قوله: "يتراءون الشمس" أراد أنهم نظروا إلى الشمس هل غابت أم لا؟ وفسر غيره الدلوك بزوال الشمس، وقال الزمخشري: دلكت الشمس: غربت، وقيل: زالت، وروي عن النبي ﵇: "أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر واشتقاقه من الدلك؛ لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك: الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر.
والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء.
الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره.
وأخرج الطبراني (١): ثنا محمد بن علي الصائغ، نا سعيد بن منصور، ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن قال: "كنا مع عبد الله بن مسعود، فلما غربت الشمس قال: هذا والذي لا إله غيره حيث دلكت وحل وقت الصلاة".
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق [بن] (٢) الأجدع، عن عبد الله بن مسعود.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن موسى الوهبي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود.
قوله: "لميقات هذه الصلاة" أي لوقت هذه الصلاة، وهي صلاة المغرب، و"اللام" فيه للتأكيد، وهي مفتوحة.
стр. 1297
قوله: "تصديق ذلك" أي تصديق ما قاله ابن مسعود.
قوله: "والصلاة بينهما" أي وقت الصلاة، أي وقت صلاة المغرب بين الدلوك والغسق، أراد: وقت المغرب بين غروب الشمس إلى ظلمة الليل وهي غروب الشفق.
وأما أثر أبي هريرة: فأخرجه عن إبراهيم بن داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبي عمرو الحمصي أحد مشايخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- بن سليم الشامي الحمصي العنسي -بالنون- فيه خلاف، فضعفه النسائي وابن حبان، ووثقه الفسوي، ولينه أبو حاتم.
عن عبد الله بن عثمان بن خثيم القاريّ -بتشديد الياء- المكي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا.
عن عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي الحجازي، وثقه ابن حبان.
قوله: "متى غسق الليل" أراد متى يكون الليل في الغسوق؟ يعني في الظلمة من غَسَقَ يَغْسق غسوقًا فهو غاسق إذا أظلم، وأغسق مثله، وأجاب بأن الغسوق يكون بغروب الشمس.
قوله: "فأحدر المغرب" أي أسرعها، من حدر إذا أسرع يقال: حدر في قراءته وأذانه يحدر حدرًا، وهو من الحدور ضد الصعود، يتعدى ولا يتعدى.
قوله: "في إثرها" أي في عقب غروب الشمس، أراد لا تؤخر صلاة المغرب عن عقب غروب الشمس، وإنما أيد الضمير في "إثرها" وإن كان يرجع إلى الغروب الذي يدل عليه قوله: "إذا غربت الشمس" باعتباره ملاحظة الشمس، أو باعتبار معنى الرؤية فافهم.
وأما أثر عثمان ﵁ الذي فيه عمر أيضًا، فأخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أسد بن موسى أسد السنة، وثقه ابن يونس.
стр. 1298
عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب من رجال الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني روى له الجماعة.
وأخرجه ابن سعد في ترجمة حميد بن عبد الرحمن (١) وقال: روى عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن: "أن عمر وعثمان ﵄ كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران".
ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد قال: "رأيت عمر وعثمان يصليان" قال محمد بن عمر: وأثبتها عندنا حديث مالك وأن حميد لم يَرَ عمر ﵁ ولم يسمع منه شيئًا، وسنُّه وموته يدل على ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله، وكان يدخل عليه كما يدخل ولده صغيرًا أو كبيرًا.
قوله: "وهذا هو النظر أيضًا" أي كون وقت المغرب عقب الغروب هو النظر والقياس، وهو ظاهر.
قوله: "وعامة الفقهاء" نحو الثوري والنخعي والأوزاعي والشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم وجماهير الفقهاء من بعدهم ﵏.
ص: واختلف الناس في خروج وقت المغرب، فقال قوم: إذا غاب الشفق -وهو العمرة- خرج وقتها، وممن قال ذلك: أبو يوسف ومحمد.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري وابن أبي ليلى وطاوسًا ومكحولًا والحسن بن حيّ والأوزاعي والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وداود بن علي، فإنهم قالوا: الشفق هو الحمرة، ولا يخرج وقت المغرب إلا بخروج الحمرة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن أحمد: أنه البياض في البنيان، والحمرة في
стр. 1299
الصحاري. وعن بعضهم: الشفق اسم للحمرة والبياض معًا إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني، وأبيض ليس بناصع.
ص: وقال آخرون: إذا غاب الشفق -وهو البياض الذي بعد الحمرة- خرج وقتها، وممن قال ذلك: أبو حنيفة ﵁.
ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن المبارك والأوزاعي -في رواية- ومالكًا -في رواية- وزفر بن الهذيل وأبا ثور والمبرد والفراء؛ فإنهم قالوا: لا يخرج وقت المغرب حتى يغيب الشفق الأبيض، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب وعبد الله بن الزبير ﵃ وإليه ذهب أبو حنيفة.
ص: وكان النظر عندنا في ذلك: أنهم قد أجمعوا أن العمرة التي قبل البياض من وقتها وإنما اختلافهم في البياض الذي بعده، فقال بعضهم: حكمه خلاف حكم العمرة، فنظرنا في ذلك فرأينا الفجر تكون قبله حمرة، ثم يتلوها بياض الفجر، فكانت العمرة والبياض في ذلك وقتًا لصلاة واحدة وهو الفجر، فإذا خرجا خرج وقتها، فالنظر على ذلك: أن يكون البياض والحمرة في المغرب أيضًا وقتًا لصلاة واحدة وحكمهما حكم واحد إذا خرجا خرج وقتا الصلاة اللذان هما وقت لها.
ش: ملخص هذا: أن الشفق يطلق على العمرة والبياض كما قال بعض أهل اللغة، فلا يخرج وقت المغرب إلا بذهاب الحمرة والبياض جميعًا، ودل كلامه أيضًا أنه اختار أن يكون خروج المغرب بذهاب العمرة والبياض جميعًا، قياسًا على حمرة الفجر وبياضه، والله أعلم.
ص: وأما العشاء الآخرة فإن تلك الآثار كلها فيها أن رسول الله ﵇ صلاها في أول يوم بعد ما غاب الشفق إلا جابر بن عبد الله ﵁ فإنه ذكر أنه صلاها قبل أن يغيب الشفق فيحتمل ذلك عندنا -والله أعلم- أن يكون جابر عني الشفق الذي هو البياض، وعني الآخرون الشفق الذي هو الحمرة، فيكون قد صلاها بعد غيبوبة
стр. 1300
الحمرة وقبل غيبوبة البياض حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد [و] (١) في ثبوت ما ذكرنا ما يدل على ما قال من قال: إن بعد غيبوبة العمرة وقت للمغرب إلى أن يغيب البياض.
ش: هذا عطف على قوله: "وأما وقت المغرب" وأراد بتلك الآثار التي رواها عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وبريدة بن الحصيب وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وغيرهم ﵃ فإنهم كلهم رووا أن رسول الله ﷺ صلى العشاء الآخرة بعد ما غاب الشفق، إلا جابر بن عبد الله فإنه ذكر أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق، فبين الروايتين تعارض وتضاد ظاهرًا، ودفع ذلك أن نقول: إنه يحتمل أن يكون جابر ﵁ أراد من الشفق الذي هو البياض، ويكون معنى كلامه أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق الأبيض بعد غيبوبة الشفق الأحمر، ويكون غيره أراد من الشفق هو الحمرة، ويكون معنى كلامهم أنه صلاها بعد غيبوبة الشفق الأحمر وقبل غيبوبة الشفق الأبيض، فحينئذ تتفق الروايتان ويرتفع التعارض.
قوله: "وفي ثبوت ما ذكرنا ... " إلى آخره إشارة إلى تقوية قول أبي حنيفة أن الشفق هو البياض، وذلك لأنه قد ثبت أنه ﵇ قد صلى العشاء الآخرة في اليوم الأول في كلتا الروايتين بعد غيبوبة الشفق الأحمر، فدل ذلك على أن ما بعد غيبوبة الأحمر وقت للمغرب إلى غيبوبة الأبيض.
قوله: "ما يدل" محله الرفع بالابتداء، وخبره قوله "وفي ثبوت ما ذكرنا".
قوله: "على ما قال" يتعلق بقوله: "يدل" وقوله: "من قال" في محل الرفع لأنه فاعل "قال" الذي في قوله: "ما قال" فافهم.
ص: وأما آخر وقت العشاء الآخرة ة فإن ابن عباس وأبا سعيد وأبا موسى ﵃ ذكروا أن النبي ﵇ أخرها إلى ثلث الليل ثم صلاها، وقال جابر بن
стр. 1301
عبد الله: صلاها في وقت قال بعضهم: هو ثلث الليل، وقال بعضهم: هو نصف الليل، فأحتمل أن يكون صلاها قبل مضي الليلة فيكون مضي الثلث هو آخر وقتها واحتمل أن يكون صلاها بعد الثلث فيكون قد بقيت بقية من وقتها بعد خروج الثلث، فلما احتمل ذلك نظرنا فيما روي في ذلك.
فإذا ربيع المؤذن قد حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: أنا محمد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ : "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس".
حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا، الخصيب بن ناصح، قال: ثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ قال: "وقت العشاء إلى نصف الليل".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو -قال شعبة: حدثنيه ثلاث مرار رفعه مرة ولم يرفعه مرتين- ثم ذكر مثله.
فثبت بهذه الآثار أن ما بعد ثلث الليل أيضًا هو وقت من وقت العشاء الآخرة.
ش: تحرير هذا أن ابن عباس وأبا سعيد الخدري وأبا موسى الأشعري ذكروا في أحاديثهم أن النبي ﵇ أخر العشاء الآخرة إلى ثلث الليل ثم صلاها، وأن جابر بن عبد الله قال: إنه صلاها في وقت فاختلفوا فيه، فقيل: هو ثلث الليل، وقيل: هو نصف الليل، فاحتمل أن يكون ﵇ صلاها قبل مُضي الثلث فيكون مُضي ثلث الليل هو آخر وقت العشاء، واحتمل أن يكون صلاها بعد الثلث فيكون قد بقيت بقية من ذلك العشاء الآخرة بعد خروج الثلث، فلما احتمل؛ نظرنا، فوجدنا حديث
стр. 1302
أبي هريرة: "وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل". يدل على أن ما بعد ثلث الليل أيضًا وقت من وقت العشاء الآخرة وكذلك حديث عبد الله بن عمرو: "وقت العشاء إلى نصف الليل" يدل على ذلك كذلك. هذا حاصل كلامه.
قلت: اختلفت الرواية في آخر وقت العشاء الآخرة، ففي حديث عمرو بن العاص: وقتها إلى نصف الليل الأوسط، وفي رواية بريدة: "أنه صلى في اليوم الثاني بعد ما ذهب ثلث الليل". وفي رواية: "عندما ذهب ثلث الليل". ومثله في حديث أبي موسى: "حين كان ثلث الليل". وفي حديث جبريل ﵇: "حين ذهب ساعة من الليل" وفي رواية ابن عباس: "إلى ثلث الليل". وفي حديث أبي برزة: "بعد هذا إلى نصف الليل أو ثلثه". وقال مرة: "إلى نصف الليل". ومرة: "إلى ثلث الليل". وفي حديث أنس: "بعد هذا شطره". وفي حديث ابن عمر: "حتى ذهب ثلثه". واختلف في الحديث عن جابر، فقيل: إلى شطره، وقيل: إلى ثلثه. وجاء في "الأم": بعد هذا عنه: "إذا اجتمعوا عَجَّلَ وإذا أبطأوا آخَّرَ". وفي حديث عائشة ﵂: "حتى ذهب عامة الليل".
واختلف العلماء بحسب هذا فقال عياض: وبالثلث قال مالك والشافعي في قول، وبالنصف قال أصحاب الرأي وأصحاب الحديث والشافعي في قول، وابن حبيب من أصحابنا، وعن النخعي الربع، وهو نحو من قوله في الحديث: "بعد ساعة من الليل" وقيل: وقتها إلى طلوع الفجر، وهو قول داود، وهذا عند مالك وقت الضرورة لها، واختلف في وقت الوجوب وتعيين الخطاب على المصلي في أوقات هذه الصلوات، مذهب المالكية: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت وأن الجميع وقت موسع للوجوب، وحكى ابن القصار هذا عن الشافعي، واختار بعض أصحابنا أن وقت الوجوب منه متعين، وإنما يعينه المكلف بفعله، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التأخير عن أول الوقت لا يبدل وهو العزم، وأجاز غيره تركها بغير بدل -لتوسعه وقتها- إلى أن يبقى من الوقت مقدار ما تفعل فيه فيتعين، وذهب
стр. 1303
الشافعي إلى أن وقت الوجوب أوله، وإنما ضرب آخره فصلًا بين الأداء والقضاء، ويُعَارَض هؤلاء بأن التأثيم يتعلق بترك الواجب، ولا يؤثم أحد تارك الصلاة لأول الوقت، وذهب الحنفية إلى أن الوجوب متعلق بآخره، ويُعارَض هؤلاء بالإجماع إلى جواز الصلاة لأول الوقت. وسقوطها عمن صلاها حينئذ ولو كانت لم تجب؛ لم تجزئ كما لا تجزئ قبل الوقت انتهى.
قلت: مذهب الحنفية ليس كما ذكره، وإنما عندهم أن الوجوب يتعلق بكل الوقت، ولكن لا يتعين منه إلا الجزء الذي يتصل به الأداء، فإن اتصل الأداء بالجزء الأول كان هو السبب، وإلا تنتقل السببية إلى الجزء الثاني، ثم إلى الثالث، ثم ... وثم ... إلى آخر جزء من أجزاء الوقت بحيث يتمكن من عقد التجزئة فتتعين السببية فيه ضرورة أنه لم يبق من الأجزاء ما يحتمل انتقال السببية إليه فيعتبر حال المكلف في الإسلام والبلوغ والعقل والجنون والسفر والإقامة والطهر والحيض عند ذلك الجزء في حدوث العوارض المذكورة، حتى لو أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض في آخر الجزء تكره الصلاة عندنا خلافًا لزفر فإن عنده تنتقل السببية من جزء إلى جزء إلى أن يتضيق الوقت بحيث يتمكن المكلف من الأداء، حتى لا يجب على هؤلاء شيء عنده ما لم يجدوا وقتًا تسع فيه حقيقة الأداء.
ثم حديث أبي هريرة قد ذكره الطحاوي في هذا الباب مرتين غير هذا بهذا الإسناد بعينه، ولكنه قَطَّع حديثه؛ تطبيقًا للدليل على المدعى واقتصارًا عليه، وكذلك ذكر حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب بعينه بهذا الإسناد، وقد بينا رجالهما ومن أخرجهما من أصحاب السنن هناك.
ص: وقد روى في ذلك أيضًا ما يدل على ذلك.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "مكثنا ذات ليلة ننتظر النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل -أو
стр. 1304
بعده- فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي؛ لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلاها".
ش: أي قد روي أيضًا في كون ما بعد الليل وقتًا من وقت العشاء الآخرة ما يدل عليه، وهو حديث ابن عمر.
قوله: "حدثنا" بيان لذلك، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ومنصور هو ابن المعتمر الكوفي، والحكم هو ابن عتيبة.
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم -قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير-: حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: "مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﵇ لصلاة العشاء الآخرة؛ فخرج حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
وأخرجه أبو داود (٢): عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور ... " إلى آخره نحوه.
والنسائي (٣): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور ... إلى آخره نحوه.
وقال البخاري (٤): ثنا محمود، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني نافع،: قال ثنا عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﵇ شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا، ثم رقدنا ثم استيقظنا، ثم خرج علينا
стр. 1305
النبي ﵇ ثم قال: ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم. وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها وكان يرقد قبلها".
قوله: "لصلاة العشاء" أي لأجل إقامة صلاة العشاء الآخرة.
قوله: "أو بعده" أي أو بعد الثلث وأراد به الثلث الأول منه.
قوله: "أشيء شغله" أي منعه عن الخروج في أول وقتها، والهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "هذه الساعة" إشارة إلى الساعة التي تلي الثلث الأول من الليل.
ويستفاد منه: أن ما بعد ثلث الليل الأول وقت من وقت العشاء الآخرة، وأن فيه حجة على من فضل التقديم؛ وذلك لأنه نبه على فضل التأخير بقوله: "لولا أن يثقل" وصرح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، وأنه ﵇ خشى أن يواظب عليه فتفرض عليهم، أو يتوهموا إيجابه؛ فلهذا تركه، كما ترك صلاة التراويح وعلل تركها بخشية إفتراضها والعجز عنها.
ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا الحسين بن علي، عن زائدة عن سليمان، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: "جهز رسول الله ﵇ جيشًا، حتى إذا انتصف الليل أو بلغ ذلك خرج إلينا، فقال: صلى الناس ورقدوا وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا، واسم أبي بكر بن أبي شيبة عبد الله، واسم أبي شيبة محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي الحافظ، شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه.
وزائدة هو ابن قدامة، وسليمان هو الأعمش، وأبو سفيان اسمه طلحة بن نافع القرشي الواسطي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حسين بن علي ... إلى آخره نحوه.
стр. 1306
وفيه دلالة صريحة على أن ما بعد ثلث الليل وقت من وقت العشاء الآخرة، وفيه حجة لمن يرى تأخير العشاء عن أول وقتها.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة ﵂ قالت: "أعتم رسول الله ﵇ ليلة بالعتمة حتى ناداه عمر ﵁ فقال: نام النساء والصبيان، فخرج النبي ﵇ فقال: ما ينتظرنا أحد من أهل الأرض غيركم، ولا يُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة، ثم قال: وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب غسق الليل إلى ثلث الليل". ﷺ
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وأبو اليمان اسمه الحكم بن نافع شيخ البخاري، والزهري هو محمد بن مسلم.
وأخرجه البخاري (١): ثنا أيوب بن سليمان، قال: حدثني أبو بكر، عن سليمان، قال صالح بن كيسان: أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة ﵂ قالت: "أعتم رسول الله ﵇ بالعشاء حتى ناداه عمر ﵁: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، قال: ولا يُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة، قال: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو بن سواد العامري وحرملة بن يحيى، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، أن ابن شهاب أخبره، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "أعتم رسول الله ﵇ ليلة من الليالي بصلاة العشاء وهي التي تدعى العتمة، فلم يخرج رسول الله ﵇ حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﵇، فقال لأهل المسجد حين
стр. 1307
خرج عليهم: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس".
زاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب: وذُكر لي أن رسول لله ﵇ قال: "وما كان لكم أن تُبْرِزوا رسول الله ﵇ للصلاة، وذلك حين صاح عمر بن الخطاب ﵁".
وأخرجه النسائي (١): أخبرني عمرو بن عثمان، قال: ثنا ابن حِمْير، قال: ثنا ابن أبي عَبْدة، عن الزهري.
قال: وأخبرني عمرو بن عثمان، قال: حدثني أبي، عن شعيب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "أعتم رسول الله ﵇ ليلة بالعتمة، فناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﵇ فقال: ما ينتظرها غيركم، ولم يُصَلِّ يومئذ إلا بالمدينة- ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل" واللفظ لابن حِمْير.
قوله: "أعتم" أي دخل الأول في العتمة، وهي وقت صلاة العشاء، قال الخليل: العتمة هو الثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، وقد عَتَمَ الليل يَعتم، وعَتْمَتُه: ظلامه.
قوله: "غسق الليل" أراد به الشفق، ولهذا جاء في رواية البخاري: "وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول". وكذا في رواية النسائي.
وفيه: دلالة على أن ما بعد ثلث الليل وقت من وقت العشاء.
وفيه حجة لأبي حنيفة في استحباب التأخير.
فإن قيل: هذا لا يدل على أفضلية التأخير لأنه ﵇ أخرها في بعض الأوقات كما في حديث ابن عمر: "مكثنا ذات ليلة" فهذا يدل على أنه لم يكن له عادة، أو يكون لأجل شغل شغله كما في الحديث الآخر: "فلا أدري أشيء شغله في أهله أو غير
стр. 1308
ذلك". وكما جاء في حديث جابر: "أنه جهز جيشًا". وكما جاء في رواية أخرى: "فخرج ورأسه يقطر ماء". أو يكون إنما أخرها لنوم عليه، أو لشغل آخر من شغل المسلمين.
قلت: قوله: "وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها" دليل صريح على أن التأخير أفضل، ولا يبعد أن يكون النبي ﵇ أخرها لأجل الفضيلة، وقد اتفق له ما اتفق مما ذكر، فافهم.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس قال: "أخر رسول الله ﷺ العتمة إلى قريب من شطر الليل، فلما صلى أقبل علينا بوجهه فقال: إن الناس قد صلوا وناموا ورقدوا، ولم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: ثنا ثابت: "أنهم سألوا أنس بن مالك، كان لرسول الله ﵇ خاتم فضة؟ فقال: نعم، ثم قال: أخر العشاء ذات ليلة حتى كاد يذهب شطر الليل، أو إلى شطر الليل ... ثم ذكر مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: أخرجه البخاري (١): ثنا عبد الرحيم المحاربي، قال: ثنا زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس قال: "أخر النبي ﵇ صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها".
الثاني: أخرجه مسلم (٢): حدثني أبو بكر بن نافع العبدي، قال: ثنا بهز بن أسد العمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت: "أنهم سألوا أنسًا عن خاتم رسول الله ﵇، فقال: أخر رسول الله ﵇ العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل أو كاد يذهب
стр. 1309
شطر الليل، ثم جاء فقال: إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، قال أنس: كأني انظر إلى وبيص خاتمة من فضة ورفع اصبعه اليسرى بالخنصر".
قوله: "إلى وبيص" بفتح الواو وكسر الياء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره صاد مهملة، أراد: لمعانه وبريقه.
ص: ففي هذه الآثار أنه صلى العشاء بعد ما مضى ثلث الليل؛ فثبت بذلك أن بمضي ثلث الليل لا يخرج به وقتها، ولكن معنى ذلك عندنا -والله أعلم-: أن أفضل وقت العشاء الآخرة التي تُصَلَّى فيه هو من حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل، وهو الوقت الذي كان النبي ﵇ يصليها فيه، على ما ذكرنا في حديث عائشة ﵂ ثم ما بعد ذلك إلى أن ما يمضي نصف الليل في الفضل دون ذلك؛ حتى لا تتضاد هذه الآثار.
ش: أراد بهذه الآثار: التي رواها عن ابن عمر وجابر وعائشة وأنس ﵃ والباقي ظاهر.
ص: ثم أردنا أن ننظر، هل بعد خروج نصف الليل من وقتها شيء؟ فنظرنا في ذلك فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب وعبد الله بن عمر وأنس بن عياض، عن حميد الطويل، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "أخرّ النبي ﵇ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم انصرف فأقبل [علينا] (١) بوجهه بعد ما صلى بنا، فقال: قد صلى الناس ورقدوا، ولم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس مثله.
стр. 1310
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله.
ففي هذه الآثار أنه صلاها بعد مضي نصف الليل، فذلك دليل أنه قد كانت بقيت من وقتها بقية بعد مضي نصف الليل.
ش: لما بيَّن فيما مضى أن بمضي ثلث الليل لا يخرج وقت العشاء ثم ذكر أن ثلث الليل هو الوقت الأفضل، وأن ما بعد ذلك إلى أن يمضي نصف الليل أدنى منه في الفضل؛ شرع يبين ها هنا أن بعد ذهاب نصف الليل أيضًا وقت من وقت العشاء؛ إذ حديث أنس يدل على ذلك صريحًا، وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وعن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃، وعن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، ثلاثتهم عن حميد الطويل، عن أنس ﵁.
وقد مر أن البخاري (١): أخرجه من حديث حميد عن أنس، وفي روايته: "أخر النبي صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى".
الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه النسائي (٢): عن علي بن حجر، عن إسماعيل، عن حميد، عن أنس "أنه ﵇ أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ... ". الحديث.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن حميد الطويل، عن أنس.
стр. 1311
وأخرجه أحمد (١): من حديث حميد، عن أنس: "أنه ﵇ أخر ليلةً العشاء إلى شطر الليل ... " الحديث.
ص: وقد روي عنه ﵇ في ذلك أيضًا ما هو أولى من هذا.
حدثنا علي بن معبد وأبو بشر الرقي، قالا: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنهما أخبرته عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنهما قالت: "أعتم النبي ﵇ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، وقال: إنه لولا أن أشق على أمتي".
ففي هذا أنه صلاها بعد مضي أكثر الليل، وأخبر أن ذلك وقت لها، فثبت بتصحيح هذه الآثار أن أول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق إلى أن يمضي الليل كله، ولكنه على أوقات ثلاثة: فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل فأفضل وقت صليت فيه، وأما من بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل دون ذلك، وأما بعد نصف الليل دون كل ما قبله.
ش: أي قد روى عن النبي ﷺ في كون ما بعد نصف الليل وقتًا من وقت العشاء ما هو أولى وأقرب، من حديث أنس ﵁ الذي فيه ذكر شطر الليل، وهو حديث عائشة ﵂ فإنه يدل على أنس ﵁ صلاها بعد ذهاب أكثر الليل؛ لأنها قالت: "حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى". فإن عامة الليل: معظمه وأكثره، ثم إن النبي ﵇ أخبر أن ذلك وقت لها.
وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن علي بن معبد بن نوح، وعن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، كلاهما عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن المغيرة بن حكيم الصنعاني، عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵂ عن عائشة أم المؤمنين ﵂.
стр. 1312
وأخرجه مسلم (١): حدثني إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم، كلاهما عن محمد بن بكر.
وحدثني هارون بن عبد الله، قال: ثنا حجاج بن محمد.
وحدثني حجاج بن الشاعر ومحمد بن نافع، قالا: ثنا عبد الرزاق -وألفاظهم متقاربة- قالوا جميعًا: عن ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته، عن عائشة قالت: "أعتم رسول الله ﵇ ذات ليلة ... " إلى آخره نحوه سواء، وفي حديث عبد الرزاق: "لولا أن يشق على أمتي ... ".
قوله: "أعتم" أي دخل في العتمة، وقد ذكرنا معناه مستوفى عن قريب.
قوله: "ذات ليلة" هذا اللفظ وقولهم "ذات يوم" و"ذا يوم" و"ذا ليلة" كلها كناية عن يوم وليلة، والمعنى: أعتم رسول الله ﵇ مدة التي هي ليلة.
قوله: "إنه لوقتها" أي إن هذا الوقت لوقت العشاء الآخرة، و"اللام" في "لوقتها" للتأكيد، وهي مفتوحة.
قوله: "لولا أن أشق" أي أثقل وأحرج، وجواب "لولا" محذوف يدل عليه: "إنه لوقتها" والتقدير: لولا أن أشق على أمتي لجعلت وقتها هذا الوقت كل وقت، ولكن تركه لوجود المشقة وإنما قلنا كذا لأن "لولا" لانتقاء الثاني لوجود الأول، نحو لولا زيد لهلك عمرو؛ فإن هلاك عمرو منتفٍ لوجود زيد، وكذلك ها هنا وجوب التأخير إلى هذا الوقت منتفٍ لوجود المشقة، وأما "لو" فإنه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول، نحو لو جئتني لأكرمتك؛ فإن الإكرام منتفٍ لانتفاء المجيء.
فإن قيل: كان ينبغي أن تكون سنية التأخير كنية السواك حيث قال ﵇: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل".
стр. 1313
رواه الترمذي (١)، والنسائي (٢): وذلك لأن الأمر بالسواك وتأخير العشاء كلاهما منتفيان لوجود المشقة، ومع هذا السواك سنه وتأخير العشاء وكلاهما لوجود المشقة ومع هذا السواك سنة وتأخير العشاء مستحب.
قلت: لم تثبت سنية السواك بعد هذا إلا بمواظبته ﵇، ولولاها لقلنا باستحبابه أيضًا، ولم توجد المواظبة في تأخير العشاء، فلم تثبت السنية فبقي مستحبًا.
وجواب آخر: أنه قال في السواك: "لأمرتهم". وهو للوجوب، ولكن امتنع الوجوب لعارض المشقة فيكون سنة، وأما في التأخير فقد قال: "لأخرت" وفعله مطلقًا يدل على الاستحباب أو الوجوب.
стр. 1314
ص: باب: الجمع بين الصلاتين كيف هو ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم كيفية الجمع بين الصلاتين، وهل يجوز ذلك أم لا؟ فإذا جاز كيف يجمع ومتى الجمع؟ ولما كان متعلقًا بالأوقات؛ ذكره عقيب باب الأوقات.
ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شُرحبيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁: "أن النبي ﵇ كان يجمع بين الصلاتين في السفر".
ش: محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي وثقه ابن حبان وروى له الترمذي.
وأبوه عمران بن محمد بن أبي ليلى الأنصاري ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه.
وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبو عبد الرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، وكان يحيى بن سعيد يُضعفه، وعن يحيى: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بقوي. وروى له الأربعة.
وأبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي -بفتح الهمزة وسكون الواو- نسبة إلى أود بن صعب قبيلة، الكوفي الأعمى روى له الجماعة سوى مسلم.
وهُزيل بن شرحبيل -بضم الهاء والشين المعجمة- الأودي الكوفي الأعمى روى له الجماعة سوى مسلم.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، نا بكر بن عبد الرحمن، قال: نا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن أبي قيس، على الهذيل، عن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ جمع بين الصلاتين في السفر".
стр. 1315
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد، واحتج به الشافعي وآخرون على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر على ما يجيء بيانه إن شاء الله بعد.
والجواب عنه: أن هذا حديث ضعيف، والصحيح عن عبد الله بن مسعود -ما أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) - قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمعٍ، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها".
أو المراد منه: الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، على ما يجيء إن شاء الله.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل، أن معاذ بن جبل ﵁ أخبره: "أنهم خرجوا مع النبى ﵇ عام تبوك، فكان رسول الله ﵇ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء".
ش: إسناده صحيح، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي، وأخرجه الجماعة ما خلا البخاري.
فمسلم (٥): عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر، عن معاذ قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا".
وأبو داود (٦): عن القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبرهم: "أنهم خرجوا مع رسول الله ﵇ في
стр. 1316
غزوة تبوك، فكان رسول الله ﵇ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يومًا ثم خرج وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج وصلى المغرب والعشاء جميعًا".
والترمليى (١): عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل: "أن النبي ﵇ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخرّ المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب".
والنسائي (٢): عن محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وهو يسمع واللفظ له، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك، عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره: "أنهم خرجوا مع رسول الله ﵇ عام تبوك، فكان رسول الله ﵇ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الظهر يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء".
وابن ماجه (٣): عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل: "أن النبي ﵇ جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في غزوة تبوك في السفر".
قوله: "عام تبوك" أراد به غزوة تبوك، وكانت في سنة تسع من الهجرة، وتبوك -بفتح التاء المثناة، وضم الباء الموحدة، وفي آخره كاف- بليدة بين الحجر والشام، وبها عين ونخيل، وقيل: كان أصحاب الأيكة بها.
стр. 1317
قوله: "كان رسول الله يجمع بين الظهر والعصر" يعني كان يؤخر الظهر إلى آخر وقته فيصليها فيه، ثم يصلي العصر في أول وقته، فيكون جامعًا بينهما فعلًا لا وقتًا، وسيجيء مزيد الكلام فيه مستفيض إن شاء الله.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، قال: حدثنا أبو الطفيل، قال: ثنا معاذ بن جبل ... فذكر مثله قال: "قلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته".
ش: هذا طريق أخر وهو أيضًا صحيح.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن حبيب، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: ثنا أبو الزبير، قال: ثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل، قال: ثنا معاذ بن جبل قال: "جمع رسول الله ﵇ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحرج أمته".
لوله: "أراد أن لا يحرج" أي أراد النبي ﵇ أن لا يوقع أمته في الحرج، وهو الضيق، وهو من الإحراج.
و"أمته" نُصب على المفعولية.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث، عن ابن عباس قال: "صلى رسول الله ﵇ ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا".
حدثنا إسماعيل، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، قال: أنا جابر بن زيد، أنه سمع ابن عباس يقول: "صليت مع النبي ﵇ بالمدينة ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا". قلت لأبي الشعثاء: أظنه أخَّر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك.
стр. 1318
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس أنه قال: "صلى رسول الله ﵇ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر".
حدثنا يزيد بن سفيان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير ... فذكر بإسناده مثله.
قلت: "وما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير ... فذكر مثله بإسناده.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا داود بن قيس الفراء، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس ... مثله، غير أنه قال: "في غير سفر ولا مطر".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، على عمران بن حدير، عن عبد الله بن شقيق: "أن ابن عباس ﵄ أخَّر صلاة المغرب ذات ليلة، فقال رجل: الصلاة، الصلاة، فقال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة، وقد كان النبي ﵇ ربما جمع بينهما بالمدينة".
ش: هذه سبع طرق عن ابن عباس إلى ﵄ وهي صحاح، ورجالها كلهم ثقات:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن أسد بن موسى أسد السنة، على شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن دينار المكي، عن جابر بن زيد الأزدي اليحمدي أبي الشعثاء الجوفي -بالجيم- عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو النعمان، قال: ثنا حماد -هو ابن زيد- على عمرو بن دينار، عن جابر، عن زيد، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ صلى بالمدينة
стр. 1319
سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى".
وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب ومسدّد، قالا: ثنا حماد، ثنا عمرو بن عون، أنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ بالمدينة ثمانيًا وسبعًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء".
قوله: "صلى رسول الله ﵇ ثمانيًا جميعًا" أي ثماني ركعات، وأراد بها الظهر والعصر، فإنه جمع بينهما في الحضر، تفسره الرواية الأخرى وهي قوله: "بالمدينة".
قوله: "سبعًا جميعًا" أي سبع ركعات، وأراد بها المغرب والعشاء، فإنه جمع بينهما في الحضر أيضًا، والمراد منه أنه جمع بينهما فعلًا لا وقتًا؛ على ما يجيء إن شاء الله.
الثاني: عن إسماعيل بن يحيى المزني خال الطحاوي وأكبر أصحاب الشافعي، عن محمد بن إرديس الشافعي الإِمام، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن جابر بن زيد الأزدي، أنه سمع ابن عباس ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ... نحو رواية الطحاوي وليس في لفظه: "بالمدينة".
قوله: "قلت لأبي الشعثاء" القائل هو عمرو بن دينار، وأبو الشعثاء كنية جابر ابن زيد، وهذا الكلام يؤيد تأويل الحنفية في قولهم: إنه ﵇ جمع بين الظهرين والعشاءين فعلًا لا وقتًا.
فائدة: كل ما قال الشافعي: حدثنا سفيان، المراد منه: هو سفيان بن عيينة؛ لأن الشافعي لم يدرك سفيان الثوري؛ لأن وفاته في سنة خمس وخمسين ومائة، والشافعي مولده في خمسين ومائة، وأما سفيان بن عيينة فإن وفاته في سنة ثمان وتسعين ومائة بمكة.
стр. 1320
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر".
ورواه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك ... نحوه، وفي آخره: "قال مالك: أرى ذلك كان في مطر".
الرابع: عن يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن قرة بن خالد، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا أحمد بن يونس وعون بن سلام جميعًا، عن زهير -قال ابن يونس: ثنا زهير- قال: ثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "صلى لنا رسول الله ﵇ الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا، لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته".
وأخرجه أبو داود (٤) وقال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله ﵇ الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته".
стр. 1321
وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢) أيضًا.
وقال الخطابي: هذا الحديث لا يقول به أكثر العلماء، وإسناده جيد إلا ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يقول به ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث، وسمعت أبا بكر القفال يحكيه عن أبي إسحاق المروزي، قال ابن المنذر: ولا معنى يحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار؛ لأن بن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: "أراد أن لا يحرج أمته". وحكي عن ابن سيرين: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شتاء ما لم يتخذه عادة". وتأوله بعضهم على أن يكون ذلك في حال المرض؛ وذلك لما فيه من إرفاق المريض ودفع المشقة، عنه فحمله على ذلك أولى من صرفه إلى من لا عذر له ولا مشقة عليه من الصحيح البدن المنقطع العذر، وقد اختلف الناس في ذلك فرخص عطاء بن أبي رباح للمريض في الجمع بين الصلاتين، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل.
وقال أصحاب الرأي: يجمع المريض بين الصلاتين، إلا أنهم أباحوا ذلك على شرطهم في جمع المسافر بينهما، ومنع الشافعي من ذلك في الحضر إلا للمطر.
قلت: كل تأويل أَوَّلوه في هذا الحديث يرده قول ابن عباس: "أراد أن لا يحرج أمته". ما خلا التأويل الذي أوله الطحاوي على تأخير الأولى آخر وقتها وتقديم الأخرى لأول وقتها على ما تأوله أبو الشعثاء جابر بن زيد وعمرو بن دينار في صحيح مسلم، وقال الترمذي في كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمم على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.
قلت: هذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو منسوخ دلّ الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، فإن
стр. 1322
جماعة ذهبوا إلى العمل بظاهره، وآخرين أوَّلوه كما ذكرنا، والصواب ما قاله الطحاوي ﵀.
الخامس: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله ﵇ بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر ولا خوف، قال: قلت لابن عباس: وَلمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراد ألا يُحْرَجَ أحدٌ من أمته".
السادس: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن داود بن قيس الفراء، عن صالح بن نبهان مولى التوأمة، عن ابن عباس.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا داود بن قيس الفراء، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله ﵇ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة في غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد التوسعة على أمته".
وأخرجه عبد الرزاق (٣) أيضًا: عن داود بن قيس ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "قال: قلت لابن عباس: لم تراه فعل ذلك؟ " والباقي مثله.
السابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد ابن سلمة، عن عمران بن حُدير السدوسي، عن عبد الله بن شقيق العقيلي أبي عبد الرحمن البصري، أن ابن عباس ... إلى آخره.
стр. 1323
وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن أبي عمر، ثنا وكيع، ثنا عمران بن حُدَير، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: "قال رجل لابن عباس: الصلاة. فسكت، ثم قال: الصلاة. فسكت، ثم قال: الصلاة. فسكت، ثم قال: لا أمَّ لك أتُعلمنا بالصلاة؟! كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﵇".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع ... إلى آخره نحوه، وفي آخره: "يعني في السفر".
قوله: "لا أم لك" ذم وسب أي أنه لقيط لا تعرف له أم، وقيل: قد تقع مدحًا بمعنى التعجب منه وفيه بعد، وخبر "لا" محذوف، تقديره: لا أم معروفة لك.
قوله: "أتعلمنا" والهمزة فيه للاستفهام، وهو من الإعلام ومراده من هذا: نسبته إلى جهله عن سبب تأخيره الصلاة، و"الواو" في قوله: "وقد كان النبي ﵇" للحال.
وهذا أيضًا محمول على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الصلاة الأخرى في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا.
ص: حدثنا يزيد بن سنان وفهد قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني نافع: "أن عبد الله بن عمر ﵄ عجّل السيرَ ذات ليلة، وكان قد اسْتُصْرخ على بعض أهله ابنة أبي عبيد فسار حتى هم الشفق أن يغيب، وأصحابه ينادونه بالصلاة فأبى عليهم، حتى إذا أكثروا عليه قال: إني رأيت رسول الله ﵇ يجمع بين هاتين الصلاتين: المغرب والعشاء، وأنا أجمع بينهما".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﵇ إذا عجل به السفر يجمع بين المغرب والعشاء".
стр. 1324
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ كان يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السيرُ".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا أبي عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن أبي ذؤيب قال: "كنت مع ابن عمر، فلما غربت الشمس هِبنا أن نقول: الصلاة، فسار حتى ذهبت فحمة العشاء، ورأينا بياض الأفق، فنزل وصلى ثلاثا المغرب، واثنتين العشاء، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يفعل".
ش: هذه أربع طرق رجالها كلهم ثقات:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز وفهد بن سليمان النحاس، كلاهما عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أن عبد الله بن عمر ﵄ إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): عن سليمان بن داود العتكي، عن حماد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر استصرخ على صفية وهو بمكة، فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فقال: إن النبي ﵇ كان إذا عجّل به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، فنزل فجمع بينهما".
وأخرجه الترمذي (٢): من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه النسائي (٣): من حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، بمعناه أتم منه.
وكذا أخرجه البخاري (٤): عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
стр. 1325
قوله: "استصرخ" على بناء المجهول يقال: أستصرخ الإنسان إذا أتاه الصارخ، وهو المُصَوِّت يُعْلمه بأمر حادث يستعين به عليه أو ينعي له ميتًا والاستصراخ: الاستغاثة.
قوله: "ابنة أبي عبيد" بيان لقوله: "على بعض أهله" واسمها صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية، أخت المختار بن أبي عبيد الكذاب، رأت عمر بن الخطاب ﵁ وروت عن عائشة ﵂، روى عنها نافع مولى ابن عمر، وعبد الله ابن دينار، قال أحمد: هي مدنية ثقفية ثقة، روى لها مسلم وأبو داود وابن ماجه وعمرت أزيد من ستين عامًا.
قوله: "حتى همَّ الشفق أن يغيب" أي حتى قصد الغيبوبة، أراد به كاد أن يغيب الشفق.
وهو أيضًا محمول على أنه أخّر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الصلاة الأخرى في أول وقتها ة فيكون جامعًا بينهما فعلًا لا وقتًا.
فإن قيل: كيف تقول: يكون جامعًا بينهما فعلًا لا وقتًا؛ ورواية أبي داود تصرح أنه جمع بينهما بعد غياب الشمس، حيث قال: "فسار حتى غاب الشفق، فنزل" وهذا صريح على أنه جمع بينهما وقتًا لا فعلًا؟!
قلت: قد فتح لي جواب من الفيض الإلاهي، وهو أن الشفق لونه أحمر وأبيض كما اختلف الفقهاء فيه والعلماء من الصحابة ﵃ ويحتمل أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق الأحمر، فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأبيض، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأحمر، فيطلق عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق.
فإن قيل: قد ذكر البيهقي (١) في باب الجمع بين الصلاتين في السفر: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه سار حتى غاب
стр. 1326
الشفق". ثم قال: ورواه معمر، عن أيوب وموسى بن عقبة، عن نافع، وقال في الحديث: "أخّر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هَوِيّ من الليل، ثم نزل وصلى المغرب والعشاء ... " الحديث.
قلت: لم يذكر سنده لينظر فيه، وقد أخرجه النسائي (١) بخلاف هذا، فقال: أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، نا معمر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "كان ﵇ إذا جد به أمر -أو جد به السير- جمع بين المغرب والعشاء".
وأخرج الدارقطني في "سننه" (٢): من حديث الثوري، عن عبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر: "كان ﵇ إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء".
فإن قيل: قد قال البيهقي: ورواه يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، فذكر أنه سار قريبًا من ربع الليل ثم نزل وصلى.
قلت: أسنده في "الخلافيات" من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور، ولفظه: "فسرنا أميالًا ثم نزل فصلى قال يحيى: فحدثني نافع مرة أخرى فقال: "سرنا حتى إذا كان قريبًا من ربع الليل نزل فصلى". فلفظه مضطرب كما ترى، قد روي على وجهين، فاقتصر البيهقي في "السنن" على ما يوافق مقصوده فأفهم.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﵇ إذا عجّل به السير جمع بين المغرب والعشاء".
стр. 1327
وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ كان إذا جَدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء".
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني -بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام- وقد تكرر ذكره، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر.
وأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن منصور، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الزهري، قال: أخبرني سالم، عن أبيه قال: "رأيت النبي ﵇ إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء".
الرابع: عن فهد بن سليمان أيضًا، عن يحيى بن عبد الحميد أيضًا، عن سفيان ابن عيينة أيضًا، عن عبد الله بن أبي نجيح واسمه يسار المكي، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وقيل: ذؤيب ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ من قريش قال: "صحبت ابن عمر إلى الحمى، فلما غربت الشمس هِبْتُ أن أقول له: الصلاة، فسار حتى ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء، ثم نزل فصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم صلى ركعتين على إثرهما، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يفعل".
قوله: "هبنا" من هاب يَهِيبُ هَيْبَةً.
قوله: "فَحْمَة العشاء" أي إقباله وأول سواده، يقال للظلمة التي بين صلاتي العشاء: الفحمة، وللظلمة التي بين العتمة والغداة: العسعسة.
قوله: "بياض الأفق" يدل على ما قلنا أنه أخر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقته، فجمع بينهما فعلًا لا وقتًا.
стр. 1328
ص: حدثنا محمد بن خزيمة وابن أبي داود وعمران بن موسى، قالوا: نا الربيع بن يحيى الأُشْنَاني، قال: ثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "جمع النبي ﵇ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرُّخص في غير خوف ولا علّة".
ش: إسناده صحيح. والربيع بن يحيى أبو الفضل البصري أحد مشايخ البخاري ﵀.
والأُشْناني نسبته إلى بيع الأُشْنان وشرائه، قيل: نسبته إلى قرية أُشنة على غير [القياس] (١).
وأخرجه ابن جُميع في "معجمه" (٢): عن أحمد بن زكريا، ثنا هشام بن علي، ثنا الربيع بن يحيى، ثنا سفيان، عن ابن المنكدر، عن جابر: "أن النبي ﵇ جمع بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، جمع بينهم في غير علّة ولا سفر للرُّخَص".
واحتج به قوم على جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأولوه على أنه كان في غير فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم وبأن أن أول وقت العصر دخل فصلاها وهذا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء، والصواب أنه محمول على أنه أخَّر الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صورة جمع، ولا وجه له غير ذلك.
على أن الحديث قد ضعفه قوم؛ قال الحاكم: سألت الدارقطني عن الربيع بن يحيى الأشناني، قال: ليس بالقوي يروي عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر الجمع بين الصلاتين، هذا يسقط مائة ألف حديث.
стр. 1329
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، قال: ثنا نُعيم بن حماد، قال: ثنا عبد العزيز بق محمد الدراوردي، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ غربت له الشمس بمكة، فجمع بينهما بسرف، يعني الصلاة".
ش: إسناده صحيح، وعلي بن عبد الرحمن المعروف بعلان، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بمصر وهو صدوق.
ونعيم بن حماد بن معاوية الفارض الأعور المروزي روى عنه البخاري مقرونًا بغيره، وروى له مسلم في مقدمة كتابه.
والدراوردي- بفتح الدال نسبة إلى دراورد قرية بخراسان.
وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن صالح، ثنا يحيى بن محمد البخاري، نا عبد العزيز بن محمد، عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ غابت له الشمس بمكة، فجمع بينهما بسَرِف".
وأخرجه النسائي (٢): أنا المؤمل بن إهاب قال: حدثني يحيى بن محمد الجاري، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "غابت الشمس ورسول الله ﵇ بمكة، فجمع بين الصلاتين بسَرِف".
قوله: "بسرف" بفتح السين وكسر الراء المهملتين وبعدها فاء لا تنصرف؛ للعلمية والتأنيث. وهي موضع من مكة على عشرة أميال وقيل: أقل وأكثر، ووقع في بعض النسخ الصحيحة للنسائي: "بسرق" بالقاف، قال الجوهري: سرق اسم للموضع.
стр. 1330
قوله: "فجمع بينهما" أي بين المغرب والعشاء، دلّ عليه قوله: "غابت الشمس" وهو أيضًا محمول على أنه أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الأخرى في أول وقتها.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر".
ش: إسناده صحيح، ومسلم بن إبراهيم القصاب البصري أحد مشايخ البخاري وأبي داود.
وحفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك.
وأخرجه البخاري (١): عن حسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك قال: "كان النبي ﵇ يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر". ثم قال البخاري: وتابعه علي بن المبارك وحربٌ، عن يحيى، عن حفص، عن أنس: "جمع النبي ﵇".
قلت: أما حديث علي بن المبارك فأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه": أخبرني الحسن بن سفيان، نا محمد بن مثنى، نا عثمان بن عمر، ثنا عليّ يعني -ابن المبارك- عن يحيى، عن حفص، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يجمع بين المغرب والعشاء في سفره".
وقال أبو نعيم في "المستخرج": ثنا أبو أحمد، ثنا الحسن بن سفيان ... فذكره.
وأما حديث حرب فأخرجه البخاري (١) في كتابه مسندًا، وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" من حديث معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبد الله، عن أنس: "كان رسول الله ﵇ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر".
стр. 1331
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الظهر والعصر وقتهما واحد، قالوا: ولذلك جمع النبي ﵇ بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء في قولهم، وقتهما وقت واحد، لا يفوت إحداهما حتى يفوت وقت الأخرى منهما.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا ومجاهدًا وسالم بن عبد الله وإسحاق بن راهويه والشافعي ومالكًا وأحمد وداود وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: وقت الظهر والعصر وقت واحد ولأجل ذلك جمع النبي ﵇ بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء.
وقال أبو عمر (١): اختلف الفقهاء في هذا الباب، فروى ابن القاسم عن مالك -وهو رأيه-: لا يجمع المسافر في حج أو عمرة إلا أن يجد به السير أو يخاف فوات أمر فيجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وكذلك في المغرب والعشاء إلا أن يرتحل عند الزوال فليجمع حينئذ في الرحلة بين الظهر والعصر، ولم يذكر في العشائين الجمع عند الرحيل أول الوقت، وقال سحنون: وهما كالظهر والعصر يجمع بينهما عند الرحيل، قال أبو الفرج: وأصل هذا الباب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة؛ لأن رسول الله ﷺ سافر وقصر وجمع بينهما كذلك، والجمع أيسر من التقصير، فوجب الجمع بينهما في الوقت الذي جمع بينهما رسول الله ﵇، وهو قول الشافعي وأصحابه وعطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله بن عمر وجمهور علماء أهل المدينة وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود في أن يجمع المسافر بين الصلاتين إن شاء في وقت الأولى، وإن شاء في وقت الآخرة، وقال الشافعي وداود وأصحابهما: ليس للمسافر أن يجمع بين الصلاتين ولا يؤخر صلاة عن وقتها إلا بنية الجمع. وقال الطبري: للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين الزوال إلى أن تغيب الشمس، وبين المغرب والعشاء ما بين مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، وقال أحمد بن حنبل: وجه الجمع أن يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر
стр. 1332
ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بين المغرب والعشاء، قال: فإن قدّم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب فأرجو أن لا يكون به بأس. وقال إسحاق: لا بأس بذلك بلا رجاء.
وقال عياض: الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات يكون تارة سنة وتارة رخصة، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة، وأما الرخصة فالجمع في المرض والسفر والمطر، فمن تمسك بحديث صلاة النبي ﵇ مع جبريل ﵇[وقدَّمه] (١) ولم ير الجمع في ذلك، ومن خصَّه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه، فنقول: إذا أُبيح للمسافر الجمع لمشقة السفر فأخرى أن يباح للمريض، وقد قرن الله -تعالى- المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأما الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء، وعنه مقولة شاذة: أنه لا يجمع إلا في مسجد رسول الله ﵇ ومذهب المخالف: جواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المطر.
وقال أيضًا: وقد اختلف العلماء في الجمع للمسافر مع اتفاقهم على الجمع بعرفة والمزدلفة واتفاقهم على منع الجمع بين الصلوات التي لا اشتراك فيها من العصر والمغرب، والعشاء والصبح والظهر، فرأى الجمع للمسافر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء جماعة السلف والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث، وهو معروف مذهب مالك، واختلف عنه مع القول هل ذلك لمجرد السفر أو حتى يجد به السير أو يخاف فوات أمر، وباشتراط جدّ السير قال الليث والثوري، وباشتراط العدو قال الأوزاعي، وبمجرد السفر قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء أصحاب الحديث وأهل الظاهر، وأنه يجمع أي وقت شاء من الأولى والآخرة، وأما في غير السفر فقال مالك بالجمع في المطر بين العشائين ولم يَرَ ذلك مالك في الظهر والعصر، وقال الشافعي بالجمع بينهما في المطر الوابل، وبه قال أبو ثور والطبري،
стр. 1333
وهو ظاهر قول مالك في "الموطإ"، والطين والظلمة عند مالك كالمطر، وقد جاء عنه ذكر الطين مجردًا.
والمرض عند مالك كالسفر وقال ابن قانع: لا يجمع المريض. وقال مالك أيضًا: يجوز الجمع لأجل الخوف، وعن ابن القاسم فيه روايتان، وفي "الحاوي" في فروع الحنابلة: ويجوز الجمع ليلًا لأجل المطر الذي يبل الثياب أو نعله أو بدنه، ولثلج بَرَدٍ وفي الجمع نهارًا روايتان: فإن قدمه لعذر اعتبر وجوده في طرفي الأولى وأول الثانية، وقيل: بل في أولها فقط، وإن أخرّ جمع، ولو انقطع في وقت للثانية صح، وإن زال قبله فلا، وهل يجوز الجمع لِوَحْلٍ وريحٍ شديدة باردة مع ظلمة؟ وقيل بدونهما، ولمن يُصلي وحده أو في المسجد يخرج إليه تحت ساباط أو في كنّ على وجهين، ولمن لا يناله مطر ولا وَحْل الجمع؛ خوف فوت الجماعة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل كل واحدة من هذه الصلوات وقتها مفرد من وقت غيرها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصري ومكحولًا ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد وعمرو بن دينار والثوري والأسود وعمر بن عبد العزيز وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والليث بن سعد ومالكًا -في رواية المدونة قاله ابن بطال- فإنهم قالوا: كل صلاة لها وقت مخصوص لا يشترك بالأخرى، فلا يجوز الجمع إلا في موضعين: عرفة، ومزدلفة وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص فيما ذكره ابن شداد في كتابه "دلائل الأحكام" وقول ابن عمر في رواية أبي داود، وأما قول النووي: إن أبا يوسف ومحمدًا خالفا شيخيهما، وأن قولهما كقول الشافعي وأحمد؛ فقد ردّه عليه صاحب "الغاية في شرح الهداية" بأن هذا لا أصل له عنهما وقال عياض: أَبَى أبو حنيفة وحده الجمع للمسافر وحكى كراهته عن ابن سيرين والحسن البصري، وروي عن مالك مثله، وروي عنه كراهيته للرجال دون النساء.
стр. 1334
قلت: يرد قوله: "أَبَى أبو حنيفة وحده" مَنْ ذكرنا من الصحابة والتابعين وغيرهم، أن قولهم مثل قوله.
ص: وقالوا أمَّا ما رويتموه عن النبي ﵇ من جمعه بين الصلاتين فقد روي عنه كما ذكرتم وليس في ذلك دليل أنه جمع بينهما في وقت إحداهما، فقد يحتمل أن يكون جمعه بينهما كان كما ذكرتم، ويحتمل أن يكون صلى كل واحدة منهما في وقتها كما ظنَّ جابر بن زيد، وقد روي ذلك عن ابن عباس وعمرو بن دينار من بعده.
ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الآثار التي فيها الجمع بين الصلاتين، تحريره: أن أهل المقالة الثانية قالوا: أما ما رويتموه عن النبي ﵇ من جمعه بين الصلاتين فإنا نسلم أنه روي عنه ﵇ كما ذكرتم، ولكن ليس فيها دليل قاطع على أنه جمع بينهما في وقت واحدة منهما؛ لأنه يحتمل أن يكون جمعه بينهما كما ذكرتم، ويحتمل أن يكون أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الأخرى في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، ويُرَجِّحُ الاحتمال الثاني ظن جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء حيث ذكره في حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم (١) والطحاوي (٢) أيضًا: "قلت لأبي الشعثاء: أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك" وكل واحد من جابر بن زيد وعمرو بن دينار قد سبق ظنه إلى ما ذكرنا؛ لأن القائل في هذا الحديث لأبي الشعثاء هو عمرو بن دينار كما مضى بيانه فيما قبل، وإليه أشار الطحاوي بقوله: "وقد روي ذلك عن ابن عباس وعمرو بن دينار من بعده". أي: وقد روى عمرو بن دينار من بعد جابر بن زيد مثلما روى جابر بالظن المذكور.
وقد روى النسائي (٣): عن قتيبة، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "صليت مع النبي ﵇ بالمدينة ثمانيًا جميعًا
стр. 1335
وسبعًا جميعًا؛ أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء". فهذا ابن عباس صرح بما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من أن المراد من جمعه ﵇ بين الصلاتين: أنه أخّر الأول وقدم الثانية، وهذا مما يُؤيد ويُرجح الاحتمال الثاني الذي ذكرناه؛ فحينئذ لم تبق لهم حجة في الآثار المذكورة إلا إذا التزموا بمثل ما التزمنا.
وأما الذي رواه أبو داود أنه جمع بينهما بعد غياب الشمس، والذي رواه البيهقي أنه أخّر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هُوِيّ من الليل، ونحو ذلك فقد مر الجواب عن ذلك مستقصى عن قريب.
ص: فقال أهل المقالة الأولى: قد وجدنا في بعض الآثار ما يدل على أن صفة الجمع الذي فعله النبي ﵇ كما قلنا. فذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم بن الفضل، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ استُصرخ على صفية ابنة أبي عبيد وهو بمكة فانسل إلى المدينة، فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وكان رجل يصحبه يقول: الصلاة الصلاة. قال: وقال له سالم: الصلاة. فقال: إن رسول الله ﵇ كان إذا عجل به السير في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، وإني أريد أن أجمع بينهما، فسار حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما".
وما حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا جدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد ما يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله ﵇ كان إذا جدّ به السير جمع بينهما".
قالوا: ففي هذا دليل على صفة جمعه ﵇ كيف كان.
ش: هذه إشارة إلى معارضه من جهة أهل المقالة الأولى، بيانها: أنكم وإن رجحتم صفة جمع النبي ﵇ بين الصلاتين بما ذكرتم، فعندنا أثار تبين صفة الجمع على ما ذكرنا وتمنع ما ذكرتم من الهيئة المذكورة، وهي الآثار التي رويت عن ابن عمر حيث يذكر فيها: فسار حتى غاب الشفق، أو بعد ما يغيب الشفق، أو بعد