← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ثم إنه أخرج حديث حفصة من طريقين صحيحين: أولهما: مرفوع، والآخر موقوف. فالأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد القرشي الزهري المدني، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵃ المدني نزيل بغداد، عن محمد بن إسحاق المدني، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المعروف بالباقر، وعن نافع مولى عبد الله بن عمر، كلاهما عن عمرو بن رافع المدني ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): بهذا الإسناد بعينه، وفيه مخالفة للرواية السالفة من حديث أحمد بن خالد، ثنا ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي ونافع، كلاهما عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب قال: "كنت أكتب المصاحف فاستكتبتني حفصة بنت عمر مصحفًا لها، فقالت: أيْ بُنَيّ، إذا انتهيت إلى هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فلا تكتبها حتى تأتيني فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله ﵇، فلما انتهيت إليها حملت الورقة والدواة حتى جئتها، فقالت: اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر وقومو الله قانتين". وهذا كما ترى مخالف للأول، ونَبَّه الذهبي على أن الرواية الأولى -أعني التي أخرجها الطحاوي- هي الأصح". والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "الموطإ" (٢): عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع، أنه قال: "كنت أكتب مصحفًا لحفصة أم المؤمنين، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني

стр. 1402

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليَّ "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن حفصة زوج النبي ﵇ دفعت مصحفًا إلى مولى لها يكتبه، وقالت. إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني فلما بلغها جاءها، فكتبت بيدها ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وأخرج أيضًا عن داود بن قيس: أنه سمع عبد الله بن رافع يقول: "أمرتني أمّ سلمة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) فأخبرني، فأخبرتها، فقالت: اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" وكلاهما موقوف. وقال أبو عمر: حديث حفصة هذا قد اخُتلف في رفعه، ومتنه أيضًا، وممن رفعه عن زيد: هشام بن سعد، ورواه سُنيد عن هشيم، وقال فيه: "والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو، وهذا خلاف ما روي عنها: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" بالواو. وقال البيهقي: الوقف أثبت من الرفع. قوله: "على عهد أزواج النبي ﵇" أي على زمنهن وأيامهن. قوله: "استكتبني" من الاستكتاب، وهو طلب الكتابة. قوله: "آذني" بالمد أي أعلمني، من آذن يُؤذن إيذانًا، إذا أعلم. قوله: "فأملت عليّ" أي لقّنت عليّ ما أكتبه.

стр. 1403

ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: "أمرتني عائشة ﵂ ... " ثم ذكر نحو حديث حفصة من حديث علي بن معبد. ش: أشار بهذا إلى أن حديث حفصة المذكور قد روي أبي عن عائشة مثله، ولهذا قال: نحو حديث حفصة، وإنما قال: من حديث علي بن معبد؛ تنبيهًا على أنه روي مرفوعًا عن عائشة، كما أن حديث حفصة روي مرفوعًا من حديث علي بن معبد. وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم، وأبو يونس مولى عائشة وثقه ابن حبان واحتج به مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: "أمرتني عائشة أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي في حديث حفصة، غير أن في لفظ مسلم في آخره: "قالت عائشة: سمعتها من رسول الله ﵇ ... ". وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير في "الجامع" (٣): ثنا قتيبة، عن مالك، وعن الأنصاري، عن معن، عن مالك، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره نحوه. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه.

стр. 1404

وهذا أيضًا قد دل على أن العصر ليست بصلاة الوسطى؛ لأنها عطفت عليها بالواو، والمعطوف غير المعطوف عليه كما ذكرنا، وقال أبو عمر: لم يختلف في حديث عائشة في ثبوت الواو بخلاف حديث حفصة. قلت: فيه نظر؛ لأن ابن حزم ذكره في كتابه (١) وقال: وروينا من طريق بن مهدي، عن أبي سهل محمد بن عمرو الأنصاري، عن القاسم، عنها فذكرته بغير واو. وروى أبو بكر بن أبي داود (٢): صاحب "السنن". وقال: ثنا أحمد بن الحباب، ثنا مكي، ثنا عبد الله -يعني قاضي مصر- عن ابن هبيرة، عن قبيصة بن ذكوان قال: "في مصحف عائشة ﵄: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر". قلت: وعلى تقدير صحة وجود "الواو" يجاب عنه -أعني عن حديث حفصة الذي فيه الواو بأشياء: منها أن من أثبت "الواو" امرأة، ومسقطها جماعة كثيرة. ومنها موافقة مذهب عائشة لسقوط "الواو". ومنها مخالفة "الواو" للتلاق. ومنها: معارضة رواية حفصة برواية البراء بن عازب؛ على ما يجيء عن قريب. ومنها: أن تكون "الواو" زائدة كما زيدت عند بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٣).

стр. 1405

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ (١). وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٤) إن الجواب فتحت. ومنها أن يكون العطف فيه كالعطف في قول الشاعر: إلى الملك القُرْمِ وابنِ الهُمَام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَم فقد وجد العطف ها هنا مع اتحاد الشخص، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في كلام العرب كثير، ويقال: إن العطف ها هنا من باب التخصيص والتفضيل كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٥). وكقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٦). وكقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٧). فإن قيل: قد حصل التخصيص في العطف، وهو قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فوجب أن يكون العطف الثاني وهو قوله وصلاة العصر مغايرًا له. قلت: إن العطف الأول كما قلتم، والثاني للتأكيد والبيان لمَّا اختلف اللفظان، كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل، فتعطف إحدى الصفتين على الأخرى.

стр. 1406

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أمه أم حميد بنت عبد الرحمن: "أنها سألت عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقالت كنا نقرأها على الحرف الأول على عهد النبي ﵇: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ". ش: هذا طريق أخر عن عائشة ﵂ وهو أيضًا صحيح، عن علي بن معبد بن نوح، عن الحجاج بن محمد الأعور المصيصي، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أُمِّه أم حميد بنت عبد الرحمن ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أمه أم حميد بنت عبد الرحمن قالت: "سألت عائشة أم المؤمنين عن الصلاة الوسطى، فقالت: كنا نقرأها على الحرف الأول على عهد رسول الله ﵇: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢): وقال: ثنا همام، [نا ابن مفرج] (٣) نا ابن الأعرابي، نا الديري، نا عبد الرزاق ... إلى آخره. قوله: "على الحرف الأول" أي: على اللغة الأولى، وأرادت بالحرف اللغة، والحرف في الأصل الطرف والجانب، وبه سُمِّي الحرف من حروف الهجاء. قوله: "على عهد النبي ﵇" أي: على زمنه وأيامه. ص: قالوا: فلما قال الله تعالى فيما ذكر من هذه الآثار، عن النبي ﵇: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" ثبت بذلك أن الوسطى غير العصر.

стр. 1407

ش: أي: قال مَنْ ذهب إلى أنها غير العصر، أراد أنهم احتجوا بهذه القراءة المذكورة في الأحاديث السالفة على أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر، وهذا ظاهر. ص: قال أبو جعفر ﵀: وليس في ذلك عندنا دليل على ما ذكروا؛ لأنه قد يجوز أن تكون العصر مُسمّاة بالعصر ومُسمّاة بالوسطى، فذكرها ها هنا باسمَيْها جميعًا، هذا يجوز لو ثبت ما في تلك الآثار من التلاوة الزائدة على التلاوة التي قامت بها الحجة، مع أن التلاوة التي قامت بها الحجة رافعةٌ لكل ما خالفها. ش: هذا منعٌ لاستدلالهم بما ذكروا؛ بيانه: أن ما ذكروا لا يدل على دعواهم دلالة تامة؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا من عطف بعض الصفات على بعض كما ذكرنا الآن في قول الشاعر، وكما في قولك: جاءني زيد الكريم والعاقل. فإن الكريم والعاقل كلاهما من صفات زيد، فإن العطف ها هنا لا يدل على المغايرة، فكذلك قوله: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" من هذا القبيل، على أن هذا التأويل على تقدير ثبوت ما في تلك الآثار المروية عن حفصة وعائشة ﵄ من التلاوة الزائدة وهي: "وصلاة العصر" يعني: لو سلمنا ثبوت هذه التلاوة، فجوابه ما ذكرنا على أنا لا نسلم ذلك؛ لأن التلاوة التي قامت بها الحجة وهي التلاوة المشهورة التي ليس فيها: "وصلاة العصر" قد رفعت كل قراءة خالفتها، فحينئذٍ تكون قراءة "وصلاة العصر" منسوخة، وناسخها حديث البراء بن عازب على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى. ص: وقد روي أن الذي كان في مصحف حفصة ﵂ من ذلك غير ما روينا في الآثار الأول، كما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عمرو بن رافع قال: "كان مكتوبًا في مصحف حفصة بنة عمر ﵂: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ "

стр. 1408

قال أبو جعفر ﵀: فقد تبين بهذا ما صرفنا إليه تهويل الآثار الأُوَل من قوله: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" أنه سمى صلاة العصر بالعصر وبالوسطى؛ فثبتت بهذا قول من ذهب إلى أنها صلاة العصر. ش: أشار بهذا إلى بيان صحة ما ذكره من التأويل لما في حديث حفصة الذي ذكره آنفًا، بيانه: أنه قد روي أن المكتوب في مصحف حفصة كان على هذه الصورة (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وهي صلاة العصر) فقوله: "وهي صلاة العصر" تفسير لقوله: "الصلاة الوسطى" وهذا بعينه عين التأويل المذكور، فثبت بذلك أن صلاة العصر لها اسمان: صلاة العصر، والصلاة الوسطى، فعطف أحدهما على الآخر، ومثل هذا العطف يغني عن البيان والتفسير، ولا يدل على المغايرة، وثبت بذلك أبي قول من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وسقط بذلك دليل من يذهب إلى أن الصلاة الوسطى غير العصر. وإسناد الحديث المذكور صحيح ورجاله كلهم ثقات، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. فقد ذكرنا عن قريب أن البيهقي أخرج في "سننه" (١): من حديث أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي ونافع، كلاهما عن عمرو بن رافع، وفيه: اكتب: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر وقوموا لله قانتين". ص: وقد روي عن البراء بن عازب ﵁ في ذلك ما يدل على نسخ ما روي في ذلك عن عائشة وحفصة ﵂ كما حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، قال: ثنا شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب ﵁ قال: "نزلت "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر"

стр. 1409

فقرأناها على عهد رسول الله ﵇ ما شاء الله، ثم نسخها الله فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١). قال أبو جعفر ﵀: فأخبر البراء في هذا الحديث أن التلاوة الأولى هي كما روت عائشة وحفصة، وأنه نسخ ذلك التلاوةُ التي قامت بها الحجة، فإن كان قوله الثاني: "والصلاة الوسطى" نسخًا للعصر أن تكون هي الوسطى فذلك نسخ لها، وإن كان نسخًا لتلاوة أحد اسميها وتثبيتًا لاسمها الآخر؛ فإنه قد ثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، فلما احتمل هذا ما ذكرنا، عُدنا إلى ما روي عن النبي ﵇ في ذلك، فحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شجاع بن الوليد، قال: أنا زائدة بن قدامة، قال: سمعت عاصمًا يحدث، عن زر، عن علي ﵁ قال: "قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن العصر حتى كربت الشمس أن تغيب، فقال النبي ﵇: اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى نارًا، واملأ بيوتهم نارًا، واملأ قلوبهم نارًا، قال عليّ ﵁: كنا نرى أنها صلاة الفجر". قال أبو جعفر: فهذا عليّ ﵁ قد أخبر أنهم كانوا يرونها قبل قول النبي ﵇ هذا؛ الصبح، حتى سمعوا النبي ﵇ يومئذ يقول هذا، فعلموا بذلك أنها العصر. ش: وجه النسخ ظاهر؛ لأن البراء صرّح به في روايته، ولكن قوله يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) نسخًا للعصر عن أن تكون هي الوسطى. والآخر: أن يكون هذا نسخًا لتلاوة أحد اسمي العصر كما قلنا: إن لها اسمين: العصر، والوسطى، فإذا نسخ أحدهما يكون تثبيتًا للآخر، فإذا كان كذلك يثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ولكن لما احتمل كلامه هذين الوجهين، رجعنا إلى ما روي عن غيره في الصلاة الوسطى، فوجدنا حديث علي ﵁ يدل على أن

стр. 1410

الصلاة الوسطى هي العصر؛ لأنه صرح فيه بذلك؛ فترجح الاحتمال الثاني وسقط الأول، فتكون الوسطى هي العصر وهو المطلوب، فيكون هذا من قبيل نسخ التلاوة وحكمها باق، فافهم. وإسناد حديث البراء صحيح على شرط مسلم، وأبو شريح محمد بن زكريا بن يحيى القضاعي ذكره ابن يونس فيمن ورد إلى مصر وقال: كان رجلًا صالحًا يفهم الحديث ويحفظ. وأخرجه مسلم (١): ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا يحيى بن آدم، قال: ثنا الفضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب قال: "نزلت ... " إلى آخره نحوه، وفي آخره: "فقال رجل كان جالسًا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف سماها الله". وكذا إسناد حديث عليّ ﵁ صحيح، وعاصم هو بن بهدلة وهو ابن أبي النجود، روى له الجماعة؛ البخاري ومسلم مقرونًا. وزِرّ -بكسر الزاي المعجمة بعدها الراء المشددة- بن حبيش الأسدي أبو مطرف الكوفي روى له الجماعة. وأخرجه البخاري (٢): في باب غزوة الخندق: ثنا إسحاق، ثنا روح، ثنا هشام، عن محمَّد بن عبيدة، عن عليّ ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس". وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عن عبيدة، عن عليّ قال: "لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس".

стр. 1411

وأخرجه أبو داود (١): نا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد، عن عبيدة، عن عليّ: "أن رسول الله ﵇ قال يوم الخندق: حبسونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا". وأخرجه الترمذي (٢) في التفسير: ثنا هناد، ثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن عبيدة السلماني، أن عليًّا ﵁ بعض حدثه: "أن النبي ﵇ قال يوم الأحزاب: اللهم املأ قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن عليّ، وأبو حسان الأعرج اسمه مسلم. وأخرجه النسائي (٣): أنا محمد بن عبد الأعلى، قال ثنا، خالد، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني قتادة، عن أبي حسان، عن عبيدة، عن عليّ ﵁، عن النبي ﵇ قال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس". قلت: هؤلاء كلهم أخرجوه من حديث عبيدة عن عليّ ﵁. وكذا أخرجه الدارمي في "سننه" (٤): وأحمد في "مسنده" (٥). وأخرجه أحمد (٦) أيضًا: من حديث زر، عن عليّ كرواية الطحاوي، وقال: نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن جابر، أن عاصم بن بهدلة، قال: سمعت زرًّا

стр. 1412

يحدث، عن عليّ ﵁ عن النبي ﵇: "أنه قال يوم أُحد: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم وبطونهم نارًا". وهذا كما ترى وقع في روايته: "يوم أُحد". وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (١): نحو رواية الطحاوي، وقال: ثنا أحمد ابن عبدة الضبي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ، عن عليّ ﵁: أن النبي ﵇ قال يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا" وقال: هذا الحديث روي عن عليّ ﵁ من غير وجه. قوله: "قاتلنا الأحزاب" جمع حِزب -بالكسر- وهي الطوائف من الناس، وأراد بها الطوائف الذين جاءوا يوم الخندق، ويوم الخندق هو يوم الأحزاب ويوم بني قريظة، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل: في الرابعة، والخندق فارسي معرب، وأصله كندة أي محفور. قوله: "حتى كربت الشمس" بمعنى دنت وقاربت، وهي من أفعال المقاربة كعسى وكاد وأوشك وأخواتها، وكَرَب -بفتح الراء- ومعناه يعني كاد، نص عليه الجوهري وغيره وحُكم خبرها حكم خبر كاد وفي الأكثر تجريده من أنْ ولم يذكر سيبويه فيه غير التجريد، وقد ذكرت ها هنا بـ "أن" نحو "كربت الشمس أن تغيبب" ومعناه قرب غروبها، كما تقول: كادت الشمس تغيب، أي قرب غروبها. قوله: "كنا نُرَى" أي نظن "أن صلاة الوسطى صلاة الفجر" فعلموا في ذلك الوقت أنها هي العصر. فإن قيل: ما الحكمة في جمعه ﵇ في الدعاء عليهم البيوت والقبور.

стр. 1413

قلت: ليعم عليهم العذاب في الدنيا والآخرة، وخص ﷺ النار؛ لأنه أكبر أنواع العذاب. ويستفاد منه: جواز الدعاء على أعداء الدين بما شاء من الأدعية، وبيان فضيلة صلاة العصر على غيرها، ألا ترى كيف جاء في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣). وجاء في حديث أبي المليح: "من ترك صلاة العصر حبط عمله". أخرجه البخاري (٤). ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن عليّ ﵁ عن النبي ﵇: "أنه قعد يوم الخندق، على فُرْضة من فُرَض الخندق ... " ثم ذكر نحوه، إلا أنه لم يذكر قول عليّ ﵁: "كنا نُرَى أنها الصبح". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريايى، عن سفيان، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، قال: "قلت لعَبِيدَة: سَلْ لنا عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله ... " فذكر نحوه وزاد: "كنا نُرَى أنها الفجر حتى سمعت النبي ﵇ يقول هذا". ش: هذان طريقان آخران وهما أيضًا صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، نسبة إلى العَقَد -بفتحتين- قوم من قيس وهم من أزد، وقد تكرر ذكره.

стр. 1414

عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، بالجيم، وتشديد الزاي المعجمة، وفي آخره راء مهملة. عن علي بن أبي طالب ﵁. وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى، سمع علئا يقول: قال رسول الله ﵇ يوم الأحزاب وهو قاعد على فرضة من فرض الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم -أو قال: قبورهم وبطونهم نارًا-". الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرِّقي نسبة إلى رَقَّة مدينة بالجزيرة مشهورة، عن محمد بن يوسف الفريابي نسبة إلى فارياب بلدة بنواحي بلخ وقد تكرر ذكره. عن سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النَّجود -بفتح النون وضم الجيم- واسمه بهدلة. عن زر بن حبيش، عن عبيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- ابن عمرو -ويقال: ابن قيس بن عمرو- السَّلْماني -بفتح السين المهملة وسكون اللام- المرادي وسَلْمان بن ناجية بن مراد، وهو مخضرم. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن عاصم، عن زرّ بن حبيش، قال: "قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نُرَى أنهما صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله ﵇ يقول يوم الخندق: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا". قوله: "على فرضة" الفُرْضَة: بضم الفاء وسكون الراء وفي آخره ضاد معجمة، وهو ما انحدر من وسط الجبل وجانبه، وفرضة النهر مَشْرَعَته التي يستقى منها،

стр. 1415

وفرضة الخندق ثلمته التي يدخل ويخرج منها، ويجمع على فُرَض بضم الفاء وفتح الراء. قوله: "ملأ الله" جملة دُعَائية، إنشاءً في صورة الإخبار، والمعنى: اللهم املأ قبورهم وبيوتهم نارًا، وهذه الجملة من الجمل التي لا محل لها من الإعراب. ص: حدثنا علي بن معبد قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، عن النبي ﵇ مثله، غير أنه لم يذكر قول عليّ ﵁: "كنا نُرَى أنها الفجر". ش: أشار بهذا إلى أن حديث عليّ ﵁ روي أبي عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه من طريقين صحيحين: أحدها: عن عليّ بن معبد بن نوح، عن إسحاق بن منصور السلولي الكوفي، عن محمد بن طلحة بن مصرف اليامي، عن زُبَيْد -بضم الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- ابن الحارث اليامي، عن مرة بن شراحيل الهمداني الكوفي، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه مسلم (١): ثنا عون بن سلّام الكوفي، قال: أنا محمد بن طلحة اليامي، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله قال: "حبس المشركون رسول الله ﵇ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس -أو اصفرت- فقال رسول الله ﵇: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا. أو حشى الله أجوافهم وقبورهم نارًا". والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن زبيد بن الحارث، عن مرة بن شراحيل، عن ابن مسعود.

стр. 1416

وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمد بن المثنى، نا يزيد بن هارون، نا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا". وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلى بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﵇ غزا غزوًا فلم يرجع منه حتى مَسَّى لصلاة العصر عن الوقت الذي كان يصلي فيه ... " ثم ذكر نحوه. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا سعدويه، عن عباد، عن هلال ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: أنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه قال يوم الخندق ... " ثم ذكر مثله. قال أبو جعفر ﵀: فهذا ابن عباس يخبر عن النبي ﵇: أنها صلاة العصر، فكيف يجوز أن يقبل عنه من رأيه ويخالف ذلك. ش: أشار بهذا إلى أنه روي عن ابن عباس أيضًا مثل حما روي عن عليّ وابن مسعود. وأخرجه من ثلاث طرق: الأولان صحيحان والثالث فيه محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى فيه مقال. الأول: عن علي بن معبد بن نوح، عن معلى بن منصور الرازي من أصحاب أبي حنيفة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن هلال بن خباب -بالخاء المعجمة وبتشديد الباء الموحدة- العبدي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.

стр. 1417

وأخرج الطبري في "تفسيره" (١): ثنا علي بن مسلم الطوسي، ثنا عباد بن العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "حبس المشركون النبي ﵇ عن صلاة العصر في غزاة له حتى تَمَسَّى بها، فقال: اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم نارًا كما حبسونا عن الصلاة الوسطى". وفي لفظ: "قال يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". قوله: "حتى مسى" يعني دخل في المساء، وكذلك أمسى. قوله: "لصلاة العصر" أي لأجل وقت صلاة العصر، و"اللام" تأتي للوقت، وأراد بالوقت الذي تصلى فيه قبل اصفرار الشمس. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعدويه وهو سعد بن سليمان الواسطي، فالمحدثون يقولون سَعْدُويه -بضم الدال وسكون الواو- وعند النحاة هو مثل سيبويه ونفطويه -بفتح الدال والواو-، وكذا الخلاف في زنجويه. وهو يروي عن عباد بن العوام الكلابي أبي سهل الواسطي من رجال الجماعة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس. الثالث: عن محمد بن علي بن داود المعروف بابن أخت غزال، وثقه ابن يونس. عن محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، وثقه ابن حبان. عن أبيه عمران بن محمد الأنصاري، عن أبيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي فيه مقال، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بجرة -بفتح الباء الموحدة والجيم والراء، ويقال: بضم الباء وسكون الجيم، ويقال: ابن نجدة بالنون والجيم - مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال: مولى ابن عباس بلزومه له، روى له الجماعة سوى مسلم.

стр. 1418

وعن سعيد بن جبير، كلاهما عن ابن عباس. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا". ثم إن حديث ابن عباس هذا يرد ما روي عنه من رأيه من أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، على ما مرّ فيما مضى، وكيف لا يرد هذا وقد روى هو عن النبي ﵇ أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا معنى قوله: "فهذا ابن عباس يخبر عن النبي ﵇ ... " إلى آخره. فهذا الحديث كما ترى أخرجه الطحاوي عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وفي الباب عن أم حبيبة، وأم سلمة، وحذيفة، وجابر، وأنس ﵃. فحديث أم حبيبة عند الطبري (٢): ثنا ابن المثنى، ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سفيان، عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل، عن أم حبيبة ﵂ عن النبي ﵇ أنه قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس". وحديث أم سلمة عند الطبراني في "الكبير" (٣): بإسناده عنها قالت: "قال رسول الله ﷺ : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارًا". وفي إسناده مسلم الملائي الأعور وهو ضعيف.

стр. 1419

وحديث حذيفة ﵁ عند البزار (١): بإسناد صحيح عنه، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا". وحديث جابر ﵁ عند البزار: أيضًا بإسناد صحيح (٢) عنه، أن النبي ﵇ قال يوم الخندق: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". وحديث أنس ﵁ عند إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" من حديث أبان، عن أنس، أن رسول الله ﵇ قال: "شغلونا عن صلاة العصر التي غفل عنها سليمان بن داود ﵇ حتى توارت بالحجاب". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو مسهر، قال: ثنا صدقة بن خالد، قال: حدثني خالد بن دهقان، قال: أخبرني خالد سَبَلان، عن كهيل بن حرملة النمري، عن أبي هريرة ﵁: "أنه أقبل حتى نزل دمشق على آل أبي كلثم الدوسي، فأتى المسجد فجلس في غربيه، فتذاكروا الصلاة الوسطى فاختلفوا فيها، فقال اختلفنا فيها، كما اختلفتم ونحن بفناء بيت رسول الله ﵇ وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ﵁ فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فأتى رسول الله ﵇ وكان جريئًا عليه، فاستأذن فدخل، ثم خرج إلينا، فأخبرنا أنها صلاة العصر". ش: أبو مسهر هو عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الغساني الدمشقي روى له الجماعة، وصدقة بن خالد القرشي الأموي أبو العباس الدمشقي مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان، روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

стр. 1420

وخالد بن دهقان -بتثليث الدال- القرشي أبو المغيرة الشامي الدمشقي، وثقه دحيم وابن حبان، وروى له أبو داود. وخالد سبلان هو خالد بن عبد الله بن فرج، يلقب بسبلان -بفتح السين والباء الموحدة- وثقه ابن حبان. وكهيل بن حرملة النمري، وثقه ابن حبان. وأبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي خال: معاوية بن أبي سفيان، له صحبة، وهو أخو أبي حذيفة بن عتبة لأبيه، وأخو مصعب بن عمير لأمه. قيل: اسمه خالد، وقيل: شيبة، وقيل: هشام، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم، أسلم يوم الفتح، وسكن الشام، وتوفي في خلافة عثمان ﵁ وكان من زهاد الصحابة ﵁. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا إبراهيم بن دحيم الدمشقي، ثنا أبي، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، حدثني خالد بن دهقان (ح). وثنا أحمد بن المعلّى الدمشقي وموسى بن سهل أبو عمران الجوني، قالا: ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، قال: ثنا خالد بن دهقان، أخبرني خالد سبلان، عن كهيل بن حرملة، عن أبي هريرة: "أنه أقبل حتى نزل على أبي كلثم الدوسي فتذاكروا الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. وأخرجه ابن حبان (٢): في كتاب "الثقات" في ترجمة كهيل بن حرملة، ثنا محمد ابن الهمداني، ثنا ابن زنجويه، ثنا أبو مسهر، ثنا صدقة بن خالد، قال: ثنا خالد ابن دهقان، ثنا خالد سبلان، عن كهيل بن حرملة النمري قال: "قدم أبو هريرة

стр. 1421

دمشق فنزل على آل أبي كلثم الدوسي، فأتى المسجد فجلس في غربيِّه، فجلسنا إليه، فذكرنا الصلاة الوسطى، وقال أبو هريرة: اختلفنا فيها ... ". إلى آخره نحوه. وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده": وقال: لا نعلم روى أبو هاشم بن عتبة عن النبي ﵇ إلا هذا الحديث وحديثًا آخر، وقال أبو موسى المديني في كتاب "الصحابة": أبو هاشم هذا له حديثان حسنان. قلت: الأول: هو الحديث المذكور. والثاني: هو ما أخرجه البغوي في "معجم الصحابة" (١): حدثني جدي، حدثنا عَبِيدة بن حميد، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن سمرة بن سهم، عن أبي هاشم بن عتبة وهو خال معاوية قال: "دخل عليه معاوية يعوده فبكى، فقال: ما يبكيك يا خال أمن وجع يشئزك، أم حرص على الدنيا فقد ذهب؟ فقال: على كل ولكن رسول الله ﵇ عهد إلىَّ عهدًا فوددت أني كنت اتبعته، إن رسول الله ﵇ قال لي: لعلك أن تدرك أموالًا تقسم، فإنما يكفيك من جمع المال خادم ومركبٌ في سبيل الله ، فوجدت فجمعت" انتهى. قوله: "على آل أبي كلثم" ويقال فيه: أبو كلثوم أيضًا و"الدوسي" نسبة إلى دوس قبيلة من اليمن من الأزد، وأبو هريرة أيضًا دوسي. قوله: "بفناء بيت رسول الله ﵇" فناء الدار بالكسر أمامها وهو الموضع المتسع الذي يرمى فيه ما يخرج من الدار. قوله: "وكان جريئًا" من الجراءة والإقدام على الشيء من غير تجبين. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن جناب، قال: ثنا يونس، عن

стр. 1422

محمد بن أبي حميد، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الوسطى: صلاة العصر". ش: إسناده ضعيف ولكن الحديث من غير هذا الوجه صحيح على ما يأتي: وأحمد بن جناب -بالجيم والنون المخففة- بن المغيرة المصيصي أحد مشايخ مسلم وأبي داود. ويونس هو ابن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. ومحمد بن أبي حميد واسمه إبراهيم الزرقي الأنصاري المدني فيه مقال، ضعفه يحيى، ووهَّاه الجوزجاني، وأنكره البخاري، وروول له الترمذي وابن ماجه. وموسى بن وردان القرشي العامري أبو عمر المصري القاضي، ضعفه يحيى، وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وأخرجه البيهقي (١): بغير هذا الإسناد: من حديث عبد الوهاب بن عطاء، نا سليمان التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "صلاة الوسطى: صلاة العصر". وقال: خالفه غيره، قال يحيى القطان والأنصاري: عن سليمان فوقفه. وأخرجه ابن خزيمة أيضًا في "صحيحه" (٢). ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، عن قتادة ح وحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن همام بن يحيى، عن

стр. 1423

قتادة بن دعامة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الوسطى: صلاة العصر". وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا بهز وعفان، قالا: نا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي ﵇ قال: "حافظوا على الصلوات -قال عفان- والصلاة الوسطى وسماها لنا أنها صلاة العصر". الثاني: عن علي بن معبد، عن روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇. وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ أنه قال: "صلاة الوسطى: صلاة العصر". وقال: قال محمد بن إسماعيل: قال علي بن المديني: حديث الحسن عن سمرة صحيح وقد سمع منه. قلت: قد مر الكلام فيه مستقصى في باب الاغتسال يوم الجمعة. ص: فهذه آثار قد تواترت وجاءت مجيئًا صحيحًا عن النبي ﵇: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. ش: أشار به إلى الآثار التي رواها، التي دلت على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. قوله: "قد تواترت" أي تكاثرت وتتابعت، وليس المراد منه التواتر المصطلح عليه عند أهل الأصول، ونبّه بهذا أبي على أن اختياره أبي هو أن الوسطى هي صلاة العصر. ص: وقد قال بذلك أيضًا جلّة من أصحاب رسول الله ﵇. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عفان، قال: ثنا وُهَيب، عن أيوب، عن أبي قلابة،

стр. 1424

عن أبي بن كعب قال: "صلاة الوسطى هي صلاة العصر". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، عن همام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مثله. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا يعقوب بن عباد، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ ﵁ مثله. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن لبيبة الطائفي: "أنه سأل أبا هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: سأقرأ عليك القرآن حتى تعرفها، أليس يقول الله في كتابه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١) الظهر ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١) المغرب ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (٢) العتمة، ويقول: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١).الصبح، وقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) هي العصر هي العصر". ش: أي قد قال بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر أكابر من الصحابة ﵃. والِجلّة -بكسر الجيم وتشديد اللام- جمع جليل، بمعنى عظيم، وجلَّ كل شيء معظمه. وقد أخرج منهم عن أربعة أنفس وهم: أبي بن كعب، وأبو سعيد الخدري، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة ﵃. فأما أثر أُبيّ فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن وهيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أُبيّ.

стр. 1425

وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١): عن وهيب، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن أبي بن كعب قال: "صلاة الوسطى صلاة العصر". وأما أثر أبي سعيد الخدري فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري. وأما أثر علي فأخرجه: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن يعقوب بن أبي عباد العبدي البصري، وثقه ابن يونس، عن إبراهيم بن طهمان الخراساني الهروي روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، روى له الجماعة، عن الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي فيه مقال كثير، عن علي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: "صلاة الوسطى صلاة العصر". وقال ابن حزم في "المحلى": لا يصح عن علي ﵁ غير هذا. وأما أثر أبي هريرة فأخرجه: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي الحمصي، أحد مشايخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، فيه مقال؛ ضعفه النسائي، ووثقه الفسوي، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وروى له الأربعة. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ أبي عثمان المكي، روى له الجماعة. البخاري مستشهدًا عن عبد الرحمن بن لبيبة وهو عبد الرحمن بن نافع الطائفي، ولبيبة اسم أمه، ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين. وأخرجه الطبري (٣) مختصرًا: حدثني المثنى، ثنا سويد، أنا ابن المبارك، عن

стр. 1426

معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابن لبيبة، عن أبي هريرة: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى؛ ألا وهي العصر، ألا وهي العصر". وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): مطولًا. قال: وروينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، نا علي بن عبد الله -هو ابن المديني- نا بشر بن المفضل، نا عبد الله بن عثمان، عن عبد الرحمن بن نافع: "أن أبا هريرة سئل عن الصلاة الوسطى، فقال للذي سأله: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: فإني سأقرأها عليك بها القرآن حتى تفهمها، قال الله ... " إلى آخر ما ذكره الطحاوي. قوله: "لدلوك الشمس: الظهر" أراد أن بدلوك الشمس يدخل وقت الظهر؛ لأن دلوكها زوالها عن كبد السماء، وذلك كما روي عن النبي ﵇ أنه قال: "أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت الشمس، فصلى بي الظهر". وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "دلوك الشمس: غروبها". رواه الطبراني (٢): بإسناده عنه. قوله: "إلى غسق الليل المغرب" أراد أن بغسوق الليل يدخل وقت المغرب، والغسق: الظلمة. وروى الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا الحسين بن إسحاق، ثنا يحيى الحماني، ثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "كنا مع عبد الله في طريق مكة، فلما غربت الشمس قال: هذا غسق الليل، ثم أذّن، ثم قال: هذا والله -الذي لا إله إلا هو- وقت هذه الصلاة". قوله: "ثلاث عورات لكم" أراد بثلاث عورات: ثلاثة أحوال، أمر الله فيها بأن يَستأذن العبيد، وقيل: العبيد والإماء، والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار.

стр. 1427

الأولى: قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما يُنَام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة. الثانية: بالظهيرة؛ لأنها وقت وضع الثياب للقائلة. الثالثة: بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم، وسمى الله كل واحدة من هذه الأحوال عورة؛ لأن الناس يختلّ تسترهم وتحفظهم فيها. والعورة: الخلل. أعور الفارس وأعور المكان، والأعور: المختل العين. قوله: "العتمة" أراد بها وقت صلاة العشاء. قوله: "إن قرأن الفجر" أراد صلاة الفجر، سميت قرآنًا وهو القراءة؛ لأنها ركن، كما سميت ركوعًا وسجودًا وقنوتًا. قوله: "مشهودًا" يعني تشهده ملائكة الليل والنهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهودًا بالجماعة الكثيرة. قوله: "هي العصر هي العصر" مكرر، كرره أبو هريرة للتأكيد. ص: قال أبو جعفر ﵀: فإن قال قائل: لم سُمِّيت صلاة الوسطى صلاة للعصر؟ قيل له: قد قال الناس في هذا قولين. فقال قوم سميت بذلك لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وبين صلاتين من صلاة النهار. ش: السؤال ظاهر، والجواب عنه شيئان: أحدهما: ما قاله قوم: إنها إنما سميت بذلك لأنها بين صلاتين من صلاة الليل وهما المغرب والعشاء، وبين صلاتين من صلاة النهار وهما صلاة الصبح وصلاة الظهر؛ فهذا الإطلاق باعتبار المحل؛ لأنه لو كان ذلك باعتبار المقدار لكانت المغرب هي الوسطى؛ لأن أقل الصلاة ركعتان وأكثرها أربع، ولو كان باعتبار أن الوسطى هي الفضلى، كان لكل ذي مذهب أن يدعي ذلك، وقد ذكرنا فيه أشياء أخرى فيما مضى.

стр. 1428

ص: وقال آخرون في ذلك ما قد حدثني القاسم بن جعفر البصري، قال: سمعت يحيى بن الحكم الكيساني يقول: سمعت أبا عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن عائشة يقول: إن آدم ﵇ لما تيب عليه عند الفجر، صلى ركعتين فصارت الصبح، وفُدِّي إسحاق ﵇ عند الظهر فصلى إبراهيم ﵇ أربعًا فصارت الظهر، وبعث عزير ﵇ فقيل له: كم لبثت؟ فقال: يومًا. فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وقد قيل: غير عزير، وغفر لداود ﵇ عند المغرب، فقام يصلى أربع ركعات، فجهد، فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثًا، وأول من صلى العشاء الآخرة نَبِينُّا ﷺ فلذلك قالوا: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. قال أبو جعفر ﵀: فهذا عندنا معنى صحيح؛ لأن أول الصلوات إن كانت الصبح وآخرها العشاء الآخرة فالوسطى فيما بين الأولى والآخرة وهي العصر؛ فلذلك قلنا: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا قول أبي حنيفة وأتيت يوسف ومحمد ﵏. ش: أي قال قوم آخرون في وجه تسمية صلاة العصر الصلاة الوسطى ما قاله أبو عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر القرشي التيمي البصري المعروف بابن عائشة وبالعيشي وبالعائشي؛ لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وهو أحد مشايخ أبي داود وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيان، وثقه أبو حاتم، وقال أبو داود: صدوق. وروى له الترمذي والنسائي. روى ذلك عنه يحيى بن الحكم الكيساني الواسطي، قال أبو حاتم الرازي: هو صدوق. وروى عنه أيضًا، وروى عنه القاسم بن جعفر البصري شيخ الطحاوي. قوله: "لما تيب عليه" أي لما تاب الله عليه، يعني لما قبل توبته عند الفجر؛ صلى ركعتين، فصارت تلك الركعتان الصبح، أي صلاة الصبح. قوله: "وفُدِّي إسحاق ﵇ عند الظهر" يعني: جعل له فداء، وهو الكبش الذي

стр. 1429

أرسله الله إليه ليذبح عوضًا عنه، وعند الجمهور الذي فُدِّي هو إسماعيل ﵇، فصلى إبراهيم ﵇ عند ذلك أربعًا، أي أربع ركعات، فصارت الظهر، أي صلاة الظهر. قوله: "وبُعِثَ عزير ﵇" أي من نومه الذي سلطه الله عليه مائة عام، والأصح أنه مات؛ لقوله تعالى ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ (١) وذلك لما مرّ على بيت المقدس وقد خربها بخت نصر، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، قال ذلك ليعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة، كما طلبه إبراهيم ﵇ فمات ضحى وبُعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يومًا، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم، فلما عاش وقام، صلى أربع ركعات فصارت العصر، أي صلاة العصر. قوله: "وقد قيل: غير عزير" أي قد قيل: إن الذي صلى العصر غير عزير ﵇، وهو يونس ﵇، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: "وغفر لداود ﵇" (٢). وذكر الفارقي في كتاب "البستان": الصلوات الخمس صلاها خمسة من الأنبياء ﵈، فآدم صلى الفجر، وإبراهيم صلى الظهر، ويونس صلى العصر، وعيسى صلى المغرب، وموسى صلى العشاء. وذكر الشيخ الإِمام الفقيه الزاهد أبو علي الحسن بن يحيى البخاري الزندويستي في كتابه "روضة العلماء" قال الفقيه رحمه الله تعالى: سألت أبا الفضل البرهدري، فقلت له: لم كانت الفجر ركعتين والظهر والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعتمة أربعًا؟ فقال: الشرع.

стр. 1430

فقلت: زدني، فقال: قالت الحكماء: لأن كل صلاة صلاها نبي من الأنبياء ﵈ في وقتها فادخرها الله تعالى لأمه محمد ﵇ لينالوا فضل أولئك الأنبياء. فأما الفجر فإنما كان ركعتين؛ لأن أول من صلاها أبونا آدم ﵇، ولما أخرج من الجنة أظلمت عليه الدنيا، وجنَّ الليل ولم يكن رآه قبل ذلك، فخاف من ذلك خوفًا شديدًا، فلما أصبح وانشق الفجر صلى ركعتين شكرًا لله تعالى، الأولى منها شكرًا لله لنجاته من ظلمة الليل، والثانية شكرًا لضوء النهار، وكان منه تطوعًا، فأمرنا الله تعالى بذلك ليذهب به عنا ظلمة المعاصي، كما أذهب عنه ظلمة الليل، وينور علينا نور الطاعة كما نور عليه نور النهار. وأما صلاة الظهر أربع ركعات؛ لأن أول من صلاها إبراهيم الخليل ﵇ لما أمر بذبح الولد، ثم نودي ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (١) وكان النداء عند الزوال، ونظر إبراهيم ﵇ إلى الفداء وكان في أربعة أحوال: حال الذبح، فرفعه الله عنه بالفداء. وحال غم الولد؛ فكشف الله عنه ذلك. وحال النداء الذي ناداه الله تعالى وفدا عنه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). وحال ﵁ وصلى عند ذلك أربع ركعات كل ركعة شكرا لما صنع من صنائعه، فأمرنا الله تعالى بذلك، فقال: صلوا أربع ركعات الظهر لأوفقكم على ذبح إبليس اللعين، كما وفقت خليلي بذبح الولد، وأنجيكم من الغم كما نجيته، وأفدي لكم من النار كما فديت عنه، وأرضى عنكم كما رضيت عنه. وأما صلاة العصر فأول من صلاها يونس ﵇ حين أنجاه الله تعالى من بطن الحوت، فكان في أربع ظلمات: ظلمة الزلة، وظلمة الماء، وظلمة الليل، وظلمة

стр. 1431

بطن الحوت، فكانت نجاته عند العصر، فصلى أربعًا شكرًا لله تعالى تطوعًا منه، ففرض الله علينا، فقال: عبدى، الأصل العصر أربعًا لأنجيك من ظلمة الخطايا كما أنجيته من بطن الحوت، ومن ظلمة القيامة كما أنجيته من ظلمة الماء، ومن ظلمة جهنم كما أنجيته من ظلمة الليل، ومن ظلمة القبر كما أنجيته من ظلمة الزلة. وأما المغرب فأول من صلاها عيسى بن مريم ﵉ حين أخبره الله تعالى: أن قومك يدعونني ثالث ثلاثة فصلى حينئذ ثلاث ركعات، وكان بعد غروب الشمس، فالركعة الأولى: لنفي الألوهية عن نفسه، والثانية: لنفيها عن والدته، والثالثة: لإثبات الألوهية لله تعالى، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ (١) قال: فعند ذلك يهون عليه الحساب وتنجيه من النار، وتؤمنه من الفزع الأكبر، فأمرنا الله بها ليهون علينا الحساب، وينجينا من النار كما أنجاه، ويؤمننا من الفزع الأكبر كما فعل به. وأما العتمة فأول من صلاها موسى ﵇، حين ضل عن الطريق عند خروجه من المدين، وكان في غم المراة، وغم أخيه هارون، وغم عدوه فرعون، وغم أولاده؛ فنجاه الله تعالى من ذلك كله، وسمع مناديًا ينادي: إني أنا ربك يعني هاديك، أجمع بينك وبين أخيك، وأظفرك على عدوك، فلما سمعه وكان وقت العتمة صلى أربع ركعات لكل حالة ركعة، فأمرنا الله تعالى بذلك، فقال: عبدي، صلى العتمة أربعًا لأهديك كما هديته، وأكفيك كما كفيته، وأجمع بينك وبين الأنبياء ﵈ والصديقين كما جمعت بينه وبين هارون، فأعطيك الظفر على عدوك إبليس اللعين، كما أعطيته على عدوه فرعون، فلذلك كانت الصلاة في الأوقات مختلفة انتهى. وفيه مسائل: لم سميت الصلاة صلاة؟ أجيب: لأن فيها الدعاء، والصلاة: الدعاء في اللغة. وقيل: لأن فيها الصلاة على الرسول ﵇، وقيل: لأن تاركها يصلى النار،

стр. 1432

وقيل: لأنها صلة بين العبد وربه، ويقال: لاتصال أركانها بعضها ببعض. ولم وضعت على أعضاء مختلفة؟ أجيب بأنه ورد في الحديث: "خلقتم من سبع ورزقتم من سبع فاسجدوا لله على سبع؛ ليكون شكرًا لها". ولم وضعت على سبعة عشر ركعة؟ أجيب بأن المفاصل سبع عشرة، فأراد بأن يعتق بكل ركعة مفصلًا. ولم وضعت مثنى وثلاث ورباع؟ أجيب بأن الله أراد أن توافق تلك الركعات أجنحة الملائكة ليكونوا مستغفرين للمصلين قاله جعفر الصادق ﵁. وقيل: وضعت ركعتين لأن العبد نصفان: روح وجسد، وثلاثًا: لأن له نفسًا وقلبًا وروحًا، وأربعًا: لأن له أربع طبائع. ولم وضعت في خمسة أوقات؟ أجيب بأن لله تعالى أفعالًا في هذه الأوقات الخمسة ما ليس في غيرها، وأراد من عنده خدمة خاصة في هذه الأوقات. وقيل: لأن أبواب السماء تفتح في هذه الأوقات.

стр. 1433

ص: باب: الوقت الذي يصلى فيه الفجر أي وقت هو ؟ ش: أي هذا باب في بيان الوقت المستحب الذي ينبغي أن تصلى فيه صلاة الفجر لفضيلة ذلك الوقت، وأما وقت الجواز فقد مرّ بيانه، والمناسبة بين الأبواب ظاهرة؛ لأن كلها في بيان أحوال الأوقات وأنوعها. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كنَّ نساء المؤمنات يصلين مع النبي ﵇ صلاة الصبح متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى أهلهن وما يعرفهن أحدٌ". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم ورجاله رجاله. والزهري محمد بن مسلم. وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا يحيى بن بكير، قال: أنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أخبرته قالت: "كنَّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﵇ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس". وقال مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، كلهم عن سفيان -قال عمرو-: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي ﵇ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد". وقال أبو داود (٣): ثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ أنهما قالت: "كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس".

стр. 1434

وقال الترمذي (١): ثنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وقال النسائي (٢): أنا إسحاق بن إبراهيم قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "إن نساء المؤمنات كُنَّ يصلين الصبح مع النبي ﵇ متلفعات بمروطهن، فيربعن فما يعرفهن أحد من الغلس". وقال ابن ماجه (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كن نساء المؤمنات يصلين مع النبي ﵇ صلاة الصبح، ثم يرجعن إلى أهلهن، فلا يعرفهن أحد يعني من الغلس". قوله: "كن نساء المؤمنات" من قبيل "أكلوني البراغيث"، وإلا فالقياس يقتضي أن يقال كانت نساء المؤمنات، ونساء المؤمنات كلام إضافي مرفوع؛ لأنه اسم لقوله: "كن" وخبره قوله: "يصلين". فإن قيل: إضافة النساء إلى المؤمنات إضافة الشيء إلى نفسه، وهي لا تجوز. قلت: الإضافة ها هنا كالإضافة في قولهم: رجال القوم أي: مقدموهم وفضلاؤهم، وكذلك المعنى هَا هنا: كُنَّ فاضلات النساء المؤمنات، ويقال: تقديره نساء الأنفس المؤمنات، ويقال: نساء الجماعات المؤمنات، والكل يرجع إلى معنى واحد. قوله: "متلفعات" حال من النساء، أي متجللات بأكسيتهن، قال الأصمعي: التلفع بالثوب: أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبًا منه فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء كالاضطباع إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللفاع: الثوب تلتفع به المرأة، أي تلتحف به فيغيبها، وعن كراع: وهو الملفع أيضًا، وعن ابن دريد: اللفاع الملحفة أو الكساء.

стр. 1435

وقال أبو عمرو: هو الكساء. وعن صاحب "العين": تلفع بثوبه وتلفع الرجل بالشيب، كأنه غطى سواد رأسه ولحيته، وقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": التلفع أن يلقي الثوب على رأسه ثم يلتف به، ولا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال الالتفاع مثل الاشتمال، وأمّا التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه، وفي "المحكم": الملفعة: ما يُلْفع به من رداء أو لحاف أو قناع. انتهى. وذكر القزاز أن عمر قال: إن فلانة كانت ترجلني ولم يكن عليها إلاَّ لفاع، قال: فهذا يدل على أن اللفاع غير القناع؛ لأنه نفي أن يكون عليها غيره ومحال أن يكون عليها قناع ولا شيء تلبسه، وفي "المغيث" وقيل: اللفاع: النطع. وقيل: الكساء الغليظ، وفي "الصحاح": لفع رأسه تلفيعًا أي غطاه. قال القاضي: ووقع لبعض رواة "الموطأ" يحيى وغيره: "متلففات" بفائين، وأكثرهم بالفاء والعين، والمعنى متقارب إلا أن التلفع يختص بتغطية الرأس. قوله: "بمروطهن" جمع مِرط -بكسر الميم- قاله الجوهري، وقال القزاز: المرط ملحفة يؤتزر بها، والجمع أمراط ومروط. وقيل: يكون المرط كساء من خزٍّ أو صوف أو كتان. وفي "المحكم" قيل: هو الثوب الأخضر. وفي "مجمع الغرائب" أكسية من شعر أسود، وعن الخليل هي أكسية معلمة. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار. وقال النضر بن شميل: لا يكون المرط إلا درعًا وهو من خزٍّ أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء. وفي "شرح الموطأ": هو كساء صوف رقيق خفيف مربع، كن النساء في ذلك الزمان يأتزرن به ويلتففن. قوله: "وما يعرفهن أحد" قيل: يعني أرجال أم نساء؟ قاله الداودي، ويقال ما يعرف أعيانهن أحد.

стр. 1436

وقال النووي: وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة في النهار أيضًا لا يُعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة. قلت: ليس مراد هذا القائل أن يشخصهن أحد حقيقة التشخص، بل مراده لا يعرفهن أرجال أم نساء أم صبيان أم بنات؟ فهذا أيضًا قريب من كلام الداودي. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ بمثله، غير أنه قال: "وما يعرف بعضهن بعضًا من الغلس". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة نحوه. غير أنه قال: "وما يعرفن من الغلس". ش: هذه ثلاث طرق أخرى وهي صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو اليمان، أبنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة، أن عائشة قالت: "لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر، فتشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن سعيد بن منصور الخرساني، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة بن يحيى المدني، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة ... إلى آخره.

стр. 1437

وأخرجه البزار في "سننه" (١): ثنا عمرو بن علي، نا أبو داود، نا فليح بن سليمان، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كن نساء المؤمنات يصلين مع رسول الله ﵇ صلاة الصبح متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفن من الغلس". وهذا الحديث قد روي عن عائشة من غير وجه. وحديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة لا نعلم رواه عنه إلا فليح. قلت: الغلس والغبش والغبس واحد، كل ذلك من بقايا ظلمة الليل، وفي "المحكم" الغلس: ظلام آخر الليل، ويقال: الغَلَس - بفتحتين- بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح، والغبس قريب منه إلا أنه دونه. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة. وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك. والترمذي (١): عن قتيبة، عن مالك، وقد ذكرناهما. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن عروة بن الزبير، قال: أخبرني بشير بن أبي مسعود، عن أبيه: "أن النبي ﵇ صلى الغداة، فغلس بها، ثم صلاها فأسفر، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى". ش: عبد الله بن صالح كاتب الليث فيه مقال، فقال النسائي: ليس بثقة. ووثقه كثيرون حتى قيل: إن البخاري روى عنه في "الصحيح" ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو.

стр. 1438

وبَشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- الأنصاري المدني. قيل: إنه صحب النبي ﵇ ولا يثبت سماعه منه، والأكثرون على أنه تابعي، روى له الجماعة سوى الترمذي. وأبوه أبو مسعود اسمه عقبة بن عمرو البدري الأنصاري الصحابي. وأخرجه أبو داود (١) مطولًا وقال: ثنا محمد بن سلمة، نا ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب أخبره: "أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر، فأخَّر العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ﵇ قد أخبر محمدًا ﵇ بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول، فقال له عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: نزل جبريل ﵇ فأخبرني بوقت الصلاة، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صلت معه -يحسب بأصابعه خمس صلوات- فرأيت رسول الله ﵇ صلى الظهر حين نزول الشمس، وربما أخّرها حين يشتد الحر ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء، قبل أن تدخلها الصفراء، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢)، والبيهقي في "سُننه" (٣): وقد احتج به قوم على أن حكم التغليس مستمر، وأنه سُنَّه مستمرة.

стр. 1439

وقال الحافظ أبو محمد موسى بن حازم في كتاب "الناسخ والمنسوخ": قد اختلف أهل العلم في الإسفار بصلاة الصبح والتغليس بها، فرأى بعضهم الإسفار الأفضل وذهب إلى قوله: "اصبحوا بالصبح" ورآه محكمًا. وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، وليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأن حديث التغليس ثابت، وأن النبي ﵇ داوم عليه حتى فارق الدنيا. ثم روى الحديث المذكور وقال: هذا إسناد رواته عن آخرهم ثقات. قلت: يرد هذا ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢): عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله ﵇ صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها". قال العلماء: يعني وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدًّا وتوضحه رواية البخاري: "والفجر حين نزع"، وهذا دليل على أنه ﵇ كان يسفر بالفجر دائمًا، وقلَّما صلاها بغلس، وبه استدل الشيخ في "الإِمام" لأصحابنا، على أن أسامة بن زيد قد تُكُلِّم فيه، فقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بقوي. فثبت بهذا أن زعم الطحاوي صحيح، وأن رد الحازمي كلام الطحاوي ردٌّ غير صحيح، والحق أحق أن يتبع. وقد تكلم البيهقي ها هنا كلامًا فيه تحامل على الطحاوي، وسنذكره مع جوابه في موضعه عن قريب إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي (ح).

стр. 1440

وحدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني نهيك بن يريم، عن مغيث بن سُمَيّ، قال: "صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح فغلس، فالتفت إلى عبد الله بن عمر ﵄ فقلت: ما هذا؟! قال: هذه صلاتنا مع رسول الله ﵇ ومع أبي بكر وعمر ﵄ فلما قتل عمر ﵁ أسفر بها عثمان ﵁". ش: أخرجه من طريقين جيدين: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب الإِمام محمد بن الحسن الشيباني، عن بشر بن بكر التنيسي أبي عبد الله البجلي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن نَهيك -بفتح النون- بن يَرِيم -بفتح الياء آخر الحروف- الأوزاعي، عن مغيث بن سُمَي الأوزاعي أبي أيوب الشامي. وأخرجه ابن ماجه (١): نا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، نا نهيك بن يريم الأوزاعي، ثنا مغيث بن سُمي، قال: "صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر فقلت: ما هذه الصلاة؟! قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما طعن عمر ﵁ أسفر بها عثمان ﵁" الثاني: عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري وأبي داود، عن الأوزاعي ... إلى آخرة. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٢): أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: ثنا محمد بن الفضل العسقلاني، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا نهيك بن يريم، قال: ثنا مغيث بن سمي: "أن ابن الزبير غلس بصلاة الفجر، فأنكرت ذلك، فلما سلم التفت إلى ابن عمر
следующие страницы →