فإن قيل: كيف تقول طريقه صحيح وقد قال: البيهقي: في صحة هذا الحديث نظر؛ لأن راويه ابن أكيمة الليثي رجل مجهول لم يحدث إلَّا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري؟
قلت: أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه" (١)، وحسنه الترمذي، وقال: اسمه عمارة، ويقال: عمرو، وقيل: اسمه عامر، وقيل: يزيد، وقيل: عباد، وكنيته أبو الوليد الحجازي، وقال ابن حبان في "صحيحه": اسمه عمرو، وهو وأخوه عمر ثقتان. وقال ابن معين: روى عنه محمَّد بن عمرو وغيره. وحسبك برواية ابن شهاب عنه، وأبو داود لما أخرج حديثه لم يتعرض له بشيء، وذلك دليل على حسنه عنده كما عرف (٢).
وفي "الكمال" لعبد الغني: روى عن ابن أكيمة: مالك، ومحمد بن عمرو. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صحيح الحديث، حديثه مقبول. وفي "التمهيد": كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال هو وابن شهاب، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته، وهذا كله ينفي الجهالة.
الثاني: عن حسين بن نمر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ... إلى آخره.
وهذا على شرط الصحيح. وأخرجه البزار: ثنا محمد بن مسكين، نا بشر بن بكر، نا الأوزاعي، حدثني محمَّد بن مسلم الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: "قرأ ناس مع رسول الله ﷺ في صلاةٍ جَهَرَ فيها
стр. 1787
بالقراءة، فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته أقبل عليهم فقال: "هل قرأ منكم معي أحد آنفًا"؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ ". وهذا الحديث رواه ابن عيينة، ومعمر، وجماعة من أصحاب الزهري، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة وهو الصواب.
وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث، عن سعيد بن المسيب، وأخطأ في إسناده، ورواه ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن الأعرج عن ابن بحينة، عن النبي ﵇. فأخطأ في إسناده.
قوله: "ما لي أنازع القرآن" بصيغة المجهول، ونصب القرآن، ومعناه: ما لي إذا أداخل في القراءة وأغالب عليها؟ وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمداولة، ومنه منازعة الكأس في المُدَام.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحسين بن عبد الأول الأحول، قال: ثنا أبو خالد سليمان بن حيان، قال: ثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا قرأ فانصتوا".
ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي، والحسن بن عبد الأول الكوفي الأحول وثقه ابن حبان، وأبو خالد سليمان بن حيان -بفتح الحاء، وتشديد الياء آخر الحروف- الأزدي الكوفي المعروف بأبي خالد الأحمر روى له الجماعة، ومحمد بن عجلان المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وزيد بن أسلم القرشي أبو أسامة المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب وشيخ أبي حنيفة روى له الجماعة، وأبو صالح ذكوان الزيات روى له الجماعة.
стр. 1788
وأخرجه أبو داود (١): نا محمَّد بن آدم، نا أبو خالد، عن ابن عجلان ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "ليؤتم به" بهذا الخبر، وزاد: "وإذا قرأ فأنصتوا".
وأخرجه النسائي (٢): أنا الجارود بن المعاذ الترمذي، قال: ثنا أبو خالد ... إلى آخره، ولفظه: "ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد".
أنا (٣) محمَّد بن عبد الله بن المبارك، قال: ثنا محمَّد بن سعد الأنصاري، قال: حدثني محمَّد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا أبو خالد ... إلى آخره، ولفظه بعد قوله: "فأنصتوا" "وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا".
وأخرجه ابن ماجه في "سُنَنه" (٥): عن ابن أبي شيبة نحوه.
وهذا حجة صريحة -في أن المقتدى لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإِمام أصلًا- على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر.
فإن قيل: قد قال أبو داود عقيب إخراجه هذا الحديث: وهذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد عندنا.
стр. 1789
وقال البيهقي في "المعرفة" (١) بعد أن روى هذا الحديث: أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث؛ أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدارقطني، وقالوا: إنها ليست بمحفوظة.
وأسند عن ابن معين في "سننه الكبير" (٢): قال في حديث ابن عجلان: "وإذا قرأ فأنصتوا" قال: ليس بشيء.
وكذا قال الدارقطني (٣): في حديث أبي موسى الأشعري: "وإذا قرأ الإِمام فأنصتوا" وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه، منهم هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة، ولم يقل أحد منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا" قال: إجماعهم يدل على وهمه. وعن أبي حاتم: ليست هذه الكلمة محفوظة، إنما هي من تخاليط ابن عجلان.
قلت: في هذا كله نظر، أما ابن عجلان فإنه وثقه العجلي، وفي "الكمال" لعبد الغني: ثقة كثير الحديث، وذكر الدارقطني أن مسلما أخرج له في "صحيحه" فهذا زيادة ثقة، وقد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء.
كما ذكره البيهقي في "سننه الكبير" (٤). وأما أبو خالد فإنه ثقة أخرج له الجماعة، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت وكيعًا عنه فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟! وقال أبو هشام الرفاعي: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين، ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة.
فقد أخرج النسائي (٥) كما ذكرنا هذا الحديث بهذه الزيادة من طريق محمَّد بن سعد الأنصاري، ومحمد بن سعد ثقة وثقه يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المخرمي والنسائي، فقد تابع ابن سعد هذا أبا خالد، وتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان.
стр. 1790
كما أخرجه البيهقي في "سننه" (١). وبهذا ظهر أن الوهم ليس من أبي خالد كما زعم أبو داود، وقد ذكر المنذري في "مختصره" كلام أبي داود ورد عليه بنحو ما قلنا، وابن خزيمة صحح حديث ابن عجلان.
ويؤكد هذا ما يوجد في بعض نسخ مسلم (٢) هذه الزيادة عقيب هذا الحديث، وقال أبو إسحاق صاحب مسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في حديث جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ الإِمام فأنصتوا ... " الحديث.
أخرجه ابن ماجه (٣) والبيهقي (٤) وغيرهما (٥)، قال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟! وقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة تقول هذا صحيح يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"؟ فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لا تضعه ها هنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.
فقد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ومن حديث أبي هريرة، وذكر أبو عمر في "التمهيد" بسنده عن ابن حنبل أنه صحح الحديثين يعني حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة هذا، وأيضًا هذه الزيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، والعجب من أبي داود أنه نسب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا شك، ولم ينسبه إلى ابن عجلان وفيه كلام؛ فافهم.
стр. 1791
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، قال: ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كانوا يقرءون خلف النبي ﵇، فقال: خلطتم عليَّ القراءة".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي الكوفي.
وأخرجه ابن أبي شيية في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن عبد الله الأسدي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا نقرأ خلف النبي ﵇، فقال: خلطتم عليَّ القرآن".
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا محمَّد بن بشار وعمرو بن علي، قالا: ثنا أبو أحمد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
قوله: "خلطتم" من التخليط وهو التخبيط.
ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن يعقوب، عن النعمان -وهو أبو حنيفة- عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر بن عبد الله ﵁، أن النبي ﵇ قال: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي ﵇ مثله، ولم يذكر جابرًا.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي ﵇ نحوه.
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا إسحاق بن منصور السلولي، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن جابر وليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 1792
حدثنا ابن أبي داود وفهد، قالا: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا الحسن ابن صالح، عن جابر -يعني الجعفي- عن أي الزبير، عن جابر عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه خمس طرق:
الأول: مسند صحيح ورجاله ثقات، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبو عبد الله المصري، بحشل ابن أخي عبد الله بن وهب، شيخ مسلم، وأبي حاتم، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري وغيرهم، وعمه عبد الله بن وهب روى له الجماعة، والليث بن سعد المصري روى له الجماعة، ويعقوب هو أبو يوسف القاضي أكبر أصحاب أبي حنيفة، قال ابن معين: كان ثقة عدلًا صدوق، وقال ابن المديني: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
والنعمان هو ابن ثابت الكوفي الإِمام الأعظم أبو حنيفة صاحب المذهب.
وموسى بن أبي عائشة الهمداني الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله بن شداد بن الهاد أبو الوليد المدني روى له الجماعة.
فإن قلت: كيف تقول مسند صحيح وقد قال الدارقطني (١): ثنا علي بن عبد الله بن مبشر، ثنا محمَّد بن حرب الواسطي، ثنا إسحاق الأزرق، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان.
وقال أيضًا (٢): حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا يوسف بن يعقوب بن أبي الأزهر التيمي، ثنا عبيد بن يعيش، ثنا يونس بن بكير، ثنا أبو حنيفة والحسن ابن عمارة بهذا، الحسن بن عمارة متروك الحديث، وروى هذا الحديث سفيان
стр. 1793
الثوري، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وأبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلًا عن النبي ﵇، وهو الصواب.
قلت: قد ظهر لك من هذا تحامل الدارقطني على أبي حنيفة وتعصبه الفاسد فمن أين له ولأمثاله تضعيف إمام قد بلغ علمه حيث ما بلغ الإِسلام، وانتشر مذهبه في الآفاق، وأطبقت الخاصة والعامة من السلف والخلف على زهده وورعه وقوة تمكنه في الدين، وقد تقلد مذهبه وأثنى عليه من هو أكبر منه ومن أمثاله عند الله تعالى وعند الناس كسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، والليث بن سعد، ويحيى القطان، وأضرابهم، ووثقه من هم أعرف بهذا الشأن وأتقن في الحفظ والضبط والتبيان كيحيى بن معين، وابن عيينة، وشعبة، وعبد الرزاق، والشافعي، ومالك، وأحمد، وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأثبات، والأكابر الثقات، ولكن صدق الشاعر حيث يقول:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأوه ... والقوم أعداء له وخصوم
وفي المثل السائر: البحر لا يكدره وقوع الذباب، ولا ينجسه ولوغ الكلاب. على أن حديث جابر هذا له طرق متعددة، وإن كان بعضها مدخولًا ولكن يشد بعضها بعضًا.
وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بسند صحيح وقال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كل من كان له إمام فقراءة له قراءة". وهذا سند صحيح يؤكد صحة رواية أبي حنيفة مسندًا، وكذا رواه أبو نعيم: عن الحسن بن صالح، عن أبي الزبير كذا في أطراف المزي (٢).
стр. 1794
فإن قيل: هذا منقطع؛ لأن جابرًا الجعفيَّ بين الحسن وأبي الزبير.
قلت: أبو الزبير محمَّد بن مسلم توفي سنة ثمان وعشرين ومائة، قاله الترمذي وغيره، والحسن بن صالح ولد سنة مائة وتوفي سنة تسعة وستين ومائة وسماعه من أبي الزبير ممكن، ومذهب الجمهور أن من أمكن لقاؤه لشخص وروى عنه فروايته محمولة على الاتصال، فيحمل عك أن الحسن سمعه من أبي الزبير مرة بلا واسطة، ومرة أخرى بواسطة الجعفي فافهم.
الثاني: مرسل، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة الكوفي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد المدني التابعي، عن النبي ﷺ .
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي قال: "صلى النبي ﷺ الظهر -أو العصر- فجعل رجل يقرأ خلف النبي ﷺ ، ورجل ينهاه، فلما صلى قال: يا رسول الله، كنت أقرأ وكان هذا ينهاني، فقال له رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فإن قراءة الأمام له قراءة".
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٢): عن شريك وجرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له إمام فقراءته له قراءة".
الثالث: فيه مجهول، عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي ﵇ قال: "من كان له إمام فقراء الأمام له قراءة ". وقد ذكر الدارقطني أن إسرائيل أيضًا روى هذا الحديث عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، مرسلًا.
стр. 1795
الرابع: مسند صحيح، عن أبي أميّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن إسحاق بن منصور السلولي أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الحسن بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، وليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر بن عبد الله، الأنصاري ﵁.
فإن قيل: كيف تقول: هذا صحيح.
وقد قال الدارقطني (١): ثنا محمَّد بن مخلد، قال: ثنا محمَّد بن سعد العوفي، ثنا إسحاق بن منصور ويحيى بن أبي بكير، عن الحسن بن صالح، عن ليث بن أبي سليم وجابر، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﵇ قال: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". جابر وليث ضعيفان؟
قلت: ليث هذا روى عنه الأئمة الكبار كالثوري وشريك وشعبة وفضيل بن عياض وحفص بن غياث والإمام أبو حنيفة، واستشهد به البخاري في الصحيح وروى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتجت به الأربعة، وجابر بن يزيد وإن كان ضعيفًا فيما زعمه فقد ذكر متابعة، على أنَّا قد ذكرنا أن هذا رُوي من طريق الحسن بن صالح بإسناد صحيح.
الخامس: مسند أيضًا، وفيه جابر بن يزيد الجعفي وهو مختلف فيه، عن إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، وفهد بن سليمان الكوفي كلاهما، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن الحسن بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇.
وأخرجه الدارقطني (٢): ثنا محمَّد بن مخلد، ثنا العباس بن محمَّد، ثنا أبو نعيم، ثنا الحسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 1796
وأخرجه البيهقي (١) أيضًا.
قلت: هذا الطريق ينبغي أن يكون صحيحًا؛ لأنا قد ذكرنا أن الحسن بن صالح قد روى عن أبي الزبير من غير واسطة جابر الجعفي.
كما مَرَّيْ رواية ابن أبي شيبة (٢)؛ فحينئذ لا يبقى كلام في صحة هذا الحديث، وإسناده على ما لا يخفى، ولهذا المعنى ذكره الطحاوي بطرق مختلفة.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا ابن حيّ، عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مثله.
ش: أشار بهذا إلى أن الحديث المروي عن جابر رُوي عن عبد الله بن عمر أيضًا، وفيه تأكيد لصحة الحديث.
أخرجه عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن الحسن بن صالح بن حيّ الكوفي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر ﵄ مثل الحديث المذكور.
وأخرج الدارقطني في "سننه" (٣): عن محمَّد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من كان له إمام فقراءته له قراءة".
قال الدارقطني: محمَّد بن الفضل متروك.
ثم أخرجه (٤): عن خارجة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا أنه قال في القراءة خلف الإِمام: "تكفيك قراءة الإِمام". قال: وهو الصواب.
стр. 1797
قلت: رواه مالك في "الموطأ" (١): عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا صلى أحدكم خلف الإِمام فحسبه قراءة الإِمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإِمام".
ص: حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا يحيى بن سلام، قال: أنا مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن وهب بن كيسان، عن جابر، مثله، ولم يذكر النبي ﵇.
حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي وفهد بن سليمان, قالا: ثنا إسماعيل ابن بنت السدي، قال: ثنا مالك ... فذكر هذا الحديث مثله بإسناده قال: فقلت لمالك: أرفعه؟ فقال: خذوا برجله.
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: مرفوع، أخرجه عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة التميمي أبي زكرياء البصري، عن مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان القرشي أبي نعيم المدني المعلم من رجال الجماعة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي ﵇.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا بحر بن نصر، ثنا يحيى بن سلام، نا مالك بن أنس، ثنا وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﵇ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، إلا أن يكون وراء إمام".
يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف.
стр. 1798
قلت: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: شيخ مصري، وقع إلى مصر، صدوق.
قوله: "فلم يصل" يعني: لم يكن مصليًا، يعني: لا تكون صلاته صلاة إلَّا إذا كان وراء الإِمام؛ فإنه حينئذ إذا ترك أم القرآن لا يضره ذلك، وتكون صلاته صحيحة، وليس المعنى أن صلاته تبطل إذا لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فيما إذا لم يكن وراء الإِمام، بدليل قوله: فهي خداج؛ لأن معناه فهي ناقصة، ولا يلزم من النقصان البطلان كما ذكرنا.
الثاني: موقوف، عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن وهب، عن جابر موقوفًا عليه.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن مالك، عن وهب بن كيسان، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل؛ إلا مع الإِمام".
وأخرجه الدارقطني (٢): عن أبي بكر، عن يونس، عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه.
وكذلك في "موطأ" يحيى بن يحيى عن مالك (٣).
الثالث: أيضًا موقوف، عن محمَّد بن علي بن داود البغدادي وفهد بن سليمان، كلاهما عن إسماعيل بن موسى ابن بنت السدي الفزاري الكوفي شيخ أبي داود والترمذي وابن ماجه وأبي يعلى الموصلي وابن خزيمة قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن عدي: إنما أنكروا عليه الغلو في التشيع فأما في الرواية فقد احتمله الناس.
قوله: "خذوا برجله" كناية عن إنكار مالك الرفع في الحديث المذكور، وتنبيه على أن الصواب هو الموقوف.
стр. 1799
ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "صلى رسول الله ﷺ ثم أقبل بوجهه، فقال: أتقرءون والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فسألهم ثلاثًا، فقالوا: إنا لنفعل هذا، فقال: لا تفعلوا".
ش: إسناده صحيح على يشترط البخاري، وأيوب هو السختياني وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام.
فإن قيل: كيف تقول: صحيح.
وقد أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أن النبي ﵇ لما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرءون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقال لهم ثلاث مرات، فقال قائل -أو قائلون-: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
ثم قال: هذا الحديث منكر، تفرد به عبيد الله، ورواه حماد بن سلمة عن أيوب فلم يذكر أنسًا.
وقال البخاري في "تاريخه" (٢): ثنا مؤمل، نا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا.
قال ابن علية، عن الحذاء، قلت لأبي قلابة: من حدثك به؟ قال: محمَّد بن أبي عائشة مولى لِبَني أمية.
وأخرجه عبد الرزاق (٣): عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: "قال رسول الله ﷺ لأصحابه: أتقرءون خلفي وأنا أقرأ؟ قال: فسكتوا حتى سألهم ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فلا تفعلوا ذلكم، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه سرًّا".
стр. 1800
عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمَّد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب محمَّد ﵇ قال: قال النبي ﵇: "لعلكم تقرءون والإمام يقرأ؟ مرتين أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب".
قلت: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢): من حديث أبي قلابة، عن أنس، ثم قال: سمعه من أنس وسمعه من ابن أبي عائشة؛ فالطريقان محفوظان (٣).
ص: قال أبو جعفر ﵀: فقد بيَّنَّا بما ذكرنا عن النبي ﵇ خلاف ما روى عبادة ﵁ فلما اختلفت هذه الآثار المروية في ذلك التمسنا حكمه من طريق النظر؛ فرأيناهم جميعًا لا يختلفون في الرجل يافي الأمام وهو راكع أنه يكبر ويركع معه، ويعتد بتلك الركعة وإن لم يقرأ فيها شيئًا، فلما أجزأه ذلك في حال خوفه فوت الركعة احتمل أن يكون إنما أجزأه ذلك لمكان الضرورة، واحتمل أن يكون إنما أجزأه ذلك لأن القراءة خلف الإِمام ليست عليه فرضًا، فاعتبرنا ذلك، فرأيناهم لا يختلفون أن من جاء إلى الأمام وهو ركع فركع قبل أن يدخل في الصلاة بتكبر كان منه؛ أن ذلك لا يجزئه وإن كان إنما تركه لحال الضرورة وخوف ذوات الركعة، وكان لا بُدَّ له من قومة في حال الضرورة وغير حال الضرورة، فهذه صفات الفرائض التي لا بد منها في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة إلا بإصابتها؛ فلما كانت القراءة مخالفة لذلك وساقطة في حال الضرورة كانت من غير جنس ذلك، فكانت في النظر أيضًا ساقطة في غير حال الضرورة، فهذا هو النظر في هذا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 1801
ش: قد ذكر فيما مضى أن حديث عبادة بيَّن فيه أنه ﵇ أمر المأمومين بالقراءة خلفه بالفاتحة، وأن حديث أبي هريرة يضاده، وكذلك حديث آخرين من الصحابة كما ذكره مفصلًا، ثم لما اختلفت هذه الأحاديث في هذا الباب تعيَّن التماس حكمه من طريق النظر والقياس، ووجه ملخصًا: أن الرجل إذا أدرك الإِمام وهو راكع فإنه يكبر ويركع وتُغْني تلك الركعة عن القيام مع عدم القراءة فيه، ولكن يحتمل أن يكون جواز ذلك إما للضرورة، وإما لعدم وجوب القراءة خلف الإِمام، فاعتبرنا ذلك، فوجدنا الرجل إذا أدرك الإِمام وهو راكع، فركع قبل أن يدخل في الصلاة بتكبير حصل منه، أنه لا يجوز، وإن كان تركه القوم للضرورة -وهي خوف فوت الركعة- وعلم من ذلك أن لا بد له من قومة مطلقًا، ووجدنا القراءة مخالفة لهذا الحكم وساقطة في حال الضرورة، وصارت من خلاف جنس هذا، فالنظر على ذلك أن تكون القراءة ساقطة في غير حال الضرورة، فافهم.
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن نفر من أصحاب النبي ﵇ أنهم كانوا يقرءون خلف الإِمام ويأمرون بذلك، فذكروا ما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو إسحاق الشيباني، عن جواب بن عبيد الله التيمي، قال: ثنا يزيد بن شريك أبو إبراهيم التيمي، قال: "سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن القراءة خلف الإِمام، فقال لي: اقرأ، قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، قلت: وإن قرأت؟ قال: وإن قرأت".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن مجاهد، قال: "سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإِمام في صلاة الظهر من سورة مريم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حصين، قال: سمعت مجاهدًا يقول: "صليت مع عبد الله بن عمرو الظهر والعصر، فكان يقرأ خلف الإمام".
стр. 1802
قيل له: قد روي هذا عمن ذكرت وقد روي عن غيرهم من أصحاب النبي ﵇ خلاف ذلك.
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، قال: سمعت محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ومر على دار ابن الأصبهاني فقال: حدثني صاحب هذه الدار -وكان قد قرأ على أبي: عبد الرحمن- عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، قال: قال لي علي ﵁: "من قرأ خلف الإِمام فليس على الفطرة".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "أنصت للقراءة؛ فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام".
حدثنا مبشر بن الحسن البصري، قال: ثنا أبو عامر -أو أبو جابر قال أبو جعفر: أنا أشك- عن شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ... فذكر مثله.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ... فذكر نحوه.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "ليت الذي يقرأ خلف الإِمام ملئ فوه ترابًا".
حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الزبير، عن إبراهيم، عن علقمة ... فذكر مثله.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبيد الله بن مقسم: أنه سأل عبد الله ابن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله، فقالوا: لا تقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات".
стр. 1803
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن عبد الله ابن الأشج، عن أبيه، عن عبيد الله بن مقسم، قال: سمعت جابر بن عبد الله ... فذكر مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت سمعه يقول: "لا يقرأ المؤتم خلف الإِمام في شيء من الصلوات".
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير -قال أبو جعفر: وهو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير- عن يزيد بن قسيط، عن عطاء ابن يسار، عن زيد ... فذكر مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح الحراني، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي جمرة قال: "قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يدي؟ فقال: لا".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإِمام؟ يقول: إذا صلى أحدكم خلف الإِمام فحسبه قراءة الإِمام، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإِمام".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: "تكفيك قراءة الإمام".
قال أبو جعفر ﵀: فهؤلاء جماعة من أصحاب النبي ﵇ قد أجمعوا على ترك القراءة خلف الإِمام، وقد وافقهم على ذلك ما قد روي عن النبي ﵇ مما قدمنا ذكره، وشهد لهم النظر الذي قد ذكرنا؛ فذلك أولى مما قد خالفه والله أعلم.
ش: أورد أهل المقالة الأولى على أهل المقالة الثانية بأن جماعة من الصحابة ﵃ كانوا يقرءون خلف الإِمام ويأمرون بها, ولو لم يكن ذلك واجبًا لما قرأوا ولا أمروا، وذكر الطحاوي ذلك عن اثنين من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
стр. 1804
أما أثر عمر ﵁ فأخرجه: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني الكوفي، عن جَوَّاب -بفتح الجيم، وتشديد الواو، وفي آخره باء موحدة- بن عبيد الله التيمي الكوفي.
عن يزيد بن شريك بن طارق التيمي تيم الرباب الكوفي والد إبراهيم التيمي قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن هشيم، عن الشيباني ... إلى آخره نحوه سواء.
وأما أثر عبد اللهَ بن عمرو فأخرجه من طريقين:
أحدهما: عن صالح بن عبد الرحمن أيضًا، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس -وهو ابن أبي وحشية- اليشكري الواسطي، عن مجاهد بن جبر المكي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن هشيم ... إلى آخره نحوه.
والآخر: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن مجاهد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا هشيم، قال: أنا حصين قال: "صليت إلى جنب عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: فسمعته يقرأ خلف الإِمام، قال: فلقيت مجاهدًا فذكرت له ذلك، قال: فقال مجاهد: سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإِمام".
стр. 1805
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن عيينة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: "سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقرأ في الظهر والعصر مع الإِمام، فسألت إبراهيم، فقال: لا تقرأ إلا أن (تَتَّهم) (٢) الإمام، وسألت مجاهدًا، فقال: قد سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ".
وأخرجه البيهقي (٣) أيضًا: من حديث هشيم، عن حصين قال: "صليت إلى جنب عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فسمعته يقرأ خلف الإِمام، فلقيت مجاهدًا فذكرت له ذلك، فقال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ خلف الإِمام في الظهر من سورة مريم".
قوله: "قيل له" أي قيل لهذا القائل: نعم قد روي هذا عمن ذكرت من الصحابة، ولكن روي عن غيرهم من الصحابة أيضًا خلاف ذلك، وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، فهؤلاء ستة من أجلاء الصحابة روي عنهم خلاف ما رُوي عن عمر وعبد الله بن عمرو، وأنهم اتفقوا على ترك القراءة خلف الإِمام مع ما وافقهم في ذلك ما روي عن النبي ﵇ من ترك القراءة خلف الإِمام، وهو الذي رواه أبو الدرداء وأبو هريرة، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، فإنهم كلهم قد رووا عن النبي ﵇ ما يوافق أقوال هؤلاء الصحابة على ما مرَّ ذكره مستقصى، ومع شهادة وجه النظر والقياس الذي قد ذكر عن قريب، فبمثل هذا يترك ما روي عن غيرهم من الخلاف، وقد ذكر بعض أصحابنا أن منع المقتدي عن القراءة مأثور عن ثمانين من كبار الصحابة، منهم: علي والعبادلة وقد ذكر غير الطحاوي أيضًا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص.
стр. 1806
وقال عبد الرزاق في "مصنفه" (١): أخبرني موسى بن عقبة: "أن رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الإِمام". وأخرج عن داود بن قيس، عن محمَّد بن بجاد، عن موسى بن سعد بن أبي وقاص، قال: ذكر لي أن سعد بن أبي وقاص قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر".
قلت: بجاد بكسر الباء الموحدة وبالجيم، وقال ابن ماكولا: بجاد بن موسى بن سعد بن أبي وقاص روى حديثه ابنه محمَّد بن بجاد وآخرون.
أما أثر علي بن أي طالب ﵁: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي الأحول شيخ البخاري، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه القاضي، فيه مقال، فعن يحيى: ليس بذاك. وقال العجلي: كان فقيهًا صاحب سنة صادقًا جائز الحديث. روى له الأربعة.
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني من رجال الجماعة، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، قال أبو حاتم: منكر الحديث. يروي عن أبيه عن علي ﵁ وها هنا روى عن علي بدون واسطة.
وكذا رواه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا محمَّد بن الفضل بن سلمة، ثنا أحمد بن يونس، ثنا عمرو بن عبد الغفار وأبو شهاب والحسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، أن عليًّا ﵁ قال: "إنما يقرأ خلف الإِمام من ليس على الفطرة".
فإن قيل: قال البيهقي (٣): هذا ضعيف لا يسوي ذكره.
قلت: قد أُخرج هذا من طرق متعددة.
стр. 1807
فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن محمَّد بن سليمان الأصبهاني، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة". ومحمد بن سليمان الأصبهاني قال الذهبي: صدوق. وأخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقواه ابن حبان، وباقي السند على شرط الصحيح، وقد جاء لمحمد بن الأصبهاني متابعة.
فروى الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا أحمد بن محمَّد بن سعيد، ثنا الحسين بن عبد الرحمن بن محمَّد الأزدي، ثنا عمى عبد العزيز بن محمَّد، ثنا قيس، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن أبي ليلى قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة".
وأخرجه الدارقطني (٣) أيضًا: عن المختار بن عبد الله، عن أبيه، عن علي ﵁.
وقال: ثنا بدر بن الهيثم القاضي، ثنا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن ابن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: قال علي ﵁: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة".
وأخرجه أيضًا (٤): عن عمار، عن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي ﵁.
ثنا أحمد بن يحيى بن المنذر من أصل كتاب أبيه، ثنا أبي، ثنا قيس، عن عمار الدهني، عن عبد الله بن أبي ليلى، قال: قال علي ﵁: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥): عن داود بن قيس، عن محمَّد بن عجلان، قال: قال علي ﵁: "من قرأ مع الإِمام فليس على الفطر".
стр. 1808
قال: وقال ابن مسعود: ملئ فوه ترابًا. قال: وقال عمر بن الخطاب: وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر".
وقال صاحب "التمهيد": ثبت عن علي وسعد وزيد بن ثابت ﵃ أنه لا قراءة مع الإِمام لا فيما أسر ولا فيما جهر.
قوله: "وكان قد قرأ على أبي: عبد الرحمن" القائل بهذا القول هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أي: كان عبد الرحمن بن الأصبهاني قد قرأ على أبي وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى.
فقوله: "عبد الرحمن" عطف بيان لقوله: "أبي" وليس المجموع كنية لشخص، فافهم فإنه موضع التوهم.
وقوله: "عن المختار" يتعلق بقوله: "حدثني صاحب هذه الدار" أي صاحب هذه الدار الذي هو عبد الرحمن بن الأصبهاني الذي قرأ على والدي عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى.
قوله: "فليس على الفطرة" أراد ليس على دين الإِسلام، يعني ليس على شرائط الدين، أو معناه: ليس على السنة كما في قوله: "عشر من الفطرة" (١) أي من السنة يعني سنن الأنبياء ﵈ التي أُمرنا أن نقتدي بهم فيها، فانظر إلى هذا الوعيد العظيم في الذي يقرأ خلف الإِمام، ولو ثبت عند علي ﵁ من النبي ﵇ وجوب القراءة خلف الإِمام لما قال بهذا القول (٢).
стр. 1809
وأما أثر عبد الله بن مسعود ﵁ فأخرجه من أربع طرق ثلاثتها صحاح والرابع فيه حديج بن معاوية فيه مقال:
الأول: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان وغيره.
عن وهيب بن خالد بن عجلان البصري، عن منصور بن المعتمر الكوفي، عن أبي وائل شقيق بن سلمة أدرك النبي ﵇ ولم يره، وهؤلاء روى لهم الجماعة.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن الثوري، عن منصور، عن أبي وائل قال: "جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، أقرأ خلف الإِمام؟ قال: أنصت للقرآن؛ فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام".
وأخرجه الطبراني (٢): عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق، به.
قوله: "أنصت" أي اسكت، من أَنْصَتَ يُنْصِت إنصاتًا إذا سكت سكوت مستمع وقد نَصَتَ أيضًا، وأنصَتُّه إذا أسكتُّه فهو لازم ومتعدٍّ.
وقوله: "فإن في الصلاة شغلًا" أي اشتغالًا عن غيرها، أراد أنه يجب أن يكون على حضور وسكون، فمتى قرأ خلف الإِمام ترك ذلك الحضور والسكون.
قوله: "وسيكفيك ذلك الإمامُ" أشار به إلى القرآن، أي يكفيك الإِمام القراءة، أراد أن قراءته تغني عن قراءتك، و"الإمامُ" مرفوع؛ لأنه فاعل "سيكفيك"، و"ذلكَ" في محل النصب على المفعولية.
стр. 1810
الثاني: عن مبشر بن الحسن بن مبشر القيسي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، أو أبي جابر محمَّد بن عبد الملك الأزدي، والشك فيه من الطحاوي، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن عبد الله.
وأخرجه البيهقي (١) من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان وشعبة، عن منصور، عن أبي وائل: "أن رجلًا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإِمام، فقال: أنصت للقرآن؛ فإن في الصلاة شغلًا وسيكفيك ذاك الإِمام"، وقال البيهقي: وإنما يقال: أنصت لما يسمع.
قلت: جاء عن ابن مسعود أنه لا قراءة خلف الإِمام مطلقًا كما قد ذكرناه.
الثالث: عن روح بن الفرح القطان، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن منصور ... إلى آخره.
وأخرجه ابن شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن أبي وائل قال: "جاء رجل إلى عبد الله فقال: اقرأ خلف الإِمام؟ فقال له عبد الله: إن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام".
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حديج -بضم الحاء المهملة- بن معاوية بن حديج بن الرُّحَيل الكوفي أخي زهير بن معاوية، فيه مقال؛ فعن يحيى بن معين: ليس بشيء، وعن النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: محله الصدق.
عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن علقمة بن قيس النخعي، عن عبد الله بن مسعود ... إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده".
стр. 1811
واعلم أن قضية التراب والحجر قد رويت عن أربعة من عظماء الصحابة وأكابرهم وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود ﵃ وقد ذكرنا ذلك كله.
قوله: "ليت الذي" أي: ليت الرجل الذي، أو: ليت المصلي الذي، أو ليت المقتدي الذي يقرأ القرآن خلف الإِمام، و"ليت" كلمة تمني، والتمني: ما لا مطمع في وقوعه، كقولك: ليت الشباب يعود.
قوله: "مُلئ" على صيغة المجهول، و"فوه" مرفوع بإسناده إليه، و"ترابًا" نصب على المفعولية.
وأخرج الطحاوي هذا أيضًا مقتصرًا على علقمة بن قيس: عن الحسن بن نصر ابن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي الهمداني الكوفي قاضي الري، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام ملئ فوه- قال: أحسبه قال: ترابًا أو رضفًا".
وكذا روي عن الأسود أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن علية، عن أيوب وابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: قال الأسود: "لأن أعض على جمرة أحب إليَّ من أن أقرأ خلف الإِمام أعلم أنه يقرأ".
ثنا (٣) هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن وبرة، عن الأسود بن يزيد أنه قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام ملئ فوه ترابًا".
وأخرج عبد الرزاق (٤): عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود
стр. 1812
قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام إذا جهر، عض على جمرهّ".
وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد، عن بكر بن عمرو المعافري المصري إمام جامعها، عن عبيد الله بن مقسم القرشي المدني ... إلى آخره.
وهذا إسناد صحيح عك فرط مسلم، وهذا مخرج عن ثلاثة من الصحابة وهم: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله؛ فإنهم قالوا: لا يقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات.
وأخرج عبد الرزاق (١): عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم: "أن ابن عمر ﵄ كان ينهى عن القراءة خلف الإمام".
وأخرج (٢): عن الثوري، عن ابن ذكوان، عن زيد بن ثابت، وابن عمر "كانا لا يقرآن خلف الإِمام".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن وكيع، عن الضحاك بن عثمان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، قال: "لا تقرأ خلف الإِمام".
وعن (٤) وكيع أيضًا، عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الله بن يزيد، عن ابن ثوبان، عن زيد بن ثابت، قال: "لا تقرأ خلف الإِمام إن جهر ولا إن خافت".
وعن (٥) وكيع أيضًا، عن عمر بن محمَّد، عن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإِمام فلا صلاة له".
стр. 1813
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح في غاية الصحة وأخرجه يحيى بن يحيى في "موطئه" عن مالك (١) إلى آخره نحوه.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر .. إلى آخره.
وهذا أيضًا صحيح في غاية الصحة وأخرج البيهقي (٢) معارضًا لهذا: من حديث الجريري، عن أبي الأزهر قال: "سئل ابن عمر ﵄ عن القراءة خلف الإِمام فقال: إني لأستحي من رب هذه البنية أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن".
قلت: هذه معارضة باطلة؛ فإن إسناد ما ذكره منقطع، والصحيح عن ابن عمر عدم وجوب القراءة خلف الإِمام.
وقد أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم: "أن ابن عمر كان ينهى عن القراءة خلف الإِمام".
وأخرج (٤) أيضًا: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﵇ عن القراءة خلف الإِمام، قال: وأخبرني أشياخنا أن عليًّا قال: من قرأ خلف الإِمام فلا صلاة له".
وأخرج أيضًا: عن ابن جريج قال: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: "إذا كنت مع الإِمام فحسبك قراءة الإِمام".
стр. 1814
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع وأنس بن سيرين، قالا: قال ابن عمر ﵄: "تكفيك قراءة الإِمام".
وأما أثر جابر بن عبد الله: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج أبي المسور المدني من رجال مسلم، عن أبيه بكير بن عبد الله من رجال الجماعة، عن عبيد الله بن مقسم المدني، عن جابر.
وهذا إسناد صحيح.
فإن قيل: قال أحمد: مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا. وكذا قال يحيى بن معين، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر.
قلت: قال معن بن عيسى: مخرمة سمع من أبيه. وقال مالك: قلت لمخرمة: ما حدثت عن أبيك سمعته منه؟ فحلف بالله لقد سمعته.
وأما أثر زيد بن ثابت ﵁ فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة، عن أبيه بكير بن عبد الله، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت.
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن داود بن قيس، قال: أخبرني عمر بن محمَّد بن زيد بن عمر بن الخطاب، قال: حدثني موسى بن سعيد، عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ مع الإِمام فلا صلاة له".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن جعفر ابن أبي كثير، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت ﵁.
стр. 1815
وأخرجه البيهقي (١): من حديث إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره: "أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإِمام، فقال: لا قراءة مع الإِمام في شيء". قال البيهقي: هذا محمول على جهر الإِمام.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لعدم القرينة على ذلك، وقوله: "لا قراءة" نكرة في موضع النفي فتعمَّ.
وأما أثر ابن عباس ﵄: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي صالح الحراني واسمه عبد الغفار بن داود أحد أصحاب أبي حنيفة، وقال ابن ماكولا: كان ثقة ثبتًا فقيهًا على مذهب أبي حنيفة ﵁.
عن حماد بن سلمة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- الضبعي واسمه نصر بن عمران بن عاصم من رجال الجماعة.
وهذا إسناد صحيح.
فإن قيل: روي عن ابن عباس خلاف هذا.
فقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا حفص، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "لا تدع أن تقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب جهر أو لا".
قلت: ما رواه الطحاوي أصح إسنادًا من هذا، فلا يعارض به؛ فإن ليث بن أبي سليم متكلم فيه.
стр. 1816
ص: باب: الخفض في الصلاة هل فيه تكبير ؟
ش: أي هذا باب في بيان أن الخفض في الصلاة هل يكبر فيه أم لا؟ والخفض ضد الرفع، وأراد به الانخفاض إلى الركوع هل فيه تكبير أم لا؟ والمناسبة بينه وبين ما قبله من الأبواب ظاهرة؛ لأن هذه الحالة بعد حالة القراءة وعقيب الفراغ منها.
ص: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: ثنا يحيى بن حماد، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أنه صلى مع رسول الله ﵇ وكان لا يتم التكبير".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن مرزوق، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان:
أحدهما: عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي نزيل مصر، وثقه ابن يونس.
عن زهير بن حرب بن شداد الحرشي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا حافظًا متقنًا.
عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني البصري ختن أبي عوانة، روى له الجماعة أبو داود في غير "السنن".
عن شعبة، عن الحسن بن عمران العسقلاني، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: شيخ. روى له أبو داود.
عن ابن عبد الرحمن بن أبزى إما عبد الله بن عبد الرحمن وإما سعيد بن عبد الرحمن، وقال أبو داود الطيالسي: الأصح هو سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى. وسعيد هذا روى له الجماعة.
وأما عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى فقد وثقه ابن حبان وروى له أبو داود والنسائي، وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مختلف في صحبته، ذكره ابن حبان في
стр. 1817
التابعين من كتاب "الثقات" وقال البخاري: له صحبة. وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﵇ وصلى خلفه. وهذا الحديث يشهد لأبي حاتم والظاهر أنه صحابي كما قاله الجمهور، ولذلك سكت عنه الطحاوي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا أبو داود، ثنا شعبة ... إلى آخره نحوه.
والآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٢) وقال: قال عمرو بن مرزوق: ثنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن ابن عبد الرحمن، عن أبيه: "أنه صل مع النبي ﵇ فكان لا يتم التكبير".
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: قالوا: إنه ضعيف ومعلول بالحسن بن عمران، قال الطبري: هو مجهول لا يجوز الاحتجاج به.
وقال البخاري في "تاريخه" (٣): عن أبي داود الطيالسي: هذا عندنا باطل.
فإن قيل: أخرج أبو داود هذا الحديث وسكت عنه، وذلك دليل الصحة عنده كما هو عادته.
وكللك أخرجه أبو عمر بن عبد البر وسكت عنه وقال (٤): ثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: ثنا قاسم بن أصبغ، قال: ثنا محمَّد بن عبد السلام، قال: ثنا بندار، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، قال: سمعت سعيد بن
стр. 1818
عبد الرحمن بن أبزى يحدث عن أبيه: "أنه صلى خلف النبي ﵇ فلم يكن يتم التكبير، كان لا يكبر إذا خفض".
وكذلك الطحاوي سكت عنه غير أنه قال: الآثار المروية عن رسول الله ﵇ في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى وأكثر تواترًا.
وهذه العبارة تدل على أنه ليس بضعيف عنده.
قلت: ولئن سلمنا أنه غير ضعيف، وأنه حسن أو جيد، ولكنه محمول على أنه ﵇ تركه مرة لبيان الجواز، أو يكون قد كان ﵇ كبر ولم يسمع الراوي تكبيره، قاله البيهقي، وتأوله الكرخي على حذفه، وذلك نقصان صفة لا نقصان عدد، وأجاب الطحاوي عنه أن الآثار المتواترة على خلافه، وأن العمل على غيره، كما يجيء إن شاء الله تعالى.
قوله: "وكان لا يتم التكبير" معناه إذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر، قاله أبو داود، وذكر في "مختصر السنن": يريد لا يأتي بالتكبير في الانتقالات كلها، إنما يأتي في بعضها. ولكن تبويب الطحاوي بهذا يدل على أن معناه: كان لا يكبر إذا خفض كما هو مصرح في رواية ابن عبد البر؛ فافهم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فكانوا لا يكبرون في الصلاة إذا خفضوا، ويكبرون إذا رفعوا، وكذلك كانت بنو أميّة تفعل.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز ومحمد بن سيرين والقاسم وسالم ابن عبد الله وسعيد بن جبير وقتادة؛ فإنهم ذهبوا إلى هذا الأثر وكانوا لا يكبرون في الصلاة إذا خفضوا.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحسن بن عمران: "أن عمر بن عبد العزيز كان لا يتم التكبير".
стр. 1819
حدثنا (١) يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر قال: "صليت خلف القاسم وسالم فكانا لا يتمان التكبير".
حدثنا (٢) غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة قال: "صليت مع سعيد بن جبير فكان لا يتم التكبير".
ويحكى هذا عن ابن عمر، وقال ابن بطال: كان ابن عمر ينقص التكبير.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عبدة بن سليمان، عن مسعر، عن يزيد الفقير قال: "كان ابن عمر ينقص التكبير في الصلاة، قال مسعر: إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر".
ويحكى عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا.
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٤): عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي الوليد، قال: أخبرني شعبة بن الحجاج، عن رجل، عن ابن أبزى، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ أمهم فلم يكبر هذا التكبير".
ويحكى عن ابن عباس أيضًا.
وأخرج عبد الرزاق (٥): عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد قال: "صليت مع ابن عباس بالبصرة فلم يكبر هذا التكبير بالرفع والخفض".
قلت: المشهور عن هؤلاء الصحابة التكبير في الخفض والرفع، وروايات هؤلاء محمولة على أنهم قد تركوه أحيانًا؛ بيانًا للجواز، أو الراوي لم يسمع ذلك منهم لخفاء الصوت.
стр. 1820
قوله: "وكذلك كانت بنو أمية تفعل" أي كانوا يتركون التكبير في الخفض، وهم مثل معاوية وزياد وعمر بن عبد العزيز.
قال ابن أبي شيبة (١): حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: "أول من نقص التكبير زياد.
وقال الطبري: "إن أبا هريرة سئل: من أول من ترك التكبير إذا رفع رأسه وإذا وضعه؟ قال: معاوية".
وقال أبو عبد الله العدني في "مسنده": حدثنا بشر بن السري، ثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله قال: "أول من نقص التكبير الوليد بن عقبة، فقال عبد الله: نقصوها نقصهم الله، فقد رأيت رسول الله ﷺ يكبر كلما ركع، وكلما سجد، وكلما رفع رأسه".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فكبروا في الخفض والرفع جميعًا، وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله ﵇.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم وغيرهم من عوام العلماء؛ فإنهم رأوا التكبير في الخفض والرفع جميعًا، وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت وتكاثرت به الآثار عن النبي ﵇، ويحكى ذلك عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر وقيس بن عبادة وغيرهم.
ثم اختلفوا في تكبيرات الصلاة غير تكبيرة الإحرام هل هي سنة أو واجبة؟ فقال قوم: هي سنة، قال ابن المنذر: وبه قال أبو بكر الصديق وعمر وجابر وقيس بن عبادة والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو حنيفة، ونقله ابن بطال أيضًا عن عثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير ومكحول والنخعي وأبي ثور.
стр. 1821
وقالت الظاهرية وأحمد في رواية: كلها واجب.
وقال أبو عمر: قد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة، وليس بسُنَّة إلا في الجماعة، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقد قال ابن القاسم: فمن نسي ثلاث تكبيرات فصاعدًا من صلاته وحده: أنه يسجد قبل السلام، فإن لم يفعل أعاد، وخالفه أصبغ وعبد الله بن عبد الحكم فقالا: لا إعادة على من نسي التكبير كله في صلاته إذا كان قد كبر لإحرامه، وإنما عليه سجدتا السهو، فإن لم يسجدهما فلا حرج، وعلى هذا القول فقهاء الأمصار وأئمة الفتوى، وهو الذي ذهب إليه أبو بكر الأبهري، قال: وأهل الظاهر كلهم يأمرون به ويفعلونه، فإن تركه تارك عندهم بعد أن يحرم لم تفسد صلاته؛ لأنه ليس عندهم من فرائض الصلاة.
قلت: قال ابن حزم في "المحلى": والتكبير للركوع فرض، وقول: سبحان ربي العظيم في الركوع فرض، والقيام إثر الركوع فرض لمن قدر عليه حتى يعتدل قائمًا، وقول: "سمع الله لمن حمده" عند القيام من الوكوع فرض، فإن كان مأمومًا ففرض عليه أن يقول بعد ذلك: "ربنا لك الحمد"، أو "ولك الحمد"، وليس هذا فرضًا على إمام ولا فذّ، فإن قالاه كان حسنًا وسُنَّه، والتكبير لكل سجدة منهما فرض، وقول: سبحان ربي الأعلى في كل سجدة فرض، ووضع الجبهة واليدين والأنف والركبتين وصدور القدمين على ما هو قائم عليه فيما أبيح له التصرف عليه فرض كل ذلك، والجلوس بين السجدتين فرض، والطمأنينة فيه فرض، والتكبير له فرض، لا تجزئ صلاة لأحد من أن يدع من هذا كله عامدًا؛ فإن لم يأت به ناسيًا ألغى ذلك وأتى به كما أُمر ثم سجد للسهو فإن عجز عن شيء منه لجهل أو عذر مانع سقط عنه، وتمت صلاته. انتهى.
стр. 1822
وقال أبو عمر (١): قال إسحاق بن منصور، سمعت أحمد بن حنبل يقول: "يروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده" قال أحمد: وأحب إليَّ أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما في التطوع فلا.
قال أبو عمر: لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلا ما صح عنده، وأما ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع". فيدل ظاهره عك أنه كذلك كان يفعل إمامًا وغير إمام. وقال السفاقسي: واختلفوا فيمن ترك التكبير في الصلاة، فقال ابن القاسم: من أسقط ثلاث تكبيرات فأكثر أو التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام سجد قبل السلام، وإن لم يسجد قبل السلام سجد بعده، وإن لم يسجد حتى طال بطلت صلاته، وفي "الموضحة": وإن نمصي تكبيرين سجد قبل أن يسلم، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته، وإن ترك تكبيرة واحدة اختلف هل عليه سجود أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس على من ترك التكبير سوى السجود، فإن لم يفعل حتى تباعد فلا شيء عليه. وقال أصحابنا: لا يجب السجود بترك الأذكار كالثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها.
وفي "شرح المهذب": لو ترك التكبير عمدًا أو سهوًا حتى ركع، لم يأت به لفوات محله. والله أعلم.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله قال: "أنا رأيت رسول الله ﵇ يكبر في كل وضع ورفع".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن زهير ... فذكر بإسناده مثله، قال: "ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ يفعلان ذلك".
ش: شرع يبين ما ذكره من قوله: "وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله ﵇" منها ما رواه عبد الله بن مسعود.
стр. 1823
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية بن حديج أحد أصحاب أبي حنيفة ومن رجال الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه الأسود، وعن علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي عم الأسود بن يزيد، والكل من رجال الجماعة.
وأخرجه الدارمي في "مسنده" (١): أنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو خيثمة، ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعن علقمة، عن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﵇ يكبر في كل رفع ووضع وقيام وقعود".
وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (٢): ثنا عمرو بن علي، قال: ثنا معاذ بن معاذ وأبو داود، قالا: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله: "أن النبي ﵇ كان يكبر في كل خفض ورفع، ويسلم عن يمينه وعن يساره.
الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني أبي بدر، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعن علقمة، كلاهما عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه الترمذي (٣): نا قتيبة، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ يكبر في كل خفص ورفع وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر ﵄".
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح.
стр. 1824
وأخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا الفضل بن دكين ويحيى بن آدم، قالا: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﵇ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله ﵇ يُرى بياض خده، قال: ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ يفعلان ذلك".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: حدثني سالم البراد- قال: وكان عندي أوثق من نفسي- قال: قال أبو مسعود البدري: "ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﵇؟ فصلى بنا أربع ركعات يكبر فيهن كلما خفض ورفع، وقال: هكذا رأيت رسول اللهَ ﵇ صلى".
ش: إسناده صحيح، وعفان بن مسلم بن عبد الله الصفار أبو عثمان البصري شيخ البخاري، وهمام بن يحيى العوذي أبو بكر البصري روى له الجماعة، وعطاء بن السائب بن مالك أبو زيد الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وعن أحمد: ثقة ثقة، رجل صالح. روى له البخاري حديثًا واحدًا متابعة والأربعة.
وسالم أبو عبد الله الكوفي وثقه يحيى بن معين وابن حبان وغيرهما، والبراد فعال -بالتشديد- من البرد لقب سالم، وأبو مسعود البدري اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا همام، عن عطاء بن السائب، حدثني سالم البراد -وكان أوثق عندي من نفسي- قال: "قال لنا أبو مسعود البدري: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﵇؟ فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه وفرق بين أصابعه وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، وكبر وسجد وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر فاستوى قاعدًا على
стр. 1825
مقعدته حتى استقر كل شيء منه، فصلى أربع ركعات، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يصلي، أو هكذا كانت صلاة رسول الله ﵇".
وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن حماد، نا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، ثنا سالم البراد قال: "دخلنا على أبي مسعود الأنصاري، فسألناه عن الصلاة، فقال: ألا أصلي بكم كما كان رسول الله ﵇ يصلي؟ قال: فقام فكبر ورفع يديه، ثم ركع فوضع كفيه عك ركبتيه وجافى بين إبطيه، قال: ثم قام حتى استقلَّ كل شيء منه، ثم سجد فوضع كفيه وجافى بين إبطيه، ثم رفع رأسه حتى أستقلَّ كل شيء، ثم صلى أربع ركعات هكذا".
قوله: "أَلا" حرف تنبيه ينبه السامع على ما يأتي.
قوله: "كلما خفض ورفع" أي كلما خفض رأسه للسجود وكلما رفعها.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا عبد العزيز بن مختار، قال: ثنا عبد الله الداناج، قال: ثنا عكرمة قال: "صلى بنا أبو هريرة ﵁ فكان يكبر إذا رفع وإذا خفض، فأتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال: أوليس ذلك سنة أن القاسم ﵇؟! ".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن عكرمة، مثله ولم يذكر أبا هريرة.
ش: هذان طريقان رجالهما ثقات:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد العزيز بن مختار الأنصاري أبي إسحاق الدباغ البصري من رجال الجماعة، عن عبد الله بن فيروز الداناج البصري روى له الجماعة سوى الترمذي، والداناج معرب داناه، وهو العالم بالفارسية.