ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الظهر والعصر وقتهما واحد، قالوا: ولذلك جمع النبي ﵇ بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء في قولهم، وقتهما وقت واحد، لا يفوت إحداهما حتى يفوت وقت الأخرى منهما.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا ومجاهدًا وسالم بن عبد الله وإسحاق بن راهويه والشافعي ومالكًا وأحمد وداود وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: وقت الظهر والعصر وقت واحد ولأجل ذلك جمع النبي ﵇ بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء.
وقال أبو عمر (١): اختلف الفقهاء في هذا الباب، فروى ابن القاسم عن مالك -وهو رأيه-: لا يجمع المسافر في حج أو عمرة إلا أن يجد به السير أو يخاف فوات أمر فيجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وكذلك في المغرب والعشاء إلا أن يرتحل عند الزوال فليجمع حينئذ في الرحلة بين الظهر والعصر، ولم يذكر في العشائين الجمع عند الرحيل أول الوقت، وقال سحنون: وهما كالظهر والعصر يجمع بينهما عند الرحيل، قال أبو الفرج: وأصل هذا الباب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة؛ لأن رسول الله ﷺ سافر وقصر وجمع بينهما كذلك، والجمع أيسر من التقصير، فوجب الجمع بينهما في الوقت الذي جمع بينهما رسول الله ﵇، وهو قول الشافعي وأصحابه وعطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله بن عمر وجمهور علماء أهل المدينة وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود في أن يجمع المسافر بين الصلاتين إن شاء في وقت الأولى، وإن شاء في وقت الآخرة، وقال الشافعي وداود وأصحابهما: ليس للمسافر أن يجمع بين الصلاتين ولا يؤخر صلاة عن وقتها إلا بنية الجمع. وقال الطبري: للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين الزوال إلى أن تغيب الشمس، وبين المغرب والعشاء ما بين مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، وقال أحمد بن حنبل: وجه الجمع أن يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر
стр. 1332
ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بين المغرب والعشاء، قال: فإن قدّم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب فأرجو أن لا يكون به بأس. وقال إسحاق: لا بأس بذلك بلا رجاء.
وقال عياض: الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات يكون تارة سنة وتارة رخصة، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة، وأما الرخصة فالجمع في المرض والسفر والمطر، فمن تمسك بحديث صلاة النبي ﵇ مع جبريل ﵇[وقدَّمه] (١) ولم ير الجمع في ذلك، ومن خصَّه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه، فنقول: إذا أُبيح للمسافر الجمع لمشقة السفر فأخرى أن يباح للمريض، وقد قرن الله -تعالى- المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأما الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء، وعنه مقولة شاذة: أنه لا يجمع إلا في مسجد رسول الله ﵇ ومذهب المخالف: جواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المطر.
وقال أيضًا: وقد اختلف العلماء في الجمع للمسافر مع اتفاقهم على الجمع بعرفة والمزدلفة واتفاقهم على منع الجمع بين الصلوات التي لا اشتراك فيها من العصر والمغرب، والعشاء والصبح والظهر، فرأى الجمع للمسافر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء جماعة السلف والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث، وهو معروف مذهب مالك، واختلف عنه مع القول هل ذلك لمجرد السفر أو حتى يجد به السير أو يخاف فوات أمر، وباشتراط جدّ السير قال الليث والثوري، وباشتراط العدو قال الأوزاعي، وبمجرد السفر قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء أصحاب الحديث وأهل الظاهر، وأنه يجمع أي وقت شاء من الأولى والآخرة، وأما في غير السفر فقال مالك بالجمع في المطر بين العشائين ولم يَرَ ذلك مالك في الظهر والعصر، وقال الشافعي بالجمع بينهما في المطر الوابل، وبه قال أبو ثور والطبري،
стр. 1333
وهو ظاهر قول مالك في "الموطإ"، والطين والظلمة عند مالك كالمطر، وقد جاء عنه ذكر الطين مجردًا.
والمرض عند مالك كالسفر وقال ابن قانع: لا يجمع المريض. وقال مالك أيضًا: يجوز الجمع لأجل الخوف، وعن ابن القاسم فيه روايتان، وفي "الحاوي" في فروع الحنابلة: ويجوز الجمع ليلًا لأجل المطر الذي يبل الثياب أو نعله أو بدنه، ولثلج بَرَدٍ وفي الجمع نهارًا روايتان: فإن قدمه لعذر اعتبر وجوده في طرفي الأولى وأول الثانية، وقيل: بل في أولها فقط، وإن أخرّ جمع، ولو انقطع في وقت للثانية صح، وإن زال قبله فلا، وهل يجوز الجمع لِوَحْلٍ وريحٍ شديدة باردة مع ظلمة؟ وقيل بدونهما، ولمن يُصلي وحده أو في المسجد يخرج إليه تحت ساباط أو في كنّ على وجهين، ولمن لا يناله مطر ولا وَحْل الجمع؛ خوف فوت الجماعة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل كل واحدة من هذه الصلوات وقتها مفرد من وقت غيرها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصري ومكحولًا ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد وعمرو بن دينار والثوري والأسود وعمر بن عبد العزيز وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والليث بن سعد ومالكًا -في رواية المدونة قاله ابن بطال- فإنهم قالوا: كل صلاة لها وقت مخصوص لا يشترك بالأخرى، فلا يجوز الجمع إلا في موضعين: عرفة، ومزدلفة وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص فيما ذكره ابن شداد في كتابه "دلائل الأحكام" وقول ابن عمر في رواية أبي داود، وأما قول النووي: إن أبا يوسف ومحمدًا خالفا شيخيهما، وأن قولهما كقول الشافعي وأحمد؛ فقد ردّه عليه صاحب "الغاية في شرح الهداية" بأن هذا لا أصل له عنهما وقال عياض: أَبَى أبو حنيفة وحده الجمع للمسافر وحكى كراهته عن ابن سيرين والحسن البصري، وروي عن مالك مثله، وروي عنه كراهيته للرجال دون النساء.
стр. 1334
قلت: يرد قوله: "أَبَى أبو حنيفة وحده" مَنْ ذكرنا من الصحابة والتابعين وغيرهم، أن قولهم مثل قوله.
ص: وقالوا أمَّا ما رويتموه عن النبي ﵇ من جمعه بين الصلاتين فقد روي عنه كما ذكرتم وليس في ذلك دليل أنه جمع بينهما في وقت إحداهما، فقد يحتمل أن يكون جمعه بينهما كان كما ذكرتم، ويحتمل أن يكون صلى كل واحدة منهما في وقتها كما ظنَّ جابر بن زيد، وقد روي ذلك عن ابن عباس وعمرو بن دينار من بعده.
ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الآثار التي فيها الجمع بين الصلاتين، تحريره: أن أهل المقالة الثانية قالوا: أما ما رويتموه عن النبي ﵇ من جمعه بين الصلاتين فإنا نسلم أنه روي عنه ﵇ كما ذكرتم، ولكن ليس فيها دليل قاطع على أنه جمع بينهما في وقت واحدة منهما؛ لأنه يحتمل أن يكون جمعه بينهما كما ذكرتم، ويحتمل أن يكون أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الأخرى في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، ويُرَجِّحُ الاحتمال الثاني ظن جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء حيث ذكره في حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم (١) والطحاوي (٢) أيضًا: "قلت لأبي الشعثاء: أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك" وكل واحد من جابر بن زيد وعمرو بن دينار قد سبق ظنه إلى ما ذكرنا؛ لأن القائل في هذا الحديث لأبي الشعثاء هو عمرو بن دينار كما مضى بيانه فيما قبل، وإليه أشار الطحاوي بقوله: "وقد روي ذلك عن ابن عباس وعمرو بن دينار من بعده". أي: وقد روى عمرو بن دينار من بعد جابر بن زيد مثلما روى جابر بالظن المذكور.
وقد روى النسائي (٣): عن قتيبة، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "صليت مع النبي ﵇ بالمدينة ثمانيًا جميعًا
стр. 1335
وسبعًا جميعًا؛ أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء". فهذا ابن عباس صرح بما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من أن المراد من جمعه ﵇ بين الصلاتين: أنه أخّر الأول وقدم الثانية، وهذا مما يُؤيد ويُرجح الاحتمال الثاني الذي ذكرناه؛ فحينئذ لم تبق لهم حجة في الآثار المذكورة إلا إذا التزموا بمثل ما التزمنا.
وأما الذي رواه أبو داود أنه جمع بينهما بعد غياب الشمس، والذي رواه البيهقي أنه أخّر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هُوِيّ من الليل، ونحو ذلك فقد مر الجواب عن ذلك مستقصى عن قريب.
ص: فقال أهل المقالة الأولى: قد وجدنا في بعض الآثار ما يدل على أن صفة الجمع الذي فعله النبي ﵇ كما قلنا. فذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم بن الفضل، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ استُصرخ على صفية ابنة أبي عبيد وهو بمكة فانسل إلى المدينة، فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وكان رجل يصحبه يقول: الصلاة الصلاة. قال: وقال له سالم: الصلاة. فقال: إن رسول الله ﵇ كان إذا عجل به السير في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، وإني أريد أن أجمع بينهما، فسار حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما".
وما حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا جدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد ما يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله ﵇ كان إذا جدّ به السير جمع بينهما".
قالوا: ففي هذا دليل على صفة جمعه ﵇ كيف كان.
ش: هذه إشارة إلى معارضه من جهة أهل المقالة الأولى، بيانها: أنكم وإن رجحتم صفة جمع النبي ﵇ بين الصلاتين بما ذكرتم، فعندنا أثار تبين صفة الجمع على ما ذكرنا وتمنع ما ذكرتم من الهيئة المذكورة، وهي الآثار التي رويت عن ابن عمر حيث يذكر فيها: فسار حتى غاب الشفق، أو بعد ما يغيب الشفق، أو بعد
стр. 1336
غيوب الشفق كما في رواية أبي داود، ففي هذه كلها دليل على أن صفة الجمع على ما قلنا، وأنه جمع فعلًا ووقتًا.
ثم إسناد حديث ابن عمر صحيح من الوجهين كليهما، ورجالهما رجال الصحيح ما خلا شيخي الطحاوي، والعارم لقب، واسمه محمد بن الفضل السدوسي، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃.
وقد أخرج الطحاوي الحديث عن قريب من غير هذا الوجه.
وأخرجه أبو داود (١): عن سليمان بن داود العتكي، عن حماد، عن أيوب، عن نافع ... إلى آخره، وقد ذكرناه هناك.
وأخرجه الترمذي (٢): عن هناد، عن عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه استغيث على بعض أهله فجد به السير، فأخّر المغرب حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله ﵇ كان يفعل ذلك إذا جدّ به السير". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ص: فكان من الحجة عليهم لمخالفيهم أن حديث أيوب الذي قال فيه: "فسار حتى غاب الشفق ثم نزل" كل أصحاب نافع لم يذكروا ذلك لا عبيد الله ولا مالك ولا الليث ولا من قد روينا عنه حديث ابن عمر في هذا الباب، وإنما أخبر بذلك من فعل ابن عمر، وذكر عن النبي ﵇ الجمع ولم يذكر كيف جمع، فأما حديث عبيد الله: "أن رسول الله ﵇ جمع بينهما". ثم ذكر جمع ابن عمر كيف كان وأنه كان بعد ما غاب الشفق، فقد يجوز أن يكون أراد أن صلاة العشاء الآخرة التي بها كان جامعًا بين الصلاتين بعد ما غاب الشفق، وإن كان قد صلى المغرب قبل غييوبة الشفق؛ لأنه لم يكن قط جامعًا بينهما، حتى صلى العشاء الآخرة، فصار بذلك جامعًا بين المغرب والعشاء، وقد روى ذلك غير أيوب مفسرًا على ما قلنا.
стр. 1337
كما حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر ﵄ جدّ به السير، فلا روحةً لم ينزل إلا لظهر أو لعصر، وأخّر المغرب حتى صرخ به سالم فقال: الصلاة، وصمت ابن عمر حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق نزل فجمع بينهما، وقال: رأيت النبي ﵇ يصنع هكذا إذا جدّ به السير".
قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث أن نزوله للمغرب كان قبل أن يغيب الشفق فاحتمل أن يكون قول نافع: "بعد ما غاب الشفق" في حديث أيوب إنما أراد به قربه من غيبوبة الشفق لئلا يتضاد ما روى عنه في ذلك.
ش: هذا جواب عن المعارضة المذكورة أي فكان من الحجة على أهل المقالة الأولى للذين خالفوهم فيما ذهبوا إليه؛ وهم أهل المقالة الثانية، بيان ذلك: أن أصحاب نافع مثل عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس والليث بن سعد الذين رووا هذا الحديث عنه لم يذكروا في حديثهم ما ذكره أيوب السختياني عنه من قوله: "فسار حتى غاب الشفق" ولا ذكر ذلك أيضًا من روى هنا غير نافع عن ابن عمر في هذا الباب مثل سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله، ومثل إسماعيل بن أبي ذئب عن عبد الله، وهو معنى قوله: ولا من قد روينا عنه حديث ابن عمر في هذا الباب، وإنما أخبر نافع بذلك عن فعل ابن عمر لا عن فعل النبي ﵇، وإنما الذي ذكر عن النبي ﵇ أنه جمع بينهما، ولم يذكر كيف جمع، ولو كان ما فعله ابن عمر منقولًا عن فعله النبي ﵇ لكان يتم استدلال الخصم به، فحيث لم يكن منقولًا عن فعله ﵇ لم يتم استدلالهم به، على أن غير أيوب قد روى ذلك مفسرًا، وهو رواية أسامة بن زيد، عن نافع: "أن ابن عمر جد به السير ... " الحديث، وفيه أن نزوله للمغرب كان قبل أن يغيب الشفق، وهو يخالف رواية أيوب عنه.
وبينهما تضاد ظاهرًا، فيتعين التوفيق بينهما؛ دفعًا للتضاد، ووجهه أن تحمل رواية أيوب عن نافع: "بعد ما غاب الشفق" على أن المراد به قربه من غيبوبة
стр. 1338
الشفق، ومثل هذا يقع في الكلام كثيرًا حتى في كلام الله كما في قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) فبعد بلوغ الأجل الذي هو العدّة لا يتصور الإمساك؛ لأنها تبين من زوجها حينئذ، وإنما معناه: فإذا شارفن على بلوغ الأجل وقربت منه، وها هنا كذلك بعد ما قرب غياب الشفق، هذا الذي قاله الطحاوي، والذي قلته أنا أيضًا له وجه حسن، وهو أن المراد من قوله: "بعد ما غاب الشفق" هو الشفق الأحمر الذي يكون قبل الأبيض؛ وذلك لأن الشفق نوعان: أحمر، وأبيض، كما هو معروف بين أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وكان نزول ابن عمر ﵄ بعد غياب الشفق الأحمر، ووقت المغرب حينئذ باقٍ، على قول من يقول: الشفق هو الأبيض، فيكون قد صلى المغرب في وقتها، ثم صلى العشاء في أول وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأحمر، فيكون جامعًا بين الصلاتين فعلًا لا وقتًا؛ فافهم.
فبهذين الجوابين يسقط جميع ما وجَّهه البيهقي في كتبه من أن الجمع بينهما كان بعد غياب الشفق؛ لأن الروايات متعارضة ظاهرًا، فلا يرتفع التعارض إلا بما ذكرنا، ومن جملة ما أورد: حديث جابر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه مضى حتى إذا كان من آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام الصلاة وقد توارى الشفق". ثم قال: وبمعناه رواه فضيل بن غزوان وعطاف بن خالد، عن نافع، وهذا لا يتم به مُدَّعَاه؛ لأنه قال: "حتى إذا كان من آخر الشفق".
فالمفهوم منه أنه صلى المغرب قبل غياب الشفق، ثم صلى العشاء وقد توارى الشفق، وهذا بعينه ما ذهبنا إليه من أنه أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الآخرة في أول وقتها.
والذي يؤيد هذا ما رواه أبو داود في "سننه" (٢): من حديث محمد بن فضيل، عن
стр. 1339
أبيه، عن نافع وعبد الله بن واقد، وفيه أنه قبل غروب الشفق صلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء، وهذا من مما نحتج به عليهم.
وقال أبو داود (١): حدثنا قتيبة، ثنا عبد الله بن نافع، عن أبي مودود، عن سليمان ابن أبي يحيى، عن ابن عمر قال: "ما جمع رسول الله ﵇ بين المغرب والعشاء قط في سفر إلا مرةً". قال أبو داود: وهذا يروى عن أيوب عن نافع موقوفًا على ابن عمر أنه لم ير ابن عمر جمع بينهما قط إلا بتلك الليلة، يعني ليلة استصرخ على صفية، وروى من حديث مكحول عن نافع: "أنه رأى ابن عمر قبل ذلك مرةً أو مرتين".
ومن جملة ما أورد أيضًا: أن عاصم بن محمد رواه عن أخيه عمر بن محمد، عن سالم، عن ابن عمر كرواية الذين رووا عن نافع عن ابن عمر: "أن الجمع بينهما كان بعد غياب الشفق". وهذا أيضًا لا يتم به مُدّعاه؛ لما ذكرنا.
على أن النسائي (٢) روى هذا الحديث: عن سالم، عن ابن عمر، من وجه آخر بخلاف هذا، وقال: أنا عبدة بن عبد الرحيم، قال: أنا ابن شميل، قال: ثنا كثير بن قاروندا قال: "سألنا سالم بن عبد الله عن الصلاة في السفر، فقلنا: أكان عبد الله يجمع بين شيء من الصلوات في السفر؟ قال: لا إلا بجمع، ثم أتيته فقال: كانت عنده صفية، فأرسلت إليه: إني في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فركب وأنا معه، فأسرع السير، حتى حانت الصلاة فقال له المؤذن: الصلاة، يا أبا عبد الرحمن، فسار حتى إذا كان بين (الصلاتين) (٣) فزل، فقال للمؤذن: أقم، فإذا سلمت من الظهر، فأقم مكانك، فأقام فصلى الظهر ركعتين، ثم سلّم، ثم أقام مكانه فصلى العصر ركعتين، ثم ركب فأسرع السير حتى غابت الشمس، فقال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن، فقال: كفعلك الأول، فسار حتى إذا اشتبكت
стр. 1340
النجوم نزل، فقال: أقم، فإذا سلمتُ فأقم، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم أقام مكانه فصلى العشاء الآخرة، ثم سلم واحدة تلقاء وجه ثم قال: قال رسول الله ﵇: إذا حضر أحدكم أمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة".
وهذا سند جيد ورجاله ثقات، وإسناد حديث فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني صحيح، ورجاله قد ذكروا غير مرة.
ص: وقد روى هذا الحديث غير أسامة عن نافع كما رواه أسامة، كما حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني ابن جابر، قال: ثنا نافع، قال: "خرجت مع عبد الله بن عمر وهو يريد أرضًا له، قال: فنزلنا منزلًا، فأتاه رجل فقال له: إن صفية ابنة أبي عبيد لما بها ولا أظن أن تدركها، فخرج مسرعًا ومعه رجل من قريش، فسرنا حتى إذا غابت الشمس لم نصل الصلاة، وكان عهدي بصاحبي وهو محافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلت: الصلاة رحمك الله فما التفت إليَّ ومضى كما هو، حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم العشاء وقد توارت، ثم أقبل علينا فقال: كان رسول الله ﵇ إذا عجل به أمر صنع هكذا".
أو كما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا العطاف بن خالد المخزومي، عن نافع قال: "أقبلنا مع ابن عمر حتى إذا كنا ببعض الطرق استصرخ على زوجته ابنة أبي عبيد، فراح مسرعًا حتى غابت الشمس فنودي بالصلاة، فلم ينزل، حتى إذا أمسى ظننت أنه قد نسي فقلت: الصلاة، فسكت حتى إذا كاد الشفق أن يغيب نزل، فصلى المغرب، وغاب الشفق وصلى العشاء، وقال: هكذا كنا نفعل مع النبي ﵇ إذا جدّ بنا السير".
ش: أشار بهذا إلى أن اثنان من الثقات تابعا أسامة فيما رواه عن نافع:
أحدهما: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي أبو عتبة الشامي الدمشقي الداراني ممن روى لهم الجماعة، أخرج الطحاوي حديثه بإسناد صحيح.
стр. 1341
وأخرجه النسائي (١) أخبرني محمود بن خالد، قال: ثنا الوليد، قال: ثنا ابن جابر، قال: حدثني نافع، قال: "خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر نريد أرضًا له، فأتاه آت فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لما بها فانظر أن تدركها، فخرج مسرعًا ومعه رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس فلم يصل الصلاة، وكان عهدي به وهو محافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إليَّ ومضى، حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله ﵇ كان إذا عجّل به السير صنع هكذا".
قوله: "وهو يريد" جملة حالية.
قوله: "لِمَا بِهَا" بكسر اللام وتخفيف الميم، في محل الرفع على أنها خبر لـ"إن" في قوله: "إن صفية ابنة أبي عبيد" والمعنى أن صفية هالكة؛ لما بها من الضعف الشديد، ولا أظن أن تدركها وهي بالحياة.
قوله: "وقد توارت" أي غاب الشفق.
والآخر: العطاف بن خالد بن عبد الله القرشي أبو صفوان المدني، قال يحيى بن معين: ليس به بأس ثقة صالح الحديث. وعن أبي داود: ثقة. روى له الترمذي والنسائي.
أخرج الطحاوي حديثه عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عنه.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا الحسن بن إسماعيل، ثنا أحمد بن منصور، ثنا ابن أبي مريم، ثنا عطاف بن خالد، حدثني نافع قال: "أقبلنا مع ابن عمر صادرين من مكة، حتى إذا كنا ببعض الطريق استصرخ على زوجته صفية، فأسرع
стр. 1342
السير، فكان إذا غابت الشمس نزل فصلى المغرب، فلما كان تلك الليلة ظننا أنه نسي الصلاة، فقلنا له: الصلاة، فسار حتى إذا كاد أن يغيب الشفق نزل فصلى، وغاب الشفق ثم قام فصلى العتمة، ثم أقبل علينا فقال: هكذا كنا نصنع مع رسول الله ﵇".
قوله: "استصرخ" على بناء المجهول، وقد فسرناه.
قوله: "إذا جدّ بنا السير" من جدّ يَجِدُّ ويَجُدّ بالضم والكسر، وجدّ به الشيء وأجد، والمعنى: إذا أسرع بنا السير، يقال: جدّ في السير إذا اهتم به وأسرع.
والمفهوم من الحديثين: أنه صلى المغرب في آخر وقتها، وصلى العشاء في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكل هؤلاء يروي عن نافع أن نزول ابن عمر كان قبل أن يغيب الشفق، فقد ذكرنا احتمال قول أيوب عن نافع: "حتى إذا غاب الشفق" أنه يحتمل قرب غيبوبة الشفق، فأولى الأشياء بنا أن نحمل هذه الروايات كلها على الاتفاق لا على التضاد، فنجعل ما روي عن ابن عمر أن نزوله للمغرب كان بعد ما غاب الشفق، على قرب غيبوبة الشفق إذْ كان قد روي عنه أن نزوله ذلك كان قبل غيبوبة الشفق، ولو تضاد ذلك لكان حديث ابن جابر أولاهما؛ لأن حديث أيوب إنما فيه أنّ رسول الله ﵇ كان يجمع بين الصلاتين، ثم ذكر فعل ابن عمر كيف كان، وفي حديث ابن جابر صفة جمع رسول الله ﵇ كيف كان؛ فهو أولى.
ش: أشار بهؤلاء إلى أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر والعطاف بن خالد؛ فإنهم كلهم رووا عن نافع: أن نزول ابن عمر كان قبل أن يغيب الشفق، وأما أيوب السختياني فإنه روى عنه: "فسار حتى غاب الشفق" وقد قال فيما مضى آنفًا: إنه يحتمل أن يكون معناه: فسار حتى قرب غيبوبة الشفق، فبهذا التأويل يندفع التضاد بين الروايات، وهذا أولى؛ لأن حمل الروايات كلها على الاتفاق خير من أن تبقى على التضاد.
стр. 1343
فإن قيل: قد روى عن نافع مثل ما روى أيوب عنه: عبيد الله بن عمر العمري وحماد بن زيد وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد الأنصاري وعمر بن محمد بن زيد؛ فإن هؤلاء حفاظ ثقات ولا يقاربهم أسامة بن زيد وابن جابر والعطاف، ورواية الحفاظ أولى بالصواب، وكذا قال البيهقي في "المعرفة" إن محمد بن فضيل عن أبيه وابن جابر وعطاف بن خالد، رووه عن نافع: "صلى قبل غروب الشفق المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء" وهؤلاء خالفوا الأئمة الحفاظ من أصحاب نافع في هذه الرواية، ولا يمكن الجمع بينهما؛ فتترك روايتهم وتؤخذ رواية الحفاظ.
قلت: إن كان روى هؤلاء الحفاظ عن نافع أنه سار حتى غاب الشفق؛ فقد روى حفاظ آخرون عن نافع وعن ابن عمر نفسه بخلاف هذا فإن الليث بن سعد روى عن نافع: "فسار حتى همَّ الشفق أن يغيب" وقد مضت روايته فيما مضى.
وكذا روى فضيل بن غزوان، عن جرير الضبي، عن نافع: "فسار حتى إذا كاد أن يغيب الشفق".
وروايته عند الدارقطني (١).
وكذا روى إسماعيل بن أبي ذئب: "أنه كان مع ابن عمر، فسار حتى ذهبت فحمة السماء ورأينا بياض الأفق، فنزل يصلي ثلاثًا المغرب، واثنتين العشاء".
فهؤلاء حفاظ أيضًا قد رووا أن نزوله لم يكن بعد غياب الشفق، على أن جماعة أخرى من الثقات قد تابعهم في ذلك، مثل: أسامة بن زيد وعطاف بن خالد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، على مما ذكرناهم، على أن ابن عمر ﵄ لم يُرَ جَمَعَ بين الصلاتين قط إلا ليلة استصرخ على زوجته صفية، كذا قال أبو داود، وفي رواية: فعل ذلك مرة أو مرتين، وزعم عبد الحق الإشبيلي أن فيه وهمًا.
стр. 1344
والصحيح من هذه الروايات رواية النسائي (١): عن محمود بن خالد، حدثني الوليد، ثنا ابن جابر -وهو عبد الرحمن بن يزيد- قال: حدثني نافع، قال: خرجت مع عبد الله، فذكر قوله: "حتى إذا كان في آخر الشفق".
قال: ويقوي هذه الرواية حديث أنس من عند مسلم (٢): أن النبي ﵇ إذا عجل به سفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء" انتهى.
قلت: حينئذ تُرجح رواية من روى أن نزوله لم يكن إلا قبل غروب الشفق، فسقط كلام البيهقي: "فتترك روايتهم" فَلِمَ تترك روايتهم مع كونها موافقة للأصول ومؤيدة بصفة جمع النبي ﵇؟! والعمل بروايتهم ورواية وغيرهم بالتأويل المذكور أولى من أن تترك رواية بعضهم ويعمل برواية بعضهم.
فإن قيل: تأويل الطحاوي يمشي في رواية من يقول: "فسار حتى نزل بعد غياب الشفق" وكيف يمشي ذلك في رواية من قال: "فسار قريبًا من ربع الليل" وهو رواية يحيى بن سعيد، عن نافع، ورواية موسى بن عقبة عنه: "حتى ذهب هُوِيٌّ من الليل" ورواية عمر بن محمد بن زيد: "فسار حتى إذا كان بعد ما غاب الشفق بساعة نزل" وكذا رواية عبيد الله العمري عن نافع، كل هذه عند البيهقي، وعند ابن خزيمة: "فسرنا حتى كان نصف الليل أو قريبًا من نصفه نزل فصلى".
قلت: وإن لم يمش ذلك التأويل في هذه الروايات؛ فالعمل برواية [ابن] (٣) جابر أولى؛ لأن فيه صفة جمع رسول الله ﵇ كيف كان، وفي رواية هؤلاء صفة جمع ابن عمر غير منقول عن النبي ﵇ فيكون هذا أولى، على أن فيما ذكرتم وهما كما قاله عبد الحق الإشبيلي وأنه نَصَّ على أن الصحيح من الروايات رواية النسائي، وهي
стр. 1345
رواية ابن جابر، وإلى ذلك أشار الطحاوي بقوله: "ولو تضاد ذلك لكان حديث ابن جابر أولى". والله أعلم.
ص: فإن قالوا: فقد روي عن أنس بن مالك ما قد فسر الجمع كيف كان، فذكروا في ذلك ما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني جابر بن إسماعيل، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ ... مثله.
يعني "أن رسول الله ﵇ كان إذا عجل به السير يومًا جمع بين الظهر والعصر، وإذا أراد السفر ليلة؛ جمع بين المغرب والعشاء، يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق". قالوا: ففي هذا الحديث أنه صلى الظهر والعصر في وقت العصر، وأنَّ جمعه بينهما كان كذلك.
ش: هذا إيراد من أهل المقالة الأولى على أهل المقالة الثانية، بيانه أن يقال: إنكم قلتم: إن صفة الجمع كانت من فعل ابن عمر، وأن صفة جمع النبي ﵇ كانت بتأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الأخرى في أول وقتها، وأنكم أولتم ما روي: "حين غاب الشفق" بالقرب من غيابه.
فهذا حديث أنس يبطل تأويلكم، ويبين أن جمع النبي ﵇ بين الظهر والعصر كان في وقت العصر، وأن جمعه بين المغرب والعشاء كان حين يغيب الشفق.
وإسناد حديث أنس صحيح على شرط مسلم، وعُقيل -بضم العين وفتح الألف- ابن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأيلي أبو خالد الأموي.
وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وعمرو بن سوَّاد، قالا: أنا ابن وهب، قال: حدثني جابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، عن
стр. 1346
النبي ﵇: "إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق".
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة وابن موهب -المعنى- قالا: ثنا المفضل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخّر الصلاة إول وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب".
نا (٢) سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني جابر بن إسماعيل، عن عقيل ... بهذا الحديث بإسناده، قال: "ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق".
ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأصل: أن هذا الحديث قد يحتمل ما ذكروا، وقد يحتمل أن تكون صفة الجمع من كلام الزهري لا عن أنس فإنه قد كان كثيرًا ما يفعل هذا؛ يصل الحديث بكلامه حتى يتوهم أن ذلك في الحديث، وقد يحتمل أن يكون قوله: "إلى أول وقت العصر". إلى قرب أول وقت العصر، فإن كان معناه يقتضي ما صرفناه إليه مما لا يجب أن يكون في وقت العصر، فلا حجة في هذا الحديث للذي تقول: إنه صلاهما في وقت العصر، وإن كان أصل الحديث على أنه صلاهما في وقت العصر، فكان ذلك هو جمعه بينهما، فإنه قد خالفه في ذلك عبد الله بن عمر فيما رويناه عنه عن النبي ﵇.
وخالفته في ذلك عائشة ﵂ كما حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن بشر، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن مغيرة بن زياد الموصلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء".
стр. 1347
ش: هذا جواب عن الإيراد المذكور، تقريره: أن حديث أنس يحتمل ثلاث وجوه:
الأول: أنه يحتمل المعنى الذي ذكره الخصم؛ لأن باب الاحتمال مفتوح.
الثاني: يحتمل أن تكون صفة الجمع التي ذكرت فيه من كلام محمد بن مسلم الزهري وليس من كلام أنس؛ فإن من عادة الزهري أنه كثيرًا ما كان يصل الحديث بكلامه حتى يتوهم المتوهم أنه من الحديث، والحال أنه من كلام نفسه.
الثالث: أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: "إلى أول وقت العصر". إلى قرب أول وقت العصر؛ لأن مثل هذا كثير في الكلام شائع ذائع كما قد ذكرناه.
ثم إنا إذا سلمنا أنه من كلام أنس وليس هو من كلام الزهري؛ يبقى معنا الاحتمالان المذكوران، فإن كان المعنى في نفس الأمر على الاحتمال الذي ذكرناه، وهو أن يكون المراد منه قرب أول وقت العصر فلم يبق حينئذ حجة للخصم، ولا اعتراض به على غيره، وإن كان المعنى في نفس الأمر على ما ذكره الخصم، وهو أن يكون ﵇ صلاها في وقت العصر، وأن هذا هو جمعه ﵇ فيعارضه حينئذ حديث عبد الله بن عمر الذي رواه الطحاوي فيما مضى، عن فهد، عن الحماني، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن نافع ... فذكر الحديث، وفيه: "حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق نزل فجمع بينهما، وقال: رأيت النبي ﵇ يصنع هكذا". فإنه يدل على أنه ﵇ أخّر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقتها.
وكذلك يعارضه حديث عائشة، فإنه أيضًا يدل على أنه ﵇ أخّر الظهر إلى آخر وقته، وقدم العصر في أول وقته، وأخّر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقته، فإذا تعارض الخبران فالمصير إلى خبر ابن عمر وعائشة ﵃ أولى؛ لموافقة الأصول، ولاحتمال حديث أنس ما ذكرنا من الوجهين.
وإسناد حديث عائشة حسن جيد، والحسن بن بشر البجلي الكوفي أحد مشايخ البخاري، والمعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي، روى له البخاري وأبو داود والنسائي.
стр. 1348
والمغيرة بن زياد أبو هشام البجلي الموصلي، قال وكيع: كان ثقة. وعن أحمد: مضطرب الحديث. وعن ابن معين: ليس به بأس، وعنه: ثقة. وروى له الأربعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجّل العشاء". وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٢): أنا وكيع، أنا المغيرة بن زياد ... إلى آخره نحوه، وفي آخره: "في السفر".
ص: قال أبو جعفر ﵀: ثم هذا عبد الله بن مسعود أيضًا قد روينا عنه، عن رسول الله ﵇ أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر، ثم قد روي عنه عن النبي ﵇ ما قد حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا قييصة بن عقبة والفريابي، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: "ما رأيت رسول الله ﵇ صلى صلاة قط في غير وقتها إلاأنه جمع بين الصلاتين بِجَمْعٍ، وصلى الفجر يومئذ لغير ميقاتها".
فثبت بما ذكرنا أن ما عاين من جمع رسول الله ﵇ بين الصلاتين هو بخلاف ما تأوله المخالف لنا؛ فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار المروية في جمع رسول الله ﵇.
ش: أشار بهذا الكلام إلى تأكيد ما قال أهل المقالة الثانية من أن المراد من الجمع بين الصلاتين: أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية في أول وقتها، ويجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، ألا ترى أن عبد الله بن مسعود ﵁ قد روى عن النبي ﵇ أنه كان يجمع بين الصلاتين، ثم روى أنه ما رأى أنه ﵇ قط صلى صلاة في غير وقتها، إلا في موضعين؛ فعلم من ذلك أن معنى قوله: إنه كان يجمع بين الصلاتين؛ مثل ما قال أهل المقالة الثانية، وهو أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ويقدم الثانية في أول
стр. 1349
وقتها إذ لو كان معنى كلامه مثل ما قال أهل المقالة الأولى لكان كلامه متناقضًا؛ لأن بين قوله: كان يجمع بين الصلاتين، وبين قوله: ما رأيت رسول الله ﵇ صلى صلاة قط في غير وقتها؛ منافاة ظاهرة وهنا حوار آخر ذكرناه في أول الباب عند الحديث المذكور.
وإسناد حديث ابن مسعود هذا صحيح على شرط البخاري ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا الحسن بن نصر، والفريابي هو محمد بن يوسف شيخ البخاري ونسبته إلى فارياب بليدة بنواحي بلخ ينسب إليها الفريابي والفاريابي، والفيريابي بزيادة الياء.
وسفيان هو الثوري، والأعمش هو سليمان.
وأخرجه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي.
فلفظ البخاري (١)، "ما رأيت رسول الله ﵇ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين، صلاة المغرب والعشاء بجَمْع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها".
ولفظ مسلم (٢) نحوه.
ولفظ أبي داود (٣): "ما رأيت رسول الله ﵇ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا بجَمْع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجَمْع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها".
ولفظ النسائي (٤): "كان رسول الله ﵇ يصلي الصلاة لوقتها إلا بجَمْع وعرفات".
قوله: "بجَمْع" بفتح الجيم وسكون الميم، علم للمزدلفة، سميت به؛ لأن آدم وحواء ﵉ لما أُهبطا من الجنة اجتمعا بها.
стр. 1350
قوله: "لغير ميقاتها" أي في غير وقتها، وأراد أنه صلى الفجر بغلس، أول طلوع الفجر؛ لأجل الوقوف بمزدلفة.
والدليل عليه ما رواه مسلم (١): من حديث جابر ﵁: "أنه ﵇ أتى المزدلفة فصل بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه، فحمد الله وكبره وهلله، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، ثم وقع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل".
ص: وقد ذكر فيها أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في الحضر في غير خوف كما جمع بينهما في السفر أفيجوز لأحد في الحضر لا في حال خوف ولا علّة أن يؤخر الظهر إلى قرب تغير الشمس ثم يصلي؟ وقد قال رسول الله ﵇ في التفريط في الصلاة ما قد حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، بأن يؤخر الصلاة إلى وقت أخرى".
قال أبو جعفر: فأخبر ﷺ أن تأخير الصلاة إلى وقت التي بعدها تفريط، وقد كان قوله ذلك وهو مسافر، فدل ذلك أنه أراد به المسافر والمقيم، فلما كان مُؤَخِّر الصلاة إلى وقت التي بعدها مفرطًا؛ استحال أن يكون النبي ﵇ جمع بين الصلاتين بما كان به مفرطًا، ولكنه جمع بينهما بخلاف ذلك، فصلى كل واحدة منهما في وقتها.
ش: هذا أيضًا إشارة إلى تأييد صحّة تأويل أهل المقالة الثانية في صورة الجمع، أي قد ذكر في الآثار المذكورة أنه ﵇ جمع بين الصلاتين في الحضر وليس في خوف ولا علة، كما مرّ في حديث جابر ﵁، ثم إنه هل يجوز لأحد في الحضر وليس في خوف ولا علة أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر ثم يجمع بينهما عند تغير الشمس؟ فهذا لم يقل به الخصم أيضًا، فدل ذلك على أن المراد
стр. 1351
من جمع رسول الله ﵇ بين الصلاتين هو الذي ذكره أهل المقالة الثانية، وكيف وقد أطلق ﷺ على من يؤخر صلاة إلى وقت صلاة أخرى مفرّطًا ومقصرًا وإذا كان هذا مفرطًا فمن المحال أن يكون النبي ﵇ جمع بين الصلاتين بصورة يكون فيها مفرطًا، لزم من ذلك أنه ﵇ جمع بينهما بصورة ليس فيها تفريط، وهي الصورة التي ذكرها أهل المقالة الثانية، وهي أن يكون قد صلى كل واحدة منهما في وقتها، غير أنه أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدّم الثانية في أول وقتها، فيكون جامعًا بين الصلاتين فعلًا لا وقتًا، من غير تفريط ولا تقصير.
قوله: "أفيجوز لأحد" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار.
قوله: "وقد قال" جملة وقعت حالًا.
وإسناد حديث أبي قتادة صحيح على شرط مسلم، وأبو بكرة: بكار القاضي، وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وثابت: هو البناني أبو محمد البصري، وأبو قتادة: الأنصاري، اسمه الحارث بن ربعي.
وأخرجه مسلم (١) مطولًا: ثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- قال: نا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: "خطبنا رسول الله ﵇ فقال: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله غدًا، فانطلق الناس لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﵇ يسير حتى إبهار الليل وأنا إلى جانبه، قال: فنعس رسول الله ﵇، فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته، فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى إذا كان في آخر الليل مال ميلة هي أشد من الميلتين الأولتين حتى كاد ينجفل، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة، قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قال: قلت: مازال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حفظك الله بما حفظت به
стр. 1352
نبيه، ثم قال: هل ترانا نخفي عن الناس؟ ثم قال: هل ترى من أحدٍ؟ قلت: هذا ركب، ثم قلت: هذا ركب آخر، حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب، قال: فمال رسول الله ﵇ عن الطريق، فوضع رأسه ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، فكان أول من استيقظ رسول الله ﵇ والشمس في ظهره، قال: فقمنا فزعين، ثم قال: اركبوا، فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، قال: فتتوضأ ووضوء دون وضوء قال: وبقي فيها شيء من ماء، ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، وصلى رسول الله ﵇ ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم، وركب رسول الله ﵇ وركبنا معه، قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فيّ أسوةٌ؟ ثم قال: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصليها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟ قال: ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر ﵄: رسول الله ﷺ بعدكم لم يكن ليخَلِّفكم، وقال الناس: إن رسول الله ﵇ بين أيديكم، فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا، قال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا عطشًا، فقال: لا هلك عليكم، ثم قال: اطلقوا لي غمري، قال: ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله ﵇ يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها، فقال رسول الله ﵇: أحسنوا الملأ، كلكم سيروى. قال: ففعلوا، فجعل رسول الله ﵇ يصب وأبو قتادة يسقيهم، حتى ما بقى غيري وغير رسول الله ﵇، قال: ثم صَبّ رسول الله ﵇، فقال لي: اشرب، قلت: لا أشرب حتى! تشرب أنت يا رسول الله. قال: إن ساقي القوم آخرهم شربًا، قال: فشربت وشرب رسول الله ﵇. قال: فأتى الناس الماء جامين رواء، قال: فقال عبد الله ابن أبي رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع؛ إذ قال عمران بن
стр. 1353
حصين ﵁: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإني أحد الركب تلك الليلة، قال: فقلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدث [فأنتم] (١) أعلم بحديثكم. قال: فحدثت القوم، فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته".
وأخرجه أبو داود (٢): نا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن أبي رباح الأنصاري، قال: نا أبو قتادة: "أن النبي ﵇ كان في سفر له، فمال رسول الله ﵇ فملت معه، فقال: انظر، قلت: هذا راكب، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثة، حتى صرنا سبعة، فقال: احفظوا علينا صلاتنا -يعني صلاة الفجر- فضرب على آذانهم فما أيقظهم إلا حَرُّ الشمس، فقاموا فساروا هنية، ثم نزلوا فتوضئوا، وأذن بلال، فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر، وركبوا، [فقال] (٣) بعضهم لبعض: قد فرطنا في صلاتنا فقال: رسول الله ﵇: إنه لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت".
وأخرجه النسائي (٤): أنا سويد بن نصر، قال: أنا عبد الله، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، قال: قال: رسول الله ﷺ : "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط فيمن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى حين ينتبه لها".
وأخرجه ابن ماجه (٥): ثنا أحمد بن عبدة، أنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: "ذكروا تفريطهم في النوم، فقال: ناموا حتى
стр. 1354
طلعت الشمس، فقال رسول الله ﵇: ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، ولوقتها من الغد، قال عبد الله بن رباح: فسمعني عمران بن الحصين وأنا أُحّدث بالحديث، فقال: يا فتى انظر كيف تحدث، فإني شاهد هذا الحديث مع رسول الله ﵇، قال: فما أنكر من حديثه شيئًا".
قوله: "ليس في النوم تفريط" أي تقصير؛ لأن النوم سبب من أسباب العجز، ورُفِعَ القلم عن النائم حتى يستيقظ.
فإن قيل: إذا أتلف النائم برجله أو بيده أو غير ذلك من أعضائه شيئًا يجب ضمانه، فكيف لا يكون مكلفًا؟
قلت: غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع حتى لو أتلف الصبي أو المجنون شيئًا يجب ضمانه في حالهما.
قوله: "إنما التفريط في اليقظة" لوجود التقصير من غير عذر، ثم لنشرح مشكلات ما في رواية مسلم لكثير الفائدة:
فقوله: "لا يلوي أحد على أحد" أي لا يعطف عليه ولا بقطرة.
قوله: "حتى ابهار الليل" أي انتصف، وبهرة كل شيء وسطه، وقيل: ابهار الليل إذا طلعت نجومه واستنارات، والأول أكثر.
قوله: "فدعمته" أي أقمت ميله من النوم بأن صرت تحته كالدعامة لما فوقها، حتى اعتدل.
قوله: "حتى تهور الليل" يعني ذهب أكثره، قاله الهروي، يقال: تهور الليل وتَوَهَّر إذا ذهب أكثره، كما يتهور البناء.
قوله: "حتى كاد ينجفل" أي ينقلب عن دابته ويسقط، يقال: ضربه فجفله، أي ألقاه على الأرض.
стр. 1355
قوله: "بميضأة" بكسر الميم، وهي المطهرة الكبيرة يتوضأ فيها، قال ابن الأثير: هي بالقصر، وكسر الميم، وقد تمد، ووزنها مِفْعلة ومِفْعالة، والميم زائدة.
قوله: "وضوءًا دون وضوء" أراد به: تخفيف الوضوء، وقيل: معناه وضوءًا دون استنجاء.
قوله: "نبأ" أي خبرٌ وشأنٌ.
قوله: "يهمس" من الهمس، وهو الكلام الخفي.
قوله: "فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها" وفي رواية أبي داود: "فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت" قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بهذه اللفظة وجوبًا أي قوله: "من الغد للوقت"، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابًا ليحوز فضيلة الوقت في القضاء.
قوله: "اطلقوا لي غُمَري" قال أبو عبيد: يقال للقعب الصغير: غمر وتَغَمَّرت: أي شربت قليلًا قليلًا، وقال ابن الأثير: "الغمر" بضم الغين المعجمة، وفتح الميم: القدح الصغير "ومعنى" أطلقوا لي غمري": ائتوني به.
قوله: "تكابُّوا" أي ازدحموا عليها، وهي تفاعلوا من الكُبَّة بالضم، وهي الجماعة من الناس وغيرهم.
قوله: "أحسنوا الملأ" بفتح الميم واللام والهمزة، أي: أحسنوا الخلق، وقال ابن الأثير: وأكثر قراء الحديث يقرءونها: أحسنوا المِلْء: بكسر الميم وسكون اللام، من مَلْءِ الإناء، وليس بشيء.
قوله: "جامين" بالجيم، نصب على الحال من الناس، ومعناه مجتمعين، وأصله من الجموم والجمة، هو الاجتماع والكثرة.
قوله: "رواء" نصب على الحال أيضًا، ومعناه: ضد العطش، وهو جمع ريان، كما أن العطاش جمع عطشان.
стр. 1356
قوله: "فَضُرب على آذانهم" كلمة فصيحة من كلام العرب، معناه أنه حجب الصوت والحسّ عن أن يلجأ آذانهم فينتبهوا، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (١). فكأنها قد ضرب عليها حجاب.
قوله: "هُنَيَّة" أي قليلًا من الزمان، وهي تصغير هنة.
قوله: "فرطنا" أي قصرنا.
ص: وهذا ابن عباس ﵄ مقد روي عنه، عن رسول الله ﵇ أنه جمع بين الصلاتين، ثم قال ما حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى".
فأخبر ابن عباس أن مجيء وقت الصلاة بعد الصلاة التي قبلها فوتٌ لها، فثبت بذلك أن ما علمه من جمع النبي ﵇ بين الصلاتين كان بخلاف صلاته إحداهما في وقت الأخرى.
ش: هذا أيضًا إشارة إلى تأييد صحة تأويل أهل المقالة الثانية من صورة جمع المسافر بين الصلاتين، بيانه: أن عبد الله بن عباس روى عن النبي ﵇ أنه جمع بين الصلاتين -كما مرَّ في أول الباب- ثم قال هو: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى". فأخبر أن مجيء وقت الصلاة بعد الصلاة التي قبلها فوت للصلاة الأولى، فدل ذلك أن ما علمه من جمع النبي ﵇ بين الصلاتين كان بخلاف صلاته إحداهما في وقت الأخرى، إذْ لو لم يكن كذلك لكان بين روايته عنه ﵇ وبين قوله تضادًّا، فعلمنا أن معنى جمعه ﵇ بين الصلاتين هو: أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية في أول وقتها، فيكون جمعه بين الصلاتين فعلًا لا وقتًا.
وإسناد أثر ابن عباس صحيح، ورجاله أئمة كبار ثقات، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وليث هو ابن أبي سليم.
стр. 1357
قوله: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى" قيل: معناه أن بين الصلاتين وقتًا، فإذا لم يخرج ذلك الوقت لا يجيء وقت الصلاة الأخرى، ولا يخرج وقت الصلاة الأولى إلا بخروج ذلك اوقت.
وقد صُرِّح بذلك في رواية أخرجها ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "بين كل صلاتن وقت".
ص: وقد قال أبو هريرة ﵁ مثل ذلك، كما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا قيس وشريك، أنهما سمعا عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "سئل أبو هريرة ما التفريط في الصلاة؟ فقال: أن تؤخر حتى يجيء وقت الأخرى".
ش: أي: مثل ما قال ابن عباس، وقال أيضًا: إن تأخير الصلاة إلى وصول وقت الأخرى تفريط. وهو أيضًا قد روى عن النبي ﵇ أنه كان يجمع بين الظهر والعصر في سفره إلى تبوك.
أخرجه في "الموطإ" (٢) فدل ذلك أنه قد علم من النبي ﵇ أن جمعه كان على الصفة التي ذكرها أهل المقالة الثانية، إذ لو لم يكن كذلك لكان بين روايته عنه ﵇ وبين قوله هذا تضادًا، فعلم أن جمعه ﵇ بين الصلاتين هو أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية في أول وقتها، فيكون جمعًا بينهما فعلًا لا وقتًا، كما بيناه.
وإسناد أثر أبي هريرة صحيح.
وقيس بن الربيع الأسدي وإن كان يحيى قد ضعفه، والجوزجاني أسقطه والنسائي تركه؛ ولكنه ذُكِرَ متابعة لشريك بن عبد الله النخعي، على أن ابن عدي قال: قيس بن الربيع لا بأس به. وقال عفان: ثقة. واحتج به أبو داود والترمذي وابن ماجه.
стр. 1358
وأخرجه ابن أبي شيية في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن سفيان، عن عثمان بن موهب قال: "سمعت أبا هريرة يُسأل عن التفريط في الصلاة، قال: "أن تأخرها حتى يدخل وقت التي بعدها".
وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن عثمان بن موهب قال: "سمعت أبا هريرة ﵁ وسأله رجل عن التفريط في الصلاة، فقال: أن تؤخرها إلى وقت التي بعدها، فمن فعل ذلك فقد فرّط".
ص: قالوا: وقد دل على ذلك أيضًا ما قد روي عن النبي ﵇ لما سُئل عن مواقيت الصلاة، فصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى الظهر في اليوم الثاني في ذلك الوقت بعينه، فدل ذلك على أنه وقت لهما جميعًا.
قال أبو جعفر: فيقال لهم: ما في هذا حجة توجب ما ذكرتم؛ لأن هذا قد يحتمل أن يكون أريد به أنه ﵇ صلى الظهر في اليوم الثاني في قرب الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، وقد ذكرنا ذلك والحجة فيه في باب مواقيت الصلاة، والدليل على ذلك: قوله ﵇: "الوقت فيما بين هذين الوقتين".
فلو كان كما قاله المخالف لنا إذن لما كان بينهما وقت، أو كان ما قبلهما وما بعدهما وقت كله، ولكن ذلك دليل على أن كل صلاة من تلك الصلوات منفردة بوقت غير وقت غيرها من سائر الصلوات.
ش: أي قال أهل المقالة الأولى، وهم الشافعي ومالك وأحمد ومن قال بقولهم: قد دل على ما قلنا من أن وقتي الظهر والعصر واحد ما قد روي عن النبي ﵇ ... إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "فيقال لهم" أي: أهل المقالة الأولى "ما في ما ذكرتم حجة" وبرهان، "توجب" أي تقتضي "ما ذكرتم ... " إلى آخره، وهو أيضًا ظاهر، وقد مرَّ تحقيقه في باب مواقيت الصلاة.
стр. 1359
قوله: "الحجة فيه" بالنصب إما بفعل محذوف أي وذكرنا أيضًا الحجة فيه، وإما على أنه مفعول لقوله: "وقد ذكرنا ذلك" أي وقد ذكر ذلك مع الحجة فيه.
قوله: "والدليل على ذلك" أي على ما ذهبنا إليه من أنه ﵇ قد صلى الصلاتين فيما بين هذين الوقتين، بيانه: أن قوله ﵇: "الوقت فيما بين هذين الوقتين" يقتضي أن يكون ما بين الوقتين اللذين صلى فيهما ﵇ في اليومين المتوالين وقتًا معلومًا متميزًا إذ لو كان كما قال هؤلاء؛ لما كان بين هذين الوقتين وقت، بل وذلك دليل على أن كل صلاة من الصلوات منفردة بوقت، مخصوصة به، لا تشارك غيرها من الصلوات، ويؤيد ذلك أيضًا حديث أبي هريرة: "إن للصلاة أولًا وآخرًا" أراد أن الصلاة محدودة بوقت معين، وأن كل واحدة من الصلوات الخمس تمتاز عن غيرها بوقتها الخاص لها، ولا تشارك صلاة أخرى في وقتها، وحديث ابن عباس أيضًا: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى".
ص: وحجة أخرى: أن عبد الله بن عباس وأبا هريرة قد رويا ذلك عن النبي ﵇ في مواقيت الصلاة، ثم قالا هما في التفريط في الصلاة: إنه تركها حتى يدخل وقت التي بعدها.
فثبت بذلك أن وقت كل صلاة من الصلوات خلاف وقت الصلاة التي بعدها، فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
وأما وجه ذلك من طريق النظر فإنَّا قد رأيناهم أجمعوا أن صلاة الصبح لا ينبغي أن تقدم على وقتها ولا تؤخر عنه، وأن وقتها وقت لها خاصة دون غيرها من الصلوات، والنظر على ذلك أن يكون كذلك سائر الصلوات، كل واحدة منهن منفردة بوقتها دون غيرها؛ فلا ينبغي أن تؤخر عن وقتها، ولا تقدم قبله.
ش: أي جواب آخر عما احتجوا به آنفًا: "أن ابن عباس وأبا هريرة ﵃ قد رويا ذلك" أي ما ذكر أنه ﵇ صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، "ثم قالا هما" ابن عباس وأبو هريرة "في التفريط في الصلاة"
стр. 1360
حين سُئلا عنه: "إنه تركها" أي أن التفريط: "ترك الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة التي بعدها"، فدل ذلك أن المراد: أنه ﵇ صلى الظهر في اليوم الثاني في قرب الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، وثبت بذلك أيضًا أن وقت كل صلاة من الصلوات خلاف وقت الصلاة التي بعدها، وأن كل واحدة منهما متميزة عن غيرها بوقت محدود ومعين، وباقي كلامه غني عن الشرح.
ص: فإن اعتل معتل بالصلاة بعرفة وبِجَمْع؛ قيل له: قد رأيناهم قد أجمعوا أن الإمام بعرفة لو صلى الظهر في وقتها كما في سائر الأيام وصلى العصر في وقتها كما في سائر الأيام، وفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة، فصلى كل واحدة منهما في وقتها كما يصلي في سائر الأيام كان مسيئًا، ولو فعل ذلك وهو مقيم، أو فعله وهو مسافر في غير عرفة وجمع؛ لم يكن مسيئًا، فثبت بذلك أن عرفة وجَمْع مخصوصتان بهذا الحكم، وأن حكم ما سواهما في ذلك بخلاف حكمهما فيه، فثبت بما ذكرناه أن ما روينا عن رسول الله ﵇ من الجمع بين الصلاتين أنه تأخير الأولى وتعجيل الآخرة.
ش: هذا اعتراض يَرِدُ على وجه النظر تقريره: أنكم قلتم: إن صلاة الصبح بالإجماع لا تتقدم على وقتها ولا تتأخر، وأن وقتها وقت مخصوص محدود الطرفين لا يشاركها غيرها فيه، والقياس عليها أن تكون سائر الصلوات كذلك، وأن تكون كل صلاة مخصوصة بوقت معين لا تشارك غيرها فيه؟ فما قولكم في الصلاة بعرفات، فإنه يجمع فيها بين الظهر والعصر وأنهما كان في وقت واحد، وكذلك الصلاة بجمع وهو المزدلفة فإنه يجمع فيها؟
وتقرير الجواب: أن الجمع بين الظهرين في عرفات والعشائين في مزدلفة ليس بناء على أن وقت الظهرين وقت واحد، ووقت العشائين وقت واحد، بحيث تشارك الأخرى في ذلك الوقت، وإنما هو مبني على أنه مأمور بالجمع بين الصلاتين في الموضعين المذكورين، وإنما يفعل ذلك امتثالًا للأمر ولأجل الوقوف بعرفة، ولأجل الاشتغال بالإفاضة منها إلى المزدلفة، والدليل على ذلك أن الإِمام بعرفة لو صلى كل واحدة من الظهر والعصر في وقتها المعهود كان جائزًا، ولكنه
стр. 1361
مسيئًا لتركه السنة، وكذلك لو صلى كل واحدة من المغرب والعشاء بمزدلفة في وقتها كان جائزًا مع الإساءة. ولو كان الجمع بينهما للمعنى الذي ذكرته لما جازت صلاته، وكذا لو فعل ذلك المُتِمُّ أو المسافر في غير هذين الموضعن لم يكن مسيئًا، فثبت بذلك أن عرفة وجمع مخصوصتان بهذا الحكم، وأن حكم ما سواهما في هذا بخلاف حكمهما فيه.
قوله: "فثبت بما ذكرناه ... " إلى آخره نتيجة كلامه الذي ذكره من تصحيح معاني الآثار، والذي ذكره من وجه النظر، أي ثبت بجميع ما ذكرنا في هذا الباب: أن معنى ما روينا عن النبي ﵇ من الجمع بين الصلاتين: أنه أخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الثانية في أول وقتها، ثم اعلم أن النُّسَخ ها هنا مختلفة من قوله: "قيل له" إلى قوله: "فثبت بما ذكرناه"، وأحسنها وأصوبها ما أثبته وترجمته بالحمرة.
قوله: "فإن اعتل معتل" المعتل ها هنا اسم فاعل، ولكنه يشترك في مثل هذه الصيغة اسم الفاعل واسم المفعول، ويحصل الفرق بالقرينة، مثل العلة ونحوها يقال هذا معتل للفاعل، ومعتل فيه للمفعول، وإنما لم يظهر الفرق بين الفاعل والمفعول في مثل هذا لأجل الإدغام، والفرق فيه تقديري؛ لأن ما قبل آخره مكسور في الفاعل، ومفتوح في المفعول، تقول: مُعْتَلِلٌ ومُعْتَلَلٌ عند فك الإدغام وإذا أدغمت إحدى اللامين في الأخرى يزول الفرق الصوري ويبقى التقديري، فافهم.
قوله: "إن عرفة وجمع" كلاهما لا ينصرفان؛ للعلمية والتأنيث، أما عرفة فإنه علم للبقعة المشهورة وفيها تأنيث لفظًا ومعنًا.
وأما "جمع" فإنه علم للمزدلفة، وفيها تأنيث معنوي؛ لأنه علم للبقعة فلا ينصرفان، فلا يدخلهما الجرّ والتنوين.
فإن قيل: قد دخل الجر في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (١) فما وجهه؟
стр. 1362
قلت: لأن التأنيث فيها إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة، كما في ساعات، فالتي في لفظها ليست للتأنيث وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأن اختصاص هذه التاء بالجمع المؤنث مانعة من تقديرها، فحينئذ لم يبق فيها إلا العلمية فلم يمنع من دخول التنوين حينئذ، فافهم.
ص: وكذلك كان أصحاب النبي ﵇ من بعده يجمعون بينهما.
حدثنا محمد بن النعمان السقطي، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو خيثمة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: "وفدت أنا وسعد بن مالك ونحن نبادر الحج، فكان يجمع بين الظهر والعصر، يقدم من هذه ويؤخر من هذه، ويجمع بين المغرب والعشاء، يقدم من هذه ويؤخر من هذه، حتى قدِمنا مكة شرفها الله تعالى".
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد، قال: "صحبت عبد الله بن مسعود ﵁ في حجة، فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء، ويسفر بصلاة الغداة".
وجميع ما ذهبنا إليه في هذا الباب، وكيفية الجمع بين الصلاتين؛ قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أي كما ذكرنا من أن صورة الجمع بين الصلاتين: هي تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها، كان أصحاب النبي ﵇ من بعده يجمعون كذلك.
وقد أخرج عن اثنين من الصحابة:
أحدهما: سعد بن مالك، وهو سعد بن أبي وقاص ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة.
стр. 1363
أخرج عنه بإسناد صحيح، عن محمد بن النعمان السقطي، منسوب إلى السقط، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري ومسلم، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية الجعفي من أكابر أصحاب أبي حنيفة وممن روى لهم الجماعة، عن عاصم بن سليمان الأحول البصري، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مَلّ النهدي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبدة، عن عاصم، عن أبي عثمان قال: "خرجت أنا وسعد إلي مكة، فكان يجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، يؤخر هذه ويعجل من هذه ويصليهما جميعًا، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء ثم يصليهما جميعًا، حتى قدمنا مكة".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن عاصم، عن أبي عثمان النهدي، قال: اصطحبت أنا وسعد بن أبي وقاص من الكوفة إلى مكة، وخرجنا موافدين، فجعل سعدٌ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، يقدم من هذه قليلًا ويؤخر من هذه قليلًا حتى جئنا مكة".
والآخر: عبد الله بن مسعود، أخرج عنه بإسناد صحيح، عن فهد، عن عبد الله ابن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني أحد مشايخ البخاري وأبي داود، عن زهير ابن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق ... إلى آخره مقتصرًا على الإسفار بالفجر.
قوله: "وفدت" من وَفِدَ يَفِدُ فهو وافدٌ، وأوفدته فَوَفَد، يقال: وَفِدَ فلان على الأمير، أي وَرَدَ رسولًا، فهو وافد، والجمع وَفْدٌ مثل صَاحب وصحْبٌ، وجمع
стр. 1364
الوفد: أوفاد ووفود، والاسم الوفادة، ووافدته أنا إلى الأمير أي أرسلته، وإنما أظهر الضمير المرفوع بقوله: "أنا" ليصبح العطف على وفدت، كما عرف في موضعه.
قوله: "ونحن نبادر" من المبادرة وهي المسارعة، والله أعلم بالصواب.
стр. 1365
ص: باب: الصلاة الوسطه أي الصلوات هي ؟
ش: أي هذا الباب في بيان الصلاة الوسطى آية صلاة هي من بين الصلوات الخمس؟ والوسطى بضم الواو: تأنيث الأوسط بمعنى الفضلى، وأفعل التفضيل لا يُبْهنَى إلا مما يقبل الزيادة والنقص، وكذا فعل التعجب، فلا يجوز زيد أموت للناس، ولا ما أموت زيد؛ لأنه لا يقبل ذلك، وكون الشيء وسطًا بين شيئين لا يقبل الزيادة والنقصان فلا يجوز أن يبنى أنه أفعل التفضيل، فتعين أن يكون الوسطول بمعنى: الفضلى، والمناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على أحكام الصلاة.
ص: حدثنا ربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان: "أن رهطًا من قريش اجتمعوا، فمر بهم زيد بن ثابت ﵁ فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطي، فقال: هي العصر، فقام رجلان إليه منهم فسألاه، فقال: هي الظهر، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسالاه، فقال: هي الظهر؛ إن رسول الله ﵇ كان يصلي بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١). فقال النبي ﵇: "لينتهين رجال؛ أو لأحرقن بيوتهم".
حدثنا فهد، قال: نا عمرو بن مرزوق، قال: نا شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن الزبرقان، عن عروة، عن زيد بن ثابت قال: "كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهجير -أو قال: بالهاجرة- وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١)؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين".
стр. 1366
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، نا شعبة، عن عمرو بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: "هي الظهر".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن داود بن الحصين، عن ابن اليربوع المخزومي: "أنه سمع زيد بن ثابت يقول ذلك".
حدثنا ابن معبد، قال: ثنا المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة، قالا: أنا أبو صخر، أنه سمع يزيد بن عبد الله بن قسيط يقول: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت، يقول: "سمعت أبي يقول ذلك".
ش: هذه ستة طرق صحاح عن زيد بن ثابت، غير أن الطريق الأول منقطع؛ لأن الزبرقان بن عمرو بن أمية لم يسمع من زيد بن ثابت ولا من أسامة بن زيد، وقد وثقه ابن حبان وغيره، وخالد بن عبد الرحمن الخراساني وثقه يحيى بن معين، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب روى له الجماعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن ابن أبي ذئب، عن الزبرقان: "أن رهطًا من قريش مَرَّ بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين [لهم] (٢) يسألانه عن الصلاة الوسطي ... " إلى آخره نحوه سواء.
والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين ولا يكون فيهم امرأة، لا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع، والهجير والهاجرة: اشتداد الحر نصف النهار، والقائلة: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، يقال: قَالَ يَقِيل قيلولة فهو قائل، وقال الجوهري: القائلة هي الظهيرة
стр. 1367
يقال: أتانا عند القائلة، وقد تكون بمعنى القيلولة أيضًا، وهي النوم في الظهيرة، يقال: قال يقيل قيلولة وقيلًا ومقيلًا وهو شاذ.
قوله: "لينتهين رجال" أي لينتهين عن تضييع هذه الصلاة التي أمرهم الله بالمحافظة عليها؛ أو لأحرقن بيوتهم.
والأصل في مثل هذا الموضع أن يقدر قبل "أو" مصدر وبعدها "أن" ناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بـ "أو" على المقدر قبلها.
فتقدير هذا الكلام: ليكونن انتهاء منهم عن تضييع هذه الصلاة؛ أو إحراقٌ مني بيوتهم.
الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، قال: سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري أيضًا في "تاريخه الكبير" (٢).
قوله: "وكانت أثقل الصلوات" لكونه ﵇ كان يصليها في قوة الحر، ثم أبرد بعد ذلك، وأمر بالإبراد.
قوله: "لأن قبلها صلاتين" وهما الصبح والعشاء، وهما من وجه الليل، "وبعدها صلاتين" وهما العصر والمغرب، وهما من وجه النهار.
الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد الأعور المصيصي، عن شعبة ... إلى آخره.
الرابع: عن ابن مرزوق ... إلى آخره.
стр. 1368
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطي صلاة الظهر".
الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى البصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن سعيد بن اليربوع المخزومي، عن زيد بن ثابت.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن مالك، عن داود بن الحصين، عن ابن اليربوع، قال: سمعت زيد بن ثابت قال: "هي الظهر".
السادس: عن علي بن معبد بن نوح، وفي بعض النسخ عن إبراهيم بن منقذ العصفري عن عبد الله بن يزيد المقري، عن حيوة بن شريح بن صفوان أبي زرعة المصري، وعبد الله بن لهيعة، كلاهما عن أبي صخر بن زياد الخراط المدني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة بن عمير الليثي المدني الأعرج عن خارجة بن زيد بن ثابت أحد الفقهاء السبعة، عن أبيه زيد بن ثابت.
قوله: "يقول ذلك" أي يقول: إن الصلاة الوسطى هي الظهر. وهذا هو المشهور عن زيد بن ثابت، وقال أبو عمر: وهو أثبت ما روي عنه.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا موسى بن ربيعة، عن الوليد بن أي الوليد، عن عبد الرحمن بن أفلح: "أن نفرًا من أصحابه أرسلوه إلى عبد الله بن عمر ﵄ يسأله عن الصلاة الوسطي، فقال: اقرأ ﵈ وأخبرهم: أنا كنا نتحدث أنها التي في إثر الضحى، قال: فردوني إليه الثانية، فقلت: يقرءون عليك السلام ويقولون لك: بين لنا أي صلاة هي؟ فقال: اقرأ ﵈ وأخبرهم: أنا كنا نتحدث أنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله ﵇ الكعبة. قال: وقد عرفناها، هي الظهر".
стр. 1369
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وأخرجه الطبري (١): ثنا ابن البرقي [قال: ثنا ابن أبي مريم، قال:] (٢) أنا نافع بن يزيد، حدثني الوليد بن أبي الوليد، أن سلمة مرة حدثه: "أن نفرًا من قريش أرسلوا إلى عبد الله بن عمر يسألونه عن الصلاة الوسطي، فقال له: هي التي على إثر الضحى، فما زادنا إلا عيًّا، بها فمر بهم عبد الرحمن بن أفلح [مولى عبد الله بن عمر] (٢) فارسلوه إليه، فقال: هي التي توجه فيها رسول الله ﵇ إلى القبله".
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣): من حديث موسى بن ربيعة الجمحي، عن الوليد، عن ابن أفلح: "أن نفرًا من الصحابة أرسلوا إلى ابن عمر ... " فذكره، وقال: لا يروى عن ابن أفلح، عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به موسى.
قوله: "أن نفرًا" أي جماعة، وهم رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أنفار.
قوله: "أنها" أي كنا نتحدث: أن الصلاة الوسطى هي التي تكون في إثر الضحى، أي عقيب صلاة الضحى.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى ما ذكرنا، فقالوا: هي الظهر، واحتجوا في ذلك بما احتج به زيد بن ثابت، على ما ذكرناه في حديث الربيع، وبما رويناه في ذلك عن ابن عمر.
شْ: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الله بن شداد وعروة بن الزبير وأبا حنيفة في رواية؛ فإنهم قالوا: الصلاة الوسطي هي صلاة الظهر، وهو قول أسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة ﵃.
стр. 1370
وقال الطبري: وهو قول ابن عمر وأبي سعيد الخدري على اختلاف عنهما.
قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه من أن الصلاة الوسطى هي الظهرة بما احتج به زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وما احتج به زيد بن ثابت هو الذي رواه عنه بالطرق الستَّة، وقد ذكرناها.
قوله: "وبما رويناه" أي واحتجوا أيضًا بما رويناه عن عبد الله بن عمر ﵄.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت فليس فيه عن النبي ﵇ إلا قوله: "لينتهين أقوام، أو لأحرقن عليهم بيوتهم" وأن النبي ﵇ كان يصلي الظهر بالهجير، ولا يجتمع معه إلا الصف والصفان، فأنزل الله هذه الآية، فاستدل هو بذلك على أنها الظهر؛ فهذا قولٌ من زيد بن ثابت ولم يروه عن النبي، وليس في هذه الآية عندنا دليل على ذلك؛ لأنه قد يجوز أن تكون هذه الآية أنزلت للمحافظة على الصلوات كلها، الوسطى وغيرها، ومن المحافظة عليها حضورها حيث تصلى، فقال لهم النبي ﵇ في الصلاة التي يفرطون في حضورها: "لينتهين أقوام أو لأحرقن عليهم بيوتهم" يريد لينهين أقوام عن تضييع هذه الصلاة التي قد أمرهم الله بالمحافظة عليها، أو لأحرقن عليهم بيوت هم، وليس في شيء من ذلك دليل على الصلاة الوسطي أي صلاة هي منهن.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون فيما ذهبوا إليه، وهم جماعة كثيرة منقولة في مخالفيهم، أولئك القوم مختلفون أيضًا فيما بينهم، على ما يجيء مفصلًا إن شاء الله تعالى.
قوله: "فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت ... " إلى آخره جواب عما احتج به أولئك القوم، ورد لاستدلالهم؛ فإنه لا يصلح لما ذهبوا إليه، ووجه ذلك ظاهر غني عن البيان، وكذلك أثر ابن عمر ﵄ ليس فيه دليل عن أن النبي ﵇ على أن الصلاة الوسطي هي الظهر، وإنما هو قول ابن عمر ﵁ وإخباره عما كانوا يتحدثون أنها الصلاة التي توجه فيها رسول الله ﵇ إلى الكعبة شرفها الله، ثم العلماء ذكروا في هذا الباب عشرين قولًا: