وإرجاع القائم، لا لأجل الصلاة؛ لأنه ﷺ أخبر هكذا وعَلله بقوله: "فإنه ينادي". وقال القاضي عياض في شرح مسلم: وقد تعلْق أصحاب أبي حنيفة بقوله: "ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" وقالوا: إنما كان يؤذن للسحور لا للصلاة.
وهذا بعيد؛ إذْ لم يختص هذا بشهر رمضان، وإنما أخبر عن عادته في أذانه ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسَحُور لم يختص بصورة أذان الصلاة. انتهى.
قلت: الذي قاله القاضي بعيد؛ لأنهم لم يقولوا بأنه يختص بشهر رمضان، والصوم غير مخصوص برمضان، وكما أن الصائم في رمضان يحتاج إلى الإيقاظ لأجل السحور، فكذلك الصائم في غير رمضان، بل هذا أشد؛ لأن من يُحيي ليالي رمضان أكثر ممن يُحيي ليالي غيره، فعل ما قال إذا كان أذان بلال للصلاة ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر بذلك الأذان، بل الخصم أيضًا يقول بعدم جوازه، فَعُلِم أن أذان بلال إنما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم، فلا يجوز الأذان للصلاة قبل دخول وقتها سواء كان في الفجر أو غيره، فافهم.
الثانى: أن فيه حجةً على الاقتداء بثقات المؤذنين وتقليدهم في الوقت والعمل بخبر الواحد في العبادات.
الثالث: أن في قوله: "فإن بلالًا يُنادي" وفي رواية غيره "ينادي بليل" دليل على أن ما بعد الفجر ليس من الليل.
قال القاضي: وقد يتعلّق بهذه الألفاظ مَن يَرى رأي بعض متقدمي الصحابة في أن تَبَيّين الخيط بعد الفجر ويحتج به مَنْ يَرى إباحة الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر،
стр. 1159
وإن كان شاكًّا في طلوعه، وهو قول الكوفيين والأوزاعي وابن حنبل وأبي ثور والشافعي.
وقال مالك: لا يأكل، وإن أكل فعليه القضاء.
وجملة أصحابنا على الاستحباب، واختلفوا في ذلك إلى طلوع الشمس، وإن كان أجمع أئمة الفتوى بعدهم على أنه لا يجوز الأكل بعد طلوع الفجر، واختلفوا بعد ذلك فيمن طلع عليه الفجر وهو على يقين أنه من الليل وهو يأكل أو يَطأْ فكفّ عنها، هل يُجزئه؟ فقال ابن القاسم: يجزئه في الأكل والجماع.
وقال عبد الملك: يجزئه في الأكل ولا يجزئه في الجماع ويقضي فيه، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة.
الرابع: أن بعضهم استدل بقوله: "ولينبّه نائمكم" على منع الوتر بعد الفجر ولا حجة له فيه، قاله عياض.
ص: وقد روي عن عبد الله بن عمر في ذلك أيضًا ما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل المِنْقَري قال: ثنا حماد بن سلمة (ح).
وما قد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﵇ أن يَرْجعَ فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام".
فهذا ابن عمر ﵄ يروي عن النبي ﵇ ما ذكرناه وهو قد روى عن النبي ﵇ أنه قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
فثبت بذلك أن ما كان من ندائه قبيل طلوع الفجر -مما كان له مباحًا- هو لغير الصلاة، وأن ما أنكره عليه إذْ فعله قبل الفجر للصلاة.
ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ كما ذكرنا: أن أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة.
стр. 1160
وأراد الطحاوي بهذا تأييد ما ذكره من ذلك؛ لأن أمره ﵇ لبلال بالرجوع والمناداة: "ألا إن العبد نامَ"، أراد به أنه غفل عن الوقت، دليل على [أن] (١) أذانه لم يكن واقعًا في محله؛ لكونه قد قصد [به] (٢) الأذان للصلاة، وأما فيما مضى فلم يكن أذانه للصلاة، وإنما كان لإيقاظ النائم، وإرجاع القائم، فلهذا لم يأمره بالعَوْد والمناداة: "ألا إن العبدَ نام".
قوله: "وهو قد روى" أي: والحال أن ابن عمر ﵄ قد روى عن النبي ... إلى آخره.
قوله: "فثبت بذلك" أي: بما ذكرنا.
قوله: "أن ما كان من ندائه" أي من نداء بلال -أي أذانه- قبل طلوع الفجر.
قوله: "مما كان أَبيح له" أي يؤذن؛ إنما كان لغير الصلاة، وأن الذي أنكره النبي ﵇ عليه" أي: على بلال "إذْ فعله" أيْ: حين فعله "قبل طلوع الفجر إنما كان لأجل الصلاة"؛ لأن الأذان للصلاة قبل دخول الوقت لا يجوز.
ثم رجال حديث ابن عمر ثقات.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا موسى بن إسماعيل، وداود بن سبيب -المعني- قالا: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﵇ أن يَرجع فيُنادي: أَلَا إنَّ العبد نام -زادَ موسى- فرجع فنادىَ: أَلَا إنَّ العبدَ نام".
قال أبو داود: هذا الحديث لم يَرْوه عن أيّوب، عن نافع إلا حماد بن سلمة.
وقال الترمذي (٤): وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: