← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

قوله: "على عهد النبي ﵇" أي على زمنه وأيامه، وكان قدومه مع أسارى بدر كافرًا يومئذ وأسلم بعد ذلك قبل عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، قاله في "التهذيب". قوله: "فقال شيخ" أي فقال ﵇: لو أتاني شيخ أراد به أباه مطعم بن عدي بن نوفل، وكانت له يد عند رسول الله ﵇ وهي أنه كان أجار رسول الله ﵇ لما قدم من الطائف حين دعى ثقيفًا إلى الإِسلام، وكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبها قريش على بني هاشم وبني المطلب، وإياه عنى أبو طالب بقوله: أمطعمُ إنَّ القومَ ساموكَ خُطَّة ... وإني متى أُوكَل فلستُ بوائلِ وكانت وفاة المطعم قبل بدر بنحو سبعة أشهر. قوله: "لشفعته" أي لقبلت شفاعته فيهم، لما قلنا من كون يد له عند النبي ﵇. ص: ومما يدل أيضًا على صحة هذا التأويل: أن محمَّد بن خزيمة قد حدثنا، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: "أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد، قال: أنا ثابت، عن أنس قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﵇ ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن أبي عوانة وهشيم، عن أبي بشر، عن علي بن بلال، قال: "صليت مع نفر من أصحاب النبي ﵇ من الأنصار فحدثوني أنهم كانوا يصلون مع رسول الله ﵇ المغرب، ثم ينطلقون يرتمون لا يخفى عليهم موقع سهامهم، حتى يأتوا ديارهم وهي أقصى المدينة في بني سَلِمَة".

стр. 1752

حدثنا أحمد بن مسعود، قال: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزعي، عن الزهري، عن بعض بني سَلِمَة: "أنهم كانوا يصلون مع النبي ﵇ المغرب، ثم ينصرفون إلى أهليهم وهم يبصرون موقع النبل على قدر ثلثي ميل". حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نصلي مع النبي ﵇ -المغرب، ثم نأتي بني سَلِمَة وانا لنبصر مواقع النبل". قالوا: فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله ﷺ من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك وقد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها. ش: أي ومن الذي يدل أيضًا على صحة هذا التأويل -وهو الذي ذكره أن المراد من السورة بعض السورة من إطلاق الكل وإرادة الجزء-: حديث جابر وأنس ونفر من أصحاب النبي ﵇ وبعض بني سَلِمَة من الصحابة؛ لأنه ذكر في أحاديثهم أنهم كانوا يرمون بالسهام بعد انصرافهم من صلاة المغرب مع النبي ﵇ وإن أحدهم يرى مواقع نبله على قدر ثلثي ميل، فإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون ذلك وقد قرأ ﵇ فيها -أي في صلاة المغرب- الأعراف كلها أو نصفها؛ فدل أن المراد: بعضها كما قلنا. أما حديث جابر: فأخرجه من طريقين غير متواليين، ولو كانا متواليين لكان أحسن على ما لا يخفى. الأول: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا هناد بن السري، ثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: "أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون". انتهى.

стр. 1753

أي يرتمون بالسهام، يقال: انتضل القوم وتناضلوا أي رموا للسبق، وناضله إذا راماه، وفلان يناضل عن فلان إذا رامى عنه ودفع عنه. الثاني: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسمه هشام بن شعبة أبي الحارث المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم الكناني ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه أحمد، (١) والبزار، وأبو يعلى (٢) في "مسانيدهم" بأسانيد مختلفة: عن جابر قال: "كنا نصلي مع الرسول ﵇ المغرب، ثم نرجع إلى منازلنا وهي ميل وأنا أبصر مواقع النبل". وفي إسنادهم عبد الله بن محمَّد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به ولكن الترمذي وثقه، واحتج به أحمد وغيره. وأما حديث أنس ﵁: فأخرجه من طريقين أيضًا صحيحين: الأول: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار شيخ البخاري، وعن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن ثابت بن أسلم البناني، عن أنس. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا داود بن شبيب، نا حماد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ﵇ ثم نرمي فيرى أحدنا موضع نبله "انتهي.

стр. 1754

قلت: النبل السهام العربية ولا واحد لها من لفظها، فلا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم ونشابة. الثاني: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه السراج في "مسنده": عن هناد، عن قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: "كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون، فيرون موقع نبلهم". وأما حديث نفر من الصحابة: فأخرجه من طريقين: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن سهل بن بكار الدارمي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عونة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن علي بن بلال راوي المراسيل والمقاطع كذا قال ابن حبان بعد أن ذكره في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": علي بن بلال، وقال بعضهم: حسان بن بلال، قال: صليت مع نفر من الأنصار المغرب، فقالوا: كنا نصلي مع النبي ﵇ ثم ننطلق فنترامى في بني سَلِمَة". سمعت أبي يقول ذلك. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح وهشيم بن بشير، كلاهما عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن علي بن بلال. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بإسناد حسن: عن علي بن بلال، عن ناس من الأنصار قالوا: "كنا نصلي مع رسول الله ﵇ المغرب، ثم ننصرف فنترامى حتى نأتي ديارنا فما تخفى علينا مواقع سهامنا". وأما حديث بعض بني سلمة: فأخرجه عن أحمد بن مسعود الخياط شيخ الطبراني أيضًا، عن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني فيه مقال يختلف فيه، عن

стр. 1755

عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن بعض بني سلمة ... إلى آخره. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر وابن جريج، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك أخبره: "أن رجالًا من بني سلمة كانوا يشهدون المغرب مع رسول الله ﵇ فينصرفون إلى أهليهم وهم يبصرون مواقع النبل". وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٢): عن حسين بن علي، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن رجل -قال: من أبناء النقباء- عن أبيه قال: "كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﵇ ثم نرجع إلى رحالنا وأحدنا يبصر مواقع النبل". قال: قلت للزهري: فكم كانت منازلهم من المدينة؟ قال: ثلثي ميل. انتهى. قلت: ابن كعب اسمه عبد الله بن كعب، وبني سَلِمَة -بكسر اللام- من الأنصار حيث وقع. ص: وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: "صلى معاذ ﵁ بأصحابه المغرب، فافتتح بسورة البقرة أو النساء، فصل رجل ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي ﵇، فذكر ذلك له، فقال رسول الله ﵇: أفاتن أنت يا معاذ؟! - قالها مرتين- لو قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها؛ فإنه يصلي خلفك ذو الحاجة والضعيف والصغير والكبير". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: أنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن محارب بن دثار، عن جابر، عن النبي ﵇ نحوه.

стр. 1756

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: "هي العتمة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: "كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﵇ ثم يرجع فيؤمنا، فأخر رسول الله ﵇ العشاء ذات ليلة، فصلى معه معاذ ثم جاء ليؤمنا، فافتتح سورة البقرة، فلما رأى ذلك رجل من القوم تنحى ناحية فصلى وحده، فقلنا: ما لك يا فلان أنافقت؟ فقال: ما نافقت ولآتين رسول الله ﵇ فلأخبرنه، فأتى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، إن معاذًا يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا، وإنك أخرت العشاء البارحة وصك معك، ثم جاء فتقدم ليؤم معنا، فافتتح بسورة البقرة فلما رأيت ذلك تنحيت فصليت وحدي أي رسول الله، إنما نحن أصحاب نواضح، إنما نعمل بأجرائنا، فقال رسول الله ﵇: أفتان أنت يا معاذ -مرتين- اقرأ بسورة كذا، اقرأ بسورة كذا، أقرأ بسور قصار من المفصل -لا أجدها- فقلنا لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا، عن جابر، أن رسول الله ﵇ قال له: اقرأ بسورة والليل إذا يغشى، والشمس وضحاها، والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، فقال عمرو بن دينار: هو نحو هذا". قالوا: فقد أنكر رسول الله ﷺ على معاذ بن جبل ﵁ قراءته بهم سورة البقرة، وقال له: أفتان أنت يا معاذ؟ وأمره بالسور التي ذكرناها من المفصل، فإن كانت تلك الصلاة هي صلاة المغرب فقد ضاد هذا الحديث حديث زيد بن ثابت وما ذكرناه معه في أول هذا الباب، وإن كانت هي صلاة العشاء الآخرة فكره رسول الله ﵇ أن يقرأ فيها بما ذكرنا مع سعة وقتها؛ فإن صلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى أن تكون تلك القراءة فيها مكروهة. ش: ذكر حديث معاذ ﵁ من ثلاث وجوه تأكيدًا لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من استحباب تخفيف القراءة في صلاة المغرب، ألا ترى أنه ﵇ أنكر على

стр. 1757

معاذ قراءة سورة البقرة في صلاته معهم، ونسبه إلى الفتنة وتنفير الناس عن الجماعة، وأمره بأن يقرأ بالسور القصيرة من سور المفصل، وهو معنى قوله: "قالوا: فقد أنكر، أي قال أهل المقالة الثانية ... إلى آخره. قوله: "فإن كانت تلك الصلاة" أي الصلاة التي صلاها معاذ معهم وقرأ فيها بسورة البقرة هي صلاة المغرب، فقد ضاد هذا الحديث حديث زيد بن ثابت وحديث جبير بن مطعم وحديث أم الفضل ونحوها مما يشابهها؛ لأن أحاديث هؤلاء تقتضي أن يكون المستحب قراءة السور الطويلة نحو السور التي ذكرت في أحاديثهم، وهذا الحديث يقتضي كراهة ذلك، فبينهما تضاد، هذا الذي ذكره. وفيه نظر؛ لأن أحاديث هؤلاء إذا كانت محمولة على بيان امتداد وقت المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق الأبيض أو الأحمر على الاختلاف أو على حسب من وراءه الراغبين لذلك، وهذا الحديث إذا كان محمولًا على ضيق الوقت إن كانت الصلاة مغربًا وعلى حسب من وراءه من أصحاب الأعذار والحاجات، وإذا كانت الصلاة عشاء، فلا تضاد ولا تنافي فافهم. قوله: "وإن كانت هي صلاة العشاء" أي وإن كانت صلاة التي صلاها معاذ هي صلاة العشاء الآخرة، فقد كره ﵇ أن يقرأ بنحو سورة البقرة مع سعة وقت العشاء، فإذا كان كذلك ففي صلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى وأصلى أن تكون القراءة الطويلة مكروهة. فإن قيل: قد صرح في الحديث أن تلك الصلاة كانت صلاة العشاء فمن أين هذا الترديد؟ قلت: كما صرح بأنها صلاة العشاء في حديث عمرو بن دينار عن جابر، فكذلك صرح في حديث محارب بن دثار عن جابر بأنها صلاة المغرب، ولكن عمرو بن في ينار المكي صرح في روايته أنها صلاة العشاء حيث أخرج الطحاوي ذلك عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عمرو بن دينار قال: "هي العتمة" انتهى، أي: العشاء.

стр. 1758

فإن قيل: قد روى أحمد في "مسنده" (١): ثنا سفيان، عن عمرو، سمعه من جابر: "كان معاذ يصلي مع رسول الله ﵇ ثم يرجع فيؤمنا- وقال مرة: ثم يرجع فيصلي بقومه -فأخر النبي ﵇- قال مرة: الصلاة، وقال مرة: العشاء- فصلى معاذ مع النبي ﵇ ثم جاء قومه فقرأ البقرة، فاعتزل رجل من القوم فصلى فقيل: نافقت يا فلان؟ قال: ما نافقت فأتى النبي ﵇، فقال: إن معاذًا يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا يا رسول الله، إنما نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا، وإنه جاء يؤمنا فقرأ بسورة البقرة، فقال: يا معاذ، أفتان أنت؟! اقرأ بكذا وكذا قال أبو الزبير: بسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، فذكرنا لعمرو فقال: أراه قد ذكره". وأخرجه أبو داود في "سننه" (٢): عن أحمد بن حنبل. وهذا عمرو بن دينار يقول فيه بالترديد حيث قال: "فأخر النبي ﵇ قال مرة: الصلاة، وقال مرة: العشاء". وقوله: "الصلاة" أعمّ من أن تكون مغربًا أو عشاء. قلت: الترديد في اللفظ فقط، ولا ترديد في المعنى، فإن مراده من قوله: "الصلاة" هو العشاء الآخرة؛ وذلك لأن تأخير المغرب مكروه، ولم ينقل أنه ﵇ أخرها، وها هنا قد أراد بقوله: "فأخر الصلاة" أي العشاء؛ فافهم. أما الوجه الأول: فقد أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: "صلى معاذ ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. ومحارب بن دثار بن كردوس السدوسي أبو كردوس الكوفي قاضيها.

стр. 1759

وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا محارب بن دثار، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لا أقبل رجل بناضحين، وقد جنح الليل، فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه، وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي ﵇ فشكى إليه معاذًا، فقال النبي ﵇: يا معاذ أفتان أنت -أو أفاتن ثلاث مرار- فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة". الثاني: عن روح بن الفرج، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي والد سفيان الثوري، عن محارب بن دثار، عن جابر. وأخرجه البزار في "مسنده" من وجوه، وفي أحدها: ثنا إبراهيم بن بشار، نا داود بن عمرو، نا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن محارب بن دثار، عن جابر. وفي أحدها: عن شعبة، عن محارب ثم قال: واللفظ لفظ حديث شعبة، قال: "أقبل رجل من الأنصار معه ناضحان له، ومعاذ يصلي المغرب، فدخل معه في الصلاة، فاستفتح معاذ بالبقرة أو النساء -محارب الذي يشك- فلما رأى الرجل ذلك صلى ثم خرج، فبلغ الرجل أن معاذًا ينال منه، فذكر ذلك للنبي ﵇، فقال: أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ -أو فاتن فاتن فاتن- فلولا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوهما؛ يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة -أحسب محاربًا الذي يشك في الضعيف-".

стр. 1760

الثالث: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ أبي داود، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): حدثني [محمد] (٢) بن عباد، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: "كان معاذ يصلي مع النبي ﵇ ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﵇ العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: نافقت يا فلان، قال: لا والله ولآتين رسول الله ﵇ فلأخبرنه فأتى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﵇ على معاذ فقال: يا معاذ، أفتان أنت؟! اقرأ بكذا وكذا". قال سفيان: قلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: "اقرأ والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى" فقال عمرو نحو هذا. قوله: "فصلى رجل" قيل: هو حزم بن أبي كعب، وقيل: حرام بن ملحان، وقيل: حازم، وقيل: سليم. قوله: "فبلغ ذلك معاذًا"، أي بلغ انصراف الرجل المذكور عن صلاة معاذ وصلاته وحده. قوله: "فبلغ ذلك الرجل" أي فبلغ قول معاذ: "إنه منافق" الرجل المذكور. قوله: "فأتى النبي ﵇" أي فأتى الرجل المذكور النبي ﵇ "فذكر ذلك" أي ما قاله معاذ في حقه.

стр. 1761

قوله: "أفاتن" أي أمنفِّر عن الدين وصادٌّ عنه، والهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار، وهذا زجر له عن تطويله الصلاة على ذوي الحاجات والضعفاء. قوله: "قالها مرتين" أي قال- ﵇ تلك الكلمة مرتين، أراد أنه قال: أفاتن أنت يا معاذ، أفاتن أنت يا معاذ. قوله: "لو قرأت بسبح اسم ربك الأعلى ... " إلى آخره، جواب "لو" محذوف، أي لو قرأت بهذه السورة كانت تكفي أو تجزئ أو نحو ذلك. قوله: "فإنه يصلي" الفاء للتعليل، والضمير للشأن. قوله: "أقبل رجل بناضحين" الرجل هو الذي ذكرناه، والناضح هو البعير الذي يستقى عليه، والأنثى: ناضحة، والجمع: نواضح، سميت بذلك لنضحها الماء باستقائها، والنضح: الرش. قوله: "وقد جنح الليل" الواو للحال، يقال: جنح الليل إذا قبل والشمس تغيب. قوله: "نال منه" أي أصاب منه، أراد: تكلم في حقه بما يسوؤه. قوله: "تنحى ناحية" أي تجنب الناس وصار في ناحية وحده. قوله: "أنافقت" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "أي رسول الله" أي: يا رسول الله وقد علم أن حروف النداء ثمانية، وهي "يا"، و"أيا"، و"هيا"، و"أي" و"الهمزة"، و"وا"، و"آ"، و"آي". و"يا " هي أم الباب؛ لأنها ينادى بها البعيد والقريب والمندوب وغيره و"أيا" مثل "يا" إلا أنها لا تستعمل إلا والمنادى مذكور و"هيا" مثل "أيا"؛ لأن مائها مبدلة من الهمزة و"أي" بفتح الهمزة وسكون الياء بوزن "كَيْ"، و"الهمزة" نحو: أَزيد أقبل، فهذه الخمسة حروف النداء عند البصريين، وزاد الكوفيون "آ"، و"آي" تقول: آزيد، وآي زيد، وأما "وا" فتستعمل في الندبة، وهي: نداء المتفجع عليه، أو المتوجع منه، نحو: وازيداه، واظهراه.

стр. 1762

قوله: "أصحاب نواضح" أي: أصحاب عمل وتعب. قوله: "بأجرائنا" جمع أجير. قوله: "من المفصل" وهو السُّبع السابع من القرآن، سمي به لكثرة فصوله، وقد مرَّ مرة. قوله "فقلنا لعمر" القائل هو سفيان الثوري، وعمرو هو ابن دينار المكي، وأبو الزبير هو محمَّد بن مسلم بن تدرس المكيز ويستفاد من هذه الأحاديث: استحباب تخفيف القراءة في صلاة المغرب، وكراهية تطويلها, ولا سيما في حق الإِمام الذي يصلي وراءه قوم ضعفاء أو كسالى، أو يكون إمام مسجد شارع، وفي مثل هذا يكره في سائر الصلوات. وجواز قول من يقول سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة ونحوها، ومنعه بعض السلف وزعم أنه لا يقال إلا: السورة التي تذكر فيها البقرة ونحوها، والحديث الصحيح حجة عليه. ووجوب الإنكار على من ارتكب ما ينهى عنه وإن كان مكروهًا غير محرم. وجواز الاكتفاء بالكلام في التعزير. والأمر بتخفيف الصلاة والتعزير على إطالتها إذا لم ترض الجماعة. وفيه جواز إمامة المتنفل بالمفترض وهو الذي تعلق به الشافعي، وسيجيء الجواب عن ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ص: وقد روي عن النبي ﵇ فيما كان يقرأ به في العشاء الآخرة نحو من هذا. حدثنا أحمد بن عبد المؤمن الخراساني، قال: ثنا علي بن الحسن بن شفيق، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ كان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، وأشباهها من السور".

стр. 1763

ش: إسناده صحيح، وأحمد بن عبد المؤمن وثقه ابن يونس وابن الجوزي، وعلي بن الحسن شيخ البخاري وغيره، والحسن بن واقد المروزي أبو عبد الله قاضي مرو روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وعبد الله بن بريدة أبو سهل المروزي روى له الجماعة، وأبوه بريدة بن الحصيب بن عبد الله الصحابي. وأخرجه الترمذي (١): ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، ونحوها من السور" وقال: حديث بريدة حديث حسن. وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسن بن واقد ... إلى آخره نحوه. ص: فإن قال قائل: فهل روي عن النبي ﵇ أنه قرأ في المغرب بقصار المفصل؟ قيل له: نعم. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﵇ قرأ في المغرب بالتين والزيتون". حدثنا يحيى بن إسماعيل أبو زكريا البغدادي، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا الضحاك بن عثمان، قال: حدثني بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في المغرب بقصار المفصل". حدثنا روح بن الفرج، قال: حدثنا أبو مصعب، قال: أنا المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، عن الضحاك، عن بكير، عن سليمان، عن أبي هريرة قال: "ما رأيت

стр. 1764

أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﵇ من فلان، قال بكير: فسألت سليمان -وكان قد أدرك ذلك الرجل- فقال: كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا عثمان بن مِكْتَل، عن الضحاك ... ثم ذكر بإسناده مثله. قال أبو جعفر ﵀: فهذا أبو هريرة ﵁ قد أخبر عن النبي ﵇ أنه كان يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل، فإن حملنا حديث جبير وما رويناه معه من الآثار على ما حمله عليه المخالف لنا؛ تضادت تلك الآثار وحديث أبي هريرة هذا، وإن حملناها على ما ذكرنا ائتلفت هي وهذا الحديث، وأولى بنا أن نحمل الآثار على الاتفاق لا على التضاد؛ فثبت بما ذكرنا أن ما ينبغي أن يقرأ به في صلاة المغرب هو قصار المفصل، وهذا قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد ﵏. ش: أخرج في جواب السائل، عن اثنين من الصحابة ﵃: أحدهما: عبد الله بن عمر، أخرج حديثه عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب نزيل مكة شيخ البخاري في أفعال العباد وشيخ ابن ماجه في "سننه"، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وعن النسائي: ليس بشيء. ووثقه ابن حبان ويحيى في رواية. عن وكيع بن الجراح، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن جابر بن يزيد الجعفي الكوفي، فيه مقال كثير. عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن عمر ﵁: "أن النبي ﵇ قرأ في المغرب بالتين والزيتون".

стр. 1765

والآخر: أبو هريرة ﵁ أخرج حديثه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يحيى بن إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف" و"المسند"، عن زيد بن الحباب -بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة- العكلي الكوفي من رجال مسلم والأربعة، عن الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي المدني الكبير من رجال مسلم والأربعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي المدني نزيل مصر من رجال الجماعة، عن سليمان بن يسار الهلالي أبي أيوب مولى ميمونة زوج النبي ﵇ -أخي عطاء بن يسار- من رجال الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده". الثاني: عن روح بن الفرج القطان شيخ الطبراني أيضًا عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث الزهري المدني الفقيه قاضي مدينة الرسول ﵇ وشيخ الجماعة سوى النسائي، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني، وثقه يعقوب بن شيبة وروى له أبو داود وابن ماجه، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار ... إلى آخره.

стр. 1766

وأخرجه النسائي (١): أنا عبيد الله بن سعيد، قال: ثنا عبد الله بن الحارث، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﵇ من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، فكان يطول الأوليين من الظهر ويخفف في الآخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وبأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢): ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا الضحاك بن عثمان، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، ثنا سليمان بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول: "ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﵇ من فلان -أميرًا كان بالمدينة- قال سليمان: فصليت أنا وراءه، فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الآخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل" انتهى. قوله: "من فلان" قيل: هو عمرو بن سَلِمَة الجرمي أبو بُريد، أدرك النبي ﵇، وكان يؤم قومه على عهد رسول الله ﵇ لأنه كان أكثرهم حفظًا للقرآن، وسَلِمَة بكسر اللام، وبُريد -بضم الباء الموحدة، وفتح الراء- وفي رواية ابن حبان: "من فلان أميرًا كان بالمدينة" كما ذكرنا. الثالث: عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة القرشي المخزومي أبي الحسن الكوفي ثم المصري المعروف بعلَّان، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عثمان بن مِكْتَل بكسر الميم، وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوق، عن الضحاك، عن بكير ... إلى آخره.

стр. 1767

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١)، ولكن من طريق النسائي. قوله: "فإن حملنا حديث جبير ... " إلى آخره ظاهر ولكن فيه ما فيه؛ وذلك لأنا إذا حملنا الأحاديث على اختلاف الأوقات والحالات كما ذكرنا فيما مضى لا يلزم التضاد ولا التنافي، فافهم. ص: وقد روي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زرارة بن أوقى قال: "أقرأني أبو موسى كتاب عمر ﵁ إليه: اقرأ في المغرب بآخر المفصل". ش: أي قد روي عن عمر بن الخطاب مثل ما روى أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، وبن ذلك بقوله: "حدثنا ... " إلى آخره وابن الأصبهاني هو محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، وشريك هو ابن عبد الله النخعي ثقة كبير، وعلي بن زيد بن جدعان ليس بقوي قاله أبو زرعة وأحمد، وعن يحيى: ليس بحجة. وعن أبي حاتم: ليس بقوى، يكتب حديثه ولا يحتج به، وكان ضريرًا وكان يتشيع، وزرارة بن أوفى العامري قاضي البصرة، من التابعين الثقات، ومات وهو ساجد، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس وكان عمر ﵁ استعمله على الكوفة والبصرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا شريك، عن علي بن زيد، عن زرارة بن أوفي قال: "أقرأني أبو موسى كتاب عمر ﵁ أن اقرأ بالناس في المغرب بآخر المفصل" انتهى. وآخر المفصل من ﴿لَم يَكُنِ﴾ إلى آخر القرآن.

стр. 1768

وروى عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى عمر بن الخطاب ﵁ صلاة المغرب فقرأ في الركعة الأولى بالتين والزيتون وطور سينين، وفي الركعة الأخرى ألم تر، ولإيلاف قريش". وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن الحصين وأبي بكر الصديق ﵃. فأثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو داود الطيالسي، عن قرة، عن النزال بن عمار، قال: حدثني أبو عثمان النهدي، قال: "صلى بنا ابن مسعود ﵁ المغرب، فقرأ قل هو الله أحد، فوددت أنه كان قرأ سورة البقرة من حسن صوته". وأخرجه أبو داود، (٣) والبيهقي (٤) أيضًا. وأثر ابن العباس أخرجه ابن أبي شيبة (٥) أيضًا: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس قال: "سمعته يقرأ في المغرب إذا جاء نصر الله والفتح". وأثر عمران بن الحصين أخرجه ابن أبي شيبة (٦) أيضًا: ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: "كان عمران بن الحصين يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات". وأثر أبي بكر الصديق ﵁ أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٧): عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، أن عبادة بن نُسَي أخبره، أنه سمع قيس بن

стр. 1769

الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي: "أنه صلى وراء أبي بكر الصديق ﵁ المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، ثم قرأ في الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ حتى ﴿الْوَهَّابُ﴾ " (١) انتهى. وعن مكحول (٢): "أن قراءته هذه الآية في الركعة الثالثة كانت على سبيل الدعاء". وروي نحو ذلك من التابعين أيضًا: فقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، قال: "سمعت سعيد بن جبير يقرأ في المغرب مرة: تنبئ أخبارها، ومرة ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ". ثنا (٤) وكيع، عن ربيع قال: "كان الحسن يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات لا يدعها". ثنا (٥) زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان قال: "رأيت عمر بن عبد العزيز يقرأ في المغرب بقصار المفصل". ثنا (٦) وكيع، عن محل قال: "سمعت إبراهيم يقرأ في الركعة الأولى من المغرب بـ إيلاف قريش". وأخرج البيهقي في "سننه" (٧): من حديث هشام بن عروة: "أن أباه كان يقرأ في المغرب بنحوٍ مما تقرءون والعاديات ونحوها من السور". والله تعالى أعلم.

стр. 1770

ص: باب: القراءة خلف الإمام ش: أي هذا باب في بيان حكم قراءة المقتدي خلف الإِمام، وجه المناسبة بين الأبواب ظاهرة؛ لأن كلها مشتمل على أحكام القراءة في الصلاة. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر فتعايَتْ عليه القراءة، فلما سلم قال: "أتقرءون خلفي؟ " قلنا: نعم يا رسول الله، قال: "فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". ش: رجاله ثقات، ومكحول بن زيد الشامي أحد مشايخ أبي حنيفة والأوزاعي والزهري، ومحمود بن الربيع بن سراقة الخزرجي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ويقال: أبا محمَّد، عقل عن النبي ﵇ مَجّه مَجَّها في وجهه من دلو من بئر في دارهم وهو ابن خمس سنين، وهو ختن عبادة بن الصامت ﵂. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد، أنا محمَّد بن إسحاق، عن مكحول عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الغداة، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لأراكم تقرءون وراء إمامكم، قلنا: نعم، والله يا رسول الله إناّ لنفعل هذا، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، ثنا محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحو رواية أحمد، غير أن في لفظه: "كنا خلف النبي ﵇ في صلاة الفجر".

стр. 1771

وأخرجه الترمذي (١): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: "صلى رسول الله ﵇ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرءون وراء إمامكم، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". قوله: "فتعايت" أي صعبت عليه القراءة وثقلت، وأصله من العيِّ وهو خلاف البيان، يقال: أعيى عليه الأمر وتَعَيىَّ وتَعَايَى كلها بمعنى واحد. قوله: "فلا تفعلوا" قال الخطابي: يحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد في القراءة على الفاتحة، ويحتمل أن يكون نهاهم عن الهذَّ وهو السرعة كما جاء في رواية أبي داود وأحمد، أراد يَهِذُّ القرآن هذًّا فيسرع فيه من غير تفكر ولا ترتيل، كما في قراءة الشعر، ونصبه على المصدر، وقيل: أراد بالهذِّ الجهر بالقراءة، وكانوا يلبِّسون عليه ﵇ قراءته بالجهر. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: أنا محمَّد بن إسحاق ... فدكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان رجالهما ثقات: الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي المدني، عن أبيه عباد بن عبد الله، عن عائشة.

стр. 1772

وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا الفضل بن يعقوب الجزري، ثنا عبد الأعلى، عن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن يزيد بن هارون ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء- بن هلال الباهلي، عن يزيد بن زريع، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره. قوله: "بأم القرآن" أراد بها فاتحة الكتاب، سميت بها لأنها فاتحة القرآن كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها، أو سميت بها لأنها عَلامَتهُ قال الشاعر: على رَأسِهِ أُمٌّ لنا يقتدى بها ... جماعَ أمورٍ لا يعَاصي له أمرًا (٣) وقيل: إنها مقدمه، والأم العمر الماضي لتقدمه، قال الشاعر: إذا كانت الخمسون أمك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب (٤) وقيل: لتمامها في الفضل. ومن أسمائها (٥): السبع المثاني، والوافية، والكافية، والأساس، والشافية، والكنز، والصلاة، وسورة تعلم المسألة، وسورة الواقعة، وسورة الحمد، والشكر، والدعاء، والفاتحة، وأول القرآن.

стр. 1773

وهي مكيّة. وقيل: مدنية ومكية؛ لأنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وهي سبع آيات بالاتفاق إلا أن منهم من عد ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس وقد ذكرناه، وسبع وعشرون كلمة، ومائة واثنان وأربعون حرفًا. قوله: "فهي خِداج" بكسر الخاء أي ذات خِداج، وهو النقصان، أو يكون وصفها بالمصدر مبالغة، من خَدَجَت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخَلْقِ، وأخدجته إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي الثدية: مخدج اليد، أي: ناقصها. ص: حدثنا يونس، قال: أنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول قال: رسول الله ﵇: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خدل، فهي خداج، غير تمام، فقلت: يا أبا هريرة، إني أكون أحيانًا وراء الإِمام، قال: اقرأها يا فارسي في نفسك". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وسعيد بن عامر، قالا: ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا أبو غسان، قال: ثنا العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي المدني، عن أبي السائب الأنصاري مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة ... إلى آخره.

стр. 1774

وأخرجه أبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه مع زيادة بعد قوله: "يا فارسي" وهي: "فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: قال الله : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ... " الحديث، ذكرنا تمامه في باب القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. وأخرجه مسلم (٢): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك نحوه. وأخرجه أيضًا (٢) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، وسعيد بن عامر الضبعي، كلاهما عن شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن المثنى، ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن أبي مريم الجمحي المصري شيخ البخاري، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، وروى عن العلاء أيضًا ورقاء والدراوردي وعبد الملك بن جريج. فحديث ورقاء أخرجه الطيالسي (٤): عنه، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج".

стр. 1775

وحديث الدراوردي أخرجه الحديث في "مسنده": عنه، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه. وحديث ابن جريج أخرجه ابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن ابن جريج، عن العلاء بن عبد الرحمن، أن أبا السائب أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵇ ... إلى آخره نحوه. قوله: "اقرأها يا فارسي" خطاب لأبي السائب، قال: محيي الدين النووي: ومما يؤيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم قول أبي هريرة هذا، ومعناه اقرأها سرًّا بحيث تُسمع نفسك. قلت: هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن المأموم مأمور بالإنصات؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ (٢) والإنصات: الإصغاء، والقراءة سرًّا بحيث يسمع نفسه تخل بالإنصات، فحينئذ يحمل ذلك على أن المراد: تدبر ذلك وتفكره، ولئن سلمنا القراءة حقيقة فلا نسلم أنه يدل على الوجوب، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات، ومنهم من استحسنها في غير الجهرية ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإِمام لحَّانًا. قوله: "قسمت الصلاة" المراد منها الفاتحة، وقد ذكرنا أن من جملة أسماء الفاتحة: الصلاة، سميت بها لأنها تقرأ دائمًا في سائر الصلوات. وقال النووي: فيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة، سميت بذلك لأنها لا تصلح الصلاة إلا بها، كقوله ﵇: "الحج عرفة". قلت: لا نسلم أن يلزم من تسميتها صلاة وجوبها بعينها؛ لأن تسميتها بذلك باعتبار أنها تقرأ في سائر الصلوات لا باعتبار أنها فرض بعينها, ولا يلزم من قراءتها في سائر الصلوات فرضيتها كالتسمية والتحميد ونحوهما فإن صلاة لا تخلو عن شيء

стр. 1776

من ذلك، وليس ذاك بفرض، وقياسه على قوله: "الحج عرفة" ليس بصحيح؛ لأن معنى هذا الكلام: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، وليست المعرفة بعينها عبارة عن الحج؛ لأن المعرفة لا تخلو إما أن تكون اسمًا لليوم المعهود، أو للموضع المعهود، وكل منهما ليس بحج ولا داخل في أركان الحج؛ فافهم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب إلى هذه الآثار قوم، وأوجبوا بها القراءة خلف الإِمام فى سائر الصلوات بفاتحة الكتاب. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، وداود؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار المذكورة وأوجبوا بها أي بالآثار المذكورة القراءة خلف الإِمام في جميع الصلوات بفاتحة الكتاب، و"الباء" فيه تتعلق بقوله: "القراءة" فافهم. وقال ابن العربي في "أحكام القرآن": ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يقرأ إذا أسر الإِمام خاصة قاله ابن القاسم. الثاني: قال ابن وهب وأشهب في كتاب محمَّد: لا يقرأ. الثالث: قال محمَّد بن عبد الحكم: يقرأها خلف الإِمام؛ فإن لم يفعل أجزأه كأنه رأى ذلك مستحبًّا، والأصح عندي وجوب قراءتها فيما أسر، وتحريمها فيما جهر إذا سمع قراءة الإمام لما فيه من فرض الإنصات له والاستماع لقراءته فإن كان منه في مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر. وقال أبو عمر في "التمهيد": لم يختلف قول مالك أنه من نسيها -أي الفاتحة- في ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل أصلًا. ولا تجزئه، واختلف قوله فيمن تركها ناسيًا في ركعة من الصلاة الرباعية أو الثلاثية، فقال مرة: يعيد الصلاة ولا تجزئه، وهو قول ابن القاسم وروايته واختياره من قول مالك، وقال مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو وتجزئه، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه. قال: وقد قيل: إنه يعيد تلك الركعة، ويسجد للسهو بعد السلام.

стр. 1777

قال: وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: لا تجزئه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة. وقال ابن قدامة في "المغنى": قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، وركن من أركانها، لا تصح إلا بها في المشهور عن أحمد، نقله عنه الجماعة، وهو قول مالك والشافعي، وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير ﵃ أنهم قالوا: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وروي عن أحمد رواية أخرى: أنها لا تتعين، وتجزئ قراءة آية من القرآن من أي موضع كان، وهذا قول أبي حنيفة. وقال ابن حزم في "المحلى": وقراءة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة، إمامًا كان أو مأمومًا، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء. ص: وخالفهم ذلك آخرون، فقالوا: لا نرى أن يقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات بفاتحة الكتاب ولا بغيرها. ش: أي خالف القوم المذكورين فيما قالوا جماعةٌ آخرون، وأراد بهم الثوريَّ، والأوزاعيَّ -في رواية- وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد -في رواية-، وعبد الله بن وهب، وأشهب المالكي؛ فإنهم قالوا: لا يقرأ المؤتم خلف الإِمام في شيء من الصلوات بفاتحة الكاتب ولا بغيرها. وقال عياض: وذهب الكوفيون إلى ترك قراءة المأموم في كل حال، وهو قول أشهب، وابن وهب من أصحابنا، وعامّة أصحاب مالك، وابن المسيب في جماعة من التابعين وغيرهم. وفقهاء الحجاز والشام على أنه لا يقرأ معه فيما جهر به وإن لم يسمعه، ويقرأ فيما أَسَرَّ الإِمام، ووافقهم أحمد، إلا أنه قال: يقرأ إذا لم يسمعه في الجهر، وذهب أكثر هؤلاء إلى أن القراءة خلف الإِمام غير واجبة إلا داود وأحمد وأصحاب الحديث، فجعلوا قراءة أم القرآن للمأموم فيما أسر فيه إمامه فرضًا، واختلف النقل عن

стр. 1778

المذهب فيها بالسنة والاستحباب، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن المأموم لا يترك قراءة أم القرآن على كل حال، وإليه رجع الشافعي وأكثر أصحابه. انتهى. وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها، والله أعلم. ص: وكان من الحجة لهم عليهم في ذلك أن حديثي أبي هريرة وعائشة ﵄ اللذين رووهما عن النبي ﷺ : "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ" ليس في ذلك دليل على أنه أراد بذلك الصلاة التي تكون وراء الإِمام، فقد يجوز أن يكون أراد بذلك أن تكون الصلاة التي لا إمام فيها للمصلي، وأخرج من ذلك المأموم بقوله ﵇: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة"، فجعل المأموم في حكم من قرأ بقراءة إمامه، وكان المأموم بذلك خارجا من قوله ﵇ كل من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فصلاته خداج، وقد رأينا أبا الدرداء ﵁ قد سمع من النبي ﵇ في ذلك مثل هذا، فلم يكن ذلك عنده على المأموم. كما حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح (ح) وكما حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: حدثني محمَّد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا معوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، في كل الصلاة قرآن؟ قال: نعم، فقال رجل من الأنصار: وجبت. قال: وقال لي أبو الدرداء: أُرَى أن الإِمام إذا أم القوم فقد كفاهم". قال أبو جعفر ﵀: فهذه أبو الدرداء قد سمع من النبي ﵇ في كل الصلاة قرآن، فقال رجل من الأنصار: وجبت. فلم ينكر ذلك رسول الله ﵇ من قول الأنصاري، ثم قال أبو الدرداء: بعدُ من رأيه ما قال، وكان ذلك عنده على من

стр. 1779

يصلي وحده، وعلى الإِمام، لا على المأمومين فقد خالف ذلك رأي أبي هريرة ﵁ أن ذلك على المأموم مع الإِمام، فانتفى بذلك أن يكون في ذلك حجة لأحد الفريقين على صاحبه. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخرين على أولئك القوم المذكورين في ذلك، أي فيما استدلوا بحديثي أبي هريرة وعائشة على وجوب قراءة فاتحة الكتاب خلف الإِمام: أنه ليس فيهما دليل على أن يكون المراد هو الصلاة التي يكون وراء الإِمام، فقد يجوز أن يكون المراد بذلك هو الصلاة التي لا إمام فيها للمصلي، ويخرج من ذلك المأموم بحديث آخر، وهو ما رواه جابر ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "من كان له إمام، فقراءة الأمام له قراءة" (١) فقد خص هذا الحديث عموم ذاك الحديث. الحاصل: أن أهل المقالة الأولى قالوا: إن قوله ﵇: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" عام؛ لأن لفظ "كل" إذا أضيف إلى النكرة يقتضي عموم الأفراد، فالمعنى كل واحد واحد من أفراد الصلاة لم يقرأ فيه بأم القرآن فهو خداج، فيتناول بعمومه صلاة المأموم، وأجاب أهل المقالة الثانية عن ذلك: أن هذا عام مخصوص، فخرج منه حكم المأموم، فبقي حديث أبي هريرة وعائشة مقصورين على الإِمام والمنفرد، ثم إن الطحاوي ﵀: أيد كلامه بما رواه عن أبي الدرداء، وذلك أنه قد سمع عن النبي ﵇: "في كل الصلاة قرآن؟ قال: نعم. فقال رجل من الأنصار: وجبت" أي القراءة في جميع الصلوات، فلم ينكر ذلك رسول الله ﵇ عليه، ثم قال أبو الدرداء بعد ذلك من رأيه: "أُرَى أن الإِمام إذا أم القوم فقد كفاهم" أي عن

стр. 1780

القراءة، وإنما قال ذلك إما بناء على ما سبق له من العلم بقوله ﵇: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة" (١)، وإما قال ذلك بطريق الاجتهاد لما أن الإِمام ضامن لصلاة القوم، ومن ضمانه أن يتحمل عنهم القراءة، فصار معنى الحديث عنده على من يصلي وحده وعلى الإِمام، لا على المأموم ولا يقال هذا رأيًا في مقابلة النص؛ لأنا نقول: إنه لم يصدر ذلك عن أبي الدرداء إلا بعد علمه وجزمه بأن مراد النبي ﵇ من قوله: "كل صلاة لم يقرأ فيها ... " الحديث، صلاة من لا إمام له، فإذا كان الأمر كذلك فقد خالف رأي أبي الدرداء رأي أبي هريرة أن ذلك على المأموم مع الإِمام، وذلك قوله: "اقرأها يا فارسي في نفسك" فإذا اختلف الرأيان في الحديث المذكور لم يبق فيه حجة لأحد، ثم إذا حملنا قول أبي هريرة: "اقرأها يا فارسي في نفسك" على معنى تَدَبَّر ذلك وتذكره في نفسك، يتفق رأيه مع رأي أبي الدرداء، ويرتفع الخلاف، ويعمل بالحديثين كليهما. وأما الجواب عن قول من استدل بحديث أبي هريرة على فرضية قراءة فاتحة الكتاب فهو أن يقال: إن الاستدلال كذلك فاسد؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢) يقتضي قراءة مطلق القرآن، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص بخبر الواحد، وذا لا يجوز؛ لأنه نسخ، ولأنه روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". رواه أبو داود (٣) والطبراني في "الأوسط" (٤) وروي عنه أيضًا: "أمرني رسول الله ﵇ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد".

стр. 1781

رواه أبو داود (١). فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلا بفاتحة الكتاب دلت الأخرى على جوازها بلا فاتحة الكتاب، فيعمل بالحديثين ولا نهمل أحدهما بأن نقول بفرضية مطلق القراءة، وبوجوب قراءة فاتحة الكتاب، وهذا هو العدل في باب إعمال الأخبار. وأيضًا فإن قوله: "فما زاد" دلالة على فرضية ما زاد على الفاتحة، وليس ذاك مذهب الخصم. وجواب آخر: أن الحكم يثبت بقدر دليله، وخبر الواحد ليس قطعيًّا فلا تثبت به الفرضية، نعم يثبت به الوجوب، ونحن نقول به، فإن كان الخصم يقول: الواجب والفرض عندي سواء، فنقول حينئذ: النزاع لفظي. وجواب آخر: أن قوله: "خداج" قد ذكرنا أن معناه: ناقص، ونحن نقول أيضًا: إن المصلي إذا لم يقرأ فاتحة الكتاب تكون صلاته ناقصة، وأما الاستدلال به على أنها تكون باطلةً باطلٌ؛ لأن معنى الخداج لا ينبئ عن ذلك بل قوله في الحديث: "غير تمام" يرد هذا؛ فإن عدم كونها تمامًا لا يستلزم البطلان، وهذا ظاهر. فإن قيل: هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول فصارت كالمشهور، وبالمشهور تثبت الفرضية. قلت: سلمنا إذا لم يعارضه دليل آخر، فالله تعالى نص بقوله: ﴿مَا تَيَسَّرَ﴾ فمتى عيَّنَا الفاتحة فرضًا ينقلب اليسر عسرًا، وهو خلاف النص فيرد، فافهم. ثم إنه أخرج حديث أبي الدرداء من طريقين صحيحين: الأول: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني أبي عبد الله المصري وثقه ابن يونس، عن عبد الله بن وهب من رجال الجماعة، عن معاوية بن صالح بن حدير الحمصي قاضي الأندلس من رجال مسلم والأربعة، عن أبي الزاهرية الحمصي واسمه حدير بن كريب من رجال مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن كثير بن مرة الحضرمي

стр. 1782

الرهاوي أبي شجرة الحمصي الشامي من رجال الأربعة، قال العجلي: تابعي شامي ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. عن أبي الدرداء واسمه عويمر بن مالك ﵁. وأخرجه الدارقطني (١): ثنا ابن [مخلد] (٢)، ثنا شعيب بن أيوب وغيره، قالوا: ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، ثنا أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ : أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فقال رسول الله ﵇ لي -وكنت أقرب القوم إليه-: ما أُرَى الإِمام إذا أمّ القوم إلا قد كفاهم". كذا قال، والصواب: "فقال أبو الدرداء: ما أُرَى الإِمام إذا أمّ القوم إلا قد كفاهم". وأخرجه الدارقطني (٣): أيضًا عن بحر بن نصر شيخ الطحاوي، وقال: حدثنا عبد الملك بن أحمد الدقاق، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، حدثني معاوية بهذا، وقال: قال أبو الدرداء: يا كثير، ما أرى الإِمام إلا قد كفاهم. الثاني: عن أحمد بن داود بن موسى المكي، عن محمَّد بن المثنى بن عبيد أبي موسى البصري الحافظ المعروف بالزمن شيخ الجماعة، عن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري أبي سعيد اللؤلؤي البصري من رجال الجماعة، عن معاوية بن صالح ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٤): أنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني أبو الزاهرية، قال: حدثني كثير بن مرة الحضرمي، عن أبي الدرداء سمعه يقول: "سئل رسول ﵇ أفي كل صلاة

стр. 1783

قراءة؟ قال: نعم، قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إليّ وكنت أقرب القوم منه، فقال: ما أُرَى الإِمام إذا أمّ القوم إلَّا قد كفاهم". قال أبو عبد الرحمن: هذا عن رسول الله ﵇ خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء، ولم يقرأ هذا مع الكتاب. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (١) ولكن من غير هذا الطريق: ثنا علي بن محمَّد، نا إسحاق بن سليمان، نا معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: "سأله رجال فقال: أقرأ والإمام يقرأ؟ قال: سأل رجل النبي ﵇ أفي كل الصلاة قراءة؟ فقال رسول الله ﵇: نعم، فقال رجل من القوم: وجب هذا". ص: وأما حديث عبادة ﵁ فقد بين الأمر، فأخبر عن رسول الله ﵇ أنه أمر المأمومين بالقراءة خلف الإِمام بفاتحة الكتاب، فأردنا أن ننظر هل ضاد ذلك غيرُهُ أم لا؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﵇: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﵇ فيما جهر به رسول الله ﵇ بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك منه". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي، عن الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه، غير أنه قال: "فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرءون". ش: هذا جواب عن حديث عبادة المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى في وجوب القراءة بأم الكتاب خلف الإِمام في سائر الصلوات، بيانه:

стр. 1784

أن حديث أبي هريرة هذا يعارضه؛ لأنه يصرح بانتهاء الناس عن القراءة مع رسول الله ﵇ فيما جهر به رسول الله ﵇ بالقراءة من الصلوات، وحديث عبادة أخبر أنه أمر المأمومين بالقراءة خلفه بفاتحة الكتاب مطلقًا، فبينهما تعارض ظاهرًا في حكم القراءة في الجهرية، وحديث أبي هريرة الآخر الذي يأتي عن قريب وهو قوله: "فإذا قرأ فأنصتوا" يعارضه مطلقًا، سواء كان في الجهرية أو في السرية، وكذلك أحاديث ابن مسعود وجابر وابن عمر وأنس بن مالك كلها تعارض حديث عبادة على ما يأتي مفصلًا، فإذا ثبت التعارض يجب الرجوع في أخذ الحكم إلى طريق النظر، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وجواب آخر: أن قوله ﵇ "لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب" في حديث عبادة يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يؤمروا بالإنصات عند قراءة القرآن، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١) بطلت القراءة خلف الإِمام، وقد وردت أخبار في أن هذه الآية نزلت في القراءة خلف الإِمام. والدليل على ما قلنا: ما أخرجه البيهقي (٢): عن مجاهد قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار، فنزل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وأخرج عن الإِمام أحمد (٣) قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة. ويحتمل أن يكون ذلك بطريق تحصيل الفضيلة والكمال لا الوجوب للأحاديث التي وردت في منع المقتدي عن القراءة. وقوله: "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" معناه لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بها، ونحن نقول أيضًا بذلك، ولكن هذا في حق الإِمام والمنفرد، وأما المقتدي فليس عليه ذلك أصلًا.

стр. 1785

فإن قالوا: المقتدي مصلٍّ، وكل فصل تجب عليه القراءة، فالمقتدي تجب عليه القراءة. قلنا: المقتدي أيضًا قارئ؛ لأن قراءة إمامه قراءته وليست صلاة المقتدي صلاة بلا قراءة، بل صلاته صلاة بقراءة. وقال الخطابي: هذا الحديث يصرح بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإِمام، سواء جهر الإِمام بالقراءة أو خافت بها. وإسناده جيد لا طعن فيه. قلت: فيما ذكرنا جواب عما قاله، ولو كان الحديث عليهم لأعلُّوه بمحمد بن إسحاق كما هو عادة البيهقي وأمثاله، فلما صار لهم جعلوا إسناده جيدا لا طعن فيه، نعم لا طعن فيه ولكن محمله ما ذكرناه، فافهم. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة هذا من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ انصرف من صلاة ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه الترمذي (٢): نا الأنصاري، قال: نا معن، قال: نا مالك بن أنس، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٣): أنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه.

стр. 1786

فإن قيل: كيف تقول طريقه صحيح وقد قال: البيهقي: في صحة هذا الحديث نظر؛ لأن راويه ابن أكيمة الليثي رجل مجهول لم يحدث إلَّا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري؟ قلت: أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه" (١)، وحسنه الترمذي، وقال: اسمه عمارة، ويقال: عمرو، وقيل: اسمه عامر، وقيل: يزيد، وقيل: عباد، وكنيته أبو الوليد الحجازي، وقال ابن حبان في "صحيحه": اسمه عمرو، وهو وأخوه عمر ثقتان. وقال ابن معين: روى عنه محمَّد بن عمرو وغيره. وحسبك برواية ابن شهاب عنه، وأبو داود لما أخرج حديثه لم يتعرض له بشيء، وذلك دليل على حسنه عنده كما عرف (٢). وفي "الكمال" لعبد الغني: روى عن ابن أكيمة: مالك، ومحمد بن عمرو. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صحيح الحديث، حديثه مقبول. وفي "التمهيد": كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال هو وابن شهاب، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته، وهذا كله ينفي الجهالة. الثاني: عن حسين بن نمر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وهذا على شرط الصحيح. وأخرجه البزار: ثنا محمد بن مسكين، نا بشر بن بكر، نا الأوزاعي، حدثني محمَّد بن مسلم الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: "قرأ ناس مع رسول الله ﷺ في صلاةٍ جَهَرَ فيها

стр. 1787

بالقراءة، فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته أقبل عليهم فقال: "هل قرأ منكم معي أحد آنفًا"؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ ". وهذا الحديث رواه ابن عيينة، ومعمر، وجماعة من أصحاب الزهري، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة وهو الصواب. وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث، عن سعيد بن المسيب، وأخطأ في إسناده، ورواه ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن الأعرج عن ابن بحينة، عن النبي ﵇. فأخطأ في إسناده. قوله: "ما لي أنازع القرآن" بصيغة المجهول، ونصب القرآن، ومعناه: ما لي إذا أداخل في القراءة وأغالب عليها؟ وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمداولة، ومنه منازعة الكأس في المُدَام. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحسين بن عبد الأول الأحول، قال: ثنا أبو خالد سليمان بن حيان، قال: ثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا قرأ فانصتوا". ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي، والحسن بن عبد الأول الكوفي الأحول وثقه ابن حبان، وأبو خالد سليمان بن حيان -بفتح الحاء، وتشديد الياء آخر الحروف- الأزدي الكوفي المعروف بأبي خالد الأحمر روى له الجماعة، ومحمد بن عجلان المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وزيد بن أسلم القرشي أبو أسامة المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب وشيخ أبي حنيفة روى له الجماعة، وأبو صالح ذكوان الزيات روى له الجماعة.

стр. 1788

وأخرجه أبو داود (١): نا محمَّد بن آدم، نا أبو خالد، عن ابن عجلان ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "ليؤتم به" بهذا الخبر، وزاد: "وإذا قرأ فأنصتوا". وأخرجه النسائي (٢): أنا الجارود بن المعاذ الترمذي، قال: ثنا أبو خالد ... إلى آخره، ولفظه: "ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد". أنا (٣) محمَّد بن عبد الله بن المبارك، قال: ثنا محمَّد بن سعد الأنصاري، قال: حدثني محمَّد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا أبو خالد ... إلى آخره، ولفظه بعد قوله: "فأنصتوا" "وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا". وأخرجه ابن ماجه في "سُنَنه" (٥): عن ابن أبي شيبة نحوه. وهذا حجة صريحة -في أن المقتدى لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإِمام أصلًا- على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر. فإن قيل: قد قال أبو داود عقيب إخراجه هذا الحديث: وهذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد عندنا.

стр. 1789

وقال البيهقي في "المعرفة" (١) بعد أن روى هذا الحديث: أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث؛ أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدارقطني، وقالوا: إنها ليست بمحفوظة. وأسند عن ابن معين في "سننه الكبير" (٢): قال في حديث ابن عجلان: "وإذا قرأ فأنصتوا" قال: ليس بشيء. وكذا قال الدارقطني (٣): في حديث أبي موسى الأشعري: "وإذا قرأ الإِمام فأنصتوا" وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه، منهم هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة، ولم يقل أحد منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا" قال: إجماعهم يدل على وهمه. وعن أبي حاتم: ليست هذه الكلمة محفوظة، إنما هي من تخاليط ابن عجلان. قلت: في هذا كله نظر، أما ابن عجلان فإنه وثقه العجلي، وفي "الكمال" لعبد الغني: ثقة كثير الحديث، وذكر الدارقطني أن مسلما أخرج له في "صحيحه" فهذا زيادة ثقة، وقد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء. كما ذكره البيهقي في "سننه الكبير" (٤). وأما أبو خالد فإنه ثقة أخرج له الجماعة، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت وكيعًا عنه فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟! وقال أبو هشام الرفاعي: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين، ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة. فقد أخرج النسائي (٥) كما ذكرنا هذا الحديث بهذه الزيادة من طريق محمَّد بن سعد الأنصاري، ومحمد بن سعد ثقة وثقه يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المخرمي والنسائي، فقد تابع ابن سعد هذا أبا خالد، وتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان.

стр. 1790

كما أخرجه البيهقي في "سننه" (١). وبهذا ظهر أن الوهم ليس من أبي خالد كما زعم أبو داود، وقد ذكر المنذري في "مختصره" كلام أبي داود ورد عليه بنحو ما قلنا، وابن خزيمة صحح حديث ابن عجلان. ويؤكد هذا ما يوجد في بعض نسخ مسلم (٢) هذه الزيادة عقيب هذا الحديث، وقال أبو إسحاق صاحب مسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في حديث جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ الإِمام فأنصتوا ... " الحديث. أخرجه ابن ماجه (٣) والبيهقي (٤) وغيرهما (٥)، قال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟! وقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة تقول هذا صحيح يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"؟ فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لا تضعه ها هنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه. فقد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ومن حديث أبي هريرة، وذكر أبو عمر في "التمهيد" بسنده عن ابن حنبل أنه صحح الحديثين يعني حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة هذا، وأيضًا هذه الزيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، والعجب من أبي داود أنه نسب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا شك، ولم ينسبه إلى ابن عجلان وفيه كلام؛ فافهم.
следующие страницы →