قال المؤذن: الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. فقال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. ثم قال: حي على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. فقال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. فقال: لا إله إلا الله من قلبهِ؛ دخل الجنة".
هذا بيان ما احتجت به أهل المقالة الثانية فيما ذَهبُوا إليه، وقد احتجوا في ذلك بأحاديث منها حديث عمر بن الخطاب ﵁.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسِي، عن إسحاق بن محمَّد بن إسماعيل الفَرْوي المدني، فيه مقال كثير، والفَرْوي -فتح الفاء وسكون الراء- نسبة إلى الجدّ وهو فَروْة جَدّ جدّ إسحاق المذكور، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني روى له الجماعة، عن عمارة بن غزية بن الحارث المازني المدني روى له الجماعة، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة، عن أبيه عاصم بن عمر روى له الجماعة، عن جدّه عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه مسلم (١): حدثني إسحاق بن منصور، قال: أنا أبو جعفر محمَّد بن جهضم الثقفي، قال: نا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن بن إساف، عن جعفر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جدّه عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسُول الله ﷺ : "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمَّد بن المثنى، نا محمَّد بن جهضم، نا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن حفص بن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جدّه عمر بن الخطاب ﵁ نحوه.
стр. 1192
وأخرجه النسائي (١) أيضًا نحوه.
قوله: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله ... " إلى آخره.
كل نوع من هذا مثنى كما هو المشروع فاختصر ﵇ من كل نوع على شطره تنبيهًا على باقية قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله" يجوز فيه خمسة أوجه:
الأول: فتحهما بلا تنوين.
والثانى: فتح الأول ونصب الثاني منونًا.
والثالث: رفعهما منونين.
والرابع: فتح الأول وترفع الثاني منونًا.
والخامس عكسه.
"الحول" الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى قاله ثعلب وغيره، وقال بعضهم: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري: لغةً غربية ضعيفة أن يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله -بالياء- قال: والحول والحيل بمعنى.
ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، قاله الأزهري.
وقال الجوهري: الحولقة. فعلى الأول -وهو المشهور- الحاء والواو من الحول والقاف من القوة واللام من اسم الله.
وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، ومثلها الحَيْعلة والبسملة والحمدلة والهَيْللة والسَبحلة في حي على الصلاة، وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله. وقال في كتاب "اليواقيت" وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة وهي: بَسْمَل الرجل إذا قال: بسم الله، وسَبحَل إذا قال: سبحان الله، وحَوْقَل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَيْعَل
стр. 1193
إذا قال: حي على الفلاح ويجيء على القياس الحَيْصلة إذا قال: حي على الصلاة ولم يذكر، وحَمْدل: إذا قال الحمد لله، وهَيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وجَعْفَل إذا قال: جُعِلْتُ فداك، زاد الثعالبي الطَيْقلة إذا قال: أطال الله والدَمْعزة إذا قال: أدام الله عزك.
وقال عياض: قوله الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح بل الحيعلة تُطلق على حيّ على الفلاح وحيّ على الصلاة كلها حَيْعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في حي على الفلاح الحَيْفلة -بالفاء- وهذا لم يُقل، وإنما الحيعلة من قولهم حيّ على كذا، فكيف وهو باب مسموع لا يقاس عليه، وانظر إلى قوله: جَعْفَل في جُعِلت فداك لو كان على قياس الحيعلة لقال جَعْلفَ إذ اللام مقدمة على الفاء وكذلك الطيْقلة تكون اللام على القياس قبل الفاء والقاف.
قوله: "من قلبه" يتعلق بقوله: "فقال أحدكم" أي قال ذلك خالصًا مخلصًا من قلبه لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص.
قوله: "دخل الجنة" جواب قوله: "فقال أحدكم" في المعنى، وجزاء ذلك القائل.
ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا سَعيدُ بن سليمان، عن شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن علي بن حُسين، عن أبي رافع قال: "كان رسُول الله ﷺ إذا سمع المؤذن قال مثل ما قال، وإذا قال: حي على الصلاة حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله".
ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرُلُسي وسعيد بن سليمان الضَبيّ أبو عثمان الواسطي المعروف بسَعْدوَيْه أحد مشايخ البخاري وأبي داود، وشريك هو ابن عبد الله النخعي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات.
وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، ضعّفه يحيى والجوزجاني، وقال الدارقطني: متروك. وقال العجلي: لا بأس به. وروى له الأربعة.
стр. 1194
وعلي بن حُسين بن علي بن أبي طالب ﵃ روى له الجماعة.
وأبو رافع مولى النبي ﵇ القبطي قيل: اسمُه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت.
وأخرجه النسائي (١): عن أبي رافع نحوه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن إبراهيم القرشي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: "كنا عند معاوية بن أبي سفيان فأذن المؤذن، فقال: الله أكبر، الله أكبر فقال معاوية: الله أكبر، الله أكبر. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسُول الله. حتى بلغ حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله".
قال يحيى: وحدثني رجل: "أن معاوية لما قال ذلك قال: هكذا سمعنا نبيكم ﷺ يقول".
ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي.
وأخرجه البخاري (٢): عن معاذ بن فَضالة، عن هشام، عن يحيى إلى آخره.
وقد ذكرنا في الفصل الأول عند حديث معاوية وقد قلنا: إن حديث معاوية روي من وجوه كثيرة.
ص: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا سعيد بن عامر قال: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده. أن معاوية قال مثل ذلك ثم قال: "هكذا قال رسُول الله ﷺ ".
стр. 1195
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أيضًا -يعني داود بن عبد الرحمن- عن عمرو بن يحيى، عن عبد الله بن علقمة قال: "كنت جالسًا إلى جنب معاوية ... " فذكر مثله، ثم قال معاوية: "هكذا سمعت رسُول الله ﵇ يقول".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، قال: حدثني عمرو بن يحيى الأنصاريّ، أن عيسى بن محمَّد أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ... فذكره نحوه.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى ورجالها ثقات:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضُبَعي البصري، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبيه عمرو، عن جده علقمة بن وقاص: "أن معاوية ... ".
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا سعيد بن عامر، نا محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده: "أن معاوية سمع المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر. فقال معاوية: الله الله أكبر، الله أكبر. فقال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال المؤذن حيّ على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال المؤذن: حيّ على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فقال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم قال: هكذا فعل رسُول الله ﷺ ".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي، عن عمرو بن يحيى بن سعيد المكي، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص الليثي ... إلى آخره.
стр. 1196
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو حبيب يحيى بن نافع المصري، نا سعيد بن أبي مريم، أنا داود بن عبد الرحمن العطار، حدثني عمرو بن يحيى، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه قال: "كنت جالسًا مع معاوية، فلما أذن المؤذن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال المؤذن: حي على الصلاة. فقال معاوية: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. فقال معاوية: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر الله أكبر. فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. فقال معاوية: لا إله إلا الله، ثم قال معاوية: هكذا سمعت رسُول الله ﵇".
الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمَّد المِصّيصي الأعور، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن يحيى الأنصاري، أن عيسى بن محمَّد أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ... فذكر نحو المذكور، وقد وقع في النسخ كلها: عيسى بن محمد وهو غلط، والصواب: عيسى بن عمرو، وفي "التكميل" عيسى بن عمرو، ويقال: ابن عُمير حجازي روى عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، عن معاوية في القول كما يقول المؤذن، وعن عمرو ابن يحيى بن عمارة روى له النسائي.
وكذا أخرجه البيهقي في "المعرفة" (٢) وقال: أنا أبو زكريا، وأبو بكر وأبو سعيد، قالوا: ثنا أبو العباس، قال: أنا الربيع قال: أنا الشافعي، قال: أنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أنا يحيى المازني أن عيسى بن عَمرو أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص قال: "إني لعِنْدَ معاوية؛ إذ أذن مؤذنٌ، فقال معاوية كما قال مؤذنه، حترل إذا قال: حيّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1197
ولما قال: حيّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال بعد ذلك مثل ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسُول الله ﵇ يقول ذلك".
وكذا أخرجه الطبراني في "الكبير" (١).
ص: وقد روي عن النبي ﵇ أيضًا أنه كان يقول عند الأذان ويأمر به ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن الحكيم بن عبد الله بن قيس، عن عامر بن سعد بن أي وقاص، عن سَعْد ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبد ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا؛ غُفِر له ذنبه".
حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا الليث ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عُفَيْر، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن عبيد اللهَ بن المغيرة، عن الحُكَيْم بن عبد الله بن قيس ... فذكر مثله بإسناده وزاد فيه أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن يتشهد".
ش: أشار بهذا الحديث وبالذي بعده أن الذي ينبغي أن يقال عند الأذان ينبغي أن يكون ثناءً وذكرا كما أمر به النبي ﵇ في الأحاديث الآتية، وقول السامع: حي على الصلاة، حي على الفلاح ليس بثناء ولا ذكر ولا دعاء، فينبغي أن لا يقول ذلك، بل يقول عوضه: لا حول ولا قوة إلا بالله كما ذكرنا.
ثم إنه أخرج حديث سَعْد بن أبي وقاص -أحد العشرة المبشرة واسم أبي وقاص مالك بن أهيب- من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سَعْد،
стр. 1198
عن الحُكَيْم -بضم الحاء المهملة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف- ابن عبد الله المصري، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتُيبة، نا ليث، عن الحُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد بن أبي قاص، عن سعد بن أبي وقاص، عن رسُول الله ﷺ أنه قال: "من قال حين يسمعُ الأذان أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإِسلام دينًا؛ غفر له ذنبه".
قال ابن رمح في روايته: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد" ولم يذكر قتيبة: "وأنا".
وأخرجه أبو داود (٢): عن قتيبة بن سعيد نحوه، وفي آخره: "غفر له" فقط، وليس فيه: "ذنبه".
وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة كذلك.
وأخرجه الترمذي (٤) أيضًا: عن قتيبة، عن الليث كذلك.
وأخرجه ابن ماجه (٥): عن محمد بن رمح المصري، عن الليث كذلك.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن الحُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عن سعد، عن النبي ﵇.
وأخرجه عبدبن حميد في "مسنده" (٦): ثنا وهب بن جرير، ثنا ليث بن سعد، عن حُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسُول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده
стр. 1199
لا شريك له وأن محمدًا عبد ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمدٍ نبيًّا غفر له ذنبه. فقلت: ما تقدم من ذنبه. فقال: ليس هكذا قال سعد، قال: غُفر له ذنبه".
الثالث: عن رَوْح بن الفرج القطان، عن سعيد بن كثير بن عفير أبي عثمان المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي أبي العباس المصري، عن عبيد الله بن المغيرة ابن مُعَقبة، المصري عن الحكيم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص ... إلى آخره، وزاد فيه روح بن الفرج أنه قال: "من قال حين يَسمع المؤذن يتشهد: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده ... " إلى آخره.
قوله: "ورضيت بالله ربًا" أي قنعتُ به واكتفيتُ به ولم أطلب معه غيره.
قوله: "وبالإسلام دينًا" أي رضيت بالإِسلام دينًا بمعنى: لم أسَعْ في غير طريق الإِسلام، ولم أسلك إلا ما يوافق شرع محمد ﵇، أو لم أتبع غير الإِسلام دينًا.
فإني قيل: بماذا انتصب ربًّا ورسولًا ودينًا؟
قلت: يجوز أن يُنصبْن على التمييز، وهو وإن كان الأصل فيه أن يكون فاعلًا في المعنى يجوز أن يكون مفعولًا أيضًا نحو ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (١) ويجوز أن ينصبن علي المفعولية لأن "رضي" إذا عُدي بالباء يتعدى إلى مفعول آخر.
فإن قيل: ما المراد من قوله: "دينًا"؟
قلت: المراد من الدين ها هنا التوحيد، وبذلك فسر صاحب "الكشاف" في قوله: تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (٢) بمعنى التوحيد.
وأما في الحديث الصحيح عن عمر ﵁ قال: "بينما نحن عند رسُول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ... إلى آخره" (٣). فقد أطلق رسُول الله ﵇ الدين على الإِسلام والإيمان والإحسان بقوله: "إنه جبريل أتاكم
стр. 1200
ليعلمكم دينكم" وإنما علمهم هذه الثلاثة، والحاصل في هذا أن الدين تارةً يطلق على الثلاثة التي سأل عنها جبريل ﵇، وتارةً يطلق على الإِسلام كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وبهذا يمنع قول من يقول: بين الآية والحديث معارضة؛ حيث أطلق الدين في الحديث على ثلاثة أشياء، وفي الآية على شيء واحد، واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز، أو بالتواطئ ففي الحديث أطلق على مجموع الثلاثة؛ وهو أحد مدلولَيْه، وفي الآية أطلق على الإِسلام وحده؛ وهو مسماه الآخر.
فإن قيل: لم قال: بالإِسلام ولم يقل: بالإيمان؟
قلت: الإِسلام والإيمان واحد فلا يرد السؤال، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (٢) والمراد بهما آل لوط ﵇، فوصفهم تارة بأنهم مؤمنون، وتارة بأنهم مسلمون، فدل على أن الإيمان والإِسلام شيء واحد.
قوله: "غفر له ذنبه" جواب قوله: "مَن قال" أي غُفِرَ له ذنوبه ما دون الكبائر، هكذا قالوا، ولكن اللفظ بعمومه يتناول الصغائر والكبائر، نعم يخرج عنه حق العباد لدلائل أخرى، فافهم.
ص: حدثنا محمد بن النعمان السَقَطي، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوريّ، قال: ثنا أبو عمر البزار. عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسُول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يقول إذا سمع النداء فيكبر المنادي فيكبر، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأن محمدًا رسول الله، فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة واجعله في الأَعْلين درجته، وفي المصطفين محبته، وفي المقربين ذكره. إلا وجبتْ له شفاعة مني يوم القيامة".
стр. 1201
ش: يحيى النيسابوري شيخ البخاري ومسلم، وأبو عمر البزار. اسمه حفص ابن سليمان الأسدي ويعرف بحَفَيْص، ضعيف جدًّا حتى كذبه بعضهم، ولكن كان ثبتًا في القراءة، والبَزَّار -بالباء الموحدة المفتوحة وتشديد الزاي المعجمة وفي آخره زاي معجمة- وقيس بن مسلم الجَدَلي العَدْواني أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، وطارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب نا عثمان بن سعيد نا أبو عمر حفص، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يقول حين يسمع النداء بالصلاة فكبّر، فيكبّر ويَشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمد رسُول الله، ثم يقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة والفضيلة، واجعله في الأعلين درجته وفي المَصْطفين محَبتَه وفي المقربين ذكره إلا وجبت له الشفاعة يوم القيامة".
قوله: "إذا سمع النداء" أي الأذان.
قوله: "الوسيلة" قد فسرها في الحديث أنها منزلة في الجنة، وقد مَرَّ الكلام فيه عن قريب.
قوله: "واجعله في الأعلين درجته" أي اجعل له في الأعلين درجته، وهو جمع أعلى وقد علم أن الجمع بالواو والنون، يكون في الصفات والأعلام التي للعقلاء، ولا شك أن "أعلى" ها هنا صفة من يَعقل لأن المراد منهم الأنبياء المقربون والملائكة المقربون ﵇، فجمع بالواو والنون، تقول: أعلون. كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٢) ثم يكون إعرابه كإعراب سائر المجموع المصحّحة، وهو أن يكون بالواو حالة الرفع، وبالياء حالة النصب والجر.
стр. 1202
فإن قيل: فعلى ما ذكرت تكون درجة النبي ﵇ في جملة درجات الأعلَين فلا يحصل له مزية على غيره.
قلت: كلمة "في" ها هنا بمعنى "على" كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) أي على جذوع النخل والمضاف محذوف، وتقدير الكلام: واجعل له درجته على درجات الأعلين. ويمكن أن يكون هذا جمع أعلى الذي هو المكان الأعلى من غيره، ويكون جمعه كجمع أدْنَون ونحوه، ويكون المعنى حينئذ: اجعل له درجته على الأماكن العالية التي ليس عليها مكان لأحدٍ. فإن قيل: شرط هذا الجمع أن يكون فيه ضمة قبل الواو في حالة الرفع، وكسرة قبل الياء في حالة الجرِّ والنصب، وها هنا ليس كذلك؛ لأن "اللام" من الأعلين مفتوحة، والحال أنه مجرور.
قلت: هذا مكسور وحكمه أن تكون الضمة والكسرة مقدرتين في حالتي الجر والنصب في الألف المحذوفة لألتقاء الساكنين، فافهم.
قوله: "وفي المصطفين" بفتح الفاء وهو جمع مصطفى فهو أيضًا يكون بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر، تقول: جاءني المصطفون، ورأيت المصطفين ومررت بالمصطفين. فالكسرة التي يجب أن تكون قبل الياء في الحالتين مقدرة ها هنا أيضًا كما في الأعلين، والمصطفى المختار، من الصفوة، وأصله مُصْتفى بالتاء ولكنها قلبت طاء لأن "الصاد" من المجهورة و"التاء" من المهموسة فلا يتفقان.
وفيه: استحباب هذا الدعاء عند تشهد المؤذن في أذانه، وإثبات الشفاعة ردًّا على من أنكرها، وجواز دعاء أحد لأحد والطلب له من الله تعالى ما يليق له من الفضائل والفواضل.
ص: حدثنا عبد الرحمن بن عَمرو الدمشقي، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "كان
стр. 1203
رسُول الله ﵇ إذا سمع المؤذن قال: اللهم رَبّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة أَعْط محمدًا الوسيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته".
ش: إسناده صحيح وعلي بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة ابن مسلم الأَلْهاني الحمصي شيخ البخاري.
وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن عياش، ثنا بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن رسُول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة".
وأخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل، عن علي بن عياش نحو رواية البخاري، غير أن في روايته "إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة".
وأخرجه الترمذي (٣): عن محمد سهل وإبراهيم بن يعقوب، كلاهما عن علي بن عياش نحو رواية أبي داود.
وأخرجه النسائي (٤): عن عمرو بن منصور، عن علي بن عياش نحوه إلا أنه ليس في روايته: "يوم القيامة".
وأخرجه ابن ماجه (٥): عن محمد يحيى والعباس بن الوليد الدمشقي ومحمد بن أبي الحسين، كلهم عن علي بن عياش نحو رواية النسائي.
قوله: "اللهم" معناه: يا الله و"الميم" فيه عوض من "يا" ولذلك لا يجتمعان، فلا يقال: يا اللهم. وهذا بعض خصائص هذا الاسم، كما اختص بالتاء في القسم،
стр. 1204
وبدخول حرف النداء عليه وفيه "لام" التعريف، وبقطع همزته في يا ألله، وبغير ذلك، قاله الزمخشري.
قوله: "ربّ" منصوب على النداء، ويجوز رفعه علي أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أنت ربُّ هذه الدعوة، والربّ المربّي المصلح للشأن، واشتقاقه من الربّة وهي نبت يصلح عليه المال يقال: ربّ يَرُبُّ ربّا ورَبَّى يربّي تربية، وأصله رَبَبٌ وهو قول زيد بن علي وسعيد بن أوس. وقال الحسين بن الفضل: هو الثابت لم يزل، مِنْ ربّ بالمكان إذا أقام، وأرض مُربٌ ومِرباب دام بها المطر، وفي اللغة الربُّ: المالك والسيد والصاحب.
وقال الواسطي: هو الخالق ابتداء، والمربي غدا والغافر انتهى.
وقال الزمخشري: ربّه يربَه فهو رب كما تقول نمّ عليه ينمّ فهو نم، ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلَّا في اللهَ وحده وفي غيره على التقيد بالإضافة كقولهم: ربّ الدار ورب الناقة، ومعنى "رب هذه الدعوة التامة" أي صاحب هذه الدعوة، و"الدَّعوة" بفتح الدال وكذلك كل شيء دعوته، ويريد بالدعوة التامة التوحيد، وقيل لها: تامة؛ لأنه لا نقص فيها ولا عيب، وقيل: وصفها بالتمام لأنها ذكر للهَ ويُدعى بها إلى عبادته وذلك الذي يستحق التمام، وقيل: التامة: الكاملة وكمالها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس، وقيل: معنى التمام: كونها محمية عن النسخ وإلا بدال، باقية إلى يوم القيامة، وقد بسطت الكلام فيه في شرحي للكلم الطيب لابن تيمية ﵀.
قوله: "والصلاة القائمة" أي الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض.
قوله: "الوسيلة" منصوب على المفعولية، وقد مر معناها عن قريب أنها منزلة في الجنة، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي القرب من اللهَ تعالى.
стр. 1205
قوله: "المقام المحمود" أي الذي يحمده القائم فيه وكل من رآه وعرفه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
وقيل: المراد الشفاعة وهي نوع مما يتناوله، وعن ابن عباس: مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق؛ تسأل فتُعْطى، وتَشْفَع فَتُشَفَّع، ليس أحد إلا تحت لوائك.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇: "هو المقام الذي اشفع فيه لأمتي".
فإن قيل: قد وعده الله تعالى بالمقام المحمود، وهو لا يخلف الميعاد، فما الفائدة في دعاء الأمُة بذلك؟
قلت: إما لطلب الدوام والثبات، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره والاستعانة بدعائه في حوائجه ولا سيما من الصالحين.
قوله: "الذي وعدته" بدل من المقام المحمود، أو منصوب بأعني، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأراد به حكايته لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١).
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نُعَيْم الطحان، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن حفصة ابنة أبي كثير عن أمها قالت: علمتني أم سلمة ﵂ وقالت: علمني رسُول الله ﵇ قال: "يا أم سلمة إذا كان عند أذان المغرب فقولي: اللهم عند استقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دُعاتك وحضور صلواتك؛ اغفر لي".
ش: أبو نعيم اسمه ضرار بن صُرَد التيمي الطحان الكوفي، فيه مقال كثير حتى كذبه يحيى بن معين وتركه النسائي.
стр. 1206
ومحمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي روى له البخاري والنسائي وابن ماجه.
وعبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث أبو شيبة الواسطي فيه مقال كثير، روى له أبو داود والترمذي.
وحفصة ابنة أبي كثير مولى أم سلمة ويقال لها: خُميصة، وكذا وقع في رواية للطبراني على ما نذكره، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وأم حفصة لم أدر من هي ولا وقفت على اسمها، ولعل هذا تصحيف، والصحيح عن حفصة بنت أبي كثير، عن أبيها كما وقع هكذا في رواية الترمذي (١) حيث قال: ثنا حسين بن علي بن الأسود البغدادي، قال: نا محمد بن فُضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن حفصة بنة أبي كثير، عن أبيها أبي كثير، عن أم سلمة قالت: "علمني رسُول الله ﵇ قال: قولي عند أذان المغرب: اللهم عند استقبال ليلك، وإدبار النهار، وأصوات دُعاتك، وحضور صلواتك، أسألك أن تغفر لي" هذا حديث غريبٌ إنما نعرفه من هذا الوجه، وحفصة بنت أبي كثير لا نَعْرفها ولا أباها. ذكره في الدعوات.
وأخرجه أبو داود (٢): عن أبي كثير مولى أم سلمة، عن أم سلمة، فقال: ثنا في مُؤملَ ابن إهاب، ثنا عبد اللهَ بن الوليد العَدَني، ثنا القاسم بن مَعْن، نا المسعودي، عن أبي كثير مولى أم سلمة، عن أم سلمة قال: "علمني رسُول الله ﵇ أن أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي".
وكذا أخرجه الطبراني (٣) فقال: ثنا الحسن بن إسحاق، ثنا عثمان بن أبي شيبة، وثنا عبيد بن أبي غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا إسحاق بن منصور، نا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي كثير مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسُول الله ﷺ : "قولي عند أذان المغرب: اللهم عند إقبال
стр. 1207
ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلواتك، اغفر لي. وكانت إذا تعارت من الليل تقول: ربّ اغفر وارحم واهد السبيل الأقوم".
وله (١) من طريق آخر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خميصة، عن النبي ﵇ نحوه.
قلت: خُميصة -بضم الخاء المعجمة وبالصاد المهملة (٢).
قوله: "عند استقبال" ظرف، والعامل فيه قوله: "اغفر لي".
قوله: "دعاتك" جمع دل، كقضاة جمع قاضٍ، وإنما أضاف هذه الأشياء إلى الله تعالى وإن كانت جميع الأشياء للهَ تعالى؛ لإظهار فضيلة هذه الأشياء لأن المضاف يكتسي الفضيلة والشرف من المضاف إليه كما في ناقة الله، وإنما حث بالدعاء في هذا الوقت لأنه وقت شريف باعتبار أنه آخر النهار -وهو وقت ارتفاع الأعمال- وأول الليل اللذين هما اثنان من آيات الله تعالى الدالة على وحدانيته وبقائه وَقِدَمِه، وأنه وقت حضور العبادة فيكون أقرب للإجابة.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فهذه الآثار تدل على أنه إنما أراد بما يقال عند الأذان الذكر، فكل الأذان ذكرٌ غير حي على الصلاة، حي على الفلاح فإنهما دعاء، فما كان من الأذان ذكرًا فينبغي للسامع أن يقوله، وما كان منه دعاء إلى الصلاة فالذكر الذي هو غيره أفضل منه وأولى أن يقال.
ش: أراد به الأحاديث التي رواها عن سَعْد وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأم سلمة ﵃، والباقي واضح.
ص: وقد قال قوم: قولُ النبي ﵇: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" على الوجوب.
стр. 1208
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وابن وهب من أصحاب مالك والظاهرية، فإنهم قالوا: الأمر ها هنا على الوجوب؛ لأن الأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، ألا ترى أنه يجب عليه قطع القراءة وترك الكلام والسلام ورده وكل عمل غير الإجابة، فهذا أمارة الوجوب، وقد مر التحقيق فيه في هذا الباب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ذلك على الاستحباب لا على الوجوب.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الشافعي ومالكًا وأحمد وجمهور الفقهاء، فإنهم قالوا: الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب، وهو اختيار الطحاوي أيضًا، فلذلك أقام الحجة لهؤلاء ولم يقل عند انتهاء الباب: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد كما هو عادته في أكثر المواضع.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك:
ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبيد اللهَ بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن علقمة، عن عبد اللهَ قال: "كنا مع النبي ﵇ في بعض أسفاره، فسمع مناديًا وهو يقولُ: الله أكبر، الله أكبر. فقال النبي ﵇: على الفطرة: فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسُول الله ﵇: خرج من النار. قال: فابتدرناه؛ فإذا صاحب ماشية أدركته الصلاة فنادى بها".
قال أبو جعفر: فهذا رسُول الله ﵇ قد سمع المنادي ينادي فقال غير ما قال، فدل ذلك أن قوله: "إذا سمعتم المنادي فقولوا مثل الذي يقول" ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب والنَدْبة إلى الخير وإصابة الفضل، كما قد علم من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوه في دُبُر الصلوت وما أشبه ذلك، والله أعلم.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما قالوه: حديث ابن مسعود؛ فإنه يدل على أن إجابة المؤذن غير واجبة؛ لأنه ﵇ قد سمع ذلك المنادي ولم يقل مثل ما قال المنادي بل قال غير ما قاله، فلو كانت الإجابة واجبة لكان ﵇ -
стр. 1209
أجابه بمثل ما قال فدل ذلك على أن الأمر في قوله ﵇: "فقولوا مثل الذي يقول" ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب وإصابة الفضل كما في سائر الأدعية التي عَلَّمها رسُول الله ﵇ أمته أن يقولوها في أدبار الصلوات وما أشبه ذلك.
قلت: فيه نظر لأن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب ولا سيما قد تأيد ذلك بما روي من الآثار والأخبار في الحث على الإجابة.
وقد روي ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن عبد اللهَ قال: "من الجفاء أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثل ما يقول".
ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء ولا تاركه جافٍ.
وأما حديث ابن مسعود فلا ينافي إجابة الرسول ﵇ لذلك المنادي بمثل ما قال، وترك الراوي ذكره لأنه يمكن أن يكون قد قال مثل ما قال ذلك المنادي ثم قال ما قال، أو قال ما قال ثم أجاب، فتقدمُ ما قال على الإجابة يكون لمصلحة ظهرت له في ذلك الوقت، أو يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية.
قوله: "والنَدبة" بفتح النون: الدعوة، من ندبه الأمر فانتدب له أي دعاه له فأجاب، وأما النُدبة -بضم النون- فهو اسم للنْدب من ندب على الميت إذا بكى عليه وعدّد محاسنه، والنَّدَب -بالتحريك- الخطر والندَبُ أيضًا: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد.
قوله: "في دبر الصلوات" أي عقيبها وأدبارها، ودبر كل شىء عقيبه.
قوله: "وما أشبه ذلك" أي: من الأدعية التي علمهم النبي ﵇ أن يقولوها عند الصباح والمساء ونزول المطر وهبوب الريح وركوب الدابة ونحو ذلك.
стр. 1210
ثم إسناد حديث عبد الله بن مسعود صحيح على شرط مسلم، وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي الكوفي.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبد الوهاب بن عطاء، أنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن علقمة، عن ابن مسعود: "بينما نحن مع رسول الله ﵇ في بعض أسفاره إذ سمعنا منادِيًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسُول الله ﵇ ... " إلى آخره نحوه.
وأخرج مسلم (٢): من حديث أنس ﵁ قال: حدثني زُهيْر بن حَرْب، قال: ثنا يحيى -يعني ابن سعيد- عن حماد بن سلمة، قال: نا ثابت، عن أنس بن مالك قال: "كان رسُول الله ﵇ يُغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار. قال: فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسُول الله ﵇: على الفطرة. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسُول الله ﵇: حرمتَ من النار. فنظروا فإذا هو راعي معزَى".
قوله: "على الفطرة" أي على الإسلام إذ كان الأذان شعارهم، ولهذا كان ﵇ إذا سمع أذانًا أمسك وإلا أغار؛ لأنه كان فرقُ ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام.
قوله: "خرج من النار" أراد بتوحيده وصحة إيمانه؛ لأن ذلك منج من النار.
فإن قيل: كيف يكون مجرد القول بلا إله إلا الله إيمانًا؟
قلت: هو إيمان ثابت في حق المشرك وحق من لم يكن بين المسلمين، أو يخالط المسلمين لا يصير مؤمنًا إلا بالتلفظ بكلمتي الشهادة بل شرط بعضهم التبرئ مما كان عليه من الدين الذي يعتقده.
قوله: "فابتدرناه" أي تسارعنا إلى أخذه، وأصله: من بدرتُ إلى الشيء أبْدُر بُدورًا إذا أسرعت إليه، وكذلك بادرتُ، وتبادر القوم: سارعوا، وابتدروا السلاح: تسارعوا إلى أخذه.
стр. 1211
قوله: "فإذا" كلمة مفاجأة تدخل على الجملة وهي ها هنا.
قوله: "صاحب ماشية أدركته الصلاة" وهي جملة أسمية، والماشية اسم يقع على الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يستعمل في الغنم.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن الأذان شعار الإِسلام، وقال عياض: فرض على الكفاية واختلف لفظ مالك وبعض أصحابه في إطلاق الوجوب عليه، فقيل: معناه وجوب السنن المؤكدة كما جاء في الجمعة والوتر وغيرهما، وقيل: هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية، إذ معرفة الأوقات فرض وليس كل أحد يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض.
وقيل: "سنة" يعني ليس من شرط صحة الصلاة.
واختلف المذهب في أذان الجمعة أهو فرض أم سنة، فظاهر قول مالك في "الموطإ" أنه على الوجوب في الجماعات والمساجد. وقال به بعض أصحابنا وأنه فرض على الكفاية وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال الأوزاعي وداود في آخرين: فرض، ولم يفصِّلوا وروى الطبري عن مالك: إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة، وذهب بعضهم ومعظمهم أصحابنا أنه سنة. والأول هو الصحيح. انتهى.
وقال أحمد: الأذان فرض للصلوات الخمس. وهو قول الإصطخري أيضًا في فروع الحنابلة: الأذان والإقامة فرض كفاية حضرًا لكل صلاة، فرض عين يقاتل أهل البلد على تركهما ويُسنان سفرًا، هذا اختيار أبي بكر والقاضي في "المجرد"، والصحيح: أن لا فرق بين الحاضر والمسافر، والقرية والواحد والجماعة، وعنه يُسنان إلا الأذان المحرِّم للبيع يوم الجمعة.
وقال صاحب "البدائع": قد ذكر محمد ما يدل على وجوب الأذان فإنه قال: لو أن أهل بلدة اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليه ولو تركه واحدٌ ضربته
стр. 1212
وحبسته، وإنما يقاتل ويضرب ويحبس على ترك الواجب، وعامة مشايخنا قالوا: إنهما سنتان مؤكدتان.
قلت: القولان يتنافيان؛ لأن السنة المؤكدة والواجب سواء، خصوصًا السنة التي هي من شعار الإِسلام فهذا أولى فافهم.
الثاني: فيه حجة في استحباب الأذان للمفرد البادي؛ لأن الأذان والإقامة من لوازم الجماعة المسلمة والسفر لم يسقط الجماعة فلا يُسقط ما هو من لوازمها، فإن صلوا بجماعة فأقاموا وتركوا الأذان أجزأهم ولا يكره، ويكره لهم ترك الإقامة بخلاف أهل العصر إذا تركوا الأذان، وذلك لأن السفر سبب الرخصة وقد أثر في سقوط شطر الصلاة، فجاز أن يؤثر في سقوط أحد الأذانين إلا أن الإقامة أكثر ثبوتًا من الأذان فيسقط الأذان دون الإقامة.
الثالث: فيه دليل على أن من يقول: لا إله إلا الله لا يُؤَبد في النار، وأن من لا يقوله لا يخرج من النار.
الرابع: أن الحكم بحسب الظاهر ولا يكلف إلى معرفة الباطن، ألا ترى أنه ﵇ قال: "على الفطرة" حين سمع المنادي يقول: "الله أكبر، الله أكبر" -أي على الإِسلام كما قلنا- ولم يقل شيئًا غير ذلك. والله أعلم (١).
стр. 1213
[(١) بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
ص: باب: مواقيت الصلاة
ش: أي هذا باب في بيان أحكام مواقيت الصلاة.
والمواقيت جمع ميقات بمعنى الوقت، ويقال: المواقيت جمع وقت على غير القياس، والمناسبة بين الأذان وهذا الباب ظاهرة، وقدمه على أحكام الصلاة لأنه سبب لها، فقدمه عليها لتوقف صحتها على معرفة المواقيت.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن سهل بن حنيف، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس ﵄ (ح).
وحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس (ح).
وحدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسيد، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أمَّني جبريل ﵇ مرتين عند باب البيت، فصلى بي الظهر حين مالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، وصلى بي الظهر من الغد حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى
стр. 1214
بين المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين مضى ثلث الليل، وصلى بي الغداة عندما أسفر، ثم التفت إليّ فقال: يا محمد، الوقت فيما بين هذين الوقتين، هذا وقت الأنبياء من قبلك".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي العدوي البصري احتج به الأربعة، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، هو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللهَ بن عياش بن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد اللهَ بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني والد المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، روى له الأربعة ووثقه ابن حبان، وقال النسائي: ليس بالقوي. وعن يحيى بن معين: صالح. ولما ذكره أبو داود في روايته قال: عن سفيان، حدثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة.
وهو يروي عن حَكيم بن حَكيم -بفتح الحاء فيهما- بن عباد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني، قال ابن سعد: لا يحتجون بحديثه. ووثقه ابن حبان وروى له الأربعة.
عن نافع بن جبير بن مطعم المدني، روى له الجماعة، عن ابن عباس ﵄.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " [أمَّني جبريل ﵇]، (٢) عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد
стр. 1215
صلى بي الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليّ فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد اللهَ بن وهب المصري، عن يحيى بن عبد اللهَ بن سالم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن عبد الرحمن بن الحارث -وهو عبد الرحمن بن عبد اللهَ بن أبي ربيعة المدني، تقدم، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس ﵄.
وأخرجه الحكم في "مستدركه" (١): أنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، ثنا جدي، ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، نا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن ابن الحارث، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇ نحوه.
الثالث: عن ربيع بن سليمان المصري المؤذن صاحب الشافعي وثقه ابن يونس والخطيب، عن أسد بن موسى بن إبراهيم المصري وثقه النسائي وابن يونس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- واسمه عبد اللهَ بن ذكوان، احتج به الأربعة، عن عبد الرحمن بن الحارث ... إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد بن السري، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عباس بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، قال: أنا نافع بن جبير بن مطعم، قال: أخبرني ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "أمَّني جبريل ﵇[عند البيت] (٣) مرتين وصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء
стр. 1216
مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل ﵇ فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين".
فإن قلت: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن.
ورواه ابن حبان في "صحيحه" (١) والحكم في "مستدركه" (٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ورواه أبو بكر بن أبي خزيمة في "صحيحه" (٣).
وقال ابن عبد البر في "التمهيد": وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم.
وقد أخرجه عبد الرزاق (٤): عن الثوري وابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن الحارث بإسناده.
وقد أخرجه أيضًا (٥): عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه.
стр. 1217
قوله: "أمّني جبريل ﵇" من أممت القوم في الصلاة إمامةً، وائتم به أي اقتدى به.
وجبريل ﵇ مَلَكٌ ينزل بالوحي على الأنبياء ﵈ وأكثر نزوله كان على نبينا محمد ﵇، وذكر ابن عديس أن أجود اللغات: جَبْرَئيل مثال جَبْرعِيل، ويقال: جِبْريل، بكسر الجيم والراء من غير همز.
قيل: وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ ابن عامر وأبو عمرو، وجَبْرِيل -بفتح الجيم وكسر الراء- وذكر الزجاج أن بها قرأ أهل الكوفة، وهي لغة تميم وقيس.
قال الزجاج: وهو أجود اللغات.
ويقال أيضًا: جَبْرَئل -بحذف الياء وإثبات الهمزة وتشديد اللام- بها قرأ يحيى بن يَعْمر، ويقال: جبرين بالنون.
وقال الجوهري: ويقال جَبْرئِل مثال جَبْرعِل.
وقال ابن جنِّي: وزنه فَعْلِيل والهمزة فيه زائدة.
وفي "الروض": وهو اسم سرياني ومعناه: عبد الرحمن أو عبد العزيز. كذا جاء عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا، والوقف أصح، وفي "تفسير عبد بن حميد" الكشِّي الكبير، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: اسم جبريل بالعربية عبد اللهَ، ويقال: عبيد اللهَ، وقال السهيلي، وأكثر الناس على أن آخر الاسم منه هو اسم الله وهو: إِيل، وقال بعضهم: هذا من الأسماء التي إضافتها مقلوبة كما في الإضافة في كلام العجم يقدمون المضاف إليه على المضاف، فعلى هذا يكون إيل عبارة عن العبد، ويكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء اللهَ تعالى، وقال: اتفق في اسم جبريل أنه موافق من جهة العربية لمعناه، وإن كان أعجميًا فإن الجبر هو إصلاح ما وَهِيَ، وجبريل موكل بالوحي، وفي الوحي إصلاح ما فسد، وجَبْرُ ما وَهِيَ من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة شرفها اللهَ تعالى ولا بأرض العرب، ولهذا فإن النبي ﵇ لما ذكره لخديجة ﵂ انطلقت لتسأل مَن عنده
стр. 1218
علم من الكتاب كعدَّاس ونسطور الراهب، فقالا: ندري ندري، ومن أين هذا الاسم بهذه البلاد؟
وذكر أبو موسى المديني في "المغيث" أن في الحديث: يوسف بن إسرائيل اللهَ يعقوب بن إسحاق ذبيح اللهَ بن إبراهيم خليل اللهَ، فأضاف إسرائيل جملةً إلى الله ، وهذا ينقض الأقوال المتقدمة كلها.
وجاء أيضًا جَئِرين بجيم مفتوحة بعدها همزة مكسورة ثم ياء ونون، وجَبرائل بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام، وجبرائيل بألف وهمزة بعدها ياء وجبراييل بياءين بعد الألف، وجبريل بهمزة بعد الراء وياء وجبريل بكسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء، وجبرين بفتح الجيم وكسرها وبدل اللام نون.
قوله: "عند باب البيت" أي بحضرة الكعبة، وأطلق البيت على الكعبة لغلبة الاستعمال كما أطلق النجم على الثريا.
والصَّعِق على خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب.
قوله: "حين مالت الشمس" وميلانها زوالها وانحطاطها عن كبد السماء يسيرًا، وفي رواية غيره: "حين زالت الشمس".
قوله: "حين غاب الشفق" وهو البياض المعترض في الأفق عند أبي حنيفة؛ لأنه من أثر النهار، وبه قال زفر وداود والمزني، وهو قول المبرد والفراء، ونقل عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ وأبي وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو الحمرة، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد والثوري وابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وشداد ابن أوس وعبادة بن الصامت، وحكي عن مكحول وطاوس.
وحكي عن أحمد: أنه البياض في البنيان والحمرة في الصحاري.
стр. 1219
وقال بعضهم: اسم الحمرة والبياض جميعًا، إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقانٍ وأبيض ليس بناصع.
قوله: "حين حرم الطعام والشراب على الصائم" وهو أول طلوع الفجر الثاني الصادق.
قوله: "وصلى في المغرب حين أفطر الصائم" يعني حين غابت الشمس.
قوله: "عندما أسفرَ" أي نوَّر.
قوله: "الوقتُ" مبتدأ وخبره قوله: "فيما بين هذين الوقتين"، والإشارة إلى وقتي اليوم الأول واليوم الثاني اللذين أمَّ فيهما جبريل النبي ﵇.
ويستنبط منه أحكام:
الأول: يستفاد منه أن أول وقت الظهر حين تزول الشمس عن كبد السماء يسيرًا، وهذا لا خلاف فيه لأحد من الأئمة وإنما الخلاف في آخر وقته، فعند أبي حنيفة آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثليه، وهو أول وقت العصر.
وقال صاحب "البدائع": أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وأما آخره فلم يذكر في ظاهر الرواية، واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، روى محمد عنه: إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، والمذكور في الأصل: ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين، ولم يتعرض لآخر وقت العصر.
وروى الحسن عنه أن آخر وقتها: إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر والشافعي والحسن.
وروى أسد بن عمرو البجلي: إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال خرج وقت الظهر؛ ولا يدخل وقت العصر ما لم يصر ظل كل شيء مثليه.
فعلى هذه الرواية يكون بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل كما بين الفجر والظهر.
стр. 1220
وقال أبو عمر (١): واختلفوا في آخر وقت الظهر؛ فقال مالك وأصحابه: إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس، وهو أول وقت العصر بلا فصل، وبذلك قال ابن المبارك وجماعة.
وقال الثوري (٢) والحسن بن حَيّ وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ومحمد بن جرير الطبري: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله، ثم يدخل وقت العصر، ولم يذكروا فاصلة؛ إلا أن قولهم: ثم يدخل وقت العصر. يدل على فاصلة.
وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثليه. انتهى.
واستدل هؤلاء بقوله: "فصلى في العصر حين صار ظل كل شي مثله" فدل هذا أن أول وقت العصر هذا، فكان هو آخر وقت الظهر ضرورةً، وقالوا: إن قوله: "وصلى في العصر حين صار ظل كل شيء مثليه" لبيان آخر الوقت، ولم يؤخر الظهر في اليوم الثاني إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، فدل أن آخر وقت الظهر ما ذكرنا.
واستدل أبو حنيفة بما أخرجه البخاري (٣) من حديث ابن عمر قال: قال النبي ﵇: "مثلكم ومثل أهل الكتاب كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟! قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه مَنْ أشاء".
стр. 1221
فدل الحديث على أن مدة العصر أقصر من مدة الظهر، وأن ما يكون أقصر أن لو كان الأمر على ما قال أبو حنيفة ﵀. وقال شمس الأئمة في معنى الحديث: وإنما يكون ذلك أقصر إذا امتدّ وقت الظهر إلى أن يبلغ الظل قامتين، وقال ﵇: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدّة الحر من فيح جهنم" وأشد ما يكون من الحر في ديارهم إذا صار ظل شيء مثله، ولأنَّا عرفنا دخول وقت الظهر بتيقن، ووقع الشك في خروجه إذا صار الظل مثله أو مثليه؟ واليقين لا يزول بالشك، والأوقات ما استقرت على حديث إمامة جبريل ﵇، ففيه أنه صلى الفجر من اليوم الثاني حين أسفر، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس، وفيه أيضًا أنه صلى العشاء في اليوم الثاني حين مضى ثلث الليل والوقت يبقى بعده (١)، وأما تأويل إمامة جبريل ﵇: "صلى الظهر من الغد حتى صار كل شيء مثله" أي قرب منه، وصلى في العصر -في اليوم الأول- حين صار ظل كل شيء مثله أي زاد عليه وهو نظير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ (٢). أي قارب بلوغ أجلهن وقال تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٣). أي تم انقضاء عدتهن.
وقال صاحب "البدائع" (٤): وخبر إمامة جبريل ﵇ منسوخ في الفراغ، فإن المروي أنه ﵇ صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، والإجماع منعقد على تغاير وقتي الظهر والعصر، فكان الحديث منسوخًا في الفراغ. انتهى.
ونقل صاحب "المبسوط" (١) عن مالك أنه قال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإذا مضى بقدر ما يصل فيه أربع ركعات دخل وقت العصر، فكان الوقت مشتركًا بين الظهر والعصر إلى أن يصير الظل قامتين؛ لظاهر حديث إمامة
стр. 1222
جبريل ﵇ فإنه [ذكر أنه] (١) صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى العصر في اليوم الأول، ويرد هذا قوله ﵇: "لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى" وتأويل حديث إمامة جبريل ﵇ ما ذكرناه آنفًا.
الثاني: يستفاد منه [أن] (٢) آخر العصر إلى، غروب الشمس.
وعن الشافعي: إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقت العصر، ولا يدخل وقت المغرب حتى تغرب الشمس، فيكون بينهما وقت مهمل.
وعنه: إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقته المستحب، ويبقى أصل الوقت إلى غروب الشمس.
وقال أبو عمر (٣): اختلفوا في أول وقت العصر وآخره؛ فقال مالك: أول وقت العصر إذا كان الظل قامة بعد القدر الذي زالت عليه الشمس، ويستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا ذلك قليلًا.
قال: وآخر وقتها أن يكون ظل كل شيء مثليه، هكذا حكايته ابن عبد الحكم وابن القاسم عنه، وهذا عندنا على وقت الاختيار، وذكر ابن وهب عن مالك: أن آخر وقت العصر: غروب الشمس.
وقد قال ابن وهب أيضًا عن مالك: وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس. وهذا عندنا أيضًا على أصحاب الضرورات.
وقال الشافعي: أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شيء مثله، ومن أَخَّر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته [وقت] (٤)
стр. 1223
الاختيار، ولا يجوز أن يقال: قد فاته وقت العصر مطلقًا، كما جاز على الذي أخر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله.
قال: وإنما قلت ذلك؛ لحديث أبي هريرة، عن النبي ﵇: "من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها".
قال أبو عمر: قول الشافعي ها هنا في وقت الظهر يمنع الاشتراك بينها وبين العصر في ظاهر كلامه، وهو شيء ينقضه ما بنى عليه مذهبه في الحائض تطهر، والمغمى عليه يُفيق، والكافر يسلم، والصبي يحتلم؛ لأنه يوجب على كل واحد منهم إذا أدرك ركعة واحدة قبل الغروب؛ الظهر والعصر جميعًا، وفي بعض أقاويله: إذا أدرك هؤلاء مقدار تكبيرة واحدة قبل الغروب لزمهم الظهر والعصر جميعًا، وكيف يَسوغ لمن هذا مذهبه أن يقول: الظهر يفوت فواتًا صحيحًا بمجاوزة ظل كل شيء مثله أكثر من ذوات العصر بمجاوزة ظل كل شيء مثليه؟!
وأما قوله في وقت العصر: إذا جاوز ظل كل شيء مثليه فقد جاوز وقت الاختيار؛ (فهذا أيضًا شيء لا هو ولا غيره من العلماء) (١) يقولون: من صلى العصر والشمس بيضاء نَقِيَّة؛ فقد صلاها في وقتها المختار، لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وقول أبي ثور في أول وقت العصر كقول الشافعي، وهو قول داود.
وقال أبو عمر: وأما قول الشافعي وأبي ثور في أن وقت العصر لا يدخل إلا أن يزيد الظل على القامة زيادة تظهر فمخالف لحديث إمامة جبريل ﵇؛ لأن حديث إمامة جبريل ﵇ يقتضي أن يكون آخر وقت الظهر وهو أول وقت العصر بلا فصل، ولكنه مأخوذ من حديث أبي قتادة، عن النبي ﵇ أنه قال: "إنما التفريط على مَنْ لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" وقال أحمد بن حنبل في هذه المسألة مثل قول الشافعي أيضًا فيما حكاه الخرقي عنه، وأما الأثرم فقال: سمعت
стр. 1224
أبا عبد الله يقول: آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر. قال لي ذلك غير مرة، وسمعته يقول: آخر وقت العصر تغير الشمس. قيل له: ولا تقول بالمثل والمثلين؟ قال: لا؛ هذا أكثر عندي.
وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب -وهو قول داود- لكل الناس، معذور وغير معذور، والأفضل عندهما أول الوقت.
الثالث: يستفاد منه أن أول وقت المغرب غروب الشمس، وهذا لا خلاف فيه، وأما آخره فقد اختلفوا فيه؛ فقال أصحابنا: حتى يغيب الشفق، وقال الشافعي: وقتها ما يتطهر الإنسان ويؤذن ويقيم ويصلي ثلاث ركعات، حتى لو صلاها بعد ذلك تكون قضاء لا أداءً؛ لحديث إمامة جبريل ﵇ أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد.
وقال أبو عمر: الظاهر في قول مالك أن وقت المغرب وقت واحد عند مغيب الشمس، وبهذا تواترت الروايات عنه، إلا أنه قال في "الموطأ": إذا غاب الشفق فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء.
وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن حَيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري وداود، واحتجوا بحديث أبي موسى وغيره: "أن النبي ﵇ صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخّر حتى إذا كان عند سقوط الشفق" قالوا: وهذه الآثار أولى من أخبار إمامة جبريل ﵇؛ لأنها متأخرة بالمدينة، وإمامة جبريل بمكة، والمتأخر أولى من فعله وأمره ﵇؛ لأنه ناسخ لما قبله.
قلت: أجاب صاحب "البدائع" عن حديث إمامة جبريل ﵇ أنه إنما لم يؤخر المغرب عن أول الغروب في اليومين لأن التأخير عن أول الغروب مكروه إلا لعذر، وإنه جاء ليعلمه المباح من الأوقات، ألا ترى أنه لم يؤخر العصر إلى الغروب مع بقاء
стр. 1225
الوقت إليه؟! وكذا لم يؤخر العشاء إلى ما بعد ثلث الليل وإن كان ما بعده وقت العشاء بالإجماع. انتهى.
وقال أبو عمر: قال الشافعي: في وقت المغرب قولين:
أحدهما: إلى آخر الشفق.
والآخر: -وهو المشهور عنه-: أن وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تجب الشمس.
وقال الثوري: وقت المغرب إذا غربت الشمس فإن حبسك عذر [فأخّرتها] (١) إلى أن يغيب الشفق في السفر فلا بأس، وكانوا يكرهون تأخيرها.
الرابع: يُستفادُ منه أن أول وقت العشاء من حين مغيب الشفق، وهذا لا خلاف فيه بين أصحابنا، وآخره إلى أن يطلع الفجر الصادق.
وقال أبو عمر: أجمعوا على أن وقت العشاء الآخرة للمقيم مغيّب الشفق، واختلفوا في آخر وقتها، فالمشهور من مذهب مالك في آخر وقت العشاء في السفر والحضر لغير أصحاب الضرورات: ثلث الليل الأول، ويستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلًا أفضل، وروى ابن وهب عن مالك: أن وقتها من حين يغيب الشفق إلى أن يطلع الفجر.
وهو قول داود.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: المستحب في وقتها إلى ثلث الليل ويكره تأخيرها إلى نصف الليل، ولا تفوت إلا بطلوع الفجر.
وقال الشافعي: آخر وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل، فإذا مضى الليل فقد فاتت.
стр. 1226
وقال أبو ثور: وقتها من مغيب الشفق إلى نصف الليل.
وفي "الحاوي في فروع الحنابلة": وقت العشاء -وهي أربع ركعات- إلى الفجر الثاني، والمستحب تأخيرها إلى الثلث الأول، وعنه -أي عن أحمد-: إلى نصفه -إن سهل على المأمومين- ويحرم بعده بلا عذر في أحد الوجهين، ويكره في الآخر.
الخامس: يستفاد منه أن أول وقت الفجر عند طلوع الفجر الصادق؛ لأنه في هذا الوقت يحرم الطعام والشراب على الصائم، وآخره عند طلوع الشمس.
وقال أبو عمر: أجمع العلماء على أن وقت صلاة الصبح طلوع الفجر الثاني إذا تيقن طلوعه وهو البياض المنتشر في أفق المشرق الذي لا ظلمة بعده.
واختلفوا في آخر وقتها، فذكر ابن وهب عن مالك قال: وقت الصبح من حين يطلع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه.
وكذلك قال الشافعي: آخر وقتها طلوع الشمس لضرورة وغير ضرورة، وهو قول داود وإسحاق.
وأما سائر العلماء فجعلوا هذا وقتًا لأصحاب العذر والضرورات، وممن ذهب إلى هذا مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد.
وقال ابن القاسم عن مالك: وقت الصبح الإغلاس والنجوم بادية مشتبكة، وآخر وقتها إذا أسفر.
السادس: فيه دليل على أن الأنبياء ﵈ كانوا يصلون في هذه الأوقات، ولكن لا يلزم أن يكون قد صلى كل منهم في جميع هذه الأوقات والمعنى: أن صلاتهم كانت في هذه الأوقات.
السابع: فيه دليل على أن أوقات الصلوات الخمس فيما بين الوقتين اللذين صلى جبريل ﵇ إمامًا بالنبي ﵇ في أولها وآخرها.
فإن قيل: فعل هذا ينبغي أن لا يكون الأول والآخر منها وقتًا لها.
стр. 1227
قلت: لما صلى في أول الوقت وآخره وُجِدَ بيان منه فعلًا وبقي الاحتياج إلى بيان ما بين الأول والآخر ة فبيَّن بالقول.
وجواب آخر: أن هذا بيان للوقت المستحب؛ إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس ويؤدي أيضًا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما مع قوله ﵇ "خير الأمور أوساطها".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد اللهَ بن يوسف، قال: ثنا عبد اللهَ بن لهيعة، قال: ثنا بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الساعدي، سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "أمني جبريل ﵇ في الصلاة، فصلى الظهر بي حين زاغت الشمس، وصلى العصر حين فاءت قامة، وصلى المغرب حين غابت الشمس، وصلى العشاء حين غاب الشفق، وصلى الصبح حين طلع الفجر.
ثم أمَّني في اليوم الثاني، فصلى الظهر وفيء كل شيء مثله، وصلى العصر والفيء قامتان، وصلى المغرب حين غابت الشمس، وصلى العشاء إلى ثلث الليل الأول، وصلى الصبح حين كادت الشمس أن تطلع، ثم قال: الصلاة فيما بين هذين الوقتين".
ش: رجاله ثقات، إلا أن ابن لهيعة فيه مقال.
وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا عبد اللهَ بن الحكم، أنا ابن لهيعة، عن بُكير بن عبد اللهَ بن الأشج ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "زاغت" أي مالت، وأصل الزيني العدول، يقال: زَاغَ عن الطريق يَزِيغُ: إذا عدل عنه، ومعنى قوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (٢) أي لا تمله عن الإيمان.
стр. 1228
قوله: "فاءت قامة" أراد به حين صار ظل كل شيء مثله.
قوله: "وفيء كل شيء" جملة حالية، والفيء: الظل الذي يكون بعد الزوال، وأصل الفيء الرجوع، يقال: فاء يفيء فيئةً إذا رجع، ومنه سُمي الظل؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.
قوله: "والفيء قامتان" أراد به ظل كل شيء مثليه.
قوله: "وصلى العشاء إلى ثلث الليل، يجوز أن يكون "إلى" ها هنا بمعنى "في"، أي: صلى في ثلث الليل، ومنه قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أي في يوم القيامة، ويجوز أن يكون على بابها، ومحلها النصب على الحال، أي: وصلى العشاء حال كونه مؤخرًا إلى ثلث الليل، وهذا وقت استحباب، أما وقت الجواز ما لم يطلع الفجر، وهو قول عطاء وطاوس أيضًا، وهو مروي عن ابن عباس.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: هو وقت الضرورة، والوقت المختار إلى ثلث الليل.
ص: وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا الفضل بن موسى السيناني، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "هذا جبريل يعلمكم أمر دينكم ... " ثم ذكر مثله، غير أن قال في العشاء الآخرة: "وصلاها في اليوم الثاني حين ذهبت ساعة من الليل".
ش: إسناده صحيح.
والسيناني نسبة إلى سينان -بكسر السين المهملة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم نون بعدها ألف ثم نون أخرى- قرية من قرى مرو.
وأبو سلمة عبد اللهَ بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر على اختلاف كثير في اسمه.
стр. 1229
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو حامد محمد بن هارون، ثنا أبو عثمان الحسين بن حريث المروزي، ثنا الفضل بن موسى السيناني، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل يعلمكم دينكم فصلى ... " ثم ذكر حديث المواقيت، وقال فيه: "ثم صلى المغرب حين غربت الشمس"، وقال في اليوم الثاني: "ثم جاءه من الغد فصلى، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس في وقت واحد".
وفي طريق آخر له (٢): "ثم جاءه الغد فصلى له المغرب لوقت واحد حين غربت الشمس وحلّ فطر الصائم".
وفي طريق أخر له (٣): "أن رسول الله ﵇ حدثهم أن جبريل ﵇ أتاه فصلى الصلوات وقتين وقتين إلا المغرب، قال: فجاءني في المغرب فصل بي ساعة غابت الشمس، ثم جاءني -يعني- من الغد في المغرب فصلى بي ساعة غابت الشمس ولم يغيِّره".
قوله: "حين ذهبت ساعة من الليل" معناه: بعد ساعة مضت من غروب الشمس، ولا يجوز أن يكون معناه بعد ساعة من غروب الشمس؛ لأن بعد الغروب إلى وقت العشاء أكثر من ساعة، فافهم.
ثم اختلفت الألفاظ في هذا الموضع، ففي رواية ابن عباس وجابر: "ثلث الليل"، وفي حديث أبي هريرة هذا: "ساعة من الليل"، وفي حديث عبد اللهَ بن عمرو: "نصف الليل"، وفي حديث عائشة: "حتى ذهب عامة الليل" أرادات أكثر الليل، والكل بيان وقت الاستحباب، أما وقت الجواز إلى طلوع الفجر.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا عبد اللهَ بن
стр. 1230
الحارث، قال: ثنا ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "سأل رجل نبي الله هو عن وقت الصلاة، فقال: صلِّ معي، فصلى رسول الله ﵇ الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى الصبح فأسفر، ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه، ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى العشاء، فقال بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطر الليل".
ش: حامد بن يحيى بن هانئ البلخي نزيل طرسوس شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان وغيره، وعبد اللهَ بن الحارث بن عبد الملك القرشي روى له مسلم، وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي أبو خالد الشامي الحمصي روى له الجماعة سوى مسلم، وسليمان بن موسى القرشي الأموي الدمشقي الأسدي روى له الأربعة، قال البخاري: عنده المناكير. وقال النسائي: أحد الفقهاء وليس بالقوي في الحديث.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وهذا الحديث أخرجه خلق كثير بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة.
ولكن أحمد بن حنبل أخرجه في "مسنده" (١) نحو رواية الطحاوي: ثنا عبد الله ابن الحارث، حدثني ثور ابن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللهَ قال: "سأل رجل رسول الله ﵇ عن وقت الصلاة ... " إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "ثم صلى العشاء حين غيبوبة الشفق، ثم صلى الصبح فأسفر".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أنا عبد اللهَ بن المبارك،