← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، نا شعبة، عن عمرو بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: "هي الظهر". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن داود بن الحصين، عن ابن اليربوع المخزومي: "أنه سمع زيد بن ثابت يقول ذلك". حدثنا ابن معبد، قال: ثنا المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة، قالا: أنا أبو صخر، أنه سمع يزيد بن عبد الله بن قسيط يقول: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت، يقول: "سمعت أبي يقول ذلك". ش: هذه ستة طرق صحاح عن زيد بن ثابت، غير أن الطريق الأول منقطع؛ لأن الزبرقان بن عمرو بن أمية لم يسمع من زيد بن ثابت ولا من أسامة بن زيد، وقد وثقه ابن حبان وغيره، وخالد بن عبد الرحمن الخراساني وثقه يحيى بن معين، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن ابن أبي ذئب، عن الزبرقان: "أن رهطًا من قريش مَرَّ بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين [لهم] (٢) يسألانه عن الصلاة الوسطي ... " إلى آخره نحوه سواء. والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين ولا يكون فيهم امرأة، لا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع، والهجير والهاجرة: اشتداد الحر نصف النهار، والقائلة: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، يقال: قَالَ يَقِيل قيلولة فهو قائل، وقال الجوهري: القائلة هي الظهيرة

стр. 1367

يقال: أتانا عند القائلة، وقد تكون بمعنى القيلولة أيضًا، وهي النوم في الظهيرة، يقال: قال يقيل قيلولة وقيلًا ومقيلًا وهو شاذ. قوله: "لينتهين رجال" أي لينتهين عن تضييع هذه الصلاة التي أمرهم الله بالمحافظة عليها؛ أو لأحرقن بيوتهم. والأصل في مثل هذا الموضع أن يقدر قبل "أو" مصدر وبعدها "أن" ناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بـ "أو" على المقدر قبلها. فتقدير هذا الكلام: ليكونن انتهاء منهم عن تضييع هذه الصلاة؛ أو إحراقٌ مني بيوتهم. الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، قال: سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البخاري أيضًا في "تاريخه الكبير" (٢). قوله: "وكانت أثقل الصلوات" لكونه ﵇ كان يصليها في قوة الحر، ثم أبرد بعد ذلك، وأمر بالإبراد. قوله: "لأن قبلها صلاتين" وهما الصبح والعشاء، وهما من وجه الليل، "وبعدها صلاتين" وهما العصر والمغرب، وهما من وجه النهار. الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد الأعور المصيصي، عن شعبة ... إلى آخره. الرابع: عن ابن مرزوق ... إلى آخره.

стр. 1368

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطي صلاة الظهر". الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى البصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن سعيد بن اليربوع المخزومي، عن زيد بن ثابت. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن مالك، عن داود بن الحصين، عن ابن اليربوع، قال: سمعت زيد بن ثابت قال: "هي الظهر". السادس: عن علي بن معبد بن نوح، وفي بعض النسخ عن إبراهيم بن منقذ العصفري عن عبد الله بن يزيد المقري، عن حيوة بن شريح بن صفوان أبي زرعة المصري، وعبد الله بن لهيعة، كلاهما عن أبي صخر بن زياد الخراط المدني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة بن عمير الليثي المدني الأعرج عن خارجة بن زيد بن ثابت أحد الفقهاء السبعة، عن أبيه زيد بن ثابت. قوله: "يقول ذلك" أي يقول: إن الصلاة الوسطى هي الظهر. وهذا هو المشهور عن زيد بن ثابت، وقال أبو عمر: وهو أثبت ما روي عنه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا موسى بن ربيعة، عن الوليد بن أي الوليد، عن عبد الرحمن بن أفلح: "أن نفرًا من أصحابه أرسلوه إلى عبد الله بن عمر ﵄ يسأله عن الصلاة الوسطي، فقال: اقرأ ﵈ وأخبرهم: أنا كنا نتحدث أنها التي في إثر الضحى، قال: فردوني إليه الثانية، فقلت: يقرءون عليك السلام ويقولون لك: بين لنا أي صلاة هي؟ فقال: اقرأ ﵈ وأخبرهم: أنا كنا نتحدث أنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله ﵇ الكعبة. قال: وقد عرفناها، هي الظهر".

стр. 1369

ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه الطبري (١): ثنا ابن البرقي [قال: ثنا ابن أبي مريم، قال:] (٢) أنا نافع بن يزيد، حدثني الوليد بن أبي الوليد، أن سلمة مرة حدثه: "أن نفرًا من قريش أرسلوا إلى عبد الله بن عمر يسألونه عن الصلاة الوسطي، فقال له: هي التي على إثر الضحى، فما زادنا إلا عيًّا، بها فمر بهم عبد الرحمن بن أفلح [مولى عبد الله بن عمر] (٢) فارسلوه إليه، فقال: هي التي توجه فيها رسول الله ﵇ إلى القبله". وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣): من حديث موسى بن ربيعة الجمحي، عن الوليد، عن ابن أفلح: "أن نفرًا من الصحابة أرسلوا إلى ابن عمر ... " فذكره، وقال: لا يروى عن ابن أفلح، عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به موسى. قوله: "أن نفرًا" أي جماعة، وهم رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أنفار. قوله: "أنها" أي كنا نتحدث: أن الصلاة الوسطى هي التي تكون في إثر الضحى، أي عقيب صلاة الضحى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى ما ذكرنا، فقالوا: هي الظهر، واحتجوا في ذلك بما احتج به زيد بن ثابت، على ما ذكرناه في حديث الربيع، وبما رويناه في ذلك عن ابن عمر. شْ: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الله بن شداد وعروة بن الزبير وأبا حنيفة في رواية؛ فإنهم قالوا: الصلاة الوسطي هي صلاة الظهر، وهو قول أسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة ﵃.

стр. 1370

وقال الطبري: وهو قول ابن عمر وأبي سعيد الخدري على اختلاف عنهما. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه من أن الصلاة الوسطى هي الظهرة بما احتج به زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وما احتج به زيد بن ثابت هو الذي رواه عنه بالطرق الستَّة، وقد ذكرناها. قوله: "وبما رويناه" أي واحتجوا أيضًا بما رويناه عن عبد الله بن عمر ﵄. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت فليس فيه عن النبي ﵇ إلا قوله: "لينتهين أقوام، أو لأحرقن عليهم بيوتهم" وأن النبي ﵇ كان يصلي الظهر بالهجير، ولا يجتمع معه إلا الصف والصفان، فأنزل الله هذه الآية، فاستدل هو بذلك على أنها الظهر؛ فهذا قولٌ من زيد بن ثابت ولم يروه عن النبي، وليس في هذه الآية عندنا دليل على ذلك؛ لأنه قد يجوز أن تكون هذه الآية أنزلت للمحافظة على الصلوات كلها، الوسطى وغيرها، ومن المحافظة عليها حضورها حيث تصلى، فقال لهم النبي ﵇ في الصلاة التي يفرطون في حضورها: "لينتهين أقوام أو لأحرقن عليهم بيوتهم" يريد لينهين أقوام عن تضييع هذه الصلاة التي قد أمرهم الله بالمحافظة عليها، أو لأحرقن عليهم بيوت هم، وليس في شيء من ذلك دليل على الصلاة الوسطي أي صلاة هي منهن. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون فيما ذهبوا إليه، وهم جماعة كثيرة منقولة في مخالفيهم، أولئك القوم مختلفون أيضًا فيما بينهم، على ما يجيء مفصلًا إن شاء الله تعالى. قوله: "فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت ... " إلى آخره جواب عما احتج به أولئك القوم، ورد لاستدلالهم؛ فإنه لا يصلح لما ذهبوا إليه، ووجه ذلك ظاهر غني عن البيان، وكذلك أثر ابن عمر ﵄ ليس فيه دليل عن أن النبي ﵇ على أن الصلاة الوسطي هي الظهر، وإنما هو قول ابن عمر ﵁ وإخباره عما كانوا يتحدثون أنها الصلاة التي توجه فيها رسول الله ﵇ إلى الكعبة شرفها الله، ثم العلماء ذكروا في هذا الباب عشرين قولًا:

стр. 1371

الأول: أن الصلاة الوسطى هي العصر، وهو قول أبي هريرة وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب وأم سلمة ﵃. وقال ابن حزم: ولا يصح عن عليّ ولا عن عائشة غير هذا أصلًا، وهو قول الحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي وابن سيرين وسعيد بن جبير وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ويونس وقتادة والشافعي وأحمد والضحاك بن مزاحم وعبيد بن تميم وزر بن حبيش ومحمد بن السائب ومقاتل وآخرين، وقال أبو الحسن الماوردي، وهو مذهب جمهور التابعين. وقال أبو عمر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال ابن عطية: عليه جمهور الناس. وقال أبو جعفر الطبري: الصواب من ذلك ما تظاهرت به الأخبار من أنها العصر. وقال أبو عمر: وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب. وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم. قال الماوردي: هذا مذهب الشافعي؛ لصحة الأحاديث فيه. قلت: هو أيضًا قول داود وابن المنذر. الثاني: أنها المغرب؛ وهو قول قبيصة بن ذؤيب، قال أبو عمر: هذا لا أعلمه قاله غير قبيصة. الثالث: أنها العشاء الآخرة؛ وهو قول الماوردي، وزعم البغوي في "شرح السُّنَّة" أن السلف لم ينقل عن أحد منهم هذا القول، قال: وقد ذكره بعض المتأخرين. الرابع: أنها الصبح، وهو قول جابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل وابن عباس -في قول- وابن عمر -في قول- وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك بن أنس والشافعي -في قول- وقال أبو عمر: وممن قال: الصلاة الوسطى

стр. 1372

صلاة الصبح: عبد الله بن عباس وهو أصح ما روي عنه في ذلك، وهو قول طاوس ومالك وأصحابه. وفي بعض شروح البخاري: وهو قول عمر بن الخطاب وابنه وأبي موسى ومعاذ -فيما ذكره البغوي- وعلي بن أبي طالب، قال أبو عمر: ولم يصح عنه ذلك، وصح عن ابن عباس. الخامس: أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها، روي ذلك عن ابن عمر من طريق صحيح؛ قال نافع: سأل ابن عمر رجلٌ عن الصلاة الوسطي، فقال: هي منهن فحافظوا عليهن كلهن" وبنحوه قال الربيع بن خثيم وزيد بن ثابت -في رواية- وشريح القاضي ونافع. السادس: أنها الخمس؛ إذ هي الوسطي من الدين كما قال ﵇: "بُني الإِسلام على خمس" (١) قالت جماعة هي الوسطى من الخمس، روي ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن غنيم فيما ذكره النقاش، وفي كتاب الحافظ أبي الحسن علي بن الفضل، قيل: ذلك لأنها وسط الإِسلام، أي حياده، وكذلك قال عمر بن الخطاب ﵁. السابع: أنها هي المحافظة على وقتها مع الصلوات، وفي كتاب "التفسير" لابن أبي حاتم: ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا المحاربي وابن فضيل، عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه قال هي المحافظة على وقتها. الثامن: أنها مواقيتها وشروطها وأركانها، وقال مقاتل بن حيان: الوسطى: مواقيتها ووضوءها وتلاوة القرآن فيها والتكبير والركوع والسجود والتشهد والصلاة على النبي ﵇، فمن فعل ذلك فقد أتمها وحافظ عليها. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا به محمد بن الفضل، ثنا محمد بن علي بن شقيق، أنا محمد بن مزاحم، عن بكر بن معروف، عنه.

стр. 1373

وذكر أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" عن ابن عباس نحوه. التاسع: أنها الجمعة خاصة حكاه أبو الحسن الماوردي وغيره؛ لما اختصت به دون غيرها، وقال ابن سيده في "المحكم": لأنها أفضل الصلوات، ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ، إلا أن يقوله برواية يسندها إلى رسول الله ﵇. العاشر: أنها الجمعة يوم الجمعة، وفي سائر الأيام الظهر، حكاه أبو جعفر محمد ابن مقسم في تفسيره. الحادي عشر: أنها صلاتان: الصبح والعشاء، وعزاه ابن مقسم في تفسيره لأبي الدرداء؛ لقوله ﵇: "لو تعلمون ما في العتمة والصبح ... " الحديث (١). الثاني عشر: أنها العصر والصبح، وهو قول أبي بكر المالكي الأبهري. الثالث عشر: أنها الجماعة في جميع الصلاة، حكاه الماوردي. الرابع عشر: أنها الوتر. الخامس عشر: أنها صلاة الضحى. السادس عشر: أنها صلات العيدين. السابع عشر: أنها صلاة عيد الفطر. الثامن عشر: أنها صلاة الخوف. التاسع عشر: أنها صلاة عيد الأضحى. العشرون: أنها المتوسطة بين الطول والقصر. وأصحها العصر؛ للأحاديث الصحيحة، والباقي بعضها ضعيف وبعضها غلط، وفي المراد بالصلاة الوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أوسط الصلوات مقدارًا.

стр. 1374

والثاني: أنها أوسطها محلًا. والثالث: أنها أفضلها، وأوسط كل شيء أفضله فمن قال الوسطي: الفضلى جاز لكل ذي مذهب أن يدعيه، ومن قال: مقدارًا فهي المغرب؛ لأن أقلها ركعتين وأكثرها أربع. ومن قال: محلاًّ ذكر كل أحد مناسبة يوجه لها. ص: وقد قال قوم: إن قول رسول الله ﷺ هذا لم يكن لصلاة الظهر، وإنما كان لصلاة الجمعة. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﵇ أنه قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أُحَرِّق على قوم يتخلفون عن الجمعة في بيوتهم". فهذا ابن مسعود يخبر أن قول النبي ﵇ ذلك إنما كان للمتخلفين عن الجمعة، ولم يستدل هو بذلك على أن الجمعة هي الصلاة الوسطي، بل قال بغير ذلك، وأنها العصر، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: أراد بالقوم: الحسن البصري، وعوف بن مالك، والنخعي. "أن قول رسول الله ﵇ هذا" أي قوله: "لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم" لم يكن لأجل صلاة الظهر حتى يَسْتَدَلّ به على أنها هي الوسطي، وإنما كان لأجل صلاة الجمعة، وقد بَيَّن ذلك عبد الله بن مسعود في حديثه؛ إذ لو كان لصلاة الظهر لكان استدل به على أن الوسطي هي الظهر، وإنما كان ذلك لأجل المتخلفين عن الجمعة، فحينئذ استدلال أهل المقالة الأولى بهذا الحديث على أن الوسطي هي الظهر غير صحيح، ولا استدلال من يستدل به على أنها هي صلاة الجمعة؛ لأن ابن مسعود لم يستدل بذلك على أنها هي الجمعة، بل قال بخلاف ذلك، حيث قال: إنها العصر، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 1375

وإسناد حديث ابن مسعود صحيح على شرط مسلم، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا الفضل بن دكين، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، سمعته منه عن عبد الله: "أن النبي ﵇ قال لقوم يتخلفون ... " إلى آخره نحوه غير أن في لفظه: "ثم أحرق على رجال". وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢): من حديث زهير، عن أبي إسحاق نحوه. ص: وقد وافق ابن مسعود على ما قال من ذلك غيره من التابعين، كما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: زعم حميد وغيره عن الحسن قال: "كانت الصلاة التي أراد رسول الله ﷺ أن يُحرق على أهلها: صلاة الجمعة". ش: أي قد وافق عبد الله بن مسعود على قوله: إن قول النبي ﵇: "لينتهين رجال أو لأحرقن عليهم بيوتهم" للمتخلفين عن الجمعة؛ غيره من التابعين، وهو الحسن البصري، فإنه قال: "الصلاة التي أراد رسول الله ﵇ أن يحرق على أهلها: صلاة الجمعة". روى ذلك عنه: حميد بن أبي حميد الطويل. أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن حميد. ص: وقد روي عن أبي هريرة ﵁ خلاف ذلك أيضًا: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر رجلًا بحطب فَيَحْطِب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين؛ لشهد العشاء".

стр. 1376

حدثنا ربيع المؤذن، قالا: أنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، ومالك عن أبي الزناد ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم آخذ شعلًا من نار، وأحرق على من لم يخرج إلى الصلاة بيته". حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: أنا عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه أخر عشاء الآخرة حتى كان ثلث الليل -أو قربه- ثم جاء وفي الناس رُقَّد وهم عِزُون، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: لو أن رجلًا ندب الناس إلى عِرق أو مِرْمَاتين لأجابوا له، وهم يتخلفون عن هذه الصلاة، لهممت أن أمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أتخلف على أهل هذه الدورة الذين يتخلفون عن هذه الصلاة فأضرمها عليهم بالنيران". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم ... فذكر مثله بإسناده. قال أبو جعفر ﵀: فهذا أبو هريرة ﵁ يخبر أن الصلاة التي قال فيها النبي ﵇ هذا القول هي العشاء، ولم يدل ذلك على أنها الصلاة الوسطي، بل قد روى هو عن النبي ﵇ ذلك مما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: أي وقد روي عن أبي هريرة ﵁ خلاف ما روي عن ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود أخبر أن قول النبي ﵇: "لينتهين رجال، أو لأحرقن بيوتهم" إنما هو لأجل الجمعة؛ قال: وأبو هريرة ذكر أن ذلك إنما هو لأجل صلاة العشاء، ولم يدل ذلك على أنها هي الصلاة الوسطى؛ فحينئذ استدلال أهل المقالة الأولى بهذا الحديث على أن الصلاة الوسطى هي الظهر غير تام، على أن أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﵇ خلاف هذا أيضًا، على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

стр. 1377

ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة عن خمس طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها، يعني صلاة العشاء". وأبو داود (٣): عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم انطلق يعني برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، نحو رواية أبي داود. قوله: "لقد هممت" أي قصدت. وقوله: "أن آمر" مفعول "لهممت" و"أن" مصدرية. وقوله: "ثم أمر" منصوب عطفًا على "أن آمر" الأول، وكذلك ثم آمر الثالث.

стр. 1378

قوله: "ثم أُخالف" أي آتيهم من خلفهم، أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة وأرجع إليهم وآخذهم على غفلة، أو يكون بمعنى: أتخلف عن الصلاة بمعاقبتهم، أو أخالف ظنهم بي في الصلاة بقصدي إليهم. قوله: "فأحرق" من التحريق أو من الإحراق، وفي الأول من المبالغة ما ليس من الثاني. قوله: "عظمًا سمينًا" يريد بضعة اللحم السمين على عظمه، ضربه رسول الله ﵇ مثلًا في التفاهة، كما قال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (١) يريد الشيء الكثير ولم يرد القنطار بعينه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (١) يريد الشيء الحقير ولم يرد الدينار بعينه. قوله: "أو مِرْمَاتين" يروى بكسر الميم وفتحها، وميمها زائدة، وهي تثنية مرماة، وهي ظلف الشاة. وقيل: ما بين ظلفيها، وقيل: المرماة بالكسر: السهم الصغير الذي يتُعلم به الرمي، وهو أحقر السهام وأرذلها، أي لو دعي إلى أن يعطى سهمين من هذه السهام لأسرع الإجابة. وقال الزمخشري: هذا ليس بوجيه، ويدفعه قوله في الرواية الأخرى: "لو دعى إلى مرماتين أو عرق". وقال أبو عبيد: هذا حرف لا أدري ما وجهه، إلا أنه هكذا يفسر بما بين ظلفي الشاة، يريد به حقارته. ويقال: المرماتان: حديدتان من حدايد كانوا بها وهي ملس كالأسنة، كانوا يثبتونها في الأكوام والأغراض. قوله: "حسنتين" صفة للمرماتين من الحسن والجودة، وإنما وصفهما بالحسن لأنه عطفهما على العظم السمين، ويروى: "جَشِبَتَيْن" بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة، والجَشِب: الغليظ، وفي الحديث: "أنه ﵇ كان يأكل الجَشِب". أي الغليظ الخشن من الطعام، وقيل غير المأدوم، وكل بَشع الطَّعم جشب ويروى خشبتين بفتح الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة، والخَشِبْ اليابس من الخَشَب، بفتحتين.

стр. 1379

ويستنبط منه أحكام: الأول: استدل به عطاء والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وابن خزيمة وداود: أن الجماعة فرض، وفي "شرح المهذب": قيل: إنه قول الشافعي. وعن أحمد: واجبة وليست بشرط، وقالت الجمهور: ليست بفرض عين، واختلفوا هل هي سُنَّة أم فرض كفاية؟ والمختار عند الشافعي أنها فرض كفاية، وعند عامة مشايخنا واجبة، وقد قال بعض أصحابنا: سنة مؤكدة، وهو قول القدوري أيضًا، وفي "المفيد": الجماعة واجبة، وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة، وفي "شرح خواهر زاده" هي سُنَّة مؤكدة غاية التأكيد. وقيل: فرض كفاية، وهو اختيار الطحاوي والكرخي وغيرهما، وهو قول الشافعي المختار. وقيل: سُنَّه، وفي "الجواهر": عن مالك: سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية. والجواب عن الحديث من وجوه: - الأول: أن هذا في المنافقين ويشهد له قوله: "لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا ... " إلى آخره، وهذه ليست صفة المؤمن لا سيما أكابر المؤمنين وهم الصحابة ﵃ وإذا كان في المنافقين كان التحريق للنفاق لا لترك الجماعة؛ فلا يتم الدليل. - الثاني: أنه ﵇ همّ ولم يفعل. - والثالث: أنه ﵇ لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة؛ وهو موضع البيان. الثاني: فيه دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة مالية، وأجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغالّ من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما. الثالث: فيه دليل على قتل تارك الصلاة متهاونًا، قاله عياض. قلت: يرد هذا قوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ". الحديث، والحديث محمول على التهديد والتشديد.

стр. 1380

الرابع: فيه الإعذار قبل العقوبة بالتهديد بالقول والوعيد. الخامس: فيه جواز أخذ أهل الجنايات والجرائم على غرة والمخالفة إلى منازلهم وبيوتهم. السادس: فيه معرفة يمين رسول الله ﵇، وأنه كان يخلف على ما يريد بالله، في ذلك رد على قول من يقول: لا يحلف بالله صادقًا ولا كاذبًا، وفي قوله ﵇: "من كان حالفا فليحلف بالله" كفاية. السابع: أن الصلوات يؤذن لها. الثامن: فيه إجازة إمامة المفضول بحضور الفاضل. التاسع: فيه إباحة عقوبة من تأخر عن شهود الجماعة بغير عذر. العاشر: أن هذه الصلاة التي همّ بتحريقهم للتخلف عنها هي صلاة العشاء؛ ولذلك ذكره الطحاوي ها هنا، وفي رواية: أنها الجمعة، وقد مَرَّ ذكرها، وفي رواية: أنها الصلاة الفرض مطلقًا، والكل له وجه، ولا منافاة بينها والله أعلم. الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وعن مالك كلاهما، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مِرْمَاتين حسنتين؛ لشهد العشاء". الثالث: عن فهد بن سليمان الكوفي، عن عمرو بن حفص الكوفي

стр. 1381

شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها، أحد أصحاب أبي حنيفة، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة، والكل رجال الصحيح ما خلا فهدًا. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب -واللفظ لهما- قالا: أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ : "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق -يعني برجال معهم حزم من حطب- إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". قوله: "على المنافقين" وهم الذين كانوا يُظْهِرون الإِسلام ويُبْطِنون الكفر، ويظهرون المحبة لرسول الله ﵇ وفي قلوبهم بغض وعداوة، وقد قيل: إن هذا في حق المؤمنين، ولكن ذكر بهذه العبارة تغليظًا وتشديدًا في التهديد وهذا لا يصح؛ لأنه من المعلوم من حال الصحابة عدم التخلف عنه ﵇ ويشهد على ذلك أنه ورد في بعض الأحاديث "ثم أحرق بيوتًا على من فيها". قوله: "ولو حبوا" نصب بفعل محذوف تقديره: ولو كانوا يحبون حبوًا، والحبو: أن يمشي على يديه وركبتيه أو إسته وحبا البعير: إذا برك أو أبرك ثم زحف من الإعياء، وحبا الصبيّ إذا زحف على إسته. قوله: "شعلا" جمع شعلة النار. قوله: "بيته" مفعول لقوله أحرق. الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة هو ابن أبي النجود الأسدي الكوفي أبو بكر المقرئ أحد مشايخ أبي حنيفة، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي هريرة.

стр. 1382

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ أخر عشاء الآخرة ... ". آخره نحو رواية الطحاوي سواء. قوله: "أو قربه" بالرفع، عطف على قوله: "ثلث الليل" أي أو قرب ثلث الليل. قوله: "رُقَّدٌ" بضم الراء وفتح القاف المشددة: جمع راقد، كالركَّع جمع راكع، والسُّجَّد جمع ساجد. قوله: "وهم عزون" أي متفرقون، وهو جمع عزة وهي الحلقة المجتمعة من الناس وأصلها عزوة في الواو، وجمعت جمع السلامة على غير قياس في جمع. قوله: "ندب الناس" أي دعاهم. قوله: "إلى عَرْق" بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وهو العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه عَراق، وهو جمع نادر، يقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. قوله: "ثم أتخلف" أي آتيهم من خلفهم آخذهم على غفلة وغزة. قوله: "يتخلفون عن هذه الصلاة" أي يتركون الحضور إليها، على معنى أنهم يجعلونها [خلفهم] (٢). قوله: "فأضرمها" من أضرمت النار إذا أوقتدها وهو بنصب الميم عطفًا على ثم أتخلف فافهم. الخامس: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن أبي عياش الأسدي الكوفي المقرئ، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

стр. 1383

وأخرجه أحمد في "مسند" (١): ثنا أسود بن عامر، نا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "جاء رسول الله ﵇ إلى المسجد، فرآهم عزين متفرقين، قال: فغضب غضبًا شديدا ما رأيناه غضب غضبًا أشد منه، قال: والله لقد هممت أن آمر رجلًا يؤم الناس، ثم أتتبع هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة في دورهم فأحرقها عليهم". ص: وقد وافق أبا هريرة من التابعين على ما قال من ذلك سعيد بن المسيب ﵁. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: أنا عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: "كانت الصلاة التي أراد النبي ﵇ أن يحرق على من تخلف عنها: صلاة العشاء الآخرة". ش: وافق أبا هريرة سعيد بن المسيب في إخباره أن الصلاة التي قال فيها النبي ﵇: "ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم" الحديث. هي الصلاة العشاء، ورواة هذا الأثر ثقات. فإبراهيم بن مرزوق وثقه الدارقطني، وعفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد روى الجماعة، وحماد بن سلمة روى له مسلم والأربعة، وعطاء الخراساني روى له الجماعة إلا البخاري، وسعيد بن المسيب من سادات التابعين وأكابرهم. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله خلاف ذلك كله وأن ذلك القول لم يكن من النبي ﵇ لحال الصلاة، وإنما كان لحال أخرى. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عبد الله بن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير قال: "سألت جابرًا ﵁ أقال رسول الله ﷺ : لولا شيء لأمرت رجلًا يصلي بالناس ثم لحرقت بيوتًا على ما فيها؟ قال جابر ﵁: إنما قال ذلك من أجل رجل بلغه عنه شيء، فقال: لئن لم ينته لأحرقن عليه بيته على ما فيه".

стр. 1384

فهذا جابر ﵁ يخبر أن ذلك القول من النبي ﵇ إنما كان للمتخلف عما لا ينبغي التخلف [عنه] (١) فليس في هذا ولا شيء مما تقدمه الدليل على الصلاة الوسطى ما هي. قال أبو جعفر ﵀: فلما انتفى بما (ذكره) (٢) أن يكون فيما روينا عن زيد بن ثابت ﵁ في شيء من ذلك دليل؛ رجعنا إلى ما روي عن ابن عمر ﵄ فإذا ليس فيه حكايته عن النبي ﵇، وإنما هو من قوله؛ لأنه قال: "هي الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله ﷺ إلى الكعبة". ش: أي خلاف ما روي عن ابن مسعود ﵁ من أن حديث التحريق لأجل الجمعة، وخلاف ما روي عن أبي هريرة من أنه لأجل صلاة العشاء الآخرة، بيان ذلك: أن جابرًا ﵁ سئل عن حديث التحريق، فقال: لم يكن ذلك من النبي ﵇ لأجل حال الصلاة، وإنما كان ذلك لأجل رجل بلغ النبي ﵇ عنه شيء أوجب ذلك، فحينئذ لم يكن فيما روي عن زيد بن ثابت ﵁ الذي مضى ذكره في أول الباب دليل على كون الصلاة الوسطى ما هي؟ فإذا كان كذلك يُرجع إلى ما روي عن عبد الله بن عمر وهو قوله: "إنا كنا نتحدث أنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله ﵇ إلى الكعبة"، وهو أيضًا لا يدل على شيء من ذلك؛ لأنه ليس فيه حكايته عن النبي ﵇، وإنما هو إخبار عن قوله؛ لأنه قال من قوله: "إنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله ﵇ إلى الكعبة" فحينئذ لم يتم الدليل على مُدَّعي من يَدَّعِي أن الصلاة الوسطي هي الظهر. مُحْتَجًّا بما روي عن زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ﵃. ورجال حديث جابر ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالًا، على أن أحمد قد وثقه ومال إليه الطحاوي أيضًا، وأبو الزبير اسمه محمد بن مسلم المكي. وهذا قد أخرجه أسد السنة في "مسنده".

стр. 1385

قوله: "أقال" الهمزة فيه للاستفهام، و"اللام" في "لأمرت" للتأكيد فلذلك مفتوحة، وكذا في قوله: "لحرقت" وهو بتشديد الراء، من التحريق، وقوله: "لأحرقن" بضم الهمزة من الإحراق وبنون التأكيد الثقيلة. ص: وقد روي عنه من غير هذا الوجه خلاف ذلك. حدثنا محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، جميعًا قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني ليث بن سعد. ح وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ليث بن سعد، قال: حدثني ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". قال أبو جعفر ﵀ فلما تضاد ما روي في ذلك عن ابن عمر؛ دلّ هذا أنه لم يكن عنده فيه شيء عن النبي ﵇، فرجعنا إلى ما روي عن غيره، فإذا أبو بكرة بكار بن قتيبة قد حدثنا، قال: ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عوف، عن أبي رجاء قال: "صليت خلف ابن عباس ﵄ الغداة، فقنت قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة الوسطى". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا قرة، قال: ثنا أبو رجاء، عن ابن عباس قال: "هي صلاة الصبح". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، عن همام، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا، سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عبد [الله بن] (١) المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: "صليت خلف أبي موسى الأشعري ﵁

стр. 1386

صلاة الصبح، فقال رجل إلى جنبي من أصحاب النبي ﵇: هذه الصلاة الوسطى". قال أبو جعفر: فكأن ما ذهب إليه ابن عباس من هذا: قول الله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فكان ذلك القنوت عنده هو [قنوت] (٢) الصبح، فجعل بذلك الصلاة الوسطي هي الصلاة التي فيها القنوت عنده. ش: أي قد روي عن ابن عمر ﵄ من غير الوجه المذكور، خلاف ما روي عنه من أن الصلاة الوسطي هي الظهر. حاصل الكلام: أنه روي عنه فيما مفأن الصلاة الوسطي هي الظهر؛ لقوله: "كنا نتحدث أنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله ﵇ إلى الكعبة". وروي عنه أيضًا أنه قال: "صلاة الوسطي صلاة العصر" وأخرج ذلك من طريقين صحيحين: أحدهما: عن محمد بن خزيمة بن راشد وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن ليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃. وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٣): ثنا محمد بن عبد الحكم، ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أنه كان يرى لصلاة العصر فضيلة؛ للذي قاله رسول الله ﵇ فيها، ويرى أنها الصلاة الوسطي".

стр. 1387

والآخر: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن يوسف التنيسي أحد مشايخ البخاري، عن ليث بن سعد ... إلى آخره. وهذا كما قد رأيت قد تضادت روايتا ابن عمر ﵄ في الصلاة الوسطي، فدل ذلك على أنه لم يكن عنده شيء في أمر الصلاة الوسطي عن النبي ﵇، فحينئذ يتعين الرجوع إلى ما روي عن غيره، فنظرنا في ذلك، فوجدنا روي عن ابن عباس وعن رجال من الصحابة ﵃ أن الصلاة الوسطي هي صلاة الصبح. وأخرج ذلك عن ابن عباس عن أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري وغيره، عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وقد أدرك أبو رجاء زمن النبي ﵇ ولم يره، وأسلم بعد الفتح وأتى عليه مائة وعشرون سنة أو أكثر، وروى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) من حديث عوف وأبي الأشهب، عن أبي رجاء العطاردي قال: "صلى بنا ابن عباس الصبح وهو أمير على البصرة، فقنت قبل الركوع، ورفع يديه حتى لو أن رجلًا بين يديه لرأى بياض إبطيه، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: هذه الصلاة التي ذكرها الله في كتابه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) ". وأخرجه الطبري (٣) أيضًا نحوه. الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قرة بن خالد السدوسي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان، عن ابن عباس ... إلى آخره.

стр. 1388

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن قرة، قال: ثنا أبو رجاء، قال: "صليت مع ابن عباس الصبح في مسجد البصرة، فقال: هذه الصلاة الوسطي". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى، عن قتادة بن دعامة، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم الضبعي، عن جابر ابن زيد الأزدي اليحمدي أبي الشعثاء، عن ابن عباس. وأخرجه الطبري (٢): من حديث صالح أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس أنه قال: "صلاة الوسطي صلاة الفجر". الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري، عن داود بن عبد الرحمن العطار أبي سليمان، عن عمرو بن دينار المكي، عن مجاهد بن جبير المكي، عن ابن عباس ... إلى آخره. وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: الرواية عن ابن عباس في أن الصلاة الوسطى هي صلاة الفجر صحيحة وإن كان روي عنه أيضًا أنها صلاة العصر. وأخرج عن رجل من الصحابة من طريق صحيح عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الله بن المبارك، عن الربيع بن أنس البكري البصري ثم الخراساني، عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي قال: "صليت خلف أبي موسى الأشعري" واسمه عبد الله بن قيس. وأخرجه الطبري (٣): من حديث أبي العالية بطريق صحيح قال: "صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة زمن عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الغداة، فقلت لرجل من الصحابة إلى جنبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة".

стр. 1389

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: "صلينا مع بعض أصحاب النبي ﵇ صلاة الغداة، فلما فرغنا قلت: أي صلاة صلاة الوسطى؟ قال: التي صليت الآن". قوله: "فجعل بذلك" أي جعل ابن عباس بكون القنوت في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) هو قنوت الصبح، والصلاة الوسطول هي الصلاة التي فيها القنوت عنده. ص: وقد خولف ابن عباس في هذه الآية فيم نزلت؟ فحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فأمرنا بالسكوت. حدثنا حسين بن نصر، قال سمعت يزيد بن هارون ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سفيان في هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فذكر عن منصور، عن مجاهد قال: كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية، فالقنوت: السكوت، والقنوت: الطاعة". حدثنا أبو بشر، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن الليث بن أبي سليم، عن مجاهد "في هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) قال: من القنوت الركوع والسجود، وخفض الجناح، وغض البصر من رهبة الله ". حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن ابن عون، عن عامر الشعبي قال: "لو كان القنوت كما تقولون لم يكن للنبي ﵇ منه شيء، إنما القنوت الطاعة، يعني ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) ".

стр. 1390

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو الأشهب، قال: سألت جابر بن زيد عن القنوت، فقال: الصلوات كلها قنوت، أما الذي تصنعون، فما أدري ما هو؟ ". قال أبو جعفر ﵀: فهذا زيد بن أرقم ومن ذكرنا معه يخبرون أن ذلك القنوت الذي أمروا به في هذه الآية هو السكوت عن الكلام الذي كانوا يتكلمون به فيالصلاة، فخرج بذلك أن يكون في هذه الآية دليل على أن القنوت المذكور فيها هو القنوت المفعول في صلاة الصبح، وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس ﵄ كان يقنت في صلاة الصبح، وقد روينا ذلك بأسانيده في باب: القنوت في صلاة الصبح، فلو كان هذا القنوت المذكور في هذه الآية هو القنوت في صلاة الصبح إذًا لما تركه؛ إذْ كان قد أمر به الكتاب. ش: المخالفون لابن عباس في سبب نزول هذه الآية: زيد بن أرقم من الصحابة، ومجاهد بن جبر والشعبي وجابر بن زيد من التابعين، فإنهم أخبروا أن القنوت المذكور في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) بصورة الأمر هو السكوت عن الكلام في الصلاة؛ لأنهم كانوا يتكلمون فيها، فدل ذلك أن القنوت المذكور في الآية ليس هو القنوت الذي كان يُفعل في صلاة الصبح فلا يُسمى حينئذٍ بسبب ذلك صلاة الصبح الصلاة الوسطى"، على أن ما روي عن ابن عباس من "أنه قنت في صلاة الصبح، وقال: هذه الصلاة الوسطى، أشار إليه بقوله: "وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في صلاة الصبح" وأراد بالقوم هؤلاء: عمرو بن ميمون والأسود وسعيد بن جبير وعمران بن الحارث ومجاهد بن جبر، فإنهم قالوا: لم يقنت ابن عباس في الفجر. قال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع قال: ثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر ﵃: "أنهما كانا لا يقنتان في الفجر".

стр. 1391

حدثنا (١) هشيم قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث، قال: "صليت مع ابن عباس في داره صلاة الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده". حدثنا (٢) حسين بن علي، عن زائدة، عن منصور، قال: حدثني مجاهد وسعيد ابن جبير: "أن ابن عباس كان لا يقنت في صلاة الفجر وهو إمام". وقال ابن حزم في "المحلى" (٣): وروينا عن ابن عباس أنه لم يقنت. قوله: "وقد روينا ذلك" أي إنكار قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في الصبح، وسيأتي بيانه في باب: الوتر، إن شاء الله تعالى. قوله: "إذًا لما تركه" جواب قوله: "فلو كان هذا القنوت". قوله: "إذْ كان" تعليل لما قبله، يعني لأن الكتاب قد أمر بالقنوت، وهو قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤) ولو كان هذا القنوت هو القنوت المفعول في الصبح، لما جاز لابن عباس أن يتركه؛ لأنه أمر الكتاب على هذا التقدير. أما أثر زيد بن أرقم: فقد أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد -واسم أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير- عن الحارث بن شبيل بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي، عن أبي عمرو إسحاق بن مرار النحوي اللغوي الشيباني الكوفي. وهؤلاء كلهم من رجال الصحيحين ما خلا علي بن شيبة. وأخرجه البخاري (٥): ثنا إبراهيم بن موسى، أبنا عيسى، عن إسماعيل، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: "قال لي زيد بن أرقم: إن كنا

стр. 1392

لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﵇، فيكلم أحدنا صاحبه لحاجته حتى نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فأمرنا بالسكوت". ومسلم (٢): ثنا بحر بن يحيى، قال: أنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كُنَّا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة؛ حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام". وأبو داود (٣): محمد بن عيسى، نا هشيم ... إلى آخره نحوه. والترمذي (٤): ثنا أحمد بن منيع، ثنا هشيم ... إلى آخره، ولفظه: "كنا نتكلم خلف رسول الله ﵇ في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه لحاجته حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) فأمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام". والنسائي (٥): أنا إسماعيل بن مسعود، ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثني الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد رسول الله ﵇؛ حتى نزلت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦) فأمرنا بالسكوت". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث، عن أبي عمرو، عن زيد بن أرقم.

стр. 1393

وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (١): أنا يزيد بن هارون، أبنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كان يكلم أحدنا صاحبه في الصلاة في الحاجة؛ حتى نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) فأمرنا بالسكوت". قوله: "حتى نزلت" مشعر بالتصريح على النسخ، وأن المراد بالقنوت: السكوت؛ لأن حتى للغاية والفاء التي في قوله: "فأمرنا" مشعر بتعليل ما سبق. قوله: "حافظوا" أي واظبوا وداوموا. قوله: "قانتين" نصب على الحال من الضمير الذي في "وَقُومُوا" من القنوت، وهو السكوت ها هنا، ويرد القنوت لمعاني كثيرة: للطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام. ويستفاد منه: أن المصلي يحرم عليه الكلام في الصلاة، وأما ما لا يسمى كلامًا فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، وأجمع العلماء على أن الكلام في الصلاة عامدًا عالمًا بتحريمه لغير مصلحتها ولغير إنقاذ هالك وشبهه؛ مبطلٌ للصلاة. وأما الكلام لمصلحتها فقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد: يبطل الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض أصحاب مالك وطائفة قليلة، واعتبر الشافعية ظهور حرفين وإن لم يكونا مُفْهِمَيْن، ثم السلام كالكلام عند أبي حنيفة، حتى إذا سُلِّم عليه وهو في الصلاة لا يرد بلفظ ولا بإشارة، وبه قال عطاء والنخعي والثوري، ولكن قالوا: يرده بعد السلام فإن ردّه بلسانه بطلت صلاته عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور، وهو مروي عن أبي ذرٍّ وعطاء والنخعي والثوري، وعن أبي حنيفة يرده في نفسه، وعند محمد بعد السلام، وقال أبو يوسف: لا في الحال ولا بعد الفراغ.

стр. 1394

وقال عياض: قال جماعة من العلماء: يردّ السلام في الصلاة نطقًا، منهم: أبو هريرة وجابر وسعيد بن المسيب والحسن وقتادة وإسحاق، وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وجماعة: يرد إشارةً لا نطقًا. وعند الشافعي أنه لا يُسلَّم على المصلي، فإن سُلِّم عليه لم يستحق جوابًا. وعن مالك روايتان: كراهة السلام، والثانية جوازه. فإن قيل: متى كان هذا النسخ؟ قلت: قال ابن حبان: توهم من لم يُحْكم صناعة العلم بأن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة؛ لحديث زيد بن أرقم، وليس كذلك؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا إلى أن رجع ابن مسعود من عند النجاشي فوجدوا الإباحة قد نسخت، وكان بالمدينة مصعب بن عمير يُقرئ المسلمين، وكان الكلام بالمدينة مباحًا كما كان بمكة شرفها الله تعالى، فلما نسخ ذلك بمكة تركه الناس بالمدينة، فحكى زيد ذلك الفعل؛ لا أن نسخ الكلام كان بالمدينة". وهو لَعَمْرِي كلام جيد لولا ما في كتاب الترمذي (١): عن زيد كنا نتكلم خلف النبي ﵇ يكلم الرجل منَّا صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت ... " وأهل العلم كلهم يقولون: إن سورة البقرة مدنية خصوصًا هذه الآية. وقال الخطابي: نسخ الكلام كان بعد الهجرة بمدة يسيرة وحَمَلَ بعضهم على هذا حديث ابن مسعود على مجيئه في المرة الثانية من الحبشة لا الأولى، وحمل بعضهم حديث زيد على أنه إخبار عن الصحابة المتقدمين كما يقول القائل: قتلناكم وهزمناكم يعنون الآباء والأجداد وردَّ كلام الخطابي بتعذر التاريخ وليس جيدًا؛ لأن في حديث جابر المخرج عند مسلم (٢): بعثني رسول الله ﵇ في حاجة، ثم أدركته

стр. 1395

وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إليَّ، فلما فرغ قال: لِمَ سلمت آنفًا وأنا أصلي؟ فهذا الذي منعني أن أكلمك". وأخرجه أيضًا الأربعة (١) وفي لفظ (٢): "كان ذلك وهو منطلق إلى بني المصطلق". فهذا فيه بيان ما أشكل على من ردَّ كلام الخطابي، وردّ أيضًا لما قاله ابن حبان. فافهم، وسيجيء مزيد الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما أثر مجاهد: فقد أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد قال: "كانوا يتكلمون في الصلاة، ويكلم الرجل أخاه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤) فقطعوا الكلام، قال: القنوت السكوت، والقنوت: الطاعة".انتهى. وقال ابن الأنباري: القنوت على أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت". وقال الجوهري: القنوت الطاعة. وهذا هو الأصل ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (٥) ثم سُمي القيام في الصلاة قنوتًا، وفي الحديث "أفضل الصلاة طول القنوت" (٦) ومنه قنوت الوتر.

стр. 1396

الثاني: عن أبي بشر الرقي أيضًا، عن شجاع بن الوليد أبي، عن الليث بن أبي سليم أحد مشايخ أبي حنيفة، عن مجاهد. وأخرجه أبو موسى بن أبي بكر الحافظ: عن إسماعيل بن الفضل، عن منصور بن الحسن، عن محمد بن إبراهيم بن المقرئ ... بإسناده إلى مجاهد نحوه، وهو إسناد جيد. قوله: "خفض الجناح" الخفض ضد الرفع، وأراد به ها هنا السكون والقرار وعدم الالتفات. قوله: "من رهبة الله" أي من خوفه. وأما أثر الشعبي: فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن يونس بن عبد الله شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن محمد بن طلحة بن مصرف اليامي، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن عامر بن شراحيل الشعبي ﵁. وأما أثر جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء: فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي قال: "سألت جابر بن زيد ... " إلى آخره. ص: وقد روي عن ابن عباس أن الذي ذُهب إليه في ذلك معنى آخر: حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا خالد بن خداش المهلبي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الصلاة الوسطي هي الصبح، تصلى بين سواد الليل وبياض النهار". قال أبو جعفر ﵀: فهذا ابن عباس قد أخبر في هذا الحديث أن الذي جعل صلاة الغداة به هي الصلاة الوسطي هذه العلة. ش: أراد أنه روي في الذي ذهب إليه ابن عباس في علة تسمية صلاة الصبح بالصلاة الوسطى، يعني غير المعنى الذي ذكره فيما مضى وهو كون القنوت عنده هو

стр. 1397

قنوت الصبح، وأنه هو العلة في تسمية صلاة الصبح الصلاة الوسطي، وهو الذي رواه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي شيخ الأصحاب في وقته، عن خالد بن خِداش -بكسر الخاء المعجمة، وبالدال المهملة- ابن عجلان الأزدي المهلبي البصري أحد مشايخ مسلم، عن الدراوردي، عن ثور بن يزيد الكلاعي الشامي الحمصي، عن عكرمة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق: عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز ابن محمَّد، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: "الصلاة الوسطى صلاة الصبح، تصلى في سواد الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلوات تفوت من الناس" انتهى. فقد أخبر ابن عباس في هذا أن سبب تسمية صلاة الصبح بالصلاة الوسطى هو كونها تصلى بين سواد الليل وبياض النهار، على معنى أن المغرب والعشاء تصليان في سواد الليل، والظهر والعصر يصليان في بياض النهار، ويصلى الصبح بين ذلك السواد وذلك البياض، فتكون وسطى بهذا الاعتبار، وقد جعل بعضهم العلة في كونها وسطى بكونها منفردة بوقتها لا يشاركها غيرها في الوقت، قاله إسماعيل، وزاد غيره أنها لا يجمع معها غيرها في سفر ولا حضر، وأن رسول الله ﵇ لم يضمها إلى غيرها في وقت واحدٍ. ص: وقد يحتمل أيضًا أن يكون قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أراد به: في صلاة الصبح، ويكون ذلك القنوت هو طول القيام، كما قال ﷺ لما سئل: "أي الصلاة أفضل؟ " قال: "طول القنوت" وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في موضعه من كتابنا هذا. وقد روي عن عائشة ﵂ أيضًا أنها قالت: "إنما أُقِرَّت الصبح ركعتين؛ لطول القراءة فيهما"، وقد ذكرنا ذلك أبي بإسناده في غير هذا الموضع.

стр. 1398

وقد يحتمل أن يكون قوله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أراد به في كل الصلوات، صلاة الوسطي وغيرها. ش: أشار بهذا إلى أن قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ يحتمل معنيين آخرين غير المعنى الذي ذكره ابن عباس فيما مضى. أحدهما: أن يكون أراد به في صلاة الصبح، ولكن يكون المراد من القنوت: طول القيام فيها، كما جاء في حديثٍ حين سئل ﵇: "أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "سئل رسول الله ﵇ أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". ومعناه: طول القيام، وبه احتج أبو حنيفة والشافعي أن طول القيام في النوافل أفضل من كثرة الركوع والسجود، وقال صاحب "المحيط": طول القيام أفضل من طول الركوع والسجود. واستدل بهذا الحديث. وقال أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، نا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي: "أن النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام". والاحتمال الآخر: هو أن يراد به القنوت في كل الصلوات، صلاة الوسطى وغيرها. وها هنا احتمالات أُخر: الأول: أن يكون المراد من القنوت في الصلوات كلها ذكر الله ، وقال الزمخشري: القنوت أن تذكر الله قائمًا.

стр. 1399

والثاني: أن يكون المراد منه السكوت، كما ذكرنا. الثالث: أن يكون المراد قراءة القنوت في جميع الصلوات، كما ذهب إليه قوم كما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. والرابع: أن يكون المراد الركوع والسجود كما قاله مجاهد ﵁. قوله: "وقد ذكرنا ذلك" أي قوله ﵇ لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ وقد ذكره في هذا الكتاب. وأما حديث عائشة ﵂ فقد ذكره في غير هذا الموضع مسندًا، وذكره ها هنا معلقًا. وأخرجه البيهقي (١): من حديث الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي ﵇ المدينة واطمأن زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر، وصلاة الغداة؛ لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى". وفي إسناده بكار بن عبد الله السيريني، وهو واهٍ، قاله الذهبي في "مختصر سنن البيهقي". ص: وقد روي عن ابن عباس ﵄ في الصلاة الوسطي أنها العصر: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رزين بن عبيد العبدي قال: سمعت ابن عباس يقول: "الصلاة الوسطي صلاة العصر ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ". قال أبو جعفر ﵀: ولما اختلف عن ابن عباس في ذلك أردنا أن ننظر فيما روي عن غيره. ش: قد مرَّ أنه روي عن ابن عباس أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، وروي عنه أبي أنها صلاة العصر، ولما اختلفت الرواية عنه في ذلك تعين

стр. 1400

الرجوع إلى ما روي عن غيره، ورواة هذا الأثر ثقات، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وزر بن عبيد العبدي وثقه ابن حبان ونسبته إلى عبد القيس في ربيعة. ص: وذهب أيضًا من ذهب إلى أنها غير العصر، أنه قد روي عن النبي ﵇ ما يدل على ذلك، فذكروا ما قد حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، قال: حدثني أبي، عن أبي إسحاق، قال: ثنا أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى عبد الله بن عمر، أن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب ﵁ حدثهما: "أنه كان يكتب المصاحف على عهد أزواج النبي ﵇، قال: فاستكتبتني حفصة ابنة عمر ﵄ -زوج النبي ﵇- مصحفًا، وقالت لي: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني فأملها عليك كما حفظتها من النبي ﵇، قال: فلما بلغتها أتيتها بالورقة التي أكتبها، فقالت: اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع ... مثله عن حفصة، غير أنها لم تذكر عن النبي ﵇. ش: "من ذهب" فاعل قوله: "وذهب". قوله: "إلى أنها" أي إلى أن الصلاة الوسطى غير العصر، وهذا يشمل من يقول: إنها الصبح، ومن يقول: إنها الظهر، وغيرها ممن يقول غير العصر. قوله: "أنه" في موضع التعليل، أي لأنه قد روي عن النبي ﵇ ما يدل على ذلك، أي على كون الصلاة الوسطي غير العصر، وهو أن إملاء حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ على عمرو بن رافع: "اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر" يدل على أن العصر ليست بالصلاة الوسطي، وأنها غير العصر؛ لأنها عطفت على الصلاة الوسطى، فتكون غيرها؛ لاقتضاء العطف المغايرة.

стр. 1401

ثم إنه أخرج حديث حفصة من طريقين صحيحين: أولهما: مرفوع، والآخر موقوف. فالأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد القرشي الزهري المدني، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵃ المدني نزيل بغداد، عن محمد بن إسحاق المدني، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المعروف بالباقر، وعن نافع مولى عبد الله بن عمر، كلاهما عن عمرو بن رافع المدني ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): بهذا الإسناد بعينه، وفيه مخالفة للرواية السالفة من حديث أحمد بن خالد، ثنا ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي ونافع، كلاهما عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب قال: "كنت أكتب المصاحف فاستكتبتني حفصة بنت عمر مصحفًا لها، فقالت: أيْ بُنَيّ، إذا انتهيت إلى هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فلا تكتبها حتى تأتيني فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله ﵇، فلما انتهيت إليها حملت الورقة والدواة حتى جئتها، فقالت: اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر وقومو الله قانتين". وهذا كما ترى مخالف للأول، ونَبَّه الذهبي على أن الرواية الأولى -أعني التي أخرجها الطحاوي- هي الأصح". والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "الموطإ" (٢): عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع، أنه قال: "كنت أكتب مصحفًا لحفصة أم المؤمنين، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني

стр. 1402

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليَّ "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن حفصة زوج النبي ﵇ دفعت مصحفًا إلى مولى لها يكتبه، وقالت. إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني فلما بلغها جاءها، فكتبت بيدها ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وأخرج أيضًا عن داود بن قيس: أنه سمع عبد الله بن رافع يقول: "أمرتني أمّ سلمة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) فأخبرني، فأخبرتها، فقالت: اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" وكلاهما موقوف. وقال أبو عمر: حديث حفصة هذا قد اخُتلف في رفعه، ومتنه أيضًا، وممن رفعه عن زيد: هشام بن سعد، ورواه سُنيد عن هشيم، وقال فيه: "والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو، وهذا خلاف ما روي عنها: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" بالواو. وقال البيهقي: الوقف أثبت من الرفع. قوله: "على عهد أزواج النبي ﵇" أي على زمنهن وأيامهن. قوله: "استكتبني" من الاستكتاب، وهو طلب الكتابة. قوله: "آذني" بالمد أي أعلمني، من آذن يُؤذن إيذانًا، إذا أعلم. قوله: "فأملت عليّ" أي لقّنت عليّ ما أكتبه.

стр. 1403

ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: "أمرتني عائشة ﵂ ... " ثم ذكر نحو حديث حفصة من حديث علي بن معبد. ش: أشار بهذا إلى أن حديث حفصة المذكور قد روي أبي عن عائشة مثله، ولهذا قال: نحو حديث حفصة، وإنما قال: من حديث علي بن معبد؛ تنبيهًا على أنه روي مرفوعًا عن عائشة، كما أن حديث حفصة روي مرفوعًا من حديث علي بن معبد. وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم، وأبو يونس مولى عائشة وثقه ابن حبان واحتج به مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: "أمرتني عائشة أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي في حديث حفصة، غير أن في لفظ مسلم في آخره: "قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﵇ ... ". وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير في "الجامع" (٣): ثنا قتيبة، عن مالك، وعن الأنصاري، عن معن، عن مالك، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره نحوه. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه.

стр. 1404

وهذا أيضًا قد دل على أن العصر ليست بصلاة الوسطى؛ لأنها عطفت عليها بالواو، والمعطوف غير المعطوف عليه كما ذكرنا، وقال أبو عمر: لم يختلف في حديث عائشة في ثبوت الواو بخلاف حديث حفصة. قلت: فيه نظر؛ لأن ابن حزم ذكره في كتابه (١) وقال: وروينا من طريق بن مهدي، عن أبي سهل محمد بن عمرو الأنصاري، عن القاسم، عنها فذكرته بغير واو. وروى أبو بكر بن أبي داود (٢): صاحب "السنن". وقال: ثنا أحمد بن الحباب، ثنا مكي، ثنا عبد الله -يعني قاضي مصر- عن ابن هبيرة، عن قبيصة بن ذكوان قال: "في مصحف عائشة ﵄: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر". قلت: وعلى تقدير صحة وجود "الواو" يجاب عنه -أعني عن حديث حفصة الذي فيه الواو بأشياء: منها أن من أثبت "الواو" امرأة، ومسقطها جماعة كثيرة. ومنها موافقة مذهب عائشة لسقوط "الواو". ومنها مخالفة "الواو" للتلاق. ومنها: معارضة رواية حفصة برواية البراء بن عازب؛ على ما يجيء عن قريب. ومنها: أن تكون "الواو" زائدة كما زيدت عند بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٣).

стр. 1405

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ (١). وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٤) إن الجواب فتحت. ومنها أن يكون العطف فيه كالعطف في قول الشاعر: إلى الملك القُرْمِ وابنِ الهُمَام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَم فقد وجد العطف ها هنا مع اتحاد الشخص، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في كلام العرب كثير، ويقال: إن العطف ها هنا من باب التخصيص والتفضيل كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٥). وكقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٦). وكقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٧). فإن قيل: قد حصل التخصيص في العطف، وهو قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فوجب أن يكون العطف الثاني وهو قوله وصلاة العصر مغايرًا له. قلت: إن العطف الأول كما قلتم، والثاني للتأكيد والبيان لمَّا اختلف اللفظان، كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل، فتعطف إحدى الصفتين على الأخرى.
следующие страницы →