فإذا كان الأمر كذلك وجب أن نقول: إن البسملة يؤتى بها ولكن يسرُّ بها عملًا بما ورد من الألفاظ، وتعلق مالك بظاهر العبارة الأول حيث قال: يشرع في القراءة عقيب التكبير، ولا يشتغل بشيء غير ذلك. وتعلقت الشافعية منهم الخطيب بقوله: "فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" وضعف ما سواه من العبارات، وهي سبعة ألفاظ رويت بطرق مختلفة عن أنس:
الأول (١): "كانوا لا يستفتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
والثاني: "فلم أسمع أحدًا يقول أو يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
الثالث: "فلم يكونوا يقرءون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
الرابع: "فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
الخامس: "فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
السادس: "فكانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
السابع: "فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
وهذا هو الذي تعلق به الخطيب وصححه، وجعل اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابهًا، وحمله على الافتتاح بالسورة لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه، فكيف يجعل مناقضًا لها فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهرًا وسرًا، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب ويؤكده قوله في رواية مسلم (١): "لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها"، لكنه محمول على نفي الجهر؛ لأن أنسًا ﵁ إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتقائه؛ فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإِمام لم يقرأها أصلًا فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن القراءة فيه سرًّا, ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها أصلًا مَنْ لم ير ها هنا سكوتًا كمالك وغيره
стр. 1682
كما ذكرنا, ولكن ثبت في "الصحيحين" (١): عن أبي هريرة أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: كذا وكذا ... " إلى آخره، وإذا كان له سكوت لم يكن لأنس أن ينفي قراءة البسملة في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر والاستفتاح والسماع مرادًا به الجهر بذلك، يدل عليه قوله: "فكانوا لا يجهرون"، وقوله: "فلم أسمع أحدًا منهم يجهر" لا تَعَرُّض فيه للقراءة سرًّا ولا على نفيها؛ إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها أو ينفيها, ولذلك قال لمن سأله: "إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه" (٢)، فإن العلم بالقراءة السريّة إنما يحصل بأخبار أو سماع عن قرب، وليس في الحديث شيء منها، ورواية من روى: "فكانوا يسرون" كأنها مرويّة بالمعنى من لفظ: "لا يجهرون".
وأيضًا فحمل الافتتاح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة وتمجه الأفهام الصحيحة؛ لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام والخاص، كما يعلمون أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن الركوع قبل السجود، والتشهد بعد الجلوس ... إلى غير ذلك، فليس في نقل مثل هذه فائدة فكيف يجوز أن يظن أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه، وإنما مَثَلُ هذا مَثَلُ من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود أو فكانا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر.
وأيضًا فلو أريد الافتتاح بالسورة لقيل: كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن، أو بفاتحة الكتاب، أو بسورة الحمد، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم. وأما تسميتها بالحمد لله رب العالمين، فلم ينقل عن النبي ﵇ ولا عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد يحتج بقوله، وأما تسميتها بالحمد فقط فعرف متأخر، يقولون: فلان قرأ الحمد. وأين هذا من قوله: "فكانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح.
стр. 1683
فإن قيل: فقد روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس الاستفتاح بأم القرآن، وهذا يدل على إرادة السورة.
قلنا: هذا مروي بالمعنى، والصحيح عن الأوزاعي ما رواه مسلم (١): عن الوليد بن مسلم، عنه، عن قتادة، عن أنس قال: "صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها".
ثم أخرجه مسلم (١): عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك.
هكذا رواه مسلم في "صحيحه" عاطفًا له على حديث قتادة، وهذا اللفظ المخرج في الصحيح هو الثابت عن الأوزاعي، واللفظ الآخر -إن كان محفوظًا- فهو مروي بالمعنى، فيجب حمله على الافتتاح بأم القرآن.
ورواه الطبراني في "معجمه" (٢) بهذا الإسناد: "أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب وغيره من أصحاب النبي ﷺ .
حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو بكر ابن عياش، عن أيضًا سعد، عن أبي وائل قال: "كان عمر وعلي ﵄ لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا بالتعوذ ولا بآمين".
ش: أي قد روي ترك الجهر بالبسملة أيضًا عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة ﵃ وأخرج خبر علي، عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي
стр. 1684
الكوفي المقرئ، قيل: اسمه محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة.
عن أبي سعد البقال واسمه سعيد بن المرزبان الأعور، فيه مقال، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي ﵇ ولم يره، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار": أنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد، عن أبي وائل قال: "لم يكن عمر وعلي ﵄ يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا بآمين".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت خلف عمر ﵁ سبعين صلاة، فلم يجهر فيها بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
وأخرج (٢): عن شاذان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل: "أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه: "أن عليًّا ﵁ كان لا يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، كان يجهر بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ".
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير ابن معاوية، قال: سمعت عاصمًا، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: "ذلك فعل الأعراب".
стр. 1685
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا شريك ابن عبد الله، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
قال أبو جعفر ﵀: فهذا خلاف ما روينا عن ابن عباس في الفصل الذي قبل هذا.
ش: أخرج خبر ابن عباس من طريقين صحيحين:
الأول: عن سليمان بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن زهير بن معاوية بن حديج، أحد أصحاب أبي حنيفة، من رجال الجماعة.
عن عاصم بن بهدلة.
عن عبد الملك بن أبي بشير البصري، وثقه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة والعجلي، وروى له البخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب" انتهى.
والمعنى نسبة هذا الفعل إلى الجهل، وأنه من أفعال الجهلاء، لكون الغالب على الأعراب الجهل، وحاصله أنه بدعة؛ والدليل عليه: ما روى المغيرة، عن إبراهيم
стр. 1686
قال: "جهر الإِمام بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة بدعة" (١).
وروى جرير، عن عاصم الأحول، قال: "ذكر لعكرمة الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة، فقال: إذن أعرابي".
وروى أبو يوسف (٢): عن أبي حنيفة قال: بلغني عن ابن مسعود ﵁ قال: "الجهر في الصلاة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أعرابية".
وروى حماد بن زيد، عن كثير قال: "سئل الحسن عن الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة، فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب".
ذكر ذلك كله أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٣).
فإن قيل: كيف تقول فيما روى عبد الرزاق (٤): عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عباس ﵄ كان يفتتح بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
قلت: هذا لا يدل على أنه كان يجهر بها، أو كان ذلك خارج الصلاة، ولا نزاع فيه.
وهذا هو الجواب أيضًا عما قاله البيهقي في كتاب "المعرفة" (٥): بعد أن روى عن عاصم بن بهدلة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ". وفيه دلالة على خطأ وقع في رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "في قراءة الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب".
стр. 1687
وتخطيئه هذا خطأ؛ لأن هذا روي بطريق صحيح عن أبي عاصم، ورواه عاصم بن بهدلة عن عكرمة أيضًا كما رواه عبد الملك بن أبي بشير عنه عن ابن عباس فما الموجب في تخطئة شيء صواب بلا دليل، لأجل تمشية الدعوى الفاسدة؟! ثم إن البيهقي أوَّل كلام ابن عباس هذا بتأويلين فاسدين:
الأول: قال: أراد به الجهر الشديد الذي يجاوز الحد.
والثاني: أراد أن الأعراب لا يخفى عليهم أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من القرآن، وأنه يجهر بها، فكيف العلماء وأهل الحَضَر؟!
أما الأول: فإن كان الجهر الشديد مكروهًا أو بدعة فأيْش وجه التخصيص بالبسملة؟ فهذا ترجيح بلا مرجح.
وأما الثاني: فلا نسلم أن الأعراب كانوا يعلمون أن البسملة من القرآن، فمن أين علموا ذلك مع غلبة الجهل عليهم على أن ابن عباس إنما قال ذلك القول على وجه الإنكار على من يجهر بها، وهذان التأويلان خلاف ما أراده ابن عباس، والله أعلم.
وقوله: "فهذا خلاف ما روينا عن ابن عباس ... " إلى آخره، إشارة إلى أن ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس -أنه جهر بها- الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وهو الذي أخرجه الطحاوي فيما مضى، عن فهد، عن ابن الأصبهاني، عن شريك، عن عاصم، عن سعيد به، معارض بهذه الرواية, فلا يتم بذاك الدليل، وقد مَرَّ الكلام فيه هناك مستوفى.
ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، أن سيّار بن عبد الرحمن الصدفي حدثه، عن عبد الرحمن الأعرج قال: "أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ".
حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، مثله.
стр. 1688
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد قال: "لقد أدركت رجالًا من علمائنا ما يقرءون بها".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا يحيى، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: "ما سمعت القاسم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
ش: أشار بهذا إلى ما روي عن جماعة من التابعين من عدم الجهر بالبسملة في الصلاة منهم: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
أخرجه عن إبراهيم بن منقذ بن إبراهيم العصفري، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة -فيه مقال، ولكن الطحاوي يرضى به- عن سيّار بن عبد الرحمن الصدفي المصري وثقه ابن حبان، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وروى له أبو داود وابن ماجه، ونسبته إلى الصِدف بكسر الدال وتفتح في النسبة وهو عمرو بن مالك، وقيل: شهال بن دُعمي بن زياد بن حضرموت.
ومنهم: عروة بن الزبير بن العوام ﵄.
أخرجه عن إبراهيم، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود وهو النضر -بالضاد المعجمة- بن عبد الجبار راوية ابن لهيعة (١)، وثقه ابن حبان وغيره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه وأبي الزبير: "أنهما كانا لا يجهران".
ومنهم: يحيى بن سعيد الأنصاري المدني قاضي المدينة، أخرجه عن روح بن الفرج القطان المصري، عن سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري المصري، وقد ينسب إلى جده، من رجال مسلم.
стр. 1689
عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، روى له الجماعة.
عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
ومنهم: القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃، أخرجه عن روح أيضًا، عن سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما ثبت عن رسول الله ﷺ وعن من ذكرنا بعده ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثبت أنها ليست من القرآن، ولو كانت من القرآن لوجب أن يجهر بها كما يجهر بالقرآن سواها ألا ترى أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ التي في النمل يجهر بها كما يجهر بغيرها من القرآن؛ لأنها من القرآن، فلما ثبت أن التي قبل فاتحة الكتاب يخافت بها، ويجهر بما سواها من القرآن؛ ثبت أنها ليست من القرآن، وثبت أن يخافت بها وأن يُسَرُّ، كما يُسَرُّ التعوذ والافتتاح وما أشبههما، وقد رأيناها أيضًا مكعوبة في فواتح السور في المصحف، في فاتحة الكتاب وفي غيرها، وكانت في غير فاتحة الكتاب ليست بأية ثبت أيضًا أنها في فاتحة الكتاب ليست بآية وهذا الذي بَيَّنَّا من نفي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أن تكون من فاتحة الكتاب، ومن نفي الجهر بها في الصلاة، هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أشار بذلك إلى بيان الحكم الذي ظهر من الأحاديث والآثار المذكورة من ترك الجهر بالبسملة، فبين ذلك بوجهين:
الأول: أنه لما ثبت عن رسول الله ﵇، وعن جماعة من الصحابة من بعده، وجماعة من التابعين من بعدهم ممن ذكروا في هذا الباب؛ ترك الجهر بالبسملة، ثبت أنها ليست من القرآن؛ لأنها لو كانت من القرآن لوجب الجهر بها كما يجهر بالقرآن حين يجهر به، ألا ترى أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ التي في سورة النمل كيف يجهر بها لأنها من القرآن، فيجهر بها كما يجهر بغيرها من القرآن، وقال أبو بكر بن
стр. 1690
العربي: ويكفيك أنها ليست بقرآن الاختلاف فيها، والقرآن لا يختلف فيه، فإن إنكار القرآن كفر.
فإن قيل: إذا لم تكن قرآنًا لكان مُدْخلها في القرآن كافرًا.
قلت: الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن، فإن الكفر لا يكون إلا بمخالفة النص والإجماع في أبواب العقائد، ولما ثبت أنها ليست من القرآن، وثبت أيضًا أن التي قبل فاتحة الكتاب يخافت بها لكونها ليست من القرآن، فكذلك ينبغي أن يخافت بالبسملة ويسر بها كما يسر بالتي قبل فاتحة الكتاب، كالتعوذ والاستفتاح وما أشبهها من الأدعية التي وردت قراءتها قبلها.
الوجه الثاني: أنها لما كانت مكتوبة في فواتح السور في المصحف، في فاتحة الكتاب وفي غيرها، وكانت في غير الفاتحة ليست بآية منها؛ فالنظر على ذلك أن لا تكون البسملة أيضًا من الفاتحة.
فإن قيل: نحن نقول: إنها آية من غير الفاتحة فكذلك نقول: إنها آية من الفاتحة.
قلت: هذا قول لم يقل به أحد، ولهذا قالوا: وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد؛ لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها من الفاتحة أو ليست بآية منها, ولم يعدها أحد آية من سائر السور.
فإن قيل: قد نقلوا إلينا جميع ما في المصحف على أنه قرآن، وذلك كافٍ في إثباتها في السور في مواضعها المذكورة في المصحف.
قلت: إنما نقلوا إلينا أنها منه، وإنما الكلام بيننا وبينكم في أنها من هذه السور التي هي مكتوبة في أوائلها، ونحن نقول بأنها من القرآن أثبتت هذه المواضع، لا على أنها من السور، وليس إيصالها بالسورة في المصحف وقراءتها معها يوجبان أن تكون منها؛ لأن القرآن كلمه متصل بعضه ببعض.
стр. 1691
فإن قيل: قد قلت أولًا بأنها ليست من القرآن، وأقمت عليه برهانًا، ثم تقول ها هنا: ونحن نقول بأنها من القرآن، أثبتت في هذه المواضع لا على أنها من السور.
قلت: معنى قولنا: إنها ليست من القرآن: ليست من الفاتحة ولا من آيات كل سورة هي مكتوبة عليها، ومعنى قولنا: إنها من القرآن كونها آية مفردة مستقلة بذاتها أنزلت للفصل بين السور وليست من الفاتحة ولا من أول كل سورة، ولكن الذي يفهم من عبارة الطحاوي وأبي بكر بن العربي أنها ليست من القرآن مطلقًا، وإنما هي لابتداء القراءة والفصل بين السورتين، وأما التي في سورة النمل فلا خلاف فيه لأحد أنها من القرآن، ولكنها ليست بآية كاملة؛ لأن الآية الكاملة من قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ (١) إلى آخره.
وروي (٢) أنه ﵇: كان يكتب في أوائل الكتب: باسمك اللهم حتى نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٣) فكتب بسم الله، ثم نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٤) فكتب فوقه الرحمن، فنزلت قصة سليمان ﵇ فكتبها حينئذٍ".
وقال الشعبي ومالك وقتادة وثابت: "إن النبي ﵇ لم يكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى نزلت سورة النمل".
والحاصل أن مذهب المحققين أنها من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة، في أول كل سورة كما تلاها النبي ﵇ حين أنزلت عليه ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٥) وهذا قول
стр. 1692
ابن المبارك وداود، وهو المنصوص عن أحمد، وبه قالت جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة.
قلت: ولذلك قال الشيخ حافظ الدين النسفي: وهي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وهذا القول فيه الجمع بين الأدلة، وعن ابن عباس: "كان النبي ﵇ لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي رواية "لا يعرف انقضاء السورة".
رواه أبو داود، (١) والحاكم (٢) وقال: إنه على شرط الشيخين وأما تلاوة النبي ﵇ حين أنزلت عليه ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
فهو ما رواه مسلم، (٣) وأبو داود، (٤) والنسائي (٥): عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "أنزلت عليَّ آنفًا سورة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها، قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة".
فإن قيل: لو لم تكن التسمية من أول كل سورة لما قرأها النبي ﵇ بالكوثر.
قلت: لا نسلم أنه يدل على أنها من أول كل سورة، بل يدل على أنها آية مفردة، والدليل على ذلك ما ورد في حديث بدء الوحي: "فجاءه الملك فقال له: اقرأ فقال: ما أنا بقاريء -ثلاث مرات- ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ " فلو كانت البسملة من أول كل سورة، لقال: اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ بسم ربك.
стр. 1693
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أصحاب السنن الأربعة (١): عن شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي (٢)، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له، وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ".
وقال الترمذي: حديث حسن.
ورواه أحمد في "مسنده"، (٣) وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" وصححه.
وعياش الجهني يقال: إنه عياش بن عبد الله، ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يتكلم فيه أحد فيما علمنا, ولو كانت البسملة من أول كل سورة لافتتحها ﵇ بها، والله أعلم (٤).
...
стр. 1694
ص: باب: القراءة في الظهر والعصر
ش: أي هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاتي الظهر والعصر، والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن القراءة في الصلاة تكون عقيب البسملة.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا سعيد وحماد ابنا زيد، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: "كنا جلوسًا في فتيان من بني هاشم إلى ابن عباس، فقال له رجل: أكان النبي- ﵇ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا، قال: فلعله كان يقرأ فيما بينه وبين نفسه؟ -وفي حديث سعيد: قال: لا. وفي حديث حماد: هي شرٌّ من الأول- ثم قال: كان رسول الله ﷺ عبدًا لله أمره الله فبلغ والله ما أمره به".
ش: رجاله ثقات، وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد روى له مسلم أبو داود والترمذي، وحماد روى له الجماعة.
وأبو جهضم موالى آل عباس بن عبد المطلب، وثقه يحيى وأبو زرعة، وروى له الأربعة.
وعبد الله بن عبيد الله -بتصغير الأب- ابن عباس بن عبد المطلب، وثقه أبو زرعة والنسائي، وروى له الأربعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن موسى بن سالم، نا عبد الله بن عبيد الله قال: "دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم فقلنا لشباب منا: سل ابن عباس كان رسول الله ﵇ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا لا. فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خمشًا هذه شر من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أنا نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا نُنزي الحمار على الفرس".
стр. 1695
قوله: "كنا جلوسًا" أي جالسين، والجلوس جمع جالس، كالقعود جمع قاعد.
قوله: "في فتيان" أي بين فتيان كما في قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (١) أي بين عبادي، والفتيان جمع فتى وهو الشاب، ولهذا جاء في رواية أبي داود: "في شباب" وهو جمع شاب.
قوله: "إلى ابن عباس" أي معه، وكلمة "إلى" تجيء للمصاحبة، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) أي معه.
قوله: "أكان النبي- ﵇" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "هي شرّ من الأولى" أي هذه المسألة شر من المسألة الأولى، أو هذه الحالة شر من تلك الحالة، وشرٌّ بمعنى أَشَرّ، وقد عُلِمَ أن خيرًا وشرًّا يستعملان للتفضيل على صنيعيهما.
قوله: "خمشًا" دعاء عليه بأن يخمش وجهه أو جلده، كما يقال: جدعًا، وصلبًا، وطعنًا، وقطعًا ونحوها من الدعاء بسوء، وهو منصوب بفعلٍ لا يظهر.
قوله: "وأن لا نأكل الصدقة" أراد بها الزكاة.
قوله: "وأن لا نُنْزي" من الإنزاء وثلاثيه نِزَأ بالكسر، وقال الجوهري: يقال ذلك في الحافر والظلف والسباع.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت أبا يزيد المدني يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: "أنه قيل له: إن ناسًا يقرءون في الظهر والعصر، فقال: لو كان لي عليهم سبيل لقلعت ألسنتهم؛ إن النبي ﵇ قرأ، وكانت قراءته لنا قراءةً، وسكوته لنا سكوتًا".
стр. 1696
ش: إسناده صحيح، وجرير هو ابن حازم بن زيد أبو النضر البصري، وأبو يزيد المدني روى له البخاري، وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: لا أعلم له اسمًا.
والحديث أخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي يزيد المدني، عن عكرمة: "أن رجلًا سأل ابن عباس عن القراءة في الظهر والعصر، فقال: قرأ رسول الله ﵇ في صلوات فنقرأ فيما قرأ فيه، ونسكت فيما سكت، فقلت: كان يقرأ في نفسه. فغضب وقال: أتتهمون رسول الله ﵇".
وهذا الحديث لا نعلمه روي إلا عن ابن عباس بهذا اللفظ، ولا نعلم أحدًا تابع ابن عباس على ما تأوله من ذلك.
وأخرجه الطبراني (١): عن محمَّد بن محمَّد، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة ... إلى آخره نحوه رواية البزار غير أن في لفظه "أو تتهم رسول الله ﵇".
وأخرجه أحمد (٢): من حديث إسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: "قرأ رسول الله ﵇ فيما أمر أن يقرأ فيه، وسكت فيما أمر أن يسكت فيه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣) و ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ " (٤).
ص: فذهب قوم إلى هذه الآثار التي رويناها، وقالوا: لا نرى أن يقرأ أحد في الظهر والعصر البتة.
стр. 1697
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سويد بن غفلة والحسن بن صالح وإبراهيم بن عُلية ومالكًا في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار التي رويت عن ابن عباس ﵄ وقلدوها، وقالوا: لا قراءة في الظهر والعصر أصلًا.
ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في القراءة في الصلاة، فقالت طائفة: القراءة في الصلوات مستحبة غير واجبة، وإليه ذهب الأصم وابن عُلية والحسن بن صالح وابن عُيينة، حتى لو لم يقرأ مع القدرة عليها تجزئه صلاته.
وقال الشافعي: فرضٌ في الكل. وقال مالك: فرضٌ في ثلاث ركعات.
وقال الحسن: فرضٌ في واحدة. وقال أصحابنا: فرضٌ في الركعتين من غير تعيين. وقال عياض: فذهب جمهور العلماء إلى وجوب أم القرآن للإمام والفذّ في كل ركعة، وهو مشهور قول مالك، وعنه أيضًا: أنها واجبة في كل الصلاة، وهو قول إسحاق، وعنه: أنها إنما تجب في ركعة. قاله المغيرة والحسن، وعنه: أنها لا تجب في شيء من الصلاة وهو أشذ رواياته، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة يشترط أن يقرأ غيرها من القرآن في جلّ الصلاة، وذهب الأوزاعي إلى أنها تجب في نصف الصلاة، وحكي عن مالك.
ثم اختلف بعد ذلك من لم يُعيّن قراءة أم القرآن في الصلاة ما يجزئه من غيرها من القرآن؟ بعد إجماعهم على أن لا صلاة إلا بقراءة في الركعتين الأولين إلا ما قاله الشافعي فيمن نسي القراءة في صلاته كلها: تجزئه ويعذر بالنسيان على ما روي عن عمر ﵁ (١) ولم يصح عنه، وقد أنكره مالك، وروي أن عمر أعاد (٢)، ثم رجع الشافعي عن هذا.
стр. 1698
وقال أبو حنيفة: يجزئ أن يقرأ آية من القرآن. وقال أصحابه: ثلاثًا أو آية طويلة.
وقال الطبري: سبع آيات بقدر أم القرآن من آيها وحروفها، وذهب أبو حنيفة إلى أن القراءة في الركعتين الأخريين لا تجب، وقاله الثوري والأوزاعي، وخالفهم الجمهور فأوجبوها على اختلاف مذاهبهم، وحكى ابن المواز عن ابن أبي سلمة وربيعة وعلي بن أبي طالب: أن القراءة في الصلاة ليست من فروضها، وإليه ذهب محمَّد بن أبي، وحكى الداودي عن علي وابن أبي سلمة وطائفة أن فرض القراءة مع الذكر، وأما الناسي فيجزئه القيام والركوع والسجود.
وقال أبو عمر (١): وأما اختلاف العلماء في هذا الباب، فإن مالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود وجمهور أهل العلم قالوا: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وقال ابن خوازبنداد المالكي البصري: وهي عندنا متعينة في كل ركعة قال: ولم يختلف قول مالك أنه من نسيها في ركعة من صلاة أو ركعتين أن صلاته تبطل أصلًا ولا تجزئه، واختلف قوله فيمن تركها ناسيًا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية، فقال مرة: يعيد الصلاة ولا تجزئه، وهو قول ابن القاسم وروايته واختياره من قول مالك، وقال مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو وتجزئه، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه، قال: وقد قيل: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام، قال: وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: لا تجزئه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة. وقال أبو حنيفة: والثوري والأوزاعي: إن تركها عامدًا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزاعه على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك، وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها. وقال أبو يوسف ومحمد: ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين، والله أعلم.
стр. 1699
ص: ورَوَوْا ذلك أيضًا عن سويد بن غفلة، كما حدثنا أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن زهير بن معاوية، عن الوليد بن قيس قال: "سألت سويد بن غفلة أيقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا".
ش: أي روى هؤلاء القوم ترك القراءة في الظهر والعصر أيضًا عن سويد بن غفلة بن عوسجة أبي أمية الكوفي المخضرم، وقد روي أنه صلى مع النبي ﵇ ولم يثبت.
وهذا إسناد جيد؛ لأن رجاله ثقات.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا الفضل، عن زهير، عن الوليد بن قيس قال: "سألت سويد بن غفلة، أقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر؟ قال: لا".
ص: فقيل لهم: ما لكم فيما روينا عن ابن عباس حجة، وذلك أن ابن عباس قد روي عنه خلاف ذلك:
حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "لقد حفظت السنة غير أني لا أدري كان رسول الله ﵇ يقرأ في الظهر والعصر أم لا".
فهذا ابن عباس قد أخبر في هذا الحديث أنه لم يتحقق عنده أن رسول الله ﷺ لم يكن يقرأ فيهما وإنما أمر بترك القراءة -فيما تقدمت روايتنا له عنه- لأن رسول الله ﵇ لم يكن يقرأ في ذلك فإذا انتفى أن يكون قد تحقق ذلك عنده عن النبي ﵇ انتفى ما قال من ذلك؛ لأن غيره قد تحقق قراءة رسول الله ﵇ فيهما مما سنذكره في موضعه في هذا الباب إن شاء الله تعالى مع أنه قد روي عن ابن عباس من رأيه ما يدل على خلاف ذلك.
стр. 1700
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس قال: "اقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر".
حدثنا علي، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: سمعت ابن عباس يقول: "لا تُصلي صلاة إلا قرأت فيها ولو بفاتحة الكتاب".
حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي العالية البراء قال: "سمعت ابن عباس أو سئل عن القراءة في الظهر والعصر فقال: هو إمامك فاقرأ منه ما قل وما كثر، وليس من القرآن شيء قليل".
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا سعيد بن أي عروبة، عن أبي العالية، قال: "سألت ابن عباس ... فذكر مثله قال: سألت ابن عمر ﵄ فقال: إني لأستحي أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن أو ما تيسر".
قال أبو جعفر ﵀: فهذا ابن عباس قد روي عنه من رأيه أن المأموم يقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر، وقد رأينا الإِمام يحمل عن المأموم، ولم نر المأموم يحمل عن الإمام شيئًا، فإذا كان المأموم يقرأ، فالأمام أحرى أن يقرأ، مع ما قد روينا عنه أيضًا من أمره بالقراءة فيهما.
ش: أي قيل لهؤلاء القوم المذكورين: ما لكم في ما روينا عن ابن عباس من الآثار المذكورة حجة؛ لأنه قد روي عنه خلاف ذلك، يعني ما يعارضه ويرده، وهو ما رواه الطحاوي عن صالح، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير الواسطي من رجال الجاعة، عن حُصين -بضم الحاء- ابن عبد الرحمن السلمي ابن عم منصور بن المعتمر من رجال الجماعة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
стр. 1701
وأخرجه أبو داود (١): ثنا زياد بن أبي أيوب، ثنا هشيم، أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لا أدري كان رسول الله ﵇ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ ". انتهى.
فقد أخبر في هذا أنه لم يتحقق عنده عدم قراءة رسول الله ﵇ في الظهر والعصر فإذا انتفى تحقق ذلك عنده عن النبي ﵇ انتفى ما قاله أيضًا من ذلك القول؛ لأن غيره من الصحابة قد تحققوا قراءة رسول الله ﵇ في الظهر والعصر، إلى ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.
وقال الخطابي في جواب هذا: إنه وهم من ابن عباس ﵄ لأنه قد ثبت عن النبي ﵇ أن كان يقرأ في الظهر والعصر من طرق كثيرة، كحديث أبي قتادة وخباب بن الأرت وغيرهما.
قلت: عندي جواب أحسن من هذا مع رعاية الأدب في حق ابن عباس ﵄ وهو أن ابن عباس استند في هذا أولًا على قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) وهو مجمل بيَّنه ﵇ -بفعله، ثم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣) والمرئي هو الأفعال دون الأقوال والصلاة اسمًا للفعل في حق الظهر والعصر، وللفعل والقول في حق غيرهما, ولم يبلغ ابن عباس قراءته ﵇ في الظهر والعصر، فلذلك قال في جواب عبد الله بن عبيد الله: لا. فلما بلغه خبر قراءته ﵇: فيهما، وثبت عنده رجع من ذلك القول.
والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر".
стр. 1702
وإسناده صحيح.
قوله: "مع أنه قد روي عن ابن عباس من رأيه ما يدل على خلاف ذلك" أي على أن الشأن قد روي عن ابن عباس من رأيه واجتهاده ما يدل على خلاف ذلك القول الذي احتجت به أهل المقالة الأولى.
وهو قوله: "أقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر، وقد علم أن الإِمام كان يحمل عن المأموم من غير عكس فإذا كان المأموم يقرأ مع تحمل القراءة عنه غيره فبالأولى أن تجب قراءة الإِمام الذي لا يحمل عنه أحد.
ثم إنه أخرج ذلك عن أربع طرق صحاح برجال الثقات:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد أبي عبد الله البجلي الكوفي، واسم أبي خالد: هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير.
عن العيراز بن حريث العبدي الكوفي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث العبدي، عن ابن عباس قال: "أقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب".
قوله: "اقرأ" على صورة الأمر، من قَرَأ يقرأ.
الثاني: عن علي بن شيبة أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن يونس ابن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمْدَاني السبيعي، عن العيزار بن حريث ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: سمعت ابن عباس يقول: "لا تصلين صلاة حتى تقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ولا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة".
стр. 1703
الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمَّد بن حفص القرشي التيمي أبي عبد الرحمن البصري المعروف بأبي عائشة، وعن موسى بن إسماعيل المِنْقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي العالية البراء البصري قيل: اسمه زياد، وقيل: كلثوم، وقيل: أذينة، روى له الشيخان، والبراء -بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء- على وزن فعال، وكان يبري النبل فسمي بذلك.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن أيوب، عن أبي العالية: "سألت ابن عباس، فقال: اقرأ منه ما قلَّ أو كثر وليس من القرآن قليل".
قوله: "هو إمامك" أي القراءة أمامك، وذكر الضمير باعتبار القرآن.
قوله: "وليس من القرآن شيء قليل" أراد أن كله في القدر سواء، ولا يوصف جزء من القرآن بالقلة؛ لأنها تنبئ عن الحقارة.
الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سعيد بن أبي عروبة مهران، عن أبي العالية البراء.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي العالية البراء قال: "قلت لابن عمر: أفي كل ركعة أقرأ؟ فقال: إني لأستحي من رب هذا البيت أن لا أقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وما تيسر. وسألت ابن عباس فقال: هو إمامك، فإن شئت فأقلَّ منه، وإن شئت فأكثر".
ص: فأما ما روي عن النبي ﵇ خلاف ما رواه ابن عباس ﵄ من ذلك؛ فإن أبا بكرة بكّار بن قتيبة؛ حدثنا، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه أخبره:؛ أن رسول الله ﵇ كان يقرأ في الظهر والعصر، فيسمعنا الآية أحيانًا".
стр. 1704
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ بأم القرآن وسورتين معها في الأوليين من صلاة الظهر والعصر ويسمعنا الآية أحيانًا".
ش: شرع في بيان ما وعد ببيانه بقوله: "لأن غيره قد تحقق قراءة رسول الله ﵇ فيهما مما سنذكره في موضعه من هذا الباب" وروى ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم أبو قتادة واسمه الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله ﵇.
وأخرج حديثه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكّار بن قتيبة القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتوائي أبي بكر النصري -بالنون- واسم أبي عبد الله سَنْبر.
عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل. عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
وأخرجه البخاري (١): ثنا المكي بن إبراهيم، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "كان النبي ﵇ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا".
ومسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام وأبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه، وفي آخره "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب".
стр. 1705
وأبو داود (١): ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله.
ونا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن الحجاج -وهذا لفظه- عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة -قال ابن المثنى: وأبي سلمة- ثم اتفقا على أبي قتادة قال: "كان النبي ﵇ يصلي بنا يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح". لم يذكر مسدد فاتحة الكتاب وسورة.
والنسائي (٢): أخبرني يحيى بن درست، قال: ثنا أبو إسماعيل، قال: ثنا خالد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "كان يصلي بنا الظهر فيقرأ في الركعتين الأوليين، فيسمعنا الآية كذلك، وكان يطيل الركعة في صلاة الظهر، والركعة الأولى يعني من صلاة الصبح".
وابن ماجه (٣): ثنا بشر بن هلال الصواف، ثنا يزيد بن زريع، نا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ بنا في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، ويسمعنا الآية أحيانًا".
قوله: "في الظهر" أي في صلاة الظهر وصلاة العصر.
قوله: "أحيانًا" أي في بعض الأحيان، وهو جمع حين وهو الوقت.
وهذا محمول على أنه أراد بيان جواز الجهر في القراءة السرية وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سُنَّة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر.
الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره.
стр. 1706
وأخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا عمران بن يزيد بن خالد بن مسلم يعرف بابن أبي جميل الدمشقي، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبد الله بن أبي قتادة، قال: ثنا أبي: "أن رسول الله ﵇ كان يقرأ بأم القرآن وسورتين في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطيل في الركعة الأولى".
الثالث: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني أبي بكر السكري شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، وثقه ابن يونس وابن أبي حاتم.
عن الوليد بن مسلم الدمشقي من رجال الجماعة، عن الأوزاعي ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ كان يقرأ بأم القرآن وسورتين معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطول في الركعة الأولى".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمَّد، عن الزهري، عن عبد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ "أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بأم القرآن وقرأن، وفي العصر مثل ذلك، وفي الآخريين منهما بأم القرآن، وفي المغرب في الأوليين بأم القرآن وقرآن، وفي الثالثة بأم القرآن" قال عبيد الله: فأراه قد رفعه إلى النبي ﵇.
ش: خطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبو عمر الحمصي، شيخ البخاري.
وإسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشين المعجمة- بن سليم الحمصي أبو عتبة العنسي -بالنون- تكلم فيه ناس ولكنه ثقة، قال الفسوي:
стр. 1707
تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا يغرب عن ثقات الحجازيين. قال دحيم: هو في الشاميين غاية، وخلط عن المدنين. وروى له الأربعة.
ومسلم بن خالد بن قرقرة، ويقال: ابن جرجة، أبو خالد المكي المعروف بالزنجي شيخ الشافعي، ضعيف قاله يحيى، وعنه: ثقة. وعنه: ليس به بأس. وقال أبو داود: ضعيف. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. روى له أبو داود وابن ماجه.
وجعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أبو عبد الله المدني الصادق شيخ أبي حنيفة ﵁ من ثقات الناس، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
والزهري هو محمَّد بن مسلم.
وعُبيد الله بن أبي رافع المدني مولى النبي ﵇، واسم أبي رافع: أسلم، أو إبراهيم، أو هرمز، أو ثابت، وقد تكرر ذكره، وسماعه عن علي ﵁ صحيح، قاله البيهقي، وكان كاتبًا لعلي ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة؛ وعبد الرزاق في مصنفيهما مختصرًا موقوفًا.
فابن أبي شيبة (١): عن عبد الأعلى، عن عمه، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ أنه كان يقول: "يقرأ الإِمام ومن خلفه في الظهر والعصر في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".
وعبد الرزاق (٢): عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: "كان -يعني عليًّا ﵁- يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين".
стр. 1708
وكذلك أخرجه الدارقطني في "سننه" والبيهقي في "المعرفة" موقوفًا.
فالدارقطني (١): عن محمَّد بن مخلد، عن محمد بن إسحاق الصاغاني، عن شاذان، عن شعبة، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن ابن أبي رافع، عن أبيه، عن على: "أنه كان يأمر أو يحب أو يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب خلف الإِمام".
والبيهقي (٢): عن أبي عبد الله الحافظ، عن محمَّد بن أحمد بن حمدان، عن جعفر ابن أحمد بن نصر الحافظ، عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زويع، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي قال: "اقرأ في صلاة الظهر والعصر خلف الإِمام بفاتحة الكتاب وسورة".
وكذلك رواه يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، دون ذكر أبيه فيه.
قوله: "بأم القرآن" أراد بها فاتحة الكتاب، وسميت بأم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد، ولها أسامي أخرى كثيرة.
قوله: "وقرآن" بالجرِّ عطفًا على قوله: "بأم القرآنِ" وأراد به سورة، ونحوها من آية طويلة أو ثلاث آيات قصار.
قوله: "في العصر مثل ذلك" أي مثل ما كان يقرأ في الظهر.
قوله: "فأُراه" أي: أرُى عليًّا، أي: أظنه أنه قد رفع الحديث إلى النبي ﷺ .
وقد أخرجه مرفوعًا.
ويستفاد منه: وجوب القراءة في الظهر والعصر، ووجوب ضم السورة إلى الفاتحة والاكتفاء في الركعة الثالثة من المغرب بسورة الفاتحة، وكذلك في الأخريين من الظهر والعصر.
стр. 1709
ويستفاد من رواية عبد الرزاق: أن القراءة ليست بواجبة في الأخريين منهما، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، حتى لو سبح فيهما جاز، وكذا لو سكت، ولكنه مكروه.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: "أنه كان يقرأ في الأولين ويسبح في الأخريين". وكفى بعلي حجة في هذا.
وأخرج أيضًا (٢): عن جرير، عن منصور وقال: "قلت لإبراهيم: ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة؟ قال: سبح وأحمد الله وكبر".
وروى محمَّد بن الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة في الأخريين واجبة، حتى لو تركها ساهيًا تلزمه سجدة السهو.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي ﵇ فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة النبي ﵇ فيما لم يجهر فيه من الصلوات، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر قراءة ثلاثين آية، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وفي صلاة العصر في الركعتين الأوليين على قدر النصف من الأوليين في الظهر، وفي الركعتين الأخريين على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور بن زاذان، عن الوليد أبي بشر العنبري، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﵇ يقوم في الظهر في الركعتين الأوليين في
стр. 1710
كل ركعة قدر قراءة ثلاثين آية، وفي الأخريين بنصف ذلك، وكان يقوم في العصر في الركعتين الأوليين قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك".
حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أنا يعقوب بن إبراهيم الدسوقي، قال أنا هشيم، قال: ثنا منصور بن زاذان، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نحزر قيام رسول الله ﵇ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الظهر قدر ثلاثين آية قدر سورة السجدة في الركعتين الأوليين، وفي الآخريين على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين من العصر على النصف من ذلك.
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن زيد بن الحواري العمي البصري قاضي هراة في ولاية قتيبة بن مسلم فيه مقال؛ فعن أحمد: صالح. وعن يحيى: لا شيء. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وروى له الأربعة، وإنما سمي العمي لأنه كان كلما سئل عن شيء قال: حتى أسأل عمي.
عن أبي نضرة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي ثم العوقي البصري من رجال الجماعة، غير أن البخاري استشهد به.
عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا يحيى بن حكيم، نا أبو داود الطيالسي، نا المسعودي ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر
стр. 1711
بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر".
قوله: "تعالوا" أمر من تعالى يتعالى، وهو الارتفاع، يقال: تعالى تعاليًا، تعالَوا -بفتح اللام- تعالى تعاليا تعالين ولا يستعمل منه النهي وغيره، ويقال: قد جاء تعاليتُ وأتعالى.
قوله: "وقاسوا ذلك" إشارة إلى القراءة، والتذكر باعتبار القرآن.
قوله: "ومن صلاة العصر في الركعتين" إلى آخره أراد أن الذي قرأ في الأوليين من العصر قاسوه فجاء على قدر النصف من الذي كان قرأه في الأوليين من الظهر، وكان الذي قاسوا ما قرأه في الأوليين من الظهر مقدار ثلاثين آية، فيكون الذي قرأه في الأوليين من العصر مقدار خمسة عشر آية.
قوله: "وفي الركعتين الأخريين على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر، أراد أن الذي قرأ في الركعتين الأخريين من العصر قاسوه فجاء على قدر النصف من الذي كان قرأ به في الأخريين من الظهر، وكان الذي قاسوا ما قرأه في الأخريين من الظهر مقدار خمسة عشر آية، فيكون الذي قرأه في الأخريين من العصر مقدار سبع آيات أو ثماني آيات.
قال الذهبي عقيب هذا الحديث: هذا غريب فرد، وهو مشكل، وكيف يكون زمان الأخريين من الظهر في طول الأوليين من العصر؟!
وقد استدل به بعض أصحابنا على أنه يقرأ في الأوليين من الظهر ثلاثين آية، وكذا من الصبح؛ لاستوائها في سعة الوقت، وفي العصر يقرأ بخمسة عشر آية.
وقال صاحب "الهداية": ويقرأ في الحضر في الفجر بأربعين آية أو خمسين آية سوى فاتحة الكتاب، ويروى: من أربعين إلى ستين، ومن ستين إلى مائة، وبكل ذلك ورد الأثر.
стр. 1712
وجه التوفيق: أنه يقرأ بالراغبين مائة وبالكسالى أربعين، وبالأوسط ما بين خمسين إلى ستين. وقيل: ننظر إلى طول الليالي وقصرها، وإلى كثرة الأشغال وقلتها، قال: وفي الظهر مثل ذلك -أي مثل الفجر- وقال في "الأصل": أو دونه لأنه وقت الأشغال فينقص عنه تحررا عن الملال، والعصر والعشاء سواء، يقرأ فيها بأوساط المفصل، وفي المغرب دون ذلك يقرأ فيها بقصار المفصل، والأصل فيه كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: "أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل".
قلت: هذا بهذا اللفظ غريب لم يثبت.
والصحيح ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره قال: "كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل".
وقال الترمذي (٢) في باب "القراءة في الصبح": وروي عن عمر: "أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل".
ثم قال (٣) في الباب الذي يليه: وروي عن عمر: "أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل".
ثم قال (٤) في الباب الذي يليه: وروي عن عمر: "أنه كتب إلى أبي موسى أن أقرأ في المغرب بقصار المفصل".
والثاني: عن ابن مرزوق، عن حبان -بفتح الحاء- بن هلال الباهلي البصري، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن منصور بن زاذان الواسطي، عن
стр. 1713
الوليد بن مسلم بن شهاب أبي بشر العنبري البصري، عن أبي الصديق الناجي -بالنون والجيم- نسبة إلى ناجية قبيلة واسمه بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس البصري.
وهذا إسناد صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه مسلم (١): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن الوليد أبي بشر، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الآخريين قدر خمس عشرة آية -أو قال: نصف ذلك- وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الآخريين قدر نصف ذلك".
الثالث: عن أحمد بن شعيب النسائي الحافظ صاحب "السنن" المشهورة، عن يعقوب بن إبراهيم الدروقي، نسبة إلى دورق أراه من بلاد فارس قاله ابن قرقول، وقال الصغاني: دورق حصن على نهر من الأنهار المتشعبة من دجلة، انتقل من البصرة، ودورق بلدة بخوزستان، والدورق مكيال للشراب، وأهل مكة يسمون الجرة ذات العروة التي تقلّ باليد: الدورق، وهو صاحب المسند، وشيخ الجماعة.
عن هشيم بن بشير، عن منصور بن زاذان ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد الله بن محمَّد، ثنا هشيم، أنا منصور ... إلى آخره نحوه، مع اختلاف يسير في اللفظ.
قوله: "نحزر" من حَزَرْتُ الشيء أحْزُرُه وأحزِرُه -بالضم والكسر- حَزْرًا، أي قدرت وخرصت.
وقوله: "سورة السجدة" وهي سورة ألم تنزيل السجدة، وهي مكية، ثلاثون آية عند أهل الكوفة والمدينة، وتسع وعشرون عند أهل البصرة، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وألف وخمس مائة وثماني عشر حرفًا.
стр. 1714
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا حماد، عن سماك، عن جابر بن سمرة: "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، ونحوهما من السور".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ويونس بن محمَّد بن مسلم البغدادي، وحماد هو ابن سلمة، وسماك هو ابن حرب الكوفي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد ... إلى آخره نحوه سواء.
والترمذي (٢): عن أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "وشبههما" موضع: "ونحوهما" وقدم والسماء ذات البروج على الطارق.
وقال: حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح.
والنسائي (٣) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن حماد ... إلى آخره نحو رواية الترمذي.
وسورة البروج مكية، وهي اثنتان وعشرون آية، ومائة وتسع كلمات، وأربع مائة وثمان وخمسون حرفًا.
وسورة الطارق مكية أيضًا، وهي سبع عشرة آية، وإحدى وستون كلمة، ومائتان وتسع وثلاثون حرفًا.
وقد تعلق بعضهم بظاهر الحديث أن تطويل الركعة الثانية على الأولى غير مكروه؛ لأن البروج أطول من الطارق، وهذا فاسدٌ؛ لأن الواو لا تدل على الترتيب بل المراد أنه كان يقرأ في الركعة الأولى البروج، وفي الثانية الطارق، كما صرح به في روايتي الترمذي والنسائي، ومعنى روايتي الطحاوي وأبي داود على هذا، فافهم.
стр. 1715
ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا عارم، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين ﵁ قال: "قرأ رجل خلف النبي ﵇ في الظهر أو العصر، فلما انصرف قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ قال رجل: أنا. قال: لقد علمت أن بعضكم قد خالجنيها".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن سعيد بن أتيت عروبة، عن قتادة، أن زرارة حدثهم، عن عمران بن حصين، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران، عن النبي أن ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن ابن خشيش -بضم الخاء وفتح الأولى من الشينين المعجمات بينهما ياء آخر الحروف ساكنة-.
عن عارم بالمهملتين، وهو لقب محمَّد بن الفضل السدوسي، عن أبي عوانة الوضاح، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى العامري الحرشي أبي حاجب البصري قاضي البصرة، عن عمران ﵁.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو الوليد الطيالسي. ونا شعبة.
ونا محمَّد بن كثير العبدي، أنا شعبة -المعنى- عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين: "أن النبي ﵇ صلى الظهر، فجاء رجل فقرأ خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما فرغ قال: أيكم قرأ؟ قالوا: رجل، قال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" انتهى.
стр. 1716
أي: نازعني قراءتها، وقال الخطابي: جاذبنيها، والخلج: الجذب وهذا وقوله: نازعينها سواء، وإنما أنكر عليه مجاذبته إياه في قراءة؛ السورة حتى تداخلت القراءتان وتجاذبتا.
قلت: وإنما ذكر من باب المفاعلة ليدل على المشاركة؛ لأن الخلج الجذب بسرعة فنقل إلى المخالجة لتدل على المشاركة، ومنه الخليج وهو نهر يساق من النهر الأعظم إلى موضع؛ لأنه اختلج منه، أي جذب.
وقال الخطابي: وأما قراءة الفاتحة فإنه مأمور بها على كل حال إن أمكنه أن يقرأ في السكتتين فعل وإلا قرأ معه لا محالة.
قلت: يرده إطلاق الأحاديث المذكورة من هذا وقوله ﵇: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة".
أخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١) وغيره.
الثاني: عن ابن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي الفقيه الكبير، عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران.
وأخرجه مسلم (٢): [ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية] (٣). (ح)
ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى يحدث، عن عمران بن الحصين ﵁: "أن رسول الله ﵇ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما
стр. 1717
انصرف، قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها".
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا هدبة بن خالد، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- فقال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا، فقال: قد عرفت أن رجلًا خالجنيها".
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أبنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين قال: "صلى النبي ﵇ الظهر، فقرأ رجل خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما صلى قال: من قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ قال رجل: أنا، قال: لقد علمت أن بعضكم قد خالجنيها".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا محبوب بن الحسن بن هلال [بن أبي زينب] (٤) قال: ثنا خالد، عن زرارة بن أوفى القشيري، عن عمران بن حصين قال: "صلى رسول الله ﵇ صلاة الظهر، فلما انصرف قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ قال بعض القوم: أنا يا رسول الله، قال: لقد عرفت أن بعضكم خالجنيها".
стр. 1718
وأخرجه الدارقطني (١): ثنا أحمد بن نصر بن سندويه، نا يوسف بن موسى، نا سلمة بن الفضل، ثنا الحجاج بن أرطأة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "كان النبي ﵇ يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني بسورتهم؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإِمام".
ولم يقل هكذا غير حجاج وخالفه أصحاب قتادة، منهم: شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا أنه نهاهم عن القراءة، وحجاج لا يحتج به.
قلت: قال عثمان الدارمي عن يحيى: حجاج بن أرطاة في قتادة صالح. وقال شعبة: اكتبوا عن حجاج وابن إسحاق؛ فإنهما حافظان، غاية ما في الباب عابوا فيه إرساله، وروى له مسلم مقرونًا بغيره واحتج به الأربعة.
ص: حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سليمان التيميم، عن في مجلز، عن ابن عمر ﵁ قال: -ولم أسمعه منه- "أن النبي ﵇ سجد في صلاة الظهر، قال: فرأى أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن بحر إلا أنه مرسل؛ لأن [أبا] (٢) مجلز -وهو لاحق بن حميد السدوسي البصري الأعور- صرح بأنه لم يسمعه من ابن عمر ﵄.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٣) منقطعًا حيث قال: ثنا يزيد بن هارون، قال. أنا التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أنه قرأ في صلاة الظهر سجدة فسجد، فرأوا أنه قرأ: ألم تنزيل السجدة"، قال: ولم يسمعه التيمي من أبي مجلز.
وقد عرف أن المرسل والمنقطع كل منهما لا تقوم به حجة إلا إذا كان له طريق آخر مسند صحيح.
стр. 1719
ويستفاد منه: وجوب القراءة في الظهر؛ لأنه ﵇ لو لم يقرأ لما سجد سجدة التلاوة، وإخفاء القراءة فيه، ووجوب سجدة التلاوة في ألم تنزيل السجدة، وأنها إذا وجبت على الإِمام تجب، وأن السجدة الصلاتيَّة تؤدى فيها.
ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ يؤمنا فيجهر ويخافت، فجهرنا فيما جهر وخافتنا فيما خافت، وسمعته يقول: لا صلاة إلا بقراءة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا سهل بن بكّار، قال: ثنا أبو عوانة، عن رقبة، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: "في كل الصلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله ﵇ أسمعنكم، وما أخفاه علينا أخفيناه عليكم".
حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة مثله.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول ... فذكر نحوه.
حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء ... فذكره مثله بإسناده.
حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة، مثله.
ش: هذه ستة طرق عن أبي هريرة:
الأول: عن عبد الرحمن بن الجارود أبي بشر الكوفي ثم البغدادي، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار. واسمه باذام العبسي أبي محمَّد الكوفي شيخ البخاري وأحمد.
عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، فعن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعّفه. وعن ابن معين: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: محله الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به. وروى له الأربعة.
стр. 1720
عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﵇ -يؤمنا، فيجهر ويخافت ... " إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "فيجهر" أي في بعض الصلوات كالمغرب والعشاء والصبح والجمعة وصلاة العيد.
و"يخافت" أي يسر بالقراءة في بعضها كالظهر والعصر، وهو من الخفت وهو ضد الجهر، من خَفَتَ يَخْفِتُ خَفْتَا ويُخَافِت من المُخَافَتة، وهي المفاعلة، ولا يدل على المشاركة؛ لأنه بمعنى الثلاثي كالمسافرة بمعنى السفر، والمسارعة بمعنى الإسراع.
قوله: "لا صلاة" أي لا صلاة جائزة أو صحيحة إلا بقراءة القرآن، وهو يتناول سائر الصلوات من الفرائض والنوافل؛ لأن النكرة في موضع النفي تعم.
ويستفاد منه: أن بعض الصلوات يجب الإخفاء فيها بالقراءة، وبعضها الجهر بها، وأن كمال الصلاة بالمتابعة، وأن جميع الصلوات لا تجوز إلا بالقراءة ردا على من أنكر وجوبها فيها مطلقًا، أو في الظهر والعصر عند البعض، وأن المراد من القرآن مطلق القراءة سواء كان فاتحة الكتاب أو غيرها. فافهم.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سهل بن بكّار بن بشر الدارمي البصري المكفوف شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن رقبة بن مِصْقلة -بكسر الميم، وسكون الصاد ويقال بالسين- العبدي الكوفي من رجال الجماعة، ابن ماجه في التفسير.
عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة.