← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أي: نازعني قراءتها، وقال الخطابي: جاذبنيها، والخلج: الجذب وهذا وقوله: نازعينها سواء، وإنما أنكر عليه مجاذبته إياه في قراءة؛ السورة حتى تداخلت القراءتان وتجاذبتا. قلت: وإنما ذكر من باب المفاعلة ليدل على المشاركة؛ لأن الخلج الجذب بسرعة فنقل إلى المخالجة لتدل على المشاركة، ومنه الخليج وهو نهر يساق من النهر الأعظم إلى موضع؛ لأنه اختلج منه، أي جذب. وقال الخطابي: وأما قراءة الفاتحة فإنه مأمور بها على كل حال إن أمكنه أن يقرأ في السكتتين فعل وإلا قرأ معه لا محالة. قلت: يرده إطلاق الأحاديث المذكورة من هذا وقوله ﵇: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة". أخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١) وغيره. الثاني: عن ابن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي الفقيه الكبير، عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران. وأخرجه مسلم (٢): [ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية] (٣). (ح) ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى يحدث، عن عمران بن الحصين ﵁: "أن رسول الله ﵇ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما

стр. 1717

انصرف، قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها". الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا هدبة بن خالد، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- فقال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا، فقال: قد عرفت أن رجلًا خالجنيها". وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أبنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين قال: "صلى النبي ﵇ الظهر، فقرأ رجل خلفه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما صلى قال: من قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ قال رجل: أنا، قال: لقد علمت أن بعضكم قد خالجنيها". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا محبوب بن الحسن بن هلال [بن أبي زينب] (٤) قال: ثنا خالد، عن زرارة بن أوفى القشيري، عن عمران بن حصين قال: "صلى رسول الله ﵇ صلاة الظهر، فلما انصرف قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ قال بعض القوم: أنا يا رسول الله، قال: لقد عرفت أن بعضكم خالجنيها".

стр. 1718

وأخرجه الدارقطني (١): ثنا أحمد بن نصر بن سندويه، نا يوسف بن موسى، نا سلمة بن الفضل، ثنا الحجاج بن أرطأة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "كان النبي ﵇ يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني بسورتهم؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإِمام". ولم يقل هكذا غير حجاج وخالفه أصحاب قتادة، منهم: شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا أنه نهاهم عن القراءة، وحجاج لا يحتج به. قلت: قال عثمان الدارمي عن يحيى: حجاج بن أرطاة في قتادة صالح. وقال شعبة: اكتبوا عن حجاج وابن إسحاق؛ فإنهما حافظان، غاية ما في الباب عابوا فيه إرساله، وروى له مسلم مقرونًا بغيره واحتج به الأربعة. ص: حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سليمان التيميم، عن في مجلز، عن ابن عمر ﵁ قال: -ولم أسمعه منه- "أن النبي ﵇ سجد في صلاة الظهر، قال: فرأى أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن بحر إلا أنه مرسل؛ لأن [أبا] (٢) مجلز -وهو لاحق بن حميد السدوسي البصري الأعور- صرح بأنه لم يسمعه من ابن عمر ﵄. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣) منقطعًا حيث قال: ثنا يزيد بن هارون، قال. أنا التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أنه قرأ في صلاة الظهر سجدة فسجد، فرأوا أنه قرأ: ألم تنزيل السجدة"، قال: ولم يسمعه التيمي من أبي مجلز. وقد عرف أن المرسل والمنقطع كل منهما لا تقوم به حجة إلا إذا كان له طريق آخر مسند صحيح.

стр. 1719

ويستفاد منه: وجوب القراءة في الظهر؛ لأنه ﵇ لو لم يقرأ لما سجد سجدة التلاوة، وإخفاء القراءة فيه، ووجوب سجدة التلاوة في ألم تنزيل السجدة، وأنها إذا وجبت على الإِمام تجب، وأن السجدة الصلاتيَّة تؤدى فيها. ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ يؤمنا فيجهر ويخافت، فجهرنا فيما جهر وخافتنا فيما خافت، وسمعته يقول: لا صلاة إلا بقراءة". حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا سهل بن بكّار، قال: ثنا أبو عوانة، عن رقبة، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: "في كل الصلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله ﵇ أسمعنكم، وما أخفاه علينا أخفيناه عليكم". حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة مثله. حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول ... فذكر نحوه. حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء ... فذكره مثله بإسناده. حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة، مثله. ش: هذه ستة طرق عن أبي هريرة: الأول: عن عبد الرحمن بن الجارود أبي بشر الكوفي ثم البغدادي، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار. واسمه باذام العبسي أبي محمَّد الكوفي شيخ البخاري وأحمد. عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، فعن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعّفه. وعن ابن معين: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: محله الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به. وروى له الأربعة.

стр. 1720

عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﵇ -يؤمنا، فيجهر ويخافت ... " إلى آخره نحوه سواء. قوله: "فيجهر" أي في بعض الصلوات كالمغرب والعشاء والصبح والجمعة وصلاة العيد. و"يخافت" أي يسر بالقراءة في بعضها كالظهر والعصر، وهو من الخفت وهو ضد الجهر، من خَفَتَ يَخْفِتُ خَفْتَا ويُخَافِت من المُخَافَتة، وهي المفاعلة، ولا يدل على المشاركة؛ لأنه بمعنى الثلاثي كالمسافرة بمعنى السفر، والمسارعة بمعنى الإسراع. قوله: "لا صلاة" أي لا صلاة جائزة أو صحيحة إلا بقراءة القرآن، وهو يتناول سائر الصلوات من الفرائض والنوافل؛ لأن النكرة في موضع النفي تعم. ويستفاد منه: أن بعض الصلوات يجب الإخفاء فيها بالقراءة، وبعضها الجهر بها، وأن كمال الصلاة بالمتابعة، وأن جميع الصلوات لا تجوز إلا بالقراءة ردا على من أنكر وجوبها فيها مطلقًا، أو في الظهر والعصر عند البعض، وأن المراد من القرآن مطلق القراءة سواء كان فاتحة الكتاب أو غيرها. فافهم. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سهل بن بكّار بن بشر الدارمي البصري المكفوف شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن رقبة بن مِصْقلة -بكسر الميم، وسكون الصاد ويقال بالسين- العبدي الكوفي من رجال الجماعة، ابن ماجه في التفسير. عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة.

стр. 1721

وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن قدامة، قال: ثنا جرير، عن رقبة، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: "كل صلاة يقرأ فيها، فما أسمعنا رسول الله ﵇ أسمعناكم، وما أخفاها أخفينا منكم". قوله "في كل صلاة قراءة" أي تجب في جميع الصلوات قراءة القرآن، سواء كانت فرضًا أو نفلًا، وسواء كانت مما يجهر بها أو مما يخافت فيها. وقوله في رواية النسائي: "يُقرأ فيها" على صيغة المجهول أي يقرأ القرآن، وروي نقرأ -بالنون- أي: نحن نقرأ؛ فدل الحديث على الجهر والإخفاء، وأجمعت الأمة على الجهر بالقراءة في الصبح، وأولتي المغرب والعشاء، والجمعة، وعلى الإسرار في الظهر والعصر، وثالثة المغرب، وأخريي العشاء. واختلفوا في العيد: فعندنا والشافعي يجهر. وفي الاستسقاء: فعند أبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد: يجهر فيها بالقراءة. وفي الكسوف والخسوف فلا جهر فيهما عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف وأحمد: فيهما الجهر. وقال الشافعي: في الكسوف يسّر، وفي الخسوف يجهر. وأما بقيّة النوافل ففي النهار لا جهر فيها، وفي الليل يتخير. وقال النووي: وفي نوافل الليل قيل: يجهر فيها، وقيل: يخير بين الجهر والإسرار. الثالث: عن محمَّد بن النعمان السقطي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن يزيد بن زريع البصري، عن حبيب بن أبي قريبة المعلم أبي محمَّد البصري، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. وإسناده على شرط مسلم. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: "في كل صلاة قراءة فما أسمعنا ﷺ

стр. 1722

أسمعناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم، فمن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت منه، ومن زاد فهو أفضل". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة يقول: "في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﵇ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير". الخامس: عن محمَّد بن النعمان، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد أبي بكر الحميدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "في كل صلاة قراءة، فما أسمعناه رسول الله ﵇ أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم، فسمعته يقول: لا صلاة إلا بقراءة". السادس: عن محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن قيس بن سعد وعمارة بن ميمون وحبيب، عن عطاء بن أبي رباح، أن أبا هريرة قال: "في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا النبي ﵇ أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا عليكم".

стр. 1723

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، قال: أخبرني أبو عبيدة، عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ". ش: إسناده صحيح وسعيد بن سليمان هو المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود. وعبَّاد -على وزن فَعَّال بتشديد العين (١) - وكذلك العوَّام، روى له الجماعة. وسفيان بن حسين بن حسن الواسطي روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا. وأبو عبيدة ذكره البخاري في "الكنى" المجردة، وقال الحاكم أبو أحمد: خليقًا أن يكون أبو عبيدة حميد الطويل، كناه سفيان بن حسين بكنيته، وخفي ذلك على محمَّد بن إسماعيل البخاري، وقد حدث سفيان هذا عن حميد الطويل. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: هو حميد الطويل. وأخرجه النسائي (٢): أنا محمَّد بن شجاع المروذي، قال: ثنا أبو عبيدة، عن عبد الله بن عبيد، قال: سمعت أبا بكر بن النضر، قال: "كنا بالطف عند أنس فصلى بهم الظهر، فلما فرغ قال: إني صليت مع رسول الله ﵇ صلاة الظهر، فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ". وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): موقوفًا عن حماد بن مسعدة (٤)، عن حميد قال: "صليت خلف أنس بن مالك الظهر، فقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وجعل يسمعنا الآية".

стр. 1724

ص: وقد احتج قوم في ذلك أيضًا مع ما ذكرنا بما قد روي عن خباب بن الأرت. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، قال: "قلت لخباب بن الأرت: أكان رسول الله ﵇ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلت: بأي شيء كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا شريك وأبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ... فذكر بإسناده مثله. قال أبو جعفر ﵀: فلم يكن في هذا دليل عندنا على أنه قد كان يقرأ فيهما؛ لأنه قد يجوز أن تضرب لحيته بتسبيح يسبحه، أو دعاء أو غيره، ولكن الذي حقق القراءة منه في هاتين الصلاتين من قد روينا عنه الإشارة التي في الفصل الذي قبل هذا. ولما ثبت بما ذكرنا عن رسول الله ﵇ تحقيق قراءته في الظهر والعصر، وانتفى ما روي عن ابن عباس ﵁ مما يخالف ذلك؟ رجعنا إلى النظر بعد ذلك هل نجد فيه ما يدل على صحة أحد القولين اللذين ذكرنا، فاعتبرنا ذلك، فرأينا القيام في الصلاة فرضًا وكذلك الركوع والسجود، وهذا كله من فرض الصلاة وهي به مضمنة لا تجزئ الصلاة إذا ترك شيء من ذلك، وكان ذلك في سائر الصلوات سواء، ورأينا القعود الأول مسنة لا اختلاف فيه فهو في كل الصلوات سواء، ورأينا القعود الأخير فيه اختلاف بين الناس، منهم من يقول: هو فرض، ومنهم من يقول: هو سنة، وكل فريق منهم قد جعل ذلك في كل الصلوات سواء، فكانت هذه الأشياء ما كان منها فرضًا في صلاة فهو فرض في كل الصلوات كذلك، وكان الجهر بالقراءة في صلاة الليل ليس بفرض ولكنه سنة، وليست الصلاة به مضمنة كما كانت مضمنة بالركوع والسجود والقيام، قالك قد ينتفي من بعض الصلوات ويثبت في بعضها، والذي هو فرض والصلاة به مضمنة ولا تجزئ الصلاة إلا

стр. 1725

بإصابته إذا كان في بعض الصلوات فرضًا كان في سائرها كذلك، فلما رأينا القراءة في المغرب والعشاء والصبح واجبة في قول هذا المخالف لا بد منها ولا تجزى الصلاة إلا بإصابتها كان كذلك هي في الظهر والعصر، فهذه حجة قاطعة على من ينفي القراءة من الظهر والعصر ممن يراها فرضًا في غيرهما، وأما من لا يرى القراءة من صلب الصلاة فإن الحجة عليه في ذلك: أنا قد رأينا المغرب والعشاء يقرأ في كلتيهما في قوله، ويجهر في الركعتين الأوليين منهما، ويخافت فيما سوى ذلك. فلما كان سنة ما بعد الركعتين الأوليين هي القراءة، ولم تسقط بسقوط الجهر، كان النظر على ذلك: أن تكون كذلك السنة في الظهر والعصر لما سقط الجهر فيهما بالقراءة أن لا تسقط القراءة؛ قياسًا على ما ذكرنا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أصحاب الأئمة الأربعة، حيث استدلوا على وجوب القراءة في الظهر والعصر بحديث خباب بن الأرت وذلك لأن أبا معمر لما سأل خبابًا: "هل كان رسول الله ﵇ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال له: نعم. فقال: بأي شيء عرفتم ذلك؟ قال خباب: باضطراب لحيته ﷺ ". ولم يرض الطحاوي بهذا الاستدلال، حيث قال: فلم يكن في هذا دليل عندنا على قراءته؛ لاحتمال أن يكون اضطراب لحيته المباركة بالتسبيح أو التهليل أو الدعاء أو بذكر من الأذكار، فلا يتم به الاستدلال مع هذا الاحتمال. هذا ما قاله، ولقائل أن يقول: هذا احتمال بعيد، فلا يضرُّ صحة الاستدلال، وذلك أنه ﵇ قد قال: لا صلاة إلا بقراءة، فكيف يجوز بعد هذا القول أن يترك القراءة ويشتغل بالتسبيح ونحوه، بل الظاهر من الحال هو قراءته ﵇ ولأن المصلي يناجي ربه في صلاته، وقراءة القرآن في حال المناجاة أولى وأجدر من الذكر على ما لا يخفي. قوله: "ولكن الذي حقق": أشار به إلى أن الدليل المرضي عنده في وجوب القراءة في الظهر والعصر هو الأحاديث التي رواها في الفصل الذي قبل هذا، وأراد بها

стр. 1726

أحاديث أبي قتادة وأبي سعيد الخدري وجابر بن سمرة وعمران بن حصين وأبي هريرة وأنس بن مالك ﵃. قوله: "تحقيق قراءته" فاعل لقوله: "ولما ثبت" أي تحقيق قراءة النبي ﵇ في الظهر والعصر، و"انتفى ما روى عن ابن عباس". من قوله: "لا" حين سئل: "هل كان النبي ﵇ يقرأ في الظهر والعصر" الذي مرَّ ذكره في أول الباب، وهو الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وقد ذكر وجه انتفاء هذا فيما مضى مستقصى. قوله: "مما يخالف ذلك" أي الذي ثبت عنه ﵇ من قراءته في الظهر والعصر. قوله: "رجعنا إلى النظر" أي القياس، وأراد أن القراءة في الظهر والعصر لما ثبتت بالدلائل الصحيحة الواضحة، ثبتت بما يؤكدها ويشدها أيضًا من القياس الصحيح، وهو من قوله: "فاعتبرنا ذلك ... " إلى آخر الباب. ملخص ذلك: أن القيام والركوع والسجود من فروض الصلاة بلا خلاف، وأن الصلاة لا تجزئ إلا بها, وليس ذلك في صلاة مخصوصة بل في سائر الصلوات، والقعود الأول سنة بلا خلاف، وهو أيضًا في سائر الصلوات، والقعود الأخير فيه خلاف فمنهم من يقول: هو فرض وهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأكثر العلماء، ومنهم من يقول: هو سنة وهم: مالك ومن تبعه، وهذا أيضًا في سائر الصلوات، فيقول كل ما كان فرضًا في صلاة، فهو فرض في كل صلاة، فالقراءة في العشاءين والصبح فرض لا خلاف فيه بيننا وبين الخصم؛ لأن كلاًّ منها صلاة، فكذلك في الظهر والعصر فرض؛ لأن كلاًّ منهما صلاة، وكان الجهر بالقراءة في صلاة الليل سنة ليس فرضا كالقيام ونحوه فكما انتفى الوجوب ها هنا وهو بعض الصلاة، وكذلك انتفى عن بعضها الآخر وهو الظهر والعصر، وثبت في البعض الآخر وهو الصبح والأوليان من العشاءين، فهذا الذي ذكرنا من الأثر والقياس حجة قاطعة على من ينفي القراءة من الظهر والعصر، ويوجبها في غيرهما، وأما الحجة على من لا يرى القراءة من صلب الصلاة -يعني من ذات الصلاة- أراد: من لم ير القراءة ركنًا من

стр. 1727

أركان الصلاة: أن القراءة يجهر بها في الأوليين من العشاءين في قوله أيضًا: ويخافت فيما سوى ذلك وكان ذلك سنة حيث لم تسقط بسقوط الجهر، فالنظر على ذلك أن تكون السنة كذلك في الظهر والعصر أن لا تسقط القراءة فيهما بسقوط الجهر، فهذا هو وجه القياس والنظر الصحيح والله أعلم. ثم إنه أخرج حديث خباب من طريقين صحيحين على شرط الشيخين: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن قبيصة بن عقبة بن محمَّد السوائي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرة الأزدي الكوفي. وأخرجه البخاري (١): ثنا محمَّد بن يوسف، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر قال: قلت ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غيرأن في لفظه: "بأي شيء كنتم تعلمون قراءته". وأخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "بم كنتم تعرفون". قوله: "باضطراب لحيته" أي بحركتها، وقد جاء في بعض الروايات لحيَيْه -بفتح اللام وباليائين أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة- وهي تثنية "لحي" بفتح اللام وسكون الحاء، وهي منبت اللحية من الإنسان وغيره. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، وأبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، ووكيع بن الجراح، كلهم عن سليمان الأعمش ... إلى آخره.

стр. 1728

وأخرجه ابن أبي شيبة (١): أنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر قال: "قلنا لخباب بأي شيء كنتم تعرفون قراءة رسول الله ﵇ في الظهر والعصر؟ قال: باضطراب لحيته". أبو معاوية: "لحييه". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه. ص: وقد روي ذلك عن جماعة من أصحاب النبي ﵇ كما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: "سمعت من عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ في الظهر والعصر ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ". حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا سفيان بن حسين، قال: سمعت الزهري يحدث عن ابن أبي رافع، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أنه كان يأمر أو يحب أن يقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة سورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: حدثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت أبا مريم الأسدي، يقول: "سمعت ابن مسعود ﵁ يقرأ في الظهر". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان، عن جميل بن مرَّة وحكيم: "أنهم دخلوا على مورق العجلي، فصلى بهم الظهر، فقرأ بقاف والذاريات، اسمعهم بعض قراءته، فلما انصرف قال: صليت خلف ابن عمر ﵄ فقرأ بقاف والذاريات فاسمعنا نحو ما أسمعناكم".

стр. 1729

حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة، قالا: أنا بكر بن عَمرو، أن عبيد الله بن مقسم أخبره، أن ابن عمر قال له: "إذا صليت وحدك فاقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة سورة، وفي الركعتين الأخريين بأم القرآن، فلقيت زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله ﵄، فقالا مثل ما قال ابن عمر ﵄". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عبيد الله بن مقسم قال: "سألت جابر بن عبد الله ﵁ عن القراءة؛ في الظهر والعصر، فقال: أما أنا فاقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة سورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني أسامة بن زيد، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله: "أنه سأله كيف تصنعون في صلاتكم التيم لا تجهرون فيها بالقراءة؛ إذا كنتم في بيوتكم؟ فقال: نقرأ في الأوليين من الظهر والعصر في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، ونقرأ في الأخريين بأم القرآن وندعو". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن عبيد الله بن مقسم، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "إذا صليت وحدك شيئًا من الصلوات فاقرأ في الركعتين الأوليين بسورة مع أم القرآن، وفي الأخريين بأم القرآن". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا مسعر بن كدام، قال: حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: "سمعته يقول: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، قال: وكنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما فوق ذلك، أو فما أكثر من ذلك".

стр. 1730

حدثنا فهد، قال: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن زكرياء، عن عبد الله بن خباب، عن خالد بن عرفطة قال: "سمعت خبابًا يقرأ في الظهر أو العصر إذا زلزلت". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن إبراهيم قال: "سمعت هشام بن إسماعيل على منبر النبي ﵇ يقول: قال أبو الدرداء: اقرءوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". ش: أي قد روي فعل القراءة؛ في الظهر والعصر أيضًا عن جماعة من الصحابة ﵃، وأخرج ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وخباب بن الأرت وأبي الدرداء ﵃. أما أثر عمر: فأخرجه عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن عبيد الله ابن محمد بن حفص المعروف بأبي عائشة، وعن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مَلّ -بفتح الميم وكسرها- نسبة إلى نهد بن زيد بن ليث بن سُود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، قبيلة كبيرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن علية، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي عثمان النهدي، قال: "سمعت من عمر ﵁ نغمة من "قاف" في صلاة الظهر".

стр. 1731

وأما أثر علي بن أبي طالب ﵁: فأخرجه عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس التيمي -وقيل: التميمي- شيخ البخاري، عن شعبة، عن سفيان بن حسين الواسطي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن أبيه أبي رافع مولى النبي ﵇، عن علي ﵁. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه الدارقطني (١): ثنا إسماعيل بن محمَّد الصفار، ثنا عباس بن محمَّد، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا شعبة، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن ابن أبي رافع، عن أبيه: "أن عليًّا ﵁ كان يأمر أو يقول: اقرأ خلف الإِمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". وفي رواية (٢) له: "أقرأ في صلاة الظهر والعصر". وقد ذكرناها فيما مضى عند قوله: "حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمَّد، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ ... " الحديث وهذا الحديث مع إسناده قريب من حديث بكر بن إدريس هذا. وأما أثر ابن مسعود: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء اسمه سليم بن أسود الكوفي، عن أبي مريم الأسدي واسمه عبد الله بن زياد الكوفي. وهذا إسناد صحيح.

стр. 1732

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن أشعث بن سليم، عن أبي مريم الأسدي، عن عبد الله قال: "صليت إلى جنبه فسمعته يقرأ خلف بعض الأمراء في الظهر والعصر". وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه من طريقين صحيحين، وعبد الله بن لهيعة مذكور في الطريق الثاني متابعة. الأول: عن أبي بكرة بكار، عن وهب بن جرير، عن هشام بن حسان الأزدي القردوسي، عن جميل بن مرة الشيباني البصري، وثقه النسائي وروى له أبو داود، وعن حكيم -بفتح الحاء- غير منسوب، الظاهر أنه والد المغيرة بن حكيم من التابعين، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه: "أنهما وجماعة دخلوا على مورق العجلي ... " إلى آخره، ومُوَرِّق -بضم الميم وتشديد الراء المكسورة- بن المُشَمْرج -بضم الميم الأولى، وفتح الشين المعجمة، وسكون الميم، وكسر الراء، وفي آخره جيم- العجلي الكوفي ويقال البصري، روي له الجماعة. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن إدريس، عن هشام، عن جميل بن مرة، عن مورق العجلي قال: "صليت خلف ابن عمر الظهر، فقرأ بسورة مريم". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن معمر، عن قتادة، عن مورق العجلي قال: "كان ابن عمر ﵁ يصلي بهم فيقرأ في الظهر بقاف واقتربت". الثاني: عن إبراهيم بن منقذ، عن عبد الله بن يزيد القصير المقرئ، عن حيوة بن شريح أبي زرعة المصري، وعن عبد الله بن لهيعة، كلاهما عن بكر بن عمرو المعافري المصري، إمام جامعها، عن عبيد الله بن مقسم القرشي المدني، عن ابن عمر، وزيد ابن ثابت، وجابر بن عبد الله. أما أثر زيد بن ثابت ﵁: فقد ذكر في أثر ابن عمر.

стр. 1733

وأما أثر جابر بن عبد الله: فأخرجه من أربع طرق صحاح، غير ما ذكره في أثر ابن عمر ﵃: الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي. عن عبيد الله بن مقسم المدني ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن مقسم قال: "سألت جابر بن عبد الله عن القراءة قال: أما أنا فأقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخريين بفاتحة الكتاب". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن ابن سعد، عن أسامة بن زيد، عن عبيد الله بن مقسم ... إلى آخره. قوله: "وندعوا" أراد به من الأدعية المأثورة التي تشابه ألفاظ القرآن، نحو: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" ونحو ذلك. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة ابن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني، عن أبيه بكير بن عبد الله، عن عبيد الله بن مقسم ... إلى آخره، وقد ذكرنا أن مخرمة لم يسمع من أبيه. الرابع: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسعر بن كدام، عن يزيد بن صهيب الفقير الكوفي، عن جابر ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن مسعر، عن يزيد الفقير،

стр. 1734

عن جابر قال: "يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، كنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد". وأما أثر خباب: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن زكرياء بن أبي زائدة الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، عن عبد الله بن خباب الأنصاري المدني، عن خالد ابن عرفطة، ويقال: خالد بن عرفجة، قال أبو حاتم: مجهول. وفي "الميزان": خالد بن عرفطة أو عرفجة، تابعي كبير لا يعرف انفرد عنه قتادة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأما أثر أبي الدرداء واسمه عويمر بن مالك: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري البصري، عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث القرشي المدني، روى له الجماعة، عن هشام بن إسماعيل والي المدينة النبوية الذي ضرب سعيد بن المسيب بالسياط، ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وقال: هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومي روى عن أبي الدرداء مرسلًا، روى عنه محمَّد بن يحيى بن حبان ومحمد بن إبراهيم التيمي، سمعت أبي يقول ذلك. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) منقطعًا معضلًا وقال: ثنا عبد الله بن مبارك، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: "حُدِّثْت أن أبا الدرداء كان يقول: اقرءوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، وفي الركعة الأخيرة من صلاة المغرب وفي الركعتين الآخريين من العشاء بأم الكتاب".

стр. 1735

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن عمر بن راشد عم يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان: "أن أبا الدرداء كان يقول: اقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر والعشاء الآخرة في كل ركعة بأم القرآن وسورة وفي الركعة الآخرة من المغرب بأم القرآن " انتهى. قلت: لم يذكر خالد سماعًا من أبي الدرداء.

стр. 1736

ص: باب: القراءة في صلاة المغرب ش: أي هذا الباب في بيان أحكام القراءة في صلاة المغرب، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه (ح) وحدثنا يزيد بن مشان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا مالك، قال: أخبرني الزهري، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "سمعت النبي ﵇ يقرأ في المغرب بالطور". حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: أنا مالك وسفيان، عن ابن شهاب، فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي قال: "سمعت النبي ﵇ يقرأ في المغرب بالطور". وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على ... مالك إلى آخره نحوه. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مالك ... إلى آخره.

стр. 1737

وأخرجه أبو داود (١): حدثني القعنبي، عن مالك ... إلى آخره. والنسائي (٢): أخبرنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره. الثالث: عن إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الشافعي، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن مالك، وعن سفيان بن عُيينة، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا سفيان، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: "سمع النبي ﵇ يقرأ في المغرب بالطور". وأخرجه ابن ماجه (٤): ثنا محمَّد بن الصباح، أنا سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "سمعت النبي ﵇ يقرأ في المغرب بالطور". قوله: "بالطور" أي بسورة ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ وهي مكية، وهي تسع وأربعون آية عند أهل الكوفة، وثمان وأربعون عند أهل البصرة، وسبع وأربعون عند أهل المدينة، وثلاثمائة واثني عشر كلمة، وخمسمائة أحرف. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: حدثني بعض إخوتي، عن أبيه، عن جبير بن مطعم: "أنه أتى النبي ﵇ في بدر، قال: فانتهيت إليه وهو يصلي المغرب، فقرأ بالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن، وذلك قبل أن يسلم". ش: فيه مجهول، وهو قوله: "بعض أخوتي" قيل: هو إما مسور وإما صالح ابنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والظاهر أنه صالح وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 1738

وسعد بن إبراهيم روى له الجماعة، وأبوه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وثقة النسائي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت بعض أخوتي، عن أبيه، عن جبير بن مطعم: "أنه أتى رسول الله ﷺ في فداء بدر -قال ابن جعفر: في فداء المشركين- وما أسلم يومئذ فدخلت المسجد ورسول الله ﵇ يصلي المغرب، فقرأ بالطور فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن، قال ابن جعفر: فكأنما صدع قلبي [حيث] (٢) سمعت القرآن". وأخرجه الطبراني (٣) أيضًا: ثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، أن ابن شهاب أخبره، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: "أنه جاء في فداء أسارى بدر قال: فوافيت رسول الله ﵇ يقرأ في صلاة المغرب ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٤) قال: فأخذني من قراءته كالكرب، فكان ذلك أول ما سمعت من أمر الإِسلام". قوله: "أتى النبي ﵇ في بدر" أي في فداء أهل بدر كما صرح به في رواية أحمد، وكان جبير يومئذ كافرًا، وأسلم بعد ذلك، فهذا من بدائع الحديث وعجائبه حين سمع جبير هذا الحديث وهو كافر، وحدث عنه وهو مسلم. قوله: "فكأنما صدع قلبي" أي شقَّه وقطَّعه، وأراد به أنه أثر في قلبه، وداخَلَهُ نور الإِسلام ببركة ذلك. قوله: "حين سمعت القرآن" وفي بعض الروايات "حيث سمعت" كما وقع كذلك في إحدى روايات أحمد.

стр. 1739

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ بالمرسلات عُرفا، فقالت: يا بني، لقد ذكرتني قراءتك هذه السورة أنها لآخر ما سمعت النبي ﵇ يقرأ بها في صلاة المغرب". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده. ش: هذان طريقان صحيحان وقد تكرر رجالها والكل رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك. والترمذي (٤): عن هناد، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل قالت: "خرج إلينا رسول الله ﵇ وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب فقرأ بالمرسلات، فما صلاها بعد حتى لقي الله ". وقال: حديث أم الفضل حديث حسن صحيح.

стр. 1740

والنسائي (١): عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن أمه: "أنها سَمِعَت النبي ﵇ يقرأ في المغرب بالمرسلات". وابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أمه -قال أبو بكر بن أبي شيبة: هي لبابة-: "أنها سمعت رسول الله ﵇ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا" انتهى. ولبابة -بضم اللام، وتخفيف الباء الموحدة، وبعد الألف باء أخرى- هو اسم أم الفضل بنت الحارث بن حزن الهلالية، زوج العباس بن عبد المطلب، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵇. قوله: "يا بني" تصغير [ابن، وهذا تصغير] (٣) الترحم والشفقة. قوله "قراءتك" مرفوع لأنه فاعل لقوله: "ذكرتني" وهي من التذكير. قوله: "هذه السورة" مفعول المصدر، أعني "قراءتك" والمصدر مضاف إلى فاعله. قوله: "إنها" أي إن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ وهي مكية إلا قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٤) وهي خمسون آية، ومائة وإحدى وثمانون كلمة، وثمانمائة وستة عشر حرفًا. الثاني: عن ابن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري شيخ أحمد، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (٥): أنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري،

стр. 1741

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن أم الفضل: "أنها سمعت النبي ﵇ يقرأ في المغرب بالمرسلات". ص: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة، قال: أنا أبو الأسود، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: أخبرني زيد بن ثابت، أنه قال لمروان بن الحكم: "يا أبا عبد الملك، ما يحملك أن تقرأ في صلاة المغرب بقل هو الله أحد وسورة أخرى صغيرة؟ قال زيد: فوالله لقد سمعت رسول الله ﵇ يقرأ في صلاة المغرب بأطول الطول وهي ألمص". حدثنا روح بن الفرج، قال: نا سعيد بن عفير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام، عن أبيه: "أن مروان كان يقرأ في المغرب بسورة يس". قال عروة: قال زيد بن ثابت -أو أبو زيد الأنصاري شك هشام- لمروان: "لم تقصر صلاة المغرب، وكان رسول الله ﵇ يقرأ فيها بأطول الطوليين: الأعراف؟ ". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن الربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، ونسبته إلى جيزة مصر -بكسر الجيم- بليدة قبالة مقياس مصر من غربي النيل على شطه. عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المؤذن، قال أبو حاتم: محله الصدق ولكن غمزه سعيد بن أبي مريم. عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد، روى له الجماعة. عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار بن نُضَيْر -بضم النون وفتح الضاد المعجمة- قال النسائي: ليس به بأس. وعن يحيى: كان راوية عن ابن لهيعة، وكان شيخ صدق.

стр. 1742

عن عروة بن الزبير بن العوام، عن زيد بن ثابت الأنصاري الصحابي ﵁ أنه قال لمروان وهو ابن الحكم بن أبي العاص، ولد يوم أحد وقيل: يوم الخندق، ولم ير النبي ﵇ لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لا يعقل لما نفى النبي ﵇ -أباه الحكم (١) وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان ﵁ فردهما واستكتب عثمان مروان وضمه إليه، روى له الجماعة سوى مسلم. وأخرجه النسائي (٢): أنا محمَّد بن سلمة، قال: ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث، عن زيد بن ثابت، أنه قال لمروان: "يا أبا عبد الملك، أتقرأ في المغرب بقل هو الله أحد وإنا أعطيناك الكوثر؟ قال: نعم، قال: [فمحلوفة] (٣) لقد رأيت رسول الله ﵇ يقرأ فيها بأطول الطوليين ألمص". وقال أبو داود (٤): نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: "قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله ﵇ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟ قال: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف، قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة، فقال لي من قبل نفسه: المائدة والأعراف". وقال البخاري (٥): ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: "قال زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي ﵇ يقرأ بطولى الطوليين؟ ".

стр. 1743

قوله: "وسورة أخرى صغيرة" قد فسرها في رواية النسائي بـ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١). قوله: "بأطول الطُّوَل" بضم الطاء وفتح الواو، جمع طولى، وهي فُعْلى -بالضم- تأنيث أطول، ككبرى تأنيث أكبر، وأراد بالطُّوَل: المائدة والأنعام والأعراف، وأراد بأطول الطول: الأعراف؛ لأنه فسره بقوله وهي ألمص. فإن قيل: أطول الطول: البقرة؛ لأنها أطول السبع الطول، فكيف يقول: أراد بأطول الطول الأعراف". قلت: لو لم يفسر بقوله: "وهي ألمص" كان الذي يفهم من قوله: "أطول الطول" البقرة، ولكن لا فسره بقوله: "وهي ألمص"، عُرف أن المراد منه سورة الأعراف؛ لأنها أطول الطول بعد البقرة، بيانه: أن البقرة مائتان وثمانون وست آيات، وهي ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وخمس وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف. وسورة آل عمران مائتا آية، وثلاثة آلاف وأربعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة عشر ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفًا. وسورة النساء مائة وخمس وسبعون آية، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسة وأربعون كلمة، وستة عشر ألفا وثلاثون حرفًا. وسورة المائدة مائة واثنان وعشرون آية، وألف وثمانمائة كلمة وأربع كلمات، واحد عشر ألفًا وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفًا. وسورة الأنعام مائة وست وستون آية، وثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة، واثني عشر ألف وأربعمائة واثنان وعشرون حرفًا.

стр. 1744

والأعراف مائتان وخمس آيات عند أهل البصرة، وست عند أهل الكوفة، وثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة، وأربعة عشر ألف حرف وعشرة أحرف. الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن سعيد بن كثير بن عفير، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار ... إلى آخره. وهؤلاء ثقات إلا أن في ابن لهيعة مقالًا. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أحمد بن رشدين، نا يحيى بن بكير، ثنا ابن لهيعة، حدثني أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: "سمعت رسول الله ﵇ يقرأ في المغرب بأطول الطوليين". وفي "الأطراف" لابن عساكر: "قيل لعروة ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف ويونس". الثالث: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه عروة ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. قوله: "أو أبو زيد الأنصاري" صحابي لم يدر اسمه، وذكره البغوي في "معجمه" وقال: أبو زيد الأنصاري ولم ينسَب. قوله: "شك هشام" أي هشام بن عروة. قوله: "لم تقصر" بالتشديد، وأراد تخفيف القراءة فيها. قوله: "بأطول الطوليين" يعني بأطول السورتين الطويلتين، وهما الأنعام والأعراف، والطولى مؤنث الأطول. قوله: "الأعراف" بيان لقول: "بأطول الطوليين".

стр. 1745

ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل بنت الحارث قالت: "صلى بنا رسول الله ﵇ في بيته المغرب في ثوب واحد، متوشحًا به، فقرأ والمرسلات، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض ﵇". ش: إسناده صحيح على فرط مسلم، وموسى بن داود الضبي الخلقاني قاضي المصيصة، قال الدراقطني: كان مصنفًا مكثرًا مأمونًا روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وعبد العزيز هو ابن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وحميد هو الطويل. وأخرجه النسائي (١): أنا عمرو بن منصور، قال: نا موسى بن داود، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل بنت الحارث قالت: "صلى بنا رسول الله ﵇ في بيته المغرب، فقرأ المرسلات، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض ﵇". قوله: "متوشحًا"، حال من الرسول ﵇، والتوشح التغشي، والأصل فيه من الوشاح، وهو شيء ينسج، عريضًا من أديم، وربما رصع بالجوهر والخرز، وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها، ويقال فيه: وشاح، وأشاح، وقال الجوهري: ربما قالوا: توشح الرجل بثوبه وبسيفه. وقال: ابن سيده: التوشح أن يتشح بالثوب ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقد طرفيهما على صدره، وقد وشحه الثوب. وقال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقه، وهو الاشتمال على منكبيه. قوله: "ما صلى بعدها" أي بعد صلاة المغرب، وهذا يدل على أنه ﵇ قبض بين المغرب والعشاء، ولكن المشهور المنقول عن الجمهور أنه توفي يوم الاثنين لليلتين

стр. 1746

خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: ليلة خلت منه، وقال ابن إسحاق: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، في اليوم الذي قدم فيه المدينة، وقال عروة في مغازيه: توفي رسول الله ﵇ وهو في صدر عائشة ﵂ وفي يومها يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال ربيع الأول، وعن الأوزاعي: توفي رسول الله ﵇ يوم الاثنين قبل أن ينشب النهار، ويقال: توفي رسول الله ﵇ حين أشتد الضحى يوم الاثنين، وقيل: عند زوال الشمس، والله أعلم. قلت: المعنى في الحديث أنه ما صلى بعدها صلاة بالجماعة، أو ما صلى بعدها صلاة مغرب أخرى؛ لأنه ﵇ لم يلحق إلى المغرب الأخرى فقبض ﵇، فافهم. ص: فزعم قوم أنهم يأخذون بهذه الآثار ويقلدونها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: حميدًا وعروة بن الزبير وابنه هشامًا والشافعي والظاهرية؛ فإنهم أخذوا بهذه الأحاديث المذكورة وتقلدوها وقالوا: الأحسن أن يقرأ المصلي في المغرب بالسور التي قرأها ﵇ نحو الأعراف والطور والمرسلات ونحوها وقال الترمذي: ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعي: لا أكره بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب. وقال ابن حزم في "المحلى": ولو أنه قرأ في المغرب بالأعراف أو المائدة أو الطور أو المرسلات فحسن. ص: وخالفهم في قولهم هذا أخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يقرأ في صلاة المغرب إلا بقصار المفصل. ش: أي خالف القوم المذكورين في قولهم الذي ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والثوري وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكا وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: المستحب أن يقرأ في صلاة المغرب من قصار المفصل.

стр. 1747

وقال الترمذي: وعلى هذا العمل عند أهل العلم. والمفصل: السبع السابع، سمي به لكثرة فصوله، وهو من سورة محمَّد -وقيل: من الفتح، وقيل: من قاف- إلى آخر القرآن، وقصار المفصل من: لم يكن، إلى آخر القرآن. وأوساطه من: والسماء ذات البروج إلى: لم يكن، فافهم. ص: وقالوا قد يحوز أن يكون يريد بقوله قرأ بالطور: قرأ ببعضها، وذلك جائز في اللغة، يقال: هذا فلان يقرأ القرآن إذا كان يقرأ منه شيئًا، ويحتمل "قرأ بالطور" قرأ بكلها، فنظرنا في ذلك هل يروى فيه شيء يدل على أحد التأويلين؟ فإذا صالح بن عبد الرحمن وابن أبي داود قد حدثانا، قالا: حدثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "قدمت المدينة على عهد النبي ﵇ لأكلمه في أسارى بدر، فانتهيت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (١) فكأنما صدع قلبي، فلما فرغ كلمته فيهم، فقال: شيخ، لو كان أتاني لشفعته فيهم يعني أباه مطعم بن عدي". فهذا هشيم قد روى هذا الحديث عن الزهري، فبين القصة على وجهها، وأخبر أن الذي سمعه من النبي ﵇ هو قوله : ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (١) فبين هذا أن قوله في الحديث الأول: "قرأ بالطور" إنما هو ما سمعه يقرأه منها, وليس لفظ جبير إلا ما روى هشيم؛ لأنه ساق القصة على وجهها، فصار ما حكى فيها عن النبي ﵇ هو قراءته ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (١) خاصة. وأما حديث مالك ﵀: فمختصر من هذا وكذلك حديث زيد بن ثابت في قوله لمروان: "لقد سمعت رسول الله ﵇ يقرأ فيها بأطول الطول: ألمص". يجوز أن يكون ذلك على قراءته ببعضها.

стр. 1748

ش: أي قال الجماعة الآخرون، وأشار به إلى الجواب عما استدل به أهل المقالة الأولى, بيانه: أن قوله: "قرأ بالطور، يحتمل أمرين: الأول: أن يكون أراد به بعض الطور، من قبل ذكر الكل دارادة الجزء، وهذا شائع ذائغ في كلام العرب، وذلك كما يقال: فلان يقرأ القرآن إذا كان يقرأ منه شيئًا، وفلان يحيى الليل إذا كان يحيى بعضه، وفلان ينفق ماله في سبيل الله إذا كان ينفق بعضه. وأن يكون على حقيقته بأن يكون قرأ بالطور كلها فإذا كان هذا اللفظ دائرًا بين الاحتمالين وجب أن ينظر فيه هل يوجد شيء من الآثار يؤكد أحد الاحتمالين ويُعلم أن المراد أحدهما فنظرنا فيه، فوجدنا حديث جبير بن مطعم الذي رواه هشيم عن الزهري، قد دل على أن المراد من حديث جبير في الروايات السابقة هو بعض السورة؛ لأن هشيمًا بين في روايته هذه القصة على وجهها، وأخبر أن الذي سمعه جبير بن مطعم هو هذا المقدار من سورة الطور، وهو قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (١) خاصة، هذا الجواب أن الرواية التي رواها سعد بن إبراهيم. عن بعض إخوته عن أبيه جبير بن مطعم. وأما الجواب عن رواية مالك، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه؛ فهو أنه مختصر من حديث سعد بن إبراهيم. وأما الجواب عن حديث زيد بن ثابت؛ فهو مثل الجواب المذكور أولًا، وهو أن يكون المراد بعض السورة كما ذكرنا، وكذلك الجواب عن حديث أم الفضل المذكور، ولم يذكر الطحاوي الجواب عنه. قلت: فيه نظر من وجهين: الأول: أن حديث هشيم لا يدل على المدعى؛ لأنه يجوز أن يكون انتهاء جبير بن مطعم إلى النبي ﵇ وهو يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (١) وقد كان ﵇ قد قرأ من أول السورة إلى هذا الموضع في غيبة جبير، وكان انتهاؤه إليه عند إنتهاء

стр. 1749

النبي ﵇ إلى هذه الآية، وأنه قد كمل السورة بعده بحضرته، ولم يذكر جبير من الآيات التي قد أدركها إلا هذه الآية وهي قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (١) إما لأنه أول آية قد أدركها، داما لأن هذه الآية هي التي قد صدعت قلبه لكونها تخبر عن وقوع عذاب الله تعالى بلا ريب. والثاني: أن إنكار زيد بن ثابت أو أبي زيد الأنصاري على مروان بن الحكم حين قرأ بسورة يس بقوله: "لم تقصر صلاة المغرب وكان رسول الله ﵇ يقرأ فيها بأطول الطوليين الأعراف؟ ". فلو لم يكن مراده الأعراف بتمامه لما وقع الإنكار في محله، مع أن مروان قد كان قرأ بسورة يس. والجواب الصحيح: أن يقال: إنه ﵇ قد فعل هذا أحيانًا إما لبيان جواز الإطالة في المغرب، وإما لأنه قد علم أن من وراءه في ذلك الوقت ما كان يشتي ذلك عليهم، وإما لبيان أن الأمر على السعة، وأنه لا حد معلومًا في قراءة صلاة من الصلوات، وأن ذلك يفعل بحسب حال الوقت وبحسب حال المصلي، وقال القاضي عياض: وما ورد من إطالته ﵇ في بعض الصلوات فإنه قد ورد ما يعارضه، وهو قوله ﵇: "إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" (٢). وهذا أمر منه ﵇ بالتخفيف، وإشارة للتعليل؛ فيبطل تطرق الاحتمال إليه، وهذا وقول جابر بن سمرة: "وكانت صلاته بعد تخفيفًا" وحدث أنس بنحوه يقضي على جميع مختلف الآثار، وأنه هو الذي شرعه ﵇ للأئمة، وهو موضع البيان، وما خالفه من فعله فبحسب زوال العلة وهي السفر، وكون الصائم ورائه أو المتعجل، أو ضيق الوقت ونحو ذلك، على أنه ﵇ كان يخفف الصلاة لسماع بكاء الصبي انتهى.

стр. 1750

وقد أكد بعضهم صحة ما ذكره الطحاوي من التأويل المذكور بما روي عن أنس قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﵇، ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله" (١) وفي رواية غيره: "وهم يبصرون موقع النبل على قدر ثلثي ميل" (٢) فلما كان هذا المقدار وقت انصراف رسول الله ﵇ -من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك وقد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها ولا ثلثها. قلت: هذا ما ذكره الطحاوي على ما يجيء الآن، ولكن فيه نظرة لأن حديث أنس لا يدل على أنه ﵇ كان دائمًا يصلي المغرب نحو ما ذكره حتى يصحح به التأويل المذكور، بل فعل النبي ﵇ في هذا مختلف، وكذلك الروايات عنه مختلفة في تطويله القراءة فيها أحيانًا وتخفيفه أحيانًا، وكل ذلك كان ليدل على سعة الأمر، وأنه لا حد في قراءة لصلاة من الصلوات لا يتعدى، وأنه ﵇ كان يفعل كل ذلك بحسب حال من وراءه وبحسب وقته من ابتداء الصلاة أول الوقت، إذْ يمكنه، أو الأعذار الحادثة فيه فافهم. ثم إسناد حديث هشيم صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا صالحًا وإبراهيم ابن أبي داود. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا علي بن عبد العزيز، نا أبو عبيد، نا هشيم، ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، قال هشيم: ولا أظن إلا قد سمعته من الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير قال: "أتيت النبي ﵇ لأكلمه في أسارى بدر فوافيته وهو يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته وهو يقول أو يقرأ وقد خرج صوته من المسجد ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ (٤) فكأنما صدع قلبي".

стр. 1751

قوله: "على عهد النبي ﵇" أي على زمنه وأيامه، وكان قدومه مع أسارى بدر كافرًا يومئذ وأسلم بعد ذلك قبل عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، قاله في "التهذيب". قوله: "فقال شيخ" أي فقال ﵇: لو أتاني شيخ أراد به أباه مطعم بن عدي بن نوفل، وكانت له يد عند رسول الله ﵇ وهي أنه كان أجار رسول الله ﵇ لما قدم من الطائف حين دعى ثقيفًا إلى الإِسلام، وكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبها قريش على بني هاشم وبني المطلب، وإياه عنى أبو طالب بقوله: أمطعمُ إنَّ القومَ ساموكَ خُطَّة ... وإني متى أُوكَل فلستُ بوائلِ وكانت وفاة المطعم قبل بدر بنحو سبعة أشهر. قوله: "لشفعته" أي لقبلت شفاعته فيهم، لما قلنا من كون يد له عند النبي ﵇. ص: ومما يدل أيضًا على صحة هذا التأويل: أن محمَّد بن خزيمة قد حدثنا، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: "أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد، قال: أنا ثابت، عن أنس قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﵇ ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن أبي عوانة وهشيم، عن أبي بشر، عن علي بن بلال، قال: "صليت مع نفر من أصحاب النبي ﵇ من الأنصار فحدثوني أنهم كانوا يصلون مع رسول الله ﵇ المغرب، ثم ينطلقون يرتمون لا يخفى عليهم موقع سهامهم، حتى يأتوا ديارهم وهي أقصى المدينة في بني سَلِمَة".

стр. 1752

حدثنا أحمد بن مسعود، قال: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزعي، عن الزهري، عن بعض بني سَلِمَة: "أنهم كانوا يصلون مع النبي ﵇ المغرب، ثم ينصرفون إلى أهليهم وهم يبصرون موقع النبل على قدر ثلثي ميل". حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نصلي مع النبي ﵇ -المغرب، ثم نأتي بني سَلِمَة وانا لنبصر مواقع النبل". قالوا: فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله ﷺ من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك وقد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها. ش: أي ومن الذي يدل أيضًا على صحة هذا التأويل -وهو الذي ذكره أن المراد من السورة بعض السورة من إطلاق الكل وإرادة الجزء-: حديث جابر وأنس ونفر من أصحاب النبي ﵇ وبعض بني سَلِمَة من الصحابة؛ لأنه ذكر في أحاديثهم أنهم كانوا يرمون بالسهام بعد انصرافهم من صلاة المغرب مع النبي ﵇ وإن أحدهم يرى مواقع نبله على قدر ثلثي ميل، فإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون ذلك وقد قرأ ﵇ فيها -أي في صلاة المغرب- الأعراف كلها أو نصفها؛ فدل أن المراد: بعضها كما قلنا. أما حديث جابر: فأخرجه من طريقين غير متواليين، ولو كانا متواليين لكان أحسن على ما لا يخفى. الأول: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا هناد بن السري، ثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: "أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون". انتهى.

стр. 1753

أي يرتمون بالسهام، يقال: انتضل القوم وتناضلوا أي رموا للسبق، وناضله إذا راماه، وفلان يناضل عن فلان إذا رامى عنه ودفع عنه. الثاني: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسمه هشام بن شعبة أبي الحارث المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم الكناني ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه أحمد، (١) والبزار، وأبو يعلى (٢) في "مسانيدهم" بأسانيد مختلفة: عن جابر قال: "كنا نصلي مع الرسول ﵇ المغرب، ثم نرجع إلى منازلنا وهي ميل وأنا أبصر مواقع النبل". وفي إسنادهم عبد الله بن محمَّد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به ولكن الترمذي وثقه، واحتج به أحمد وغيره. وأما حديث أنس ﵁: فأخرجه من طريقين أيضًا صحيحين: الأول: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار شيخ البخاري، وعن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن ثابت بن أسلم البناني، عن أنس. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا داود بن شبيب، نا حماد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﵇ ثم نرمي فيرى أحدنا موضع نبله "انتهي.

стр. 1754

قلت: النبل السهام العربية ولا واحد لها من لفظها، فلا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم ونشابة. الثاني: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه السراج في "مسنده": عن هناد، عن قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: "كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون، فيرون موقع نبلهم". وأما حديث نفر من الصحابة: فأخرجه من طريقين: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن سهل بن بكار الدارمي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عونة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن علي بن بلال راوي المراسيل والمقاطع كذا قال ابن حبان بعد أن ذكره في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": علي بن بلال، وقال بعضهم: حسان بن بلال، قال: صليت مع نفر من الأنصار المغرب، فقالوا: كنا نصلي مع النبي ﵇ ثم ننطلق فنترامى في بني سَلِمَة". سمعت أبي يقول ذلك. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح وهشيم بن بشير، كلاهما عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن علي بن بلال. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بإسناد حسن: عن علي بن بلال، عن ناس من الأنصار قالوا: "كنا نصلي مع رسول الله ﵇ المغرب، ثم ننصرف فنترامى حتى نأتي ديارنا فما تخفى علينا مواقع سهامنا". وأما حديث بعض بني سلمة: فأخرجه عن أحمد بن مسعود الخياط شيخ الطبراني أيضًا، عن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني فيه مقال يختلف فيه، عن

стр. 1755

عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن بعض بني سلمة ... إلى آخره. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر وابن جريج، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك أخبره: "أن رجالًا من بني سلمة كانوا يشهدون المغرب مع رسول الله ﵇ فينصرفون إلى أهليهم وهم يبصرون مواقع النبل". وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٢): عن حسين بن علي، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن رجل -قال: من أبناء النقباء- عن أبيه قال: "كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﵇ ثم نرجع إلى رحالنا وأحدنا يبصر مواقع النبل". قال: قلت للزهري: فكم كانت منازلهم من المدينة؟ قال: ثلثي ميل. انتهى. قلت: ابن كعب اسمه عبد الله بن كعب، وبني سَلِمَة -بكسر اللام- من الأنصار حيث وقع. ص: وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: "صلى معاذ ﵁ بأصحابه المغرب، فافتتح بسورة البقرة أو النساء، فصل رجل ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي ﵇، فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﵇: أفاتن أنت يا معاذ؟! - قالها مرتين- لو قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها؛ فإنه يصلي خلفك ذو الحاجة والضعيف والصغير والكبير". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: أنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن محارب بن دثار، عن جابر، عن النبي ﵇ نحوه.
следующие страницы →