← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الناس كذا وكذا، يشير به إليه، ويشنع به عليه، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة، وهو يقول في أول كتابه: باب الصلاة من الإيمان، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة قوله: إن الأعمال ليست من الإيمان. مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء؟! ومسألة الجهر يعرفها عوام الناس ورعاعهم، ولو حلف الشخص بالله أيمانًا مؤكدة، إنه لو اطلع على حديث منها موافق لشرطه أو قريب من شرطه لم يخل منه كتابه، ولا كذلك مسلم، ولئن سلمنا فهذا أبو داود والترمذي وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا منها شيئًا، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية لما تركوها. وقد تفرد النسائي (١) منها بحديث أبي هريرة الذي رواه نعيم المجمر، وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد بيَّنَّا ضعفه من وجوه والله أعلم. فإن قيل: أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء: منها: كثرة الراوين فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، وأحايث الجهر رواها أربعة عشر صحابيًا. ومنها: أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي، وأحاديث الجهر شهادة على الإثبات، والإثبات مقدم على النفي. ومنها: أن أنسًا قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة. فروى أحمد، (٢) والدارقطني (٣) من حديث سعيد بن زيد بن أبي مسلمة قال: "سألت أنسًا كان رسول الله ﵇ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أو الحمد لله رب العالمين؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظ أو ما سألني أحد قبلك.

стр. 1647

قال: الدارقطني: إسناده صحيح. قلت: الجواب عن الأول: أن الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد صحة الدليلين، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح، بخلاف حديث الإخفاء فإنه صحيح صريح ثابت مخرج في الصحيح والمسانيد المعروفة والسنن المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه وهو ضعيف، كحديث الطير وحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" وحديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلَّا ضعفًا، وأحاديث الجهر لم يروها إلَّا الحاكم والدارقطني، فالحاكم عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، والدارقطني قد ملأ كتابه من الأحاديث الضعيفة والغريبة والشاذة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره، وقد حكي أن الدارقطني لما دخل مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة، فصنف فيه جزءًا، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي ﵇ في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وعن الثاني: أن هذه الشهادة وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات، على أن هذا مختلف فيه، فالأكثرون على تقديم الإثبات، وعند البعض هما سواء، وعند البعض النافي مقدم على المثبت، وإليه ذهب الآمدي وغيره. وعن الثالث: أن ما روي من إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه خلافه في الصحيح، ويحتمل أن يكون أنس ﵁ نسى في تلك الحال لكبره، وقد وقع مثل ذلك كثيرًا كما سئل يومًا عن مسألة، فقال: "عليكم بالحسن فاسألوه؛ فإنه حفظ ونسينا" (١) وكم ممن حدث ونسى، ويحتمل أنه سأله عن ذكرها في الصلاة أصلًا، لا عن الجهر بها وإخفائها.

стр. 1648

فإن قيل: يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده، وأنه كان صبيًّا يومئذٍ. قلت: هذا مردود؛ لأنه ﵇ هاجر إلى المدينة، ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات وله عشرون سنة، فكيف يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يومًا من الدهر يجهر؟! هذا بعيد، بل مستحيل، ثم قد روى هذا في زمن النبي ﵇ فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر وكهل في زمن عثمان، مع تقدمه في زمانهم وروايته للحديث، وقد روى أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه". رواه النسائي، (١) وابن ماجه، (٢) وقال النووي في "الخلاصة": إسناده على شرط البخاري ومسلم (٣). وقد ذهب البعض إلى أن أحاديث الجهر منسوخة لما نبينه إن شاء الله تعالى. ص: وخالفهم في ذلك أخرون فقالوا لا نرى الجهر بها، واختلفوا بعد ذلك فقال بعضهم: يقولها سرًّا، وقال بعضهم: لا يقولها البتة، لا في السر ولا في العلانية. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الأوزاعي والثوري وعبد الله بن المبارك، وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا يجهر بالبسملة، ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال: بعضهم يقولها سرًّا وأراد بهؤلاء البعض: الثوري وأبا حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: لا يقولها البتة لا في السر ولا في العلانية، وأراد بهؤلاء البعض: الأوزاعي ومالكًا وابن جرير الطبري. وقال أبو عمر (٤): قال مالك: لا تقرأ البسملة في الفرض سرًّا ولا جهرًا، وفي

стр. 1649

النافلة إن شاء فعل وإن شاء ترك. وهو قول الطبري، وقال الثوري وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل: تقرأ مع أم القرآن في كل ركعة، إلا ابن أبي ليل قال: إن شاء جهر بها، وإن شاء أخفاها، وقال سائرهم: يخفيها. وقال الشافعي: هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى، ويجهر بها إذا جهر، واختلف قوله هل هي آية من كل سورة أم لا؟ على قولين: أحدهما: نعم. وهو قول ابن المبارك. والثاني: لا. وقال أيضًا: أجمعت الأمة أن الفاتحة سبع آيات وقال النبي ﵇: هي السبع المثاني (١)، ثم جاء في هذا الحديث وأشار به إلى حديث أبي هريرة: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... " الحديث (٢) أنه عدها سبع آيات ليس فيها "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأن ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة وأكثر القراء، وأما أهل الكوفة من القراء فإنهم عدوا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ولم يعدوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عُبيد: هي آية من الفاتحة. وللشافعي قولان: أحدهما: أنها آية من الفاتحة دون غيرها من السور. والقول الآخر: هي آية من أول كل سورة. وكذلك اختلف أصحابه على القولين جميعًا. وأما أصحاب أبي حنيفة فزعموا أنهم لا يحفظون عنه هل هي آية من الفاتحة أم لا، ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب؛ لأنه يسر بها في السر والجهر. وقال داود: هي آية من القرآن في كل موضع وقعت فيه، وليست من السور،

стр. 1650

وإنما هي آية مفردة غير ملحقة بالسور، وزعم الرازي: أن مذهب أبي حنيفة هكذا انتهى (١). قلت: الصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن؛ لأن الأمة أجمعت أن ما كان مكتوبًا بين الدفتين بقلم الوحي فهو من القرآن، والتسمية كذلك، وكذلك روى المعلى عن محمَّد فقال: قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ فقال: ما بين الدفتين كله قرآن. وكذا روى الجصاص عن محمَّد أنه قال: التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وللبداية بها تبركًا, وليست بآية من كل واحدة منها، وينبني على هذا أن فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء عند بعض مشايخنا؛ لأنها آية من القرآن، وقال بعضهم: لا يتأدى؛ لأن في كونها آية تامة احتمال، فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال: ما أنزل الله في القرآن "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا في سورة النمل، وهي وحدها ليست بآية تامة وإنما الآية من قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) فوقع الشك في كونها آية تامة، فلا يجوز بالشك، وكذا يحرم على الجنُب والحائض والنفساء قراءتها على قصد القرآن، أما على قياس قول الكرخي؛ لأن ما دون الآية يحرم عليهم، وكذا على رواية الطحاوي؛ لاحتمال أنها آية تامة فيحرم عليهم قراءتهاة احتياطيًا، وهذا القول هو قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة، وهو قول ابن المبارك وداود وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد. وقالت طائفة: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، وهو قول مالك وبعض الحنفية وبعض الحنابلة. ص: واحتجوا على أهل المقالة الأولى في ذلك بما قد حدثنا الحسين بن نصر،

стр. 1651

قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا عمارة بن القعقاع، قال: ثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: ثنا أبو هريرة قال: "كان رسول الله ﵇ إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت". قالوا: ففي هذا دليل أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من فاتحة الكتاب، ولو كانت من فاتحة الكتاب لقرأ بها في الثانية كما قرأ فاتحة الكتاب، والذين يستحبون الجهر بها في الركعة الأولى لأنها عندهم من فاتحة الكتاب استحبوا ذلك أيضًا في الثانية، فلما انتفى بحديث أبي هريرة ﵁ هذا أن يكون النبي ﵇ قرأ بها في الثانية, انتفى به أيضًا أن يكون قرأ بها في الأولى، فعارض هذا الحديث حديث نعيم بن المُجْمر، وكان هذا أولى منه لاستقامة طريقه، وفضل صحة مجيئه على مجيء حديث نعيم. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون الذين ذهبوا إلى ترك الجهر بالبسملة على أهل المقالة الأولى -وهم الذين ذهبوا إلى الجهر بها في ذلك أي فيما ذهبوا إليه من ترك الجهر- بحديث أبي هريرة، ودلالته على ذلك ظاهرة، وبَيَّنَها بقوله: "قالوا: ففي هذا دليل ... " إلى آخره. وأخرجه عن الحسين بن نصر بن المعارك، عن يحيى بن حسان بن حيان التنيسي البكري، أبي زكرياء البصري، سكن تنيس -بلدة بساحل مصر واليوم خراب- فنسب إليها، روى له الجماعة سوى ابن ماجه. عن عبد الواحد بن زياد العبدي أبي عبيدة البصري، روى له الجماعة. عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، ابن أخي عبد الله بن شبرمة، روى له الجماعة. عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، روى له الجماعة،

стр. 1652

واسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقيل: جرير. وأخرجه مسلم (١): وقال: حدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب وغيرهما، قالوا: أخبرنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. قوله: "فعارض هذا الحديث" أي حديث أبي هريرة الذي رواه عنه أبو زرعة حديث نعيم بن المجمر الذي رواه عن أبي هريرة المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وأشار بقوله: "وكان هذا أولى منه لاستقامة طريقه" إلى أن حديث نعيم معلول، وهو أن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم بن المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمان مائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، ألا ترى كيف أعرض صاحبا الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة "كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها ... " الحديث (٢). فإن قيل: نعيم بن المجمر ثقة والزيادة من الثقة مقبولة. قلت (٣): ليس ذلك مجمعًا عليه بل فيه خلاف مشهور، فمنهم من يقبلها مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: "من المسلمين" في صدقة الفطر (٤) واحتج بها أكثر العلماء، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها كزيادة سعد بن طارق في حديث: "جعلت لي الأرض مسجدًا

стр. 1653

وجعلت تربتها لنا طهورًا" (١). وفي موضع نجزم بخطأ الزيادة كزدياة معمر ومن وافقه قوله: "وإن كان في مائعًا فلا تقربوه" (٢)، وكزيادة عبد الله بن زياد -ذكر البسملة- في حديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" (٣) وإن كان معمر ثقة وعبد الله بن زياد ضعيفًا؛ فإن الثقة قد يغلط. وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه. رواه البخاري في "صحيحه" (٤): وسئل: هل رواها غير معمر؟ فقال: لا. وقد رواه أصحاب السنن الأربعة (٥): عن معمر وقال فيه: "ولم يصل عليه". فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب أنه قال: "ولم يصل عليه". وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم بن المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه؛ بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها لمن قال بالجهر؛ لأنه قال: "فقرأ أو قال: بسم الله الرحمن الرحيم" وذلك أعم من قراءتها سرًا, أو جهرًا، أو إنما هو حجة على من لا يرى قراءتها. فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسَّر بالبسملة ثم جهر بالفاتحة لم يعبر عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متنَاولة للفاتحة والبسملة تناولًا واحدًا, ولقال: فأسر بالبسملة ثم جهر بالفاتحة، والصلاة كانت جهرية، بدليل تأمينه وتأمين المأمومين. قلنا: ليس الجهر فيه بصريح، ولا ظاهر يوجب الحجة، ومثل هذا لا يقدم على

стр. 1654

النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست من أم القرآن؛ فإنه قال: "فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ أم القرآن" والعطف يقتضي المغايرة. وجواب آخر عن هذا الحديث: أن قوله: "فقرأ أو قال" ليس بصريح أنه سمعها منه؛ إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيمًا أنه قرأها سرًّا، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه، كما روى عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده، ولم يكن ذلك منه دليلًا على الجهر. وجواب آخر: أن التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك يتحقق في التكبير وغيره دون البسملة، فإن التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان مقصوده الرد على من تركه، وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر، فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ. لأن الشافعي (١) روى: أخبرنا ابن محمَّد الأسلمي، عن ربيعة بن عثمان، عن صالح بن أبي صالح: "أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعًا صوته في المكتوبة إذا فرغ من أم القرآن: ربنا إنا نعوذ إلى من الشيطان الرجيم"، فهلّا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة. مستدلين بما في "الصحيحين" (٢) عنه: "فما أسمعنا ﵇ أسمعناكم وما أخفانا أخفينا عنكم"، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عن النبي ﵇ قال: "يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله:

стр. 1655

أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". أخرجه مسلم في "صحيحه" (١): عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ... فذكره. وعن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وعن ابن جريج عن العلاء بن عبد الرحمن. وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلا لابتدأ بها؛ لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة حتى إنه لم يخل منها بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمس ليرتفع الإشكال، وقال ابن عبد البر ﵀: حديث العلاء هذا قاطع تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثًا في سقوط البسملة أبين منه، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين. أحدهما: لا (يعتبر) (٢) بكون هذا الحديث في "صحيح مسلم" فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين، فقال: ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث، ليس بذاك، هو ضعيف. روي عنه هذه الألفاظ جميعًا، وقال ابن عدي: ليس بالقوي. وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به. الثاني: قال: وعلى تقدير صحته فقد جاءت في بعض الروايات عنه ذكر التسمية.

стр. 1656

كما أخرجه الدارقطني (١): عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله ﷺ : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي، ونصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيذكرني عبدي، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيقول: حمدني عبدي ... " إلى آخره، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية. قلت: هذا القائل حمله الجهل وفرط التعصب ورداءة الرأي والفكر. وعلى أنه ترك الحديث الصحيح وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه، وقال: لا (يعتبر) (٢) بكونه في مسلم مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات كمالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وشعيب وعبد العزيز الدراوردي وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق والوليد بن كثير وغيرهم، والعلاء نفسه ثقة صدوق، وهذه الرواية مما انفرد بها عنه ابن سمعان وهو كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا في المصنفات المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، وإنما رواه الدارقطني في "سننه" التي يروي فيها غرائب الحديث، وقال عمر بن عبد الواحد: سألت مالكًا عند أبي عن ابن سمعان فقال: كان كذابًا. وقال يحيى بن بكير: قال هشام بن عروة فيه: فقد كذب عليَّ وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها. وعن أحمد بن حنبل: متروك الحديث. وسئل ابن معين عنه فقال: كان كذابًا. وقيل لابن إسحاق: إن ابن سمعان يقول: سمعت مجاهدا، فقال: لا إله إلا الله أنا والله أكبر منه، ما رأيت مجاهدًا ولا سمعت منه. وقال ابن حبان: كان يروي عمن لم يره، ويحدث بما لم يسمع. وقال أبو داود: متروك الحديث، وكان من الكذابين. وقال النسائي: متروك.

стр. 1657

وكيف يُعل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني عن كذاب متروك لا شيء، وهلَّا جعلوا الحديث الصحيح علة للضعيف، ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات الأثبات لنعيم؛ موجبًا لردِّه، إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح، كما فعلنا نحن والله أعلم. ص: وقالوا: وأما حديث أم سلمة الذي رواه ابن أبي مليكة، قد اختلف الذين رَوَوْه في لفظه، فرواه بعضهم على ما ذكرنا، ورواه آخرون على غير ذلك. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن عبد الله ابن عبيد الله بن أبي مليكة، عن يعلى: "أنه سأل أم سلمة ﵁ عن قراءة النبي ﵇، فنعتت له قراءة مفسرة حرفًا حرفًا". فقالوا: ففي هذا أن ذكر قراءة بسم الله الرحمن الرحيم من أم سلمة تنعت بذلك قراءة رسول الله ﵇ لسائر القرآن كيف كانت، وليس في ذلك دليل أن رسول الله ﵇ كان يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فمعنى هذا غير معنى حديث ابن جريج، وقد يجوز أيضًا أن يكون تقطيع فاتحة الكتاب الذي في حديث ابن جريج كان من ابن جريج أيضًا حكايته منه للقراءة المفسرة حرفًا حرفًا، التي حكاها الليث عن ابن أبي مليكة، فانتفى بذلك أن يكون في حديث أم سلمة ذلك حجة لأحد. ش: أي قال أهل المقالة الثانية في الجواب عن حديث أم سلمة الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن إسناد هذا الحديث مضطرب؛ لأن بعضهم رواه عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة على ما ذكره الطحاوي في أول الباب في بيان استدلال أهل المقالة الأولى، وبعضهم رواه عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مالك عن أم سلمة، وهذا أصح من الأول.

стр. 1658

وقد أشار الترمذي (١): إلى ذلك حيث أسنده من حديث يعلى: "أنه سأل أم سلمة عن قراءة النبي ﵇ ... " فذكر الحديث بمعناه. ثم قال: غريب حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعل عن أم سلمة. وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة: "أنه ﵇ -كان يقطع قراءته"، وحديث الليث أصح؛ ولأجل ذلك قال الطحاوي في كتاب "الرد على الكرابيسي": لم يسمع ابن أبي مليكة هذا الحديث من أم سلمة، واستدل عليه بهذا الإسناد الذي ذكره ها هنا، فإذا كان الطريق الصحيح هو الذي أخرجه الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى، عن أم سلمة، فليس فيه حجة لهم؛ لأن فيه ذكر قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من أم سلمة نعت منها لقراءة رسول الله ﵇ لسائر القرآن كيف كانت، وليس فيه ما يدل أن رسول الله ﵇ كان يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فحينئذ يكون معناه غير معنى الحديث الذي رواه ابن جريج. وأيضًا فإنه يمكن أن أم سلمة سمعته سرًّا في بيتها لقربها منه، وأيضًا كان قصدها الإخبار بأنه ﵇ كان يرتل قراءته ولا يسردها. قوله: "وقد يجوز أيضًا ... " إلى آخره جواب بطريق التسليم، بيانه: أنا ولو سلمنا أن طريق حديث ابن جريج صحيح، ولكنا لا نسلم أنه يدل على ما ذكرتم؛ لأنه يجوز أن يكون تقطيع فاتحة الكتاب في حديث ابن جريج كان منه حكايته للقراءة المفسرة حرفًا حرفًا، التي حكاها الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة، فحينئذ لا يكون في حديث أم سلمة حجة لأحد مطلقًا، سواء كان من هذا الطريق أو من ذاك الطريق.

стр. 1659

وقد ذكرنا أن أبا داود (١)، وأحمد (٢)، والدارقطني (٣)، والحاكم (٤)، والطبراني (٥)، والبيهقي (٦): رووا هذا الحديث بالطريق الأول كما سردناه عن الكل، وليس في رواية أبي داود وأحمد والطبراني ذكر الصلاة، إنما هو إخبار عن أم سلمة عن ترتيل قراءة النبي ﵇، وأما رواية الدارقطني والحاكم والبيهقي فمدارها على عمر بن هارون البلخي وهو مجروح تكلم فيه غير واحد من الأئمة، فقال أحمد: لا أروي عنه شيئًا. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المبارك: كذاب. وقال النسائي: متروك الحديث. وسئل عنه ابن المديني فضعفه جدًّا. ونقل ابن الجوزي عن يحيى فقال: كذاب خبيث ليس حديثه بشيء. وقال مرة: كذاب. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخًا لم يرهم. وقال صالح بن محمَّد: كان كذابًا. والبيهقي ذكر حديث يعلى في باب ترتيل القراءة، وتركه في باب الدليل على أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية تامة من الفاتحة؛ لكونه لا يوافق مقصوده، ولأن فيه بيان علة حديثه، والعجب ثم العجب منه روى هذا الحديث عن عمر بن هارون وألان القول فيه، وقال: ورواه عمر بن هارون وليس بالقوي، عن ابن جريج. وذكره في باب لا شفعة فيما ينقل، أنه ضعيف لا يحتج به، وكذلك العجب من الحاكم كيف يودع هذا الحديث الضعيف السقيم في كتابه الذي سماه "صحيحًا"وماذا إلا تحامل وتعصب، والدين لا يقوم بهذا، والحق أحق أن يتبع، وقال الذهبي: في "مختصر سنن البيهقي": هذا خبر منكر شذَّ به

стр. 1660

عمر بن هارون، وقد قال ابن معين وغيره: كذاب. وقال النسائي وغيره: متروك. وأيضًا فإن كان عدها بلسانه في الصلاة فذلك مناف للصلاة، وإن كان بأصابعه فلا يدل على أنها آية من الفاتحة انتهى. ويقال: المحفوظ في هذا الحديث والمشهور: أنه ليس في الصلاة، وإنما قوله: "في الصلاة" زيادة من عمر بن هارون، وقبول الزيادة من ثقة فيه كلام فضلًا عن زيادة كذاب متروك لا شيء، ثم رجال حديث يعلى هذا ثقات، وهو يعلى بن مالك، ويقال: مملك. وثقه ابن حبان. وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن وتصغير الأب، وأبو مليكة اسمه زهير بن عبد الله المكي الأحول، روى له الجماعة. والحديث أخرجه الترمذي (١) كما ذكرنا، وأخرجه أبو داود (١): أيضًا ثنا يزيد ابن خالد بن موهب الرملي، نا الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك: "أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﵇ وصلاته، فقالت: وما لكم وصلاته، كان يصلي، وينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى، حتى يصبح، ونعتت قراءته، فإذا هي تنعت حرفًا حرفًا". وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. قوله: "تنعت" من النعت، وهو وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في المذموم إلا أن يتكلف متكلف فيقول: نعت سوء. قوله: "حرفًا حرفًا" أي كلمة كلمة، أرادت أنه كان يقرأ بالترتيل والتجويد والتأني ورعاية مخارج الحروف وغير ذلك من أنواع التجويد، وانتصاب "حرفًا حرفا" كانتصاب "درهمًا درهمًا" في قول القائل: خذوا هذا الألف واقتسموا درهمًا درهما. وفي الحقيقة هي حال، ومعناه: اقتسموا حال كونها معدودة بهذا العدد،

стр. 1661

وذلك لأن غير المشتق يقع حالًا بالتأويل، والمعنى في الحديث: فوصفت قراءة ظاهرة حال كونها معدودة بحرف حرف، و"حرفًا" الثاني كرر للتأكيد، فافهم. ص: وقالوا لهم أيضًا فيما رووه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃ في قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (١): أما ما ذكرتموه من أنها هي السبع المثاني فإنا لا ننازعكم في ذلك، وأما ما ذكرتموه من أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ منها فقد روي هذا عن ابن عباس كما ذكرتم، وقد رُوي عن غيره ممن روينا عنه في هذا الباب أنه لم يجهر بها ما يدل على خلاف ذلك، ولم يختلفوا جميعًا أن فاتحة الكتاب سبع آيات، فمن جعل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ منها عدها آية، ومن لم يجعلها منها عد عليهم آية، ولما اختلفوا في ذلك وجب النظر، وسنبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: أي قال أهل المقالة الثانية لأهل المقالة الأولى في جواب حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس الذي استدلوا به على أن البسملة آية من الفاتحة وأنها يجهر بها حيثما يجهر، بيان ذلك: أن الذي ذكرتم من أن الفاتحة هي السبع المثاني مسلَّم لا نزاع فيه لأحد معكم، ولكن النزاع في أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هل هي في الفاتحة أم لا؟ فالذي روي عن ابن عباس كما ذكرتم أنها من الفاتحة، ولكن روي عن غيره أنها ليست من الفاتحة؛ إذ لو كانت آية منها لجهر بها كما جهر بالفاتحة، ولما وقع الاختلاف في هذا وجب النظر، ولم يذكر الطحاوي وجه النظر ها هنا وأحاله على موضع آخر والظاهر أنه ذكره في كتابه "الرد على الكرابيسي" وجه النظر في ذلك أنهم اتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات بلا خلاف لأحد، ولكن الخلاف في كيفية العدد، فقراء الكوفيين عدوا البسملة آية منها ولم يعدوا عليهم، وقراء البصريين عدوا عليهم ولم يعدوا البسملة، ثم اتفق كلهم على أن سورة الكوثر مثلًا ثلاث آيات، وسورة الإخلاص أربع آيات، وليس في ذلك خلاف لأحد، فمتى قلنا: إن البسملة آية من أول كل سورة يلزم أن تكون سورة الكوثر أربع آيات، وسورة الإخلاص خمس

стр. 1662

آيات، ولم يقل به أحدة فالنظر على ذلك ينبغي أن لا تعد البسملة آية من الفاتحة أيضًا، قياسًا على غيرها من السور، ويكون كونها سبع آيات من غير البسملة، فعلى هذا الوجه إذا جعلت البسملة من الفاتحة يلزم أن تكون الفاتحة ثمان آيات، ولم يقل به أحد. فإن قيل: إنما عدوا آيات السور سوى البسملة لأنه لا إشكال فيها عندهم. قلت: فحينذ لا يجوز لهم أن يقولوا: سورة الإخلاص أربع آيات، وسورة الكوثر ثلاث آيات، والثلاث والأربع إنما هي بعض السور، ولو كان كذلك لوجب أن يقولوا في الفاتحة: إنها ست آيات. ثم معنى قوله: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (١) أي: سبع آيات، وهي الفاتحة، والمثاني: من التثنية وهي التكريرة لأن الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة، أو في الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، الواحدة: مثناة أو مُثْنية، صفة الآية. قاله الزمخشري ﵀. ص: وقد روي عن عثمان بن عفان ﵁ ما قد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس ﵁ قال: "قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من السبع الطول، وإلى براءة وهم من المئين فقرنتم بينهما، وجعلتموها في السبع الطول ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال عثمان ﵁: "إن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الآية، فيقول: اجعلوها في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وتوفي رسول الله ﵇ ولم أسأله عن ذلك، فخفت أن تكون منها، فقرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وجعلتهما من السبع الطول".

стр. 1663

قال أبو جعفر ﵀: فهذا عثمان ﵁ يخبر في هذا الحديث أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لم تكن عنده من السور، وأنه إنما كان يكتبها في فصل السور، وهي غيرهن؛ فهذا خلاف ما ذهب إليه ابن عباس ﵄ من ذلك. ش: أشار بهذا إلى دليل يدل على أن البسملة ليست من أوائل السور، فإذا لم تكن من السور لم تكن من الفاتحة أيضًا؛ لأنها من السور، وهو أيضًا خلاف ما ذهب إليه ابن عباس، وهو الذي أخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن هوذة بن خليفة بن عبد الله الثقفي البكراوي بن الأشهب البصري، وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. عن عوف بن أبي جميلة العبدي، المعروف بالأعرابي، روى له الجماعة. عن يزيد الفارسي البصري، وقيل: إنه يزيد بن هرمز المدني، والصحيح أنه غيره، وفي بعض النسخ: يزيد الرقاشي، وليس بصحيح؛ لأن يزيد الرقاشي يزيد بن أبان الرقاشي، وهو لم يدرك ابن عباس، وإنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي. وهذا إسناد صحيح، وأخرجه أبو داود (١): ثنا عمرو بن عون، أنا هشيم، عن عوف، عن يزيد الفارسي، قال: سمعت ابن عباس قال: "قلت لعثمان: ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطول ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ قال عثمان ﵁: كان النبي ﵇ مما تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من كان يكتب له، ويقول: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطول ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".

стр. 1664

وأخرجه الترمذي (١) في أبواب تفسير القرآن وقال: ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي وسهل بن يوسف، قالوا: نا عوف بن أبي جميلة، قال: حدثني يزيد الفارسي، قال: حدثني ابن عباس قال: "قلت لعثمان بن عفان ﵃: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ ووضعتموهما في السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان ﵁: كان رسول الله ﵇ مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعى بعض من كان يكتبه، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﵇ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ , فوضعتهما في السبع الطول". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس ﵁. فهذا عثمان ﵁ لو رأى البسملة من السور لكتبها بين الأنفال وبراءة، ولم تكن عنده من السور، وأنه كان إنما كان يكتبها في فصل السور بينها وبين غيرها. فإن قيل: إذا لم تكن آية من أوائل السور، فينبغي أن لا يقال: إنها آية من القرآن بأخبار الآحاد. قلت: ليس الأمر كذلك؛ لأنه ليس على النبي ﵇ توقيف الأمة على مقاطع الآي ومقاديرها, ولم نتعبد بمعرفتها؛ فجاز إثباتها آية بأخبار الآحاد، وأما موضعها من

стр. 1665

السور فهو كإثباتها من القرآن، فسبيله النقل المتواتر ولا يجوز بأخبار الآحاد، ولا بالنظر والمقاييس كسائر السور، وكموضعها في سورة النمل، ألا ترى أنه قد كان يكون من النبي ﵇ توقيف على مواضع الآي كما في رواية ابن عباس عن عثمان في هذا الحديث، ولم يوجد من النبي ﵇ توقيف في سائر الآي على مبادئها ومقاطعها، فثبت أنه غير مفروض علينا مقادير، فإذْ قد ثبت أنها آية، فليست تخلو من أن تكون آية في كل موضع هي مكتوبة فيه من القرآن وإن لم تكن من أوائل السور، أو تكون آية منفردة كررت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك باسم الله تعالى، فالأصلى أن تكون آية في كل موضع هي مكتوبة فيه لنقل الأمة أن جميع ما في المصحف من القرآن، ولم تخص شيئًا منه من غيره، وليس وجودها مكررة في هذه المواضع مخرجها من أن تكون من القرآن، لوجود كثير مثل ذلك مذكور على وجه التكرار، ولا يخرجه ذلك من أن يكون كل واحد آية منه، نحو قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) من سورة البقرة، ومثله في سورة آل عمران (٢) ونحو قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٣) كل آية منها منفردة في موضعها من القرآن لا على معنى تكرار آية واحدة، وكذلك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقول النبي ﵇: إنها آية يقتضي أن تكون آية في كل موضع ذكرت فيه، والله أعلم. قوله: "أن عمدتم" أي أن قصدتم و"أن" في محل الجر في تأويل المصدر، أي على عمدكم إلى الأنفال. قوله: "وهي من السبع الطُوَال"وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة، و"الطُوَل" بضم الطاء وفتح الواو جمع "الطولى" تأنيث الأطول، مثل الكُبَر في الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام أو الإضافة.

стр. 1666

قوله: "وهي من المئين" أي من السور التي تشتمل على أكثر من مائة آية، والمئون -بكسر الميم-: جمع مائة، وبعضهم يقول: مُؤون -بالضم- وأصل مائة مائي، والهاء عوض الياء. قوله: "وكانت قصتها شبيهة بقصتها" أي قصة براءة كانت شبيهة بقصة الأنفال؛ لأن فيها ذكر العهود وفي براءة نبذها. قوله: "فخفت أن تكون منها" أي أن تكون سورة براءة من الأنفال، فلأجل ذلك وضعها في السبع الطول، ولم يكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقال: تركت البسملة بينهما؛ لأنها نزلت لرفع الأمان، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، وقيل: لما اختلفت الصحابة في أنها سورة واحدة، وهي سابعة السبع الطول، أو سورتان فتركت بينهما فرجة ولم تكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقيل: لم تكتب البسملة لأنها رحمة، والسورة في المنافقين. ص: وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله ﵇ وعن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أنهم كانوا لا يجهرون بها في الصلاة. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية، قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه وقيل ما رأيت رجلًا أشد عليه حدثًا في الإسلام منه، فسمعني وأنا أقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال: أي بني، إياك والحدث في الإسلام؛ فإني قد صليت مع رسول الله ﵇ وأبي بكر وعثمان ﵃ فلم أسمعها من أحد منهم ولكن إذا قرأت فقل: الحمد لله رب العالمين". ش: أي قد جاءت الأحاديث والأخبار حال كونها متكاثرة مترادفة، عن رسول الله ﵇ وعن أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين ﵃ أنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة في الصلاة، فهذا أدل دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وأنها لا يجهر بها، والحديث يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثًا عن نبيهم ﵇ يتوارثونه خَلَفُهم عن سَلَفِهم، وهذا وجه كاف في المسألة، ولو كان ﵇ -

стр. 1667

يجهر بها دائمًا لما وقع فيه اختلاف ولا اشتباه، ولكان معلومًا بالاضطرار، ولَمَّا قال أنس: "لم يجهر بها ﵇ ولا خلفاؤه الراشدون" (١) ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضًا وسماه "حدثًا" ولَمَّا استمر أهل المدينة في محراب النبي ﵇ على ترك الجهر، فتوارثه آخرهم عن أولهم، وذلك جار عندهم مجرى الصالح والمدَّ بل أبلغ من ذلك؛ لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة؛ ولأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة، وكم من إنسان لا يحتاج إلى صاع ولا مدٍّ، ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين وأكثر أهل العلم، كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله ﵇ يفعله. ثم إنه أخرج الحديث المذكور عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن شيبة الحافظ صاحب "المصنف" و"المسند". عن إسماعيل بن علية وهو إسماعيل بن إبراهيم بن سهم البصري، وعلية اسم أمه، روى له الجماعة. عن سعد بن إياس الجُريري -بضم الجيم وفتح الراء- نسبة إلى جُرَير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وائل، روى له الجماعة. عن قيس بن عَباية -بفتح العين- الحنفي الزماني، قال يحيى: بصري ثقة. وروى له الأربعة. عن ابنٍ لعبد الله بن مغفل ولم يعلم اسمه، ويقال: اسمه يزيد. عن عبد الله بن مغفل الصحابي ﵁. وأخرجه الترمذي (٢): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا سعيد بن إياس الجريري، عن قيس بن عَبَاية، عن ابن عبد الله بن مغفل قال: "سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أي بني،

стр. 1668

محدث، إياك والحدث- قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﵇ كان أبغض إليه الحدث في الإِسلام يعني منه- قال: وقد صليت مع النبي ﵇ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". وأخرجه النسائي (١): أنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا خالد، قال: نا عثمان بن غياث، قال: أخبرني أبو نعامة الحنفي، قال: ثنا ابن عبد الله بن مغفل، قال: "كان عبد الله بن مغفل إذا سمع أحدنا يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يقول: صليت خلف رسول الله ﵇ وخلف أبي بكر وخلف عمر ﵄ فما سمعت أحدًا منهم قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وأخرجه ابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة نحو رواية الطحاوي. فإن قلت: ما حكم هذا الحديث؟ قلت: حديث حسن، قال الترمذي عقيب إخراجه: قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﵇، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين. فإن قيل: قال النووي في "الخلاصة": وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول. قلت: رواه أحمد في "مسنده" (٣): من حديث أبي نعامة، والطبراني في "معجمه" من طريقين: طريق من عبد الله بن بريدة، وطريق من أبي سفيان، فالطرق الثلاثة عن ابن عبد الله بن مغفل.

стр. 1669

وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١). وقال الخطيب: عبد الله بن بريدة أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي وإن تُكُلِّم فيه ولكنه يعتبر منه ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد فحينئذٍ ترتفع الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة الأجلاء عنه، وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة، وهو إن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عنه درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن المغفل احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم أنه موضوع، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث إذْ قال بعد أن رواه في كتاب "المعرفة" من حديث أبي نعامة: تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية، وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا "الصحيح". قلت: قوله: "تفرد به أبو نعامة" ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة وأبو سفيان السعدي، وقوله: وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحب "الصحيح" ليس بلازم في صحة الإسناد، ولئن سلمنا فقد قلنا: إنه حسن والحسن يحتج به (٢). قوله: "وقل ما رأيت رجلًا" معناه: ورؤيتي قليلة جدًّا في الرجال مثله "أشد عليه الحدث في الإِسلام منه" فتكون "ما" مصدرية، يقال: قَلَّ رجل يفعل كذا إلا زَيْد، معناه ما يفعل إلا زيد، والأصل فيه أن تكتب "ما" متصلة بـ"قَلَّ" كما تكتب كذلك في طالما؛ لأنه لما اختلطت به معنى وتقديرًا اختلطت به خطأ وتصويرًا.

стр. 1670

قوله: "حدثًا" نصب على التمييز، وأراد به الأمر المحدث الذي لم يكن في عصر النبي ﵇ ولا في أيام الخلفاء الراشدين ﵃. قوله: "فسمعني وأنا أقرأ" أي في الصلاة كما وقع هكذا في رواية الترمذي؛ وأيضًا القرينة تدل على ذلك؛ فافهم. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم وسعيد بن عامر، قالا: ثنا سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أنه قال: "قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم لا يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افتتح الصلاة". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، عن حميد، عن أنس:؛ أن أبا بكر وعمر- ويُرى حميد أنه قد ذكر النبي ﵇ ... " ثم ذكر نحوه. حدثنا ابن أبي عمران وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شيبان، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: "صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵁ فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا الأحوص بن جوَّاب، قال: ثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس، قال: "لم يكن رسول الله ﵇ ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم".

стр. 1671

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا دحيم بن اليتيم، قال: ثنا سويد بن عبد العزيز، عن عمران القصير، عن الحسن، عن أنس: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا سليمان بن عبيد الله الرقي، قال: ثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين والحسن، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ يستفتحون بالحمد لله رب العالمين". حدثنا أحمد بن مسعود الخياط المقدسي، قال: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا إبراهيم بن منقذ قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن محمَّد بن نوح أخا بني سعد بن بكر حدثه، عن أنس بن مالك قال: "سمعت رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". ش: هذه عشر طرق صحاح إلا الطريق السابع, فإن فيه سويد بن عبد العزيز قال أحمد: متروك الحديث. وقال يحيى: ليس بشيء. وعنه: ليس بثقة. وقال النسائي: ضعيف. والطريق العاشر فيه عبد الله بن لهيعة وفيه مقال، وبقية الرجال كلهم ثقات. الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وسعيد بن عامر الضبعي، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن بشر، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين".

стр. 1672

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا إسماعيل، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". وهذا الحديث من أقوى الحجج لمنع الجهر بالبسملة. فإن قيل: قد قال الترمذي: قال الشافعي: إنما متن هذا الحديث: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم. قلت: قال الحافظ أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن العربي: هذا تأويل لا يليق بالشافعي لعظيم فقهه، وأنس إنما قال هذا ردا على من يرى قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكذلك عبد الله بن مغفل كما مضى حديثه عن قريب، ورواية مالك، عن حميد الطويل، عن أنس صريحة في ترك قراءة البسملة حيث قال: فكلهم لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فهذا يمنع التأويل المذكور ويرده. فإن قيل: أيها الحنفي إذا كانت هذه آية من القرآن عندك، أنزلت للفصل بين السور، كان الواجب أن يجهر بها كالجهر بالقراءة في الصلاة التي يجهر فيها بالقرآن، إذ ليس في الأصول الجهر ببعض القراءة دون بعض في ركعة واحدة. قلت: إذا ثبت أنها لم تكن من الفاتحة، وإنما هي على وجه الابتداء بها تبركًا، جاز أن لا يجهر بها، ألا ترى أن قوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢) الآية هو من القرآن، ومن استفتح به الصلاة لا يجهر به مع الجهر بسائر القراءة، كذلك البسملة حالها كحالة.

стр. 1673

الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس. وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر -قال ابن المثنى: نا محمد بن جعفر- قال: ثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث، عن أنس قال: "صليت مع رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وأخرجه النسائي (٢): أنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، قال: حدثني عقبة بن خالد، قال: ثنا شعبة وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: "صليت خلف رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٣). الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس، وهو موقوف. وأخرجه مالك في "موطئه" (٤). وقال أبو عمر: هكذا هو في "الموطإ" عند جماعة الرواة فيما علمت موقوفًا، ورواه الوليد بن مسلم، عن مالك مرفوعًا، عن حميد، عن أنس قال: "صليت خلف رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة" وهكذا رواه ابن أخي ابن وهب، عن مالك وابن عيينة والعمري، عن حميد، عن أنس مرفوعًا، وهو خطأ عندهم من ابن أخي ابن وهب في رفعه ذلك عن عمه عن مالك، وأما رواية الوليد بن مسلم فلم يتابع عليها عن مالك. والصواب عن مالك خاصة ما في "الموطإ".

стр. 1674

وقد روي هذا الحديث مرفوعًا عن النبي ﵇ من طرق كثيرة بأسانيد صحاح عن أنس من حديث قتادة وثابت البناني وحميد ﵏. الرابع: عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، عن زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن أنس: "أن أبا بكر وعمر ﵂" موقوفًا، ويرى حميد أنه قد ذكر النبي ﵇، فحينئذ يكون الحديث مرفوعًا. وأخرجه أحمد (١): ثنا أبو كامل، ثنا حماد، ثنا قتادة، وثابت وحميد، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". الخامس: عن أحمد بن أبي عمران الفقيه، وعلي بن عبد الرحمن بن المغيرة، كلاهما عن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري وأبي داود واحد أصحاب أبي حنيفة، عن شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي البصري المؤدب، عن قتادة، عن أنس. وأخرجه الدارقطني (٢): ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز البغوي، ثنا علي بن الجعد، ثنا شعبة وشيبان، عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك قال: "صليت خلف النبي ﵇ -وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بسم الله الرحمن الرحيم". السادس: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن الأحوص بن جواب الكوفي من رجال مسلم، عن عمار بن رزيق الضبي الكوفي من رجال مسلم أيضًا، عن سليمان الأعمش، عن شعبة، عن ثابت بن أسلم، عن أنس ﵁.

стр. 1675

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا العباس بن عبد العظيم، ثنا أبو الجوَّاب، ثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". ولا نعلم روى الأعمش عن شعبة غير هذا الحديث ولا نعلم حدث به عن الأعمش إلا عمار بن رزيق. السابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن دحيم -بضم الدال، وفتح الحاء المهملتين، وسكون الياء آخر الحروف- وهو لقب عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، عن سويد بن عبد العزيز بن نمير السلمي الدمشقي، فيه مقال وقد ذكرناه الآن، عن عمران بن مسلم المِنْقري البصري القصير، عن الحسن البصري، عن أنس. وأخرجه الطبراني (١): من حديث محمَّد بن أبي السري، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبو بكر وعمر ﵄". الثامن: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن سليمان بن عبيد الله الرقي أبي أيوب الأنصاري، عن مخلد بن الحسن الأزدي المهلبي أبي محمَّد البصري نزيل المصيصة، عن هشام بن حسان الأزدي القردوسي أبي عبد الله البصري، عن محمَّد بن سيرين والحسن البصري، كلاهما عن أنس بن مالك. وأخرجه ابن الجارود في "مسنده" (٢) نحوه. التاسع: عن أحمد بن مسعود الخياط، عن محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي أبي يوسف نزيل المصيصة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، عن أنس ﵁.

стр. 1676

وأخرجه مسلم (١): عن محمَّد بن مهران، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، وأشار به إلى ما رواه من حديث قتادة عن أنس قال: قال: "صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها". وأخرجه الدارقطني (٢): ثنا محمَّد بن عثمان بن ثابت الصيدلاني، ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: "كنا نصلي خلف رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به". العاشر: عن إبراهيم بن منقذ بن إبراهيم العصفري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن محمَّد بن نوح أخي بني سعد بن بكر، عن أنس بن مالك. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده". ص: حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: حدثني أسباط بن محمَّد، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ﵁ قالت: "كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبر، ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ويختمها بالتسليم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وبديل -بضم الباء الموحدة- ابن ميسرة العقيلي البصري، وأبو الجوزاء -بالجيم والزاي المعجمة- أوس بن عبد الله الربعي البصري روى له الجماعة.

стр. 1677

وأخرجه مسلم (١) بأتم منه: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبو خالد -يعني الأحمر- عن حسين المعلم. وثنا إسحاق بن إبراهيم -واللفظ له- قال: أنا عيسى بن يونس، قال: ثنا حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل الركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهي عن عقبة الشيطان، وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم" وفي رواية ابن نمير عن أبي خالد: "وكان ينهى عن عقب الشيطان". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "وكان ينهى عن عقب الشيطان، وعن فَرْشة السَّبع ... " والباقي نحوه. وأخرجه ابن ماجه (٣) مختصرًا. قوله: "يفتتح الصلاة بالتكبير" أي يشرع فيها بقول: الله أكبر، ويشرع في القراءة بسورة الفاتحة. قوله: "بـ الحمدُ لله رب العالمين" برفع الدال على الحكاية، وهي أن يجيء بالقول بعد نقله على استثناء صورته الأولى، كقولك: دعني من تمرتان. في

стр. 1678

جواب من قال: يكفيك تمرتان وبدأت بـ الحمدُ لله، وبدأت بـ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ (١) ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيتَ زيدًا؟ من زيدًا. قوله: "لم يشخص" من الإشخاص أي لم يرفع رأسه. قوله: "ولم يصوبه" أي لم يخفضه، من صَوَّب، بالتشديد. قوله: "عن عقبة الشيطان" وهو أن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء. وفيه حجة لأبي حنيفة ومالك أن البسملة ليست من الفاتحة، وحجة لأبي حنيفة أنها لا يُجهر بها؛ لأنه صرح أنه ﵇ -كان يفتتح الصلاة بالتكبير ثم بفاتحة الكتاب. وقد ثبت (٢) أنه ﵇ كان له سكتتان: سكتة بعد التكبير وكان فيها البسملة ودعاء الاستفتاح. وفيه إثبات التكبير في أول الصلاة، وقال النووي: وفيه تعيّن لفظ التكبير؛ لأنه ثبت أنه ﵇ كان يفعله، وأنه ﵇ قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير هو قول مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف. قلت: اشتراط التعيين أمر زائد؛ لأن المراد من التكبير التعظيم وبكل لفظ حصل التعظيم يجوز الافتتاح به، ثم إن تكبيرة الافتتاح من أركان الصلاة عندهم، وقال أبو حنيفة وأصحابه من شروطها، وثمرة الخلاف تظهر في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز خلافًا لهم، وكذا على الخلاف لو بني التطوع بلا تحريمة يصير شارعًا في الثاني، وكذا على الخلاف إذا كبَّر مقارنًا لزوال الشمس.

стр. 1679

وقال ابن المنذر: تنعقد الصلاة بمجرد النيّة بلا تكبير، قال أبو بكر: ولم يقل به غيره، وقال ابن البطال: وذهب جمهور العلماء إلى وجوب تكبيرة الإحرام، وذهبت طائفة إلى أنها سنة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والحكم والزهري والأوزاعي، وقالوا: إن تكبيرة الركوع تجزئ عن تكبيرة الإحرام، وروي عن مالك في المأموم ما يدل على أنه سنة، ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنها واجبة على كل واحد منها، وأن من نسيها يستأنف الصلاة، وفي "المغني" لابن قدامة: التكبير ركن لا تنعقد الصلاة إلا به، سواء تركه عمدًا أو سهوًا، قال: وهذا قول ربيعة والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وحكى أبو الحسن الحنفي الكرخي عن ابن عُلية والأصم كقول الزهري في انعقاد الصلاة بمجرد النيّة بدون التكبير، وقال عبد العزيز بن إبراهيم بن بزيزة: قالت طائفة بوجوب تكبير الصلاة كله، وعكس آخرون فقالوا: كل تكبيرة في الصلاة ليست بواجبة مطلقًا، منهم ابن شهاب وابن المسيب وغيرهما، ثم تكبيرة الإحرام مرة واحدة عند جمهور العلماء، وعند الرافضة ثلاث مرات، وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث من حديث أبي إمامة "كان ﵇ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث تكبيرات". رواه أبو نعيم الدكيني، عن شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل، عنه. وفي "العلل" لابن أبي حاتم قال أبي: هذا حديث كذب لا أصل له. وفيه دليل على أن السلام سُنَّة، وقال الخطابي: وفي قولها: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ويختتمها بالتسليم". دليل على أنهما ركنان من أركان الصلاة، ولا تجزئ إلا بهما. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن ما من شيء يدل على الفرضية، وفرضية التكبير في أول الصلاة ليس بهذا الحديث بل بقوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، ولئن سلمنا ذلك فلا يلزم من كون التكبير فرضًا أن يكون التسليم فرضًا مثله.

стр. 1680

بدليل حديث الأعرابي (١): حيث لم يعلمه ﵇ حين علمه الواجبات، غاية ما في الباب يكون إصابة لفظة السلام واجبة، والله أعلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ بما ذكرنا، وكان في بعضها أنهم كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، فليس في ذلك دليل على أنهم كانوا لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبلها؛ لأنه إنما عنى بالقراءة ها هنا قراءة القرآن، فاحتمل أنهم لم يعدوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قرآنا، وعدوها ذكرًا مثل سبحانك اللهم وبحمدك وما يقال عند افتتاح الصلاة، فكان ما يقرأ من القرآن بعد ذلك ويستفتح بالحمد لله رب العالمين. وفي بعضها: أنهم كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ففي ذلك دليل أنهم كانوا يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذكرهم نفي الجهر معنى؛ فثبت بتصحيح هذه الآثار ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وذكرها سرًّا. ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث والأخبار التي تدل على أن التسمية ليست من الفاتحة، وأنها لا يجهر بها في الصلاة، ولكن لما كان في ألفاظها اختلاف تعرض إلى بيان وجهه، وهو أن قوله على بعض ألفاظها: "كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه العبارة لا تدل على أنهم كانوا لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل قرأة فاتحة الكتاب؛ لأن المراد بالقراءة ها هنا هو قرأة القرآن، فيحتمل أنهم لم يكونوا عدُّوا البسملة قرآنا، وإنما عدوها ذكرا مثل الثناء والاستفتاح، فحينئذ يكون القرآن هو الذي يقرأ بعد ذلك، وفي بعضها أنهم كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا دليل على أنهم كانوا يقولونها سرًّا؛ إذْ لو لم يكن ذلك لخلا الكلام عن الفائدة، وهو ظاهر،

стр. 1681

فإذا كان الأمر كذلك وجب أن نقول: إن البسملة يؤتى بها ولكن يسرُّ بها عملًا بما ورد من الألفاظ، وتعلق مالك بظاهر العبارة الأول حيث قال: يشرع في القراءة عقيب التكبير، ولا يشتغل بشيء غير ذلك. وتعلقت الشافعية منهم الخطيب بقوله: "فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" وضعف ما سواه من العبارات، وهي سبعة ألفاظ رويت بطرق مختلفة عن أنس: الأول (١): "كانوا لا يستفتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". والثاني: "فلم أسمع أحدًا يقول أو يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". الثالث: "فلم يكونوا يقرءون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". الرابع: "فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". الخامس: "فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". السادس: "فكانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". السابع: "فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وهذا هو الذي تعلق به الخطيب وصححه، وجعل اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابهًا، وحمله على الافتتاح بالسورة لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه، فكيف يجعل مناقضًا لها فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهرًا وسرًا، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب ويؤكده قوله في رواية مسلم (١): "لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها"، لكنه محمول على نفي الجهر؛ لأن أنسًا ﵁ إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتقائه؛ فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإِمام لم يقرأها أصلًا فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن القراءة فيه سرًّا, ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها أصلًا مَنْ لم ير ها هنا سكوتًا كمالك وغيره

стр. 1682

كما ذكرنا, ولكن ثبت في "الصحيحين" (١): عن أبي هريرة أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: كذا وكذا ... " إلى آخره، وإذا كان له سكوت لم يكن لأنس أن ينفي قراءة البسملة في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر والاستفتاح والسماع مرادًا به الجهر بذلك، يدل عليه قوله: "فكانوا لا يجهرون"، وقوله: "فلم أسمع أحدًا منهم يجهر" لا تَعَرُّض فيه للقراءة سرًّا ولا على نفيها؛ إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها أو ينفيها, ولذلك قال لمن سأله: "إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه" (٢)، فإن العلم بالقراءة السريّة إنما يحصل بأخبار أو سماع عن قرب، وليس في الحديث شيء منها، ورواية من روى: "فكانوا يسرون" كأنها مرويّة بالمعنى من لفظ: "لا يجهرون". وأيضًا فحمل الافتتاح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة وتمجه الأفهام الصحيحة؛ لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام والخاص، كما يعلمون أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن الركوع قبل السجود، والتشهد بعد الجلوس ... إلى غير ذلك، فليس في نقل مثل هذه فائدة فكيف يجوز أن يظن أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه، وإنما مَثَلُ هذا مَثَلُ من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود أو فكانا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر. وأيضًا فلو أريد الافتتاح بالسورة لقيل: كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن، أو بفاتحة الكتاب، أو بسورة الحمد، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم. وأما تسميتها بالحمد لله رب العالمين، فلم ينقل عن النبي ﵇ ولا عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد يحتج بقوله، وأما تسميتها بالحمد فقط فعرف متأخر، يقولون: فلان قرأ الحمد. وأين هذا من قوله: "فكانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح.

стр. 1683

فإن قيل: فقد روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس الاستفتاح بأم القرآن، وهذا يدل على إرادة السورة. قلنا: هذا مروي بالمعنى، والصحيح عن الأوزاعي ما رواه مسلم (١): عن الوليد بن مسلم، عنه، عن قتادة، عن أنس قال: "صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها". ثم أخرجه مسلم (١): عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك. هكذا رواه مسلم في "صحيحه" عاطفًا له على حديث قتادة، وهذا اللفظ المخرج في الصحيح هو الثابت عن الأوزاعي، واللفظ الآخر -إن كان محفوظًا- فهو مروي بالمعنى، فيجب حمله على الافتتاح بأم القرآن. ورواه الطبراني في "معجمه" (٢) بهذا الإسناد: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". ص: وقد روي ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب وغيره من أصحاب النبي ﷺ . حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو بكر ابن عياش، عن أيضًا سعد، عن أبي وائل قال: "كان عمر وعلي ﵄ لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا بالتعوذ ولا بآمين". ش: أي قد روي ترك الجهر بالبسملة أيضًا عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة ﵃ وأخرج خبر علي، عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي

стр. 1684

الكوفي المقرئ، قيل: اسمه محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة. عن أبي سعد البقال واسمه سعيد بن المرزبان الأعور، فيه مقال، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي ﵇ ولم يره، روى له الجماعة. وأخرجه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار": أنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد، عن أبي وائل قال: "لم يكن عمر وعلي ﵄ يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا بآمين". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت خلف عمر ﵁ سبعين صلاة، فلم يجهر فيها بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وأخرج (٢): عن شاذان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل: "أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه: "أن عليًّا ﵁ كان لا يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، كان يجهر بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير ابن معاوية، قال: سمعت عاصمًا، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: "ذلك فعل الأعراب".

стр. 1685

حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا شريك ابن عبد الله، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله. قال أبو جعفر ﵀: فهذا خلاف ما روينا عن ابن عباس في الفصل الذي قبل هذا. ش: أخرج خبر ابن عباس من طريقين صحيحين: الأول: عن سليمان بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن زهير بن معاوية بن حديج، أحد أصحاب أبي حنيفة، من رجال الجماعة. عن عاصم بن بهدلة. عن عبد الملك بن أبي بشير البصري، وثقه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة والعجلي، وروى له البخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب" انتهى. والمعنى نسبة هذا الفعل إلى الجهل، وأنه من أفعال الجهلاء، لكون الغالب على الأعراب الجهل، وحاصله أنه بدعة؛ والدليل عليه: ما روى المغيرة، عن إبراهيم
следующие страницы →