← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وقال أبو حنيفة وأصحابه -وهو قول ابن علية-: من طهر من الحُيَّضِ أو بلغ من الصبيان أو أسلم من الكفار؛ لم يكن عليه أن يصلي شيئًا مما فات وقته، وإنما يقضي ما أدرك وقته بمقدار ركعة فما زاد، وهم لا يقولون باشتراك الأوقات لا في صلاتي الليل ولا في صلاتي النهار، ولا يرون لأحد الجمع بين الصلاتين لا لمسافر ولا لمريض في وقت إحداهما، ولا يجوز ذلك عندهم بغير عرفة والمزدلفة، وهو قول حماد بن أبي سليمان في هذه المسألة كقول أبي حنيفة، ذكر غندر، عن شعبة قال: سالت حمادًا عن المرأة تطهر في وقت العصر؟ قال تصلي العصر فقط. وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أغمي عليه خمس صلوات فأقل منها ثم أفاق: إنه يقضيها، ومن أُغمي عليه كثر من ذلك ثم أفاق لم يقضه. وهو قول الثوري إلا أنه قال: أحب إليَّ أن يقضي، وقال زفر في المغمى عليه يفيق، والحائض تطهير، والنصراني يسلم، والصبي يحتلم: إنه لا يجب على واحد منهم قضاء صلاة إلا بأن يدركوا من وقتها مقدار الصلاة كلها بكمالها، كما لا يجب عليهم من الصيام إلا ما أدركوا وقته بكماله. قال أبو عمر (١): قوله ﵇: "من أدرك ركعة ... " الحديث يرد قول زفر. وقال أحمد بن حنبل: إذا طهرت الحائض أو أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل أن تغرب الشمس؛ صلوا الظهر والعصر، وإن كان ذلك قبل أن يطلع الفجر؛ صلوا المغرب والعشاء. وقال أحمد في المغمى عليه: يقضي الصلوات كلها التي كانت عليه في إغمائه، وهو قول عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ولا فرق عندهم بين النائم والمغمى عليه في أن كل واحد منهما يقضي ما فاته وإن كثر، وهو قول عطاء بن أبي رباح، ورُوي ذلك عن عمار بن ياسر وعمران بن حصين، وروى ابن رستم عن محمد بن الحسن: أن النائم إذا نام كثر من يوم وليلة فلا قضاء عليه.

стр. 1262

قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا [قال] (١) هذا القول في النائم غير محمد بن الحسن، فإن صح عنه هذا فهو خلاف السنة، لأنه قد ثبت عن النبي ﵇ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". وأجمعوا أن من نام عن خمس صلوات قضاها، فكذلك في القياس ما زاد عليها. قال أبو عمر: وأصح ما في هذا الباب في المغمى عليه يفيق: أنه لا قضاء عليه لما فاته من وقته، وبه قال ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة [و] (٢) مالك والشافعي [وأبو ثور] (٢) وهو مذهب عبد الله بن عمر: من أغمي عليه لم يقض شيئًا مما فات وقته، وهذا القياس عندي، والله أعلم. الثاني: فيه دليل صريح في أن من صلى ركعة من العصر ثم دخل الوقت قبل سلامه لا يُبطل صلاته بل يتمها، وهذا بالإجماع، وأما في الصبح فكذلك عند الشافعي ومالك وأحمد، إلا عند أبي حنيفة فإنه قال: يبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها، وقالت الشافعية: الحديث حجة على أبي حنيفة. ثم نقول: من وقف على ما استند عليه أبو حنيفة عرف أن الحديث ليس بحجة عليه، وعرف أن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم؛ فنقول: لا شك أن الوقت سبب للصلاة وطرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن دخول بعض الوقت سببًا وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم، فإن اتصل به الأداء تقررت السببية، وإلا ينتقل إلى الجزء الثاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التجزئة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى النقصان ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملًا حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس في صلاة الفجر؛ لأن ما وجب كاملًا لا يتأدى بالناقض؛ كالصوم المنذور المطلق أو صوم القضاء، لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإن

стр. 1263

كان هذا الجزء ناقصًا بأن صار منسوبًا إلى النقصان كالعصر وقت الإحمرار وجب ناقصًا؛ لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان المسبب فيتأدى بصفة النقصان؛ لأنه أُدي كما لزم، كما إذا نذر صوم يوم النحر وأداه فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر؛ لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه؛ لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملًا بالطريق الأولى. فإن قيل: يلزم أن يفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدها إلى أن غربت. قلت: لما كان الوقت متسعًا جاز له شغل كل الوقت، فبعض الفساد الذي يتصل فيه بالعشاء؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر، والجواب عن الحديث ما ذكره الطحاوي: أن وروده كان قبل نهيه ﵇ عن الصلاة في الأوقات المكروهة. الثالث: أن المراد من الإدراك: إدراك الوقت، لا أن ركعة من الصلاة من أدركها ذلك الوقت أجزأته من تمام صلاته. قال أبو عمر: هذا إجماع من المسلمين، لا يختلفون في أن هذا المصلي فرضٌ عليه واجب أن يأتي بتمام صلاة الصبح وتمام صلاة العصر. وقال القاضي عياض: لا خلاف أن اللفظ ليس على ظاهره، وأن هذه الركعة تجزئه من الصلاة دون غيرها، وإنما ذلك راجع إلى حكم الصلاة، فقيل: معناه: فضل الجماعة، وهو ظاهر حديث أبي هريرة هذا في رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وزيادته قوله: "مع الإِمام" وليس هذه الزيادة في حديث مالك عنه، ولا في حديث الأوزاعي وعبد الله بن عمر ومعمر، واختلف فيه عن يونس عنه، ويدل عليه إفراد مالك في التبويب في "الموطإ"، وقد رواه بعضهم عن مالك مفسرًا "فقد أدرك الفضل"، ورواه بعضهم أيضًا عن ابن شهاب، وهذا الفضل لمن تمت له الركعة كما قال، وفي مضمونه أنه لا يحصل بكماله لمن لم

стр. 1264

تتحصل له الركعة، وذهب داود وأصحابه في أخرى: أن الحديث في إدراك الوقت؛ فجعلوه بمعنى الحديث الآخر: "من أدرك ركعة من الوقت قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح". وهما حديثان في شيئين لهما حكمان، وفيهما دليل على أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك لفضل تلك الصلاة ولا حكمها مما لزم إمامه من سجود سهو أو انتقال فرضه من اثنتين إلى أربع في الجمعة، أو انتقاله إلى حكم نفسه إن اختلف حالهما من السفر والإقامة، وهذا قول مالك والشافعي -في أحد قوليه- وعامة فقهاء الفتيا وأئمة الحديث. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف وأصحابهما والشافعي أيضًا: أنه بالإحرام يكون مدركًا حكم الصلاة، واتفق هؤلاء على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل غروب الشمس، واختلفوا في الظهر، فعند الشافعي -في أحد قوليه-: هو مدرك بالتكبيرة لهما لاشتراكهما في الوقت، وعنه: أنه بتمام القائمة للظهر يكون قاضيًا لها، وهذا الإدراك يكون لمعنيين: أحدهما: أن يكون لمن أخر الصلاة وهو مدرك للأداء بإدراك ركعة، وليس يكون قاضيًا بصلاته بعضها بعد وقتها كمدرك ركعة في صلاة الإِمام، فله في جميعها حكم الإتمام، وقد يحمل الحديث على من كان بصفة المكلفين في هذا الحين فأدرك وجوب الصلاة أو حكمًا من أحكامها في هذا الوقت، فهو مدرك له، وهذا قول مالك وأصحابه في معنى الحديث، وهو الذي عبروا عنهم بأصحاب الأعذار، وذلك: الكافر يسلم، والصغير يبلغ، والحائض تطهير، والمغمى عليه يفيق، والمسافر يقدم ويرحل. وهذه الركعة التي يكون بها مدركًا للأداء والوجوب في الوقت هو قدر ما يكبر فيه للإحرام وقراءة أم القرآن بقراءة معتدلة، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين، ويفصل بينهما، ويطمئن في كل ذلك على من أوجب الطمأنينة، فهذا أقل ما يكون به مدركًا.

стр. 1265

وعلى من لا يوجب أم القرآن في كل ركعة: يكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها، وأشهب لا يراعي إدراك السجود بعد الركعة؛ أخذًا بظاهر الحديث. وأما الركعة التي تدرك بها فضيلة الجماعة: فأن يُكبر لإحرام قائمًا، ثم يركع ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، هذا مذهب مالك وأصحابه وجمهور الفقهاء من أهل الحديث والرأي وجماعة من الصحابة والسلف، ورُوي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإِمام قائمًا قبل أن يركعها معه، ورُوي معناه عن أشهب من أصحابنا، ورُوي عن جماعة من السلف: أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام -كالناعس- اعتد بالركعة، وقيل: تجزئه وإن رفع الإمام ما لم يرفع الناس، وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإِمام. ص: وكان من حجة من ذهب إلى أن آخر وقتها بلى أن تتغير الشمس: ما قد رُوي عن النبي ﵇ من نهيه عن الصلاة عند غروب الشمس، فمن ذلك: ما قد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر قال: قال لي عبد الله ﵁: "كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ونصف النهار". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا حبَّان بن هلال، قال ثنا همام، عن قتادة، عن محمد -قال أبو جعفر ﵀: محمد هو ابن سعد بن أي وقاص- عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة إذا طلع قرن الشمس، أو غاب قرن الشمس". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا موسى بن عُلي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: "ثلاث ساعات كان النبي ﵇ ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع

стр. 1266

الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب، قال: ثنا الدراوردي، عن هشام ابن عروة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، وإذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب". حدثنا محمد بن عمر بن يونس، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر- ﵃، عن رسول الله ﵇ ... مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن عبد الله ابن طاوس، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "وهم عمر بن الخطاب ﵁، إنما نهى رسول الله ﵇ أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها". حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، قال: حدثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة، عن أبي أمامة الباهلي، قال: حدثني عمرو بن عبسة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طلعت الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وهم ساعة صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع ويذهب شعاعها، ثم الصلاة محضورة مشهودة إلى أن ينتصف النهار، فإنها ساعة تفتح أبواب جهنم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة إلى غروب الشمس فصحها تغرب بين قرني الشيطان، وهم ساعة صلاة الكفار". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن

стр. 1267

حرب، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يحدث، عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان -أو على قرني شيطان- وتغرب بين قرني شيطان- أو على قرني شيطان". قالوا: فلما نهى النبي ﵇ عن الصلاة عند غروب الشمس؛ ثبت أنه ليس بوقت صلاة، وأن وقت العصر يخرج بدخولها. ش: أراد بقوله: "من ذهب ... ". إلى آخره: الشافعي -في قول- وأحمد -في الصحيح عنه- ومالكًا -في المشهور عنه- وجمهور أصحابه، والحسن بن زياد -من أصحاب أبي حنيفة- وإسحاق وداود؛ فإنهم ذهبوا إلى أن آخر وقت العصر إلى تغير الشمس، واختاره الطحاوي أيضًا على ما يفهم من كلامه، واحتجوا في ذلك بما رُوي عن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين وعمرو بن عبسة وسمرة بن جندب ﵃ فإنهم رووا عن النبي ﵇ أنه نهى عن الصلاة عند غروب الشمس، فدل ذلك أن وقت التغير ليس بوقت للعصر، وأن آخر وقته إلى أن تتغير الشمس. أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه بإسناد جيد حسن: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط -بالنون- عن عاصم بن بهدلة أبي بكر المقرئ، عن زر بن حبيش الأسدي الكوفي، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: "إن الشمس تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، قال: فكنا نُنْهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها". قوله: "كنا نُنْهى" على صيغة المجهول، وهو محمول عند أكثر أهل العلم على أنه

стр. 1268

نهي الرسول ﵇ فكذا قول الصحابي: "أمرنا بكذا" محمول على أنه أمر لله ورسوله، وقال قوم: يجب فيه الوقف؛ لأنه لا يؤمن أن يعني بذلك أمر الأئمة والعلماء، والأول أقرب إلى الصواب، وفيه دليل على أن وقت الغروب ووقت الطلوع ليسا بأوقات للصلاة؛ إذ لو كانت أوقاتًا لما نهى النبي ﵇ عن الصلاة فيها. وأما حديث زيد بن ثابت ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن حبان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي البصري، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني، وقد بَيَّن الطحاوي أن المراد من محمد الذي يروي عنه قتادة هو ابن سعد بن أبي وقاص، وقد وقع في بعض النسخ: عن قتادة، عن محمد، عن زيد بن ثابت، فإن صح هذا يكون المراد منه محمد بن سيرين. كما هو كذلك في "مسند أحمد بن حنبل" (١): حيث قال: حدثنا عفان، نا همام، نا قتادة، عن ابن سيرين، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﵇ نهى أن يصل إذا طلع قرن الشمس أو غاب قرنها وقال: إنها تطلع بين قرني شيطان أو من بين قرني الشيطان". قوله: "إذا طلع قرن الشمس" أي جانبها وطرفها، وقرن الشيء: ناحيته. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن ابن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن موسى بن عُلي -بضم العين وفتح اللام- بن رباح اللخمي، عن أبيه عُلي بن رباح بن قصير اللخمي، عن عقبة بن عامر الجهني. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب، عن موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني ﵁ يقول: "ثلاث ساعات

стр. 1269

كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن تقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحن يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب". وأخرجه الأربعة (١) أيضًا. قوله: "أن نصلي فيها" عامٌّ يتناول جميع الصلوات، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قوله: (وأن نقبر فيها موتانا" أي وأن ندفن فيها موتانا، هذا ظاهر المعنى ولكنه ليس بمراد؛ إذْ المراد: وأن نصلي عليها للإقبار، على ما يجيء، وهو من قَبَرَ يَقْبُر من باب نَصَرَ يَنْصُر، تقول: قبرته إذا دفنته وأقبرته إذا جعلت له قبرًا. قوله: "بازغة" نصب على الحال عن الشمس، من بزغت الشمس وبزغ القمر وغيرهما إذا طلع، من باب نَصَرَ ينصر. قوله: "قائم الظهيرة" ظهيرة الشمس شدة حرها نصف النهار، ولا يقال في الشتاء ظهيرة وتجمع على الظهائر ومراده: حين يقف الظل، وهو القائم بالظهيرة ولا يظهر له زيادة ولا نقص؛ لأنه قد انتهى نقصه. و"حين تضيف" أي تميل وتجنح للغروب، يقال: ضاف الشيء يضيف بمعنى مال، ومنه اشتق اسم الضيف، ويقال: ضفت الرجل إذا ملت نحوه وكنت له ضيفًا، وأضفته إذا أملته إلى رحلك وقربته. قوله: "تضيف" أصله تتضيف بتائين، فحذفت إحداهما للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ (٢) أصله تتلظى.

стр. 1270

ويستفاد منه أحكام: الأول: استدل به أصحابنا أن جميع الصلوات فرضها قضاء وأداء نفلها يكره في هذه الأوقات الثلاثة؛ لعموم قوله ﵇ "أن نصلي فيها" وهو بإطلاقه حجة على الشافعي في تخصيص الفرائض وبمكة وحجة على أبي يوسف في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال. وفي "الروضة" للنووي: يجوز في هذه الأوقات قضاء الفرائض والسنن والنوافل التي اتخذها الإنسان وردًا له، وتجوز صلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وركعتا الطواف، وصلاة الكسوف، ولا يكره فيها صلاة الاستسقاء على الأصح، وعلى الثاني تكره كصلاة الاستخارة وتكره ركعتا الإحرام على الصحيح، فأما تحية المسجد فإن اتفق دخوله لغرض كدرس علم أو اعتكاف أو انتظار صلاة ونحو ذلك لم تكره، وإن دخل لا لحاجة بل ليصلي التحية فوجهان أقيسهما الكراهة انتهى. وبقوله قال أحمد وبقولهما قال مالك، وقال القاضي عياض: وأما الفرائض فلا خلاف في قضاء فرض يومه ومنسيته في هذين الوقتين مالم تطلع الشمس [أو] (١) تغرب، فإذا طلعت أو غربت فلا خلاف في قضاء فرض يومه مع طلوعها وغروبها إلا شيء روي عن أبي حنيفة؛ أنه لا يقضي صلاة صبح يومه مع طلوعها وأنها إن طلعت وقد عقد ركعة فسدت عليه، ولا نقوله في الغروب؛ لجواز الصلاة بعد الغروب، وأما منسي غير يومه فجمهور العلماء على صلاتها حينئذ، إلا أن أبا حنيفة لا يجيز قضاءها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وحمل اللفظ على العموم انتهى. ثم إنه إذا صلى النوافل في هذه الأوقات تجوز؛ لأنه أدى كما وجبت؛ لأن النفل يجب بالشروع، وشروعه حصل في الوقت المكروه.

стр. 1271

وقال الكرخي: يجوز وأحب إلينا أن يعيده. وقال: الأفضل له أن يقطع ويقضيها في الوقت المباح. فإن قيل: ما الفرق أن الفرائض لا تجوز فيها أصلًا والنوافل تجوز بالكراهة؟ قلت: لأن الصلاة مشروعة بأصلها؛ لوجود أركانها وشرائطا، ولا قبح في أصلها لأنها تعظيم محض لله تعالى والأوقات أيضًا صحيحة بأصلها كسائر الأوقات، ولكن من حيث إنها أوقات فاسدة بوصفها؛ لانتسابها إلى الشيطان صارت الصلاة فلم يسقط فيها ومنها الكامل وهو الفرض بخلاف النفل؛ لأنه أداه كما شُرع لكن مع الكراهة لورود النهي. الثاني: يستفاد منه كراهة الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات؛ لأن المراد من قوله "وأن نقبر فيها موتانا" أن يصلي عليهم لأجل الإقبار في هذه الأوقات لأن الدفن فيها غير مكروهة. واختلف العلماء فيه وفي الصلاة على الجنازة، فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهة الصلاة على الجنازة في الأوقات المكروهة، وروي ذلك عن ابن عمر، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي والثوري، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق ومالك، وفي "الجواهر" للمالكية: ولا يجوز فعلها أي فعل الصلاة على الجنازة في وقتي الإسفار والاصفرار، هذا ما لم يُخشى تغيير الميت، فإذا خشي يصلي عليه في جميع الأوقات انتهى. وعند الشافعي لا تكره الصلاة على الجنازة أي ساعة شاء من ليل أو نهار، وكذلك الدفن أي وقت كان من ليل أو نهار، وقول الجماعة أولى؛ لموافقة الحديث. وقال عياض في قوله "فيها موتانا": يحتمل أن المراد بذلك الصلاة عليها حينئذ، ويحتمل أن يكون على ظاهره من الدفن انتهى. فإن قيل: إذا كان المراد من قوله: "وأن نقبر فيها موتانا": أن نصلي عليها في هذه الأوقات، فمن أي قبيل يكون هذا الكلام؟

стр. 1272

قلت: هو كناية؛ لأنه ذكر الرديف وأريد المردوف، وقال ابن حزم: ولا يحل دفن الموتى في هذه الساعات، وأما الصلاة عليهم فجائزة فيها للأثر بذلك عمومًا. الثالث: أن قوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" يعارض هذا الحديث، بيانه: أن هذا نقيض أن تكون هذه الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها وقتًا للقضاء حين ذكر الغاية بقوله: "فإن ذلك وقتها" ويعارضه أيضًا قوله ﵇: "من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر" بيانه: أن هذا يقتضي أنه لو شرع في صلاة الفجر وطلعت الشمس في خلالها أن لا تفسد صلاته كما ذهب إليه الشافعي. الجواب عن الأول: أنه مخصوص بحديث عقبة، والدليل عليه ما روى أبو هريرة: "أن رسول الله ﵇ حين قفل من غزوة حنين فسار ليلة ... " الحديث وفيه: "فناموا فما أيقظهم إلا حر الشمس". وفي رواية: "انتبهوا وقد بدا حاجب الشمس فاقتادوا رواحلهم شيئًا ثم نزلوا للصلاة". وإنما فعل ذلك لترتفع الشمس، فلو جاز قضاء المكتوبة في حال طلوع الشمس لما أخرها رسول الله ﵇ بعد الانتباه. والجواب عن الثاني: أنه لبيان الوجوب بإدراك جزء من الوقت -قل أو كثر- كما ذكرنا فيما مضى. الرابع: أن حد الارتفاع الذي تباح فيه الصلاة قدر رمح أو رمحين، وقال أبو بكر محمد بن الفضل: مادام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس فالشمس في الطلوع لا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر يباح. وقال الفقيه أبو حفص: يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية فما دامت الشمس تقع في حيطانه فهي في الطلوع فلا تحل الصلاة، وإذا وقعت في وسطه فقد طلعت وحلت صلاته. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

стр. 1273

الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني قاضي مدينة رسول الله ﵇ شيخ الجماعة سوى النسائي. عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي منسوب إلى دراورد -بفتح الدال- قرية بخراسان. عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. عن سالم بن عبد الله. عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه قال: أخبرني ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﵇: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها". وقال: حدثني ابن عمر قال: قال: رسول الله ﵇: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب". تابعَهَ عَبْدة. الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي السوسي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﵇. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، وثنا ابن نمير، قال: ثنا أبي، وثنا ابن بشر قالوا جميعًا: ثنا هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب".

стр. 1274

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن يحيى بن سعيد، عن هشام، نحوه. وأخرج (٢): عن وكيع، نا هشام، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ابن أنس، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٣): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك نحوه. ومسلم (٤): عن يحيى بن يحيى، عن مالك نحوه. وأحمد في "مسنده" (٥): عن عبد الرزاق، عن مالك، عن نافع، نحوه. قوله: "لا تحروا" أي لا توخوا أو لا تعمدوا ولا تطلبوا، من التحري في الأشياء وهو القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول. وقال الجوهري: التحري في الأشياء: طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن، وفلان يتحرى الأمر أي يتوخاه ويقصده، وتحرى فلانًا بالمكان: أي تَمَكَّث وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (٦) أي توخوا وعمدوا. قوله: "طلوع الشمس" مفعول "لا تحروا" والمعنى لا تتحروا وقت طلوع الشمس بسبب صلاتكم، أي لأجلها، و"الباء" فيها كالباء في قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا﴾ (٧) وقوله: وليست هي صلة "لا تحروا" لأنها تحتاج إلى فافهم.

стр. 1275

قوله: "وإذا بدا" أي ظهر "حاجب الشمس" أي ناحيتها. قوله: "حتى تبرز" أي تظهر، من البروز وهو الظهور، ومعناه حتى ترتفع كما قد وقع هكذا في رواية البخاري. وأما حديث عائشة ﵂ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة ابن راشد، عن معلى بن أسد العمي أحد مشايخ البخاري، عن وهيب بن خالد العجلاني البصري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس بن كيسان اليماني، عن عائشة. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن حاتم، قال: ثنا بهز بن راشد، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "وهم عمر ﵁ إنما نهى رسول الله ﵇ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها". وأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: ثنا الفضل بن عنبسة، قال: ثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قالت عائشة: "أوهم عمر ﵁ إنما نهى رسول الله ﵇ (قال: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان) (٣) ". قولها: "وهم عمر" من الوهم وهو الغلط، من وَهِمْتُ في الحساب -بالكسر- أَوْهَمُ وَهَمًا إذا غلطت فيه وسهوت ووَهَمْت في الشيء -بالفتح- أَهِمُ وَهْمًا إذا يقال أوهم من وأهم في وتوهمت: أي ظننت، وأوهمت الشيء: إذا تركته كله. يقال أوهم من الحساب مائة أي أسقط، وأوهم من صلاته ركعة ثم قول عائشة من الوَهَم الذي يعني الغلط وَهِم بالكسر يُوهَمُ كما ذكرنا.

стр. 1276

وفي رواية النسائي: "أوهم عمر" كما ذكرناها إما من أوهمت الشيء أو من وَهِمتُ، وإنما قالت عائشة ذلك لما روته من صلاة النبي ﵇ الركعتين بعد العصر، وقد أخبرت بعلة ذلك وردت الأمر فيها أيضًا إلى أم سلمة وهي التي سألت عن القصة والعلة في صلاتها على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى". فإن قيل ما قال عمر ﵁ حتى قالت عائشة ﵂: وهم عمر؟ قلت: قال: "إن رسول الله ﵇ قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس -أو تطلع- وبعد العصر حتى تغرب الشمس، فلما سمعت عائشة بذلك قالت: وهم عمر ﵁ إنما نهى رسول الله ﵇ أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها" إنما قالت ذلك لما روته هي من صلاة النبي ﵇ الركعتين بعد العصر كما ذكرنا، وبهذا تمسكت الشافعية أن الصلاة التي لها سبب لا تكره بعد العصر، وكذا يقتضي السنة التي بعد الظهر إذا فأتت تُقضى بعد العصر. والجواب عن ذلك أن صلاته ﵇ الركعتين بعد العصر كان خاصًّا بالنبي ﵇ على ما يجيء الكلام فيه مستقصى إن شاء الله تعالى. وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح ورواة ثقات: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، عن أبي يحيى سليم بن عامر الكلاعي الحمصي، وعن ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي الشامي الحمصي، وعن أبي طلحة نعيم بن زياد الشامي، ثلاثتهم عن أبي أمامة الباهلي الصحابي واسمه صُدَي بن عجلان، عن عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد السلمي الصحابي، وعَبَسة بفتح العين والباء الموحدة والسين المهملة. وأخرجه أبو داود (١) بأتم منه: ثنا الربيع بن نافع، نا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة السلمي؟ أنه

стр. 1277

قال: "قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح، ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيْس رمح أو رمحين؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان وتصلي لها الكفار، ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله، ثم أقصر؛ فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها، فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت حتى تصلي العصر ثم أقصر حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتصلي لها الكفار". وقص حديثًا طويلًا قال العباس: "هكذا حدثني أبو سلام عن أبي أمامة إلا أن أخطئ شيئًا لا أريده فاستغفر الله وأتوب إليه". وأخرجه النسائي (١): أخبرني الحسن بن إسماعيل بن سليمان وأيوب بن محمد، قالا: ثنا حجاج بن محمد -قال أيوب: حدثنا، وقال حسين-: أخبرني شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن البيلماني، عن عمرو بن عبسة قال: "أتيت النبي ﵇ فقلت: يا رسول الله، من أسلم معك؟ قال: حُرٌّ وعبد، قلت: هل من ساعة أقرب إلى الله من أخرى؟ قال: نعم، جوف الليل الآخر، فصلِّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح، ثم انته حتى تطلع الشمس وما دامت -وقال أيوب: فما دامت- كأنها جحفة حتى تنتشر، ثم صلِّ ما بدا لك حتى [يقوم العمود على ظله، ثم انته حتى تنعقد الشمس؛ فإن جهنم تسجر نصف النهار صلِّ ما بدا لك حتى] (٢) تصلي العصر، ثم انته حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان". قوله: "فإنها تطلع بين قرني شيطان" اختلفوا فيه على وجوه، فقيل: معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للطلوع والغروب، على معنىل ما روي أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها، وإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها، فإذا

стр. 1278

دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك. وقيل: قرنه: قوته، من قولك: أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له قوى عليه، وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات. وقيل: قرنه: حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرن: أي نشؤٌ جاءوا بعد قرن مضى، وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتشويقه وتزيينه ذلك في قلوبهم وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دافعوها وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس؛ صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها ويدفعه (بأرواقها) (١). وفيه وجه آخر: وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه وهما جانبًا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، وقرنًا الرأس فَوْدَاه وجانباه، ومنه سُمي ذو القرنين؛ وذلك لأنه ضرب على جانبي رأسه فلقب به والله أعلم. قلت: يمكن حمل الكلام على حقيقته ويكون المراد: أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه وأعوانه إنما يسجدون له فيكون له ولشيعته تسلط. قوله: "وهي ساعة صلاة الكفار" أي ساعة طلوع الشمس هي الساعة التي يصلي الكفار فيها نحو الشمس.

стр. 1279

قوله: "فدع" أي أترك الصلاة حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحن كما حدُّوا الارتفاع به في رواية أبي داود. قوله: "ويذهب شعاعها" شعاع الشمس: ما يُرى من ضوئها عند ذرورها كالقضبان. قوله: "ثم الصلاة محضورة" يعني تحضرها الملائكة وتشهدها. قوله: "وتسجر" أي توقد، واختلف في جهنم، إنه اسم عربي أم أعجمي؟ فقيل: عربي مشتق من الجهومة وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم بئر جهنام أي عميقة، فعلى هذا لم تصرف؛ للعلمية والتأنيث وقال الأكثرون: هي عجمية معربة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة. قوله: "حتى يفيء الفيء" أي حتى يرجع الظل، أراد حتى يقع الظل الذي يكون بعد الزوال، وسُمي الظل فيئًا لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، وفي حالة استواء الشمس في كبد السماء لا يتحقق ظل الأشياء، فإذا زالت يظهر. ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه حجة على الشافعي في أنه لا يكره النفل الذي له سبب؛ لما في رواية أبي داود: "حتى تصلي الصبح ثم أقصر حتى تطلع الشمس" وذلك لأنه يتناول ماله سبب وما لا سبب له. الثاني: فيه حجة على أبي يوسف والشافعي أيضًا في أنهما لا يكرهان النفل يوم الجمعة حالة الزوال؛ لأن قوله: "فدع الصلاة حتى يفيء الفيء". يتناول كل الصلوات. الثالث: فيه أن الملائكة يحضرون صلاة المؤمنين إذا كانت في غير الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.

стр. 1280

الرابع: فيه دليل على أن جهنم مخلوقة؛ خلافًا لمن يقول من المعتزلة إنها لم تخلق بعد. الخامس: فيه دليل على أن وقت الغروب ليس بوقت للعصر؛ إذ لو كان وقتًا لها لما ورد النهي عن الصلاة. وأما حديث سمرة بن جندب فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكّار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن سماك بن حرب الكوفي، عن المهلب بن أبي صفرة الأزدي البصري واسم أبي صفرة: ظالم بن سارق، ويقال غير ذلك. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا الحجاج، ثنا شعبة، عن سماك، سمعت المهلب بن أبي صفرة قال: قال سمرة بن جندب: عن النبي ﵇: "لا تصلوا حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، ولا حين تغيب؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو داود الطيالسي، نا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يحدث، عن سمرة بن جندب قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يصلى بعد الصبح حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع على قرني الشيطان". وقال (٣): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يخطب يقول: قال سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ قال: "لا تصلوا حين تطلع الشمس ولا حين تسقط؛ فإنها تسقط بين قرني شيطان، وتغيب بين قرني شيطان".

стр. 1281

ص: فكان من حجة الآخرين عليهم أنه قد روي في هذا الحديث النهي عن الصلاة عند غروب الشمس وروى في غيره: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". فكان في ذلك إباحة الدخول في العصر في ذلك الوقت، فجعل النهي في الحديث الأول على غير الذي أبيح في الحديث الآخر حتى لا يتضاد الحديثان، فهذا أولى ما حملت عليه هذه الآثار حتى لا تتضاد. ش: هذا جواب من قبل أبي حنيفة ومن معه عما قال أولئك القوم من الاستدلال بالآثار المذكورة على أن وقت الغروب ليس بوقت للعصر، أي فكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخر -وهم أبو حنيفة ومن تبعه- عليهم أي على القوم الذين ذهبوا إلى أن آخر وقت العصر إلى تغير الشمس، بيان ذلك: أن هذه الآثار تقتضي النهي عن الصلاة عند غروب الشمس الذي يلزم منه أن لا يكون هذا الوقت صالحًا للعصر كما ذكرتم، ولكن روي في غيرها ما يدل على أن وقت الغروب وقت للعصر وهو قوله ﵇: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" فإنه يقتضي أن يكون وقت الغروب وقتًا لصلاة العصر. فهذا كما ترى بينهما تضاد، فإذا حملنا النهي في الآثار الأول على غير الذي أبيح في هذا الحديث، أعني قوله ﵇: "من أدرك ركعة من العصر" يندفع التضاد. حاصله: أن تلك الأحاديث تكون مخصوصة بهذا الحديث، فيكون وقت الغروب وقتًا للعصر فقط دون غيره من الصلوات. ص: وأما وجه النظر عندنا في ذلك -والله أعلم- فإنا رأينا وقت الظهر الصلوات كلها فيه مباحة، التطوع كله، وقضاء كل صلاة فائته وكذلك ما اتفق عليه أنه وقت العصر ووقت الصبح مباح قضاء الصلوات الفائتات فيه، وإنما نهي عن التطوع خاصة فيه، فكان كل وقت قد اتفق عليه أنه وقت الصلاة من هذه الصلوات كل قد أجمع أن الصلاة الفائتة تقضي فيه، فلما ثبت أن هذه صفة أوقات الصلوات المجمع عليها، وثبت أن غروب الشمس لا تقضى فيه صلاة

стр. 1282

فائتة باتفاقهم؛ خرجت بللك صفته من صفة أوقات الصلوات المكتوبات وثبت أن لا يصلى فيه صلاة أصلًا كنصف النهار وطلوع الشمس، وأن نهي النبي ﵇ عند غروب الشمس ناسخ لقوله ﵇ "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر"؛ للدلائل التي شرحناها وبيناها، فهذا هو النظر عندنا، وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أشار بهذا الكلام إلى أن وجه النظر والقياس هو ما ذهب إليه الشافعي ومن تبعه من أن وقت العصر إلى أن تتغير الشمس، وأن وقت الغروب ليس بوقت للعصر، وأن هذا اختياره لنفسه، وقد خالف فيه أبا حنيفة أصحابه، ولذلك قال: فهذا هو النظر عندنا وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ووجه ما ذكره ظاهر، ولكن قوله: وأن نهي النبي ﵇ عند غروب الشمس ناسخ لقوله ﵇: "من أدرك من العصر ... " الحديث كيف هذا النسخ؛ بل الذي ذكر غيره أن قوله ﵇: "من أدرك من العصر ... " الحديث هو الناسخ لأحاديث النهي؛ وذلك لأن هذا متأخر عن أخبار النهي؛ وذلك لأن أبا هريرة هو الذي روى: "من أدرك ركعة من العصر" وهو متأخر وأخبار النهي عن: عمر بن الخطاب، وعمرو بن عبسة، وغيرهما، وإسلامهما قديم، وقد أجيب عن هذا بأن حديث أبي هريرة روي أيضًا عن عائشة وهي متقدمة الإِسلام فحينئذ يندفع الإشكال. قلت: هذا غير مقنع، فلا يتم به التقريب. فإن قيل: على ما ذكره الطحاوي ينبغي أن لا يجوز في حالة الغروب عصر يومه كما لا يجوز عصر أمسه بلا خلاف. قلت: المفهوم من ظاهر كلامه أنه لا يجوز؛ لأنه قال: وثبت أن لا تصلَّ فيه صلاة أصلًا أي في حالة الغروب، وقوله هذا بعمومه يتناول سائر الصلوات، ولكن المذهب جواز عصر يومه؛ لأنه شرع فيه ناقصًا فيجوز له أن يؤدى كاملًا بخلاف عصر أمسه، وأنه حين فات ثبت في ذمته كاملًا، فلا يجوز أن يؤديه ناقصًا.

стр. 1283

ص: وأما وقت المغرب فإن في الآثار الأُوَل كلها أنه صلاها عند غروب الشمس، وقد ذهب قوم إلى خلاف ذلك، فقالوا: أول وقت المغرب حين يطلع النجم، واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، عن خير بن نعيم، عن ابن هبيرة الشيباني، عن أبي تميم الجيشاني، عن أي بصرة الغفاري قال: "صلى رسول الله ﵇ صلاة العصر بالمحمض فقال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها؛ فمن حافظ منكم أوتي أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أي حبيب، عن خير بن نعيم الحضرمي ... ثم ذكر مثله بإسناده غير أنه لم يقل: بالمحمض وقال: "لا صلاة بعدها حتى يُرى الشاهد والشاهد: النجم". فقالوا: طلوع النجم هو أول وقتها. ش: أراد بالآثار الأُول: الأحاديث التي سبق ذكرها في أول الباب، وأراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح ووهب بن منبه؛ فإنهم قالوا: أول وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجوا في ذلك بحديث أبي بصرة الغفاري -بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة- واسمه حميل -بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف- وقيل: جميل -بالجيم- والأول هو الصحيح وحميل بن بصرة -بالباء أيضًا- بن وقاص بن حاجب بن غفار الغفاري الصحابي. وأخرج الطحاوي حديث أبي بصرة من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن خير بن نعيم بن مرة أبي نعيم المصري قاضي مصر وَبَرقة، عن عبد الله بن هبيرة بن أسعد السبائي المصري، نسبته إلى سباء -بفتح السين مقصور مهموز مصروف وغير مصروف- وهو أبو اليمن واسمه عامر ويقال عبد شمس

стр. 1284

وكان أول من سَبَا في العرب سباءً والهمزة فيه على هذا ملحقة، وزيدت المدة في النسبة كما يقال في النسبة إلى طيء: طائي، وهو يروي عن أبي تميم واسمه عبد الله ابن مالك الرعيني المصري، ونسبته إلى جيشان -بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- بن عبدان بن حجر بن ذي وعن الحميري. الثاني: عن علي بن معبد بن نوح، عن يعقوب بن إبراهيم المدني، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، عن محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري، عن خير بن نعيم الحضرمي، عن ابن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي بصرة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) أيضًا من طريقين: الأول: عن قتيبة، قال: نا الليث، عن خير بن نعيم الحضرمي، عن ابن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي بصرة الغفاري قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ العصر بالمحمض فقال: إن هذه الصلاة عُرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم". وأخرجه النسائي (٢): عن قتيبة أيضًا نحوه إسنادًا ومتنًا. والثاني: عن زهير بن حرب (١)، عن يعقوب بن إبراهيم إلى آخره. قوله: "بالمحمض" بفتح الميمن وسكون الحاء المهملة وفي آخره ضاد معجمة، وهو الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحمض، والحمَض في النبات كالرمث والأثل والطرفاء ونحوها والخلة من النبت ما كان حلوًا: تقول العرب: الخلة: خبز الإبل، والحمَض فاكهتها، ويقال: لحمها، والجمع الحموض، والرمث -بكسر الراء وسكون الميم وفي آخره شاء مثلثة- مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض.

стр. 1285

قوله: "أوتي "أي أعطي. قوله: "حتى يطلع الشاهد" قد فسر في الحديث أنه النجم؛ سمى به لأنه يشهد بالليل: أي يحضر ويظهر، ومنه قيل لصلاة المغرب: صلاة الشاهد. ص: قال أبو جعفر ﵀: وكان قوله عندنا والله أعلم: "ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد" قد يحتمل أن يكون هذا هو آخر قول النبي ﵇ كما ذكره الليث، ويكون الشاهد هو الليل، ولكن الذي رواه غير الليث تأول أن الشاهد هو النجم، فقال ذلك برأيه لا عن النبي ﵇، وقد تواترت الآثار عن رسول الله ﵇ أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمسي بالحجاب. ش: أشار بهذا الجواب عما قال هؤلاء: إن قوله: "ولا صلاة بعدها حتى يُرى الشاهد". لا يخلو إما أن يكون من كلام النبي ﵇ في آخر قوله، أو لم يكن، فإن كان من كلامه كما هو في رواية الليث بن سعد يكون المراد من الشاهد هو الليل، فنحن أيضًا نقول: لا صلاة بعد العصر حتى يدخل الليل؛ لأن دخول الليل بغروب الشمس، وإن لم يكن من كلام النبي ﵇ كما رواه غير الليث، وأول الشاهد بالنجم، فلا يعمل به؛ لأنه ليس من النبي ﵇، على أن الآثار قد تواترت وتكاثرت أن النبي ﵇ كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب أي إذا غابت. فإن قيل: إذا كانت الزيادة عن ثقة؛ يعمل بها. قلت: نعم يعمل بها حينئذ إذا لم تخالفها الآثار الصحيحة، وقد تكاثرت الآثار الصحيحة أنه ﵇ كان يصلي المغرب عقيب غروب الشمس وحث أمته على العجيلة حيث قال: "لا تزال أمتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم".

стр. 1286

أخرجه أبو داود (١)، والحاكم في "مستدركه" (٢) وقال: صحيح على شرط مسلم. ص: حدثنا فهد، قال ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطية قال: "دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂ فقال مسروق: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد ﵇ كلاهما لا يألو عن الخير، أما أحدهما فيعجل المغرب ويعجل الأفطار، والآخر يؤخر المغرب حتى تبدو النجوم ويؤخر الإفطار -يعني- فقالت. أيهما كان يعجل الصلاة والإفطار؟ قال: عبد الله، قالت عائشة ﵂: كذلك كان يفعل رسول الله ﵇". ش: هذا وما بعده من الآثار بيان لقوله: "وقد تواترت الآثار عن رسول الله ﵇ أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب". وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا. والأعمش هو سليمان، وعمارة هو ابن عمير التيمي الكوفي، وأبو عطية الوداعي الهمداني الكوفي اسمه مالك بن أبي حُمْرة -وقيل: مالك بن عامر، وقيل: عمرو- ابن جندب وقيل: غير ذلك والله أعلم. وأخرجه مسلم (٣): ثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب محمد بن العلاء، [قالا] (٤): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية قال: "دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂ فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد ﵇ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله -يعني ابن مسعود- قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﵇". زاد أبو كريب: "والآخر أبو موسى".

стр. 1287

وأخرجه أبو داود (١): عن مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة ... إلى آخره نحو رواية مسلم. وأخرجه الترمذي (٢): عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٣) من طرق متعددة. قوله: "رجلان" مبتدأ تخ ﷺ بالصفة؛ لأن التقدير: رجلان كانا من أصحاب محمد ﵇. وقوله: "كلاهما" مبتدأ ثان، وخبره قوله: "لا يألو" والجملة خبر المبتدأ الأول، ومعنى لا يألو: لا يقصر من أَلى يألو: إذا قَصَّر وأبطأ. قوله: "حتى تبدو النجوم" أي حتى تظهر. قوله: "يعني: أبا موسى" بيان لقوله: "والآخر يؤخر المغرب" وهو أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس. قوله: "قال: عبد الله" أي قال مسروق: الذي يعجل الصلاة والإفطار هو عبد الله بن مسعود. وفيه: دلالة على أن وقت المغرب عقب غروب الشمس، واستحباب تعجيل الإفطار. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن عروة، قال: أخبرني بشير بن أي مسعود، عن أبي مسعود ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي المغرب إذا وجبت الشمس".

стр. 1288

ش: إسناده صحيح ورواته ثقات، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وبشير -بفتح الباء الموحدة وكسر السنن المعجمة- بن أبي مسعود الأنصاري المدني قيل: إنه له صحبة، وذكره في "الكمال" من التابعين، قال: وقيل: إن له صحبة، ولكن لم يثبت سماعه من النبي ﵇. وأبوه أبو مسعود البدري اسمه عقبة بن عمرو الصحابي من أهل العقبة. وأخرجه الطبراني (١) مطولًا: ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح (ح). وثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي، نا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب: "أنهم كانوا على كراسي عمر بن عبد العزيز ﵁ ومعهم عروة بن الزبير، فدعاه المؤذن لصلاة العصر فأمسى قبل أن يصليها، فلما رجعوا قال عروة بن الزبير: هل شعرت أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﵇ فصلى معه وأخبره بوقت الصلاة؟ فقال عمر: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال عروة عند ذلك: أخبرني بشر بن أبي مسعود الأنصاري، عن أبي مسعود، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: نزل عليَّ جبريل ﵇ فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، فرأيت رسول الله ﵇ يصلي الهاجرة حين تزيغ الشمس وربما أخرها في شدة الحر، والعصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب إذا وجبت الشمس، ويصلي العشاء إذا اسود الأفق، ويصلي الصبح بغلس ثم صلاها يومًا فأسفر بها، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله". قوله: "إذا وجبت الشمس" أي إذا سقطت للغروب، من الوجوب وهو السقوط. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن

стр. 1289

سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي المغرب إذا وجبت الشمس". ش: إسناده صحيح ورواته رواة الصحيح ما خلا ابن مرزوق، ومحمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃. وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن يقول: "لما قدم الحجاج بن يوسف كان يؤخر الصلاة، فسألنا جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة، فقال: كان رسول الله ﵇ يصلي الظهر بالهجير أو حين تزول، ويصلي العصر والشمس مرتفعة، ويصلي المغرب حين تغرب الشمس، ويصلي العشاء يؤخر أحيانًا ويعجل أحيانًا، إذا اجتمع الناس عَجَّل، وإذا تأخروا أَخَّر، وكان يصلي الصبح بغلس أو قال: كانوا يصلونها بغلس" قال أبو داود: هكذا قال شعبة. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: "كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﵇ إذا توارت بالحجاب". ش: إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (٢): ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة قال: "كنا نصلي مع النبي ﵇ المغرب إذا توارت بالحجاب". ومسلم (٣): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا حاتم -وهو ابن أبي إسماعيل- عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب".

стр. 1290

وأبو داود (١): ثنا عمرو بن علي، ثنا صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: "كان النبي ﵇ يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها". والترمذي (٢): عن قتيبة ... نحو مسلم. وابن ماجه (٣): نا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع: "أنه كان يصلي مع النبي ﵇ المغرب إذا توارت بالحجاب". قوله: "إذا توارت بالحجاب" أي استترت، من التواري وهو الاستتار، والحجاب: الأفق، أي إذا غابت الشمس في الأفق واستترت به، ولا يقال: إنه إضمار قبل الذكر، لقيام القرائن على أن المراد بما يوسف بالتواري بالحجاب هو الشمس كما في قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٤) ". إذْ قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ﴾ (٥) قرينة على أن المراد من قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (١) هو الشمس، مع وجود القرينة الحالية أيضًا. ص: وقد روي ذلك أيضًا عمن بعد رسول الله ﷺ كما قد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة قال: "قال عمر ﵁: صلوا هذه الصلاة -يعني المغرب- والفجاج مسفرة".

стр. 1291

وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمران ... بإسناده مثله. وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمران ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن سيرين، عن المهاجر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى أن صلِّ المغرب حين تغرب الشمس". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب: "أن عمر ﵁ كتب إلى أهل الجابية أن صلوا المغرب قبل أن تبدو النجوم". حدثنا فهد، قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: ثنا إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلى عبد الله بأصحابه صلاة المغرب فقام أصحابه يتراءون الشمس، فقال: ما تنظرون؟ فقالوا: ننظر أغابت الشمس، فقال عبد الله: هذا والله الذي لا إله إلا هو وقت هذه الصلاة، ثم قرأ عبد الله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١) وأشار بيده إلى المغرب فقال: هذا غسق الليل، وأشار بيده إلى المطلع فقال: هذا دلوك الشمس" قيل: حدثكم عمارة أيضًا قال: نعم. حدثنا روح بن الفرح، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الرحمن بن يزيد: "صلى ابن مسعود ﵁ بأصحابه المغرب حين غربت الشمس، ثم قال: هذا -والله الذي لا إله إلا هو- وقت هذه الصلاة".

стр. 1292

حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله مثله. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا المسعودي، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال حين غربت الشمس: "والذي لا إله إلا هو إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، ثم قرأ عبد الله تصديق ذلك من كتاب الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١) قال: ودلوكها حين تغيب، وغسق الليل: حين تظلم، والصلاة بينهما". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن لبيبة، قال: قال لى أبو هريرة ﵁: "متى غسق الليل؟ قلت: إذا غربت الشمس، قال: فأحدر المغرب في إثرها ثم أحدرها في إثرها". حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: "رأيت عمر وعثمان ﵄ يصليان المغرب في رمضان إذا أبصر إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد". قال أبو جعفر ﵀: فهؤلاء أصحاب النبي ﵇ لم يختلفوا أن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وهذا هو النظر أيضًا؛ لأنا قد رأينا دخول النهار وقت لصلاة الصبح، فكذلك دخول الليل وقت لصلاة المغرب، وهو قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد وعامة الفقهاء ﵀. ش: أي قد روي ما ذكرنا من أن وقت المغرب عقب غروب الشمس أيضًا عن الصحابة، فأخرج ذلك عن أربعة منهم، وهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن عفان ﵃. أما أثر عمرا فقد أخرجه من خمس طرق حسان جياد:

стр. 1293

الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي نزيل مصر وثقه ابن يونس، عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي أحد أصحاب أبي حنيفة من رجال الجماعة، عن عمران بن مسلم المنقري البَّصري -بالنون- القصير من رجال الجماعة غير ابن ماجه، عن سويد بن غفلة بن عوسجة الكوفي أدرك الجاهلية وقدم المدينة حين فرغت الأيدي من دفن رسول الله ﵇. وقد روي أنه صلى مع النبي ﵇ والأول أثبت، وهو من رجال الجماعة. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال: قال عمر ﵁: "صلوا هذه الصلاة والفجاج مسفرة، يعني المغرب". قوله: "الفجاج مسفرة" جملة اسمية وقعت حالًا، والفجاج جمع فج، وهي الطريق الواسع منه: "كل فجاج مكة منحر" (٢). قوله: "مسفرة" أي مضيئة، من أسفر: إذا أضاء وانكشف، وأراد به تعجيل المغرب قبل وقوعه في الغلس. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، عن عمر ﵁. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن الثوري، عن عمران بن مسلم الجعفي، عن سويد بن غفلة قال: سمعت عمر ﵁ يقول: "صلوا هذه الصلاة والفجاج مسفرة، للمغرب".

стр. 1294

الثالث: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن عمران بن مسلم، عن سويد، عن عمر بن الخطاب ﵁. الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر الحوضي واسمه حفص بن عمر وقد تكرر ذكره، عن يزيد بن إبراهيم التستري البصري، عن محمَّد بن سيرين، عن المهاجر -غير منسوب- ذكره ابن أبي حاتم وقال: المهاجر بصري روى عن عمر بن الخطاب، روى عنه محمد بن سيرين سمعت أبي يقول ذلك، وسكت عنه. قوله: "كتب إلى أبي موسى" وهو عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ وكان عمر بن الخطاب ﵁ استعمله على الكوفة والبصرة. الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار المصري، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي من رجال الجماعة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر ﵁ إلى آخره. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": رأى سعيد بن المسيب عمر ﵁ وسمع منه، وهو من سادات التابعين. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي الأحوص، عن طارق، عن سعيد بن المسيب قال: "كان عمر ﵁ يكتب إلى أمراء الأمصار: أن لا تنتظروا بصلاتكم إلى اشتباك النجوم". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن طارق بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أهل الأمصار: أن لا تكونوا من المسوفين بفطركم، ولا المنتظرين بصلاتكم إلى اشتباك النجوم".

стр. 1295

قوله: "إلى أهل الجابيه" وهي مدينة بالشام، وإليها ينسب باب من أبواب دمشق فيقال: باب الجابية. قدم إليها عمر بن الخطاب، بعد أن فتحها الصحابة أيامه. وأما أثر عبد الله بن مسعود فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص أحد مشايخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) بإسناده: عن الأعمش، عن إبراهيم وعمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان ابن مسعود يصلي المغرب ونحن نرى أن الشمس طالعة، قال: فنظرنا يومًا إلى ذلك، فقال: ما تنظرون؟ قالوا: إلى الشمس، فقال عبد الله: هذا والله الذي لا إله إلا هو ميقات هذه الصلاة، ثم قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٢) فهذا دلوك الشمس". قوله: "هل حدثكم عمارة أيضًا؟ قال: نعم" أراد أنهم سألوا الأعمش أن أثر ابن مسعود هذا حدثكم به عمارة أيضًا؟ قال: نعم. وأخرجه الطبراني (٣) بهذا الإسناد: ثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلى عبد الله ذات يوم، فجعل رجل ينظر، هل غابت الشمس؟ فقال: ما تنتظرون؟! هذا والذي لا إلى غيره ميقات هذه الصلاة، فيقول الله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١) فهذا دلوك الشمس، وهذا غسق الليل".

стр. 1296

قوله: "يتراءون الشمس" أراد أنهم نظروا إلى الشمس هل غابت أم لا؟ وفسر غيره الدلوك بزوال الشمس، وقال الزمخشري: دلكت الشمس: غربت، وقيل: زالت، وروي عن النبي ﵇: "أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر واشتقاقه من الدلك؛ لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك: الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر. والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء. الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره. وأخرج الطبراني (١): ثنا محمد بن علي الصائغ، نا سعيد بن منصور، ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن قال: "كنا مع عبد الله بن مسعود، فلما غربت الشمس قال: هذا والذي لا إله غيره حيث دلكت وحل وقت الصلاة". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق [بن] (٢) الأجدع، عن عبد الله بن مسعود. الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن موسى الوهبي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود. قوله: "لميقات هذه الصلاة" أي لوقت هذه الصلاة، وهي صلاة المغرب، و"اللام" فيه للتأكيد، وهي مفتوحة.

стр. 1297

قوله: "تصديق ذلك" أي تصديق ما قاله ابن مسعود. قوله: "والصلاة بينهما" أي وقت الصلاة، أي وقت صلاة المغرب بين الدلوك والغسق، أراد: وقت المغرب بين غروب الشمس إلى ظلمة الليل وهي غروب الشفق. وأما أثر أبي هريرة: فأخرجه عن إبراهيم بن داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبي عمرو الحمصي أحد مشايخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- بن سليم الشامي الحمصي العنسي -بالنون- فيه خلاف، فضعفه النسائي وابن حبان، ووثقه الفسوي، ولينه أبو حاتم. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم القاريّ -بتشديد الياء- المكي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. عن عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي الحجازي، وثقه ابن حبان. قوله: "متى غسق الليل" أراد متى يكون الليل في الغسوق؟ يعني في الظلمة من غَسَقَ يَغْسق غسوقًا فهو غاسق إذا أظلم، وأغسق مثله، وأجاب بأن الغسوق يكون بغروب الشمس. قوله: "فأحدر المغرب" أي أسرعها، من حدر إذا أسرع يقال: حدر في قراءته وأذانه يحدر حدرًا، وهو من الحدور ضد الصعود، يتعدى ولا يتعدى. قوله: "في إثرها" أي في عقب غروب الشمس، أراد لا تؤخر صلاة المغرب عن عقب غروب الشمس، وإنما أيد الضمير في "إثرها" وإن كان يرجع إلى الغروب الذي يدل عليه قوله: "إذا غربت الشمس" باعتباره ملاحظة الشمس، أو باعتبار معنى الرؤية فافهم. وأما أثر عثمان ﵁ الذي فيه عمر أيضًا، فأخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أسد بن موسى أسد السنة، وثقه ابن يونس.

стр. 1298

عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب من رجال الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني روى له الجماعة. وأخرجه ابن سعد في ترجمة حميد بن عبد الرحمن (١) وقال: روى عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن: "أن عمر وعثمان ﵄ كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران". ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد قال: "رأيت عمر وعثمان يصليان" قال محمد بن عمر: وأثبتها عندنا حديث مالك وأن حميد لم يَرَ عمر ﵁ ولم يسمع منه شيئًا، وسنُّه وموته يدل على ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله، وكان يدخل عليه كما يدخل ولده صغيرًا أو كبيرًا. قوله: "وهذا هو النظر أيضًا" أي كون وقت المغرب عقب الغروب هو النظر والقياس، وهو ظاهر. قوله: "وعامة الفقهاء" نحو الثوري والنخعي والأوزاعي والشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم وجماهير الفقهاء من بعدهم ﵏. ص: واختلف الناس في خروج وقت المغرب، فقال قوم: إذا غاب الشفق -وهو العمرة- خرج وقتها، وممن قال ذلك: أبو يوسف ومحمد. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري وابن أبي ليلى وطاوسًا ومكحولًا والحسن بن حيّ والأوزاعي والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وداود بن علي، فإنهم قالوا: الشفق هو الحمرة، ولا يخرج وقت المغرب إلا بخروج الحمرة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن أحمد: أنه البياض في البنيان، والحمرة في

стр. 1299

الصحاري. وعن بعضهم: الشفق اسم للحمرة والبياض معًا إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني، وأبيض ليس بناصع. ص: وقال آخرون: إذا غاب الشفق -وهو البياض الذي بعد الحمرة- خرج وقتها، وممن قال ذلك: أبو حنيفة ﵁. ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن المبارك والأوزاعي -في رواية- ومالكًا -في رواية- وزفر بن الهذيل وأبا ثور والمبرد والفراء؛ فإنهم قالوا: لا يخرج وقت المغرب حتى يغيب الشفق الأبيض، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب وعبد الله بن الزبير ﵃ وإليه ذهب أبو حنيفة. ص: وكان النظر عندنا في ذلك: أنهم قد أجمعوا أن العمرة التي قبل البياض من وقتها وإنما اختلافهم في البياض الذي بعده، فقال بعضهم: حكمه خلاف حكم العمرة، فنظرنا في ذلك فرأينا الفجر تكون قبله حمرة، ثم يتلوها بياض الفجر، فكانت العمرة والبياض في ذلك وقتًا لصلاة واحدة وهو الفجر، فإذا خرجا خرج وقتها، فالنظر على ذلك: أن يكون البياض والحمرة في المغرب أيضًا وقتًا لصلاة واحدة وحكمهما حكم واحد إذا خرجا خرج وقتا الصلاة اللذان هما وقت لها. ش: ملخص هذا: أن الشفق يطلق على العمرة والبياض كما قال بعض أهل اللغة، فلا يخرج وقت المغرب إلا بذهاب الحمرة والبياض جميعًا، ودل كلامه أيضًا أنه اختار أن يكون خروج المغرب بذهاب العمرة والبياض جميعًا، قياسًا على حمرة الفجر وبياضه، والله أعلم. ص: وأما العشاء الآخرة فإن تلك الآثار كلها فيها أن رسول الله ﵇ صلاها في أول يوم بعد ما غاب الشفق إلا جابر بن عبد الله ﵁ فإنه ذكر أنه صلاها قبل أن يغيب الشفق فيحتمل ذلك عندنا -والله أعلم- أن يكون جابر عني الشفق الذي هو البياض، وعني الآخرون الشفق الذي هو الحمرة، فيكون قد صلاها بعد غيبوبة

стр. 1300

الحمرة وقبل غيبوبة البياض حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد [و] (١) في ثبوت ما ذكرنا ما يدل على ما قال من قال: إن بعد غيبوبة العمرة وقت للمغرب إلى أن يغيب البياض. ش: هذا عطف على قوله: "وأما وقت المغرب" وأراد بتلك الآثار التي رواها عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وبريدة بن الحصيب وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وغيرهم ﵃ فإنهم كلهم رووا أن رسول الله ﷺ صلى العشاء الآخرة بعد ما غاب الشفق، إلا جابر بن عبد الله فإنه ذكر أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق، فبين الروايتين تعارض وتضاد ظاهرًا، ودفع ذلك أن نقول: إنه يحتمل أن يكون جابر ﵁ أراد من الشفق الذي هو البياض، ويكون معنى كلامه أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق الأبيض بعد غيبوبة الشفق الأحمر، ويكون غيره أراد من الشفق هو الحمرة، ويكون معنى كلامهم أنه صلاها بعد غيبوبة الشفق الأحمر وقبل غيبوبة الشفق الأبيض، فحينئذ تتفق الروايتان ويرتفع التعارض. قوله: "وفي ثبوت ما ذكرنا ... " إلى آخره إشارة إلى تقوية قول أبي حنيفة أن الشفق هو البياض، وذلك لأنه قد ثبت أنه ﵇ قد صلى العشاء الآخرة في اليوم الأول في كلتا الروايتين بعد غيبوبة الشفق الأحمر، فدل ذلك على أن ما بعد غيبوبة الأحمر وقت للمغرب إلى غيبوبة الأبيض. قوله: "ما يدل" محله الرفع بالابتداء، وخبره قوله "وفي ثبوت ما ذكرنا". قوله: "على ما قال" يتعلق بقوله: "يدل" وقوله: "من قال" في محل الرفع لأنه فاعل "قال" الذي في قوله: "ما قال" فافهم. ص: وأما آخر وقت العشاء الآخرة ة فإن ابن عباس وأبا سعيد وأبا موسى ﵃ ذكروا أن النبي ﵇ أخرها إلى ثلث الليل ثم صلاها، وقال جابر بن
следующие страницы →