← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قوله: "تتناوله" بتاء الخطاب، و"تناولا" نُصِبَ على المصدرية. واستدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل؛ لأنه نهي عن الاغتسال في الماء الدائم في حالة الجنابة؛ فلو لم يتنجس الماء بذلك لم يكن للنهي فائدة. ومن فوائده: جواز إدخال الجنب يده في الماء الدائم ليأخذ منه شيئا للاغتسال، وكذا حكم الإناء؛ لأن في منع هذا حرجا عظيما؛ لأن كل أحد لا يجد إناء يأخذ الماء به، ولو أدخل رجله لفسد الماء لعدم الحاجة إليه، وعن أبي يوسف: لو أدخل رجله في البئر لا يفسد؛ لأنه يحتاج إلى ذلك لطلب الدلو. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه. ش: ابن أبي داود هو إبراهيم، وقد مر غير مرة. وسعيد بن الحكم المصري، روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن أبي الزناد -بالزاي والنون- أبو محمَّد القرشي المدني، استشهد به البخاري، واحتج به أبو داود والترمذي وابن ماجه. واسم أبي عبد الرحمن: عبد الله بن ذكوان أبو الزناد، روى له الجماعة. وموسى بن أبي عثمان التبان مولى المغيرة بن شعبة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. ولم يعرف اسم أبي موسى المذكور، روى له الترمذي والنسائي. ص: وكما حدثنا حسين بن نصر بن المعارك البغدادي، قال: ثنا محمَّد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا سفيان (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 107

ش: هذان طريقان آخران للطريق السابق، فحصل لحديث أبي الزناد ثلاث طرق. وحسن بن نصر ذكره ابن يونس فيمن قدم مصر وقال: كان ثقة ثبتا. ومحمد بن يوسف الفريابي روى له الجماعة، والفِريابي -بكسر الفاء- نسبة إلى فارياب، بليدة بنواحي خراسان. وسفيان هو الثوري الإمام المشهور. وفهد هو ابن سليمان. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين شيخ البخاري وغيره. واعلم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر يكتب عند الانتقال من إسناد إلى إسناد آخر "حاء" مهملة مفردة؛ دلالة على التحويل والانتقال، ولذلك كَتَبَ "ح" بعد قوله: "ثنا سفيان ح وحدثنا فهد". ص: حدثنا الربيع بين سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عبد الله ابن لهيعة، قال: ثنا عبد الرحمن الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول عن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه". ش: هذا طريق آخر. والربيع بين سليمان بن عبد الجبار المرادي، راوي كتب الأمهات عن الشافعي، وثقه الخطيب. وأسد بن موسى بن إبراهيم الأموي المصري، وثقه ابن حبان وغيره. وعبد الله بن لَهِيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- قاضي مصر قالوا: فيه مقال. ولكنه كبير، وثقه أحمد ورضي به الطحاوي (١).

стр. 108

وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج القرشي، روي له الجماعة. ص: وكما حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أنا حيوة بن شريح، قال: سمعت ابن عجلان يحدث، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ولا يغتسل فيه". ش: هذا طريق آخر رجاله كلهم ثقات. والربيع هذا غير الربيع المذكور في الحديث السابق فإن ذاك مرادي وهذا جيزي نسبة إلى جيزة مصر مقابل المقياس وكلاهما من أصحاب الشافعي. وحيوة بن شريح التميمي المصري. وهذا الإسناد نصفه مصري ونصفه مدني. قوله: "ولا يغتسلُ" برفع اللام، عطف جملة على جملة لا عطف فعل على فعل، إذ لو كان ذاك لقيل: ولا يغتسلن -بالنون- وهذه الرواية بحرف "في" والتي قبلها بحرف "من" فافهم. ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ العُصْفري، قال: حدثني إدريس بن يحيى، قال: ثنا عبد الله بن عياش، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبى ﵇ مثله، غير أنه قال: "ولا يغتسل فيه جنب". ش: هذا إسناد آخر في الحديث السابق، وفيه زيادة لفظة: "جُنب" بعد قوله: "ولا يغتسل فيه" ورجاله ثقات. وإبراهيم بن منقذ من أصحاب عبد الله بن وهب.

стр. 109

وإدريس بن يحيى بن إدريس بن يحيى الخولاني. وعبد الله بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- القِتْبَاني أبو حفص المصري، روي له مسلم. والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. ص: وحدثنا محمَّد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو يوسف، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﵇: "أنه نهى أن يبال في الماء الركد ثم يتوضأ فيه". ش: محمَّد بن الحجاج ذكره ابن يونس وقال: محمَّد بن الحجاج بن سليمان الجوهري مولى حضرموت، يكني أبا جعفر، كان صالحا. وعلي بن معبد بن شداد العبدي أبو الحسن الرَّقي نزيل مصر، وثقه أبو حاتم، وروي له الترمذي والنسائي. وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، الإِمام المشهور أكبر أصحاب أبي حنيفة، وثقه ابن حبان وغيره. وابن أبي ليلي هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري قاضي الكوفة، روى له الأربعة، وفيه مقال. وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، روي له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى أن يبال في الماء الراكد". وابن ماجه (٢): عن محمَّد بن رمح، عن الليث ... إلي آخره نحوه.

стр. 110

والطبراني في "الأوسط" (١) بإسناد صحيح إلى جابر قال: "نهي رسول الله ﵇ أن يبال في الماء الجاري فإذا كان البول في الجاري منهيّا عنه ففي الراكد بالطريق الأولى. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمَّد بن يحيى، عن محمَّد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة؛، عن ابن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا [يبولن] (٣) أحدكم في الماء الناقع". ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما خصّ رسول الله ﷺ الماء الذي لا يجري دون الماء الجاري مع ما في هذه الآثار؛ علمنا بذلك أنه إنما فصل ذلك لأن النجاسة تداخل الماء الذي لا يجري ولا تداخل الماء الجاري، وقد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا في غسل الإناء من ولوغ الكلب ما سنذكره في غير هذا الموضع من كتابنا هذا إنْ شاء الله تعالى فذلك دليل على نجاسة الإناء ونجاسة مائه وليس ذلك بغالب على ريحه ولا على لونه ولا على طعمه، فتصحيح معاني هذه الآثار يوجب فيما ذكرنا من هذا الباب من معاني حديث بئر بضاعة ما وصفنا لتتفق معاني ذلك ومعاني هذه الآثار ولا تتضادَّ، فهذا حكم الماء الذي لا يجري إذا وقعت فيه النجاسة من طريق تصحيح معاني الآثار، غير أن قوما وقتوا في ذلك شيئًا فقالوا: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. ش: لما أوّل فيما مضى معنى قوله ﵇ في بئر بضاعة: "إنَّ الماء لا ينجس" بأنه لا ينجس في حال عدم النجاسة فيها، وكذلك معنى قوله ﵇: "إنَّ الأرض لا تنجس" بأنها لا تبقى نجسة إذا زالت النجاسة منها، وأقام على ذلك شواهد تدل على صحة مدعاه وهي أحاديث بول الأعرابي في المسجد، ثم أوضح ذلك

стр. 111

بأحاديث النهي عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري، علم بذلك اتفاق معاني آثار بئر بضاعة مع معاني هذه الآثار وليس بينها تضاد في الحقيقة؛ وإنْ كان يتُوهم ذلك بحسب الظاهر. قوله: "ما سنذكره" مسند إلى قوله: "وقد روي". قوله: "فذلك" إشارة إلى حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب. قوله: "وليس ذلك بغالب" جملة حالية. قوله: "فتصحيح معاني هذه الآثار" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "يوجب" قلت: "ما وصفنا" مفعوله. قوله: "ولا تتضاد" بالنصب عطفا على قوله: "لتتفق معاني هذه الآثار" والتضاد بين الشيئين التنافي بينهما وهو أن يقتضي أحدهما ثبوت أمر والآخر انتفاءه في محل واحد بشرط تساويهما في القوة، وكذا التناقض بين الشيئين والتعارض بينهما فالمتضادان لا يجتمعان ولكنهما يرتفعان كالأبيض والأسود، والتناقض عند أهل المعقول: اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأخرى. قوله: "غير أن قوما" أراد بهم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد ومن تبعهم في توقيت الماء القليل. قوله: "وقتوا" أي قدروا في الماء الدائم في حكم القليل الذي يتنجس بوقوع النجاسة بما دون القلتين على ما يتحرر عن قريب إنْ شاء الله تعالى. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: أبنا أبو أسامة حماد بن أسامة، عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵁ "أن رسول الله ﷺ سئل عن الماء وما ينوبه من السباع، فقال: إذا بلغ الماء قلتين فلم يحمل الخبث".

стр. 112

ش: أي احتج هؤلاء القوم وهو الذي ذكره في قوله: "غير أن قوما وقتوا في ذلك". وقد ذكر أن المراد منهم الشافعي وأحمد وإسحاق ومن تبعهم. ورجال هذا كلهم رجال الصحيح ما خلا بحر بن نصر فإنه أيضًا ثقة، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: صدوق ثقة. روى عنه النسائي. وأخرجه الأربعة، فأبو داود (١): عن ابن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي، عن أبي أسامة ... إلى آخره نحوه. والترمذي (٢): عن هنّاد، عن عبدة، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن جعفر ... إلى آخره، ولفظه: "سمعت رسول الله ﵇ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال رسول الله ﷺ إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث". والئسائي (٣): عن هناد بن السري والحسن بن حريث، عن أبي أسامة ... إلى آخره نحو رواية أبي جعفر، غير أن فيه: "من الدواب والسباع". وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن خلَّاد، عن يزيد بن هارون، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن جعفر ... إلى آخره نحو رواية الترمذي. وقد وقع في رواية النسائي وابن ماجه: "عُبيد الله بن عبد الله" (٥) مثل ما وقع في رواية الطحاوي بتصغير "العبد" في الابن وتكبيره في الأب، وفي رواية أبي داود والترمذي (٦): بالتكبير فيهما، ولما أخرجه الترمذي سكت عنه ولم يحكم عليه بشيء،

стр. 113

وقال اليعمري: وقد صححه ابن حبان وابن منده والطحاوي والخطابيّ والبيهقي، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١) والحاكم في "مستدركه" (٢): وزعم أنه على شرط الشيخين، ووافقه ابن منده في أنه على شرط مسلم، وقال الحكم: "صحيح ولا تقبل دعوى من ادعى اضطرابه". وقال اليعمري أيضًا: وقد حكم الفقيه أبو جعفر الطحاوي بصحة هذا الحديث لكنه اعتل في ترك العمل به بجهالة مقدار القلتين. قلت: وضعفه الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ، وقال ابن العربي: مداره على علته أو مضطرب في الرواية أو موقوف، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد ابن كثير وهو إباضيّ، واختلفت روايته فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثًا،

стр. 114

وروي "أربعون قلة" وروي "أربعون غربا" ووقف على أبي هريرة وعبد الله بن عمر ﵃ وقال اليعمري: حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب ولعل مسلما تركه لذلك. قلت: اضطرابه لفظي ومعنوي، أما اللفظي فمن جهة الإسناد والمتن، أما إسناده فمن ثلاث روايات: الأول: رواية الوليد بن كثير كما في رواية الطحاوي وأبي داود والنسائي وكذا في رواية الشافعي عن عبد الله بن الحارث المخزومي عن الوليد بن كثير، وكذا في رواية إسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة. والثانية: رواية محمَّد بن إسحاق، كما في رواية الترمذي وابن ماجه. والثالثة: رواية حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر، واختلف في إسنادها ومتنها: أما الإسناد فما رواه أبو داود (١) وابن ماجه (٢): عن موسى بن إسماعيل، عن حماد عن عاصم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني أبي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس" وخالف حماد بن سلمة فرواه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله موقوفا. وأما المتن فإن يزيد بن هارون رواه عن حماد بن سلمة، فاختلف فيه على يزيد، فقال الحسن بن محمَّد الصباح عنه عن حماد، عن عاصم قال: "دخلت مع عبيد الله ابن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقرى ماء فيه جلد بعير ميت، فتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت؟! فحدثني عن أبيه عن النبي ﷺ قال: إذا بلغ الماء قلتين أو أكثر لم ينجسه شيء" أخرجه الدارقطني (٣).

стр. 115

وكذلك رواه وكيع عن حماد بن سلمة وقال:"إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا لم ينجسه شيء" رواه ابن ماجه (١). وأما متنه فالاضطراب فيه ما تقدم. ورروي الدارقطني في "سُننه" (٢) وابن عُدي في "الكامل" (٣) والعقيلي في كتابه (٤) عن القاسم بن [عبد] (٥) الله العمري، عن محمَّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث" وقال الدارقطني: القاسم العمري وهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ. وروى الدارقطني (٦) أيضًا: من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبيه قال: "إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا" وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا: "أربعين غربا" ومنهم من قال: "أربعين دلوا". وأما الاضطراب المعنوي فقيل: إنَّ القلّة اسم مشترك يطلق على الجرّة وعلى القربة وعل رأس الجبل وعلي قامة الرحل، والاسم المشترك لا يراد به إلَّا أحد المعاني الذي دلّ عليه الدليل المرجح، فأي دليل مرجح دلّ على أن المراد من القلّة ما أرادوه من التقدير لا غيره. فإن قلت: روى الشافعي في "مسنده" (٧): أخبرني مسلم بن خالد الزنجي، عن

стр. 116

ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل [خبثا] (١) " وقال في الحديث: "بقلال هجر" قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. وقال الشافعي: فالاحتياط أن تجعل القلّة قربتين ونصفا، فإذا كان الماء خمس قِرب كبار كقرب الحجاز لم يحمل نجسا إلَّا أن يظهر في الماء ريح أو طعم أو لون. قلت: في هذا ثلاثة أشياء: أحدها: أن مسلم بن خالد ضعفه جماعة، فالبيهقي أيضًا ضعفه في باب: من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل (٢). الثاني: أن الإسناد الذي لم يحضره ذكره مجهول، فهو كالمنقطع، فلا تقوم به حجة. الثالث: أن قوله: "وقال في الحديث: بقلال هجر" يوهم أنه من لفظ النبي ﵇ والذي وجد في رواية ابن جريج أنه قول يحيى بن عقيل كما بينه البيهقي، ويحيي هذا ليس بصحابي فلا تقوم بقوله حجة. فإن قلت: أسند البيهقي (٣): عن محمَّد [أن يحيى بن عقيل أخبره] (٤) عن يحيى ابن يعمر، أنه ﵇ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا". قال: فقلت ليحيي بن عقيل: قلال هجر؟ [قال: قلال هجر] (٥) قال: فأظن أن كل قلة تأخذ فرقين" زاد أحمد بن علي في روايته: "والفرق ستة عشر رطلا". قلت: في هذا أيضًا أشياء: أحدها: أنه مرسل.

стр. 117

الثاني: أن محمَّد المذكور فيه هو ابن يحيى -على ما قال أبو أحمد الحافظ- يحتاج إلى الكشف عن حاله. الثالث: أنه ظن من غير جزم. الرابع: أنه إذا كان الفرق ستة عشر رطلا يكون مجموع القلتين أربعة وستين رطلا، وهذا لا يقول به البيهقي وإمامه. فإن قلت: قد ارتفع الاضطراب برواية إسماعيل بن عُلَيّة، والاضطراب الذي يرجع إلى المتن قد يدفع بما ذكر من طريق ابن إسحاق من عدة أوجه ليس فيها ذكر لغير القلتين، وكذلك طريق الوليد بن كثير ولم يقع من ذلك إلَّا اليسير جِدّا في طريق عاصم بن المنذر من بعض الوجوه وهي كلها لا تساوي واحدا من طريقي ابن إسحاق والوليد ولا يقاربها، فالاضطراب إنما يقدح إذا تساوت الطرق وتعذر الجمع أو الترجيح، وكذا تعليل مرفوعه بموقوفه ليس بمستقيم؛ لأن الرافع إذا كان ثقة لا يضره من لم يرفعه؛ لأنه زيادة من ثقة، وأن من رفعه أكثر وأحفظ ممن وقفه بكثير، فيكون الاعتبار للأكثر وللأحفظ. قلت: لا نسلم أن ارتفاع الاضطراب برواية ابن عُلية؛ لأنه يروي عن عاصم بن المنذر وهو ليس ممن اتفق عليه، ألا تري أن البخاري استشهد به وما روى له، وقوله: "طريق عاصم لا يساوي طريق ابن إسحاق" غير مسلم؛ لأن كليهما سواء في القوة والضعف، ولهذا استشهد بهما البخاري ولم يخرج لهما شيئًا، وقوله: "إنَّ الرافع إذا كان ثقة" معارَضٌ بما إذا كان الواقف أيضًا ثقة، قلت: "الاعتبار للاكثر" غير مسلم؛ بل الاعتبار للقوة، ولئن سلمنا جميع ذلك وسلمنا صحة الحديث لكنا نأوّله ونحمله على ما ذكره الطحاوي؛ ألَّا ترى أنه وهو إمام في الحديث وفي معرفة طرق معانيه، قد أخرج هذا الحديث بإسناد صحيح ولكنه لم يعمل به لجهالة مقدار القلتين على ما يجيء بيانه مستقصى إنْ شاء الله.

стр. 118

قوله: "وما ينوبه" أي ما يطرقه، وقيل: أي ما يقصده، يقال: نابه ينوبه نوبا وانتابه، إذا قصده مرة بعد أخرى، ويقال: معناه: ما تنزل به الدواب للشرب وهو جمع دابة، وهو ما يدب على وجه الأرض في اللغة، وفي العرف الدابة تطلق على ذوات الأربع مما يركب، وفي الصحاح: الدابة التي تركب. والسباع جمع سبع وهو كل حيوان عادٍ مفترس ضار ممتنع، وعطف السباع على الدَّواب من عطف الخاص على العام، إنْ اعتبرنا في الدواب المعنى اللغوي، وإلَّا فلا يكون من هذا القبيل. قوله: "فقال" أي النبي ﷺ "إذا كان الماء قلتين" وهي تثنية قلة وهي الحُبّ (١) العظيم والجمع قلال، واختلفوا في تفسير القلة، فقيل: خمس قرب كل قربة خمسون منّا، وقيل: جرة تسع فيها مائة وخمس وعشرون منّا، وقيل: القلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، وقيل: القلتان خمسمائة منّ، وقيل: القلة هي الجرّة التي يقُلّها القوي من الرجال أي يحملها، وقال اليعمري: الصحيح أن القلتين خمسمائة رطل، خمس قرب كل قربة مائة رطل بالبغدادي. وقيل: ستمائة، وقيل: ألف، وهما بالمساحة ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا، هكذا قالوا وليس محرّرا؛ فإن الماء تختلف أوزانه، وفي المغني لابن قدامة: القلة هي الجرّة، ويقع هذا الاسم على الصغيرة والكبيرة، والمراد من القلتين هَا هنا من قلال هجر، وهما خمس قرب كل قربة مائة رطل بالعراقي، فتكون القلتان خمسمائة رطل، هذا هو المشهور في المذهب وعليه أكثر الأصحاب. وهو مذهب الشافعي، وروى الأثرم عن أحمد أنَّهما أربع قرب، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن إمامه. قلت: وهجر التي تنسب إليها القلال قرية كانت ببلاد المدينة، ويقال: هجر التي باليمن، والأول أصح.

стр. 119

قوله: "لم يحمل الخَبَث" بفتحتين أي لا يحتمل نجسا لضعف قوته، هذا تأويلنا وهم يقولون: معناه لم ينجس بملاصقة النجاسة ووقوعها فيه. وقال النووي: وأما قول المانعين من العمل بالقلتين: "إن معناه يضعف عن حمله" فخطأ فاحش من أوجه: أحدها: أن الرواية الأخري مصرحة بلفظه وهي قوله: "فإنه لا ينجس". الثاني: أن الضعف عن الحمل إنما يكون في الأجسام كقولك فلان لا يحمل الخشبة أبي يعجز عن حملها لثقلها، وأما في المعاني فمعناه لا يقبله. الثالث: أن سياق الكلام يفسده؛ لأنه لو كان المراد أنه يضعف عن حمله لم يكن للتقييد بالقلتين معني فإن ما دونهما أولى بذلك. وأجيب بأن تأويل المانعين في الرواية التي لفظها "لم يحمل الخبث" صحيح لأن المعنى لا يحتمل هذا الماء نجسا لعدم قوته كما يقال فلان لا يحمل ألف رطل أي يضعف عنه، وتأويلهم إنما هو في هذه الرواية، وأما الرواية الأخري فالجواب عنها أن العمل متعذّر؛ للاختلاف الشديد في تفسير القلتين. وقال أبو عمر في "التمهيد": "وما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم؛ ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع". وقال ابن حزم: "وأما حديث القلتين فلا حجة لهم فيه أصلًا لأن رسول الله ﷺ لم يحدّ مقدار القلتين، ولا شك في أنه ﵇ إذا أراد أن يجعلها حدّا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها لمَا أهمل أن يحدّها لنا بحد ظاهر، لا يحيل، وليس [هذا] (١) مما يوجب على المرء ويوكل فيه إلى اختياره ولو كان ذلك لكانت كل قلتين -صغرتا أو كبرتا- حدّا في ذلك".

стр. 120

وأما الشافعي فليس حدّه في القلتين بأولى من حدّ غيره ممن فسرهما بغير تفسيره، وكل قول لا برهان له فهو باطل. والقلتان هو ما وقع عليه في اللغة اسم قلتين صغرتا أم كبُرتا، ولا خلاف في أن القلة التي تَسَعُ عشرة أرطال ماء تسمى عند العرب قلة، وليس [في هذا] (١) الخبر ذكر لقلال هجر أصلا، ولا شك في أن بهجر قلالا صغارا وكبارا. فإن قيل: إنَّه ﵇ ذكر قلال هجر في حديث الإسراء. قلئا: نعم وليس ذلك بموجب أن يكون ﵇ متى ذكر قلة فإنما أراد من قلال هجر، وليس تفسير ابن جريج للقلتين بأولى من تفسير مجاهد الذي قال: هما جرتان. وتفسير الحسن كذلك أيضًا. ص: وكما حدثنا الحسن بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أبنا محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن جعفر أبي الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "أنه سئل عن الحياض التي بالبادية تصيب منها السباع، قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسا". ش: هذه طريقة أخرى وهي صحيحة أيضًا، وإسنادها بعينه إسناد ابن ماجه الذي ذكرناه؛ لأنه أخرجه (٢) عن أبي بكر بن خلاد، عن يزيد بن هارون ... إلى آخره، غير أن لفظهما مختلف كما ترى. قوله: "بالبادية" أي في البادية على وزن فاعلة، من بدا إذا ظهر، يقال: بدا القوم بدوًّا أي خرجوا إلى باديتهم، والبدوي نسبة إلى البدو، والبدو البادية. وقد استدل به بعضهم على نجاسة سؤار السباع، لقوله: "تصيب منها السباع" وأجاب عنه من لا يرى بنجاسة سؤرها بأنها إذا وردت مياه الغدران خاضتها، وإذا خاضت بالت في الأكثر عادة، مع أن قوائمها لا تخلو من النجاسة غالبا، فكان

стр. 121

سؤالهم عن ذلك، وكان الجواب عنه ﵇ عن ذلك تقرير قاعدة عامة في الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، ومياه الغدران بالفلوات لا تنقص عن قلتين غالبا. قلت: فيه نظر؛ لأنا لا نسلم أنها تخوض في الماء عند الورود إليه، ولئن سلمنا ذلك فلا نسلم أنَّهَا تبول، ولئن سلمنا أنّها تبول فلا نسلم أن يكون تنجيس بولها الماء منافيا عن تنجيسه بسؤرها، فلم لا يجوز أن يكون تنجيسه بهما جميعا عند اجتماعهما وكل واحد منهما عند الإفراد؟! وقوله: "مع أن قوائمها لا تخلو من النجاسة" معارض بأن أفواهها لا تخلو عن النجاسة بل كون نجاسة فمها أقرب وأكثر من كون قوائمها نجسة؛ لأنها تأكل الجيف والعذرة ونحوهما، فهذا ما فتُح لي من الأنوار الربانية والأسرار الرحمانية ولله الحمد. ص: حدثنا محمد بن الحجاج، ثنا علي بن معبد، ثنا عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد اللهَ بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه طريقة أخرى وهي أيضًا صحيحة. وأخرجه البزار في "مسنده" وقال: حدثنا عمرو بن علي، نا أبو معاوية، عن محمد بن إسحاق إلى آخره نحوه. وأبو معاوية هو عبّاد بن عبّاد بن حبيب بن المهلب البصري، روى له الجماعة. ص: وكما حدثنا يزيد بن سنان بن يزيد البصري، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثله. ش: هذه طريقة أخرى، وهي أيضًا صحيحة.

стр. 122

ويزيد بن سنان أبو خالد القزاز البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي. وموسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر أخبرهم قال: "كنا في بستان لنا -أو بستان لعبيد الله بن عبد الله بن عمر- فحضرت صلاة الظهر، فقام إلى بئر البستان فتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت، فقلت: أتتوضأ منه وهذا فيه؟ " فقال عبيد الله: أخبرني أبي أن رسول الله ﵇ قال: إذا كان الماء قلتين لم ينجس". ش: يزيد هو ابن سنان المذكور. وعاصم بن المنذر وثقه ابن حبان. وهذا أخرجه الدارقطني (١): وقد ذكرناه ولكن في روايته: "إذا بلغ الماء قلتين أو (أكثر) (٢) لم ينجسه شيء". وأخرجه البيهقي (٣) أيضًا: من حديث حماد عن عاصم بن المنذر قال: "دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مِقرى ماء فيه جلد بعير ميت، فتوضأ منه، فقلت: أتتوضأ منه وفيه هذا؟! فحدثني عن أبيه عن النبي ﷺ قال: إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء". قوله: "وفيه جلد بعير" جملة حالية، وكذا قوله: "وهذا فيه". قوله: "مِقرى ماء" بكسر الميم قال ابن الأثير: المقرى والمقراة: الحوض الذي يجتمع فيه الماء. ص: وكما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن سلمة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يرفعه إلى النبي ﷺ وأوقفه على ابن عمر ﵄.

стр. 123

ش: هذا موقوف، فقد ظهر لك بهذا اضطراب هذا الحديث -يعني حديث القلتين- لأن في سنده ضعفا وفي متنه اضطرابا، والقلة في نفسها مجهولة. قلت: "لا يحمل الخبث" يحتمل معنيين مختلفين لا ندري أيهما المراد، والاعتماد على مثل هذا الخبر لا يصلح؛ كيف وقد ظهر العمل من الصحابة بخلافه في ماء البئر، فكان الاعتماد على ما روي من الأحاديث المشهورة. قلت: والجواب القاطع لحديث القلتين أنه خبر واحد، وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يُردّ، بيانه: أن ابن عباس وابن الزبير ﵃ أفتيا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله. ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر عليهما أحد منهم، فانعقد الإجماع برد هذا الحديث. ص: فقال هؤلاء القوم: إذا بلغ الماء هذا المقدار؛ لا يضره ما وقعت فيه من النجاسة إلَّا ما غلب على ريحه أو طعمه ولونه. واحتجوا في ذلك بحديث ابن عمر ﵃ هذا. ش: أشار بهؤلاء القوم إلى قوله: "غير أن قوما وقتوا في ذلك شيئًا" وهم: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ومن تبعهم، وأراد بهذا المقدار القلتين. وفي "المغني" (١): وإذا كان الماء قلتين وهو خمس قرب فوقعت فيه نجاسة فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة فهو طاهر، وأما ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور في الذهب أنه ينجس، وروي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو عُبيد. وروي عن أحمد رواية أخرى: أن الماء لا ينجس إلَّا بالتغيير؛ قليله وكثيره. وروي ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس، قالوا: الماء لا ينجس إلَّا بالتغير.

стр. 124

وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والثوري ويحيي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المنذر، وهو قول الشافعي. وأما الزائد على القلتين إذا لم يتغير بالنجاسة ولم تكن النجاسة بولا أو عذرة فلا يختلف المذهب في طهارته، روي ذلك عن ابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير والشافعي وإسحاق وأبي عُبيد وأبي ثور. ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة التي صححناها أن هاتين القلتين لم يبيَّن لنا في هذه الآثار ما مقدارهما، فقد يجوز أن يكون مقدارهما قلتين من قلال هجر كما ذكرتم، ويحتمل أن تكونا قلتين أريد بهما قلّة الرحل وهي قامته فأريد إذا كان الماء قلتين أبي قامتين لم يحمل نجسا لكثرته ولأنه يكون بذلك في معنى الأنهار. ش: أشار بهذا إلى بيان كيفية ترك العمل بحديث القلتين والجواب عنه. قوله: "عليهم" أي على هؤلاء القوم وهم الذين ذكرناهم عن قريب، وأراد بأهل المقالة التي صحح لهم أبا حنيفة وأصحابه ومن تبعهم فيما ذهبوا إليه. قوله: "أن هاتين القلتين" إسم لكان و"أنَّ" مصدرية. وكلمة "من" في قوله: "من الحجة" يجوز أن تكون للتبعيض وأن تكون للبيان والتقدير، فكان عدم بيان هاتين القلتين في هذه الآثار المذكورة من بعض الحجة عليهم، تحريره أن القلة في نفسها مجهولة لأنها وردت لمعاني كثيرة كما ذكرنا، فيبقي محتملا فلا يقوم به الدليل. فإن قلت: قد تبين ذلك في حديث ابن جريج الذي أسنده البيهقي الذي ذكرناه فيما قبل بورقتين. قلت: قد أجبت عن هذا هناك، وأيضًا لا يندفع الاحتمال بذلك؛ لأن ابن جريج ممن لا يقُلد، كذا قال شيخ الإِسلام في "المبسوط".

стр. 125

فإن قلت: قد أخرج ابن عدي (١) من جهة المغيرة بن سقلاب، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء" وذكر أنهما فرقان. قلت: الحديث معلول بالمغيرة؛ لأن ابن عدي ضعفه، وقال ابن حبان: غلب على حديثه المناكير فاستحق الترك. فإن قلت: ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه: أنه صالح، وعن أبي زرعة: جزري لا بأس به. قلت: إنْ سلمنا ذلك فالحديث يقتضي أن تكون القلتان اثنين وثلاثين رطلا، وهذا لا يقول به هؤلاء القوم. ص: فإن قلتم: إنَّ الخبر عندنا على ظاهره والقلال عندنا هي قلال الحجاز المعروفة، قيل لكم: فإن كان الخبر على ظاهره كما ذكرتم فإنه ينبغي أن يكون الماء إذا بلغ ذلك المقدار لا تضره النجاسة وإنْ غيرت لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأن النبي ﵇ لم يذكر ذلك في هذا الحديث؛ فالحديث على ظاهره. ش: السؤال ظاهر، وتحرير الجواب أن يقال لهم: إنْ كان الحديث على ظاهره يقتضي ما ذكرتم؛ كان ينبغي أن الماء إذا بلغ القلتين لا تضره النجاسة وإنْ غيرت وصفا من أوصافه، فحين شرطتم عدم التغير دلّ أنكم لم تعملوا بظاهر الحديث؛ لأنه ﵇ لم يذكر هذا الشرط في الحديث فلم تكونوا عاملين به. فإن قالوا: عملنا به ولكن شرطنا عدم التغير بحديث أبي أمامة الباهلي عن النبي ﵇ أنه قال: "لا ينجس الماء شيء إلَّا ما غيّر ريحه أو طعمه" رواه الطبراني في "الأوسط" (٢) و"الكبير" (٣).

стр. 126

وفي رواية ابن ماجه (١): "إلَّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". قلنا: يلزمكم حينئذ أن تحكموا بطهارة ما دون القلتين إذا لم يغير وقوع النجاسة فيه وصفا من أوصافه، ومع هذا لا تحكمون بطهارتها، على أن في سند الحديث رشدين بن سعد وهو ضعيف. ص: فإن قلتم: فإنه وإنْ لم يكن ذكره في هذا الحديث فقد ذكره في غيره، فذكرتم ما حدثنا به محمَّد بن الحجاج قال: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء إلَّا ما غلب على لونه أو طعمه". قيل لكم: هذا منقطع وأنتم لا تثبتون المنقطع ولا تحتجون به. ش: تحرير هذه المعارضة أن النبي ﵇ وإنْ لم يكن ذكر اشتراط عدم التغير في حديث القلتين، فقد كان ذكره في غيره، وهو الحديث الذي رواه راشد بن سعد المقرائي الحبُراني الحمصي التابعي، والجواب أنه منقطع فلا يقوم حجة. والمعني أنه مرسل وهم لا يحتجون به، وأطلق على المرسل منقطعا لأنهما سواء عند الطحاوي، وقال ابن الصلاح: "المنقطع مثل المرسل وكلاهما شاملان لكل ما لا يتصل إسناده". وقال أبو عمر بن عبد البر: "المرسل مخصوص بالتابعين، والمنقطع شامل له ولغيره". وهو عنده كل ما لا يتصل إسناده سواء كان يعزى إلى النبي ﵇ أو إلى غيره. قلت: فظهر من هذا أن المنقطع أعم. فإن قلت: فهذا وإنْ كان منقطعا من وجه فإنه متصل من وجه آخر على ما رواه الدارقطني (٢): حدثنا محمَّد بن موسى البزاز، ثنا علي بن السرَاج، ثنا

стр. 127

أبو شرحبيل، ثنا مروان بن محمَّد، ثنا رشدين بن سعد، ثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "الماء طهور إلَّا ما غلب على ريحه أو على طعمه". قلت: قد اختلف أصحاب الحديث في منقطع من وجه متصل من وجه آخر، فمنهم من قال: سقط اعتبار الاتصال فيه بالانقطاع من وجه، والأكثرون على أنه حجة (١)، ولكن الحديث معلول برشدين بن سعد على ما ذكرناه عن قريب. ص: فإن كنتم قد جعلتم قوله في القلتين على خاص من القلال، جاز لغيركم أن يجعل الماء على خاص من المياه، فيكون ذلك عنده على ما يوافق معاني الآثار الأول ولا يخالفها، فإذا كانت الآثار الأول التي قد جاءت في البول في الماء الراكد، وفي نجاسة الماء الذي في الإناء من ولوغ الهرّ فيه عامّا لم يذكر مقداره، وجعل على كل ما لا يجري؛ ثبت بذلك أن ما في حديث القلتين هو على الماء الذي لا يجري، ولا نظر في ذلك إلى مقدار الماء، كما لم يُنْظَرْ في شيء مما ذكرنا إلى مقداره؛ حتى لا يتضادّ شيء من الآثار المروية في هذا الباب. ش: تحريره: أنهم إذا قالوا: نحن نخص القلتين بما هو المعروف عند أهل الحجاز فلا يبقى حينئذ احتمال فتقوم الحجة، فنحن نعارضهم بأن نخص الماء المذكور في حديث القلتين بأن نحمله على الماء الراكد، وهو أعم من أن يكون على الأرض أو في الإناء ليوافق معناه معاني الآثار التي وردت في البول في الماء الراكد، وفي نجاسة الماء الذي في الإناء من ولوغ الكلب أو الهرة، ولم يذكر في هذه الآثار مقدار معين، بل جعل على كل ما لا يجري فكذلك يحمل ما في حديث القلتين على الماء الذي لا يجري من غير نظر إلى مقداره كما في الآثار المذكورة؛ لئلَّا يقع التضاد والتنافي بين حديث القلتين والآثار المذكورة.

стр. 128

بيان وقوع التضاد عند عدم التوفيق: أن الآثار المذكورة تدل على نجاسة الماء الراكد مطلقا، سواء كان في قلة أو قربة أو طشَتٍ أو حوض أو نحو ذلك، وسواء كان قليلًا أو كثيرا، وسواء تغيّر أحد أوصافه أو لا، وحديث القلتين يدل بظاهره على أن الماء إذا بلغ قلتين لا يتنجس بوقوع النجاسة، وبينهما منافاة ظاهرة؛ لأن كلا الماءين من الماء الذي لا يجري فالحكم في أحدهما بالنجاسة وفي الآخر بالطهارة والحال أنهما سواء تضاد ومنافاة، فإذا حمل حديث القلتين على ما ذكرنا ارتفع التضاد وتوافقت الآثار واتحدت معانيها. وهَا هنا جواب آخر تفردت به وهو أنكم إذا حملتم معنى القلة على قلة معينة يعرفها أهل الحجاز الذي هو أحد معاني القلة، فنحن أيضًا نحمله على معنى قامة الرحل؛ لأنه أحد محتملاته، فيكون المعنى إذا بلغ الماء قامتين لا يحمل الخبث وقدر القامتين لا يكون إلَّا في الغدران والحياض الكبيرة فيكون كثيرا، ونحن أيضًا نقول: إنَّ الماء الكثير لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه إلَّا إذا تغيّر أحد أوصافه من الطعم واللون والرائحة. فإن قلتم: حَمْلكم على معنى القامة ترجيح بلا مرجح. قلنا: حَمْلكم أيضًا على قلة يعرفها أهل الحجاز ترجيح بلا مرجح. فإن قلتم: عندنا ما يرجح ذلك وهو رواية ابن جريج أنَّهَا قلال هجر. قلنا: قد مرَّ الجواب عن هذا أن ابن جريج لا يقلد في ذلك، وقد حمل بعض الناس القلة على قلّة الجبل وهي أعلاه لأن قلة كل شيء أعلاه وهذا بعيد عادة؛ لأن الماء إذا بلغ إلى أعلى الجبلين يكون كالبحر فلا تؤثر فيه النجاسة أصلًا، فلا يبقى لقوله: "إذا بلغ الماء أعلى الجبلين لا يحمل الخبث" زيادة فائدة. ص: وهذا المعنى الذي صححنا عليه معاني هذه الآثار، هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أراد بهذا المعني: وجه التوفيق الذي ذكره بين الآثار المذكورة وحديث القلتين.

стр. 129

ص: وقد روي في ذلك عمن تقدمهم ما يوافق مذهبهم. ش: أي قد روي فيما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه عمن تقدمهم من الصحابة والتابعين ما يوافق مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد و"ما يوافق" محله رفع لاستناد روي إليه، و"مذهبهم" مفعول يوافق. ص: فمما روي في ذلك ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، وقال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن عطاء: "أن حبشيّا وقع في بئر زمزم فمات، فأمر ابن الزبير فنزح ماؤها، فجعل الماء لا ينقطع، فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود فقال ابن الزبير: حسبكم". ش: أي فمن الذي روي فيما يوافق مذهبهم ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث. ورجال هذا رجال الصحيح ما خلا صالحا. وسعيد بن منصور أحد مشايخ مسلم وأبي داود. وهُشَيم -بضم الهاء وفتح الشين المعجمة- بن بَشير -بفتح الباء- أبو معاوية الواسطي. ومنصور بن المعتمر أبو العتاب الكوفي. وعطاء بن أبي رباح أحد مشايخ أبي حنيفة. وأخرجه ابن أبي شيبة في"مصنفه" (١) قال: ثنا هشيم، عن منصور ... إلى آخره نحوه. قوله: "أن حبشيًّا" منسوب إلى الحبش وهم حبش من السودان مشهور، وقال السهيلي: "الحبشة هم بنو حبش بن كرُش بن حام بن نوح ﵊. و"زمزم" اسم بئر بمكة أصلها من ركضة جبريل ﵇

стр. 130

قوله: "فجعل الماء" جعل هذه من أفعال المقاربة؛ لأنه بمعني شرع، ولا يكون خبره إلَّا مضارعا مجردا من "أن". قوله: "فإذا" للمفاجأة. قوله: "حسبكم" أي يكفيكم نزح الماء الذي فيه، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وبالعكس. واستدل به أصحابنا أن البئر إذا مات فيها آدمي وما يقاربه في الجثة لا يطهر إلَّا بنزح جميع مائها، ودل هذا أيضًا أن القلتين يتنجس وإنْ لم يتغير؛ لأن ماء زمزم كان أكثر من قلتين بلا خلاف. ص: وما قد حدثنا حسين بن نصر، ثنا الفريابي، ثنا سفيان، أخبرني جابر، عن أبي الطفيل قال: "وقع غلام في زمزم فنزفت". ش: الفريابي هو محمَّد بن يوسف، روى له الجماعة. وسفيان هو الثوري. وجابر هو ابن يزيد بن الحارث الجُعفي، فيه مقال. وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي ﵁. ورواه الدارقطني (١) أيضًا وفي روايته: "فنزحت" موضع: "فنزفت". ورواه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢) و"المعرفة" (٣): ثم تكلم في جابر الجعفي. قلت: قال ابن عدي: للجعفي حديث صالح، وقد روي الثوري عنه وقد احتمله الناس ورووا عنه. وعن شعبة: هو صدوق في الحديث. ولئن سلمنا ما قاله البيهقي فإن نزح زمزم قد روي من طريق آخر صحيح وهو الرواية السابقة التي أخرجها الطحاوي وابن أبي شيبة.

стр. 131

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر قال: "سقط رجل في زمزم فمات فيها فأمر ابن عباس أن تسد عيونها وتنزح فقيل له: إنَّ فيها عينا قد غلبتنا. قال: إنها من الجنة. فأعطاهم مِطرفا من خَزٍّ فحشوه فيها ثم نزح ماؤها حتى لم يبق فيها نتن". فإن قلت: حكى البيهقي (٢): عن الشافعي أنه قال: لا نعرفه عن ابن عباس وزمزم عندنا، ما سمعنا بهذا. وعن ابن عيينة قال: أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي. وعن أبي عُبيد كذلك؛ لأنه قد جاءت الآثار في نعتها أنَّهَا لا تنزح ولا تذم. قلت: قد عرف هذا الأمر وأثبته أبو الطفيل، وابن سيرين وقتادة ولو أرسلاه، وعمرو بن دينار وعطاء ومعمر، والمثبت مقدم على النافي خصوصا مثل هؤلاء الأعلام، ولا يلزم من عدم سماع من لم يدرك ذلك الوقت وعدم من يعرفه عدمُ هذا الأمر في نفسه، وليس في حديث ابن الزبير وابن عباس ﵄ أنهما قدرا على استئصال الماء بالنزح حتى يكون مخالفا للآثار التي جاءت بأنها لا تنزح ولا تذم بل صَرَّح في رواية ابن أبي شيبة (٣): بأن الماء لم ينقطع، وفي رواية البيهقي: بأن العين غلبتهم حتى دسّت بالقباطي والمطارف. وجعل السهيلي حديث الحبشي مؤيدا لما روي في صفتها أنَّهَا لا تنزف. فإن قلت: قد حكى البيهقي أيضًا عن الشافعي أنه قال لمخالفيه: قد رويتم عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الماء لا ينجسه شيء" أفترى أن ابن عباس يروي عن النبي ﵇ خبرًا ثم يتركه؟! قلت: لم يتركه بل خصّصه كما خصصت أنت أيها الشافعي فقلت بنجاسة ما دون القلتين بالنجس ولو لم يتغير، وبنجاسة ما بلغ قلتين فصاعدًا بالتغير.

стр. 132

فإن قلت: حكي أيضًا عن الشافعي أنه أوَّل نزح زمزم -إنْ صح- بأنه كان للتنظيف لا للنجاسة. قلت: هذا ممنوع؛ لأن ابن عباس وابن الزبير أمرا بالنزح، ومطلق الأمر للوجوب، وليس ذلك إلَّا للتنجيس، ويبعد هذا التأويل أيضًا أنهم بالغوا في النزح وسدّ العين، ولو كان للتنظيف لم يبالغوا هذه المبالغة العظيمة. فإن قلت: حكي أيضًا عنه أنه قال: وقد يكون الدم ظهر على وجه الماء حتى رُئُي فيه. قلت: الغالب أن من يقع في الماء يموت خنقا ولا يخرج منه دم، ولو خرج كان قليلًا لا يصل إلى أن يظهر على وجه الماء الكثير ويرى فيه. قوله: "لا تُذمّ" أي لا يوجد ماؤها قليلًا، من قولهم بئر ذِمّة إذا كانت قليلة الماء. قوله: "نُزِفَت" من نَزَفت ماء البئر نَزْفا إذا نزحته كله، ونَزَفت هي، يتعدى ولا يتعدى، ونُزِفت أيضًا على ما لم يسم فاعله. ص: وما قد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة: "أن عليّا ﵁ قال في بئر وقعت فيها فأرة فماتت قال: ينزح ماؤها". ش: رجاله ثقات. قلت: "ينزح ماؤها" محمول على ما إذا ماتت وانتفخت، وأما إذا لم تنتفخ بل أُخرجت على الفور، فإنه ينزح عشرون دلوا، روي ذلك عن عطاء ذكره ابن حزم، وفي "البدائع" و"الأيضَاح": ينزح في الفأرة وما يقاربها في الجثة عشرون أو ثلاثون، هكذا روي عن علي ﵁. وروي عن علي ما يخالف ذلك كله، وهو ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): حدثنا إبراهيم بن محمَّد، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، أن عليّا ﵁ قال: "إذا

стр. 133

سقطت الفأرة في البئر فتقطعت؛ نزع منها سبعة أدلاء، فإنْ كانت الفأرة كهيئتها لم تقطع؛ نُزع منها دلو أو دلوان، فإن كانت منتنة أعظم من ذلك فلينزع من البئر ما يذهب الريح". فإن قلت: ما معنى الترديد بين العشرين والثلاثين في مسألة الفأرة وبين الأربعين والخمسين والستين في الدجاجة؟ قلت: لما اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في الفأرة من عدم وجوب شيء، ووجوب دلوا ودلوين، ووجوب عشرين دلوا، ووجوب أربعين دلوا، اختار أصحابنا قول من يقول بالعشرين التي هي الوسط بين القليل والكثير ثم زادوا عليه مقدار نصفه بطريق الاستحباب لأجل الاحتياط، بيان ذلك فيما رواه عبد الرزاق (١) عن معمر أخبرني من سمع الحسن يقول: "إذا ماتت الدابة في البئر أخذت منها وإنْ تفسخت فيها نزحت" وما رواه أيضًا من حديث علي المذكور آنفا وما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) عن ابن عُيينة، عن ليث، عن عطاء قال: "إذا وقع الجُرذ في البئر نزح منها عشرون دلوا". و"الجُرَذ" -بضم الجيم وفتح الراء وفي آخره ذال معجمة- وهو الذكر الكبير من الفأر فجمعها الجُرذان. وما رواه أيضًا (٣) عن حفص، عن عاصم، عن الحسن: "في الفأرة تقع في البئر قال: يستقي منها أربعون دلوا". وأما الترديد في الدجاجة فكذلك لاختلاف أقوالهم. بيان ذلك فيما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤) عن معمر قال: "سألت الزهري

стр. 134

عن دجاجة وقعت في بئر فماتت، قال: لا بأس أن تتوضأ منها وتشرب إلَّا أن تنتن حتى يوجد ريح نتنها في الماء؛ فينزح". وما رواه أيضًا (١) عن يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء: "في البئر تموت فيها الدجاجة وأشباهها قال: استق منها دلوا وتوضأ منها، فإن هي تفسخت استق منها أربعين دلوا". وما رواه أيضًا (٢) عن المحاربي، عن الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان: "في البئر تقع فيها الدجاجة والكلب والسنور فتموت، قال: ينزح منها ثلاثون أو أربعون دلوا". وما رواه أيضًا عن أسباط بن محمد بن عبد الملك، عن سلمة بن كهيل: "في الدجاجة تقع في البئر قال: يستقي منها أربعون دلوا". فلما اختلفت هذه الأقوال اختار أصحابنا الأربعين؛ لأن أكثر ما ذكر فيه ثم زادوا عليه على وجه الاستحباب عشرة، وبعضهم زادوا عشرين؛ لأنه نصف الأربعين تأكيدا في طلب الاحتياط، فافهم. فإن قيل: قد قلتم إنَّ مبنى مسائل الآبار على الآثار دون القياس والرأي، وما ذكرتم لا يخلو عن رأي. قلت: المقادير بالرأي إنما تمنع في التي تثبت لحق الله تعالى ابتداء دون المقادير التي تتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير، فإن المقادير في الحدود والعبادات لا مدخل للرأي فيها أصلا، وكذا ما يكون بتلك الصفة، وأما الذي يكون من باب الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج إليه فللرأي فيه مدخل، ولما عرف بآثار الصحابة حكم طهارة البئر في الفصول كلها مع اختلاف الأقوال عنهم وعن غيرهم من التابعين في القليل والكثير من النزح؛ صار ذلك من باب الفرق

стр. 135

فدخل فيه الرأي لاختيار عدد دون عدد بحسب صفة القضية، ألا ترى أن محمدا حكم في البئر المعين بمائتي دلو إلى ثلاثمائة بناء على كثرة الماء في آبار بغداد، فهذا رأي ولكنه عن دليل، وذلك لأن الشرع لما أمر بإخراج جميع ما فيها صار الواجب نزح ذلك الماء الذي وقعت فيه النجاسة، وغالب مياه الآبار لا تزيد على مائتي دلو، فبنزح هذا المقدار يحصل المطلوب، وأما قوله: "إلى ثلاثمائة" فللاحتياط في باب التطهير. ص: وما قد حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بنعين، عن عطاء، عن ميسرة وزاذان، أن عليًّا ﵁ قال: "إذا سقطت الفأرة أو الدابة في البئر فانزحها حتى يغلبك الماء". ش: محمَّد بن حميد وثقه ابن يونس. وعلي بن معبد بن شداد من أصحاب محمَّد بن الحسن ثقة. وموسى بن أعين الجزري، روى له الجماعة سوى الترمذي. وعطاء هو ابن السائب، وثقه أحمد، وعن يحيي: "لا يحتج به". وميسرة أبو صالح الكوفي. وزاذان أبو عبد الله الكوفي، روى له الجماعة؛ البخاري في الأدب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): حدثنا وكيع، عن حمزة الزيات، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي ﵁: "في الفأرة تقع في البئر، قال: ينزح إلى أن يغلبهم الماء". واستدل به أبو حنيفة في البئر إذا كانت معينا، تنزح حتى يغلبهم الماء، ولم يقدر الغلبة بشيء لأنها متفاوتة، بل يفوض إلى رأي المبتلي به. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي المهزّم

стр. 136

قال: "سألنا أبا هريرة عن الرجل يمر بالغدير أيبول فيه؟ قال: لا، فإنه يمر به أخوه المسلم فيشرب منه ويتوضأ، وإنْ كان جاريا فليبُل فيه إنْ شاء". ش: حجاج هو ابن المنهال. وحماد هو ابن سلمة. وأبو المُهزّم اسمه يزيد بن سفيان، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان، ضعفه يحيى ابن معين وتركه النسائي. واستفيد منه: أن الماء القليل يتنجس بوقوع النجاسة فيه وإنْ كان مقدار القلتين ولم يتغير. وأن البول في الماء الراكد منهي عنه وفي الجاري لا بأس به، ولكن روى الطبراني في "الأوسط" (١) بإسناد صحيح عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يُبال في الماء الجاري" وهذا من أقوى الدليل على تنجس القلتين بوقوع النجاسة وإنْ لم يتغير. ص: حدثنا محمَّد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة بمثله. ش: هذاطريق آخر بإسناد صحيح عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر العَقَدي، قال: ثنا سفيان، عن زكريا، عن الشعبي: "في الطير والسنّور ونحوهما يقع في البئر؛ ينزح منها أربعون دلوا". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي. وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو البصري. وسفيان هو الثوري.

стр. 137

وزكريا هو ابن أبي زائدة الكوفي. واسم الشعبي عامر بن شراحيل أبو عمرو الكوفي. واحتج به أبو حنيفة وأصحابه أن الهرة وما يقاربها في الجثة إذا ماتت في البئر وأخرجت على الفور ينزح منها أربعون دلوا. ص: حدثنا حسين بن نصر، ثنا الفريايى، ثنا سفيان، عن زكريا، عن الشعبي قال: "ينزح منها أربعون دلوا". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح، والفريابي هو محمَّد بن يوسف. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن عبد الله بن سبرة الهمداني، عن الشعبي قال: "يُدلي منها سبعون دلوا". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح، وهشيم هو ابن بشير. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) قال: ثنا هشيم، عن عبد الله بن سبرة، عن الشعبي أنه قال: "يُدلى منها سبعون دلوا -يعني في الدجاجة". قوله: "يُدلي" على صيغة المجهول من دلوت الدلو: نزعتها، والمعنى: ينزع من البئر سبعون دلوا في الدجاجة، ولم يفسر في رواية الطحاوي كون هذا العدد في الدجاجة ولكن هو المراد؛ لتفسير ابن أبي شيبة. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا حفص بن غياث النخعي، عن عبد الله بن سبرة الهمداني، عن الشعبي قال: "سألناه عن الدجاجة تقع في البئر فتموت فيها، قال: ينزح منها سبعون دلوا". ش: هذا أيضًا إسناده صحيح، وفيه إيضاح لما في الخبر الأول من الإبهام في محل العدد المذكور. ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أبنا

стр. 138

مغيرة، عن إبراهيم،: "في البئر تقع فيها الجُرذ أو السنور فتموت، وقال: ندلو منها أربعين دلوا. قال المغيرة: حتى يتغير الماء". ش: هذا أيضا إسناد صحيح. ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، أبو هشام الكوفي الفقيه الأعمي، روى له الجماعة. وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) عن هشيم ... إلى آخره نحوه. و"الجُرذ" -بضم الجيم وفتح الراء وفي آخره ذال معجمة- وهو الذكر الكبير من الفأر. قوله: "ندلو" بالنون المصدرة للجماعة، من دلوت الدلو: نزعتها، أي ننزع من البئر أربعين دلوا. قوله: "حتى يتغير الماء" أي ماء البئر، أراد أنهم يعنفون في إرسال الدلو حتى يتكدر الماء فيخرج الكدر فتطهر بعده. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم: "في فأرة وقعت في بئر، قال: ينزح منها قدر أربعين دلوا". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، روى له الجماعة. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم: "في البئر تقع فيها الفأرة، قال: ينزح منها دلاء". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. والفريابي محمَّد بن يوسف. قوله: "دلاء" جمع دلو، وهو جمع كثرة، وجمع القلة أدل.

стр. 139

ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد ابن. أبي سليمان: "أنه قال في دجاجة وقعت في بئر فماتت قال: ينزح منها قدر أربعين دلوا أو خمسين، ثم يتوضأ منها". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. ص: فهذا من روينا عنه من أصحاب رسول ال ﷺ وتابعيهم، قد جعلوا مياه الآبار نجسة بوقوع النجاسات فيها ولم يراعوا كثرتها ولا قلتها، وراعوا دوامها وركودها، وفرقوا بينها وبين ما يجري مما سواهما، فإلي هذه الآثار مع ما تقدمها مما رويناه عن رسول الله ﷺ ذهب أصحابنا في النجاسات التي تقع في الآبار، ولم يجز لهم أن يخالفوها؛ لأنه لم يرو عن أحد خلافها. ش: أشار بهذا الكلام إلى أن هذه الآثار كلها دالة على أن الماء الدائم الذي لا يجري إذا وقعت فيه نجاسة فإنه يتنجس، سواء بلغ القلتين أو لم يبلغ أو زاد عليهما، ألا ترى أنهم لم يراعوا -لما حَكموا- النظر في كثرة الماء ولا في قلته، بل راعوا دوامه وعدم جريانه؛ فلذلك فرقوا بين الجاري وغيره، فهذا أدل دليل على أن المراد من قوله: "لم يحمل الخبث" في حديث القلتين لا يحتمله لضعفه، إذ لو كان المراد لم ينجس بملاصقة النجاسة -كما فسره الخصم- لكان ينقل عنهم في هذه الآثار ما يدل على هذا المعنى. فإن قيل: قد جاء مصرحا في رواية أبي داود وغيره (١): "لم ينجس" فهذا ينافي تفسيركم. قلت: نلتزم هذا المعنى إذا عرفنا معنى القلتين، فلما كان معنى القلتين مشتركا لم يرجح منه معني مقصود صار محتملا، والمحتمل لا يصلح حجة، فتركنا العمل به وعملنا بالأحاديث الصحيحة التي وردت بالنهي عن البول في الماء الدائم، وبالآثار المروية [عن] (٢) الصحابة والتابعين في هذا الباب

стр. 140

قوله: "فهذا" معناه: مضى هذا، أو خذ هذا. قلت: "من روينا عنه" مبتدأ، وخبره قوله: "قد جعلوا". وأراد بالأصحاب مثل: ابن الزبير وابن عباس وأبي الطفيل وعلي بن أبي طالب ﵃ وبتابعيهم مثل: عطاء والشعبي وميسرة وزاذان وإبراهيم النخعي. قوله: "فإلى هلمه الآثار" يتعلق بقوله: "ذهب أصحابنا" وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وأصحابهم. قوله: "أن يخالفوها" في محل الرفع على الفاعلية، و"أن"مصدرية، أي: ولم يجز لهم مخالفتهم تلك الآثار. "لأنه" أي لأن الشأن لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين خلاف ما ذكر من الآثار والأخبار، فإذن بطل حكم من يحكم في الآبار أيضًا باعتبار القلتين، ألا ترى أن ابن عباس وابن الزبير ﵃ لم يحكما في زمزم حين وقع الحبشي إلَّا بنزح الماء كله ولم يلتفتا إلى القلتين، وكذلك حكم علي ﵁ في الفأرة، فهؤلاء يجب تقليدهم لأن الحق لا يعدو أقاويلهم. ص: فإن قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماء البئر نجسا بوقوع النجاسة فيها فكان ينبغي ألَّا تطهر تلك البئر أبدا. لأن حيطانها قد تشربت ذلك الماء النجس واستكنَّ فيها. فكان ينبغي ألا تطهّر. قيل له: لم نر العادات جرت على هذا، قد فعل عبد الله بن الزبير ﵁ ما ذكرنا في زمزم بحضرة أصحاب النبي ﷺ فلم ينكروا ذلك عليه ولا أنكره من بعدهم؛ ولا رأى أحد منهم طَمَّها، وقد أمر رسول الله ﵇ في الإناء الذي قد نجس من ولوغ الكلب فيه أن يغسل ولم يأمر أن يكسر، وقد تشرب من الماء النجس، فكما لم يأمر بكسر ذلك الإناء فكذلك لا يؤمر بطم تلك البئر. ش: هذا السؤال وارد من جهة القياس، فتحريره: أنكم لما حكمتم بنجاسة ماء البئر بوقوعها فيه من غير اعتبار كثرة الماء وقلته وكثرة النجاسة وقلتها؛ فكان مقتضى القياس ألَّا تطهير نفس البئر أبدا؛ لأن حيطان البئر قد تشربت ذلك

стр. 141

الماء النجس واستقر فيها، وكان الظن يبقي في البئر بعد نزح الماء، وكذا الأحجار؛ فكان ينبغي أن تطم البئر، كما قاله بشر المريسي ومن تبعه، أي يردم ويسوى، يقال: طمّ ماء السيل الركية أبي دفنها وسوَّاها، والجواب ظاهر. ص: فإن قال قائل: فإنا قد رأينا الإناء يغسل، فلم لا كانت البئر كذلك؟ قيل له: إنَّ البئر لا يستطاع غسلها؛ لأن ما يغسل به يرجع فيها وليست كالإناء الذي يُهراق منه ما يغسل به، فلما كانت البئر مما لا يستطاع غسلها وقد ثبت طهارتها في حال ما، وكان كل من أوجب نجاستها بوقوع النجاسة فيها فقد أوجب طهارتها بنزحها، وإنْ لم ينزح ما فيها من طين، فلما كان بقاء طينها فيها لا يوجب نجاسة ما يطرأ فيها من الماء وإنْ كان يجري على ذلك الطين؛ كان إذا ماسّ حيطانها أحرى ألَّا تنجس، ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما طهرت حتى تغسل حيطانها ويُخرج طينها ويُحفر، فلما أجمعوا أن نزح طينها وحفرها غير واجب كان غسل حيطانها أحرى ألَّا يكون واجبا، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا السؤال قد نشأ من وجه قياس عدم وجوب طم البئر النجسة على عدم وجوب كسر الإناء النجس، بيانه أنكم لما أوجبتم غسل الإناء النجس ولم توجبوا كسره حيث قلتم أمر رسول الله ﵇ بغسله ولم يأمر بكسره والحال أنه قد تشرب من الماء النجس وقستم البئر النجسة عليه حيث حكمتم بطهارتها بالنزح ولم تحكموا بالطم والحال أن حيطانها قد تشربت من الماء النجس، فَلِمَ ما حكمتم بغسل حيطانها قياسا على الإناء؟! والجواب طاهر. قوله: "وقد ثبت طهارتها في حال ما ... " إلى آخره جواب عن سؤال مقدّر تقريره أن يقال: سلّمنا أن غسل البئر متعسر غير مستطاع ولكن إخراج الطين غير متعسر فكان ينبغي أن يجب ذلك.

стр. 142

فأجاب بقوله: "وقد ثبت طهارتها" أي طهارة البئر "في حال ما" أي في حال من الأحوال وهي حالة النزح؛ لأن نزح ماء البئر كالجريان في غيرها فكما تثبت الطهارة في الماء الجاري بجريانه وإنْ وقعت فيه نجاسة فكذلك البئر تثبت لها طهارة بالنزح، فحينئذ كل من كان أوجب نجاستها بوقوعها فيها فقد أوجب طهارتها بواسطة ذلك النزح وإنْ لم ينزح ما فيها من طين وحمأة كما في قضية زمزم حيث حكم ابن الزبير وابن عباس بعد نزح مائها كلها بطهارتها ولم يحكما بنزح طينها وحماءتها، ثم لما كان بقاء طينها فيها لا يوجب نجاسة ما ينبع فيها من الماء الجديد بعد النزح وقلع الماء النجس وإنْ كان ذلك الماء الجديد يجري على ذلك الطين كان إذا ماسّ حيطانها أحرى وأولي ألَّا ينجس. قوله: "إذا ماسّ" بتشديد السين وأصله ماسس لأنه من باب المفاعلة الذي فيه الاشتراكة بين اثنين، وثلاثيه "مسّ" فلما نقل إلى باب المفاعلة لذلك المعنى أدغمت السين في السين ومضارعه يماسّ مماسّة ومساسا كما تقول: مادّ يمادّ مماددة ومدادا. قوله: "أحرى" بمعنى "أولى" ومنه يقال: هو حَري أن يفعل ذلك -بفتح الراء- أي خليق وجدير، لا يثني ولا يجمع، وإذا قلت: هو حَريّ -بكسر الراء على وزن فعيل- يُثَنَّي، ويجمع ويذكر ويؤنث، تقول: هما حَريّان، وهم حَريّون وأحرياء، وهي حَريّة، وهن حَريّات وحَرَايا. قوله: "ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر" أي ولو كان الحكم بطهارة البئر النجسة بعد إخراج مائها مأخوذا من طريق القياس ... إلى آخره. وعن هذا قال أصحابنا: إذا طهرت البئر يطهر طينها وحماءتها ودلوها ورشاها.

стр. 143

ص: باب: سؤر الهرّ ش: أي هذا باب في بيان أحكام سؤر الهرّ، وهو السنّور، والجمع هِرَرة، مثل قرد وقردة، والأنثى هرة وجمعها هرر مثل قربة وقرب، ومن أسمائها: القط والجمع قطاط، قال الأخطل: أكلت القطاط فأفنيتها ...... فهل في الخنانيص من مغمز والقطة السنّورة، وجمع السنّور سنانير. و"السؤر" بقية الماء التي يبقيها الشارب، وفي المطالع: كل بقيّة من ماء أو طعام فهو سؤر. قلت: أصله سُؤر بضم السين وسكون الهمزة وقد يخفف بالحذف، والفاعل منه مُسئِّرٌ على القياس ولكن السماع سَأرٌ. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، أن مالكا حدثه، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة: "أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءا، فجاءت هرّة فشربت منه، فأصغى لها أبو قتادة الأناء حتى شربت، قالت كبشة: فجعلت انظر إليه، فقال: أتعجيين يا بنت أخي؟ قالت: قلت: نعم. قال: فإن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات". ش: يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، شيخ مسلم والنسائي. وعبد الله بن وهب المصري، روى له الجماعة. ومالك هو ابن أنس الإِمام المشهور. وإسحاق بن عبد الله هو ابن أخي أنس بن مالك، روى له الجماعة.

стр. 144

وحميدة -بضم الحاء وعن مالك بفتحها- بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية زوجة إسحاق المذكور، روى لها الأربعة. وكبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية زوجة ابن أبي قتادة، روى لها الأربعة، ووثقها ابن حبان. وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الخزرجي الأنصاري، واسم أبيه عبد الله. وأخرجه الأربعة، فأبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره، مثله، غير أن قوله: "من الطوافين عليكم والطوافات" من غير شك. والترمذي (٢): عن إسحاق بن موسى (٣)، عن معن، عن مالك، ... إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وابن ماجه (٥): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن حباب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٦) والحاكم في "مستدركه" (٧) وقال: وقد صحح مالك هذا الحديث واحتج به في "موطئه" وقد شهد البخاري ومسلم لمالك أنه الحَكَم في حديث المدنيين، فوجب الرجوع إلى هذا الحديث في طهارة الهرّ، ورواه

стр. 145

ابن خزيمة (١) وابن منده في صحيحيهما. فإن قلت: قد قال ابن منده: وحميدة وخالتها كبشة لا تعرف لهما رواية إلَّا في هذا الحديث ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر بوجه من الوجوه. قلت: لعل طريق من صححه أن يكون اعتمد على إخراج مالك لروايتهما مع شهرته بالتثبت وقال البيهقي (٢): قال البخاري: جوّده مالك وروايته أصح من غيره. قوله: "فسكبت له وضوءا" بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: "فأصغى لها" أي أماله ليسهل عليها الشرب، قال الجوهري: صغي يصغو ويصغِي صُغوّا أي مال، وكذلك صَغِيَ -بالكسر- يَصغِي صَغا وصُغِيّا، وصَغَت النجوم: مالت للغروب، وأَصغيتُ أنا: أملتُ. قوله: "نَعم" بفتح النون، وكنانة تكسرها، وبها قرأ الكسائي وهي حرف تصديق ووعد وإعلام، فالأول بعد الخبر، والثاني بعد افعل ولا تفعل، والثالث بعد الاستفهام، وها هنا للإعلام. قوله: "إنها ليست بنَجَس" بفتح النون والجيم، ويقال لكل شيء مستقذر: نجس؛ قال الله تعالى: ﴿الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا﴾ (٣) وهذا تعليل لإصغائه الإناء إليها. قوله: "إنها من الطوافين عليكم" تعليل لقوله: "إنها ليست بنجس" والطوافون هم بنو آدم ويدخل بعضهم على بعض بالتكرار، والطوافات هي المواشي التي يكثر وجودها عند الناس مثل الغنم والبقر والإبل، وجعل النبي ﵇ الهرّ من القبيلين لكثرة طوافه واختلاطه بالناس، وأشار إلى الكثرة بصيغة التفعيل؛ لأنه للتكثير
следующие страницы →