← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وهو قول محمَّد أيضًا, ولم يذكره مع أبي حنيفة ولا مع أبي يوسف، والمذكور في كتب أصحابنا: أن محمدًا مع أبي حنيفة في هذه المسألة، وقالا: يستحب للمصلي أن يقول: سبحانك اللهم ... إلى آخره، ولا يزيد عليه، سواء كان إمامًا أو منفردًا، وما روي من الأدعية غير هذا فمحمول على الصلوات النافلة. وقال ابن قدامة: العمل بالأدعية الطويلة متروك؛ فإنا لا نعلم أحدًا يستفتح بالأدعية الطويلة كلها، وإنما يستفتحون بسبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره، أو بوجهت وجهي ... إلى آخره، وروي عن الشافعي أنه يأتي بالأذكار التي رويت في هذا الباب ولا يزكها, ولا شيئًا منها سواء كان في الفريضة أو في النافلة، والمنقول من المزني: أنه يقول: وجهت وجهي -إلى قوله- من المسلمين. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينبغي له أن يزيد بعد هذا أو يقول قبله ما قد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﵇ فذكروا ما قد حدثنا الحسين بن نصر بن المعارك البغدادي، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عمه، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان إذا افتتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء قال: نا عبد العزيز بن أبي سلمة (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي وعبد الله بن صالح، قالا: ثنا عبد العزيز ابن الماجشون، عن الماجشون وعبد الله بن الفضل، عن الأعرج فذكر بإسناده مثله. وحدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، فذكر بإسناده مثله.

стр. 1612

قالوا: فلما جاءت الرواية بهذا وبما قبله استحببنا أن يقولهما المصلي جميعًا. وممن قال بهذا: أبو يوسف ﵀. ش: أي خالف القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي وعطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان وجماعة الظاهرية؛ فإنهم قالوا: ينبغي له -أي للمصلي- أن يزيد بعد هذا -أي بعد سبحانك اللهم ... إلى آخره، أو يقول قبله- ما قد روي عن علي ﵁ وهو: "وجهت وجهي ... " إلى آخره، وهو الذي اختاره الطحاوي، وأبو إسحاق المروزي، وأبو حامد من أصحاب الشافعي. وقال الشافعي: يستفتح بما روي عن علي ﵁ وقال في "سنن حرملة": وخالفنا بعض الناس في الافتتاح، فقال: افتتح النبي ﵇ بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ورواه عن بعض أصحاب النبي ﵇. وقال مالك: إذا كبر وفرغ من التكبير يقرأ: الحمد لله رب العالمين. وقال ابن حزم في "المحلى": وقال مالك: لا أعرف التوجه، قال علي: ليس من لا يعرف حجة على من يعرف، وقد احتج بعض مقلديه في معارضة ما ذكرنا لما روي عن رسول الله ﵇: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين" وقال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو قولنا؛ لأن استفتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يدخل فيه التوجه؛ لأنه ليس التوجه قراءة، وإنما هو ذكر، فصح أنه ﵇ كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم يذكر ما قد صح عنه من الذكر، ثم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين وزيادة العدول لا يجوز ردها. ثم إنه أخرج حديث علي ﵁ من أربع طرق صحاح: الأول: عن الحسن بن نصر بن المعارك البغدادي، قال ابن يونس: ثقة ثبت. عن يحيى بن حسان التنيسي أبي زكرياء البصري، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

стр. 1613

عن عبد العزيز بن أبي سلمة وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار، المدني أبي عبد الله الفقيه، روى له الجماعة. عن عمه يعقوب بن أبي سلمة، أبي يوسف المدني، أخي عبد الله بن أبي سلمة، روى له الجماعة غير البخاري، والماجشون لقب يعقوب المذكور، لقبته بذلك سكينة بنت الحسين بن علي ﵁ وجرى هذا اللقب على أهل بيته من بنيه وبني أخيه، وكان يلقى الناس فيقول: جوني جوني، وشوني شوني، فلقب بالماجشون، ويقال: كانت وجنتاه حمراوين، فسمي بالفارسية بالماه كون، فعربه أهل المدينة فقالوا: الماجشون. وهو يروي عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. عن عبيد الله بن أبي رافع أسلم -أو إبراهيم- مولى النبي ﵇، وقد تكرر ذكره، روى له الجماعة. عن علي بن أبي طالب. وأخرجه الجماعة غير البخاري مطولًا ومختصرًا. فقال مسلم (١): ثنا محمَّد بن أبي بكر المقدمي، قال: ثنا يوسف الماجشون، قال: حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﵇: "أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلَّا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلَّا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1614

وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي وعظمي وعصبي. وإذا رفع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين. ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة البصري، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الماجشون وهو يعقوب بن أبي سلمة عمّ عبد العزيز، وعن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب القرشي المدني، كلاهما عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا أبو سعيد، نا عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، ثنا عبد الله بن الفضل ويعقوب بن أبي سلمة الماجشون، كلاهما عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: وجهت وجهي -إلى قوله-: تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". نحو رواية المسلم. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن محمَّد الوهبي الكندي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، كلاهما عن عبد العزيز بن الماجشون وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الماجشون وهو عمه يعقوب بن

стр. 1615

أبي سلمة، وعن عبد الله بن الفضل، كلاهما عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): ثنا حُمام بن أحمد، نا عباس بن أصبع، نا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، نا أحمد بن زهير بن حرب، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن ابن مهدي، نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، حدثني عمي- هو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله ﵇ كان إذا كبّر استفتح ثم قال: وجهت ... " إلى آخره نحو رواية أحمد. الرابع: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁. وأخرجه الدارقطني (٢): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله ﵇ كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض -إلى قوله-: أستغفرك وأتوب إليك". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن إبراهيم بن محمَّد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عُبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ثم قال:

стр. 1616

﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ (١) الآية وآيتين بعدها إلى المسلمين، ثم يقول: اللهم أنت الملك ... " إلى آخره. قوله: "وجهت" أي قصدت بعبادتي الذي فطر السماوات والأرض أي خلقهما، وقيل: معناه أخلصت ديني وعملي. قوله: "حنيفًا" أي مستقيمًا مخلصًا، وقال أبو عُبيد: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم ﵇، ويقال: معناه مائلًا إلى الدين الحق وهو الإِسلام، وأصل الحنف الميل، ويكون في الخير والشر، ومنه يصرف إلى ما تقتضيه القرينة، والنسبة إليه: حنيفي، وأما الحنفي بلا ياء فهو الذي ينسب إلى أبي حنيفة في مذهبه، حذف ها هنا الياء ليكون فرقًا بينهما، وانتصابه على أنه حال من الضمير الذي في: "وجهت" أي حال كوني في الحنيفية. قوله: "مسلمًا" حال أيضًا, وليس هذا في رواية مسلم وأبي داود. قوله: "وما أنا من المشركين" بيان للحنيفية وإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم، ويهودي، ونصراني، ومجوسي، ومرتد، وزنديق وغيرهم. قوله: "إن صلاتي" يعني عبادتي، و"نسكى" يعني تقربي كله، وقيل: وذبحي، وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) وقيل: صلاتي وحجي. وأصل النسك: العبادة، من النسيكة وهي الفضة المذابة المصفاة من كل خلط، والنسيكة أيضًا كل ما يتقرب به إلى الله . قوله: "ومحياي ومماتي" أي وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح خالصة لوجهه لا شريك له، وبذلك الإخلاص أمرت في الكتاب، وأنا أول المسلمين.

стр. 1617

ويقال: "ومحياي ومماتي" أي حياتي وموتي، ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانها، والأكثرون على فتح "ياء" محياي وإسكان "ياء" مماتي، والسلام في "لله" لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، والاختصاص، وكلاهما مراد ها هنا، والرب: المالك والسيد والمربي والمصلح، فإن وصف الله برب لأنه مالك وسيد، فهو من صفات الذات، وإن وصف به لأنه مدبر خلقه ومربيهم ومصلح لأحوالهم؛ فهو من صفات فعله، ومتى دخلته الألف واللام اختص بالله تعالى، وإذا حذفتا جاز إطلاقه على غيره فيقال: رب المال، ورب الدار، ونحو ذلك. و"العالمون" جمع عَالَم، وليس للعَالَم واحد من لفظه، والعَالَم اسم لما سوى الله تعالى، ويقال: الملائكة والجن والإنس، وزاد أبو عُبيدة: والشياطين، وقيل: بنو آدم خاصة، وقيل: الدنيا وما فيها. ثم هو مشتق من العلامة لأن كل مخلوق علامة على وجود صانعه. وقيل: من العِلْم فعك هذا يختص بالعقلاء، وذكر ابن مالك: أن العالمين اسم جمع لمن يعقل، وليس جمع عالم لأن العالم عامّ والعالمين خاص، ولهذا منع أن يكون الأعراب جمع عرب لأن العرب للحاضرين والبادين، والأعراب خاص بالبادين، وقال الزمخشري: إنما جمع ليشمل كل جنس مما سمي به. فإن قلت: فهو اسم غير صفة، وإنما يجمع بالواو والنون صفات العقلاء، أو ما في حكمها من الأعلام. قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم فيه. قوله: "وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة قاله قتادة، أو في هذا الزمان قاله الكلبي، أو بروحي قد كنت، كقوله ﵇: "كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين" (١) وفي

стр. 1618

رواية مسلم: "وأنا من المسلمين" بلا "أول". قوله: "قالوا: فلما جاءت الرواية بهذا وبما قبله" أي قال الجماعة الآخرون: لما جاءت الرواية بهذا الدعاء الطويل وهو: "وجهت ... " إلى آخره وبما قبله وهو "سبحانك اللهم، وبحمدك ... " إلى آخره استحببنا أن يقولهما المصلي جميعًا، يعني يجمع بينهما، وقال النووي: وفي هذا الحديث استحباب دعاء الافتتاح في كل الصلوات حتى في النافلة، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين إلَّا أن يكون إمامًا لقوم لا يؤثرون فيها التطويل. وقال ابن الجوزي: كان ذلك في ابتداء الأمر أو في النافلة. وقال الكاساني من أصحابنا: تأويل ذلك أنه كان يقول ذلك في التطوعات والأمر فيها أوسع، وأما الفرائض فلا يزاد فيها على ما اشتهر فيه الذكر، وهو قوله: "سبحانك اللهم ... " إلى آخره، أو كان ذلك في الابتداء ثم نسخ بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (١) ذكر الجصاص عن الضحاك عن ابن عمر ﵄ "أنه قول المصلي عند الافتتاح: سبحانك اللهم وبحمدك". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هشيم قال: أنا جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (١) قال: "حين تقوم إلى الصلاة تقول هؤلاء الكلمات: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".

стр. 1619

قلت: وبهذا سقط سؤال من يقول: كيف قلتم: هذا محمول على النافلة وفي رواية الدارقطني (١) وعبد الرزاق (٣) قد صرح أنه ﵇ إنما قال ذلك في المكتوبة على ما مرَّ عن قريب، وقال الكاساني: قال أبو يوسف في "الإملاء": يقول مع التسبيح: إني وجهت وجهي ... إلى آخره، ويقول: وأنا من المسلمين، ولا يقول: وأنا أول المسلمين؛ لأنه كذب، وهل تفسد صلاته إذا قال ذلك؟ قال بعضهم: تفسد؛ لأنه أدخل الكذب في الصلاة. وقال بعضهم: لا تفسد لأنه من القرآن. ثم عن أبي يوسف روايتان: في رواية: يقدم التسبيح عليه، وفي رواية: هو بالخيار إن شاء قدم وإن شاء أخر، وهو أحد قولي الشافعي، وفي قول: يفتتح بقوله: وجهت لا بالتسبيح. قلت: أصح مذهب أبي يوسف أن يجمع بينهما، فلذلك قال الطحاوي: "وممن قال بهذا أبو يوسف" أي ممن قال بالجمع بين وجهت والتسبيح: الإِمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري: وهو اختيار الطحاوي أيضًا على ما ذكرنا، وبه أعمل إن شاء الله تعالى.

стр. 1620

ص: باب: قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ش: أي هذا باب في بيان قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة كيف هي؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن البسملة في الصلاة بعد قراءة سبحانك اللهم ... إلى آخره، والطحاوي لم يذكر أحكام التعوذ مع أن محله بين قراءة سبحانك اللهم، وبن البسملة؛ لأنه ليس فيه خلاف بين الأئمة الثلاثة أعني أبا حنيفة والشافعي وأحمد، فإنه عندهم سُنَّة، وأما مالك فإنه لا يرى شيئًا من التسبيح والتعوذ والتسمية، بل عنده لما يكبر يشرع بقراءة أم القرآن، وعند الظاهرية التعوذ فرض. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): فرض على كل مصلي أن يقول إذا قرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لابدَّ له في كل ركعة من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢). ثم قال: يجب التعوذ بعموم الآية عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها. ثم قال: وروينا (٣) من طريق معمر، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين: "أنه كان يتعوذ من الشيطان في الصلاة قبل أن يقرأ بأم القرآن، وبعد أن يقرأ أم القرآن". وعن ابن جريج عن عطاء قال: "الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة وغيرها" وبالتعوذ في الصلاة يقول سفيان الثوري والأوزاعي وداود وغيرهم. قلت: قول ابن حزم مخالف لإجماع السلف؛ لأنهم أجمعوا على أن التعوذ سُنَّة والأمر في الآية ليس للوجوب، ثم اختلف القراء في صفة التعوذ؛ فاختيار

стр. 1621

ابن عمرو وعاصم وابن كثير: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واختيار نافع وابن عامر والكسائي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العلم، واختيار حمزة الزيات: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. وهو قول ابن سيرين، وبكل ذلك ورد الأثر، وإنما يتعوذ المصلي في نفسه إمامًا كان أو منفردًا؛ لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن النبي ﵇، والذي روي عن عمر ﵁ أنه جهر بالتعوذ (١). تأويله: أنه كان وقع اتفاقًا لا قصدًا، أو كان ليعلم السامعين أن المصلي ينبغي له أن يتعوذ، كما نقل عنه الجهر بثناء الافتتاح فيما قدمنا. وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم قال: "أربع يخفيهن الإِمام: بسم الله الرحمن الرحيم، والاستعاذة، وأمين, وإذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ربنا لك الحمد". عبد الرزاق (٣): عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: "خمس يخفيهن الإِمام: سبحانك اللهم وبحمدك، والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، واللهم ربنا لك الحمد". ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا الليث بن سعد، قال: أخبرني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن المُجْمر، قال: "صليت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن، فلما بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٤) قال: آمين. فقال الناس: آمين، ثم يقول إذا سلم: أما والذي نفسي بيده، أني لأشبهكم صلاة برسول الله ﵇". ش: سعيد بن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الجمحي أبو محمَّد المصري شيخ البخاري.

стр. 1622

وخالد بن يزيد المصري أبو عبد الرحيم الإسكندراني، روى له الجماعة. وسعيد بن أبي هلال أبو العلاء المصري، روى له الجماعة. ونعيم بن المجمر هو نعيم بن عبد الله مولى آل عمر بن الخطاب ﵁ سمي المجمر لأنه كان يجمر المسجد، والمجمر صفة لعبد الله -على الصحيح- وبه جزم ابن حبان، وتدل عليه رواية الطحاوي: نعيم بن المجمر، ويقال: صفة لنعيم، فعل هذا يقال: نعيم المجمر، وقد وقع هكذا في بعض الروايات وقال النووي: ويطلق على ابنه مجازًا، وروى له الجماعة. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أبي وشعيب بن الليث، قالا: ثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر أنه قال: "صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢) قال: آمين، وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس من اثنتين قال: الله أكبر، ثم يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﵇". وأخرجه ابن خزيمة، (٣) وابن حبان (٤) في "صحيحيهما"، والحكم في "مستدركه" (٥) وقال: إنه على فرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٦) وقال: إسناد صحيح وله شواهد.

стр. 1623

وقال في "الخلافيات": رواته كلهم ثقات مجمع على عدالتهم محتج بهم في "الصحيح". وسيجيء الجواب عن هذا كله إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة ﵁: "أن النبي ﵇ كان يصلي في بيتها: فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (١). ش: عمر بن حفص شيخ البخاري، وأبوه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي القاضي أحد أصحاب أبي حنيفة ﵁ روى له الجماعة. وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي روى له الجماعة. وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي أبو بكر المكي الأحول، روى له الجماعة. وأم سلمة زوج النبي ﵇، واسمها هند بنت أبي أمية حكى. وأخرجه أبو داود في كتاب "الحروف" (٢): ثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، قال: نا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أم سلمة "ذكرت -أو كلمة غيرها- قراءة رسول الله ﵇: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يقطع قراءته آية آية". وأخرجه أحمد (٣): ثنا يحيى بن سعيد الأموي ... إلى آخره نحوه: "أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﵇، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ

стр. 1624

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (١). وأخرجه الدارقطني (١): ثنا محمَّد بن القاسم بن زكرياء، ثنا عبَّاد بن يعقوب، ثنا عمر بن هارون. وثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، ثنا عمر بن هارون البلخي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة: "أن النبي ﵇ كان يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ يقطعها آية آية، وعدّها عند الإعراب، وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم تعد عليهم". ورواه الحكم أيضًا (٢): من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ قرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فعدها آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيتين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثلاث آيات ... " إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو عُبيد القاسم بن سلام، نا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﵇ يقطع قراءته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.

стр. 1625

وأخرجه البيهقي (١): أنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنا علي بن عمر الحافظ، قال: ثنا محمَّد بن القاسم بن زكرياء، قال: ثنا عباد بن يعقوب، قال: ثنا عمر بن هارون، (ح). قال: وثنا علي، قال: ثنا عبد الله بن عبد العزيز، قال: ثنا إبراهيم بن هانئ، قال: ثنا محمَّد بن سعيد الأصبهاني، قال: ثنا عمر بن هارون البلخي، عن ابن جريج ... إلى آخره نحو رواية الدارقطني. وروى البيهقي أيضًا (٢): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس الأصم، عن محمَّد بن إسحاق الصغاني، عن خالد بن خراش، عن عمر بن هارون، بإسناده هذا: "أن النبي ﵇ قرأ في الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فعدها آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيتين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثلاث آيات ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أربع آيات وقال: هكذا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وجمع خمس أصابعه". وقال البيهقي في كتاب"المعرفة" (٣): قال البويطي في كتابه: أخبرني غير واحد، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة زوج النبي ﵇: "أن رسول الله ﵇ -كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يعدها آية ثم قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بعدها ست آيات". ص: فذهب قوم إلى أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من فاتحة الكتاب وأنه ينبغي للمصلي أن يقرأ بها كما يقرأ بفاتحة الكتاب، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء ومجاهدًا وطاوسًا والشافعي وأحمد في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى أن البسملة من الفاتحة، وأنها يجهر بها كما يجهر بالفاتحة حيث

стр. 1626

تجهر، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة وأم سلمة، وقال الترمذي: وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ منهم أبو هريرة وابن عمر وابن الزبير ومَن بعدهم من التابعين رأوا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن أصحاب النبي ﵇. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: "صليت خلف عمر ﵁ فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان أبي يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن بعض الصحابة، منهم: عمر ﵁. أخرج أثره عن أبي بكرة بكّار، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي روى له الجماعة، عن عمر بن ذر الهمداني المُرهبي أبي ذر الكوفي، قال يحيى والنسائي والدارقطني: ثقة. وعن أبي داود: كان رأسًا في الإرجاء. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وكان مرجئًا، لا يحتج بحديثه. روى له الجماعة سوى مسلم. عن أبيه ذر بن عبد الله بن زرارة أبي عمر الكوفي روى له الجماعة، عن سعيد بن عبد الرحمن روى له الجماعة، عن أبيه عبد الرحمن بن أَبزَى الخزاعي، مختلف في صحبته، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا خالد بن مخلد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن أبيه: "أن عمر ﵁ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه البيهقي أيضًا في "الخلافيات".

стр. 1627

والجواب عنه أنه مخالف للصحيح الثابت عن عمر ﵁ أنه كان لا يجهر، كما رواه أنس، فإن ثبت هذا عن عمر ﵁ فيحمل على أنه فعله مرة أو بعض أحيان؛ لأجل التعليم أنها من سنن الصلاة. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن عاصم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه جهر بها". ش: رجاله ثقات. وعاصم هو ابن بهدلة أبو بكر المقرئ. وأخرجه البيهقي في كتاب "المعرفة" (١): أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، قال: ثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أنا عبد الوهاب ابن عطاء، قال: أنا سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه الدارقطني (٢) مرفوعًا: ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن مبشر، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا معتمر بن سليمان، ثنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه أنه معارض بما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قراءة الأعراب". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (٤): عن الثوري، نحوه.

стр. 1628

وجواب آخر: أن قوله: "جهر بها" لا يدل على أنه جهر بها وهو في الصلاة، فلا يتم به الدليل، وكذلك قوله: "إنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم" لا يدل صريحًا على أنه كان في الصلاة، وأما رواية الدارقطني فهي ضعيفة. فقال الأزدي: تكلموا في إسماعيل بن أبي حماد. ولئن سلمنا أنها صحيحة ولكنها لا تدل على أنه كان يجهر بها فلا يتم الدليل. فإن قيل: روى الدارقطني (١) أيضًا: عن أبي الصلت الهروي واسمه عبد السلام ابن صالح، ثنا عباد بن العوام، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان النبي ﵇ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". قلت: هذا أضعف من الأول؛ فإن أبا الصلت متروك، قال أبو حاتم: ليس بصدوق عندي. وقال الدارقطني: رافضيٌّ خبيث. فإن قيل: رواه الحكم في "المستدرك" (٢): عن عبد الله بن عمرو بن حسان، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الحكم: إسناده صحيح وليس له علة. قلت: غير صحيح ولا صريح، أما كونه غير صريح فلأنه ليس فيه أنه في الصلاة، وأما كونه غير صحيح فإن عبد الله بن عمرو بن حسان كان يضع الحديث، قاله إمام الصنعة علي بن المديني. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس بشيء، كان يكذب. وقال ابن عدي: أحاديثه مقلوبات. فانظر إلى تساهل الحاكم واستهتاره في هذا لأجل إقامة الحجة لما ادعاه. فإن قيل: روى البزار في "مسنده" (٣): عن المعتمر بن سليمان، ثنا إسماعيل،

стр. 1629

عن أبي خالد، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة". قلت: هذا هو الحديث الذي أخرجه الدارقطني الذي ذكرناه الآن. وأخرجه أبو داود، (١) والترمذي (٢) بهذا الإسناد كلهم قالوا فيه: "كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم". وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقال أبو داود: حديث ضعيف. ورواه العقيلي في كتابه (٣) وأعله بإسماعيل هذا، وقال: حديثه غير محفوظ، ويرويه عن مجهول، ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند. ورواه ابن عدي (٤) وقال: حديث غير محفوظ، وأبو خالد مجهول. وقال البزار: وإسماعيل لم يكن بالقوي في الحديث. وله طريق أخر عند الدارقطني (٥): عن عمر بن حفص المكي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم حتى قبض". قلت: هذا لا يجوز الاحتجاج به؛ فإن عمر بن حفص ضعيف، قال ابن الجوزي في "التحقيق": أجمعوا على ترك حديثه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: "أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم قبل السورة، وبعدها إذا قرأ بسورة أخرى في الصلاة".

стр. 1630

ش: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو عبد الملك. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر ﵁ كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم، يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٢): أنا أبو زكرياء، وأبو بكر وأبو سعيد، قالوا: ثنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن والسورة التي بعدها". والجواب عنه أنه كان لا يدعها سرًّا, وليس فيه دليل صريح على أنه كان يجهر بها، والحمل على أنه كان يُسرُّ بها أولى لاستفاضة النقل وتواتر الأخبار عن النبي ﵇ وعن الخلفاء الراشدين أنهم كانوا لا يجهرون بها. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، قال: ثنا يزيد الفقير، عن ابن عمر ﵁: "أنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم". ش: أبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو بكر النهشلي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن قطاف. وقيل: عبد الله بن معاوية بن قطاف. وقيل: وهب ابن قطاف. وقيل: معاوية بن قطاف. قال أحمد ويحيى وأبو داود: ثقة. وروى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. ويزيد الفقير هو يزيد بن صهيب الفقير أبو عثمان الكوفي روى له الجماعة سوى الترمذي.

стр. 1631

وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (١) وغيره: أنا أبو محمَّد الحسن بن علي بن المؤمل، قال: ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، قال: ثنا محمَّد بن عبد الوهاب، قال: أنا يعلى بن عُبيد، قال: نا مسعر، عن يزيد الفقير: "أنه سمع ابن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه ما ذكرناه الآن. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو زيد الهروي، قال: ثنا شعبة عن الأزرق بن قيس، قال: "صليت خلف ابن الزبير ﵁ فسمعته يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم". ش: أبو زيد اسمه سعيد بن الربيع الحرشي العامري وكان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها روى له الجماعة. والأزرق بن قيس الحارثي روى له البخاري وأبو داود والنسائي. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: "سمعت ابن الزبير ﵁ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ الحمد لله رب العالمين، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣). الجواب عنه: أن ابن عبد اللهادي قال: إسناده صحيح، ولكنه يحمل على الإعلام، فإن قراءتها سنة فإن الخلفاء الراشدين كانوا يسرون بها، فظن كثير من الناس أن قراءتها بدعة، فجهر بها من جهر بها من الصحابة ليعلموا الناس أن قراءتها سنة لا أنه فعلها دائمًا وقد ذكر ابن المنذر عن ابن الزبير ترك الجهر.

стр. 1632

وكذا يجاب عما أخرجه الخطيب (١): عن محمَّد بن أبي السري، عن المعتمر، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني قال: "صليت خلف عبد الله بن الزبير، وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال: ما يمنع أمراؤكم أن يجهروا بها إلَّا الكبر". ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس: " ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٢) قال: فاتحة الكتاب ثم قرأ ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم، وقال: هي الآية السابعة، قال: وقرأ عَلَيّ سعيد بن جبير كما قرأ عليه ابن عباس". ش: أبو عاصم النبيل الضحاك مخلد، وابن جريج هو عبد الملك، وأبوه عبد العزيز بن جريج، قال البخاري: لا يتابع على حديثه. ووثقه ابن حبان قال: وروى عن عائشة ولم يسمع منها. وروى له الأربعة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) بأتم منه: عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي، أن سعيد بن جبير أخبره، أن ابن عباس قال: " ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٢) وأم القرآن، وقرأها عليَّ سعيدٌ كما قرأتها عليك، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال ابن عباس: قد أخرجها الله لكم فما أخرجها لأحدٍ قبلكم. قال عبد الرزاق: قرأها علينا ابن جريج ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آية ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخرها آية".

стр. 1633

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -في السبع المثاني- قال: هي فاتحة الكتاب، قرأها ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم، سبعًا، قلت لأبي: أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من كتاب الله؟ قال: نعم، ثم قال: قرأها ابن عباس في الركعتين جميعًا". والجواب عنه أن في إسناده عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك، وقد قال البخاري: حديثه لا يتابع عليه، ولئن سلمنا أن حديثه يتابع عليه سيعارضه ما يدل على خلافه، وهو حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﵇ إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت". رواه الطحاوي كما يجيء، ومسلم (٢) أيضًا؛ وهذا دليل صريح على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ إذ لو كانت منها لقرأها في الثانية مع الفاتحة. وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي لأهل هذه المقالة حديثين عن أبي هريرة وأم سلمة، وآثارًا عن عمر وابن عمر وابن عباس وابن الزبير ﵁ وقد أخرج غيره أيضًا أحاديث مرفوعة عن أبي هريرة أيضًا وعلي وعمار والنعمان بن بشير والحكم بن عمير وأنس ومعاوية ﵃. أما حديث أبي هريرة فأخرجه الخطيب (٣): عن أبي أويس -واسمه عبد الله ابن أويس- قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ كان إذا أَمَّ الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم".

стр. 1634

وأخرجه الدارقطني في "سننه"، (١) وابن عدي في "الكامل" (٢) فقالا فيه: "قرأ" عوض "جهر". والجواب عنه: أن هذا غير محتج به؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، وكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه مع أنه متكلم فيه؟! فوثقه جماعة وضعفه آخرون، وممن ضعفه: أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم الرازي، وممن وثقه: الدارقطني وأبو زرعة، وقال ابن عدي: يكتب حديثه. فإن قيل: أبو أويس قد أخرج له مسلم في "صحيحه". قلت: صاحبا "الصحيح" إذا أخرجا لمن تُكُلِّم فيه إنما يخرجان بعد انتقائهما من حديثه ما توبع عليه وظهرت شواهده وعلم أن له أصلًا, ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على "الصحيحين" فتساهلوا في استدراكهم، ومن أكثرهم تساهلًا الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك"؛ فإنه يقول: هذا على شرط الشيخين أو أحدهما؛ وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجًّا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث كان يكون ذلك الحديث على شرطه، ولهذا قال ابن دحية في كتابه "العلم المشهور": ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط، ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك. والمقصود أن حديث أبي أويس هذا لم يترك لكلام الناس فيه، بل لتفرده به ومخالفة الثقات له، وعدم إخراج أصحاب المسانيد والكتب المشهورة والسنن المعروفة. ولرواية مسلم الحديث في "صحيحه" (٣) من طريقه وليس فيه ذكر البسملة.

стр. 1635

فإن قيل: قد جاء من طريق آخر أخرجه الدارقطني (١): عن خالد بن إلياس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "علمني جبريل ﵇ الصلاة، فقام فكبر لنا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة". قلت: هذا إسناد ساقط؛ فإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه، قال البخاري: عن أحمد أنه منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال البخاري: ليس بشيء. وقال ابن حبان: روى الموضوعات عن الثقات. وقال الحاكم: روول عن المقبري ومحمد بن المنكدر وهشام بن عروة أحاديث موضوعة. فإن قيل: قد جاء آخر رواه الدارقطني (٢) أيضًا: عن جعفر بن مكرم، نا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا قرأتم الحمد فاقرءوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحدى آياتها". قلت: قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مثله، ولم يرفعه. فإن قيل: قال عبد الحق في "أحكامه الكبرى": رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر وهو ثقة؛ وثقه ابن معين. قلت: كان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على الجهر، ولئن سُلِّم فالصواب فيه الوقف كما قال الدارقطني: اختلف فيه على

стр. 1636

نوح بن أبي بلال، فرواه عبد الحميد عنه واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران، عن عبد الحميد، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا. ورواه أسامة بن زيد وأبو بكر الحنفي، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة موقوفًا، وهو الصواب. فإن قيل: هذا موقوف في حكم المرفوع؛ إذ لا يقول الصحابي: إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلَّا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له وحينئذٍ يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار. قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي ﵇ يقرأها فظنها من الفاتحة، فقال: إنها إحدى آياتها، ونحن لا ننكر أنها من القرآن، ولكن النزاع في موضعين: أحدهما: أنها آية مستقلة قبل السورة وليست منها؛ جمعًا بين الأدلة، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي ﵇ أنه قال: هي إحدى آياتها، وقراءتها قبل الفاتحة لا تدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة قراءة النبي ﵇ لها، وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة، وأيضًا فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في "صحيحه" (١): من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله: هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم". ورواه أبو داود، (٢) والترمذي (٣) وقال: حسن صحيح. على أن عبد الحميد بن جعفر تكلم فيه، ولكن الثقة قد يغلط والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث والله أعلم.

стр. 1637

وأما حديث علي وعمار ﵄ فأخرجه الحكم في "مستدركه" (١): عن سعيد بن عثمان الخزاز، نا عبد الرحمن بن سعد المؤذن، ثنا فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار: "أن النبي ﵇ كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم". وقال: صحيح الإسناد لا أعلم في رواته منسوبًا إلى الجرح، والجواب عنه ما قال الذهبي في "تنقيح المستدرك": هذا خبر واهٍ كأنه موضوع؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعّفه ابن معين، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف وإلا فهو مجهول. وعن الحكم رواه البيهقي في "المعرفة" (٢) بسنده ومتنه، وقال: إسناده ضعيف إلا أنه أمثل من حديث جابر الجعفي. قلت: وفطر بن خليفة قال السعدي: غير ثقة، روى له البخاري مقرونًا بغيره والأربعة، وتصحيح الحاكم لا يعتد به سيما في هذا الموضع؛ فقد عرف تساهله في ذلك، وقال ابن عبد الهادي: هذا حديث باطل ولعله أدخل عليه. وروى الدارقطني هذا الحديث في "سننه" (٣): عن أسيد بن زيد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار نحوه، وعمرو بن شمر وجابر الجعفيان كلاهما لا يجوز الاحتجاج به، لكن عمرًا أضعف من جابر، قال الحاكم: عمرو بن شمر كثير الموضوعات عن جابر وغيره. وقال الجوزجاني: عمرو بن شمر زائغ كذاب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي والدارقطني والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان رافضيًا يسب الصحابة وكان يروي الموضوعات عن الثقات لا يحل كتب حديثه إلَّا على جهة التعجب. وأما جابر الجعفي فقال الإِمام أبو حنيفة: ما رأيت كذب من جابر الجعفي، ما أتيته من شيء من رأيي إلَّا أتاني فيه بأثر. وكذبه أيضًا أيوب وزائدة وليث بن أبي سليم والجوزجاني وغيرهم.

стр. 1638

ورواه الدارقطني (١) أيضًا: عن عيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﵇ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين جميعًا". والجواب عن هذا: أن عيسى هذا والد أحمد بن عيسى المتهم بوضع حديث ابن عمر، قال ابن حبان والحاكم: روى عن آبائه أحاديث موضوعة، لا يحل الاحتجاج به. فأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه الدارقطني في سننه" (٢): ثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني، ثنا جعفر بن محمَّد بن مروان، ثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر قال: "صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه: أنه باطل من هذا الوجه، لم يحدث به ابن أبي فديك قط، والمتهم به أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمَّد أبو طاهر القرشي، وقد كذبه الدارقطني أيضًا، وقال الخطيب: سألت الحسن بن محمَّد الخلال عنه فقال: ضعيف. وجعفر بن محمَّد بن مروان ليس مشهورًا بالعدالة وقد تكلم فيه الدارقطني أيضًا وقال: لا يحتج به. وله طريق آخر عند الخطيب (٣): عن عبادة بن زياد الأسدي، ثنا أبو يونس بن أبي يعفور العبدي، عن المعتمر بن سليمان، عن ابن أبي عُبيدة، عن مسلم بن حبان قال: "صليت خلف ابن عمر، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، فقيل له، فقال: صليت خلف رسول الله ﷺ حتى قبض، وخلف أبي بكر ﵁ حتى قبض، وخلف عمر ﵁ حتى قبض، فكانوا يجهرون بها في السورتين، فلا أدع الجهر بها حتى أموت".

стр. 1639

قلت: هذا أيضًا باطل، وعبادة بن زياد -بفتح العين- قال أبو حاتم: كان من رؤساء الشيعة. وقال الحافظ محمَّد النيسابوري: هو مجمع على كذبه. وشيخه يونس بن يعفور فيه مقال، ضعفه النسائي وابن معين، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج عندي بما انفرد به. ومسلم ابن حبان غيره معروف. وأما حديث النعمان بن بشير ﵁: فأخرجه الدارقطني (١) أيضًا: عن يعقوب ابن يوسف بن زياد الضبي، ثنا أحمد بن حماد الهمداني، عن فطر بن خليفة، عن أبي الضحى، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "أمَّني جبريل ﵇ عند الكعبة، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه: أن هذا حديث منكر بل موضوع، ويعقوب بن يوسف الضبي ليس بمشهور، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني، وسكوت الدارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدًّا. وأما حديث الحكم بن عمير: فأخرجه الدارقطني (٢) أيضًا: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمَّد بن بشر الكوفي، ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار، نا إبراهيم ابن حبيب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن الحكم بن عمير وكان بدريًّا قال: "صليت خلف النبي ﵇ فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل وصلاة الغداة وصلاة الجمعة". والجواب عن هذا: أن هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة بل هو حديث باطل من وجوه، وهي: أن الحكم ليس بدريًّا ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير، بل لا تعرف له صحبة، فإن موسى بن حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيًّا، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه، وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": الحكم بن عمير

стр. 1640

روى عن النبي ﵇ أحاديث منكرة، لا تذكر سماعًا ولا لقاء، روى عنه ابن أخيه موسى بن أبي حبيب وهو ضعيف الحديث، سمعت أبي يذكر ذلك. وقد ذكر الطبراني في "معجمه الكبير" الحكم بن عمير وقال في نسبته الثمالي: ثم روى له بضعة عشر حديثًا منكرًا، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه (١). وروى له ابن عدي في "الكامل" قريبًا من عشرين حديثًا (٢)، ولم يذكرا فيها هذا الحديث، والراوي عن موسى هو إبراهيم بن إسحاق الصيني الكوفي، قال الدارقطني: متروك الحديث. ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته؛ فإن الذين رووا نسخة موسى عن الحكم لم يذكروا هذا الحديث فيها، كبقي بن مخلد وابن عدي والطبراني، وإنما رواه -فيما علمنا- الدارقطني ثم الخطيب، ووهم الدارقطني فقال: إبراهيم بن حبيب. وإنما هو إبراهيم بن إسحاق، وتبعه الخطيب وزاد وهمًا ثانيًا، فقال: الضبي -بالضاد المعجمة والباء الموحدة- وإنما هو الصيني -بالصاد المهملة والنون-. وأما حديث أنس ﵁ فأخرجه الحكم في "مستدركه"، (٣) والدارقطني في "سننه" (٤): من حديث محمَّد بن أبي المتوكل بن أبي السري، قال: "صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها: الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وقال المعتمر: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﵇". قال الحكم: رواته كلهم ثقات.

стр. 1641

والجواب عن هذا: أن هذا معارض بما رواه ابن خزيمة في "مختصره" (١)، والطبراني في "معجمه" (٢): عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وأبو بكر، وعمر". و"في الصلاة" زادها ابن خزيمة. ورواه الحكم (٣) أيضًا من طريق آخر: عن محمَّد بن أبي السري، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا مالك، عن حميد، عن أنس قال: "صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فكلهم كانوا يجهرون بسم الله الرحمن الرحيم" قال الحاكم: وإنما ذكرته شاهدًا. قلت: قال الذهبي في "تنقيح المستدرك": أما استحى الحاكم يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع؟! فأنا أشهد بالله، والله إنه لكذب. وقال ابن عبد الهادي: سقط منه "لا". وروى الخطيب (٤) أيضًا: عن ابن أبي داود، عن ابن أخي ابن وهب، عن عمه العمري ومالك وابن عيينة، عن حميد، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة". والجواب عنه: ما قاله ابن عبد الهادي سقط منه "لا" كما رواه الباغندي وغيره: عن ابن أخي ابن وهب، هذا هو الصحيح، وأما الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط، ويوضحه أن مالكًا رواه في "الموطأ" (٥): عن حميد، عن أنس قال: "قمت وراء أبي بكر الصديق وعمر وعثمان، فكلهم لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتحوا الصلاة". وقال ابن عبد البر في "التقصي": هكذا رواه جماعة موقوفًا، ورواه ابن

стр. 1642

أخي ابن وهب عن مالك، وابن عُيينة والعمري، عن حميد، عن أنس مرفوعًا، فقال: "إن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا يقرءون". قال: وهذا خطأ من ابن أخي ابن وهب في رفعه ذلك عن عمه عن مالك، فصار هذا الذي رواه الخطيب خطأً على خطأٍ، والصواب فيه عدم الرفع، وعدم الجهر. وأما حديث معاوية ﵁ فرواه الحكم في "مستدركه" (١): عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك قال: "صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك الصلاة ولم يكبر حين يهوي فلما سلم ناداه من سمع ذاك من المهاجرين والأنصار ومن كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوى ساجدًا". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ورواه الدارقطني (٢) وقال: رواته كلهم ثقات، وقد اعتمد الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر، وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب. والجواب عنه من وجوه: الأول: أن مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم وهو وإن كان من رجال مسلم لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قال: أحاديثه غير قوية. وقال النسائي: لين الحديث ليس بالقوي فيه. وقال الدارقطني: لينوه. وقال ابن المديني: منكر الحديث. وبالجملة فهو يختلف فيه، فلا يقبل ما تفرد به، مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضًا من أسباب الضعف، أما في إسناده فإن ابن خثيم تارة يرويه عن

стр. 1643

أبي بكر بن حفص عن أنس، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه، وقد رجح البيهقي الأولى في "المعرفة" لجلالة راويها وهو ابن جريج، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية، ورواه ابن خثيم أيضًا، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده فزاد ذكر الجد، كذلك رواه عنه إسماعيل بن عياش، وهي عند الدارقطني، والأولى، عنده وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي. وأما الاضطراب في متنه: فتارة يقول: "صلى فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم حين افتتح القرآن وقرأ بأم الكتاب". كما هو عند الدارقطني (١): في رواية إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: "فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها". كما هو عند الدارقطني (٢): في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند والمتن مما يوجب ضعف الحديث؛ لأنه مشعر بعدم ضبطه. الوجه الثاني: أن شرط الحديث الثابت ألَّا يكون شاذًّا ولا معللًا، وهذا شاذ معلل؛ فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات عن أنس، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجًّا به، وهو مخالف لما رواه عن النبي- ﵇ وعن خلفائه الراشدين، ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا: أن أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسًا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه. الوجه الثالث: أن مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا، قال عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلَّا بالحمد لله رب العالمين. وقال عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها. وقال عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلَّا بالحمد لله رب العالمين. ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح

стр. 1644

أنه كان يجهر بها، إلَّا شيء يسير، وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟! هذا باطل. الوجه الرابع: أن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة كما نقلوه، لكان هذا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، وما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ من الجهر بها فباطل لا أصل له، والأوزاعي إمام الشام، ومذهبه في ذلك مذهب مالك، لا يقرأها سرًّا ولا جهرًا، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي ﵇، فلو سمع النبي ﵇ يجهر بالبسملة لما تركها حتى ينكر عليه رعيته أنه لا يحسن يصلي، وهذه الوجوه من تدبرها علم أن حديث معاوية باطل، ومغير عن وجهه، وقد يتمحل فيه، ويقال: إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظًا فإنما هو إنكار لترك إتمام التكبير لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد، حتى إنه كان مذهب عمر بن عبد العزيز، وهو عدم التكبير حين يهوي ساجدًا بعد الركوع، وحين يسجد بعد القعود، وإلَّا فلا وجه لإنكارهم عليه ترك الجهر بالبسملة وهو مذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من أكابر الصحابة، ومذهب أهل المدينة أيضًا، وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما أو عدم أحدهما، وكيف تكون صحيحة وليست مخرجة في الصحيح ولا المسانيد ولا السنن المشهورة؟! وفي رواتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في التواريخ ولا في كتب الجرح والتعديل، كعمرو بن شمر، وجابر الجعفي، وحصين بن مخارق وعمر بن حفص المكي، وعبد الله بن عمرو بن حسان الواقعي، وأبي الصلت الهروي، [وعبد الكريم بن أبي المخارق، وابن أبي علي الأصبهاني] (١) الملقب

стр. 1645

بجراب الكذب، وعمر بن هارون البلخي، وعيسى بن ميمون المدني وآخرين، وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحهما" (١): من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الأثبات، منهم قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في الحديث، وتلقاه الأئمة بالقبول، ولم يضعفه أحد بحجة إلَّا من ركب هواه، وحمله فرط التعصب على أن علله باختلاف ألفاظه، مع أنها ليست مختلفة، بل بعضها يصدق بعضًا، وعارضه بمثل حديث ابن عمر الموضوع أو بمثل حديث علي الضعيف، ومتى وصل الأمر إلى مثل هذا فجعل الصحيح ضعيفًا، والضعيف صحيحًا، والمعلل سالما من التعليل، والسالم معللًا؛ سقط الكلام، وهذا ليس بعدل، والله أمر بالعدل، ولكن كل هذا من التعصب الفاسد والغرض الكاسد، وهذا تمشية للباطل، والله يحق الحق ويبطل الباطل، ويكفينا في تضعيف أحاديث الجهر إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة والسنن المعروفة والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في العلم ومسائل الدين، والبخاري مع شدة تعصبه وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة، لم يودع صحيحه منها حديثًا واحدًا، فالله تعالى يدري ويعلم ما جهد وتعب في تحصيل حديث صحيح في الجهر حتى يخرجه في "صحيحه" فما ظفر به ولو ظفر به ما تركه أصلًا، وكذلك مسلم لم يذكر شيئًا من ذلك، ولم يذكرا في هذا الباب إلَّا حديث أنس الدال على الإخفاء. فإن قيل: إنهما لم يلتزما أن يودعا في صحيحهما كل حديث صحيح، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركا من الأحاديث الصحيحة. قلت: هذا لا يقوله إلَّا كل سخيف أو مكابر؛ فإن مسألة الجهر بالبسملة من أعلام المسائل ومعضلات الفقه، ومن أكثرها دورانًا في المناظرة وجولانًا في المصنفات، والبخاري كثيرًا ما يتتبع لما يرد على أبي حنيفة من السنة فيذكر الحديث، ثم يُعَرِّض بذكره فيقول: قال رسول الله ﵇ كذا وكذا، ثم يقول: وقال بعض

стр. 1646

الناس كذا وكذا، يشير به إليه، ويشنع به عليه، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة، وهو يقول في أول كتابه: باب الصلاة من الإيمان، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة قوله: إن الأعمال ليست من الإيمان. مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء؟! ومسألة الجهر يعرفها عوام الناس ورعاعهم، ولو حلف الشخص بالله أيمانًا مؤكدة، إنه لو اطلع على حديث منها موافق لشرطه أو قريب من شرطه لم يخل منه كتابه، ولا كذلك مسلم، ولئن سلمنا فهذا أبو داود والترمذي وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا منها شيئًا، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية لما تركوها. وقد تفرد النسائي (١) منها بحديث أبي هريرة الذي رواه نعيم المجمر، وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد بيَّنَّا ضعفه من وجوه والله أعلم. فإن قيل: أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء: منها: كثرة الراوين فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، وأحايث الجهر رواها أربعة عشر صحابيًا. ومنها: أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي، وأحاديث الجهر شهادة على الإثبات، والإثبات مقدم على النفي. ومنها: أن أنسًا قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة. فروى أحمد، (٢) والدارقطني (٣) من حديث سعيد بن زيد بن أبي مسلمة قال: "سألت أنسًا كان رسول الله ﵇ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أو الحمد لله رب العالمين؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظ أو ما سألني أحد قبلك.

стр. 1647

قال: الدارقطني: إسناده صحيح. قلت: الجواب عن الأول: أن الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد صحة الدليلين، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح، بخلاف حديث الإخفاء فإنه صحيح صريح ثابت مخرج في الصحيح والمسانيد المعروفة والسنن المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه وهو ضعيف، كحديث الطير وحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" وحديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلَّا ضعفًا، وأحاديث الجهر لم يروها إلَّا الحاكم والدارقطني، فالحاكم عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، والدارقطني قد ملأ كتابه من الأحاديث الضعيفة والغريبة والشاذة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره، وقد حكي أن الدارقطني لما دخل مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة، فصنف فيه جزءًا، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي ﵇ في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وعن الثاني: أن هذه الشهادة وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات، على أن هذا مختلف فيه، فالأكثرون على تقديم الإثبات، وعند البعض هما سواء، وعند البعض النافي مقدم على المثبت، وإليه ذهب الآمدي وغيره. وعن الثالث: أن ما روي من إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه خلافه في الصحيح، ويحتمل أن يكون أنس ﵁ نسى في تلك الحال لكبره، وقد وقع مثل ذلك كثيرًا كما سئل يومًا عن مسألة، فقال: "عليكم بالحسن فاسألوه؛ فإنه حفظ ونسينا" (١) وكم ممن حدث ونسى، ويحتمل أنه سأله عن ذكرها في الصلاة أصلًا، لا عن الجهر بها وإخفائها.

стр. 1648

فإن قيل: يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده، وأنه كان صبيًّا يومئذٍ. قلت: هذا مردود؛ لأنه ﵇ هاجر إلى المدينة، ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات وله عشرون سنة، فكيف يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يومًا من الدهر يجهر؟! هذا بعيد، بل مستحيل، ثم قد روى هذا في زمن النبي ﵇ فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر وكهل في زمن عثمان، مع تقدمه في زمانهم وروايته للحديث، وقد روى أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه". رواه النسائي، (١) وابن ماجه، (٢) وقال النووي في "الخلاصة": إسناده على شرط البخاري ومسلم (٣). وقد ذهب البعض إلى أن أحاديث الجهر منسوخة لما نبينه إن شاء الله تعالى. ص: وخالفهم في ذلك أخرون فقالوا لا نرى الجهر بها، واختلفوا بعد ذلك فقال بعضهم: يقولها سرًّا، وقال بعضهم: لا يقولها البتة، لا في السر ولا في العلانية. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الأوزاعي والثوري وعبد الله بن المبارك، وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا يجهر بالبسملة، ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال: بعضهم يقولها سرًّا وأراد بهؤلاء البعض: الثوري وأبا حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: لا يقولها البتة لا في السر ولا في العلانية، وأراد بهؤلاء البعض: الأوزاعي ومالكًا وابن جرير الطبري. وقال أبو عمر (٤): قال مالك: لا تقرأ البسملة في الفرض سرًّا ولا جهرًا، وفي

стр. 1649

النافلة إن شاء فعل وإن شاء ترك. وهو قول الطبري، وقال الثوري وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل: تقرأ مع أم القرآن في كل ركعة، إلا ابن أبي ليل قال: إن شاء جهر بها، وإن شاء أخفاها، وقال سائرهم: يخفيها. وقال الشافعي: هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى، ويجهر بها إذا جهر، واختلف قوله هل هي آية من كل سورة أم لا؟ على قولين: أحدهما: نعم. وهو قول ابن المبارك. والثاني: لا. وقال أيضًا: أجمعت الأمة أن الفاتحة سبع آيات وقال النبي ﵇: هي السبع المثاني (١)، ثم جاء في هذا الحديث وأشار به إلى حديث أبي هريرة: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... " الحديث (٢) أنه عدها سبع آيات ليس فيها "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأن ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة وأكثر القراء، وأما أهل الكوفة من القراء فإنهم عدوا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ولم يعدوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عُبيد: هي آية من الفاتحة. وللشافعي قولان: أحدهما: أنها آية من الفاتحة دون غيرها من السور. والقول الآخر: هي آية من أول كل سورة. وكذلك اختلف أصحابه على القولين جميعًا. وأما أصحاب أبي حنيفة فزعموا أنهم لا يحفظون عنه هل هي آية من الفاتحة أم لا، ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب؛ لأنه يسر بها في السر والجهر. وقال داود: هي آية من القرآن في كل موضع وقعت فيه، وليست من السور،

стр. 1650

وإنما هي آية مفردة غير ملحقة بالسور، وزعم الرازي: أن مذهب أبي حنيفة هكذا انتهى (١). قلت: الصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن؛ لأن الأمة أجمعت أن ما كان مكتوبًا بين الدفتين بقلم الوحي فهو من القرآن، والتسمية كذلك، وكذلك روى المعلى عن محمَّد فقال: قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ فقال: ما بين الدفتين كله قرآن. وكذا روى الجصاص عن محمَّد أنه قال: التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وللبداية بها تبركًا, وليست بآية من كل واحدة منها، وينبني على هذا أن فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء عند بعض مشايخنا؛ لأنها آية من القرآن، وقال بعضهم: لا يتأدى؛ لأن في كونها آية تامة احتمال، فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال: ما أنزل الله في القرآن "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا في سورة النمل، وهي وحدها ليست بآية تامة وإنما الآية من قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) فوقع الشك في كونها آية تامة، فلا يجوز بالشك، وكذا يحرم على الجنُب والحائض والنفساء قراءتها على قصد القرآن، أما على قياس قول الكرخي؛ لأن ما دون الآية يحرم عليهم، وكذا على رواية الطحاوي؛ لاحتمال أنها آية تامة فيحرم عليهم قراءتهاة احتياطيًا، وهذا القول هو قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة، وهو قول ابن المبارك وداود وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد. وقالت طائفة: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، وهو قول مالك وبعض الحنفية وبعض الحنابلة. ص: واحتجوا على أهل المقالة الأولى في ذلك بما قد حدثنا الحسين بن نصر،
следующие страницы →