قلت: هذا رد لحديث ابن مسعود ﵁ في الاقتصار على الرفع مرة لمجرد احتمال بعيدة؛ ولا يلزم من نسخ التطبيق نسخ الاقتصار على الرفع في التكبيرة الأولى، وقد جاء لحديثه هذا شاهد جيد.
وهو ما أخرجه البيهقي (١) أيضًا: من حديث محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود: "صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة".
فإن قيل: قال الدارقطني (٢): تفرد به محمَّد بن جابر وكان ضعيفًا، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا، عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي ﵇، وهو الصواب.
قلت: ذكر ابن عدي أن إسحاق -يعني ابن إسرائيل- كان يفضل محمَّد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق، وقد روى عنه من الكبار مثل: أيوب وابن عون وهشام بن حسان والسفيانين وشعبة وغيرهم، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه مثل هؤلاء والذين هم دونهم، وقد خالف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه. وقال الفلاس: صدوق. وأدخله ابن حبان في "الثقات".
وحماد بن أبي سليمان روى له الجماعة إلا البخاري، ووثقه يحيى القطان وأحمد بن عبد الله العجلي، وقال شعبة: كان صدوق اللسان.
وإذا تعارض الوصل مع الإرسال والرفع مع الوقف فالحكم عند أكثرهم للواصل والرافع لأنهما زادا والزيادة من الثقة مقبولة والله أعلم (٣).
وأما حديث عبد الله بن إدريس الذي ذكره البيهقي.
стр. 1857
فقد أخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن العباس الضبعي، قالا: نا عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قال: "ألا أريكم صلاة رسول الله ﵇؟ فكبر ورفع يديه حين افتتح الصلاة، فلما ركع طبق يديه وجعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله ﵇".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، قال: "قلت لأبراهيم: حديث وأئل أنه رأى النبي ﵇ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا خالد بن عبد الله، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن مرة قال: "دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه: أن رسول الله ﵇ كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده، فذكرت ذلك لإبراهيم، فغضب وقال: رأه هو ولم يره ابن مسعود ولا أصحابه؟! ".
ش: هذان إسنادان صحيحان؛ لأن مؤملًا وثقه أحمد وغيره، وقد ذكرناه عن قريب، وسفيان هو الثوري، والمغيرة هو ابن مقسم الضبي، وإبراهيم هو النخعي وكلاهما من رجال الجماعة، ووائل هو ابن حجر الصحابي.
ومسدد بن مسرهد شيخ البخاري، وخالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وحصين -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، وعمرو بن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي الأعمى، وعلقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي، والكل من رجال الجماعة.
فإن قيل: كيف تقول: هذان إسنادان صحيحان وفيهما الانقطاع؟ لأن إبراهيم النخعي لم يدرك عبد الله بن مسعود.
стр. 1858
قلت: عن قريب يجيء الجواب عن ذلك، فتجده متصلًا في المعنى، وإنما ذكر الطحاوي هذا جوابًا لمن يزعم أن ابن مسعود يجوز عليه أن يكون قد نسي الرفع في غير التكبيرة الأول كما نسي في التطبيق فخفي عليه نسخه؛ وذلك لأن من رأى فعلًا من النبي ﵇ خمسين مرة أو أقل منه كيف ينساه والحال أنهم كانوا محتاطين في أمور دينهم ولا سيما في أمر الصلوات لتكررها خمس مرات في اليوم والليلة ومثل ابن مسعود الذي كان يلازم النبي ﵇ في غالب أوقاته لا يخفى عليه ذلك، فلذلك غضب إبراهيم النخعي لمَّا قال له عمرو بن مرة ما قال وبالغ في جواب المغيرة حيث قال: "إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك -أي رفع اليدين عند رفع الرأس من الركوع- فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك"، وهذا كله إنكار من إبراهيم لرفع اليدين من غير تكبيرة الافتتاح، وقال إبراهيم أيضًا لعلقمة بن وائل: "ما أرى أباك رأى رسول الله ﵇ إلا ذلك اليوم الواحد فحفظ ذلك، وعبد الله لم يحفظ ذلك منه؟! ثم قال إبراهيم: إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة".
روى ذلك الدارقطني، (١) ثم البيهقي (٢) في "سننيهما": من حديث جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم، فحدثه عمرو بن مرة قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه: "أنه رأى رسول الله ﵇ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباك ... إلى آخر ما ذكرناه.
وأخرجه أيضًا أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٣) ولفظه: "أحفظ وائل ونسي ابن مسعود ﵁؟! ".
وقال صاحب "التنقيح": قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق، هذه علة لا تستوي سماعهما؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﵇ ثم الخلفاء الراشدين ثم الصحابة
стр. 1859
والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون بعد، وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق، ونسي كيفية قيام الاثنين خلف الإِمام، ونسي مالم يختلف العلماء فيه: أن النبي ﵇ صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي ﵇ بعرفة، ونسي مالم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي ﵇ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (١) وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين انتهى؟!
والجواب عن ذلك.
أما قوله: "لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﵇، فنقول قد صح أيضًا تركه.
كما في رواية الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح.
وأما قوله: "ثم الخلفاء الراشدين" فممنوع إذ قد صح عن عمر وعلي ﵄ خلاف ذلك كما نذكره إن شاء الله تعالى، والذي روي عن عمر ﵁ في الرفع في الركوع والرفع منه ذكره البيهقي بسنده، وفيه من هو مستضعف ولهذا قال (٣): ورويناه عن أبي بكر وعمر، وذكر جماعة، ولم يذكره بلفظ الصحة كما فعل ابن إسحاق المذكور، وذكر في الجوهر النقي: ولم أجد أحدًا ذكر عثمان ﵁ في جملة من كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه.
وأما قوله: "ثم الصحابة والتابعين" فغير صحيح أيضًا، فإن من الصحابة من قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح، وهم الذين ذكرناهم فيما مضي.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا وكيع، عن أبي بكر بن عبد الله بن قطاف
стр. 1860
النهشلي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًا ﵁ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود".
ثنا (١) أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح الصلاة".
ثنا (٢) ابن آدم، عن حسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت مع عمر ﵁ فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة قال عبد الملك: ورأيت الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة". انتهى.
ويرد قوله أيضًا ما روي عن جماعة من التابعين أنهم كانوا لا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح لا غير كالأسود وعلقمة وإبراهيم وخيثمة وقيس بن أبي حازم والشعبي وأبي إسحاق وغيرهم.
ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) بأسانيد جيدة، وروي ذلك أيضًا بسند صحيح عن أصحاب علي وعبد الله ﵃ وناهيك بهم.
وأما قوله: "وليس في نسيان ابن مسعود ... " إلى آخره، فدعوى لا دليل عليها، ولا طريق إلى معرفة أن ابن مسعود علم ذلك ثم نسيه، والأدب في هذه الصورة التي نسبه فيها إلى النسيان أن يقال: "لم يبلغه" كما فعل غيره من العلماء.
قوله: "ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق" غير وارد على منهج الأدب، ولا نسلم أنه نسي ذلك بل إنما نقول: إنه لم يبلغه ذلك.
стр. 1861
قوله: "ونسي كيفية الاثنين خلف الإمام" أراد به ما روي أنه صلى بالأسود وعلقمة فجعلهما عن يمينه ويساره (١)، وقد اعتذر ابن سيرين عن ذلك بأن المسجد كان ضيفا، ذكره البيهقي (٢) في باب: المأموم يخالف السنة في الموقف.
قوله: "ونسي أنه ﵇ صلى الصبح في يوم النحر في وقتها" ليس بجيدٍ؛ إذ في "صحيح البخاري" (٣) وغيره عن ابن مسعود: "أنه ﵇ صلى الصبح يومئذ بغلس". فما نسي أنه صلاها في وقتها، بل أراد أنه صلاها في غير وقتها المعتاد، وهو الإسفار وقد تبين ذلك بما في "صحيح البخاري" (٣) من حديثه: "فلما كان حين يطلع الفجر قال: إن النبي ﵇ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان في هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس، والفجر حين يبزغ الفجر".
وقوله: "ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد ... " إلى آخره، أراد بذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال: "هيئت عظام ابن آدم للسجود، فاسجدوا حتى بالمرافق (٤) إلا أن عبارة ابن إسحاق ركيكة، والصواب أن يقال: من كراهية وضع المرفق والساعد.
وقوله: "ونسي كيف كان يقرأ النبي ﵇ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ليس كذلك؛ لأنه ذكر في "المحتسب" لابن جني: قرأ: والذكر والأنثى بغير ما قرأ النبي ﵇ وعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃.
وفي "الصحيحين" (٥): أن أبا الدرداء قال: "والله لقد أقرأنيها رسول الله ﵇".
стр. 1862
فثبت أن ابن مسعود لم ينفرد بذلك، ولم يصح قوله: "أنه نسي كيف كان النبي ﵇ يقرؤها" وإنما سمعها على وجه آخر فأداها كما سمعها (١).
وقوله في أول كلامه: "لا يسوي" لفظة عاميّة، والصواب أن يقال: لا يساوي، وفي "الصحاح": قال الفرّاء: هذا الشيء لا يساوي كذا, ولم يعرف: يسوي كذا، وهذا لا يساويه أي لا يعادله.
ص: فكان هذا ما احتج به أهل هذا القول لقولهم مما رويناه عن النبي ﵇، فكان من حجة مخالفهم عليهم في ذلك أن قال مع ما رويناه نحن: تواتر الآثار وصحة أسانيدها واستقامتها، فقولنا أولى من قولكم.
ش: أي فكان ما ذكرنا من حديث البراء وابن مسعود هو الذي احتج به أهل هذا القول وهم الجماعة الآخرون الذين خالفوا أهل المقالة الأولى في رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه.
قوله: "فكان من حجة مخالفهم عليهم في ذلك" أي فكان من حجة مخالف أهل المقالة الثانية عليهم -أي على أهل المقالة الثانية- في ذلك أي فيما خالفوا إياهم في رفع اليدين في الموضعين المذكورين، وأشار بهذا الكلام إلى أن أهل المقالة الأولى لو قالوا: نعم رويتم ما رويتم من حديثي البراء وابن مسعود، ولكن أحاديثنا أصلى بالعمل من أحاديثكم لتواترها -يعني لورودها متكاثرة- ولصحة أسانيدها واستقامة طرقها بمثل هذا يقع الترجيح.
قوله: "أن قال" "أن" هذه مفتوحة مصدرية في محل الرفع؛ لأنها اسم كان.
وقوله: "من حجة مخالفهم" خبرها.
وقوله: "تواتر الآثار" كلام إضافي مرفوع بالابتداء.
وقوله: "مع ما رويناه" مقدمًا خبره، والجملة مقول القول.
стр. 1863
قوله: "وصحةُ أسانيدها" بالرفع عطف عليه، وكذا قوله: "واستقامتها" فافهم.
ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك ما سنبينه إن شاء الله تعالى:
أما ما روي في ذلك عن علي ﵁ عن النبي ﷺ من حديث ابن أبي الزناد الذي بدأنا بذكره في أول هذا الباب:
فإن أبا بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، قال: ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًّا ﵁ كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، عن عاصم، عن أبيه -وكان من أصحاب علي ﵁ عن علي مثله.
قال أبو جعفر ﵀: فحديث عاصم بن كليب هذا قد دل على أن حديث ابن أبي الزناد الذي رويناه في الفصل الأول من هذا الباب على أحد وجهين: إما أن يكون سقيمًا في نفسه ولا يكون في ذكر الرفع أصلًا كما قد رواه غيره:
فإن ابن خزيمة حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن رجاء (ح)
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح وأحمد بن خالد الوهبي، قالوا: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل ... ثم ذكروا مثل حديث ابن أبي الزناد في إسناده ومتنه ولم يذكروا الرفع في شيء من ذلك.
قال أبو جعفر ﵀: فإن كان هذا هو المحفوظ، وحديث ابن أبي الزناد خطأ، فقد ارتفع بذلك أن يجب لكم بحديث خطأ حجة، وإن كان ما روى ابن أبي الزناد صحيحًا لأنه زاد على ما روى غيره فإن عليًا ﵁ لم يكن ليرى النبي ﵇ يرفع ثم يترك هو الرفع بعده، وإلا قد ثبت عنده نسخ الرفع، فحديث علي ﵁ إذا صح ففيه أكبر الحجة لقول من لا يرى الرفع.
ش: أي فكان من الحجة والبرهان على أهل المقالة الأولى فيما قالوا: أحاديثنا أولى، لصحة أسانيدها واستقامة طرقها. وأحاديثهم هي التي رواها علي بن
стр. 1864
أبي طالب وعبد الله بن عمر ووائل بن حجر ﵃ فشرع يجيب عن ذلك جميعه ردًّا لما ادعوا من أولوية العمل بها لصحتها واستقامتها، فقال: أما ما روي عن علي ﵁ وهو الذي رواه عنه عبيد الله بن أبي رافع المذكور في أول الباب، بيان ذلك: أن عليًّا ﵁ وإن كان قد روي عنه ما يدل على رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فقد روي عنه أيضًا ما ينافي ذلك ويعارضه فإن عاصم بن كليب روى عن أبيه: "أن عليًّا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد" فهذا يدل على أنه لا رفع لليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، ويدل أيضًا على أن حديث عبيد الله بن أبي رافع عنه الذي رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد على وجهين:
إما أن يكون سقيمًا في نفسه ولا يكون في ذكر الرفع أصلًا كما قد رواه غير ابن أبي الزناد مثل حديث ابن أبي الزناد في الإسناد والمتن، وليس فيه الرفع في شيء من ذلك، وهو الحديث الذي رواه عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي كما نبينه عن قريب.
فإن كان هذا محفوظًا يكون حديث ابن أبي الزناد خطأ بالضرورة، فحينئذ لا تقوم حجة بحديث خطإٍ في نفسه.
وإما أن يكون ما رواه ابن أبي الزناد صحيحًا بحيث أنه زاد على ما روى غيره، فحينئذ يكون منسوخًا. لأن عليًّا ﵁ لا يجوز له أن يرى النبي ﵇ يرفع، ثم يترك هو الرفع بعده، ولا يجوز له ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ الرفع في غير تكبيرة الإحرام؛ لأن هذا هو حسن الظن بالصحابة، وهو أن يحمل مثل هذا على أنه علم انتساخ حكم الحديث فلذلك عمل أو أفتى بخلافه ومتى ما لم يحمل على هذا الوجه يلزم من ذلك إما أن يكون ذلك عن غفلة ونسيان، وإما أن يكون على وجه قلة المبالاة والتهاون بالحديث وكل واحد منهما محال في حق الصحابة؛ لأن في الأول شهادة مغفل وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره، وفي الثاني يلزم الفسق والفاسق لا تقبل روايته أصلًا، والصحابة ﵃ منزهون عن هذه الأشياء،
стр. 1865
فظهر لنا أن الصحابي الراوي لحديث إذا ظهر منه المخالفة قولًا أو فعلًا يدل ذلك على أنه قد ثبت عنده النسخ فعمل بخلافه أو أفتى بخلافه.
ثم إسناد حديث عاصم بن كليب صحيح من وجهين اللذين أخرجهما على شرط مسلم.
وأبو أحمد اسمه محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي روى له الجماعة، وأبو بكر النهشلي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن قطاف، وقيل: عبد الله بن معاوية ابن قطاف، وقيل: وهب بن قطاف، وقيل: معاوية بن قطاف، روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وعاصم بن كليب بن شهاب الجرمي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وأبوه كليب بن شهاب بن المجنون الجرمى قال أبو زرعة: ثقة. وكذا قال ابن سعد وابن حبان، واحتج به الأربعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن أبي بكر بن عبد الله بن قطاف النهشلي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًّا ﵁ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". انتهى.
وفيه رد على ما حكى البيهقي (٢): عن الشافعي أنه قال: ولا يثبت عن علي وابن مسعود أنهما كانا لا يرفعان أيديهما إلا في تكبيرة الإحرام.
فإن قيل: روى البيهقي (٢) حديث عاصم بن كليب عن علي ﵁ ثم قال: قال الدارمي: فهذا روي من هذا الطريق الواهي، وقد روى الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁: "أنه رأى النبي ﵇ يرفعهما عند الركوع وبعدما يرفع رأسه من الركوع" (٣).
стр. 1866
فليس الظن بعلي ﵁ أنه يختار فعله على فعل النبي ﵁, ولكن ليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره.
قلت: كيف يكون هذا الطريق واهيًا ورجاله ثقات؟! فقد رواه عن النهشلي جماعة من الثقات: ابن مهدي وأحمد بن يونس وغيرهما، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كما ذكرناه، والنهشلي أخرج له مسلم وغيره كما ذكرنا، ووثقه ابن حنبل وابن معين وقال أبو حاتم: شيخ صالح يكتب حديثه. وقال الذهبي في كتابه: رجل صالح تكلم فيه ابن حبان بلا وجه، وبقية الرواة ثقات أيضًا وقد ذكرناه.
وقال الطحاوي (١) في كتابه "الرد على الكرابيسي ": الصحيح مما كان عليه علي بعد النبي ﵁ ترك الرفع في شيء من الصلاة غير التكبيرة الأولى.
فكيف يكون هذا الطريق واهيًا؟! بل الطريق الواهي هو ما رواه ابن أبي رافع، عن علي ﵁ لأن في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد وفيه مقال كما ذكرناه.
وقوله: "فليس الظن بعلي ﵁ ... " إلى آخره لخصمه أن يعكسه ويجعل فعله بعد النبي ﵁ دليلًا على نسخ ما تقدم, إذ لا يظن به أنه يخالف فعله ﵁ إلا بعد ثبوت نسخه عنده كما بيناه.
ثم حديث عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أخرجه من طريقين:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح، وأحمد بن خالد الوهبي، كلاهما عن عبد العزيز ... إلى آخره.
стр. 1867
وكلا الطريقين ذكرهما في باب ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه مسلم، (١) وأبو داود، (٢) والنسائي، (٣) وابن ماجه (٤) مطولًا ومختصرًا.
قوله: "فحديث علي ﵁ إذا صحح ففيه أكبر الحجة لقول من لا يرى الرفع" أي رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، وأراد بهذا الحديث هو الحديث الذي رواه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر ... " إلى آخره، وإنما قال: هو أكبر الحجة لأنا وجدنا عبيد الله بن أبي رافع قد روي عنه هذان الحديثان أعني أحدهما: ما رواه ابن أبي الزناد، والآخر ما رواه عبد العزيز بن أبي سلمة ففي حديث ابن أبي الزناد زيادة ليست في حديث ابن أبي سلمة، وهي رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فنظرنا فيهما فوجدنا حديث ابن أبي سلمة أرجح وأقوى من حديث ابن أبي الزناد لأن حديث ابن أبي سلمة أخرجه مسلم وغيره كما ذكرنا، وحديث ابن أبي الزناد لم يخرجه مسلم ولا البخاري وإنما أخرجه الأربعة، على أن ابن أبي الزناد متكلم فيه، فقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال عمرو بن علي: تركه ابن مهدي. ولئن سلمنا صحة حديث ابن أبي الزناد فإنه يلزم الخصم أن يقول به، والحال أنه لم يقل به؛ لأن فيه الرفع عند القيام من السجدتين، والخصم لا يرى بذلك.
واعلم أن كلمة "إذا" في قوله: "إذا صح" ليست للشرط؛ لأن صحة حديث علي الذي رواه ابن أبي سلمة لا يشك فيها بل لمجرد الظرفية فافهم.
стр. 1868
ص: وأما حديث ابن عمر ﵄ فإنه قد روي عنه ما قد ذكرناه عن النبي ﵇ ثم روي من فعله بعد النبي ﵇ خلاف ذلك، كما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: "صليت خلف ابن عمر ﵄ فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة".
قال أبو جعفر ﵀: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﵇ يرفع، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي ﵇، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد كان رأى النبي ﵇ فعله، وقامت الحجة عليهم بذلك.
ش: هذا جواب عن حديث ابن عمر الذي هو إحدى حجج أهل المقالة الأولى، وهو الحديث الذي رواه الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت النبي ﵇ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين".
وهذا حديث أخرجه الجماعة، (١) وهو حديث صحيح بلا خلاف، ولكنه منسوخ، والدليل عليه ما رواه مجاهد أنه قال: "صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة".
وقد ذكرنا عن قريب أن الراوي إذا عمل بخلاف ما روى أو أفتى بخلافه دل ذلك على انتساخ الحكم الأول عنده وإلا لم يكن له المخالفة.
وأخرجه الطحاوي بإسناد صحيح على شرط الشيخين: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ الشيخين وغيرهما، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الكوفي المقرئ، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن مجاهد بن جبر المكي.
стр. 1869
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح".
ص: فإن قال: قائل: هذا حديث منكر. قيل له: وما دَلَّك على ذلك؟ فلن تجدك إلى ذلك سبيلًا، فإن قال: إن طاوسًا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما روي عنه عن النبي ﵇ من ذلك. قيل لهم: فقد ذكر ذلك طاوسٌ، وقد خالفه مجاهد، فقد يجوز أن يكون ابن عمر ﵄ فعل ما رواه طاوسٌ، يفعله قبل أن تقوم عنده الحجة بنسخه، ثم قامت عنده الحجة بنسخه فتركه وفعل ما ذكره عنه مجاهد وهكذا ينبغي أن يحمل ما روي عنهم وينفى عنهم الوهم حتى يتحقق ذلك، وإلا سقط أكثر الروايات.
ش: هذا اعتراض من جهة الخصم على دعوى النسخ في حديث ابن عمر، بيانه أن يقال: لا نسلم أن يكون خبر مجاهد دليلًا على انتساخ ذلك الحديث؛ لأنه منكر لأنه مخالف لما ثبت في "الصحيح" ولما رواه الحفاظ الكبار، فأجاب عنه بقوله: وما دلَّك على ذلك؟ أي على كونه منكرًا، فلن تجد إلى ذلك أي إلى إثبات كونه منكرًا سبيلًا، أراد أن هذا مجرد دعوى بأنه منكر فلا تقبل، فلا ترد علينا، ثم قال: فإن قال -أي الخصم-: إن طاوسًا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما روي عنه عن النبي ﵇ من ذلك، أي من رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه.
وقد روى البيهقي في "سننه" (٢): من حديث شعبة، عن الحكم، قال: "رأيت طاوسًا كبر فرفع يديه حذو منكبيه عند التكبير، وعند ركوعه، وعند رفع رأسه من الركوع، فسألت رجلًا من أصحابه فقال: إنه يحدث به عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﵇. قيل لهم -أي للخصم وهم أهل المقالة الأولى-: سلمنا أنه قد ذكره طاوس، ولكنه قد خالفه مجاهد فتحققت المنافاة بين كلاميهما، فتعين التوفيق
стр. 1870
لنفي الوهم عنهم، وإن لم يفعل ذلك تسقط أكثر الروايات؛ لأنه يلزم أن تكون أحد الراويين منسوبًا إلى غفلة أو قلة مبالاة لروايته، وكل واحد منهما مسقط لعدالته وناف لخبره، فيحتاج حينئذ إلى التوفيق، والتوفيق ها هنا بين خبري مجاهد وطاوس ما ذكره بقوله: فقد يجوز ... إلى آخره، وهو ظاهر لا يخفي.
ص: وأما حديث وائل فقد ضاده إبراهيم بما ذكره عن عبد اللهَ أنه لم يكن رأى النبي ﵇ فعل ما ذكر، فعبد الله أقدم صحبة لرسول الله ﷺ وأفهم بأفعاله من وائل وقد كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون ليحفظوا عنه كما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حميد، عن أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن بكر ... فذكر بإسناده مثله وقال أيضًا: "ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا سليمان، قال: "سمعت عمارة بن عمير يحدث، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاري قال: "كان رسول الله ﵇ يقول: ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن إياس بن قتادة، عن قيس بن عباد، قال: قال لي أبي بن كعب: قال لنا رسول الله ﵇: "كونوا في الصف الذي يليني".
قال أبو جعفر ﵀: فعبد الله من أولئك الذين كانوا يقربون من رسول الله ﵇ ليَعْلَموا أفعاله في الصلاة كيف هي؛ ليعلِّموا الناس ذلك، فما حكوا من ذلك فهو أولى مما جاء به من كان أبعد منه منهم في الصلاة.
فإن قالوا: ما ذكرتموه عن إبراهيم عن عبد الله غير متصل.
стр. 1871
قيل لهم: إن إبراهيم كان إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده، وتواتر الرواية به عن عبد الله؛ قد قال له الأعمش: إذا حدثتني فأسند، قال: إذا قلت لك قال عبد الله فلم أقل ذلك حتى حدثني جماعة عنه، فإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني.
حدثنا بذلك إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب أو بشر بن عمر -قال أبو جعفر ﵀: أنا أشك- عن شعبة، عن الأعمش بذلك.
قال أبو جعفر ﵀: فأخبر أن ما أرسله عن عبد الله فمخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه عن رجل بعينه عن عبد الله وكذلك هذا الذي أرسله عن عبد الله لم يرسله إلا ومخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه عن رجل بعينه عن عبد الله ومع ذلك قد رويناه متصلًا من حديث عبد الرحمن بن الأسود، وكذلك كان عبد الله يفعل في سائر صلاته.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله لا يرفع يديه في شيء من الصلوات إلا في الافتتاح".
ش: هذا جواب عن حديث وائل بن حجر: "رأيت رسول الله ﵇ حين يكبر للصلاة وحين يركع وحن يرفع رأسه من الركوع يرفع يديه حيال أذنيه" بيانه أن خبر وائل بن حجر هذا يضاده ما رواه إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود: "أنه لم يكن رأى النبي ﵇ فعل ما ذكر -يعني من رفع اليدين- في غير تكبيرة الإحرام"، ثم أشار إلى ترجيح خبر ابن مسعود على خبر وائل بقوله: "فعبد الله أقدم صحبة لرسول الله ﵇" لأنه أسلم بمكة قديمًا، وكان عاشر العشرة ممن أسلم من الصحابة عند مبعث النبي ﵇ وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵇ وهو صاحب نعل رسول الله ﵇، كان يُلبسه إيّاها إذا قام، فإذا
стр. 1872
جلس أدخلها في ذراعه وكان كثير الولوج عليه ﵇، وقال له رسول الله ﵇: "إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي" (١). والسواد: السرار.
ووائل بن حجر أسلم في المدينة في. سنة تسع من الهجرة وبين إسلاميهما اثنان وعشرون سنة، فحينئذ يحفظ ابن مسعود عن النبي ﵇ ما لا يحفظه وائل وأمثاله، وابن مسعود أفهم بأفعال النبي ﵇ وأكثر تحقيقًا لها ولهذا قال إبراهيم للمغيرة حين قال: "إن وائلًا حدث أنه رأى النبي ﵇ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع": "إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك"، والحال أن رسول الله ﵇ كان يحب أن يليه المهاجرون في الصلاة ليحفظوا عنه أفعال الصلاة ويعلموها الناس، ولا شك أن عبد الله من المهاجرين القدماء وممن كان يليه ﵇، فيكون حفظه أفعال النبي ﵇ وفهمه إياها أقوى من حفظ وائل وفهمه الذي كان ممن يتأخر عنهم في الصلاة وغيرها، فإذا كان كذلك يكون ما حكوا عن عبد الله أقوى مما حكوه عن وائل وأمثاله، ثم أشار إلى الاعتراض من جهة الخصم بقوله "فإن قالوا: ما ذكرتموه عن إبراهيم عن عبد الله غيره متصل" بيانه: أن خبر وائل بن حجر متصل، وخبر إبراهيم عن عبد الله منقطع، فكيف يضاده ويعارضه؟ وشرط التضاد والمعارضة المساواة بين الخبرين، فالمنقطع بمعزل عن المتصل فلا يضاده ولا يعارضه، بيان الانقطاع: أن إبراهيم لم يدرك عبد الله؛ لأن عبد الله توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة بالمدينة وقيل بالكوفة. ومولد إبراهيم سنة خمسين كما صرح به ابن حبان، وقال الكلاباذي: سنة ثمان وثلاثين. والله أعلم.
وأجاب عنه بقوله: "قيل لهم إن إبراهيم ... إلى أخره" بيانه أن إبراهيم: كان من عادته أنه إذا أرسل حديثًا عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده من الرواة عنه، وبعد تكاثر الروايات عنه؛ ألا ترى أن سليمان بن مهران الأعمش لما قال له: إذا
стр. 1873
حدثني فأسند، قال له في جوابه: إذا قلت لك: قال عبد الله، فلم أقل لك ذلك حتى حدثني جماعة من الثقات عنه أي عن عبد الله وإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله يعني بتعيين الراوي عنه، فهو الذي حدثني بعينه وخصوصه فقط فأخبر أن ما أرسله عن عبد الله مخرجه أصح عنده من الذي يخبره عن فلان عنه؛ لأن في الأول يكون الخبر عنده ثابتًا من روايات جماعة بخلاف الثاني فإنه خبر واحد، ولا شك أن خبر الجماعة أولى وأقوى من خبر الواحد (١).
قوله: "حدثنا بذلك إبراهيم" أي حدثنا بما ذكرنا من أن إبراهيم إذا أرسل عن عبد الله ... إلى آخره.
إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، أو بشر بن عمر الزهراني، والشك فيه من الطحاوي لا من إبراهيم بن مرزوق، فلذلك قال: قال أبو جعفر: وأنا أشك، يعني بين وهب وبشر بن عمر، هل كان من رواية إبراهيم بن مرزوق، عن وهب، عن شعبة، أو عن وبشر بن عمر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش.
وهؤلاء كلهم ثقات.
فهذا الذي ذكره كان بطريق التسليم، ثم أجاب بطريق المنع بقوله: "ومع ذلك قد رويناه متصلًا" بيانه أن يقال: لا نسلم أن خبر ابن مسعود منقطع بالكلية، فإنا قد رويناه متصلًا من حديث عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﵇ "أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود"، على أنا نقول: إن حديث إبراهيم عن عبد الله وإن كان منقطعًا بحسب الظاهر فهو متصل معنًى
стр. 1874
بالطريق الذين ذكرناه، ثم أكد كون خبر ابن مسعود بأنه أولى بالعمل من خبر من يروي رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام بقوله: "وكذلك كان عبد الله يفعل في سائر صلاته". أي من الاقتصار في رفع اليدين على أول الصلاة؛ وذلك لأنه لو لم يثبت عنده أن آخر الأمر من النبي ﵇ الاكتفاء برفع اليدين في أول الصلاة لما كان هو أيضًا يكتفي بذلك في سائر الصلوات؛ إذ لو ثبت عن النبي ﵇ الرفع في غير أول الصلاة لما وسع عبد الله مخالفته، وهذا ظاهر لا يخفى.
وأخرج ذلك بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ الشيخين، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره.
وأخرجه ابن شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي الأحوص ... إلى آخره نحوه.
قوله: "إلا في الافتتاح" أي في افتتاح الصلاة، وأراد به: عند التكبيرة الأولى فقط.
فإن قيل: كيف تقول هذا إسناد صحيح وهو منقطع؛ لأن إبراهيم ما أدرك عبد الله كما ذكرنا؟
قلت: قد مر الجواب عن قريب، وبقي الكلام في حديث أنس وأبي مسعود الأنصاري وأبي بن كعب ﵃.
أما حديث أنس ﵁ فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح الصغير البغدادي نزيل مصر شيخ النسائي أيضًا، عن عبد الله بن بكر السهمي البصري، عن حميد بن أبي حميد الطويل البصري، عن أنس.
стр. 1875
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ كان يحب أن يليه في الصلاة المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عبد الله بن بكر، عن حميد، عن أنس.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا عبد الوهاب، ثنا حميد، عن أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه".
قوله: "يحب أن يليه" أي يقرب منه المهاجرون والأنصار، من الولي وهو القرب، والمراد منه: في الصلاة، كما صرح به في رواية أحمد.
قوله: "ليحفظوا عنه" أي عن النبي ﵇ أحكام الصلاة؛ لأن كل ما قرب الرجل من الإِمام يكون أكثر مشاهدة لأحوال إمامه بخلاف من يكون بعيدًا عنه فإنه لا يشاهد منه ما يشاهده من يليه.
وأما حديث أبي مسعود الأنصاري -واسمه عقبة بن عمرو- فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن سليمان الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة الكوفي، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن إدريس وأبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: "كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليلني منكم أولوا الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلوخهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا".
стр. 1876
وأخرجه أبو داود (١): ثنا ابن كثير، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﵇: "ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
وأخرجه النسائي (٢): أنا بشر بن خالد العسكري، قال: ثنا [غندر] (٣) عن شعبة، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: "كان رسول الله يمسح عواتقنا ويقول ... " إلى آخر ما رواه مسلم.
وأخرجه ابن ماجه (٤): ثنا محمد بن الصباح، أنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش ... إلى آخره نحو رواية مسلم.
قوله: "ليلني" بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، من ولي يلي، أصله يولي حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة فصار يلي وأمر الغائب منه: ليل؛ لأن الياء تسقط للجزم، وأمر الحاضر لي مثل قِي على وزن عِي قال محي الدين النووي: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد.
قلت: القاعدة: أن النون الموكدة إذا دخلت الناقص تعود الياء والواو المحذوفتان فيصير ليليني منكم.
"أولوا الأحلام" أي: العقلاء، وقيل: البالغون، والأحلام جمع حُلْم -بضم الحاء وسكون اللام- وهو ما يراه النائم، تقول: حَلَم -بالفتح- واحتلم وتقول حلمت بكذا وحلمته أيضًا، ولكن غلب استعماله فيما يراه النائم من دلالة البلوغ، فكان المراد ها هنا: ليلني البالغون وذكر في الفائق: "أمر معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا" قيل: المراد مَنْ بلغ وقت الحلم حلم أو لم يحلم.
стр. 1877
قوله: "والنهى" بضم النون جمع نُهية -بضم النون وسكون الهاء- وهي العقل ويقال: بفتح النون أيضًا لأنه ينهى صاحبه عن الرذائل، وكذلك العقل لعقله وهو مأخوذ من عقال البعير، وكذلك الحكمة من حَكْم البعير، وهي حديدة لجامها التي تمنعها عن العدول عن الاستقامة، وقيل: أولوا النهى؛ لأنه ينتهي إلى رأيهم واختياراتهم لعقلهم، ويقال رجل نهٍ ونهي، من قوم نَهِين. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النهى مصدرًا كالهدى وأن يكون جمعًا كالظُّلَم، قال: والنهى معناه في اللغة الثبات والحبس، ومنه النِّهى والنَّهى -بكسر النون وفتحها- والتنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع، قال الواحدي: فيرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد وهو الحبس، فالنهية هي التي تنهى وتحبس عن القبائح.
قلت: التنهية -بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون وكسر الهاء وفتح الياء آخر الحروف- وقال في الصحاح: تنهية الوادي حيث ينتهي إليه الماء من حروفه والجمع: التناهي.
فإن قيل: ما وجه هذا العطف؟
قلت: إن فسر "أولوا الأحلام" بالعقلاء يكون عطف قوله: "والنهى" على "الأحلام" للتأكيد؛ لأن المعنى واحد وإن اختلف اللفظ، وإن فسر "أولوا الأحلام" بالبالغين يكون المعنى: ليقرب مني البالغون العقلاء.
فإن قيل: ما وجه تخصيصهم بذلك؟
قلت: لاستخلافه إن احتاج ولتبليغ ما سمعوه منه، وضبط ما يُحَدِّثُ عنه، والتنبيه على سهو إن وقع؛ ولأنهم أحق بالتقدم، وليقتدي بهم من بعدهم، وكذا ينبغي لسائر الأئمة الاقتداء بسيرته ﵇ في كل حال من جموع الصلاة، ومجالس العلم والذكر، ومجالس الرأي ومعارك القتال.
قوله: "ثم الذين يلونهم" معناه الذين يقربون منهم في هذا الوصف، وبه استدل أصحابنا في ترتيب الصفوف، فقال صاحب "الهداية": ويصف الرجال ثم الصبيان
стр. 1878
ثم النساء ثم ذكر الحديث، وبه استدل صاحب "الهداية" أن محاذاة المرأة الرجل وهما مشتركان في صلاة تفسد صلاة الرجل.
فإن قيل: كيف تثبت الفرضية بهذا وهو خبر الآحاد؟
قلنا: إنه من المشاهير فتثبت به فرضية تمييز مقام المرأة من مقام الرجل، وتجوز به الزيادة على الكتاب، وقال صاحب "الأسرار": إن لم تثبت فروض الصلاة بخبر الواحد، ففروض الجماعة تثبت؛ لأن أصل الجماعة ثبت بالسنة، فافهم.
وأما حديث أبي بن كعب ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا: عن أبي بكرة بكّار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- واسمه نصر بن عمران الضبعي من رجال الجماعة، عن إياس بن قتادة البصري وثقه ابن حبان، عن قيس بن عُباد -بضم العين وتخفيف الباء الموحدة- القيسي الضبعي البصري روى له الجماعة غير الترمذي، عن أبي بن كعب الأنصاري ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سليمان بن داود ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، سمعت إياس بن قتادة يحدث، عن قيس بن عُباد قال: "أتيت المدينة للقيّ أصحاب محمَّد ﵇, ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إليَّ من أُبَيّ، فأقيمت الصلاة وخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﵇، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري، فنحاني وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال: يا بني، لا يسوءك الله؛ فإني لم آتك الذي [أتيتك] (٢) بجهالة ولكن رسول الله ﵇ قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك ... " الحديث.
ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁:
стр. 1879
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يحيى بن أدم، عن الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود، قال: ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك".
قال أبو جعفر ﵀: فهذا عمر ﵁ لم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى في هذا الحديث، وهو حديث صحيح لأن الحسن بن عياش وإن كان هذا الحديث إنما دار عليه فإنه ثقة حجة، قد ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره.
قال أبو جعفر ﵀: أَفتَرى عمر بن الخطاب ﵁ خفي عليه أن النبي ﵇ كان يرفع يديه في الركوع والسجود، وعلم ذلك من هو دونه، أو مَنْ هو معه يراه يفعل غير ما رأى رسول الله ﵇ يفعل ثم لا ينكر ذلك عليه، هذا عندنا محال، وفعل عمر ﵁ هذا وترك أصحاب رسول الله ﵇ إياه على ذلك، دليل صحيح أن ذلك هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه.
ش: أي قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا مثل ما روي عن عبد الله بن مسعود في اقتصار رفع اليدين على تكبيرة الإحرام.
أخرجه: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يحيى بن أدم بن سليمان القرشي الكوفي، عن الحسن بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- بن سالم الكوفي أخي أبي بكر بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر هو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الهمداني الكوفي، عن الزبير بن عدي الهمداني اليامي الكوفي قاضي الري، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن آدم، عن حسن بن عياش ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "صليت مع عمر بن الخطاب فلم يرفع يديه في شيء من
стр. 1880
صلاته إلا حين افتتح الصلاة. قال عبد الملك: ورأيت الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة".
وفيه ردّ لما قاله البيهقي (١): وروينا رفع اليدين عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع عن أبي بكر الصديق وعمر الخطاب ﵄.
لأن هذا حديث صحيح نص عليه الطحاوي بقوله وهو حديث صحيح.
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وإنما قال ذلك لأن رجاله كلهم ثقات، وأما يحيى بن عبد الحميد الحماني فإن ابن معين وثقه، وعنه: صدوق مشهور ما بالكوفة مثل ابن الحماني ما يقال فيه إلا من حسد. وكفى به شاهدًا، وأما ابن أدم وعبد الملك والزبير بن عدي وإبراهيم والأسود فمن رجال الصحيحين والأربعة غير أن عبد الملك من رجال مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وأما حسن بن عياش فإن الطحاوي شهد فيه بأنه ثقة حجة، وكفى به شاهدًا، وهو من رجال مسلم والترمذي والنسائي، وباقي الكلام ظاهر.
ص: وأما ما رَوَوْه عن أبي هريرة من ذلك فإنما هو من حديث إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان، وهم لا يجعلون إسماعيل فيما روى عن غير الشاميين حجة، فكيف يحتجون على خصمهم بما لو احتج بمثله عليهم لم يسوغوه إياه.
ش: هذا جواب عن حديث أبي هريرة الذي رواه الأعرج عنه: "أن رسول الله ﵇ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد"، بيانه أن في إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، وهؤلاء الذين يذهبون إلى هذا الحديث لا يجعلون إسماعيل هذا حجة فيما يرويه عن غير الشاميين وإنما يجعلونه حجة إذا روى عن الشاميين، فكيف يحتجون به ها هنا والحال أنه رواه عن
стр. 1881
صالح بن كيسان المدني، وقال دحيم: إسماعيل في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين. وقال الفسوي: يغرب عن ثقات الحجازيين. وقال يحيى بن معين: إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فأن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حيان: كثير الخطأ في حديثه، فخرج عن حد الاحتجاج به. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به.
قوله: "بما لو احتج" أي بالذي لو احتج الخصم "بمثله" أي بمثل هذا الحديث "عليهم" أي على الذين ذهبوا إلى حديث إسماعيل هذا "يسوغوه إياه" أي لم يجوزوا الاحتجاج "إياه" أي الخصم؛ فافهم.
ص: وأما حديث أنس بن مالك فهم يزعمون أنه خطأ، وأنه لم يرفعه أحد إلا عبد الوهاب الثقفي خاصة، والحفاظ يوقفونه على أنس ﵁.
ش: هذا جواب عن حديث أنس بن مالك الذي رواه حميد عنه: "أن النبي ﵇ كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع". وبيانه: أن هذا الحديث عند الحفاظ موقوف على أنس ولم يرفعه أحد عن أنس إلا عبد الوهاب الثقفي خاصة، وعبد الوهاب هذا طعن فيه أبو حاتم، فلا يحتج بروايته، ولا سيما إذا أنفرد فيما لم يتابعه عليه أحد.
ص: وأما حديث عبد الحميد بن جعفر فإنهم يضعفون عبد الحميد ولا يقيمون به حجة، فكيف يحتجون به في مثل هذا؟! ومع ذلك فإن محمَّد بن عمرو بن عطاء لم يسمع ذلك الحديث من أبي حميد ولا ممن ذكر معه في ذلك الحديث، بينهما رجل مجهول , وقد ذكر ذلك العطاف بن خالد عنه عن رجل، وأنا أذكر ذلك في باب: الجلوس في الصلاة من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
وحديث أبي عاصم عن عبد الحميد هذا ففيه: "فقالوا جميعًا: صدقت". فليس يقول ذلك أحد غير أبي عاصم.
стр. 1882
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا هشيم (ح)
وحدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عبد الحميد ... فذكراه بإسناده ولم يقولا: "فقالوا جميعًا صدقت".
وهكذا رواه غير عبد الحميد وأنا ذاكر ذلك في باب: الجلوس في الصلاة. فما نرى كشف هذه الآثار يوجب لما وقف على حقائقها وكشف مخارجها إلا ترك الرفع في الركوع. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
قال أبو جعفر ﵀: فما أردت بشيء من ذلك تضعيف أحد من أهل العلم، وما هذا بمذهبي، ولكني أردت تبيان ظلم الخصم لنا.
ش: هذا جواب عن حديث عبد الحميد بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﵇ ... الحديث.
بيانه: أن عبد الحميد بن جعفر ضعيف عندهم , لأن الثوري كان يضعفه، فإذا كان ضعيفًا عندهم فكيف يحتجون به في مثل هذا الموضع في معرض الاحتجاج على خصمهم؟! وفي "الجوهر النقي": عبد الحميد مطعون في حديثه، كذا قال يحيى بن سعيد، وهو إمام الناس في مثل هذا الباب.
قوله: "ومع ذلك فإن محمَّد بن عمرو ... " إلى آخره جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: لا نسلم أن عبد الحميد ضعيف؛ فإنه من رجال صحيح مسلم، واحتج به الأربعة، واستشهد به البخاري في "الصحيح"، وعن أحمد: ثقة ليس به بأس. وعن يحيى كذلك، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.
وتقدير الجواب: أنا وإن سلمنا أنه مثل ما ذكرتم، ولكن الحديث معلول بجهة أخرى، وهو أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد الساعدي، ولا ممن ذكر معه في هذا الحديث مثل أبي قتادة وغيره، وذلك لأن سنَّه
стр. 1883
لا يحتمل ذلك لأن أبا قتادة قتل مع علي ﵁ وصلى عليه عليّ، كذا قال الهيثم بن عدي، وقال ابن عبد البر: هو الصحيح، وقيل: توفي بالكوفة سنه ثمان وثلاثين.
ومحمد بن عمرو بن عطاء توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافته في سنة خمس وعشرين ومائة، ولهذا قال ابن حزم: ولعله وهم فيه- يعني عبد الحميد.
فإن قيل: قال البيهقي في كتاب "المعرفة" (١): أما تضعيف الطحاوي لعبد الحميد فمردود؛ لأن يحيى بن معين وثقه في جميع الروايات عنه، وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم في "صحيحه".
وأما ما ذكره من انقطاعه فليس بصحيح، فقد حكم البخاري في "تاريخه" بأنه سمع أبا حميد وأبا قتادة وابن عباس.
وقوله: "قتل مع علي" رواية شاذة رواها الشعبي، والصحيح الذي أجمع عليه أهل التاريخ: أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين، ونقله عن الترمذي والواقدي والليث وابن منده، ثم قال: وإنما اعتمد الشافعي في حديث أبي حميد برواية إسحاق بن عبد الله، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد، ومن سماه من الصحابة، وأكده برواية فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل عنهم فالإعراض عن هذا والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السنة.
قلت: أما قوله: "أما تضعيف الطحاوي لعبد الحميد مردود" فهو مردود لما ذكرنا عن يحيى بن سعيد والثوري، وذكره ابن الجوزي في كتاب "الضعفاء والمتروكين" فقال: كان يحيى بن سعيد القطان يضعفه، وكان الثوري يحمل عليه ويضعفه، وقال يحيى بن سعيد: كان سفيان يضعفه من أجل القدر على أن الطحاوي قد نسب تضعيفه إليهم ولم يضعفه من عنده، ولو كان ضعفه من عنده لكان مقبولًا أيضًا؛ لأنه إن لم يكن من أهل ذلك فمن يكون.
стр. 1884
وأما قوله: "وأما ما ذكره من انقطاعه فليس بصحيح ... " إلى آخره فمجرد تشنيع وتعصب محض؛ لأن الطحاوي لم يقل هذا من عند نفسه، بل إنما حكم بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع من أبي حميد ولم ير أبا قتادة لعدم إحتمال سنة ذلك؛ لأنه قتل مع علي ﵁ وصلى عليه عليٌّ، وهو قول الإمام عامر الشعبي الحجة في هذا الباب، وقول الهيثم بن عدي، ولهذا قال ابن عبد البر: هو الصحيح. وفي "الكمال" قال: وقيل توفي سنة ثمان وثلاثين، فكيف يقول البيهقي: هذه رواية شاذة؟! فلم لا يجوز أن تكون رواية البخاري شاذة؟ بل هي شاذة بلا شك؛ لأن قوله لا يرجح على قول الشعبي والهيثم بن عدي.
قوله "بينهما رجل مجهول" أي بين محمَّد بن عمرو بن عطاء وبن أبي حميد، وأشار بهذا إلى أنه منقطع، وأنه مضطرب السند والمتن؛ لأن العطاف بن خالد رواه فأدخل بينه يعني بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين النفر من الصحابة رجلًا مجهولًا، والعطاف وثقه ابن معين، وعنه قال: صالح. وعنه: ليس به بأس. وقال أحمد: من أهل مكة ثقة صحيح الحديث.
والدليل على أن بينهما واسطة: أن أبا حاتم بن حبان أخرج هذا الحديث في "صحيحه" (١): من طريق عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس بن سهل الساعدي: "أنه كان في مجلس فيه أبوه وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي ... " الحديث وذكر المزي ومحمد بن طاهر المقدسي في "أطرافهما": أن أبا داود أخرجه من هذا الطريق.
وأخرجه البيهقي (٢): في باب السجود على اليدين والركبتين من طريق الحسن بن الحرّ، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك، عن عياش -أو عباس بن سهل- ... الحديث. ثم قال: وروى
стр. 1885
عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد. لم يذكر محمدًا في إسناده.
وقال البيهقي (١) في باب: القعود على الرجل اليسرى بين السجدتين: وقد قيل في إسناده: عن عيسى بن عبد الله، سمعه عن عباس بن سهل، أنه حضر أبا حميد ثم في رواية عبد الحميد أيضًا: "أنه رفع عند القيام من الركعتين".
وهذا يلزم الإِمام الشافعي، وفيها أيضًا التورك في الجلسة الثانية.
وفي رواية عباس بن سهل التي ذكرها البيهقي (٢) بعد هذه الرواية خلاف هذه، ولفظها: "حتى فرغ ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" فظهر بهذا أن الحديث مضطرب الإسناد والمتن والله أعلم.
قوله: "وأنا أذكر ذلك" أي كون رجل مجهول بين محمَّد بن عمرو بن عطاء، وبين أبي حميد، وقد ذكر ذلك: في باب الجلوس في الصلاة (٣) بقوله: حدثنا فهد بن سليمان ويحيى بن عثمان، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا يحيى وسعيد بن أبي مريم، قالا: ثنا عطاف بن خالد، قال: حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: حدثني رجل: "أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﵇ جلوسًا ... " الحديث.
قوله: "وحديث أبي عاصم عن عبد الحميد" [أي حديث] (٤) أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر هذا ففي آخره: "فقالوا جميعًا: صدقت، هكذا كان يصلي" وليس ذاك في غير رواية أبي عاصم، وبيّن ذلك بقوله: حدثنا على بن شيبة ... إلى آخره.
стр. 1886
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو.
والثاني: عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله ابن عمر القواريري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو فذكر كل منهما الحديث بإسناده ولم يقولا: "فقالوا جميعًا: صدقت" فدل ذلك على أن حديث عبد الحميد مضطرب.
قوله: "وكذا رواه غير عبد الحميد" أي من غير لفظة، "فقالوا جميعًا: صدقت" وسيجيء هذا في باب: الجلوس في الصلاة، فلذلك قال: وأنا ذاكر ذلك في باب الجلوس في الصلاة.
قوله: "فما نرى كشف هذه الآثار" أي الأحاديث التي رويت في هذا الباب على اختلاف المتون والأسانيد "يوجب لما وقف" أي حين وقف على حقائقها وكشف مخارجها إلا ترك رفع اليدين في الركوع.
وقوله: "يوجب" جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان لقوله "فما نرى".
قوله: "تبيان ظلم الخصم لنا" بكسر التاء، على وزن تِفْعال، اسم للتبيين، قال الجوهري: التبيان مصدر وهو شاذ؛ لأن المصادر إنما تجئ على التَّفْعال -بفتح التاء- مثل التذكار والتكرار والتوكاف ولم تجيء على الكسر إلا حرفان، وهما التبيان والتلقاء.
ص: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر: فإنهم قد اجمعوا أن التكبيرة الأولى معها رفع وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع معها، واختلفوا في تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع، فقال قوم: حكمهما حكم تكبيرة الافتتاح وفيهما الرفع كما فيها الرفع. وقال آخرون: حكمها حكم التكبيرة بين السجدتين ولا رفع فيهما كما لا رفع فيها، وقد رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة لا تجزى الصلاة إلا
стр. 1887
بإصابتها، ورأينا التكبيرة بين السجدتين ليست كذلك؛ لأنه لو تركها تارك لم تفسد عليه صلاته، ورأينا تكبيرة الركوع وتكبيرة النهوض ليستا من صلب الصلاة؛ لأنه لو تركها تارك لم تفسد عليه صلاته وهما من سننها، فلما كانتا من سنن الصلاة، كما التكبير بين السجدتين من سنن الصلاة، كانتا كهي في أن لا رفع فيهما كما لا رفع فيها؛ فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-.
ش: ملخص وجهه النظر والقياس: أن تكبيرة الإحرام فرض فيها الرفع، والتكبيرة بين السجدتين سنة وليس فيها الرفع، وتكبيرة النهوض والركوع اختلف في حكمهما هل فيهما رفع أم لا، فالقياس أن يكون حكمهما في الرفع وعدمه كحكم التكبيرة بين السجدتين؛ للعلة الجامعة، وهي كون الكل سنة لا كحكم تكبيرة الإحرام؛ لعدم العلة الجامعة.
قوله: "فإنهم أجمعوا" أي فان الخصوم أجمعوا، وليس المراد منه إجماع العلماء كلهم؛ لأن الرفع مع التكبيرة بين السجدتين مذهب جماعة من الصحابة والتابعين.
وقد قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى".
ثنا (٢) ابن علية، عن أيوب، قال: "رأيت نافعًا وطاوسًا يرفعان أيديهما بين السجدتين".
ثنا (٣) يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين: "أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين".
стр. 1888
ثنا (١) ابن علية، عن أيوب قال: "رأيته يفعله".
قوله: "فقال قوم" أراد بهم من ذكرناهم فيما مضى، وهم: الحسن وسالم وعطاء ومجاهد وابن سيرين والشافعي وأحمد وإسحاق.
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وهم: الثوري وابن أبي ليلى والنخعي والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك في رواية ابن القاسم.
قوله: "وقد رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة" هذا اللفظ يشعر بأنها من أركان الصلاة، وليست كذلك عند أبي حنيفة، بل هي من الشروط، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢) والفاء للعطف، والمعطوف غير المعطوف عليه، وعند الشافعي ومالك وأحمد هي من أركان الصلاة، والفرض أعم من الشرط والركن.
فإن قيل: فما فائدة هذا الخلاف؟
قلت: في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز، خلافًا لهم. وفي بناء التطوع على الفرض بلا تحريمة جديدة فعندنا يصير شارعًا في الثاني خلافًا لهم. وفيما إذا كبر مقارنًا لزوال الشمس.
قوله: "كانتا كهي" أي كانت تكبيرة الركوع وتكبيرة النهوض "كهي" أي كالتكبيرة بين السجدتين.
ص: ولقد حدثني ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش قال: "ما رأيت فقيهًا قط يفعله، يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى".
ش: أراد بهذا تأكيد ما قاله من قوله: "فما نرى كشف هذه الآثار يوجب لَمَّا وقف على حقائقها وكشف مخارجها إلا ترك الرفع في الركوع" وتأكيد ما بينه من
стр. 1889
وجهه النظر، إذا لو لم يقتضي الأمر من كشف الآثار والأخبار ووجه النظر والقياس ترك الرفع في غير التكبيرة الأولى لما ترك الفقهاء من التابعين وغيرهم الرفع في الركوع وعند رفع الرأس منه، وبين تركهم إياه بقوله: ولقد حدثني إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ، أخي الحسن بن عياش ﵏.
стр. 1890
ص: باب: التطبيق في الركوع
ش: أي هذا باب في بيان حكم التطبيق في الركوع، وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد، وهو مذهب ابن مسعود ﵁ كما يجيء إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى العبسي، قال: أنا إسرائيل بن يونس، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أنهما دخلا على عبد الله فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقالا: نعم، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا فطبق، ثم طبق بيديه فجعلهما بين فخديه، فلما صلى قال: هكذا فعل النبي ﵇".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا إسرئيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة والأسود أنهما كانا مع عبد الله ... ثم ذكر نحوه.
حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن الأسود قال: "دخلت أنا وعلقمة على عبد الله، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا نعم، فقال: فصلوا، فصلى بنا فلم يأمرنا بأذان ولا بإقامة، فقمنا خلفه فقدمنا، فقام أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فلما ركع وضع يديه بين رجليه وحنا، قال: وضرب يدي عن ركبتي وقال: هكذا، وأشار بيده، فلما صلى قال: إذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فقدموا أحدكم، فإذا ركع أحدكم فليفعل هكذا، وطبق يديه، ثم ليفترش ذراعيه بين فخذيه، فكأني أنظر إلى أصابع النبي ﷺ ".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح ورجالها كلهم رجال الجماعة غير علي بن شيبة وفهد بن سليمان.
стр. 1891
وعُبيد الله بن موسى بتصغير العبد، ونسبته إلى عبس -بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وفي آخره سين مهملة- ابن بغيض بن ريث بن غطفان قبيلة مشهورة.
والأعمش هو سليمان بن مهران.
فكالطريق الأول: أخرجه مسلم (١): حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أنهما دخلا على عبد الله، فقال: أصلي من خلفكم؟ قالا: نعم. فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخديه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله ﵇".
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): عن محمَّد بن عثمان بن كرامة، عن عبيد الله بن موسى ... إلى آخره نحوه.
وكالطريق الثاني: أخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٣): عن أسود، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن الأسود، عن علقمة والأسود: "أنهما كانا مع ابن مسعود، فحضرت الصلاة فتأخر علقمة والأسود، فأخذ ابن مسعود بأيديهما [فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ثم ركعا فوضعا أيديهما] (٤) على ركبهما فضرب أيديهما، ثم طبق بين يديه وشبك وجعلهما بين فخذيه، قال: رأيت النبي ﵇ فعله".
وكالطريق الثالث: أخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن العلاء الهمداني أبو كريب، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة قالا: "أتينا
стр. 1892
عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. فقال: فقدموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطبّق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخديه، قال: فلما صلى قال: إنه سيكون عليكم إمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه وَلْيُحْن، وليطبق بين كفيه فكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﵇ فأراهم".
قوله: "أصلى هؤلاء" الهمزة فيه للاستفهام، فأراد بهؤلاء الأمير والتابعين له.
قوله: "فقام بينهما" أي فقام ابن مسعود بين علقمة والأسود.
قوله: "فطبق" من التطبيق وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد.
قوله: "صلوا" فيه: جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يسقط بها فرض الكفاية إذا قلنا: إنها فرض كفاية، بل لا بد من إظهارها، وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود على فعلها في البيت؛ لأن الفرض كان سقط بفعل الأمير وعامة الناس وإن أخروها إلى آخر الوقت.
قوله: "فلم يأمرنا بأذان ولا بإقامة" فيه: جواز صلاة المرء الفريضة في بيته بلا أذان ولا إقامة، وهذا مذهب ابن مسعود وبعض السلف من أصحابه، أنه لا يشرع الأذان والإقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه وتقام الصلاة بالجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم.
قال القاضي عياض: اختلف الناس فيمن صلى وحده أو في بيته هل تجزئه إقامة أهل العصر وأذانهم؟ فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم إلى أن
стр. 1893
له أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وذهب عامة الفقهاء إلى أنه يقيم ولا تجزئه إقامة أهل العصر ولا يؤذن، واستحب ابن المنذر أن يؤذن ويقيم، وذهب ابن سيرين والنخعي إلى الإقامة إلا صلاة الفجر فإنه يؤذن ويقيم لها خاصة.
قوله: "وحَنَى" بفتح الحاء المهملة والنون، من حَنَى يَحْنُو، وحَنَى ويَحْنِي، يقال: حنى ظهره إذا عطفه، ويقال جَنَأَ بفتح الجيم والنون وبالهمزة في آخره، من جَنَأَ الرجل على الشيء إذا أكب عليه، وهما متقاربان.
قال ابن الأثير: والذي قرأناه في كتاب مسلم: بالجيم، وفي كتاب الحميدي: بالحاء.
قلت: أراد بالذي في مسلم هو قوله: "وليحن وليطبق" وقد مر آنفًا.
قال عياض: "وليحن"، كذا رواية أكثر شيوخنا بالحاء المهملة وكسر النون، وعند الطبري: "فليجنأ" بالجيم وفتح النون وبهمز آخره، وكلاهما صحيح المعنى، وهو من الانعطاف والانحناء في الركوع، وهو تعقف الصلب يقال: جَنَأَ على الشيء يجنؤ جنوءًا وجَنَأَ يجنئ إجناء، ووقع هذا الحرف عند العذري "وليجنُ" بضم النون، وهو بمعناه، يقال: جنوت العود وجنيته إذا عطفته.
قوله: "ويخنقونها" أي يضيقون وقتها ويتركون أذانها إلى اصفرار الشمس، يقال: هم في خناق من كذا أي في ضيق.
قوله: "إلى شرق الموتى" أراد به اصفرار الشمس عند غروبها؛ لأن الشمس في هذا الوقت إنما تلبث قليلًا ثم تغيب، فشبه ما بقي من وقت تلك الصلاة التي يؤخروخها ببقاء من شرق بريقه إلى أن يخرج نفسه، من قولهم: شرق الميت بريقه إذا غُصَّ به.
قوله: "سبحة" أي نافلة وتطوعًا.
ومما يستفاد منها: أن الإمام إذا كان معه اثنان يقيم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو مذهب ابن مسعود، وبه قال: علقمة والأسود، وخالفهم في ذلك
стр. 1894
جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًّا، وأجمعوا إذا كان ثلاثة أنهم يقفون وراءه. وأما الواحد فإنه يقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل عياض عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظن أنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان، فَهُم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه.
ص: فذهب قوم إلى هذا واحتجوا بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأسود وعلقمة وإبراهيم النخعيين وأبا عُبيدة، فإنهم ذهبوا إلى التطبيق، واحتجوا بهذا الحديث، أي حديث ابن مسعود ﵁، وهو مذهبه أيضًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينبغي له إذا ركع أن يضع يديه على ركبتيه شبه القابض عليهما، ويفرق بين أصابعه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وابن سيرين والحسن البصري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: بل ينبغي للمصلي ... إلى آخره، وهو المحكي عن عمر وابن عمر وعلى وسعد ﵃.
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ والتابعين ومن بعدهم، لا اختلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون، والتطبيق منسوخ عند أهل العلم.
ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: أنا بشر بن عمر وحبان بن هلال، قالا: ثنا شعبة، قال: أخبرني أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، عن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر ﵁: "أمسوا فقد سنت لكم الركب".
стр. 1895
ش: أي أحتج الآخرون فيما ذهبوا إليه -من وضع اليدين على الركبتين شبه القابض وتفريق الأصابع- بحديث عمر ﵁.
وأخرجه بإسناد صحيح، وحبّان: بفتح الحاء، وتشديد الباء الموحدة.
وأبو حَصين: بفتح الحاء وكسر الصاد.
وأبو عبد الرحمن السلمى اسمه عبد الله بن حبيب بن ربيّعة -بالتصغير- الكوفي القارئ ولأبيه صحبة روى له الجماعة.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: أنا أبو حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال لنا عمر بن الخطاب: "إن الركب سُنَّت لكم، فخذوا بالركب".
قال أبو عيسى: حديث عمر حديث حسن صحيح.
وأحْرجه النسائي (٢): أنا سويد بن نصر، قال: أبنا عبد الله، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر ﵁: "إنما السنة الأخذ بالركب".
وفي رواية له (٣): سُنّت لكم الركب، فأمسكوا بالركب".
قوله: "أمسّوا" أمر من الإمساس، والمعنى: أمسّوا أيديكم ركبكم.
"فقد سُنت لكم الركب" يعني سُنّ إمساسها والأخذ بها، وصورة الأخذ ما ذكره الطحاوي.
وفي "المغني" لابن قدامة: قال أحمد: ينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه ويسوي ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكسه.