الثالث: عن نصر بن مرزوق العُتَيقي، عن نُعَيْم بن حماد المروزي، عن عبد الله ابن المبارك، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا سليمان بن المعافى بن سليمان، ثنا أبي، ثنا القاسم بن مَعْن، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسُول الله ﷺ : "لا يَمْنعنّ أحدَكم من السَحُور أذان بلال فإنه إنما يؤذن لينتبه نائمكم، ويرجع قائمكم، ويَقوُل الفجر هكذا".
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النَهْدي، عن زهير بن معاوية، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهيرٌ، قال: ثنا سُليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النَهْدي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﵇ قال: "لا يمنعن أحدَكم -أو أحدًا منكم- أذانُ بلال من سَحُورِه؛ فإنه يؤذن -أو ينادي- بليل؛ ليرجع قائَمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول: الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا".
وقال زهير "بِسَبَّابَتَيْه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله".
وأخرجه البخاري (٢) في كتاب الصلاة في باب الأذان.
وأخرجه مسلم (٣) في كتاب الصيام في باب صفة الفجر الذي يُحرِّم الأكل على الصائم، وقال: ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: قال رسُول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال -أو قال: نداء بلال- من سَحُوره؛ فإنه يؤذن -أو قال: يُنادي-
стр. 1157
[بليل] (١)، ليرجعَ قائمكم، ويوقظ نائمكم، وقال: ليس بأن يقول هكذا وهكذا، و [ضرب] (٢) يده ورفعها حتى يقول هكذا وفرج بين إصبَعَيْه".
قوله: "أذان بلال" برفع أذانُ لأنه فاعل "لا يمنعن" و"أحَدَكم" منصوب لأنه مفعول.
قوله: "من سَحُوره" بفتح السين: اسم ما يُتَسَحّر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما يروي بالفتح وقيل: إن الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام، وعدم منع أذان بلال عن الفعل لا عن الطعام، وكذلك الكلام في قوله: "تسحروا فإن في السحور بركة" (٣) والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام.
قوله: "ليرجع غائبكم" كذا في رواية الطحاوي، وهو من الغَيْبة وفي رواية غيره وهي المشهورة: "ليرجع قائمَكم" بنصب الميم من قائمَكم لأنه مفعول "يرجع"، لأن رجع الذي هو ثلاثي متعدي بنفسه ولا يتعدّى، يقال: رجع بنفسه رجوعًا ورجعه غيره، وهذَيل تقول: أرجعه غيرُه، ومعناه: يرده إلى راحته وجمام نفسِه بإعلامه بأذانه السَّحر وقرب الصَباح، وينام غفوة السحر، ونَوْمهْ الفجر المستلذّة المستعان بها على النشاط، وذهاب كسل السهر، وتغيّر اللون، كما كان يفعل النبي ﵇ من نومه بعد صلاته من الليل إذا أذن المؤذن، وقد يكون معنى ذلك ليُكمل ويَسْتعجلَ بقيّة ورْدِه، ويأتي بوتره قبل الفجر.
قوله: "ولينتبه نائمكم" أي النائم آخر الليل أو لصلاة الوتر لمن غلبه النوم على ذلك أو معقد الصوم للسحور.
قوله: "وجمع إصبعَيْه" يرجع إلى قوله: "هكذا" الأول.
стр. 1158
وقوله: "وفرقهما"إلى هكذا الثاني.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن فيه أن أذان بلال بالليل إنما كان لتنبيه النائم وإرجاع القائم، لا لأجل الصلاة؛ لأنه ﷺ أخبر هكذا وعَلله بقوله: "فإنه ينادي". وقال القاضي عياض في شرح مسلم: وقد تعلْق أصحاب أبي حنيفة بقوله: "ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" وقالوا: إنما كان يؤذن للسحور لا للصلاة.
وهذا بعيد؛ إذْ لم يختص هذا بشهر رمضان، وإنما أخبر عن عادته في أذانه ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسَحُور لم يختص بصورة أذان الصلاة. انتهى.
قلت: الذي قاله القاضي بعيد؛ لأنهم لم يقولوا بأنه يختص بشهر رمضان، والصوم غير مخصوص برمضان، وكما أن الصائم في رمضان يحتاج إلى الإيقاظ لأجل السحور، فكذلك الصائم في غير رمضان، بل هذا أشد؛ لأن من يُحيي ليالي رمضان أكثر ممن يُحيي ليالي غيره، فعل ما قال إذا كان أذان بلال للصلاة ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر بذلك الأذان، بل الخصم أيضًا يقول بعدم جوازه، فَعُلِم أن أذان بلال إنما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم، فلا يجوز الأذان للصلاة قبل دخول وقتها سواء كان في الفجر أو غيره، فافهم.
الثانى: أن فيه حجةً على الاقتداء بثقات المؤذنين وتقليدهم في الوقت والعمل بخبر الواحد في العبادات.
الثالث: أن في قوله: "فإن بلالًا يُنادي" وفي رواية غيره "ينادي بليل" دليل على أن ما بعد الفجر ليس من الليل.
قال القاضي: وقد يتعلّق بهذه الألفاظ مَن يَرى رأي بعض متقدمي الصحابة في أن تَبَيّين الخيط بعد الفجر ويحتج به مَنْ يَرى إباحة الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر،
стр. 1159
وإن كان شاكًّا في طلوعه، وهو قول الكوفيين والأوزاعي وابن حنبل وأبي ثور والشافعي.
وقال مالك: لا يأكل، وإن أكل فعليه القضاء.
وجملة أصحابنا على الاستحباب، واختلفوا في ذلك إلى طلوع الشمس، وإن كان أجمع أئمة الفتوى بعدهم على أنه لا يجوز الأكل بعد طلوع الفجر، واختلفوا بعد ذلك فيمن طلع عليه الفجر وهو على يقين أنه من الليل وهو يأكل أو يَطأْ فكفّ عنها، هل يُجزئه؟ فقال ابن القاسم: يجزئه في الأكل والجماع.
وقال عبد الملك: يجزئه في الأكل ولا يجزئه في الجماع ويقضي فيه، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة.
الرابع: أن بعضهم استدل بقوله: "ولينبّه نائمكم" على منع الوتر بعد الفجر ولا حجة له فيه، قاله عياض.
ص: وقد روي عن عبد الله بن عمر في ذلك أيضًا ما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل المِنْقَري قال: ثنا حماد بن سلمة (ح).
وما قد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﵇ أن يَرْجعَ فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام".
فهذا ابن عمر ﵄ يروي عن النبي ﵇ ما ذكرناه وهو قد روى عن النبي ﵇ أنه قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
فثبت بذلك أن ما كان من ندائه قبيل طلوع الفجر -مما كان له مباحًا- هو لغير الصلاة، وأن ما أنكره عليه إذْ فعله قبل الفجر للصلاة.
ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ كما ذكرنا: أن أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة.
стр. 1160
وأراد الطحاوي بهذا تأييد ما ذكره من ذلك؛ لأن أمره ﵇ لبلال بالرجوع والمناداة: "ألا إن العبد نامَ"، أراد به أنه غفل عن الوقت، دليل على [أن] (١) أذانه لم يكن واقعًا في محله؛ لكونه قد قصد [به] (٢) الأذان للصلاة، وأما فيما مضى فلم يكن أذانه للصلاة، وإنما كان لإيقاظ النائم، وإرجاع القائم، فلهذا لم يأمره بالعَوْد والمناداة: "ألا إن العبدَ نام".
قوله: "وهو قد روى" أي: والحال أن ابن عمر ﵄ قد روى عن النبي ... إلى آخره.
قوله: "فثبت بذلك" أي: بما ذكرنا.
قوله: "أن ما كان من ندائه" أي من نداء بلال -أي أذانه- قبل طلوع الفجر.
قوله: "مما كان أَبيح له" أي يؤذن؛ إنما كان لغير الصلاة، وأن الذي أنكره النبي ﵇ عليه" أي: على بلال "إذْ فعله" أيْ: حين فعله "قبل طلوع الفجر إنما كان لأجل الصلاة"؛ لأن الأذان للصلاة قبل دخول الوقت لا يجوز.
ثم رجال حديث ابن عمر ثقات.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا موسى بن إسماعيل، وداود بن سبيب -المعني- قالا: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﵇ أن يَرجع فيُنادي: أَلَا إنَّ العبد نام -زادَ موسى- فرجع فنادىَ: أَلَا إنَّ العبدَ نام".
قال أبو داود: هذا الحديث لم يَرْوه عن أيّوب، عن نافع إلا حماد بن سلمة.
وقال الترمذي (٤): وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:
стр. 1161
"أن بلالًا أذن بليل فأمره النبي ﵇ أن يُناديَ: ألا إن العبدَ نام". هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عُمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابنُ أم مكتوم"، وروى عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع "أن مؤذنًا لعمر ﵁ أذّن بليل، فأمر عمر أن يُعيد الأذان" وهذا لا يصح أيضًا؛ لأنه عن نافع عن عمر منقطع، ولعل حمادَ بن سلمة أراد هذا الحديث، والصحيح روايةُ عبيد الله بن عمر وغير واحدٍ، عن نافع، عن ابن عمر، والزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي ﵇ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل" قال أبو عيسى: ولو كان حديث حمّاد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنًى، إذْ قال رسُول الله ﵇: "إن بلالًا يؤذن بليل" فإنما أمرهم فيما يُستقبل فقال: "إن بلالًا يؤذن بليل" ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يَقُل: "إن بلالًا يؤذن بليل".
قال علي بن المدينيّ: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ هو خَبرٌ محفوظ وأخطأ فيه حماد بن سلمة. انتهى.
وقال البيهقي: وقد تابعه سَعيدُ بن زَرْبي، عن أيوب، ثم أخرجه كذلك، ثم قال: وسعيد بن زَرْبي ضعيف.
وقال ابن الجوزي في "التحقيق": وقد تابع حماد بن سلمة عليه سعيد بن زربي، عن أيوب -وكان ضعيفًا-، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال البخاري: عنده عجائب. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال الحاكم: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الثقة، سمعت أبا بكر المطرز يقول: سمعت محمَّد بن يحيى يقول: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر" شاذٌ غير واقع على القلب وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر ﵁.
قلت: العجب من الترمذي وغيره ممن تبعه في هذا الكلام كيف يقول: ولو كان حديث حماد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنى؟ فهذا الكلام يشُعر
стр. 1162
أن ضعف حديث حماد بن سلمة لمخالفة معنى حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر لا لكون وجود ضعيف أو مُتّهم في رَواته، وهذا الذي ذكره ليس بقادح لصحة الحديث، ومثل هذا واقع جدًّا بين الأحاديث، فيؤدي هذا الكلام إلى تضعيف أكثر الأحاديث "الصحيحة" بل الصواب أن حديث حماد صحيح وليس هو بمخالف لحديث سالم؛ لأن حديث سالم قد قلنا: لأجل إيقاظ النائم، وإرجاع القائم، ولم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يأمره ﵇ بأن يرجع ويُنادي: "ألا إن العبدَ نام".
وأما حديث نافع، عن ابن عمر الذي رواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عنه، كان لأجل الصلاة، ولم يقع محله، فلذلك أمره بأن يَعوُد ويُنادي: "ألا إن العبد نام".
ومما يُقوي صحة حديث حماد بن سلمة: ما رواه سعيد بن أبي عَرَوبة، عن قتادة، عن أنس ﵁: "أن بلالًا أذن قبل الفجر، فأمره النبي ﵇ أن يَصْعد فينادي: إن العبدَ نام".
رواه الدارقطني (١) وقال: تفرّد به أبو يوسف، عن سَعيد، وغيرُه يُرْسله، ثم أخرج من طريق عبد الوهاب -يعني الخفاف- عن سعيد، عن قتادة: "أن بلالًا أذن ... " ولم يذكر أنَسًا، ثم قال الدارقطني: والمَرسل أصح.
قلت: أبو يوسف وثقه ابن حبان وغيره، وكذلك وثقه البيهقي في باب المستحاضة يغسل عنها أثر الدم، وقد زاد الرفع، فوجب قبول زيادته (٢)، ومما يقوّي حديث حماد أيضًا حديث حفصة بنت عمر ﵄ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ص: وروي عن ابن عمر أيضًا، عن حفصة بنت عمر ﵃ ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا على بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عَمرو، عن عبد الكريم
стр. 1163
الجزريّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة بنت عَمر: "أن رسُول الله ﷺ كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد وحرّم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يصبح".
فهذا ابن عمر يُخبر عن حفصة، أنهم كانوا لا يؤذِّنون للصلاة إلا بعد طلوع الفجر، وأَمْرُ النبي ﵇ "أيضًا بلالًا أن يَرْجع فينادي: "ألا إن العبد نام" يدل على أن عادتهم أنهم كانوا لا يَعْرفون أذانًا قبل الفجر، ولو كانوا يعرفون ذلك إذا لما احتاجوا إلى هذا النداء، وأراد به عندنا -والله أعلم بذلك- النداء، إنما هو ليعلمهم أنه في ليل بَعدُ، حتى يُصلّي من آثر منهم أن يُصلّي ولا يُمْسِك عما يُمْسِكُ الصائم عنه.
ش: أشار بهذا إلى تأييد ما قاله من أن إنكاره ﵇ على بلال في الحديث الماضي، لكونه قد فعله قبل طلوع الفجر لأجل الصلاة، ألا ترى أن ابن عمر يُخبر عن حفصة كانوا لا يؤذنون لأجل الصلاة إلا بعد طلوع الفجر؟ وأنهم كانوا لا يعرفون أذانًا قبل الفجر لأجل الصلاة؛ إذ لو عرفوا لما احتاجوا إلى النداء في حديث بلال، ويكون أمْرُ النبي ﵇ بلالًا أن يَرجعَ فيُنادي، لأجل أن يُعلمهم أنه في الليل بَعْدُ، وأن الفجر لم يطلع، حتى إن مَن أراد أن يُصلي يصلي، ومن أراد أن يفعل شيئًا مما هو محرّم على الصائم، يَفْعَل ولا يعْدِل عنه.
وإسنادُ حديث حفصة صحيح.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة بنت عمر ﵄ "أن رسُول الله ﵇ ... " إلى آخره نحوه سواء.
ثم قال البيهقي: هذا محمول- إن صح- على الأذان الثاني.
وقال الأثرم: رواه الناس عن نافع فلم يذكروا فيه ما ذكره عبد الكريم.
стр. 1164
قلت: هو ثقة ثَبْت، كذا قال أحمد وابن مَعين، وأخرج له الجماعة، ومن كان بهذه المثابة لا يُنكر عليه إذا ذكر ما لم يذكره غيره، وإشكال ينتهي بتأويله، يَدلّ ظاهرًا على جَوْدة سنده.
وروى الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا سكت المؤذن بالأول من صلاة الفجر قام وركع ركعتين".
قال الأثرم: ورواه الناس، عن الزهري فلم يذكروا فيه ما ما ذكره الأوزاعي. وأجبت عن ذلك: بأن الأوزاعي من أئمة المسلمين فلا يُعلّل ما ذكره بعدم ذكر غيره.
ص: وقد يحتمل أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر طلع فيه، ولا يتحقق ذلك لضعف نظره، والدليل على ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن إشكاب (ح).
وثنا فهد، قال: ثنا شهاب بن عباد العبدي، قالا: ثنا محمد بن بشْر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسُول الله ﷺ : "لا يغرنكم أذان بلال؛ فإن في بصره شيئًا" فدلّ ذلك على أن بلال كان يريد الفجر فيُخطئه لضَعْف بصره، فأمرهم رسُول الله ﵇ أن لا يعملوا على أذانه؛ إذْ كان من عادته الخطأ، لضَعَف بصره.
ش: هذا وجه آخر في أذان بلال بالليل قبل طلوع الفجر، وهو الذي احتجت به أهل المقالة الأولى في جواز أذان الفجر قبل طلوع الفجر، وهذا ظاهر.
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلّسي، عن أحمد بن إشكاب -بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة شيخ البخاري- عن محمَّد بن بشر الأسلمي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁.
стр. 1165
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا محمَّد بن بشر، سعيدٌ، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسُول الله ﷺ : "لا يمنعنكم أذان بلال من السَّحُور؛ فإن في بصره شيئًا".
الثانى: عن فهد بن سليمان البصري، عن شهاب بن عبّاد -بتشديد الباء الموحدة- العبدي شيخ البخاري ومسلم، عن محمَّد بن بشر الأسلمي ... إلي آخره.
ص: وقد حدثنا الربيع بن سليمان الجيزيّ، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن سالم، عن سليمان بن أبي عثمان، أنه حدّثه عن حاتِم بن عَدِيُّ، عن أبي ذرّ، قال: قال رسُول الله ﷺ لبلال: "إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعًا, وليس ذلك الصبح؛ إنما الصبح هكذا مُعْترضًا".
قال أبو جعفر: فأخبر في هذا الأثر أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر وليس هو في الحقيقة بفجر.
ش: ذكر هذا تأييدًا للاحتمال المذكور آنفًا، وهو أنه كان يؤذن على ظنّ أنه الصبح الصادق، وليس بصبح صادق، لكونه يخطئ فيه لضعف بصره، وذلك لأنه أَخْبرَ في هذا الحديث أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى -أي يظنّ- أنه الفجر، والحال أنه ليس هو في الحقيقة بفجر.
وأبو الأسْوَد اسمه النَضر بن عبد الجبار المصري وثقه ابن حبان وغيره.
وابن لهيعة هو عبد الله، فيه مقال، وسالم هو ابن غيلان التجيبي المصري، قال النسائي: لا بأس به، ووثقه ابن حبان.
وسليمان بن أبي عثمان التجيبي المصري، قال في الميزان: مجهول.
وحاتم بن عدي الحمْصي وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: سليمان بن أبي عثمان التجيبي روى عن حاتم بن عدي وروى عنه سالم بن غيلان سمعت أبي يقول ذلك، وسمعته يقول: هؤلاء مجهولون.
стр. 1166
قلت: قال العجلي: حاتم بن عديّ تابعي حمصيّ شامي ثقة.
وأبو ذر الغفاريّ اسمه جندب بن جُنادة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: نا موسى بن داود، نا ابنُ لهيعة، عن سالم ابن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن حاتم بن عدي الحمصي، عن أبي ذر، أن النبي ﵇ قال لبلال: "أنت يا بلال تؤذن إذا كان الصبح ساطعًا في السماء، فليس ذلك بالصبح؛ إنما الصبح هكذا معترضًا، ثم دعى بسحَوْره فتسحر، وكان يقول: لا تزال أمتي بخير ما أخّروا السحور وعَجّلوا الفطر".
قوله: "إذا كان الفجر ساطعًا" أي ظاهرًا كذنب السرحان، وأراد به الفجر الكاذب الذي لا يخرج به حكم الليل ولا تحلّ به صلاة الصبح.
قوله: "الصبح" منصوب لأنه خبر "ليس"، وفي رواية: "بالصبح" كما في رواية أحمد.
قوله: "معترضًا" حال من قوله: "إنما الصبح" والمعنى: إنما الصبح يحصل حال كونه معترضًا في الأفق، والأولى أن يكون خبر "كان" المحذوف، تقديره: "إنما الصبح يكون معترضًا في الأفق" وأرا به: الصبح الصادق، وهو المنتشر في الآفاق.
ص: وقد روينا عن عائشة ﵂ أن رسُول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يُنادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم. قالت: ولم يكن بينهما إلا مقدار ما يَصْعد هذا وينزلُ هذا" فلما كان بين أذانَيْهما من القرب ما ذكرنا؛ ثبتَ أنهما كانا يقصدان وقتًّا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال لما ببصره، ويُصيبُه ابن أم مكتوم، لأنه لم يكن يفعله حتى تقول له الجماعة: أصبحتَ، أصبحت.
ش: ذكر هذا تأييدًا أيضًا لما قاله من أنَّ بلالًا إنما كان يريد الفجر من أذانه، ولكنه كان يخطئه؛ لما في بصره من الضعف، وذلك لأن قول عائشة ﵂: "ولم يكن
стр. 1167
بينهما إلا مقدار ما يَصْعد هذا وينزل هذا" يدلّ على أن المسافة كانت قريبةً جدًّا بين أذانيهما، وأن كلاًّ منهما كان يقصد طلوع الفجر الصادق، إلا أن بلال كان يخطئه لما ببصره من الضعف، وابن مكتوم كان يُصيبُه -وإن كان ضريرًا- لأنه لم يكن يؤذن حتى يقول له الناس: أصبحتَ، أصبحتَ.
واختلف في معنى قوله: "أصْبَحتٌ، أَصْبَحتَ". فقيل: معناهُ قاربت الصباح وتلبست به، فأذن، فإنه وقته، وكان يؤذن فيقع أذانه عند طلوع الفجر الصادق.
وقيل: هو على ظاهره من ظهور الصباح.
والدليل عليه ما جاء في صحيح البخاري (١): "لا يؤذن حتى يطلع الفجر".
ص: ثم قد روي عن عائشة ﵂ من بعد النبي ﵇ ما قد حَدثَنا ابنُ مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: "قلت: يا أمَّ المؤمنين، متى تُوتِرينَ؟ قالَتْ: إذا أذن المؤذن. قال الأسود: وإنما كان يؤذن بعد الصبح".
قال أبو جعفر: وهذا تأذينهم في مسجدِ رسُول الله ﵇؛ لأن الأسود إنما كان سماعه من عائشة بالمدينة، وهي قد سمعت من النبي ﵇ ما قد رويناه عنها، فلم تُنكر عليهم التأذين قبل الفجر، ولا أنكر ذلك غيرُها من أصحاب النبي ﵇، فدل ذلك على أن مراد بلال بأذانه ذلك الفجر، وأن قول النبي ﵇: "فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" إنما هو لإصابته طلوع الفجر، فلما رُويت هذه الآثار "أنهم كانوا لا يؤذنون حتى يطلع الفجر" فلما كان ذلك كذلك؛ بطل المعنى الذي ذهب إليه أبو سيف، وإن كان المعنى غير ذلك، وكانوا يؤذنون قبل الفجر على القصد منهم لذلك، فإن حديث ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قد بيّن أن ذلك التأذين كان لغير الصلاة، وفي تأذِين ابن أم مكتوم بعد طلوع الفجر دليلٌ على
стр. 1168
أن ذلك موضع أذان لتلك الصلاة، ولو لم يكن ذلك موضع أذان لها لما أُبيحَ الأذانُ فيها، فلما أبيح ذلك؛ ثبت أن ذلك الوقت وقتُ الأذان لها، واحتمل تَقديمُهم أذانَ بلالٍ قبل ذلك ما ذكرنا.
ش: هذا الكلام أيضًا يَنْصَبُّ على قوله: "وقد يحتمل أن يكون بلال قد كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه" تقريره: أن الأسود بن يزيد لما سأل عائشة ﵂ عن وقت إيتارها قالت: إذا أذن المؤذن، وأخبر الأسود: أنهم كانوا يؤذنون بعد الصبح، وهكذا كان تأذينهم في مسجد رسول الله ﷺ ؛ لأن سماع الأسود من عائشة ﵂ كان بالمدينة، وعائشة قد سمعت (من) (١) النبي ﵇ يقول: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" ومع هذا لم تنكر عائشة عليهم التأذين قبل الفجر، ولا أنكر غيرها أيضًا من الصحابة ﵃؛ فدلّ ذلك أن مراد بلال من أذانه ذلك الذي وقع قبل الفجر هو الفجر، فإذا كان مراده هو الفجر؛ لم يصح الاستدلال بحديثه على جواز الأذان قبل الفجر؛ لأن بلالًا ما قصد أن يؤذن قبل الفحر؛ وإنما كان قصده الفجر، ولكن وقع قبل الفجر لسوء ببصره كما ذكرنا.
وأما قول النبي ﵇ "فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" فإنما هو لإصابته طلوع الفجر بإخبار الناس له بقولهم: "أصبحت، أصبحت". بخلاف بلال لخطئه فيه كما ذكرناه.
قوله: "فلما رويت هله الآثار" أي الأحاديث التي ذكرت في هذا الباب على ما ذكره، وكان في حديث حفصة بنت عمر ﵄ "أنهم كانوا لا يؤذنون حتى يطلع الفجر" بطل المعنى الذي ذكره أبو يوسف في تجويزه الأذان قبل طلوع الفجر؛ استدلالًا بحديث بلال الذي مضى ذكره بطرق مختلفة.
стр. 1169
وجه بطلان استدلاله: أنه لا يخلوا إما أن يقول: المراد من أذان بلال أنه كان صلاة، فإذا كان للصلاة، يجوز الاستدلال به على جواز تقديم الأذان قبل الوقت في الفجر.
فنقول: وإن سلمنا ذلك، ولكن لن نُسلم أنه كان مصيبًا في قصده، ألا ترى كيف ردّه ﵇ بقوله: "لا يغرنكم أذان بلال؛ فإن في بصره شيئًا".
وإما أن يقول: إنه كان يؤذن قبل الفجر عمدًا. فنقول: وإن سلمنا أنه كان يؤذن عمدًا قبل الفجر، ولكن لا نسلم إنه كان لأجل الصلاة، بل كان لإيقاظ النائم وإرجاع القائم، بدليل حديث ابن مسعود ﵁ حيث قال: "فإنه ينادي ليُوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم".
قوله: "فلما كان ذلك" عطف على "لمَّا" الأولى، وهو قوله: "لما رويت هذه الآثار" وقوله: "فقد بطل المعنى" جواب "لمّا" في الموضعين، وفي بعض النسخ "فإن كان كذلك" موضع "فلما كان كذلك" فعلى هذه النسخة تكون الجملة خبر "فلمّا رويت" فافهم.
ورجال حديث الأسود ثقات، وأبو إسحاق اسمه عَمرو بن عبد الله السبَيِعي.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود: "سألتُ عائشةَ متى توترين؟ قالت: بين الأذان والإقامة، وما يؤذنون حتى يُصْبحوا" ثم قال البيهقي: وقول الأسود وغيره: "وما يؤذنون حتى يُصْبحوا" فيه نظر؛ فقد روينا أن الأذان الأول كان بالحجاز قبل الصبح، وكأنَّ عائشة ﵂ كانت تصليها قبل طلوع الفجر، أو أراد به الأذان الثاني. وعلى ذلك تدل رواية ابن أبي خالد، عن أبي إسحاق قال: "كانت عائشة ﵂ توتر فيما بين التثويب والإقامة" فيرجع مذهبها في ذلك كقول عليّ وعبد الله.
قلت: مذهب علي وابن عباس ﵃: أن وقت الوتر يمتدّ إلى بعد طلوع الفجر.
стр. 1170
وروى البيهقي (١) بإسناده عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة: "أن قومًا أتوا عليًّا ﵁، فسألوه عن الوتر. فقال: سألتم عنه أحدًا؟ فقالوا: سألنا أبا موسى، فقال: لا وِتْر بعدَ الأذان. فقال: لقد أَغْرَقَ النزع فأَفْرَط في الفَتْوى، كل شيء ما بينك وبين صلاة الغداة وتر، متى أوترت فحسن".
وقال مالك في "موطإه" (٢): بلغني أن عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، والقاسم بن محمَّد، وعبد الله بن عامر بن ربيعة قد أوتروا بعد الفجر.
ثم قال (٣): وإنما يُوتِرُ بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر.
وقال القاضي عياض: وَقت الوتر المتفق عليه عند كافة العلماء ما لم يطلع الفجر، واختلفوا؛ هل يصلي بعد طلوع الفجر إلى أن يُصلي الصبحُ؟ وهل ذاك وقت ضرورة لمن تركها، أو نام عنها، أو نِسيها؟ فذهب جمهورُهم -وهو مشهور قول مالك والشافعي- جواز ذلك مع كراهة تعمده، وأنه وقت ضرورة لها -وحُكيَ عن ابن مسعود وغيره أن وقتها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح- وذهب الكوفيون إلى منع صلاته بعد طلوع الفجر، وقاله جماعة من السلف، وأبو مُصْعب وبعض أصحابنا، وحكاه الخطابي عن مالك، وسيجئ الكلام فيه مستقصًى في باب الوتر إن شاء الله تعالى.
ص: ثم اعتبرنا ذلك من طريق النظر؟ لنَسْتَخرجَ من ذلك القولين قولًا صحيحًا، فرأينا سائر الصلوات غير الفجر لا يؤذن لها إلا بعد دخول أوقاتها، واختلفوا في الفجر، فقال قومٌ: التأذين لها قبل الفجر، لا يؤذن لها بعد دخول وقتها.
стр. 1171
وقال آخرون: بل هو بعد دخول وقتها. فالنظر على ما وصفنا أن يكون الأذان لها كالأذان لغيرها من الصلوات، فلما كان ذلك بعد دخول أوقاتها؛ كان أيضًا في الفجر كذلك، فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة ومحمد والثوري ﵏.
ش: أي ثم اعتبرنا حكم الأذان قبل الفجر من طريق القياس، وهو ظاهر.
قوله: "فقال قوم" أراد بهم الشافعي، ومالكًا، وأحمد، وأبا يوسف، ومن تبعهم في ذلك كما ذكرنا.
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم الثوري، وأبا حنيفة، ومحمدًا، وزفر.
قوله: "التأذين لها قبل الفجر" أي التأذين لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر، لا يؤذن لها بعد دخول وقتها وهذا لا يخلو عن النظر؛ لأنهم لم يقولوا: بأن الأذان في الفجر لا بد أن يكون قبل الفجر؛ بل قالوا: إنه إذا أذن قبل الفجر جاز ذلك وأغنى عن الإعادة. ص: حدثني ابن أبي عمران، قال: ثنا علي بن الجَعْد، قال: ثنا سفيان بن سعيد -وقال له رجل: إني أؤذن قبل طلوع الفجر؛ لأكون أول مَنْ يقرع باب السماء بالنداء- فقال سفيان: "لا حتى ينفجر الفجر".
ش: أشار بهذا وبما بعده من تقوية وجه النظر من أنه لا يجوز الأذان في الفجر قبل طلوع الفجر الصادق، ألا ترى كيف منع سفيان الثوري هذا الرجل عن الأذان حتى يَنفجر الفجر -أي ينشق الفجر الصادق- وابن أبي عمران هو أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الثقة البغدادي، وثقه ابن يونس وغيرُه. وعليّ بن الجَعْد بن عبيد الجوهري من أصحاب أبي يوسف وأحد مشايخ البخاري وأبي داود.
ص: وقد رُوي عن علقمة من هذا شيءٍ؛ حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن الأصبهاني، قال: ثنا شريك، عن علي بن علي، عن إبراهيم قال: "شيّعنا علقمة إلى مكة، فخر بليل، فسمع مؤذنًا يؤذنُ بليل فقال: أما هذا فقد خالف سنة أصحاب
стр. 1172
محمَّد ﵇، لو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذن" فأخبر علقمةُ أن التأذين قبل طلوع الفجر خلاف لسنة أصحاب محمَّد ﷺ ".
ش: أي قد روي عن علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي أبي شبل الكوفي في هذا -أي في منع الأذان قبل طلوع الفجر- شيء، وبين ذلك بقوله: حدثنا فهدٌ ... إلى آخره، ورجاله كلهم ثقات، وعلي بن علي بن نجاد اليشكريّ أبو إسماعيل البصري وثقه يحيى وأبو زرعة، وروى له الأربعة، وإبراهيم هو النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة؛ في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن علي بن علي، عن إبراهيم إلى آخره نحوه سواء، غير أن لفظه: "فخرجنا بليل".
стр. 1173
ص: باب: الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم الآخر
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجلين اللَذيْن يؤذن أحدُهما ويقيم الآخر هل يجوز أم لا؟ وإذا جاز هل يكره أم لا؟
ص: حدثنا يونُس، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن الحارث الصُدائيّ قال: قال: "أتيتُ النبي ﷺ ، فلما كان أذان الصبح، أمرني فأذنت ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليُقيم فقال رسُول الله ﵇: إن أخا صُدَاء أذن، ومَن أذن فهو يقيم".
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصَم، عن سفيان، قال: أخبرني عبد الرحمن ابن زياد، زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي، عن النبي ﵇ مثله.
ش: أخرج هذا من طريقين، أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى -شيخ مسلم-، عن عبد الله بن وهب المصري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الأفريقي -وثقه أحمد بن صالح، وضعّفه آخرون-، عن زياد بن نعيم هو زياد بن ربيعة بن نُعيم يُنسب أول جدّه الحضرمي المصري وثقه العجلي وابن حبان، عن زياد بن الحارث الصدائي الصحابي، ونسبته إلى صُداء -بضم الصاد- باليمن حي من اليمن وهو يزيد بن حَرْب بن عُلَة بن خالد بن خالد بن مالك بن أدد بن زيد بن مشجب بن غَرِيب بن رند بن كهلان بن سبأ بن مشجُب بن يَعرُب بن قحطان.
وأخرجه أبو داود (١) ثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن زياد بن نعيم الحَضْرمي أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي قال: "لما كان أول أذان الصبح أمَرني -يعني النبي ﵇- فأذنتُ، فجعلتُ أقول: أقيم يا رسُول الله.
стр. 1174
فجعل ينظر في ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا. حتى إذا طلع الفجر نزل، فبرز، ثم انصرف إليَّ وقد تلاحق أصحابُه -يعني فتوضأ- فأراد بلالٌ أن يقيم، فقال له نبي الله: إن أخا صُداء هو أذّن، ومن أذّن فهو يُقيم قال: فأقمت".
وأخرجه الترمذي (١) نا هنّاد، قال: نا عبدة ويعلى بن عُبَيد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الأفريقي، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصُدائي قال: "أمر رسول الله ﵇ أن أؤذن في صلاة الفجر، فأذنتُ فأراد بلال أن يقيم فقال رسُول الله: إن أَخَاصُداء قد أذّن، ومَنْ أذّن فهو يُقيم".
والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النَبِيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبريّ، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن زياد بن نُعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي قال: "كنت مع رسُول الله ﵇، فأمرني فأذنت للفجر، فجاء بلال ليقيم فقال النبي ﵇: يا بلال إن أخا صداء أذّن، ومن أذن فهو يقيم".
قوله:"إن أخا صداء" أراد به زياد بن الحارث. قوله: "أول أذان الصبح" في رواية أبي داود أراد به الأذان الذي يؤذن ليقوم النائم، ويتسحر الصائم. قوله: "فبرز" أي: خرج لقضاء حاجته والوضوء؛ من برز الرجل يَبْرُز بروزًا ولهذا فسّر بقوله: "يعني فتوضأ" ومنه البراز وهو كناية عن قضاء الحاجة وأصله الفضاء المتسع ثم استعير للحدث.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقالوا: لا ينبغي أن يقيم الصلاة غير الذي أذّن لها.
стр. 1175
ش: أراد بالقوم هؤلاء الأوزاعي والزهري والشافعي ومالكًا وأحمد؛ فإنهم ذهبوا إلي هذا الحديث وقالوا: لا ينبغي أن يقيم الصلاة إلا الذي أذن لها، وفي فروع الحنابلة: إذا كان في موضع مؤذنان أو أكثر فيُقيم مَن يؤذن أولًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس أن يقيم الصلاة غير الذي أذن لها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم الحسن البصري، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأصحابهم، فإنهم قالو ا: لا بأس أن يقيم الصلاة غير الذي أذن لها. وإليه ذهب الظاهرية، وقال ابن حزم في المحلى: وجائز أن يقيم غير الذي أذّن؛ لأنه لم يأت عن ذلك نهي يصح، والأثر المروي في "إنما يقيم من أذن" إنما جاء من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو هالك.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو أُمّية، قال: ثنا المُعلي بن منصور، قال: أخبرني عبد السلام بن حَرْب، عن أبي العُمَيْس، عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله ابن زيد، عن أبيه، عن جَده "أنه حين أذِن الأذان أَمَرَ النبي ﵇ بلالًا فأذن ثم أمَر عبد الله فأنام".
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن زيد الأنصاري.
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو أمية الطرسُوسي محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي، وثقه أبو داود وغيره، وأبو العُمَيس -بضم العين وبالسين المهملتين- اسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، روي له الجماعة، وعبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري الخزرجي. وثقه ابن حبان، وأبوه محمَّد بن عبد الله روى له الجماعة غير البخاري، وجدّه عبد الله بن زيد بن عبد الله الأنصاري الصحابيّ.
стр. 1176
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١) ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو يحيى بن عبد الرحيم، ثنا معلي بن منصور، قال: أنا عبد السلام بن حرب إلى آخره نحوه، وهذا فيه صريح دلالة على أن الإقامة من غير المؤذن لا تكره والعمل به أولى لأنه صحيح، وحديث الصدائي ضعيف، وقال الترمذي: حديث زياد إنما نعرفه من حديث الأفريقي، والأفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال أحمد: لا أكتب حديث الأفريقي.
ص: وبما قد حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن أبي العُمَيْس، عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جده قال: "أتيت رسول الله ﵇ فأخبرتُه كيف رأيت الأذان، فقال: ألقِهنّ على بلال فإنه أنْدى صوتًا منك فلما أذن بلال ندم عبد الله، فأمره النبي ﵇ أن يقيم".
ش: أي واحتجوا أيضًا بما قد حدثنا فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (٢) من حديث عبد السلام بن حرب، عن أبي العُمَيْس إلي آخره نحوه. ثم قال: ويروى عن زيد بن محمَّد بن عبد الله، عن أبيه، عن جده.
قوله: "ألقهن": أي: كلمات الأذان.
قوله: "أَنْدى صوتًا": أي: أرفع وأعلى. وقيل: أحسن وأعذب، وقيل: أبْعَد، وقيل: هو أفعل من النَدَى -بفتح النون وبالقصر -وهو بمعنى الغاية مثل المدى، والندى أيضًا بعد ذهاب الصوت، و"صوتًا" نصب على التمييز، وفيه أن كان أرفع صوتا وأحسن؛ كان أولى بالأذان لأنه إعلام، فكل من كان الإعلام بصوته أوقع؛ كان به أحق وأخدَر.
стр. 1177
ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما تضادّ هذان الحديثان؛ أردنا أن نلتمس حكم هذا الباب من طريق النظر، لنستخرج به من هذين القولين قولًا صحيحًا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الأصل المتفق عليه أنه لا ينبغي أن يؤذن رجلين أذانًا واحدًا، يؤذن كل واحد منهما بعضه، فاحتمل أن يكون الأذان والإقامة كذلك؛ لا يَفْعلهما إلا رجل واحد، واحتمل أن يكونا كالشيئين المقترنين فلا بأس بأن يتولى كل واحد منهما رجلٌ على حدةٍ، فنظرنا في ذلك؛ فرأينا الصلاة لها أسباب تتقدّمها من الدعاء إليها بالأذان، ومن الإقامة لها، هذا في سائر الصلوات، ورأينا الجمعة تتقدمها خطبة لا بدّ منها، فكانت الصلاة متضمنة بالخطبة، وكان مَنْ صلى الجمعة بغير خطبة فصلاته باطلة حتى تكون الخطبة قد تقدمت الصلاة، ورأينا الإِمام لا ينبغي أن يكون هو غير الخطيب؛ لأن كل واحد منهما مضمّن بصاحبه، فكما كان لابدّ منهما؛ لا ينبغي أن يكون القائم بهما إلا رجلًا واحدًا، ورأينا الإقامة جُعلت من أسباب الصلاة أيضًا، وأجمعوا أنه لا بأس أن يتولاها غير الإمام فكما قد كان يتولاها غير الإِمام وهي في الصلاة أقرب منها في الأذن؛ كان لا بأس أنْ يتولاها غير الذي تولى الأذن، فهذا هو النظر وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أراد بقوله: "هذان الحديثان": حديث زياد بن الحارث الصدائي، وحديث عبد الله بن زيد الأنصاري.
وجه التضاد بينهما ظاهر لأن حديث الصدائي يقتضي أن لا يقيم الصلاة إلا مَنْ يؤذن لها، وحديث عبد الله بن زيد يقتضي العموم، وهذا إنما يكون على تقدير تسليم صحة حديث الصُدائي، وقد قلنا إنه ضعيف، فلا يساوي حديث عبد الله بن زيد فلا يثبت التعارض؛ لأن من شرط التعارض بين الحديثين أن يكونا متساويَيْن في القوة والضَعْف، ثم إن الذي ذكره الطحاوي ليس يُدفع به التضاد بين المتضادّيَن وإنما هو بيان أن النظر والقياس أيضًا يقتضي بأن لا بأس بإقامة غير المؤذن ووجه ذلك ظاهر.
стр. 1178
وأراد من قوله: "لها أسباب" وقوله: "جعلت من أسباب الصلاة" العلامات لا الأسباب المصطلح عليها على ما لا يخفى.
قوله: "مُضمّن" بتشديد الميم المفتوحة.
قوله: "وهي من الصلاة" أي الإقامة من الصلاة أقرب منها من الأذان أي من قرب الأذان وهو ظاهر، فإن قيل: ينبغي أن يكون خبر الصدائي أصلى بالأخذ والعمل لأنه متأخر عن خبر عبد الله بن زيد بلا شك، وكذا قال البيهقي: وإذا صحّ الخبران فخبر الصُدائي أصلى لأنه متأخر.
قلت: نسلّم ذلك إذا استوى الخبران، وخبر الصدائي ضعيف فلا يعارض خبر الأنصاري على أنه ﵇ إنما قال: "من أذن فهو يقيم"، تطييبًا لقلب الصدائي؛ لأنه كان حديث عهد بالإسلام؛ لأن قدوم وفد صداء وفيهم زياد بن الحارث الصدائي كان في حجة الوداع، وكان بعثه ﵇ ابن عبادة إلى ناحية اليمن، وأمره أن يطأ صداء كان حين انصرف ﵇ من الجعرانة سنة ثمان، والله أعلم.
стр. 1179
ص: باب: ما يستحب للرجل أن يقوله إذا سمع الأذان .
ش: أي هذا باب في بيان ما يستحب للرجل أن يقول عند سماعه الأذان من الألفاظ المأثورة.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ويونس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسُول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن -وفي حديث مالك النداء- فقولوا ما يقول- في حديث مالك ما يقول المؤذن ... ".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح، ويونس الأول هو: ابن عبد الأعلى المصري، والثانى هو: ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهريّ، وأبو سعيد الخدري اسمه سَعد بن مالك، والحديث أخرجه الجماعة.
فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء ابن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري أن رسُول الله قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٣): عن عبد الله بن مَسلمة القَعْنبي، عن مالك.
والترمذي (٤): عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري إلى آخره نحوه.
والنسائي (٥): عن قتيبة، عن مالك.
стр. 1180
وابن ماجه (١): عن أبي كُريْب وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن زيد بن الحبُاب، عن مالك، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسُول الله ﷺ : "إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن".
قولوا: "النداء" أي الأذان، والفرق بينهما أن لفظ الأذان أو التأذين أخصّ من لفظ النداء لغة وشرعًا، والفرق بين الأذان والتأذين: أن التأذين يتناول جميع ما يَصدُر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية، وأما الأذان فهو حقيقة تعقل بدون ذلك.
قوله: "مثل ما يقول" أي مثل قوله، وكلمة ما مَصْدرية، والمثل هو: النظير، يقال: مِثل ومَثل ومَتيل كشِبْه وشَبه وشبيه، فإن قيل ما معنى المماثلة بين الشيئين؟ قلت: أفيدك ها هنا فائدة تنتفع بها في سائر المواضع، واعلم أن معنى مماثلة بين الشيئين ومجانسة ومشابهة ومساواة ومناسبة ومشاكلة ومطابقة وموازاةٍ، أما المماثلة فهي اتحاد الاثنين في النوع كريد وعمرو في الإنسانية، والمجانسة اتحادهما في الجنس كاتحاد الإنسان مع الفرس في الحيوانية، والمشابهة في الكيف كاتحاد الزنجي والهندي في السواد، والمساواة في الكم كاتحاد مقدار مع آخر في القدر، والمناسبة في الإضافة كاتحاد شخص مع آخر في أنهما ابنا شخص أو عبداه، والمشاكلة كاتحاد زيد وعَمرو في أنهما كاتب، والمطابقة في الأطراف كاتحاد جسم مع آخر في النهايات، والموازاة في وضع الأجزاء كاتحاد خطين أو جسّمين في وضع الأجزاء.
فإن قيل: ما حكم هذا الأمر؟
قلت: اختلفوا فيه هل هو على الوجوب أو على النَدْب؟ فقال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة، فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله، أو نحوهما، ومنها أن يكون في صلاة، فمن كان في
стр. 1181
صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة فإذا سلم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره لكن لا تبطل صلاته، فلو قال: حي على الصلاة، أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالمًا بتحريمه لأنه كلام آدمي، ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظ الإقامة أقامها الله وأدامها، وإذا ثوّب المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم، قال سامعه: صدقت وبَرَرْتَ. انتهى.
وقال أصحابنا: الإجابة واجبة على السامعين؛ لأن الأمر يدلّ على الوجوب؛ والإجابة أن يقول مثل ما قاله المؤذن إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول مكان قوله "حي على الصلاة": لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله "حي على الفلاح": ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذا إذا قال المؤذن: "الصلاة خير من النوم". لا يقول السامع مثله ولكن يقول: صدقت وبَرَرْت. وينبغي أن لا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرآن ولا يُسلّم، ولا يردّ السلامَ، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن ينبغي أن يقطع القراءة، ويسمع الأذان، ويجيب. وفي "فوائد الرُسْتغفني": لو سمع وهو في المسجد يمضي في قرائته، وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبًا، ولو كان في المسجد ولم يُجب لا يكون آثمًا ولا تجب الإجابة على مَنْ لا تجب عليه الصلاة، ولا يجيب أيضًا وهو في الصلاة سواء كانت فرضًا أو نفلًا. وقال القاضي عياض: اختلف أصحابنا: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في حالة الفريضة أو النافلة أم لا يحكيه فيهما؟ أم يحكيه في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال. انتهى.
ثم اختلف أصحابنا هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ وسئل ظهير الدين عن هذه المسألة فقال: تجب عليه إجابة أذان مسجده بالفعل.
стр. 1182
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن يونس، فذكر مثل حديث يونس هذا.
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس أبي عبد الله البصري، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد. فذكر ابن مرزوق مثل حديث يونس بن عبد الأعلى.
وأخرجه الدارميّ في "سننه" (١) ثنا عثمان بن عمر، أنا يونس، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ أن رسُول الله ﷺ قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول".
ص: حدثنا ربيع الجيزيَّ، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أخبرني حَيْوة بن شريح، قال. أخبرنا كعب بن علقمة، أنه سمع عبد الرحمن بن جُبَير مولى نافع بن عمرو القرشي، يقول: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: أنه سمع رسُول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يَقُول، ثم صلوا عليّ، فإن مَنْ صلّى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عَشْرًا، ثم سلوا الله ليَ الوسيلة، فإنها منزل في الجنة لا تنبغي لأحد إلا لعَبْدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله ليَ الوسيلة؛ حَلّت له الشفاعة".
ش: إسناده صحيح، وأبو زرعة اسمه وَهْبُ الله بن راشد الحَجري المصري المؤذن، وحَيوةُ بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن [سلمة] (٣) المرادي ثنا عبد الله بن وهب، عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن
стр. 1183
ابن جُبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسُول الله ﷺ إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن [سلمة] (٢)، أنا ابن وهب، عن ابن لهيعة وحَيْوة وسعيد بن أبي أيوب، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٣): أنا سُوَيْد بن نصر، قال: أنا عبد الله، عن حيوة بن شريح، أن كعب بن علقمة سمع عبد الرحمن بن جبير مولى نافع بن عمرو القرشي يُحدث أنه سمع عبد الله بن عمرو يَقولُ: سمعْتُ رسُول الله ﵇ إلى آخره نحوه.
قوله: "فقولوا مِثْلَ ما يقول" يَقْتَضِي أن نقول مثل ما يقول المؤذن إلي آخره، ولكنه مخصوص بحديث ابن عمرُ ﵄ على ما يأتي إن شاء الله.
و"مثل" منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: فقولوا قولًا مثل قول المؤذن، وما مصدريه.
قوله: "ثم صلوا علي" أي بعد الفراغ من الإجابة صلَوا عليّ.
قوله: "فإنه" أي فإن الشأن، و"الفاء" فيه للتعليل.
قوله: "صلاة" أي صلاةً واحدة، ونصبها على الإطلاق.
قوله: "بها" أي بمقابلة صلاته الواحدة والباء تجيىء للمقابلة كقولك: أخذت هذا بهذا.
قوله: "عشرًا" أي عشر صلوات، لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٤) وصلاة الله على عبده رحمته عليه؛ لأن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء.
стр. 1184
قوله: "ثم سَلُوا لي الوسيلة" أي: بعد الفراغ من الإجابة والصلاة على النبي ﵇ سلوا الله لأجلي الوسيلة، وهي فعيلة، وتجمع على وسائل ووُسُل وهي في اللغة ما يتقرب به إلى الغير، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه توسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وفسّرها في الحديث بأنها منزل في الجنة، والفاء في قوله: "فإنها منزل" فاء تفسيرية، والمنزل والمنزلة واحد، وهي المنهل والدار.
وقوله: "لا ينبغي" من بغَيْته فانبغى أي طلبته، ويقال: انبغى لك أن تفعل كذا أي: طاوعك وانقاد لك فعل كذا.
وقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾ (١) أي لا يحصل ولا يتأتى، ولا يُستعمل فيه غير هذين اللفظين، ويقال معنى لا ينبغي: لا يَسهُل ولا يكون.
قال ابن أحمر:
في رأس خَلقاءَ عنقاء مشرفة ... لا يُبْتَغى دُونها سَهْلٌ ولا جَبَلُ
قوله: "أن كون أنا هو" أن مَصدرية ومحله النصب على المفعولية والتقدير: أرجو كوني إياه، أي ذلك العبد. وأنا إما اسم أكون، وليس في أكون شيء، وإما تأكيد لأنا المستكن فيه. وقوله: "هو" ضمير مرفوع وقع موقع الضمير المنصوب، وتقديره أن أكون إياه.
قوله: "حلت له الشفاعة" أي: شفاعتي، الألف واللام بدل من المضاف إليه و"حلّت" من حلّ يَحِل بالكسر إذا وجب، ويُحلّ -بالضم- أي ينزل، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (٢) واللام في "له" بمعنى على كما وقع في رواية غيره "حلت عليه" لأن الأصل أن يقال: حلّ عليه. ويَستفادُ منه أحكامٌ:
وجوب إجابة المؤذن، ووجوب الصلاة على النبي ﵇ بعد الإجابة، ولاسيما قد ذكر النبي ﵇ في الأذان؛ قال الطحاوي أوجب الصلاة عليه ﵇ كلما سمع
стр. 1185
ذكره وهو المختار عندي أيضًا، والسؤال من الله الوسيلة لأجله ﵇ وإثباتُ الشفاعة ردًّا على المعتزلة، واختصاصه ﷺ بالوسيلة يوم القيامة، وجواز الاستعانة بدعاء الصالحين ولاسيّما في مظانّ الإجابة.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهبُ بن جرير، قال: ثنا شعبة (ح).
وحدثنا ابن أبي داود وأحمد بن داود قالا: ثنا أبو الوليد قال: ثنا شعبة، عن ابن بشر، عن أبي المليح، عن عبد الله بن عُتْبةَ، عن أم حبيية ﵂ "أن رسُول الله ﵇ كان إذا سمع المؤذن يقول مثل ما يقولُ حتى يُسكُت".
ش: هذان إسنادان صحيحان:
أحدُهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي بشْر بيان بن بشر الأحمسي البجلي الكوفي، عن أبي المليح بن أسامة الهُذَلي، قيل: اسمُه عامر وقيل: زيد بن أسامة، عن عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان الأموي، عن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين، واسمها رملة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي بشير، عن أبي المليح، عن أم حبيبة، عن النبي ﵇[كان] (٢) إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول حتى يَسكت.
والآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلُسي وأحمد بن داود المكي -أحد مشايخ الطبراني أيضًا- كلاهما عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا شجاع بن مخلد أبو الفضل، نا [هشيم] (٤)، أنا أبو بشر، عن أبي المليح بن أسامة، عن عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، حدثتني
стр. 1186
عمتي أم حبيبة "أنها سمعت رسُول الله ﵇ في يومها وليلتها فسمع المؤذن يؤذن قال كما يقول المؤذن".
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريّ، قال: ثنا محمَّد بن عَمرو الليثي، عن أبيه، عن جده قال: نا عند معاوية فأذّن المؤذن فقال: معاويةُ ﵁: سمعت ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل مقالته" أو كما قال.
ش: محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصري القاضي شيخ البخاري.
ومحمد بن عَمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عيد الله المدني وثقه النسائي وابن حبان واحتج به الأربعة.
وأبوه عمرو بن علقمة وثقه ابن حبان.
وجده علقمة بن وقاص الليثي المدني روى له الجماعة.
وحديث معاوية هذا روي بألفاظ مختلفة، ولهذا قال أبو عمر: حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ، بيان ذلك أنه روى مثل ما تقول طائفة، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره، وهو رواية الطحاويّ، وروي عنه مثل ما تقول طائفة أخرى وهو أن يقول مثل المؤذن في كل شيء إلى قوله: حيّ على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول فيها: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يُتم الأذان.
وهو رواية الطبراني في "الكبير" (١): ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده قال: "أذن المؤذن عند معاوية فقال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال:
стр. 1187
حيّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال حيّ على الفلاح، قال: لا حَوْل ولا قوة إلا بالله، قال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﵇ يقول".
وروي عنه مثل ما تَقُول طائفة أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد والتكبير دون سائر الألفاظ.
وهو رواية عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن عُيَيْنة، عن مجمع الأنصاري، أنه سمع أبا أمامة بن سهل بن حنيف حين سمع المؤذن كبّر وتشّهد بما تشهّد به، ثم قال: هكذا حدثنا معاوية " أنه سمع رسُول الله ﵇ يَقولُ كما يقول المؤذنُ، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسُول الله قال: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم سكت".
وروي عنه مثل ما تقول طائفة أخرى؛ وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ بدل كل كلمة منها حاصرتين على حسب ما يقول المؤذن، ثم لا يزيد على ذلك، وليس عليه أن يختم الأذان.
وهي رواية البخاري (٢): ثنا معاذ بن فضالة، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث، قال: حدثني عيسى بن طلحة أنه سمع معاوية يومًا فقال مثله.
إلى قوله: "وأشهد أن محمدًا رسول الله".
حدثنا (٣) إسحاق بن راهويه، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام، عن يحيى نحوه. قال يحيى: وحدثني بعض إخواننا أنه قال: "حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: هكذا أسمعنا نبيكم ﷺ ".
стр. 1188
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: ينبغي لمن سمع الأذان أن يَقُولَ كما يقولُ المؤذن حتى يفرغ من أذانه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: النخعي والشافعي وأحمد في رواية ومالكًا في أخرى؛ فإنهم قالوا ينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه واستدلوا على ذلك بالأحاديث المذكور؛، وإليه ذهب أهل الظاهر أيضًا.
وقال ابن حزم في "المحلّى": ومن سمع المؤذن فليقل كما يقول المؤذن سواء بسواء من أول الأذان إلى آخره، وسواء كان في غير صلاة أو في صلاة فرض أو نافلة حاش قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح لا يقولها في الصلاة ويقولها في غير الصلاة، فإذا أتم الصلاة فليقل ذلك، ثم قال: فإذا قال سامع الأذان لا حول ولا قوة إلا بالله مكان حي على الصلاة حي على الفلاح فحسن.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ليس لقوله حي على الصلاة وحي على الفلاح معنى؛ لأن ذلك إنما يقوله المؤذن ليَدْعو به الناس إلي الصلاة وإلى الفلاح والسامع لا يقول من ذلك على جهة دعاء الناس إلى ذلك، إنما يقوله على جهة الذكر، وليس هذا أمن الذكر فينبغي له أن يجعل فكان ذلك ما قد روي في الآثار الأُخَر وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد في الأصح، ومالكًا في رواية، فإنهم قالوا: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلا في الحَيْعلتين فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي "الجواهر" للمالكية ويؤمر سامع الأذان وينتهي إلى آخر التشهدين في ظاهر المذهب. وقيل: يتمادى إلى آخره ويعوْض عن الحيعلتين بالحوقلة ويحكي التشهد مرةً واحدة في رواية ابن القاسم. وقال الداودي: يعاود التشهد إذا عاوده المؤذن أو قبله بأن كان السامع في صلاة، فروى ابن القاسم أنه يحي في النافلة دون الفريضة.
стр. 1189
وروى أبو مصعب أنه يحكي فيهما، وقال ابن وهب: لا بأس فيهما واستحسنه ابن حبيب، وقال سحنون: لا يحكي في واحدة منهما ثم حيث قلنا يحكي فلا يجاوز التشهدين، ولو قال في الصلاة حي على الصلاة فقال أبو محمَّد الأصلي: لا تبطل صلاته لأنه متأول وحكى عبد عن بعض القرويين أن صلاته تبطل وأنه كالمتكلم وحكي ذلك عن القاضي أبي الحسن، ولو أبطأ المؤذن فقال مثل ما يقول أو عجل قبل المؤذن أجزأه ذلك وهو واسع، وفي "حاوي" الحنابلة: ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثله إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وفي كلمة الإقامة أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض ويقوله التالي ويقضيه المُصلي ويقول المؤذن كسامعه خفية، وقال القاضي عياض في شرح مسلم: واختلف في الحد الذي يحي فيه المؤذن هل إلى التشهدين الأولين أم الآخرين أم إلي آخر الأذان؟ ونقل القولان عن مالك ولكنه في القول الآخر إذا حيعل المؤذن فيقول السامع لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال الشافعي بحكايته في الجميع. وقال بعض أصحابنا بل الترجيع التشهدين وقيل بل لا تلزمه الحكاية إلا في التشهدين أولًا فقط. قلت ما قاله أصحابنا أول، وأقرب إلى العقل لأن قول السامع عند الحيعلتين مثل قول المؤذن يشبه المحاكاة والاستهزاء لأنه ليس معهما على قصد الذكر والثناء وأما قول المؤذن فإنه يدعو بهما الناس إلى الصلاة وإلى الفلاح فحينئذ يقول السامع لا حول ولا قوة إلا بالله كما ورد به في الأحاديث الآخر على ما يجيئ الآن إن شاء الله تعالى.
ص: فكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون قوله "فقولوا مثل ما يقول حتى يَسكن" أي فقولوا مثل ما ابتدأ به الأذان من التكبير وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسُول الله حتى يَسكُت فيكون التكبير والشهادة هما المقصود إليها بقوله: "فقولوا مثل ما يقول" وقد قَصِد إلى ذلك في حديث أبي هريرة.
حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا إبراهيم بن محمَّد الشافعي قال: ثنا عبد الله بن رجاء عن عباد بن إسحاق عن ابن شهاب (ح).
стр. 1190
وحدثنا أحمد قال: ثنا مُسّدد قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا تشهد المؤذن فقولوا مثل ما يقول".
ش: أشار أولًا إلى الجواب عما تمسكت به أهل المقالة الأولى في وجوب قول السامع مثل قول المؤذن حتى يَسكت، ثم ذكر الأحاديث التي يتمسك بها أهل المقالة الثانية.
تحرير الجواب: أنه قد يجوز أن يكون معنى قوله: "فقولوا مثل ما يقول حتى يسكت" فقولوا مثل ما ابتد به من التكبير والشهادتين حتى يسكت فيكون المقصود في قوله: "فقولوا مثل ما يقول" هو التكبير والشهادتين، والدليل على صحة هذا التأويل حديث أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا تشهد المؤذن فقولوا مثل ما يقول" فإنه اقتصر ها هنا على القول بمثل ما يقول المؤذن في الشهادتين.
وجواب آخر عن أحاديثهم: أنها مخصوصة بأحاديث عمر بن الخطاب وأبي رافع ومعاوية ﵃ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من طريقين صحيحين:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن محمَّد بن العباس الشافعي المكي ابن عم الإِمام الشافعي وثقه الدارقطني وغيره، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبّاد بن إسحاق وهو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني ويسمّى باسمين: عَبَّاد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن إسحاق، وكلاهما واحد، روى له البخاري مستشهدًا.
وهو يروي عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو حمد العدنى في "مسنده": ثنا عبد الله بن رجاء، عن عباد بن إسحاق، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵇: "إذا
стр. 1191
قال المؤذن: الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. فقال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. ثم قال: حي على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. فقال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. فقال: لا إله إلا الله من قلبهِ؛ دخل الجنة".
هذا بيان ما احتجت به أهل المقالة الثانية فيما ذَهبُوا إليه، وقد احتجوا في ذلك بأحاديث منها حديث عمر بن الخطاب ﵁.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسِي، عن إسحاق بن محمَّد بن إسماعيل الفَرْوي المدني، فيه مقال كثير، والفَرْوي -فتح الفاء وسكون الراء- نسبة إلى الجدّ وهو فَروْة جَدّ جدّ إسحاق المذكور، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني روى له الجماعة، عن عمارة بن غزية بن الحارث المازني المدني روى له الجماعة، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة، عن أبيه عاصم بن عمر روى له الجماعة، عن جدّه عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه مسلم (١): حدثني إسحاق بن منصور، قال: أنا أبو جعفر محمَّد بن جهضم الثقفي، قال: نا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن بن إساف، عن جعفر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جدّه عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسُول الله ﷺ : "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمَّد بن المثنى، نا محمَّد بن جهضم، نا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن حفص بن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جدّه عمر بن الخطاب ﵁ نحوه.
стр. 1192
وأخرجه النسائي (١) أيضًا نحوه.
قوله: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله ... " إلى آخره.
كل نوع من هذا مثنى كما هو المشروع فاختصر ﵇ من كل نوع على شطره تنبيهًا على باقية قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله" يجوز فيه خمسة أوجه:
الأول: فتحهما بلا تنوين.
والثانى: فتح الأول ونصب الثاني منونًا.
والثالث: رفعهما منونين.
والرابع: فتح الأول وترفع الثاني منونًا.
والخامس عكسه.
"الحول" الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى قاله ثعلب وغيره، وقال بعضهم: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري: لغةً غربية ضعيفة أن يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله -بالياء- قال: والحول والحيل بمعنى.
ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، قاله الأزهري.
وقال الجوهري: الحولقة. فعلى الأول -وهو المشهور- الحاء والواو من الحول والقاف من القوة واللام من اسم الله.
وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، ومثلها الحَيْعلة والبسملة والحمدلة والهَيْللة والسَبحلة في حي على الصلاة، وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله. وقال في كتاب "اليواقيت" وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة وهي: بَسْمَل الرجل إذا قال: بسم الله، وسَبحَل إذا قال: سبحان الله، وحَوْقَل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَيْعَل
стр. 1193
إذا قال: حي على الفلاح ويجيء على القياس الحَيْصلة إذا قال: حي على الصلاة ولم يذكر، وحَمْدل: إذا قال الحمد لله، وهَيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وجَعْفَل إذا قال: جُعِلْتُ فداك، زاد الثعالبي الطَيْقلة إذا قال: أطال الله والدَمْعزة إذا قال: أدام الله عزك.
وقال عياض: قوله الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح بل الحيعلة تُطلق على حيّ على الفلاح وحيّ على الصلاة كلها حَيْعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في حي على الفلاح الحَيْفلة -بالفاء- وهذا لم يُقل، وإنما الحيعلة من قولهم حيّ على كذا، فكيف وهو باب مسموع لا يقاس عليه، وانظر إلى قوله: جَعْفَل في جُعِلت فداك لو كان على قياس الحيعلة لقال جَعْلفَ إذ اللام مقدمة على الفاء وكذلك الطيْقلة تكون اللام على القياس قبل الفاء والقاف.
قوله: "من قلبه" يتعلق بقوله: "فقال أحدكم" أي قال ذلك خالصًا مخلصًا من قلبه لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص.
قوله: "دخل الجنة" جواب قوله: "فقال أحدكم" في المعنى، وجزاء ذلك القائل.
ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا سَعيدُ بن سليمان، عن شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن علي بن حُسين، عن أبي رافع قال: "كان رسُول الله ﷺ إذا سمع المؤذن قال مثل ما قال، وإذا قال: حي على الصلاة حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله".
ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرُلُسي وسعيد بن سليمان الضَبيّ أبو عثمان الواسطي المعروف بسَعْدوَيْه أحد مشايخ البخاري وأبي داود، وشريك هو ابن عبد الله النخعي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات.
وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، ضعّفه يحيى والجوزجاني، وقال الدارقطني: متروك. وقال العجلي: لا بأس به. وروى له الأربعة.
стр. 1194
وعلي بن حُسين بن علي بن أبي طالب ﵃ روى له الجماعة.
وأبو رافع مولى النبي ﵇ القبطي قيل: اسمُه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت.
وأخرجه النسائي (١): عن أبي رافع نحوه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن إبراهيم القرشي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: "كنا عند معاوية بن أبي سفيان فأذن المؤذن، فقال: الله أكبر، الله أكبر فقال معاوية: الله أكبر، الله أكبر. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسُول الله. حتى بلغ حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله".
قال يحيى: وحدثني رجل: "أن معاوية لما قال ذلك قال: هكذا سمعنا نبيكم ﷺ يقول".
ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي.
وأخرجه البخاري (٢): عن معاذ بن فَضالة، عن هشام، عن يحيى إلى آخره.
وقد ذكرنا في الفصل الأول عند حديث معاوية وقد قلنا: إن حديث معاوية روي من وجوه كثيرة.
ص: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا سعيد بن عامر قال: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده. أن معاوية قال مثل ذلك ثم قال: "هكذا قال رسُول الله ﷺ ".
стр. 1195
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أيضًا -يعني داود بن عبد الرحمن- عن عمرو بن يحيى، عن عبد الله بن علقمة قال: "كنت جالسًا إلى جنب معاوية ... " فذكر مثله، ثم قال معاوية: "هكذا سمعت رسُول الله ﵇ يقول".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، قال: حدثني عمرو بن يحيى الأنصاريّ، أن عيسى بن محمَّد أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ... فذكره نحوه.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى ورجالها ثقات:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضُبَعي البصري، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبيه عمرو، عن جده علقمة بن وقاص: "أن معاوية ... ".
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا سعيد بن عامر، نا محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده: "أن معاوية سمع المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر. فقال معاوية: الله الله أكبر، الله أكبر. فقال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال المؤذن حيّ على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال المؤذن: حيّ على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فقال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم قال: هكذا فعل رسُول الله ﷺ ".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي، عن عمرو بن يحيى بن سعيد المكي، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص الليثي ... إلى آخره.