وقال أبو ثور: وقتها من مغيب الشفق إلى نصف الليل.
وفي "الحاوي في فروع الحنابلة": وقت العشاء -وهي أربع ركعات- إلى الفجر الثاني، والمستحب تأخيرها إلى الثلث الأول، وعنه -أي عن أحمد-: إلى نصفه -إن سهل على المأمومين- ويحرم بعده بلا عذر في أحد الوجهين، ويكره في الآخر.
الخامس: يستفاد منه أن أول وقت الفجر عند طلوع الفجر الصادق؛ لأنه في هذا الوقت يحرم الطعام والشراب على الصائم، وآخره عند طلوع الشمس.
وقال أبو عمر: أجمع العلماء على أن وقت صلاة الصبح طلوع الفجر الثاني إذا تيقن طلوعه وهو البياض المنتشر في أفق المشرق الذي لا ظلمة بعده.
واختلفوا في آخر وقتها، فذكر ابن وهب عن مالك قال: وقت الصبح من حين يطلع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه.
وكذلك قال الشافعي: آخر وقتها طلوع الشمس لضرورة وغير ضرورة، وهو قول داود وإسحاق.
وأما سائر العلماء فجعلوا هذا وقتًا لأصحاب العذر والضرورات، وممن ذهب إلى هذا مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد.
وقال ابن القاسم عن مالك: وقت الصبح الإغلاس والنجوم بادية مشتبكة، وآخر وقتها إذا أسفر.
السادس: فيه دليل على أن الأنبياء ﵈ كانوا يصلون في هذه الأوقات، ولكن لا يلزم أن يكون قد صلى كل منهم في جميع هذه الأوقات والمعنى: أن صلاتهم كانت في هذه الأوقات.
السابع: فيه دليل على أن أوقات الصلوات الخمس فيما بين الوقتين اللذين صلى جبريل ﵇ إمامًا بالنبي ﵇ في أولها وآخرها.
فإن قيل: فعل هذا ينبغي أن لا يكون الأول والآخر منها وقتًا لها.
стр. 1227
قلت: لما صلى في أول الوقت وآخره وُجِدَ بيان منه فعلًا وبقي الاحتياج إلى بيان ما بين الأول والآخر ة فبيَّن بالقول.
وجواب آخر: أن هذا بيان للوقت المستحب؛ إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس ويؤدي أيضًا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما مع قوله ﵇ "خير الأمور أوساطها".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد اللهَ بن يوسف، قال: ثنا عبد اللهَ بن لهيعة، قال: ثنا بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الساعدي، سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "أمني جبريل ﵇ في الصلاة، فصلى الظهر بي حين زاغت الشمس، وصلى العصر حين فاءت قامة، وصلى المغرب حين غابت الشمس، وصلى العشاء حين غاب الشفق، وصلى الصبح حين طلع الفجر.
ثم أمَّني في اليوم الثاني، فصلى الظهر وفيء كل شيء مثله، وصلى العصر والفيء قامتان، وصلى المغرب حين غابت الشمس، وصلى العشاء إلى ثلث الليل الأول، وصلى الصبح حين كادت الشمس أن تطلع، ثم قال: الصلاة فيما بين هذين الوقتين".
ش: رجاله ثقات، إلا أن ابن لهيعة فيه مقال.
وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا عبد اللهَ بن الحكم، أنا ابن لهيعة، عن بُكير بن عبد اللهَ بن الأشج ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "زاغت" أي مالت، وأصل الزيني العدول، يقال: زَاغَ عن الطريق يَزِيغُ: إذا عدل عنه، ومعنى قوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (٢) أي لا تمله عن الإيمان.
стр. 1228
قوله: "فاءت قامة" أراد به حين صار ظل كل شيء مثله.
قوله: "وفيء كل شيء" جملة حالية، والفيء: الظل الذي يكون بعد الزوال، وأصل الفيء الرجوع، يقال: فاء يفيء فيئةً إذا رجع، ومنه سُمي الظل؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.
قوله: "والفيء قامتان" أراد به ظل كل شيء مثليه.
قوله: "وصلى العشاء إلى ثلث الليل، يجوز أن يكون "إلى" ها هنا بمعنى "في"، أي: صلى في ثلث الليل، ومنه قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أي في يوم القيامة، ويجوز أن يكون على بابها، ومحلها النصب على الحال، أي: وصلى العشاء حال كونه مؤخرًا إلى ثلث الليل، وهذا وقت استحباب، أما وقت الجواز ما لم يطلع الفجر، وهو قول عطاء وطاوس أيضًا، وهو مروي عن ابن عباس.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: هو وقت الضرورة، والوقت المختار إلى ثلث الليل.
ص: وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا الفضل بن موسى السيناني، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "هذا جبريل يعلمكم أمر دينكم ... " ثم ذكر مثله، غير أن قال في العشاء الآخرة: "وصلاها في اليوم الثاني حين ذهبت ساعة من الليل".
ش: إسناده صحيح.
والسيناني نسبة إلى سينان -بكسر السين المهملة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم نون بعدها ألف ثم نون أخرى- قرية من قرى مرو.
وأبو سلمة عبد اللهَ بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر على اختلاف كثير في اسمه.
стр. 1229
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو حامد محمد بن هارون، ثنا أبو عثمان الحسين بن حريث المروزي، ثنا الفضل بن موسى السيناني، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل يعلمكم دينكم فصلى ... " ثم ذكر حديث المواقيت، وقال فيه: "ثم صلى المغرب حين غربت الشمس"، وقال في اليوم الثاني: "ثم جاءه من الغد فصلى، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس في وقت واحد".
وفي طريق آخر له (٢): "ثم جاءه الغد فصلى له المغرب لوقت واحد حين غربت الشمس وحلّ فطر الصائم".
وفي طريق أخر له (٣): "أن رسول الله ﵇ حدثهم أن جبريل ﵇ أتاه فصلى الصلوات وقتين وقتين إلا المغرب، قال: فجاءني في المغرب فصل بي ساعة غابت الشمس، ثم جاءني -يعني- من الغد في المغرب فصلى بي ساعة غابت الشمس ولم يغيِّره".
قوله: "حين ذهبت ساعة من الليل" معناه: بعد ساعة مضت من غروب الشمس، ولا يجوز أن يكون معناه بعد ساعة من غروب الشمس؛ لأن بعد الغروب إلى وقت العشاء أكثر من ساعة، فافهم.
ثم اختلفت الألفاظ في هذا الموضع، ففي رواية ابن عباس وجابر: "ثلث الليل"، وفي حديث أبي هريرة هذا: "ساعة من الليل"، وفي حديث عبد اللهَ بن عمرو: "نصف الليل"، وفي حديث عائشة: "حتى ذهب عامة الليل" أرادات أكثر الليل، والكل بيان وقت الاستحباب، أما وقت الجواز إلى طلوع الفجر.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا عبد اللهَ بن
стр. 1230
الحارث، قال: ثنا ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "سأل رجل نبي الله هو عن وقت الصلاة، فقال: صلِّ معي، فصلى رسول الله ﵇ الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى الصبح فأسفر، ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه، ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى العشاء، فقال بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطر الليل".
ش: حامد بن يحيى بن هانئ البلخي نزيل طرسوس شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان وغيره، وعبد اللهَ بن الحارث بن عبد الملك القرشي روى له مسلم، وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي أبو خالد الشامي الحمصي روى له الجماعة سوى مسلم، وسليمان بن موسى القرشي الأموي الدمشقي الأسدي روى له الأربعة، قال البخاري: عنده المناكير. وقال النسائي: أحد الفقهاء وليس بالقوي في الحديث.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وهذا الحديث أخرجه خلق كثير بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة.
ولكن أحمد بن حنبل أخرجه في "مسنده" (١) نحو رواية الطحاوي: ثنا عبد الله ابن الحارث، حدثني ثور ابن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللهَ قال: "سأل رجل رسول الله ﵇ عن وقت الصلاة ... " إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "ثم صلى العشاء حين غيبوبة الشفق، ثم صلى الصبح فأسفر".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أنا عبد اللهَ بن المبارك،
стр. 1231
قال: أنا حسين بن علي بن حسين، قال: أخبرني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ قال: "أمَّني جبريل ﵇ ... " فذكر نحو حديث ابن عباس بمعناه، ولم يذكر فيه: "لوقت العصر بالأمس".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وحديث ابن عباس حسن.
وقال محمد -يعني البخاري-: أصح شي في المواقيت حديث جابر عن النبي ﵇.
وقال ابن القطان في كتابه: هذا الحديث يجب أن يكون مرسلًا؛ لأن جابرًا لم يذكر من حدَّثه بذلك وجابر لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء؛ لِمَا عُلِمَ أنه أنصاريّ، إنما صحب بالمدينة، ولا يلزم ذلك في حديث أبي هريرة وابن عباس؛ فإنهما رويا إمامة جبريل ﵇ من قول النبي ﵇.
وقال في "الإِمام": هذا إرسالٌ غير ضارّ فيبعد أن يكون جابر ﵁ قد سمعه من تابعي غير صحابي.
وأخرجه النسائي أيضًا (١): ثنا سويد بن نصر، قال: أنا عبد اللهَ، عن حسين بن علي بن حسين، قال: أخبرني وهب بن كيسان، قال: ثنا جابر بن عبد اللهَ قال: "جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ حين زالت الشمس فقال: قم يا محمد فصلّ الظهر -حين مالت الشمس- ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه العصر فقال: قم يا محمد فصلِّ العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال: قم يا محمد فصلِّ المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال: قم فصلِّ العشاء، فقام فصلاها، ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح فقال: قم يا محمد فصلِّ، فقام فصلى الصبح، ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله فقال: قم يا محمد فصلِّ، فقام فصلى الظهر، ثم جاءه جبريل ﵇
стр. 1232
حين كان فيء الرجل مثليه فقال: قم يا محمد فصلِّ العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتًا واحدًا لم يزل عنه، فقال: قم فصلِّ، فصلى المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول فقال: قم فصلِّ، فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدًّا فقال: قم فصلِّ، فصلى الصبح، فقال: ما بين هذين وقتٌ كله".
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا يوسف بن ناصح، نا قدامة بن شهاب، نا برد، عن عطاء، عن جابر. ونا إسحاق بن إبراهيم الصوَّاف، نا عمرو بن بشر، نا بردٌ، عن عطاء، عن جابر.
ونا محمد بن إسماعيل البخاري، نا أيوب بن سليمان، قال: نا أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن جابر -واللفظ لفظ برد- عن عطاء، عن جابر: "أن جبريل ﵇ أتى النبي ﵇ حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أتاه حين صار الظل قامة شخص الرجل، فتقدم جبريل ﵇ ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فتقدم جبريل ورسول الله ﵉ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله ﵇ خلفه والناس خلف رسول اللهَ ﵇، وصلى العشاء الآخرة، وأتاه حين سطع الفجر فتقدم جبريل ورسول الله ﵉ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ فصلى الغداة.
وأتاه من اليوم الثاني حين صار الظل مثل قامة شخص الرجل، فتقدم جبريل ورسول الله ﵉ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ فصلى الظهر، ثم أتاه حين صار الظل مثلي شخص الرجل فتقدم جبريل ﵇ ورسول الله ﵇ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ وصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس -لوقت واحد- فتقدم جبريل ﵇ ورسول الله ﵇ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ فصلى المغرب، ثم نمنا وقمنا إلى نحو ثلث الليل فتقدم جبريل ﵇ ورسول الله
стр. 1233
- ﵇ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ فصلى العشاء الآخرة، ثم أتاه حين أضاء الفجر -أو الصبح- فتقدم جبريل ﵇ ورسول الله ﵇ خلفه والناس خلف رسول الله ﵇ فصلى الصبح ثم قال: ما بين الصلاتين وقت. فسأل رجل رسول الله ﵇ عن الصلاة كما سألتني، فصلى بهم كما صلى بهم جبريل ﵇ ثم قال: أين السائل عن الصلاة؟ ما بين الصلاتين وقت".
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ إلا من هذه الوجوه التي ذكرناها، وقد روي عن جابر في ذكر المواقيت وبعض المواقيت بغير هذا اللفظ.
ورواه الحكم أيضًا في "مستدركه" (١) وابن حبان في "صحيحه" (٢).
قوله: "حين زاغت الشمس" أي: حين مالت عن كبد السماء شيئًا يسيرًا.
قوله: "حين كان فيء الإنسان" أي ظله.
قوله: "حين وجبت الشمس" أي حين سقطت للغروب، من الوجوب وهو السقوط والوقوع.
قوله: "قبل غيبوبة الشفق" أي قبل غيابه، وهي كالديمومة، وسيجيء الكلام في قوله: "قبل غيبوبة الشفق" فإنه معارض لرواية غيره؛ لأن غيره روى: "بعد غيبوبة الشفق".
قوله: "شطر الليل" أي نصفه، واستدل الشافعي بأحاديث جابر على أن وقت المغرب وقت واحد، وهو عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخَّر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاءً. والمحققون من أصحابه رجَّحوا قول الحنفية. وقال النووي: وهو الصحيح.
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
стр. 1234
الأول: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر.
والثاني: أن هذا متقدم في أول الأمر بمكة والأحاديث التي رويت بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها.
والثالث: أن الأحاديث التي وردت بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشمس أصح إسنادًا من هذه الأحاديث فوجب تقديمها، وتلك الأحاديث هي قوله ﵇: "فإذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق"، وفي رواية: "وقت المغرب ما يسقط نور الشفق"، وفي رواية: "ما لم يغب الشفق"، وفي رواية: "ما لم يسقط الشفق".
وكل هذه في "صحيح مسلم" (١).
ومما يستفاد منه: أن آخر الأمرين من صلاته ﵇ في الصبح هو الإسفار، فيكون مستحبًّا كما ذهبت إليه أئمتنا.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا همام، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح، قال: أخبرني رجل منهم: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ فسأله عن مواقيت الصلاة فأمره أن يشهد الصلاة معه، فصلى الصبح فعجَّل، ثم صلى الظهر فعجَّل، ثم صلى المغرب فعجَّل، ثم صلى العشاء فعجَّل، ثم صلى الصلوات كلها من الغد فأخَّر، ثم قال للرجل: ما بين صلاتين في هذين اليومين وقتٌ كله".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة.
والظاهر من قوله: "أخبرني رجل منهم" -أي من الصحابة- جابر بن عبد الله ﵁.
стр. 1235
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: "مواقيت الصلاة؟ قال: جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: مواقيت الصلاة يا رسول الله؟ قال: احضر في الصلاة اليوم وغدًا، فصلى الظهر حين زاغت الشمس، قال: ثم صلى العصر فعجّلها، ثم صلى المغرب حين دخل الليل حين أفطر الصائم، وأما العتمة فلا أدري متى صلاها. قال غير عطاء: حين غاب الشفق. قال عطاء: ثم صلى الصبح حين طلع الفجر، قال: ثم صلى الظهر من الغد فلم يصلها حتى أبرد. قلت: الإبراد الأول؟ قال: بعد، وبعد ممسيًا، قال: ثم صلى العصر بعد ذلك يؤخرها. قلت: فأي تأخير؟ قال: ممسيًا قبل أن تدخل الشمس صفرة. قال: ثم صلى المغرب حين غاب الشفق. قال: ولا أدري أي وقت صلى العتمة. قال غيره: صلى لثلث الليل. قال عطاء: ثم صلى الصبح حين أسفر، فأسفر بها جدًّا. قلت: أيّ حين؟ قال: قبل حين تفريطها قبل أن يحين طلوع الشمس، ثم قال النبي ﵇: أين الذي سألني عن وقت الصلاة -يعني- فأتي به فقال ﵇: أحضرت معي الصلاة اليوم وأمس؟ قال: نعم. قال: فصلها ما بين ذلك. قال: ثم أقبل عليَّ فقال: إني لأظنه كان يصليها فيما بين ذلك -يعني النبي ﵇".
قوله: "أن يشهد الصلاة" أي أن يحضرها؛ لأن معنى الشهود الحضور.
قوله: "فصلى الصبح فعجَّل ... " إلى آخره، أراد أنه ﵇ صلى في اليوم الأول الصلوات كلها في أول أوقاتها من غير تأخير، وصلى في اليوم الثاني في آخر وقتها من غير تفريط، وبيَّن فعله ﵇ أول الأوقات وآخرها وبقوله: "ما بين ذلك" حيث قال: "ما بين صلاتيَّ في هذين اليومين وقت كله"، فقوله: "ما بين" مبتدأ وخبره قوله: "وقتٌ كله".
ص: حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: ثنا بدر بن عثمان، قال: حدثني أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "أتاه سائل فسأله عن مواقيت
стр. 1236
الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا، فأمر بلالًا فأقام الفجر حين انبثق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول: انتصف النهار أو لم، وكان أعلم منهم، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت، ثم أخّر الظهر حتى كان قريبًا من العصر، ثم أخّر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: احمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخّر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: الوقت فيما بين هذين".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري وغيره، وأبو بكر بن أبي موسى الأشعري اسمه عمرو ويقال: عامر، واسم أبي موسى عبد اللهَ بن قيس الأشعري.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن عبد اللهَ بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا بدر ابن عثمان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله ﵇: "أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئًا، قال: فأقام الفجر ... " إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه النسائي أيضًا (٢): ثنا عبدة بن عبد الله وأحمد بن سليمان، قالا: ثنا أبو داود، عن بدر بن عثمان، قال: أملى عليّ أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: "أتى النبي ﵇ سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئًا، فأمر بلالًا فأقام بالفجر حين انشق، ثم أمره بالظهر ... " إلى آخره نحوه.
قوله: "فأقام بالفجر" أي بصلاة الفجر.
стр. 1237
"حين انشق الفجر" أي حين طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق.
قوله: "والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا" جملة اسمية وقعت حالًا.
قوله: "فأقام الظهر" أي صلاة الظهر.
قوله: "والقائل يقول" أيضًا جملة حالية.
قوله: "أو لم" أي: أو لم ينتصف، وقد ذكر النحاة أن لم لا يحذف الفعل منها إلا للضرورة كما قال ابن عمر -وهو ابن هرمة-:
احفظ وديعتك التي استودعتها ... يوم الأعارب إن وصلت وإن لم
أي: وإن لم توصل، ولكن الحديث يرده؛ لأنه جاء الحذف فيه من غير ضرورة.
قوله: "والشمس مرتفعة" جملة حالية أيضًا.
قوله: "حين وقعت الشمس" أي: حين سقطت للغروب.
قوله: "أو كادت" أي: وكادت تطلع الشمس.
قوله: "والقائل يقول" جملة حالية أيضًا.
قوله: "حتى كان عند سقوط الشفق" أراد به قريبًا من غروب الشفق؛ لأن عند سقوط الشفق حقيقة يخرج وقت المغرب.
قوله: "حتى كان ثلث الليل الأول" برفع الأول؛ لأنه صفة للثلث لا لليل، فافهم.
قوله: "فيما بين هذين" أي هذين الوقتين اللذين صلى فيهما في اليومين.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇: "أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال: صلِّ معنا. قال: فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن ثم أمره فأقام الظهر ثم أمره فأقام العصر والشمس بيضاء نقية مرتفعة، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء
стр. 1238
حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان في اليوم الثاني أمره فأذن للظهر فابرد بها فأنعم أن نبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخّرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال: وقت صلاتكم فيما بين ما رأيتم".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وإسماعيل بن سالم الصائغ شيخ مسلم وغيره، وبريدة بن الحُصَيب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين بن عبد اللهَ الأسلمي الصحابي.
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب وعبد الله بن سعيد، كلاهما عن الأزرق -قال زهير: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق- قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇: "أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صلِّ معنا هذين -يعني اليومين- فلما زالت الشمس أمر بلالًا ... " إلى آخره نحوه رواية الطحاوي سواء.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا أحمد بن منيع والحسن بن الصباح البزار وأحمد بن محمد ابن موسى -المعنى واحد- قالوا: أنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "أتى النبي ﵇ رجل فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: أقم معنا إن شاء الله، فأمر بلالًا فأقام حين طلع الفجر، ثم أمره فأقام حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس، ثم أمره بالعشاء فأقام حين غاب الشفق، ثم أمره من الغد فنوَّر بالفجر، ثم أمره بالظهر فأبرد وأنهم أن يبرد، ثم أمره بالعصر فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت، ثم أمره فأخّر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق، ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث
стр. 1239
الليل، ثم قال: أين السائل عن مواقيت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا، فقال: مواقيت الصلاة كما بين هذين".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال: وقد رواه شعبة، عن علقمة ابن مرثد أيضًا.
وأخرجه النسائي: أنا عمرو بن هشام، قال: ثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ فسأله عن وقت الصلاة فقال: قم معنا هذين اليومين فأمر بلالًا فأقام عند الفجر فصلى الفجر، ثم أمره حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره حين رأى الشمس بيضاء فأقام العصر، ثم أمره حين وقع حاجب الشمس فأقام المغرب، ثم أمره حين غاب الشمس فأقام العشاء، ثم أمره من الغد فنوّر بالفجر، ثم أبرد بالظهر وأنعم أن يبرد، ثم صلى العصر والشمس بيضاء وأخَّر عن ذلك، ثم صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، ثم أمره فأقام العشاء حين ذهب ثلث الليل فصلاها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم".
قوله: "والشمس بيضاء" جملة حالية، وأراد ببياضها ونقاوتها: قوة نورها، وذلك إنما يكون قبل الاصفرار.
قوله: "فأنعم أن يبرد بها" أراد به أنه أطال الإبراد بها وأخّر الصلاة، من قولهم: أنعم النظر في الشيء إذا أطال التفكر فيه.
قوله: "والشمس مرتفعة" جملة حالية أيضًا، أراد به قبل الاصفرار أيضًا، ولكن أخّرها فوق الذي كان في اليوم الأول.
قوله: "وقت صلاتكم" كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله: "فيما بين ما رأيتم"، وإنما قال هذا القول لأنه ﵇ بيَّن بفعله أول الأوقات وآخرها، وبيَّن بقوله: "ما بينهما" ليكون بيانًا للجميع بالفعل والقول.
стр. 1240
ويستفاد منه أحكام:
الأول: علم منه جميع الأوقات أولها وآخرها.
الثاني: ذكر بعضهم أن فيه دليلًا على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة؛ لأنه ﵇ أحال ذلك على أن يصلي معه، وقال الباجي: ليس هذا من تأخير البيان الذي يتكلم شيوخنا في جواز تأخيره عن وقت الخطاب بالعبادة إلى وقت الحاجة وهو مذهب الباقلاني والجمهور، ومنعه الأبهري وغيره؛ لأن الخطاب هنا بالصلاة وبيان أحكامها قد تقدم قبل هذا السائل، فلم يسأل إلا عما ثبت بيانه وعرف حكمه، ولا خلاف أن للنبي ﵇ أن يؤخر جواب السائل له عن وقت سؤاله وأن لا يجبه أصلًا، وقد فعل ذلك في مسائل كثيرة، ولا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولم يتكلم الشيوخ في وجه تأخيره ﵇ مع جواز موته قبل التعليم، فقيل: يحتمل أنه أوحي إليه بأن ذلك لا يكون قبل الإعلام؛ لأن العادة غالبًا في مثل هذا، وظاهر الأمر حياته هذين اليومن، واستصحاب حال السلامة وفيه حجة على الشافعي في جعله وقت المغرب وقتًا واحدًا ضيقًا مقدار ما يسع فيه أداء ثلاث ركعات؛ لأنه ﵇ صلى المغرب في اليوم الأول حين غابت الشمس، ثم صلاها في اليوم الثاني قبل أن تغيب فالوقت من غروب الشمس إلى غروب الشفق وقت مديد يسع فيه صلوات كثيرة.
ثم اعلم أن الطحاوي أخرج أحاديث هذا الباب عن ستة من الصحابة وهم: ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وجابر بن عبد اللهَ وأبو موسى الأشعري وبريدة ابن الحُصَيْب ﵃.
ولما أخرج الترمذي حديث ابن عباس قال: وفي الباب عن أبي هريرة وبريدة وأبي موسى وأبي مسعود الأنصاري وأبي سعيد وجابر وعمرو بن حزم والبراء وأنس.
قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمر أيضًا.
стр. 1241
فحديث أبي مسعود ﵁ عند الطبراني في "الكبير" (١) بإسناد لا بأس به: "أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﵇ حين دلكت الشمس فقال: يا محمَّد صلِّ العصر، فقام وصلى، ثم أتاه جبريل حين غربت الشمس فقال: يا محمد صلِّ المغرب، فصل، ثم أتاه جبريل حين غاب الشفق وقال: يا محمد قم فصلِّ العشاء، فقام فصلى، ثم أتاه حين انشق الفجر فقال: يا محمد قم فصلِّ الصبح فقام فصلى ثم أتاه الغد وظل كل شيء مثله فقال: يا محمد قم فصلِّ الظهر، فقام فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل كل شيء مثليه فقال: يا محمد صلِّ العصر، فقام فصلى، ثم أتاه حين غربت الشمس وقتًا واحدًا فقال: يا محمد صلِّ المغرب، فقام وصلى، ثم أتاه حين ذهب ساعة من الليل فقال: يا محمد قم فصلِّ، ثم أتاه حين أسفر فقال: يا محمد صلِّ الصبح فقام فصلى ثم قال: ما بين هذين وقت".
وأخرجه إسحاق بن راهويه أيضًا في "مسنده".
وحديث عمرو بن حزم عند عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: "أن جبريل ﵇ نزل فصلى بالنبي ﵇ صلاة الظهر- وصلى النبي ﵇ بالناس -حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء بعد ذلك كأنه يريد ذهاب الشفق، ثم صلى الفجر بغلس حين فجر الفجر.
قال: ثم نزل جبريل ﵇ الغد فصلى بالنبي ﵇ وصلى النبي ﵇ بالناس الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس لوقتٍ واحد، ثم صلى العشاء بعد ما ذهب
стр. 1242
هوي من الليل، ثم صلى الفجر بعد ما أسفر بها جدًّا، ثم قال: فيما بين هذين [الوقتين وقت] (١) ".
وحديث البراء عند أبي يعلى الموصلي في "مسنده" (٢) بإسناده عن البراء بن عازب قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ يسأله عن مواقيت الصلاة فأمر بلالًا فقدَّم وأخَّر، وقال: الوقت ما بينهما".
وحديث أنس ﵁ عند الدارقطني في "سننه" (٣): ثنا أبو طالب أحمد بن نصر ابن طالب، ثنا أبو حمزة إدريس بن يونس بن يناق الفراء، ثنا محمد بن سعيد بن جدار، ثنا جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس ﵁: "أن جبريل ﵇ أتى النبي ﵇ بمكة حين زالت الشمس فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم، فقام جبريل أمام النبي ﵇ وقام الناس خلف رسول الله ﵇ قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، يأتم الناس برسول الله ﵇ ويأتم رسول الله ﵇ بجبريل، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيهما بالقراءة، يأتم المسلمون برسول الله ﵇ ويأتم رسول الله ﵇ بجبريل ﵇، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات يجهر في الأوليين بالقراءة ولا يجهر في الآخرين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة".
وحديث عبد الله بن عمر ﵄ عند الدارقطني أيضًا (٤): ثنا ابن الصواف، نا الحسين بن فهو بن حماد البزاز، ثنا الحسن بن حماد سجادة، ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن عتبة بن مسلم، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لما فرضت
стр. 1243
الصلاة نزل جبريل ﵇ على النبي ﵇ فصلى به الظهر -وذكر المواقيت وقال-: فصلى به المغرب حين غابت الشمس، وقال في اليوم الثاني: فصلى به المغرب حين غابت الشمس".
ص: فأما ما روي عن رسول الله ﵇ في هذه الآثار في صلاة الفجر فلم يحتلفوا عنه فيه أنه صلاها في اليوم الأول حين طلع الفجر وهو أول وقتها، وصلاها في اليوم الثاني حين كادت الشمس أن تطلع، وهذا اتفاق المسلمين أن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وآخر وقتها حين تطلع الشمس.
ش: لما فرغ عن سوق أحاديث هذا الباب شرع يتكلم فيها مما وقع عليه الاتفاق والاختلاف وفي بيان معاني الأحاديث المذكورة وكيفية استنباط الأحكام منها فقدم الكلام أولًا في الفجر؛ لأنه حكم اتفاقي ليس فيه خلاف ولهذا قال: وهذا اتفاق المسلمين: أن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر أي أول وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، وقد تكلمنا في هذا الموضع بما فيه الكفاية في معنى حديث ابن عباس ﵄ في أول الباب.
ص: وأما ما ذكر عنه في صلاة الظهر فإنه ذكر عنه أنه صلاها حين زالت الشمس، وعلى ذلك اتفاق المسلمين أن ذلك هو أول وقتها، وأما آخر وقتها فإن ابن عباس وأبا سعيد وجابرًا وأبا هريرة ﵃ رووا أنه صلاها في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله، فاحتمل ذلك على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله، وهذا جائز في اللغة، قال الله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) فلم يكن ذلك الإمساك والتسريح مقصودًا به أن يفعل بعد بلوغ الأجل؛ لأنها بعد بلوغ الأجل قد بانت وحرم عليه أن يمسكها، وقد بيَّن الله في موضع آخر فقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٢)، فأخبر الله أن لهن بعد بلوغ أجلهن أن ينكحن، فثبت بذلك أن
стр. 1244
ما جعل للأزواج عليهن في الآية الأخرى إنما هو في قرب بلوغ الأجل لا بعد بلوغ الأجل، فكذلك ما روي عمن ذكرنا عن رسول الله ﵇ أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله يحتمل أن يكون على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله، فيكون الظل إذا صار مثله قد خرج وقت الظهر، والدليل على ما ذكرنا من ذلك: أن الذين ذكروا هذا عن النبي ﵇ قد ذكروا عنه في هذه الآثار أيضًا أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، ثم قال: "ما بين هذين وقت" فاستحال أن يكون بينهما وقت وقد جمعهما في وقت واحد، ولكن معنى ذلك عندنا -واللهَ أعلم- على ما ذكرنا، وقد دلّ على هذا أيضًا ما في حديث أبي موسى، وذلك أنه قال فيما أخبر عن صلاته ﵇ في اليوم الثاني: "ثم أخَّر الظهر حتى كان قريبًا من العصر، فأخبر أنه إنما صلاها في ذلك اليوم في قرب دخول وقت العصر لا في وقت العصر.
فثبت بذلك إذْ أجمعوا في هذه الروايات أن بعد ما يصير ظل كل شيء مثله وقتٌ للعصر؛ أنه محال أن يكون وقتًا للظهر؛ لإخباره أن الوقت الذي لكل صلاة فيما بين صلاتيه في اليومين.
وقد دلّ على ذلك أيضًا ما قد حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر".
فثبت بذلك أن دخول وقت العصر بعد خروج وقت الظهر.
ش: حاصل هذا الكلام: أنه بيَّن أنه اختار أن وقت الظهر يمتد إلى صيرورة ظل كل شي مثله كما قال به الجمهور خلافًا لأبي حنيفة فيما روى محمد بن الحسن عنه: أنه يمتد إلى صيرورة ظل كل شيء مثليه.
بيان ذلك: أن قول ابن عباس وأبي سعيد وجابر وأبي هريرة أنه ﵇ صلاها في اليوم الثاني حين كان ظل كل شي مثله يحتمل أمرين:
стр. 1245
الأول: أن يكون قد صلاها بعد إنتهاء ظل كل شيء مثله؛ فيكون وقت صيرورة ظل كل شيء مثله وقتًا للظهر بعد.
والثاني: يحتمل أن يكون المراد أنه صلاها على قرب صيرورة ظل كل شيء مثله، فحينئذٍ يخرج وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله، وهذا ظاهر.
ثم أيَّد صحة هذا الاحتمال بقوله: "وهذا جائز في اللغة" يعني ذكر الشيء، والمراد منه: ما يقرب منه لا حقيقة ذلك الشيء، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) فإن المراد منه: إذا قربن بلوغ أجلهن وشارفن منتهى عدتهن، وليس المراد حقيقة بلوغ الأجل الذي هو العدة؛ لأن بعد إنتهاء العدة تَبِينُ المرأة عنه ويحرم عليه بعد ذلك إمساكها؛ لأنها غير زوجة له حينئذٍ، وفي غير عدة منه، فلا يبقى له سبيل عليها، فَعُلِمَ أن المراد: إذا شارفن وقربن بلوغ العدة أمسكوهن بمعروف بأن يُرَاجَعْن من غير طلب ضرار بالمراجعة، أو سرحوهن حتى تنقضي عدتهن، وبيَّن من غير ضرار.
ثم أكثر ما ذكره من التأويل والتوجيه بثلاثة أشياء:
الأول: أن الصحابة ﵃ الذين ذكروا عن النبي ﵇ أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله ثم قال ﵇: "ما بين هذين وقت"، فمن المحال والمستبعد أن يكون ما بينهما وقت والحال أنه جمعهما في وقت واحد، فَعُلم أن المراد: أنه صلى الظهر في اليوم الثاني على شرف صيرورة ظل كل شيء مثله، وعلى قرب منها.
الثاني: أن حديث أبي موسى لا يصح دليلًا على ذلك؛ لأنه أخبر عن صلاته ﵇ في اليوم الثاني بقوله: "ثم أخّر الظهر حتى كان قريبًا من العصر" أنه إنما صلاها في ذلك اليوم في قرب دخول وقت العصر لا في وقت العصر، فثبت بذلك أن ما بعد ذلك صيرورة ظل كل شيء مثله وقت للعصرة فمحال ومستبعد أن يكون ذلك وقتًا للظهر.
стр. 1246
الثالث: أن حديث أبي هريرة يدل على أن وقت العصر بعد خروج وقت الظهر، وقد ثبت في الآثار المذكورة أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، فيكون انتهاء هذا ابتداء وقت العصر، وهذا واضح لمن له فطانة، واللهَ أعلم.
ثم إسناد حديث أبي هريرة صحيح.
والأعمش هو سليمان، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا هناد، قال: ثنا محمد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وان أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وان أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس".
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٢): عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇ ... إلى، آخره نحوه.
قوله: "إن للصلاة أولًا وآخرًا" معناه أن الصلاة المفروضة تكون في وقت محدد له ابتداء وانتهاء، ولقد بيَّن في هذا الحديث أوائل الصلوات الخمس وأواخرها، غير أنه قال: "وآخر وقتها" أي وقت صلاة الظهر "حين يدخل وقت العصر، وأن أول وقت العصر حين يدخل وقتها"، ولم يبيِّن في ذلك انتهاء وقت الظهر ما هو حتى نعلم ابتداء وقت العصر؛ وذلك لما سبق بيانه.
وتقريره عندهم: أنه ﵇ بيَّن ذلك قولًا وفعلًا كما في الآثار المذكورة.
قوله: "حين تصفرّ الشمس" أراد به وقت الجواز والضرورة، وإلا فالوقت المستحب في العصر إلى ما قبل اصفرار الشمس.
стр. 1247
قوله: "حين يغيب الأفق" أي الشفق، وقد جاء في رواية "حين يغيب الشفق".
قوله: "وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل" أراد وقت القضاء والاستحباب وإلا فقد ثبت بالآثار المذكورة أن آخر وقت العشاء إلى أن يطلع الفجر.
قوله: "حين يطلع الفجر" أراد به الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، والله أعلم.
ص: وأما ما ذُكر عنه في صلاة العصر فلم يختلف عنه أنه صلاها في أول يوم في الوقت الذي ذكرنا عنه، فثبت أن ذلك هو أول وقتها، وذكر عنه أنه صلاها في اليوم الثاثي حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم قال: "إن الوقت فيما بين هذين" فاحتمل أن يكون ذلك هو آخر وقتها الذي إذا خرج فأتت. واحتمل أن يكون هو الوقت الذي لا ينبغي أن تؤخر الصلاة حتى يخرج، وأن من صلاها بعده -وإن كان قد صلاها في وقتها- مفرط؛ لأنه قد فاته في وقتها ما فيه الفضل، وإن كانت لم تفت بعد، وقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة ولم تفته، وَلَمَا فاته من وقتها خيرٌ له من أهله وماله".
فثبت بذلك أن الصلاة في خاص من الوقت أفضل من الصلاة في بقية ذلك الوقت، فيحتمل أن يكون الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخر العصر حتى يخرج هذا الوقت الذي صلاها رسول الله ﵇ في اليوم الثاني، وقد دل على ما ذكرنا ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس".
ش: أي لم يختلف عن النبي ﵇ أنه صلى صلاة العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله كما مرّ في الآثار المذكورة، فثبت بذلك أن ذلك هو أول وقت العصر، وبقي الكلام في أنه ﵇ صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، فهذا يحتمل أمرين:
стр. 1248
الأول: أن يكون ذلك هو آخر وقتها الذي إذا خرج هذا فأتت العصر.
والثاني: يحتمل أن يكون هو الوقت الذي لا ينبغي أن تؤخر الصلاة إلى حين خروج ذلك الوقت، وأن الذي يصليها بعد ذلك الوقت وإن كان قد صلاها في وقتها مفرط مقصر لما فاته من فضيلة ذلك الوقت وإن كانت لم تفت بعد، ألا ترى إلى ما روي عنه ﵇ أنه قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة ولم تفته ... " الحديث، يدل على أن الصلاة في خاص من الوقت أي في جزء معين منه أفضل من الصلاة في بقية ذلك الوقت؟! فيحتمل أن يكون الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخر العصر حتى يخرج هذا الوقت هو الذي صلاها رسول الله ﵇ فيه في اليوم الثاني، وإلى هذا ذهبت طائفة فقالوا: لا ينبغي أن يؤخر العصر إلى ما بعد صيرورة ظل كل شي مثليه، وحكى ابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك: أن آخر وقت العصر أن يكون ظل كل شي مثليه، فكأنه لاحظ ما ذكرنا من الاحتمال الأول.
وقال أبو عمر: هذا عندنا وقت الاختيار، وقد ذكر ابن وهب عن مالك أنه قال: آخر وقتها غروب الشمس. وقد قال أيضًا ابن وهب عن مالك: وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس. وهذا عندنا أيضًا على أصحاب الضرورات.
وقال الشافعي: أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شي مثله بشيء ما كان، ومن أخَّر العصر حتى يجاوز ظل كل شي مثليه في الصيف أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته الاختيار، ولا يجوز أن يقال: قد فاته العصر مطلقًا كما جاز على الذي أخّر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شي مثله. قال: وإنما قلت ذلك لحديث أبي هريرة عن النبي ﵇: "من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها" (١).
قوله: "هذا الوقت الذي صلاها رسول الله ﵇" خبر لقوله: "فيحتمل أن يكون الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخر".
قوله: "وقد دلّ على ما ذكرنا" أراد به ما ذكره من قوله: "فثبت أن ذلك أول وقتها"، وما ذكره من قوله: "وأن من صلاها بعده وإن كان قد صلاها في وقتها".
стр. 1249
والحديث الذي ذكره معلقًا أخرجه مالك في "الموطإ" (١) موقوفًا: عن يحيى بن سعيد أنه كان يقول: "إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله".
قال أبو عمر: هذا موقوف في "الموطأ"، ويستحيل أن يكون مثله رأيًا فكيف وقد روي مرفوعًا بإسناد حسن! رواه ابن أبي ذئب عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، كذا قال في "التمهيد" (٢)، وقد نقل بعضهم عن أبي عمر أنه قال: قد روي هذا الحديث من وجوه ضعيفة عن النبي ﵇ منها عن يحيى بن سعيد، عن يعلى بن مسلم، عن طلق بن حبيب، عن النبي ﵇ مرسل. وطلق ثقة إلا أنه مرجئ، ومالك لا يرضى مذهبه، قال: وقد روي مسندًا إلا انه يدور على يعقوب بن الوليد وهو متروك الحديث، فتأمل ما بين الكلامين من التفاوت.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) مرسلًا، وقال عبد الرزاق: عن ابن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن يعلى بن مسلم، عن طلق بن حبيب، قال: قال رسول الله ﵇: "إن أحدكم -أو إن الرجل منكم- ليصلي الصلاة وما فاتته ولما فاته من وقتها خير له من مثل أهله وماله".
قوله: "لم تفته" يعني لم تكن صلاته فائتة؛ لأنه أداها في وقتها، ولكن ما أداها في وقتها الذي فيه الفضيلة والاستحباب، وهو معنى قوله: "ولما فاته من وقتها" أي: وللذي فاته من فضيلة وقتها هو خير له من أهله وماله.
стр. 1250
قال أبو عمر: هذا يدل على أن أول الوقت أفضل. وقال أيضًا: كان مالك فيما حكى عنه ابن القاسم لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا، وأظن ذلك -والله أعلم- من أجل قوله ﵇: "ما بين هذين وقت" فجعل أول الوقت وآخره وقتًا، ولم يقل: أوله أفضل، وكان مالك لا يرول بين أول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يشبه مصيبة من فاته ذلك بمصيبة من ذهب أهله وماله؛ لأن ذلك إنما ورد في ذهاب الوقت كله، هذا معنى قول مالك، والله أعلم؛ لأن في هذا الحديث أن فوات بعض الوقت كفوات الوقت كله، وهذا لا يقوله أحد من العلماء لا من فضَّل أول الوقت على آخره ولا مَنْ سوَّى بينهما؛ لأن فوات بعض الوقت مباح وفوات كل الوقت لا يجوز ففاعله عاصٍ لله تعالى إذا تعمد ذلك، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره، وإن كان من صلى في أول الوقت أفضل، وتدبر هذا تجده كذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: "وقد دلّ على ما ذكرنا" أي على ما ذكرنا من قولنا: فثبت بذلك أن الصلاة خاص من الوقت أفضل من الصلاة في بقية ذلك الوقت، بيان ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ وهو قوله ﵇: "وإن أخّر وقتها حين تصفر الشمس" فإنه يدل على أن الصلاة قبل اصفرار الشمس أفضل من الصلاة في حالة الاصفرار؛ وإن كان كل ذلك وقت العصر، ويدل على أن الذي يصلي في حالة الاصفرار مقصِّرٌ لما فاته من فضيلة الوقت المستحب حين تصفر الشمس.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة هذا عن قريب بهذا الإسناد بعينه، ولكنه قطَّعه لأجل تطبيق الاستدلال على المدعى، وقد ذكرنا أن الترمذي أخرجه بأتم منه فليراجع هناك.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيب بن ناصح، قال: ثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﵇ قال: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس".
стр. 1251
ش: إسناده صحيح.
والخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- وأبو أيوب اسمه يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك العتكي.
وأخرجه مسلم بأتم منه (١): حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا عبد الصمد، قال: أنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان".
واعلم أن ألفاظ هذا الحديث مختلفة، ففي رواية عبد الله بن عَمرو بن العاص هذا "ما لم تصفر الشمس"، وفي رواية أبي هريرة: "حين تصفر الشمس"، وفي "الأم": "إلى أن تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول"، وفي حديث بريدة في الوقتين "أنه صلاها في اليوم الثاني والشمس مرتفعة"، وفي الرواية الأخرى "بيضاء نقية لم تخالطها صفرة"، وفي حديث أبي موسى: "وانصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس"، ومثله في حديث جبريل ﵇، وفي الأحاديث الأُخر: "مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها".
وبحسب هذا الاختلاف اختلف العلماء فيه كما قد ذكرناه، والتحقيق فيه: أن الكل يدل على وقت الاختيار غير قوله: "من أدرك ركعة من العصر ... " الحديث، فإنه محمول على وقت الضرورة.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة،
стр. 1252
عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال شعبة: حدثنيه ثلاث مرار، رفعه مرة ولم يرفعه مرتين، فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح: عن ابن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك ابن عمرو البصري العقدي -بفتح العين المهملة وفتح القاف- نسبة إلى عقد بطن من بجيلة، وقد تكرر ذكره.
وأخرجه مسلم أيضًا (١): ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثني أبي، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب واسمه يحمل بن مالك الأزدي ويقال: المراغي، والمراغ حي من الأزد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ قال: "وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم يطلع الفجر".
ثنا زهير بن حرب، قال: نا أبو عامر العقدي.
وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد، وفي حديثهما قال شعبة: رفعه مرةً ولم يرفعه مرتين.
ص: ففي هذا الأثر أن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وذلك بعد ما يصير الظل قامتين، فدل ذلك أن الوقت الذي قصده النبي ﵇ في الآثار الأُوَل من وقتها هو وقت الفضل لا الوقت الذي إذا خرج فأتت الصلاة بخروجه؛ حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد.
ش: أي ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هذا: أن آخر وقت العصر حين تصفر الشمس، وذلك لا يكون إلا بعد ما يصير ظل كل شي مثليه، فدلّ ذلك أن الوقت الذي قصده النبي ﵇ في الأحاديث الأوُل التي تدل ظاهرًا على انتهاء وقت العصر عند إنتهاء صيرورة ظل كل شي مثليه؛ هو وقت الفضيلة والاستحباب لا
стр. 1253
الوقت الذي إذا خرج تقع الصلاة بخروجه فائتة، وإنما قلنا ذلك حتى تتفق تلك الأحاديث مع حديث عبد الله بن عمرو ولا تتضادّ؛ لأن بينهما تضادًّ ظاهرًا لا يخفى، فدفعه بما قلنا يفيد العمل بالأحاديث كلها؛ لأنا حملنا الأحاديث الأول على وقت الفضل والاستحباب لا الوقت الذي إذا خرج فأتت الصلاة بخروجه، وحملنا حديث عبد الله بن عمرو وأمثاله على وقت التفريط الذي إذا صلى فيه يكون أداءً، ولكنه يكون مفرطًا حيث فوّت ما فيه من الفضل والاستحباب.
ص: غير أن قومًا ذهبوا إلى أن آخر وقتها غروب الشمس، واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇ قال: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: [ثنا] (١) سعيد، أخبرنا [عن] (١) معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار وبسر بن سعيد وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 1254
قالوا: فلما كان من أدرك من العصر ما ذكر في هذه الآثار صار مدركًا لها؛ ثبت أن أخر وقتها هو غروب الشمس، وممن قال ذلك: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ﵏.
ش: أشار بهذا الإسناد إلى أن مذهب طائفة من الفقهاء أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس، وأن الذي يؤخر صلاة العصر عن صيرورة ظل كل شي مثليه غير مفرط.
وأراد بالقوم هؤلاء: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر بن الهذيل ومالكًا في رواية ابن وهب؛ فإنهم قالوا: آخر وقت العصر هو غروب الشمس، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة وعائشة ﵄؛ لأنه ﵇ قال: "من أدرك ركعة من العصر أو ركعتين قبل أن تغرب الشمس، صار مدركًا لها".
فثبت بذلك أن آخر وقتها هو غروب الشمس؛ لأن معنى قوله ﵇: "فقد أدرك" أي وجوبها، حتى إذا أدرك الصبي أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض، تجب عليه صلاة العصر ولو كان الوقت الذي أدركه جزءًا يسيرًا لا يتسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس.
فإن قلت: قيد في الحديث ركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها.
قلتُ: قيد الركعة في الحديث خرج مخرج الغالب؛ فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة ونحوها، حتى قال بعضهم من الشافعية: إنما أراد رسول الله ﵇ بذكر الركعة البعض من الصلاة؛ لأنه قد روي عنه: "من أدرك ركعة من العصر"، و"من أدرك ركعتين من العصر"، و"ومن أدرك سجدة من العصر"، فأشار إلى بعض الصلاة مرة بركعة، ومرة بركعتين، ومرة بسجدة، والتكبيرة في حكم الركعة؛ لأنها بعض الصلاة، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة.
فإن قيل: المراد من السجدة: الركعة.
стр. 1255
على ما روى مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة، كلاهما عن ابن وهب -والسياق لحرملة- قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، عن عائشة ﵂ قالت: قال: رسول الله [﵇] (٢): "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها". والسجدة إنما هي الركعة.
قلت: قد فسر السجدة بالركعة حرملة، وكذا فسر في "الأم" لأنه يعبر بكل واحد منهما عن الآخر، وأيًّا ما كان فالمراد بعض الصلاة وإدراك شيء منها، وهو يطلق على الركعة والسجدة وما دونها مثل تكييرة الإحرام.
وحديث: "من أدرك سجدة" رواه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا معاوية، ثنا زائدة، نا عبد الله بن ذكوان أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "من أدرك قبل طلوع الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة ومن أدرك قبل غروب الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة".
ثم إن الطحاوي ﵀: أخرج حديث أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان السمان، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٤): ثنا وهب، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك من العصر ركعتين أو ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك".
стр. 1256
وأخرجه أحمد (١): عن محمد بن جعفر، [عن شعبة] (٢)، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك، ومن أدرك ركعة أو ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك".
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن معمر بن راشد، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة عن النبي ﵇.
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها".
وأخرجه مسلم (٣): عن عبدبن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر -بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة- بن عمر بن الحكم الزهراني، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم القرشي أحد مشايخ أبي حنيفة، عن عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة زوج النبي ﵇.
وعن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- بن سعيد المدني العابد، وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁.
стр. 1257
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
ومسلم (١): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره نحوه.
والترمذي (٢): عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك ... إلى آخره.
وابن ماجه (٣): عن محمد بن الصباح، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج يحدثونه، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (٤) من حديث ابن عباس عن أبي هريرة: ثنا الحسن بن الربيع، حدثني ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك".
وأما حديث عائشة ل فقد أخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم: عن يونس ابن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة، عن النبي ﵇.
وأخرجه النسائي (٥): أنا محمد بن رافع، قال: ثنا زكريا بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇ قال: "من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها".
стр. 1258
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أحمد بن عمرو بن السرح وحرملة بن يحيى، قالا: نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدركها".
ويستنبط منه أحكام:
الأول: استدل به أبو حنيفة ومن تبعه ممن ذكرناهم أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس؛ لأن من أدرك منه ركعة أو ركعتين مدرك له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر؛ لأن معنى قوله: "فقد أدرك" أدرك وجوبها، حتى إذا أدرك الصبي قبل غروب الشمس، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو طهرت الحائض؛ تجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءا يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس.
وقال زفر: لا تجب ما لم يجد وقتًا يسع فيه الأداء حقيقة.
وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا:
أحدهما: لا بد منه.
والآخر: يلزمه، وهو أصحهما.
وقال أبو عمر: قال مالك: إذا طهرت المرأة قبل الغروب فإن كان بقي عليها من النهار قدر ما تصلي فيه خمس ركعات صلت العصر، وإذا طهرت قبل الفجر وكان ما بقي عليها من الليل قدر ما تصلي أربع ركعات -ثلاثًا للمغرب وركعة من العشاء- صلت المغرب والعشاء، وإن لم يبق عليها إلا ما تصلي فيه ثلاث ركعات صلت العشاء، ذكره أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب عن مالك، وقال ابن وهب: سالت مالكًا عن المرأة تنسى -أو تغفل عن- صلاة الظهر فلا تصليها
стр. 1259
حتى تغشاها الحيضة قبل غروب الشمس. فقال مالك: لا أرى عليها قضاء للظهر والعصر إلا أن تحيض بعد غروب الشمس.
وقال الشافعي وابن عُلية: لو أن امرأة حاضت في أول وقت الظهر بمقدار ما يمكنها فيه صلاة الظهر ولم تكن صلّت؛ لزمها قضاء صلاة الظهر؛ لأن الصلاة تجب بأول الوقت.
وقال الشافعي: وإن حاضت وقد مضى من الوقت قدر ما لا يمكنها فيه الصلاة بتمامها لم يجب عليها قضاؤها، كما لو حاضت وهي في الصلاة في أول وقتها لم يكن عليها إعادتها.
وقال مالك: من أغمي عليه في وقت صلاة حتى ذهب وقتها، ظهرًا كانت أو عصرًا -فقال: الظهر والعصر وقتها في هذا إلى مغيب الشمس- فلا إعادة عليه، وكذلك المغرب والعشاء وقتهما الليل كله.
وقول الليث في المغمى عليه والحائض كقول مالك سواء.
وقال مالك: إذا طهرت قبل غروب الشمس فاشتغلت [بالغسل] (١) فلم تزل مجتهدة حتى غربت الشمس، لا أرى أن تصلي شيئًا من صلاة النهار.
وقالت طائفة من أهل العلم منهم ابن عُلية وهو أحد أقوال الشافعي وهو المشهور عنه [في البويطي] (٢) وغيره: إذا طهرت الحائض في وقت صلاة [وأخذت] (٢) في غسلها فلم تفرغ حتى [خرج] (٢) وقت تلك الصلاة وجب عليها قضاء تلك الصلاة؛ لأنها في وقتها غير حائض، وليس فوت، الوقت على الرجل يسقط عنه الصلاة إن اشتغل بوضوء أو غسل حتى فاته الوقت، وكذلك الحائض إذا طهرت.
стр. 1260
قال الشافعي: وكذلك المغمى عليه يفيق، والنصراني يسلم، قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس.
وسئل الأوزاعي عن الحائض تصلي ركعتين ثم تحيض، وكيف إن كانت أخرت الصلاة؟ قال: إن أدركها المحيض في صلاة انصرفت عنها ولا شيء عليها، وإن كانت أخرت الصلاة حتى جاز الوقت فعليها قضاؤها، وإن كانت أخرت الصلاة ولم يذهب الوقت فلا شيء عليها.
قال: وإذا طهرت المرأة بعد العصر فأخذت في غسلها فلم تفرغ منه حتى غابت الشمس فلا شيء عليها.
ذكره الوليد بن يزيد عن الأوزاعي، وقد ذكرنا عن الشافعي أنه إذا طهرت المرأة قبل مغيب الشمس بركعة أعادت الظهر والعصر، وكذلك إن طهرت قبل الفجر بركعة أعادت المغرب والعشاء، واحتج بقوله ﵇: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ... " الحديث.
وقال الشافعي في هذه المسألة قولان آخران: أحدهما: مثل قول مالك سواء.
والقول الآخر قاله في "الكتاب المصري" فقال في المغمى عليه إذا أفاق وقد بقي عليه من النهار قدر ما يكبر فيه تكبيرة الإحرام، أعاد الظهر والعصر ولم يعد ما قبلها لا صبحًا ولا مغربًا ولا عشاءً، قال: فإذا أفاق وقد بقي عليه من الليل قبل أن يطلع الفجر قدر تكبيرة واحدة؛ قضى المغرب والعشاء، فإذا أفاق قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة قضى الصبح، وإذا طلعت الشمس قبل أن يفيق لم يقضها، قال: وكذلك الحائض تطهر، والرجل يسلم، وقال فيمن جُنَّ بأمر لا يكون به عاصيًا فذهب عقله: لا قضاء عليه ومن كان زوال عقله بما يكون به عاصيًا قضى صلاة فاتته في حال زوال عقله، وذلك مثل السكران وشارب السُّمِّ والشيركران عامدَّا لإذهاب عقله.
стр. 1261
وقال أبو حنيفة وأصحابه -وهو قول ابن علية-: من طهر من الحُيَّضِ أو بلغ من الصبيان أو أسلم من الكفار؛ لم يكن عليه أن يصلي شيئًا مما فات وقته، وإنما يقضي ما أدرك وقته بمقدار ركعة فما زاد، وهم لا يقولون باشتراك الأوقات لا في صلاتي الليل ولا في صلاتي النهار، ولا يرون لأحد الجمع بين الصلاتين لا لمسافر ولا لمريض في وقت إحداهما، ولا يجوز ذلك عندهم بغير عرفة والمزدلفة، وهو قول حماد بن أبي سليمان في هذه المسألة كقول أبي حنيفة، ذكر غندر، عن شعبة قال: سالت حمادًا عن المرأة تطهر في وقت العصر؟ قال تصلي العصر فقط.
وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أغمي عليه خمس صلوات فأقل منها ثم أفاق: إنه يقضيها، ومن أُغمي عليه كثر من ذلك ثم أفاق لم يقضه.
وهو قول الثوري إلا أنه قال: أحب إليَّ أن يقضي، وقال زفر في المغمى عليه يفيق، والحائض تطهير، والنصراني يسلم، والصبي يحتلم: إنه لا يجب على واحد منهم قضاء صلاة إلا بأن يدركوا من وقتها مقدار الصلاة كلها بكمالها، كما لا يجب عليهم من الصيام إلا ما أدركوا وقته بكماله.
قال أبو عمر (١): قوله ﵇: "من أدرك ركعة ... " الحديث يرد قول زفر.
وقال أحمد بن حنبل: إذا طهرت الحائض أو أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل أن تغرب الشمس؛ صلوا الظهر والعصر، وإن كان ذلك قبل أن يطلع الفجر؛ صلوا المغرب والعشاء.
وقال أحمد في المغمى عليه: يقضي الصلوات كلها التي كانت عليه في إغمائه، وهو قول عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ولا فرق عندهم بين النائم والمغمى عليه في أن كل واحد منهما يقضي ما فاته وإن كثر، وهو قول عطاء بن أبي رباح، ورُوي ذلك عن عمار بن ياسر وعمران بن حصين، وروى ابن رستم عن محمد بن الحسن: أن النائم إذا نام كثر من يوم وليلة فلا قضاء عليه.
стр. 1262
قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا [قال] (١) هذا القول في النائم غير محمد بن الحسن، فإن صح عنه هذا فهو خلاف السنة، لأنه قد ثبت عن النبي ﵇ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".
وأجمعوا أن من نام عن خمس صلوات قضاها، فكذلك في القياس ما زاد عليها.
قال أبو عمر: وأصح ما في هذا الباب في المغمى عليه يفيق: أنه لا قضاء عليه لما فاته من وقته، وبه قال ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة [و] (٢) مالك والشافعي [وأبو ثور] (٢) وهو مذهب عبد الله بن عمر: من أغمي عليه لم يقض شيئًا مما فات وقته، وهذا القياس عندي، والله أعلم.
الثاني: فيه دليل صريح في أن من صلى ركعة من العصر ثم دخل الوقت قبل سلامه لا يُبطل صلاته بل يتمها، وهذا بالإجماع، وأما في الصبح فكذلك عند الشافعي ومالك وأحمد، إلا عند أبي حنيفة فإنه قال: يبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها، وقالت الشافعية: الحديث حجة على أبي حنيفة.
ثم نقول: من وقف على ما استند عليه أبو حنيفة عرف أن الحديث ليس بحجة عليه، وعرف أن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم؛ فنقول: لا شك أن الوقت سبب للصلاة وطرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن دخول بعض الوقت سببًا وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم، فإن اتصل به الأداء تقررت السببية، وإلا ينتقل إلى الجزء الثاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التجزئة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى النقصان ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملًا حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس في صلاة الفجر؛ لأن ما وجب كاملًا لا يتأدى بالناقض؛ كالصوم المنذور المطلق أو صوم القضاء، لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإن
стр. 1263
كان هذا الجزء ناقصًا بأن صار منسوبًا إلى النقصان كالعصر وقت الإحمرار وجب ناقصًا؛ لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان المسبب فيتأدى بصفة النقصان؛ لأنه أُدي كما لزم، كما إذا نذر صوم يوم النحر وأداه فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر؛ لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه؛ لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملًا بالطريق الأولى.
فإن قيل: يلزم أن يفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدها إلى أن غربت.
قلت: لما كان الوقت متسعًا جاز له شغل كل الوقت، فبعض الفساد الذي يتصل فيه بالعشاء؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر، والجواب عن الحديث ما ذكره الطحاوي: أن وروده كان قبل نهيه ﵇ عن الصلاة في الأوقات المكروهة.
الثالث: أن المراد من الإدراك: إدراك الوقت، لا أن ركعة من الصلاة من أدركها ذلك الوقت أجزأته من تمام صلاته.
قال أبو عمر: هذا إجماع من المسلمين، لا يختلفون في أن هذا المصلي فرضٌ عليه واجب أن يأتي بتمام صلاة الصبح وتمام صلاة العصر.
وقال القاضي عياض: لا خلاف أن اللفظ ليس على ظاهره، وأن هذه الركعة تجزئه من الصلاة دون غيرها، وإنما ذلك راجع إلى حكم الصلاة، فقيل: معناه: فضل الجماعة، وهو ظاهر حديث أبي هريرة هذا في رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وزيادته قوله: "مع الإِمام" وليس هذه الزيادة في حديث مالك عنه، ولا في حديث الأوزاعي وعبد الله بن عمر ومعمر، واختلف فيه عن يونس عنه، ويدل عليه إفراد مالك في التبويب في "الموطإ"، وقد رواه بعضهم عن مالك مفسرًا "فقد أدرك الفضل"، ورواه بعضهم أيضًا عن ابن شهاب، وهذا الفضل لمن تمت له الركعة كما قال، وفي مضمونه أنه لا يحصل بكماله لمن لم
стр. 1264
تتحصل له الركعة، وذهب داود وأصحابه في أخرى: أن الحديث في إدراك الوقت؛ فجعلوه بمعنى الحديث الآخر: "من أدرك ركعة من الوقت قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح". وهما حديثان في شيئين لهما حكمان، وفيهما دليل على أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك لفضل تلك الصلاة ولا حكمها مما لزم إمامه من سجود سهو أو انتقال فرضه من اثنتين إلى أربع في الجمعة، أو انتقاله إلى حكم نفسه إن اختلف حالهما من السفر والإقامة، وهذا قول مالك والشافعي -في أحد قوليه- وعامة فقهاء الفتيا وأئمة الحديث.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف وأصحابهما والشافعي أيضًا: أنه بالإحرام يكون مدركًا حكم الصلاة، واتفق هؤلاء على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل غروب الشمس، واختلفوا في الظهر، فعند الشافعي -في أحد قوليه-: هو مدرك بالتكبيرة لهما لاشتراكهما في الوقت، وعنه: أنه بتمام القائمة للظهر يكون قاضيًا لها، وهذا الإدراك يكون لمعنيين:
أحدهما: أن يكون لمن أخر الصلاة وهو مدرك للأداء بإدراك ركعة، وليس يكون قاضيًا بصلاته بعضها بعد وقتها كمدرك ركعة في صلاة الإِمام، فله في جميعها حكم الإتمام، وقد يحمل الحديث على من كان بصفة المكلفين في هذا الحين فأدرك وجوب الصلاة أو حكمًا من أحكامها في هذا الوقت، فهو مدرك له، وهذا قول مالك وأصحابه في معنى الحديث، وهو الذي عبروا عنهم بأصحاب الأعذار، وذلك: الكافر يسلم، والصغير يبلغ، والحائض تطهير، والمغمى عليه يفيق، والمسافر يقدم ويرحل.
وهذه الركعة التي يكون بها مدركًا للأداء والوجوب في الوقت هو قدر ما يكبر فيه للإحرام وقراءة أم القرآن بقراءة معتدلة، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين، ويفصل بينهما، ويطمئن في كل ذلك على من أوجب الطمأنينة، فهذا أقل ما يكون به مدركًا.
стр. 1265
وعلى من لا يوجب أم القرآن في كل ركعة: يكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها، وأشهب لا يراعي إدراك السجود بعد الركعة؛ أخذًا بظاهر الحديث.
وأما الركعة التي تدرك بها فضيلة الجماعة: فأن يُكبر لإحرام قائمًا، ثم يركع ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، هذا مذهب مالك وأصحابه وجمهور الفقهاء من أهل الحديث والرأي وجماعة من الصحابة والسلف، ورُوي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإِمام قائمًا قبل أن يركعها معه، ورُوي معناه عن أشهب من أصحابنا، ورُوي عن جماعة من السلف: أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام -كالناعس- اعتد بالركعة، وقيل: تجزئه وإن رفع الإمام ما لم يرفع الناس، وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإِمام.
ص: وكان من حجة من ذهب إلى أن آخر وقتها بلى أن تتغير الشمس: ما قد رُوي عن النبي ﵇ من نهيه عن الصلاة عند غروب الشمس، فمن ذلك:
ما قد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر قال: قال لي عبد الله ﵁: "كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ونصف النهار".
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا حبَّان بن هلال، قال ثنا همام، عن قتادة، عن محمد -قال أبو جعفر ﵀: محمد هو ابن سعد بن أي وقاص- عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة إذا طلع قرن الشمس، أو غاب قرن الشمس".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا موسى بن عُلي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: "ثلاث ساعات كان النبي ﵇ ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع