← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وقالت الظاهرية وأحمد في رواية: كلها واجب. وقال أبو عمر: قد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة، وليس بسُنَّة إلا في الجماعة، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقد قال ابن القاسم: فمن نسي ثلاث تكبيرات فصاعدًا من صلاته وحده: أنه يسجد قبل السلام، فإن لم يفعل أعاد، وخالفه أصبغ وعبد الله بن عبد الحكم فقالا: لا إعادة على من نسي التكبير كله في صلاته إذا كان قد كبر لإحرامه، وإنما عليه سجدتا السهو، فإن لم يسجدهما فلا حرج، وعلى هذا القول فقهاء الأمصار وأئمة الفتوى، وهو الذي ذهب إليه أبو بكر الأبهري، قال: وأهل الظاهر كلهم يأمرون به ويفعلونه، فإن تركه تارك عندهم بعد أن يحرم لم تفسد صلاته؛ لأنه ليس عندهم من فرائض الصلاة. قلت: قال ابن حزم في "المحلى": والتكبير للركوع فرض، وقول: سبحان ربي العظيم في الركوع فرض، والقيام إثر الركوع فرض لمن قدر عليه حتى يعتدل قائمًا، وقول: "سمع الله لمن حمده" عند القيام من الوكوع فرض، فإن كان مأمومًا ففرض عليه أن يقول بعد ذلك: "ربنا لك الحمد"، أو "ولك الحمد"، وليس هذا فرضًا على إمام ولا فذّ، فإن قالاه كان حسنًا وسُنَّه، والتكبير لكل سجدة منهما فرض، وقول: سبحان ربي الأعلى في كل سجدة فرض، ووضع الجبهة واليدين والأنف والركبتين وصدور القدمين على ما هو قائم عليه فيما أبيح له التصرف عليه فرض كل ذلك، والجلوس بين السجدتين فرض، والطمأنينة فيه فرض، والتكبير له فرض، لا تجزئ صلاة لأحد من أن يدع من هذا كله عامدًا؛ فإن لم يأت به ناسيًا ألغى ذلك وأتى به كما أُمر ثم سجد للسهو فإن عجز عن شيء منه لجهل أو عذر مانع سقط عنه، وتمت صلاته. انتهى.

стр. 1822

وقال أبو عمر (١): قال إسحاق بن منصور، سمعت أحمد بن حنبل يقول: "يروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده" قال أحمد: وأحب إليَّ أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما في التطوع فلا. قال أبو عمر: لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلا ما صح عنده، وأما ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع". فيدل ظاهره عك أنه كذلك كان يفعل إمامًا وغير إمام. وقال السفاقسي: واختلفوا فيمن ترك التكبير في الصلاة، فقال ابن القاسم: من أسقط ثلاث تكبيرات فأكثر أو التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام سجد قبل السلام، وإن لم يسجد قبل السلام سجد بعده، وإن لم يسجد حتى طال بطلت صلاته، وفي "الموضحة": وإن نمصي تكبيرين سجد قبل أن يسلم، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته، وإن ترك تكبيرة واحدة اختلف هل عليه سجود أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس على من ترك التكبير سوى السجود، فإن لم يفعل حتى تباعد فلا شيء عليه. وقال أصحابنا: لا يجب السجود بترك الأذكار كالثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها. وفي "شرح المهذب": لو ترك التكبير عمدًا أو سهوًا حتى ركع، لم يأت به لفوات محله. والله أعلم. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله قال: "أنا رأيت رسول الله ﵇ يكبر في كل وضع ورفع". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن زهير ... فذكر بإسناده مثله، قال: "ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ يفعلان ذلك". ش: شرع يبين ما ذكره من قوله: "وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله ﵇" منها ما رواه عبد الله بن مسعود.

стр. 1823

وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية بن حديج أحد أصحاب أبي حنيفة ومن رجال الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه الأسود، وعن علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي عم الأسود بن يزيد، والكل من رجال الجماعة. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (١): أنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو خيثمة، ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعن علقمة، عن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﵇ يكبر في كل رفع ووضع وقيام وقعود". وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (٢): ثنا عمرو بن علي، قال: ثنا معاذ بن معاذ وأبو داود، قالا: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله: "أن النبي ﵇ كان يكبر في كل خفض ورفع، ويسلم عن يمينه وعن يساره. الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني أبي بدر، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعن علقمة، كلاهما عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه الترمذي (٣): نا قتيبة، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ يكبر في كل خفص ورفع وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر ﵄". قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح.

стр. 1824

وأخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا الفضل بن دكين ويحيى بن آدم، قالا: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﵇ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله ﵇ يُرى بياض خده، قال: ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ يفعلان ذلك". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: حدثني سالم البراد- قال: وكان عندي أوثق من نفسي- قال: قال أبو مسعود البدري: "ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﵇؟ فصلى بنا أربع ركعات يكبر فيهن كلما خفض ورفع، وقال: هكذا رأيت رسول اللهَ ﵇ صلى". ش: إسناده صحيح، وعفان بن مسلم بن عبد الله الصفار أبو عثمان البصري شيخ البخاري، وهمام بن يحيى العوذي أبو بكر البصري روى له الجماعة، وعطاء بن السائب بن مالك أبو زيد الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وعن أحمد: ثقة ثقة، رجل صالح. روى له البخاري حديثًا واحدًا متابعة والأربعة. وسالم أبو عبد الله الكوفي وثقه يحيى بن معين وابن حبان وغيرهما، والبراد فعال -بالتشديد- من البرد لقب سالم، وأبو مسعود البدري اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا همام، عن عطاء بن السائب، حدثني سالم البراد -وكان أوثق عندي من نفسي- قال: "قال لنا أبو مسعود البدري: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﵇؟ فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه وفرق بين أصابعه وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، وكبر وسجد وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر فاستوى قاعدًا على

стр. 1825

مقعدته حتى استقر كل شيء منه، فصلى أربع ركعات، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يصلي، أو هكذا كانت صلاة رسول الله ﵇". وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن حماد، نا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، ثنا سالم البراد قال: "دخلنا على أبي مسعود الأنصاري، فسألناه عن الصلاة، فقال: ألا أصلي بكم كما كان رسول الله ﵇ يصلي؟ قال: فقام فكبر ورفع يديه، ثم ركع فوضع كفيه عك ركبتيه وجافى بين إبطيه، قال: ثم قام حتى استقلَّ كل شيء منه، ثم سجد فوضع كفيه وجافى بين إبطيه، ثم رفع رأسه حتى أستقلَّ كل شيء، ثم صلى أربع ركعات هكذا". قوله: "أَلا" حرف تنبيه ينبه السامع على ما يأتي. قوله: "كلما خفض ورفع" أي كلما خفض رأسه للسجود وكلما رفعها. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا عبد العزيز بن مختار، قال: ثنا عبد الله الداناج، قال: ثنا عكرمة قال: "صلى بنا أبو هريرة ﵁ فكان يكبر إذا رفع وإذا خفض، فأتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال: أوليس ذلك سنة أن القاسم ﵇؟! ". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن عكرمة، مثله ولم يذكر أبا هريرة. ش: هذان طريقان رجالهما ثقات: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد العزيز بن مختار الأنصاري أبي إسحاق الدباغ البصري من رجال الجماعة، عن عبد الله بن فيروز الداناج البصري روى له الجماعة سوى الترمذي، والداناج معرب داناه، وهو العالم بالفارسية.

стр. 1826

ورواه أحمد في "مسنده"، (١) والطبراني في "معجمه" (٢): من طريق عبد الله الداناج المذكور فيه. قوله "أوليس ذلك" الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري، ومعناه تلك صلاة رسول الله ﵇ لأن نفي النفي إثبات. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس الواسطي، عن عكرمة نحوه، ولم يذكر فيه أبا هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا هشيم، بن بشير، عن أبي بشر, عن عكرمة نحوه, "رأيت رجلًا يصلي عند المقام، يكبر في كل خفض ورفع، قال: فأتيت ابن عباس ﵄ فأخبرته بذلك فقال لي ابن عباس: أوليس تلك صلاة رسول الله ﵇؟! لا أمَّ لعكرمة". وقال البخاري (٤): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: أنا همام، عن قتادة، عن عكرمة قال: "صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم ﵇". ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبو إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: قال أبو موسى الأشعري ﵁: "ذكرنا علي ﵁ صلاة كلنا نصليها مع النبي ﵇ إما نسيناها وإما تركناها عمدًا، يكبر كلما خفض وكلما رفع وكلما سجد". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا سعيد بن أبو عروبة (ح)

стр. 1827

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، عن النبي ﵇ قال: "إذا كبر الإِمام وسجد فكبروا واسجدوا". ش: هذه ثلاث طرق رجالها كلهم رجال الصحيحين ما خلا ربيعًا وأسدًا وابن مرزوق: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي موسى قال: "صلى بنا علي ﵁ يوم الجمل صلاة ذكرنا بها صلاة رسول الله ﵇ فإما أن نكون نسيناها وإما أن نكون تركناها عمدًا؛ يكبر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه ويساره". قوله: "ذكرنا" بالتشديد من التذكير و"عليٌّ" مرفوع ة لأنه فاعله و"صلاة" مفعوله. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي أبي محمَّد البصري، عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي أبي النضر البصري، عن قتادة، عن يونس بن جبير الباهلي أبي غلاب البصري، عن حِطَّان -بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين- أبي عبد الله الرقاشي -بفتح الراء وتخفيف القاف- نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة أم ولد شيبان بن ذهل. وهو يروي عن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس.

стр. 1828

وأخرجه مسلم (١): ثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد بن عبد الملك الأموي واللفظ لأبي كامل، قالوا: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: "صليت مع أبي موسى صلاة، فلما كان عند القعدة، قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة، قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم، انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرم القوم، ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: ما قلتها, ولقد رهبت أن تبكعني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟! إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإِمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله ﵇: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم؛ فإن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإِمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله ﵇: فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى، عن قتادة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): عن عمرو بن عون، عن أبي عوانة، عن قتادة.

стр. 1829

وعن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: "صلى بنا أبو موسى ... " الحديث. وأخرجه النسائي (١): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، أن الأشعري قال: "إن رسول الله ﵇ خطبنا فعلمنا سنتنا وبيَّن لنا صلاتنا ... " الحديث. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن جميل بن الحسن، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة. وعن عبد الرحمن بن عمرو، عن ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله، عن قتادة -وهذا حديث عبد الرحمن- عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري: "أن رسول الله ﵇ خطبنا وبين لنا سنتنا ... " الحديث. قوله: "فأرم القوم" قال ابن الأثير: الرواية المشهورة "أَرَمَّ" بالراء المهملة وتشديد الميم، معناه أمسكوا عن الكلام وسكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرمّ فهو مرمّ، ويروى "أزم القوم" -بفتح الزاي المعجمة- ومعناه أيضًا أمسكوا عن الكلام، كما يمسك الصائم عن الطعام ومنه سميت الحمية أزمًا. قوله: "أن تبكعني بها" من بكعت الرجل بكعًا إذا استقبلته بما يكره. قوله: "فتلك بتلك" معناه أن الدعوى معلقة بتلك الكلمة أو مضمنة بها، أعني بالدعوى: قراءة الإِمام ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ السورة، وأعني بالكلمة: قوله: "آمين". قوله: "فتلك" مبتدأ وخبره "بتلك" الثاني، ومتعلقه محذوف كما قدرنا.

стр. 1830

قوله: "يسمع الله لكم" أي يستجيب لكم، والسماع كناية عن الإجابة؛ فافهم. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني عبد الرحمن الأصم، قال: سمعت أنسًا يقول: "كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر ﵄ يتمون التكبير، يكبرون إذا سجدوا إذا رفعوا، وإذا قاموا من الركعة". حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم وأبو حذيفة، عن سفيان، عن عبد الرحمن الأصم ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: أحدهما: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري ونسبته لعمل القوارير أو بيعها، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن الأصم من رجال مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الرحمن الأصم، عن أنس قال: "كان النبي ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان لا ينقصون التكبير". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن عبد الرحمن الأصم، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان يثبتون التكبير إذا رفعوا وإذا وضعوا". والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد، وأبي حذيفة النهدي واسمه موسى بن مسعود شيخ البخاري، كلاهما عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن الأصم.

стр. 1831

وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الرحمن الأصم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر لا ينقصون التكبير". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة: "أن أبا هريرة ﵁ كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﵇". حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت النعمان بن راشد يحدث، عن الزهري، عن أبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة كان يصلي لهم المكتوبة ... " فذكر مثله. حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة نحوه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ يكبر كلما سجد ورفع". حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، أن أبا سلمة قال: "رأيت أبا هريرة يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذه الصلاة؟! فقال: إنها لصلاة رسول الله ﵇". ش: هذه خمس طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن مسلم شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، والكل رجال الصحيح.

стр. 1832

وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، وإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﵇". وأخرجه النسائي (٢): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن النعمان بن راشد الجزري الرقي مولى بني أمية، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني أحد الفقهاء السبعة، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (٣) بأتم منه: ثنا عمرو بن عثمان، نا أبي وبقية، عن شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة: "أن أبا هريرة ﵁ كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، فيكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين، فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﵇، وإن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا". ففيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا في رفعه من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، وهذا مجمع عليه اليوم، ففي كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة، وهي: تكبيرة الإحرام، وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة، وهي: تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية ثنتان وعشرون، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرة.

стр. 1833

الثالث: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، كان يسكن المقبرة فنسب إليها. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو داود، نا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: "والله إني لأعلمكم بصلاة رسول الله ﵇، كان رسول الله ﵇ إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، وكان يكبر إذا نهض وإذا خفض وإذا رفع". الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان الأنصاري المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﵇ يرفع يديه إذا دخل الصلاة مدًّا، وكان يسكت قبل القراءة يسأل الله من فضله، ويكبر إذا خفض وإذا رفع". الخامس: عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن مهران الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "أن أبا هريرة كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع، فقلنا: يا أبا هريرة، ما هذا التكبير؟! فقال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ ".

стр. 1834

ص: قال أبو جعفر ﵀: فكانت هذه الآثار المروية عن رسول الله ﵇ في التكبر في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وأكثر تواترًا، وقد عمل بها من بعد رسول الله ﵇ أبو بكر وعمر وعلي -رضوان الله عليهم- وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا، لا ينكر ذلك منكر، ولا يدفعه دافع، ثم النظر يشهد له أيضًا، وذلك أنا رأينا الدخول في الصلاة يكون بالتكبير، ثم الخروج من الركوع والسجود يكونان أيضًا بالتكبر، وكذلك القيام من القعود يكون أيضًا بالتكبر، فكان ما ذكرنا من تغير الأحوال من حال إلى حال قد أُجمع أن فيه تكبيرًا، فكان النظر على ذلك أيضًا أن يكون تغير الأحوال أيضًا من القيام إلى الركوع وإلى السجود فيه أيضًا تكبير؛ قياسًا عك ما ذكرنا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أراد بالآثار المرويّه: الأحاديث التي أخرجها عن عبد الله بن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك ﵃ وأشار إلى ترجيحها على حديث عبد الرحمن بن أبزى الذي احتج به أهل المقالة الأولى بأوجه أربعة: الأول: أن هذه أظهر من حديث ابن أبزى في صحة الأسانيد وإتقان الرواة، وأنها أكثر تواترًا وأشد اشتهارًا بين الخاصة والعامّة، وقد عرف أن من جملة أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة وشهرة المروي، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد والآخر يرويه اثنان، فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به، واستدلوا على ذلك بمسألة كتاب الاستحسان في الخبر بطهارة الماء ونجاسته، وحل الطعام وحرمته، أنه إذا كان المخبر بأحد الأمرين اثنين، وبالآخر واحدًا، فإنه يؤخذ بخبر الاثنين؛ وهذا لأن خبر المثنى حجة تامة في باب الشهادات، بخلاف خبر الواحد، فطمأنينة القلب إلى خبر المثنى أكثر، وقد اشتهر عن الصحابة ﵃ الاعتماد على خبر المثنى دون الواحد.

стр. 1835

الثاني: أنه قد عمل بهذه الآثار من بعد رسول الله ﵇ أبو بكر وعمر وعلي ﵃ وكفى بهم قدوة، وكذلك عمل بها غيرهم من الصحابة مثل عثمان -كما وقع في رواية ابن أبي شيبة- وأبي هريرة وأنس وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود البدري وعبد الله بن مسعود وغيرهم ﵃. الثالث: أنه قد تواتر بها العمل إلى يومنا هذا من غير نكبيرِ منكر، ولا ردِّ رادٍّ، فصار كالإجماع. الرابع: أنه يشهد له النظر والقياس، بيانه: أن الدخول في الصلاة يكون بالتكبير وكذلك الخروج من الركوع والسجود والقيام من القعود، فكل ذلك بالتكبير بلا خلاف فيه؛ فكان النظر والقياس عك ذلك أن تكون بالتكبير أيضًا حالة الانتقال من القيام إلى الركوع وإلى السجود، والجامع: وجود تغير الأحوال من حال إلى حال في كل واحدة من هذه الحالات.

стр. 1836

ص: باب: التكبير للركوع والتكبير للسجود والرفع من الركوع هل في ذلك رفع أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان التكبير لأجل الركوع والتكبير لأجل السجود، وفي بيان حالة رفع الرأس من الركوع هل فيهما رفع اليدين أم لا؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ : "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا فرغ ورفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر". ش: هذا أخرجه أبو جعفر: بعينه بهذا الإسناد في باب: رفع اليدين في افتتاح الصلاة، ولكن إلى قوله: "حذو منكبيه" وقطعه للتبويب. وأخرجه الأربعة (١) وقد ذكرناه هناك. قوله: "إذا قضى قراءته" أي: إذا فرغ منها. قوله: "ويصنعه" أي يصنع رفع اليدين. قوله: "وهو قاعد" جملة وقعت حالًا. قوله: "وإذا قام من السجدتين" يعني الركعتين؛ قاله في "الإِمام"، وقال النووي في "الخلاصة": وقع في لفظ أبي داود: "السجدتين" وفي لفظ الترمذي "الركعتين" والمراد بالسجدتين: الركعتان.

стр. 1837

وقال الخطابي: أما ما روي في حديث علي أنه كان يرفع يديه عند القيام من السجدتين، فلست أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إليه، وإن صح الحديث فالقول به واجب. انتهى. قلت: الحديث صحيح، قال الترمذي: حسن صحيح، ووهم الخطابي في ذلك لكونه لم يقف على طريق الحديث، ولكن يجيء الجواب عنه إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت النبى ﵇ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين". ش: هذا أيضًا أخرجه بعينه بهذا الإسناد في باب: رفع اليدين في افتتاح الصلاة، ولكن إلى قوله: "حتى يحاذي بهما منكبيه" والأئمة الستة أخرجوه (١) وقد ذكرناه هناك. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أن النبى ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وكان لا يفعل ذلك بين السجدتين". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد، عن جابر قال: "رأيت سالم بن عبد الله رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة ثلاث مرات: حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين رفع رأسه، قال جابر: فسألت سالمًا عن ذلك، فقال: رأيت ابن عمر يفعل ذلك، وقال ابن عمر: رأيت النبى ﵇ يفعل ذلك".

стр. 1838

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﵇ أحدهم أبو قتادة قال: قال أبو حميد: "أنا أعلمكم بصلاة النبي ﵇، قالوا: لم؛ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة؟! فقال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: كان رسول الله ﵇ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فإذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم صنع مثل ذلك في بقية صلاته، قال: فقالوا جميعًا: صدقت هكذا كان يصلي". ش: هذه الأسانيد كلها بعينها قد مرت هناك ولكن مقتصرة على رفع اليدين حذو المنكبين عند الافتتاح، وقد ذكرنا هناك من أخرجها من الأئمة، وتقطيعها للتبويب. وزيد هو ابن أبي أنيسة الجزري أبو أسامة الرهاوي من رجال الجماعة، وجابر هو ابن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي فيه كلام كثير. ومما يستفاد منها: استحباب الجمع للإمام بين التسميع والتحميد، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد. وأنه لا يرفع يديه بين السجدتين، وبه أخذ الجمهور، وقد ذهبت طائفة إلى الرفع في السجود أيضًا. لما روى أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يرفع يديه في الركوع والسجود".

стр. 1839

ويستفاد من حديث أبي حميد: أن الإِمام يقتصر على التسميع، وإليه ذهب أبو حنيفة. وسنية تكبيرات الانتقالات. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أُسيد وسهل بن سعد فذكروا صلاة رسول الله ﵇، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة النبي ﵇، إن رسول الله ﵇ كان إذا قام رفع يديه، ثم رفع يديه حين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه". ش: إسناده صحيح، وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو، وقد تكرر ذكر نسبته إلى عَقَد بفتحتين صنف من الأزد. وعباس بن سهل بن سعد الأنصاري روى له الجماعة سوى النسائي، وأبو حميد -بضم الحاء- قيل اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد الساعدي الأنصاري المدني الصحابي، وأبو أسيد بضم الهمزة اسمه مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي الصحابي، وسهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي أبو يحيى المدني الصحابي. وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبو عامر العقدي، نا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع محمَّد بن مسلمة وأبو أسيد وأبو حميد وسهل بن سعد، فذكروا صلاة رسول الله ﵇، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇، إن رسول الله ﵇ قام فكبر ورفع يديه، ثم رفع يديه حين كبر للركوع، ثم ركع ووضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، ولم يصوب رأسه ولم يقنعه". وأخرجه أبو داود من وجوه كثيرة وأخرجه من هذا الوجه أيضًا وليس فيه ذكر رفع اليدين عند الركوع وقال (٢): ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الملك بن عمرو، قال:

стр. 1840

أخبرني فليح، قال: حدثني عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﵇ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﵇، فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، وقال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه، حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كله اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبي ﵇ حين يكبر للصلاة وحين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع يرفع يديه حيال أذنيه". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس المعروف بالسوسي، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا ركع وإذا رفع رأسه من ركوعه يرفع يديه حتى يحاذي بهما فوق أذنيه". ش: هذه الأسانيد ذكرت هناك بعينها ولكن متونها مقتصرة على رفع اليدين عند الافتتاح، وها هنا ذكرها لرفع اليدين حين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع. ورجالها كلهم ثقات وأبو الأحوص سلام بن سليم الكوفي. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد".

стр. 1841

ش: سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، وإسماعيل بن عياش بن سليم الشامي فيه مقال، قال النسائي: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال الفسوي: تكلم قوم فيه وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا: يغرب عن ثقات الحجازين. وروى له الأربعة. وصالح من رجال الجماعة، وكذلك عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. وأخره ابن ماجه (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار، قالا: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "رأيت رسول الله ﵇ يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة وحين يركع وحين يسجد". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، وأوجبوا الرفع عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند النهوض إلى القيام من القعود في الصلاة كلها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح وطاوسًا ومجاهدًا والقاسم بن محمَّد وسالمًا وقتادة ومكحولًا وسعيد بن جبير وعبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عبيد وأبا ثور وابن جرير الطبري ومالكًا في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار المذكورة، وأوجبوا الرفع أي رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، وعند القيام من القعود إلى الركعة الثالثة، وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبي سعيد الخدري وابن عباس وأنس وابن الزبير. وقال البخاري (٢): روي عن تسعة عشر نفرًا من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع منهم: أبو قتادة وأبو أسيد ومحمد بن مسلمة وسهل بن

стр. 1842

سعد وعبد الله بن عمر وابن عباس وأنس وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله ابن الزبير ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأبو موسى الأشعري وأبو حميد الساعدي. وزاد البيهقي (١): أبا بكر الصديق وعمر وعليًّا وجابرًا وعقبة بن عامر وزيد بن ثابت وعبد الله بن جابر البياضي وأبا سعيد وأبا عبيدة وابن مسعود وأبي بن كعب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف والحسين بن علي وسلمان الفارسي وبريدة وعمارًا وأبا أمامة وعمير بن قتادة الليثي وأبا مسعود وعائشة وأعرابيًّا له صحبة. وزاد ابن حزم (٢): أم الدرداء والنعمان بن عياش، قال: ورويناه أيضًا عن عبد الرحمن بن سابط والحسن وسالم والقاسم وعطاء ومجاهد وابن سيرين ونافع وقتادة والحسن بن مسلم وابن أبي نجيح وعمرو بن دينار ومكحول والمعتمر ويحيى القطان وابن مهدي وابن علية وابن المبارك وابن وهب ومحمد بن نصر المروزي وابن جرير الطبري وابن المنذر والربيع ومحمد بن الحكم وابن نمير وابن المديني وابن معين وابن هارون في آخرين، وهو رواية أشهب وابن وهب وأبي المصعب وغيرهم عن مالك: أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر إلى أن مات، وبه قال الأوزاعي وابن عيينة والشافعي وجماعة أهل الحديث. وذكر ابن عسكر في "تاريخه" (٣): عن أبي حازم سلمة الأعرج القاضي قال: "أدركت ألفًا من الصحابة كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع".

стр. 1843

ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا نرى الرفع إلا في التكبيرة الأولى. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وابن أبي ليلى وعلقمة بن قيس والأسود بن يزيد وعامر الشعبي وأبا إسحاق السبيعي وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل وخيثمة وقيسًا والمغيرة ووكيعًا وعاصم بن كليب ومالكًا -في رواية- وابن القاسم وأكثر المالكية وأهل الكوفة. قال الترمذي (١): وبه يقول غير واحد من أصحاب النبي ﵇ والتابعين وهو قول سفيان وأهل الكوفة. واختلف عن مالك في رفع اليدين في الصلاة فروى الوليد بن مسلم وعبد الله بن وهب عن مالك: أنه كان يرى رفع اليدين في الصلاة. وروى الشافعي، عن مالك: أنه كان لا يرفع. وقال أشرت الدين بن نجيب الكاساني في "البدائع" (٢): وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﵇ بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة. قلت: وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وذكر غيره أيضًا عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبا سعيد الخدري، وقول الترمذي يدل على هذا. ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن

стр. 1844

عازب قال: "كان النبي ﷺ إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه ثم لا يعود". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن البراء، عن النبي ﵇ نحوه. حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: ثنا يحيى يحيى، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه. وعن الحكم (١)، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، عن النبي ﵇ نحوه. ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث البراء بن عازب ﵁ وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي العدوي أبي عبد الرحمن البصري نزيل مكة، وشيخ أحمد وإسحاق وابن المديني وبندار، وثقه يحيى بن معين وابن حبان، واستشهد به البخاري، واحتج به الأربعة أبو داود في القدر. عن سفيان الثوري، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي أبي عبد الله الكوفي، تكلموا فيه، وسيجيء الكلام فيه. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من رجال الجماعة، عن البراء ﵁. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمَّد بن الصباح البزاز، قال: ثنا شريك، عن يزيد

стр. 1845

ابن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: "أن رسول الله ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي، عن خالد بن عبد الله الواسطي، كلاهما من رجال الجماعة، عن محمَّد بن أبي ليلى فيه مقال، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن وثقه أبو حاتم وغيره، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، عن النبي ﵇. وأخرجه أبو داود (١): ثنا حسين بن عبد الرحمن، أنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "رأيت رسول الله ﵇ رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف". الثالث: عن محمد بن النعمان السقطي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن وكيع، عن محمَّد بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، وعن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم وعيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب: "أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، ثم لا يرفعهما حتى يفرغ". فإن قلت: قال أبو داود (٣): روى هذا الحديث هشيم وخالد وابن إدريس عن يزيد بن أبي زياد ولم يذكروا: "ثم لا يعود" وقال الخطابي: لم يقل أحد في هذا: "ثم لا يعود" غير شريك، وقال أبو عمر في "التمهيد": تفرد به يزيد، ورواه عنه الحفاظ فلم يذكر واحد منهم قوله: "ثم لا يعود".

стр. 1846

وقال البزار: لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين "ثم لا يعود". وقال عباس الدوري (١) عن يحيى: ليس هو بصحيح الإسناد. وقال البيهقي (٢) عن أحمد: هذا حديث واهي قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يذكر فيه: "ثم لا يعود". فلما لقن أخذه فكان يذكره فيه. وقال جماعة: إن يزيد كان تغير بأخرة وصار يتلقن، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة. كما أخرجه الدارقطني (٣): عن علي بن عاصم، ثنا محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "رأيت النبي ﵇ حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه، فقلت: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: "ثم لم يعد" قال: لا أحفظ هذا. ثم عاود به فقال: لا أحفظه. وقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد الله يقول: يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ، فلما كبر ساء حفظه، وكان يقلب الأسانيد ويزيد في المتون ولا يميز. قلت: يعارض قول أبي داود قول ابن عدي في "الكامل" (٤): رواه هشيم وشريك وجماعة معهما عن يزيد بإسناده وقالوا فيه "ثم لم يعد" فظهر أن شريكًا لم يتفرد برواية هذه الزيادة فسقط بذلك أيضًا كلام الخطابي: لم يقل أحد في هذا: "ثم لا يعود" غير شريك؛ لأن شريكًا قد توبع عليها. كما أخرجه الدارقطني (٥): عن إسماعيل بن زكرياء، ثنا يزيد بن أبي زياد به نحوه.

стр. 1847

وأخرجه البيهقي في "الخلافيات": من طريق النضر بن شميل، عن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بلفظ: "رفع يديه حذو أذنيه ثم لم يعد". وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١): من حديث حفص بن عمر، ثنا حمزة الزيات كذلك، وقال: لم يروه عنه إلا حفص، تفرد به محمَّد بن حرب. فإن قالوا: تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن عيسى بن عبد الرحمن رواه أيضًا عن ابن أبي ليلى كذلك، فلذلك أخرجه الطحاوي إشارة إلى أن يزيد قد توبع في هذا، وأما إذا نظرنا في حال يزيد نجده ثقة، فقال العجلي: هو جائز الحديث. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: يزيد وإن كان قد تكلم فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور والأعمش فهو مقبول القول عدل ثقة. وقال أبو داود: ثبت لا أعلم أحدًا ترك حديثه وغيره أحب إليَّ منه. وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره. ولما ذكره ابن شاهين في كتاب "الثقات" قال: قال أحمد بن صالح: يزيد ثقة ولا يعجبني قول من تكلم فيه. وخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه". وقال الساجي: صدوق. وكذا قال ابن حبان، وذكره مسلم فيمن شمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم وخرج حديثه في "صحيحه"، واستشهد به البخاري. فلما كانت حاله بهذه المثابة جاز أن يحمل أمره على أنه حدث ببعض الحديث تارة وبجملته أخرى، أو يكون قد نسى أولًا ثم تذكر، فإن ادعوا المعارضة برواية إبراهيم بن بشار عن سفيان، ثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: "يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". فظننتهم لقنوه.

стр. 1848

رواه الحاكم، ثم البيهقي (١) عنه. قال الحاكم: لا أعلم ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشار الرمادي، وهو ثقة في الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة، جالس ابن عيينة نيفًا وأربعين سنة. ورواه البخاري في كتابه في "رفع اليدين" (٢): حدثنا الحميدي، ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، بمثل لفظ الحاكم. قال البخاري: وكذلك رواه الحفاظ ممن سمع يزيد قديمًا منهم شعبة والثوري وزهير، وليس فيه "ثم لم يعد". قلنا: هذا لا يتجه؛ لأنه لم يرو هذا المتن جهذه الزيادة غير إبراهيم بن بشار، كذا حكاه الشيخ في "الإمام" عن الحاكم، وابن بشار قال فيه النسائي: ليس بالقوي. وذمه أحمد ذمًّا شديدًا، وقال ابن معين: ليس بشيء لم يكن يكتب عند سفيان، وما رأيت في يده قلمًا قط، وكان يُملي على الناس ما لم يقله سفيان. ورماه البخاري وابن الجارود بالوهم، فجائز أن يكون قد وهم في هذا والله أعلم. وقال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: كان يملي على الخراسانية ما لم يقل ابن عيينة، فقلت له: أما تتقي الله؟! تملي عليهم ما لم يسمعوا؟! وذمه في ذلك ذمًّا شديدًا. وقال الأزدي: هو صدوق لكنه يهم في الحديث بعد الحديث. فإن قلت: قال ابن قدامة في "المغني": حديث يزيد بن أبي زياد ضعيف، قال الحميدي وغيره: يزيد بن أبي [زياد] (٣) ساء حفظه في آخر عمره وخلط. ثم لو صح لكان الترجيح لأحاديثنا أولى بخمسة أوجه: أحدها: أنها أصح إسنادًا وأعدل رواة، فالحق إلى قولهم أقرب. الثاني: أنها أكثر رواة فظن الصدق في قولهم أقوى والغلط منهم أبعد.

стр. 1849

الثالث: أنهم مثبتون والمثبت يخبر عن شيء شاهده ورآه، فقدله يجب تقديمه لزيادة علمه، والنافي لم ير شيئًا فلا يؤخذ بقوله وكذلك قدمنا قول الجارح على المعدل. الرابع: أنهم فصَّلوا في روايتهم ونصُّوا في الرفع على الحالتين المختلف فيهما والمخالف لهم عمم روايته المختلف فيه وغيره، فيجب تقديم أحاديثنا؛ لنصها وخصوصها عك أحاديثهم العامّة التي لا نص فيها كما يقدم الخاص على العام، والنص على الظاهر المحتمل. الخامس: أن أحاديثنا عمل بها السلف من الصحابة والتابعين، فيدل ذلك على قوتها. قلت: يدفع الوجه الأول: حديث ابن مسعود على ما يأتي؛ فإنه أيضًا حديث صحيح نص عليه الترمذي وغيره. وأما الوجه الثاني: ولئن سلمنا أن كثرة عدد الرواة لها تأثير في باب الترجيح ولكن هذا إنما يكون فيما إذا كان راوي الخبر واحدًا، وراوي الخبر الذي يعارضه اثنان أو أكثر؛ فالذي نحن فيه إنما روي عن جماعة وهم عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وابن عباس وابن عمر وعباد بن الزبير ﵃ فحينئذ تتساوى الأخبار في ظن الصدق بقولهم في القوة وبعد الغلط. وأما الوجه الثالث؛ فلا نسلم أن خبر المثبت يقدم على خبر النافي مطلقًا؛ لأنه كما أنه يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للإثبات، فكذلك يستدل به بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي، والتحقيق في هذا الموضع أن خبر النفي إذا كان عن دليل يوجب العلم به يتساوى مع المثبت وتتحقق المعارضة بينهما، ثم يجب طلب المخلص بعد ذلك، فإن كان لا عن دليل يوجب العلم به فحينئذ يقدم خبر المثبت، وذلك كما في حديث بلال ﵁: "أن النبي ﵇ لم يصل في الكعبة"

стр. 1850

مع حديث ابن عمر ﵄: "أنه ﵇ صلى فيها عام الفتح" (١) فإنهم اتفقوا أنه ﵇ ما دخلها يومئذ إلا مرة، ومن أخبر أنه لم يصل فيها فإنه لم يعتمد دليلًا موجبًا للعلم؛ لأنه لم يعاين صلاته فيها، والآخر عاين ذلك، فكان المثبت أولى من النافي، وأما الذي نحن فيه فالنفي فيه عن دليل يوجب العلم به ة لأن ابن مسعود ﵁ شاهد النبي ﵇ وعاينه أنه رفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يعد، وقول ابن عمر أيضًا إثبات عن دليل يوجب العلم، فحينذ يتساويان في القوة والضعف، فكيف يرجح الإثبات على النفي؟! فافهم فإنه موضع دقيق قَلَّ من يتعرض إليه، ولولا الفيض الإلهي لما قدرنا عليه. وأما الوجه الرابع: فنقول كما أن الخاص موجب للحكم فيما تناوله قطعًا، فكذلك العام موجب للحكم فيما تناوله قطعًا، وكل واحد من الحديثين نص، فكيف يقال والنص يقدم على الظاهر المحتمل؟! وأما الوجه الخامس: فنقول أيضًا: أحاديثنا عمل بها السلف من الصحابة والتابعين، فقد قال: الترمذي بعد أن أخرج حديث ابن مسعود: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ والتابعين. وقد قلنا: إنه مذهب العشرة المبشرة بالجنة وقد رويت آثار كثيرة من الصحابة والتابعين تدل على أنهم عملوا بأحاديثنا كما سنذكر أكثرها إن شاء الله تعالى. ثم اعلم أن حديث عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب فقد أخرجها الطحاوي ها هنا.

стр. 1851

وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني في "معجمه" (١): ثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، نا محمَّد بن عمران، حدثني أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس عن النبي ﵇ قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين تفتتح الصلاة، وحين تدخل المسجد الحرام فتنظر إلى البيت، وحين تقوم على الصفا، وحين تقوم على المروة، وحين تقف مع الناس عشيّة عرفة، وبجمع، والمقامين حين ترمي الجمرة". ورواه البخاري معلقًا في كتابه المفرد "في رفع اليدين" (٢) ثم قال: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. فهو مرسل وغير محفوظ؛ لأن أصحاب نافع خالفوا، وأيضًا فهم قد خالفوا هذا الحديث ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبير القنوت. والجواب: أن قول شعبة مجرد دعوى، ولئن سلمنا فمرسل الثقات مقبول يحتج به، وكونهم لم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبير القنوت لا يوجب المخالفة؛ لأن الحديث لا يدل على الحصر. صرواه البزار في "مسنده" أيضًا: ثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء، نا عبد الرحمن بن محمَّد المحاربي، ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، وعند الحجر" ثم قال: وهذا حديث رواه غير واحد موقوفًا، وابن أبي ليلى لم يكن بالحافظ، وإنما قال: "ترفع الأيدي لما ولم يقل: لا ترفع الأيدي إلا في هذه المواضع انتهى. قلت: رواه موقوفًا ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: إذا قام إلى

стр. 1852

الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي جمع، وعند الجمار". قال الشيخ في "الإِمام": ورواه الحاكم ثم البيهقي بإسناده عن المحاربي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وعن نافع عن ابن عمر قالا: قال رسول الله ﵇: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين". وأما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه البيهقي في "الخلافيات": عن عبد الله بن عون الخزاز، ثنا مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". قال البيهقي: قال الحاكم: هذا باطل موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح؛ فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك بخلاف هذا ولم يذكر الدارقطني هذا في غرائب حديث مالك. قلت: هذا أيضًا مجرد دعوى من الحاكم؛ لأنه لم يبين وجه البطلان ما هو، ولا يلزم من عدم ذكر الدارقطني هذا في غرائب حديث مالك أن يكون هذا باطلًا، فافهم. الخراز بالخاء المعجمة بعدها راء ثم زاي. وأما حديث عباد فأخرجه البيهقي أيضًا في "الخلافيات": أنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي العباس محمَّد بن يعقوب، عن محمَّد بن إسحاق، عن الحسن بن الربيع، عن حفص بن غياث، عن محمَّد بن يحيى، عن عباد بن الزبير: "أن رسول الله ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة ثم لم يرفعهما في شيء حتى يفرغ". قال الشيخ في "الإِمام": عباد هذا تابعي، فهو مرسل. قلت: قد قلنا: إن مرسل الثقات مقبول محتج به. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﵇: "أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود".

стр. 1853

حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا وكيع، عن سفيان ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان إسنادان صحيحان ورجالهما رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي ومحمد بن النعمان. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن عاصم يعني ابن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال عبد الله بن مسعود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﵇؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلَّا مرة". وأخرجه الترمذي (٢): عن هناد، عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "إلا في أول مرة". وأحْرجه النسائي (٣): عن محمود بن غيلان، عن وكيع ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة في"مصنفه" (٤): عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. وكذا العدني أخرجه في "مسنده": عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره. فإن قيل: قد اعترض على هذا الحديث من ثلاثة أوجه: الأول: ما رواه الترمذي (٥) بسنده: عن ابن المبارك قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود: "أنه ﵇ لم يرفع يديه إلا في أول مرة". وثبت حديث ابن عمر: "أنه رفع عند الركوع، وعند الرفع، وعند القيام من الركعتين" (٦).

стр. 1854

ورواه الدارقطني (١)، ثم البيهقي (٢) في "سننيهما"، وذكره المنذري في مختصره للسنن. الثاني: مما قال المنذري: قال غير ابن المبارك: إن عبد الرحمن لم يسمع من علقمة. الثالث: ما قال الحاكم: عاصم بن كليب لم يخرج حديثه في "الصحيح" وكان يختصر الأخبار فيؤديها بالمعنى وإن لفظة "ثم لا يعود" في الرواية الأخرى غير محفوظة في الخبر، نقل البيهقي في "سننه" عن الحاكم هكذا. قلت: أما الجواب عن الأول: أن عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع ثبوته عند غيره، فقد قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ والتابعين، وهو قول سفيان وأهل الكوفة انتهى. ولو لم يثبت هذا الخبر عند سفيان لما عمل به، وصححه ابن حزم في "المحلى" وهو يدور على عاصم بن كليب، وقد وثقه ابن معين، وأخرج له مسلم. فلا نسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به. وأما الجواب عن الثاني: أن قول المنذري غير قادح؛ فإنه عن رجل مجهول، وهو قول عجيب لأنه تعليل بقول رجل مجهول شهد على النفي وقال الشيخ في "الإِمام": وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده، ولا ذكره ابن أبي حاتم في "مراسيله" وإنما ذكره في كتاب "الجرح والتعديل" فقال: وعبد الرحمن بن الأسود أُدخل على عائشة وهو صغير ولم يسمع منها، وروى عن أبيه وعلقمة. ولم يقل: إنه مرسل، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: إنه مات في سنة تسعة وتسعين. فكان سنه سن إبراهيم النخعي، فإذا كان سنه سن إبراهيم فما المانع من سماعه من علقمة، مع الاتفاق على سماع النخعي منه، ومع هذا كله فقد صرح الخطيب في كتاب

стр. 1855

"المتفق والمفترق" في ترجمة عبد الرحمن هذا أنه سمع أباه وعلقمة، وكذا قال في "الكمال": سمع عائشة زوج النبي ﵇، وأباه، وعلقمة بن قيس. وأما الجواب عن الثالث: وهو تضعيف الحاكم عاصمًا، فقد قلنا: إن ابن معين وثقه، وأنه من رجال الصحيح، وقول الحاكم: إن حديثه لم يخرج في "الصحيح" غير صحيح؛ فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة، عن علي في "الهدي" (١)، وحديثه عنه عن علي: "نهاني رسول الله ﵇ أن أجعل خاتمي في هذه والتي تليها" (٢) وغير ذلك (٣) أيضًا، فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل، وقد أخرج هو في مستدركه عن جماعة لم يخرج لهم في "الصحيح" وقال: هو على شرط الشيخين، وإن أراد بقوله لم يخرج حديثه في "الصحيح" أي هذا الحديث فليس ذاك بعلة، وإلا لفسد عليه مقصوده كله من "المستدرك". والحاصل أن رجال هذا الحديث على شرط مسلم، فالحديث حينئذ صحيح، والدور على تضعيفه لا يفيد. فإن قيل: قال البيهقي (٤): روى هذا الحديث عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب فذكر فيه رفع يديه حين كبر في الابتداء، فلم يتعرض للرفع ولا لتركه بعد ذلك، وذكر تطبيق يديه بين فخذيه، وقد يكون رفعهما فلم ينقله كما لم ينقل سائر سنن الصلاة، وقد يكون ذلك في الابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين في الركوع، ثم صار التطبيق منسوخًا، وصار الأمر في السنة إلى رفع اليدين عند الركوع ورفع الرأس منه فخفي جميعًا على عبد الله بن مسعود ﵁.

стр. 1856

قلت: هذا رد لحديث ابن مسعود ﵁ في الاقتصار على الرفع مرة لمجرد احتمال بعيدة؛ ولا يلزم من نسخ التطبيق نسخ الاقتصار على الرفع في التكبيرة الأولى، وقد جاء لحديثه هذا شاهد جيد. وهو ما أخرجه البيهقي (١) أيضًا: من حديث محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود: "صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة". فإن قيل: قال الدارقطني (٢): تفرد به محمَّد بن جابر وكان ضعيفًا، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا، عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي ﵇، وهو الصواب. قلت: ذكر ابن عدي أن إسحاق -يعني ابن إسرائيل- كان يفضل محمَّد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق، وقد روى عنه من الكبار مثل: أيوب وابن عون وهشام بن حسان والسفيانين وشعبة وغيرهم، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه مثل هؤلاء والذين هم دونهم، وقد خالف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه. وقال الفلاس: صدوق. وأدخله ابن حبان في "الثقات". وحماد بن أبي سليمان روى له الجماعة إلا البخاري، ووثقه يحيى القطان وأحمد بن عبد الله العجلي، وقال شعبة: كان صدوق اللسان. وإذا تعارض الوصل مع الإرسال والرفع مع الوقف فالحكم عند أكثرهم للواصل والرافع لأنهما زادا والزيادة من الثقة مقبولة والله أعلم (٣). وأما حديث عبد الله بن إدريس الذي ذكره البيهقي.

стр. 1857

فقد أخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن العباس الضبعي، قالا: نا عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قال: "ألا أريكم صلاة رسول الله ﵇؟ فكبر ورفع يديه حين افتتح الصلاة، فلما ركع طبق يديه وجعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله ﵇". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، قال: "قلت لأبراهيم: حديث وأئل أنه رأى النبي ﵇ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا خالد بن عبد الله، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن مرة قال: "دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه: أن رسول الله ﵇ كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده، فذكرت ذلك لإبراهيم، فغضب وقال: رأه هو ولم يره ابن مسعود ولا أصحابه؟! ". ش: هذان إسنادان صحيحان؛ لأن مؤملًا وثقه أحمد وغيره، وقد ذكرناه عن قريب، وسفيان هو الثوري، والمغيرة هو ابن مقسم الضبي، وإبراهيم هو النخعي وكلاهما من رجال الجماعة، ووائل هو ابن حجر الصحابي. ومسدد بن مسرهد شيخ البخاري، وخالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وحصين -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، وعمرو بن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي الأعمى، وعلقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي، والكل من رجال الجماعة. فإن قيل: كيف تقول: هذان إسنادان صحيحان وفيهما الانقطاع؟ لأن إبراهيم النخعي لم يدرك عبد الله بن مسعود.

стр. 1858

قلت: عن قريب يجيء الجواب عن ذلك، فتجده متصلًا في المعنى، وإنما ذكر الطحاوي هذا جوابًا لمن يزعم أن ابن مسعود يجوز عليه أن يكون قد نسي الرفع في غير التكبيرة الأول كما نسي في التطبيق فخفي عليه نسخه؛ وذلك لأن من رأى فعلًا من النبي ﵇ خمسين مرة أو أقل منه كيف ينساه والحال أنهم كانوا محتاطين في أمور دينهم ولا سيما في أمر الصلوات لتكررها خمس مرات في اليوم والليلة ومثل ابن مسعود الذي كان يلازم النبي ﵇ في غالب أوقاته لا يخفى عليه ذلك، فلذلك غضب إبراهيم النخعي لمَّا قال له عمرو بن مرة ما قال وبالغ في جواب المغيرة حيث قال: "إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك -أي رفع اليدين عند رفع الرأس من الركوع- فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك"، وهذا كله إنكار من إبراهيم لرفع اليدين من غير تكبيرة الافتتاح، وقال إبراهيم أيضًا لعلقمة بن وائل: "ما أرى أباك رأى رسول الله ﵇ إلا ذلك اليوم الواحد فحفظ ذلك، وعبد الله لم يحفظ ذلك منه؟! ثم قال إبراهيم: إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة". روى ذلك الدارقطني، (١) ثم البيهقي (٢) في "سننيهما": من حديث جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم، فحدثه عمرو بن مرة قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه: "أنه رأى رسول الله ﵇ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباك ... إلى آخر ما ذكرناه. وأخرجه أيضًا أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٣) ولفظه: "أحفظ وائل ونسي ابن مسعود ﵁؟! ". وقال صاحب "التنقيح": قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق، هذه علة لا تستوي سماعهما؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﵇ ثم الخلفاء الراشدين ثم الصحابة

стр. 1859

والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون بعد، وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق، ونسي كيفية قيام الاثنين خلف الإِمام، ونسي مالم يختلف العلماء فيه: أن النبي ﵇ صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي ﵇ بعرفة، ونسي مالم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي ﵇ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (١) وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين انتهى؟! والجواب عن ذلك. أما قوله: "لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﵇، فنقول قد صح أيضًا تركه. كما في رواية الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح. وأما قوله: "ثم الخلفاء الراشدين" فممنوع إذ قد صح عن عمر وعلي ﵄ خلاف ذلك كما نذكره إن شاء الله تعالى، والذي روي عن عمر ﵁ في الرفع في الركوع والرفع منه ذكره البيهقي بسنده، وفيه من هو مستضعف ولهذا قال (٣): ورويناه عن أبي بكر وعمر، وذكر جماعة، ولم يذكره بلفظ الصحة كما فعل ابن إسحاق المذكور، وذكر في الجوهر النقي: ولم أجد أحدًا ذكر عثمان ﵁ في جملة من كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه. وأما قوله: "ثم الصحابة والتابعين" فغير صحيح أيضًا، فإن من الصحابة من قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح، وهم الذين ذكرناهم فيما مضي. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا وكيع، عن أبي بكر بن عبد الله بن قطاف

стр. 1860

النهشلي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًا ﵁ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". ثنا (١) أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح الصلاة". ثنا (٢) ابن آدم، عن حسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت مع عمر ﵁ فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة قال عبد الملك: ورأيت الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة". انتهى. ويرد قوله أيضًا ما روي عن جماعة من التابعين أنهم كانوا لا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح لا غير كالأسود وعلقمة وإبراهيم وخيثمة وقيس بن أبي حازم والشعبي وأبي إسحاق وغيرهم. ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) بأسانيد جيدة، وروي ذلك أيضًا بسند صحيح عن أصحاب علي وعبد الله ﵃ وناهيك بهم. وأما قوله: "وليس في نسيان ابن مسعود ... " إلى آخره، فدعوى لا دليل عليها، ولا طريق إلى معرفة أن ابن مسعود علم ذلك ثم نسيه، والأدب في هذه الصورة التي نسبه فيها إلى النسيان أن يقال: "لم يبلغه" كما فعل غيره من العلماء. قوله: "ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق" غير وارد على منهج الأدب، ولا نسلم أنه نسي ذلك بل إنما نقول: إنه لم يبلغه ذلك.
следующие страницы →