← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وعُبيد الله بن موسى بتصغير العبد، ونسبته إلى عبس -بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وفي آخره سين مهملة- ابن بغيض بن ريث بن غطفان قبيلة مشهورة. والأعمش هو سليمان بن مهران. فكالطريق الأول: أخرجه مسلم (١): حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أنهما دخلا على عبد الله، فقال: أصلي من خلفكم؟ قالا: نعم. فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخديه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله ﵇". وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): عن محمَّد بن عثمان بن كرامة، عن عبيد الله بن موسى ... إلى آخره نحوه. وكالطريق الثاني: أخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٣): عن أسود، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن الأسود، عن علقمة والأسود: "أنهما كانا مع ابن مسعود، فحضرت الصلاة فتأخر علقمة والأسود، فأخذ ابن مسعود بأيديهما [فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ثم ركعا فوضعا أيديهما] (٤) على ركبهما فضرب أيديهما، ثم طبق بين يديه وشبك وجعلهما بين فخذيه، قال: رأيت النبي ﵇ فعله". وكالطريق الثالث: أخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن العلاء الهمداني أبو كريب، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة قالا: "أتينا

стр. 1892

عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. فقال: فقدموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطبّق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخديه، قال: فلما صلى قال: إنه سيكون عليكم إمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه وَلْيُحْن، وليطبق بين كفيه فكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﵇ فأراهم". قوله: "أصلى هؤلاء" الهمزة فيه للاستفهام، فأراد بهؤلاء الأمير والتابعين له. قوله: "فقام بينهما" أي فقام ابن مسعود بين علقمة والأسود. قوله: "فطبق" من التطبيق وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد. قوله: "صلوا" فيه: جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يسقط بها فرض الكفاية إذا قلنا: إنها فرض كفاية، بل لا بد من إظهارها، وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود على فعلها في البيت؛ لأن الفرض كان سقط بفعل الأمير وعامة الناس وإن أخروها إلى آخر الوقت. قوله: "فلم يأمرنا بأذان ولا بإقامة" فيه: جواز صلاة المرء الفريضة في بيته بلا أذان ولا إقامة، وهذا مذهب ابن مسعود وبعض السلف من أصحابه، أنه لا يشرع الأذان والإقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه وتقام الصلاة بالجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم. قال القاضي عياض: اختلف الناس فيمن صلى وحده أو في بيته هل تجزئه إقامة أهل العصر وأذانهم؟ فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم إلى أن

стр. 1893

له أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وذهب عامة الفقهاء إلى أنه يقيم ولا تجزئه إقامة أهل العصر ولا يؤذن، واستحب ابن المنذر أن يؤذن ويقيم، وذهب ابن سيرين والنخعي إلى الإقامة إلا صلاة الفجر فإنه يؤذن ويقيم لها خاصة. قوله: "وحَنَى" بفتح الحاء المهملة والنون، من حَنَى يَحْنُو، وحَنَى ويَحْنِي، يقال: حنى ظهره إذا عطفه، ويقال جَنَأَ بفتح الجيم والنون وبالهمزة في آخره، من جَنَأَ الرجل على الشيء إذا أكب عليه، وهما متقاربان. قال ابن الأثير: والذي قرأناه في كتاب مسلم: بالجيم، وفي كتاب الحميدي: بالحاء. قلت: أراد بالذي في مسلم هو قوله: "وليحن وليطبق" وقد مر آنفًا. قال عياض: "وليحن"، كذا رواية أكثر شيوخنا بالحاء المهملة وكسر النون، وعند الطبري: "فليجنأ" بالجيم وفتح النون وبهمز آخره، وكلاهما صحيح المعنى، وهو من الانعطاف والانحناء في الركوع، وهو تعقف الصلب يقال: جَنَأَ على الشيء يجنؤ جنوءًا وجَنَأَ يجنئ إجناء، ووقع هذا الحرف عند العذري "وليجنُ" بضم النون، وهو بمعناه، يقال: جنوت العود وجنيته إذا عطفته. قوله: "ويخنقونها" أي يضيقون وقتها ويتركون أذانها إلى اصفرار الشمس، يقال: هم في خناق من كذا أي في ضيق. قوله: "إلى شرق الموتى" أراد به اصفرار الشمس عند غروبها؛ لأن الشمس في هذا الوقت إنما تلبث قليلًا ثم تغيب، فشبه ما بقي من وقت تلك الصلاة التي يؤخروخها ببقاء من شرق بريقه إلى أن يخرج نفسه، من قولهم: شرق الميت بريقه إذا غُصَّ به. قوله: "سبحة" أي نافلة وتطوعًا. ومما يستفاد منها: أن الإمام إذا كان معه اثنان يقيم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو مذهب ابن مسعود، وبه قال: علقمة والأسود، وخالفهم في ذلك

стр. 1894

جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًّا، وأجمعوا إذا كان ثلاثة أنهم يقفون وراءه. وأما الواحد فإنه يقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل عياض عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظن أنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان، فَهُم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه. ص: فذهب قوم إلى هذا واحتجوا بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأسود وعلقمة وإبراهيم النخعيين وأبا عُبيدة، فإنهم ذهبوا إلى التطبيق، واحتجوا بهذا الحديث، أي حديث ابن مسعود ﵁، وهو مذهبه أيضًا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينبغي له إذا ركع أن يضع يديه على ركبتيه شبه القابض عليهما، ويفرق بين أصابعه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وابن سيرين والحسن البصري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: بل ينبغي للمصلي ... إلى آخره، وهو المحكي عن عمر وابن عمر وعلى وسعد ﵃. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ والتابعين ومن بعدهم، لا اختلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون، والتطبيق منسوخ عند أهل العلم. ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: أنا بشر بن عمر وحبان بن هلال، قالا: ثنا شعبة، قال: أخبرني أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، عن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر ﵁: "أمسوا فقد سنت لكم الركب".

стр. 1895

ش: أي أحتج الآخرون فيما ذهبوا إليه -من وضع اليدين على الركبتين شبه القابض وتفريق الأصابع- بحديث عمر ﵁. وأخرجه بإسناد صحيح، وحبّان: بفتح الحاء، وتشديد الباء الموحدة. وأبو حَصين: بفتح الحاء وكسر الصاد. وأبو عبد الرحمن السلمى اسمه عبد الله بن حبيب بن ربيّعة -بالتصغير- الكوفي القارئ ولأبيه صحبة روى له الجماعة. وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: أنا أبو حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال لنا عمر بن الخطاب: "إن الركب سُنَّت لكم، فخذوا بالركب". قال أبو عيسى: حديث عمر حديث حسن صحيح. وأحْرجه النسائي (٢): أنا سويد بن نصر، قال: أبنا عبد الله، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر ﵁: "إنما السنة الأخذ بالركب". وفي رواية له (٣): سُنّت لكم الركب، فأمسكوا بالركب". قوله: "أمسّوا" أمر من الإمساس، والمعنى: أمسّوا أيديكم ركبكم. "فقد سُنت لكم الركب" يعني سُنّ إمساسها والأخذ بها، وصورة الأخذ ما ذكره الطحاوي. وفي "المغني" لابن قدامة: قال أحمد: ينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه ويسوي ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكسه.

стр. 1896

ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: ثنا سالم البراّد -قال: وكان عندي أوثق من نفسي- قال: "قال لنا أبو مسعود البدري: ألا أريكم صلاة رسول الله ﵇؟ -فذكر حديثًا طويلًا- قال: ثم ركع فوضع كفيه على ركبتيه، وفضلت أصابعه على ساقيه". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة -فيما يظن ابن مرزوق- فذكروا صلاة رسول الله ﵇ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة النبي ﵇، كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النعي ﵇ أحدهم أبو قتادة ... فذكر مثله. قال: "فقالوا جميعًا: صدقت". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وأئل بن حجر قال: "رأيت رسول الله ﵇ إذا ركع وضع يديه على ركبتيه". ش: هذه الأسانيد بعينها قد مرت الإسناد الأول في باب: الخفض في الصلاة هل فيه تكبير. والبقية في باب: التكبير للركوع. غير أنه زاد في الأول: "فوضع كفيه على ركبتيه ... " إلى آخره. وفي الثاني: قوله "ومحمد بن مسلمة فيما يظن ابن مرزوق". وقوله: "كان إذا ركع وضع يديه ... " إلى آخره. وفي الرابع: قوله: "إذا ركع وضع يديه على ركبتيه".

стр. 1897

وأبو عامر العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو، ونسبته إلى عَقَد -بفتحتين- صنف من الأزد، ومحمد بن مسلمة -بالميمن في مسلمة- بن سلمة -بالميم الواحدة- بن خالد أبو عبد الله الأنصاري، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵇، وقيل: إنه هو الذي استخلفه ﵇ على المدينة عام تبوك. وأبو عاصم النبيل اسمه الضحاك بن مخلد، وأبو الأحوص اسمه سلام بن سليم الكوفي. قوله: "وفضلة أصابعه" أي وضع فضلة أصابعه أراد أنه ﵇ ألقم بكفيه ركبتيه، ووضع ما زاد من أصابعه. "على ساقيه"، والمراد منه طرف الساق الفوقاني؛ لأن ما بعد عين الركبة من حد الساق؛ فافهم. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة، قال: سمعت ابن عجلان يحدث، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "اشتكى الناس إلى النبي ﵇ التفرج في الصلاة، فقال ﵇: استعينوا بالركب". ش: إسناده صحيح، وأبو زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري المؤذن، وحيوة بن شريح بن صفوان بن مالك التجيبي المصري، وابن عجلان هو محمَّد بن عجلان المدني، وسُمَيّ القرشي المدني روى له الجماعة، وأبو صالح ذكوان الزيات. وأخرجه أبو داود (١) في باب: رخصة افتراش اليدين في السجدة: ثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "اشتكي أصحاب النبي ﵇ مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب".

стр. 1898

وأخرجه الترمذي (١) في الاعتماد في السجود: ثنا قتيبة ... إلى آخره نحوه. غير أن لفظه: "اشتكى بعض أصحاب النبي ﵇ إلى النبي ﵇ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: استعينوا بالركب". قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵇ إلا من هذا الوجه من حديث الليث عن ابن عجلان، وقد رواه سفيان بن عيينة وغير واحد عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي ﵇ نحو هذا وكأن رواية هؤلاء أصح من رواية الليث. انتهى. قلت: هذا مرسل وقال البخاري: هذا بإرساله أصح. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (٢): من حديث ابن عُيينة، عن سُمي، عن النعمان بن أبي عياش قال: "شكوا إلى رسول الله ﵇ الاعتماد والادعام في الصلاة، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه على ركبتيه أو فخذيه". انتهى. قلت: النعمان بن أبي عياش الزرقي الأنصاري من التابعين، روى عن عبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله، وعن يحيى: أنه ثقة. فإن قلت: لم يستدل أحد غير الطحاوي بهذا الحديث على وضع الأيدي على الركب في الركوع، فهذا أبو داود والترمذي بوباه لما ذكرنا، ومحمد بن عجلان فسر قوله: "استعينوا بالركب" وقال: معناه أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيى. قلت: قوله ﵇: "استعينوا بالركب" أعم من أن يكون في الركوع أو في السجود، أي استعينوا بأخذ الركب، والمعنى بوضع الأيدي على الركب. قوله: "اشتكى الناس" من شَكى يَشْكُو يقال: شَكَوْتُ فلانًا اشْكُوه شكوًا وشِكاية وشَكِيَّة وشَكَاة.

стр. 1899

وقوله: "التفرج" مفعوله؛ وأراد به الانفراج. فإن قلت: قد سكت الترمذي عن هذا، فكيف قلت: إنه صحيح؟ قلت: الحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحكم في "مستدركه"، (١) وقال: صحيح على شرط مسلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فكانت هذه الآثار معارضة للأثر الأول ومعها من التواتر ما ليس معه، فأردنا أن ننظر هل في شيء من الآثار ما يدل على نسخ أحد الأمرين بصاحبه؟ فاعتبرنا ذلك فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن أبي يعفور، قال: سمعت مصعب بن سعد يقول: "صليت إلى جنب أبي، فجعلت يديّ بين ركبتي فضرب يدي وقال: يا بنيّ، إنا كنا نفعل هذا فأُمرنا أن نضرب بالأكف على الركبة". حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن مصعب بن سعد، قال: "صليت مع سعد، فلما أردت الركوع طبقت، فنهاني عنه وقال: كنا نفعله حتى نهينا عنه". فقد ثبت بما ذكرنا نسخ التطبيق، وأنه كان متقدمًا لما فعله رسول الله ﵇ من وضع اليدين على الركبتين. ش: أي كانت الأحاديث التي فيها وضع اليدين على الركبتين في الركوع معارضة للحديث الأول، وهو الذي فيه التطبيق، و"معها" أي مع تلك الأحاديث "من التواتر" أي من كثرة الرواية وتلقي الأئمة بالقبول والأخذ بها "ما ليس معه" أي مع حديث التطبيق، فإذا كان الأمر كذلك يتعين طلب المخلص وهو على وجوه كما عرف في موضعه منها: طلب المخلص من حيث التاريخ، وهو أن يعلم بالدليل

стр. 1900

التاريخ بين النصين المتعارضين، فيكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، فنظرنا ها هنا، فوجدنا قول سعد بن أبي وقاص يدل على أن حديث التطبيق منسوخ؛ لأنه صرح بقوله: "إنا كنا نفعل هذا، فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب" وفي لفظة: "كنا نفعله حتى نهينا عنه" وهذا صريح في النسخ، وأما ابن مسعود ﵁ فلعله لم يبلغه خبر النسخ، فلذلك لم يترك التطبيق، وأما من عمل به من أصحابه فأنهم اتبعوه في ذلك وتقلدوه. ثم أنه أخرج حديث سعد من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن شعبة، عن أبي يعفور واسمه واقد ولقبه وقدان العبدي الكوفي وهو أبو يعفور الكبير روى له الجماعة، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبي زرارة المدني روى له الجماعة، عن أبيه سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة. وأخرجه الجماعة، فالبخاري (١): عن أبي الوليد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفى ثم وضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب". ومسلم (٢): عن ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت فقلت بيدي هكذا يعني طبق بههما ووضعهما بين فخذيه فقال أبي: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بالركب". وأبو داود (٣): عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد قال: "صليت إلى جنب أبي فجعلت يديّ بين ركبتيّ، فنهاني عن ذلك، فعدت

стр. 1901

فقال: لا تصنع هذا؛ فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب". والترمذي (١): عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد: "كنا نفعل ذلك فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع الأكف على الركب". والنسائي (٢): عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت فطبقت، فقال أبي: إن هذا شيء كنا نفعله ثم ارتفعنا إلى الركب". وابن ماجه (٣): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن محمَّد بن بشر، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت إلى جنب أبي فطبقت فضرب يدي وقال: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب" انتهى. وقد علم أن قول الصحابي: كنا نفعل، وأمرنا، ونهينا محمول على أنه أمر لله ولرسوله، ونهي عن الله ورسوله؛ لأن الصحابي إنما يقصد الاحتجاج به لإثبات شرع وتحليل وتحريم، وحكم يجب كونه مشروعًا. الثاني: عن الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٤) أيضًا: ثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري -واللفظ لقتيبة- قالا: نا أبو عوانة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد قال: "صليت إلى جنب أبي، قال: فجعلت يديَّ بين ركبتيَّ، فقال لي أبي: اضرب

стр. 1902

يكفيك على ركبيتك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، فضرب يدي وقال: إنا نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب". وأخرجه النسائي في (١) أيضًا: عن قتيبة، عن أبي عوانة .. إلى آخوه نحوه. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ... إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الزبير بن عندي، عن مصعب، عن أبيه نحوه. ص: ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر كيف هو، فرأينا التطبيق فيه التقاء اليدين، ورأينا وضع اليدين على الركبتين فيه تفريقهما فأردنا أن ننظر في أحكام أشكال ذلك في الصلاة كيف هو، فرأينا السنة جاءت عن النبي ﵇ بالتجافي في الركوع والسجود، وأجمع المسلمون على ذلك، فكان ذلك من تفريق الأعضاء، وكان من قام في الصلاة أُمر أن يراوح بين قدميه، وقد روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ وهو الذي روى التطبيق، فلما رأينا تفريق الأعضاء في هذا بعضها من بعض أولى من إلصاق بعضها ببعض، واختلفوا في إلصاقها وتفريقها في الركوع؛ كان النظر على ذلك: أن يكون ما اختلفوا فيه من ذلك معطوفًا على ما أجمعوا عليه منه، فيكون كما كان التفريق فيما ذكرنا أفضل، يكون في سائر الأعضاء كذلك. ش: أي ثم طلبنا حكم وضع اليدين على الركبتين من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر.

стр. 1903

قوله: "في أحكام أشكال ذلك" أي: أمثال ذلك، والأشكال -بفتح الهمزة- جمع شكل، وشكل الشيء: ما يشاكله، أي يماثله. قوله: "بالتجافي في الركوع" أي تباعد العضدين عن الجنبين، وأصله من الجفاء: وهو البعد عن الشيء، يقال: جفاه إذا بعد عنه، وأجفاه إذا أبعده. قوله: "أن يراوح بين قدميه" يعني أن يعتمد على إحداهما مرة، وعلى الآخرى مرة، ليوُصل الراحة إلى كل منهما، وأصله من الروْح بمعنى الراحة، ثم الأمر بالمراوحة بين القدمين. هو ما رواه النسائي (١) بإسناده: عن ابن مسعود: "رأى رجلًا يصلي قد صفّ بين قدميه، فقال: خالفت السنة، لو راوحت بينهما كان أفضل". وفي رواية أخرى (٢): "أخطأ السُنَّه لو راوح بينهما كان أعجب إليّ". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: "رأيت عمرو بن ميمون يراوح بين قدميه في الصلاة". ثنا (٤) وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: "رأيت عمرو بن ميمون يراوح بين قدميه، يضع هذه على هذه وهذه على هذه". ثنا (٥) يزيد بن هارون، عن هشام قال: "كان ابن سيرين يراوح بين قدميه في الصلاة". قوله: "وقد روي ذلك" أي الأمر بالمراوحة بين القدمين قد روي عن ابن مسعود ﵁ وقد ذكرناه الآن.

стр. 1904

قوله: "وهو روى ذلك" أي والحال أن ابن مسعود هو الذي روى التطبيق. قوله: "معطوفًا" أي مصروفًا وموجهًا "على ما أجمعوا عليها". قوله: "أفضلَ" بالنصب، خبر لقوله: "كما كان التفريق فيما ذكرنا". وقوله: "يكون في سائر الأعضاء" أي يكون التقدير في سائر الأعضاء أفضلَ كذلك، وفي بعض النسخ: "في سائر الأشياء" والأول أصح. ص: وقد روي في التجافي في السجود: ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﵇ كان إذا سجد يُرى بياض إبطيه". ش: أي قد روي في إبعاد العضدين عن الجنبين في حالة السجدة حديث ابن عباس. أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن التميمي الذي يحدث عن ابن عباس بالتفسير واسمه أربد، وقيل: أربده -بالهاء- وكان يجالس ابن عباس، لم يرو عنه غير أبي إسحاق، روى له أبو داود، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، ثنا زهير، نا أبو إسحاق، عن التميمي الذي يحدث بالتفسير عن ابن عباس قال: "أتيت النبي ﵇ من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجخّ قد فرج يديه". قوله: "مُجخّ" بضم الميم وبعدها جيم مفتوحة وخاء معجمة مشددة، وروي: "كان إذا صلى جَخّ" بفتح الجيم وبعدها خاء معجمة مشددة، أي فتح عضديه عن جانبيه وجافاهما عنهما، ويروى جخَّى بالياء وهو مثل جخ، وقال بعضهم: "كان إذا صلى جخّ" أي تحول من مكان إلى مكان.

стр. 1905

وروى البزار: "كان النبي ﵇ إذا صلى جخى" قال: وقال النضر بن شميل: جخى: لا يتمدد في ركوعه ولا سجود. وقال الحاكم (١): صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهو معدود في أفراد النضر بن شميل. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا كثير بن هشام وأبو نعيم، قالا: ثنا جعفر بن برقان، قال: حدثني يزيد بن الأصم، عن ميمونة زوج النبي ﵇ قالت: "كان النبي ﵇ إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن الصباح، قال: ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن جعفر بن برقان وعبد الله بن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنحوه. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن كثير بن هشام الكلابي أبي سهل الرقي نزيل بغداد شيخ أحمد وروى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، وعن أبي نعيم الفضل بن دكين الملائي الكوفي شيخ البخاري، كلاهما عن جعفر بن برقان الكلابي أبي عبد الله الجزري الرقي روى له الجماعة البخاري في "الأدب"، عن يزيد بن الأصم -واسم الأصم عمرو- الكوفي نزيل الرقة قال ابن أبي حاتم: ابن أخت ميمونة ﵂ روى له الجماعة البخاري في "الأدب"، عن ميمونة بنت الحارث ﵂. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لعمرو، قال إسحاق: أنا، وقال الآخرون: ثنا وكيع، قال: أنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث

стр. 1906

قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه". قال وكيع: يعني بياضهما. قوله: "حتى يرى" على صيغة المعلوم، وفاعله قوله: "مَنْ خلفه" و"وضح إبطيه" بالنصب مفعوله، ويجوز أن يكون "يُرى" على صيغة المجهول ويكون "وضح إبطيه" مرفوعًا بالاستناد إليه، ويكون "مِنْ" من قوله: "مِنْ خلفه" حرف جر. فافهم. والوضح: البياض من كل شيء وقد فسره وكيع في رواية مسلم، وقال ابن الأثير: أي البياض الذي تحتهما وذلك للمبالغة في رفعهما وتجافيهما عن الجنبين. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن الصباح الدولابي أبي جعفر البغدادي البزاز صاحب السنن، شيخ الشيخين وأبي داود وأحمد وأبي يعلى. عن إسماعيل بن زكرياء الخلقاني أبي زياد الكوفي، عن جعفر بن برقان الرقي، وعن عبد الله بن عبد الله بن الأصم أبي سليمان البكائي، كلاهما عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة ﵂. وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمه يزيد بن الأصم، عن ميمونة: "أن النبي ﵇ كان إذا سجد جافى بين يديه حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر تحت يديه مرت". وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: ثنا يحيى بن يحيى وابن أبي عمر، قالا جميعًا: عن سفيان، قال يحيى: أنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: "كان النبي ﵇ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت".

стр. 1907

واعلم أنه قد وقع في إسناد أبي داود ومسلم جميعًا: عبيد الله بن عبد الله بن الأصم -بتصغير الابن وتكبير الأب- ووقع في رواية الطحاوي كلاهما بالتكبير، وقال النووي: هكذا وقع في بعض الأصول عبيد الله بن عبد الله بن الأصم -بتصغير الأول- في روايتي مسلم، وفي بعض الروايات عبد الله مكبر في الموضعين، وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى والتصغير في الثانية، وكله صحيح؛ فعبد الله وعبيد الله أخوان، وهما ابنا عبد الله بن الأصم، وكلاهما روى عن عمه يزيد بن الأصم. ووقع في سنن النسائي (١) اختلاف في الرواة عن النسائي، بعضهم رواه بالتكبير وبعضهم بالتصغير. ورواه البيهقي في "سننه" (٢) من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الفزاري (٣) بالتكبير. وكذا رواه أبو داود، (٤) وابن ماجه (٥) في سننيهما" من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يذكرا رواية الفزاري. قلت: النسخ المضبوطة لأبي داود: عبيد الله بن عبد الله بالتصغير من رواية سفيان بن عُيينة، ولكن الذي ذكره محيي الدين النووي أنه بالتكبير من رواية سفيان، وأما الذي بالتصغير فهو من رواية مروان الفزاري وأبو داود لم يخرج من روايته. قوله: "بهمة" واحد البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البهم: بهام بكسر الباء، وقال الجوهري: البهمة من أولاد الضأن خاصة، ويطلق على الذكر والأنثى قال: والسخال أولاد المعزى.

стр. 1908

والحديث أخرجه الحكم في "مستدركه"، (١) والطبراني في "معجمه" (٢): وقالا فيه: "بهمية" بتصغير بهمة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن بحر، قال: ثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ كان إذا سجد جافى حتى يُرى بياض إبطيه أو حتى أرى بياض إبطيه". ش: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن بحر بن بَرِّيّ القطان أبي الحسن البغدادي شيخ أبي داود والبخاري في التعليقات، عن هشام بن يوسف الصنعاني قاضي صنعاء روى له الجماعة سوى مسلم، عن معمر بن راشد الأزدي روى له الجماعة، عن منصور بن المعتمر روى له الجماعة، عن سالم بن أبي الجعد واسمه رافع الأشجعي الكوفي روى له الجماعة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: "أن النبي ﵇ كان إذا سجد جافى يعني جافى يديه عن جنبيه". وهذا الحديث لا نعلم أحد رواه عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابر إلا معمر. قوله: "أو حتى أرى" شك من الرواي. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا يحيى بن إسحاق، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، قال: حدثني أبو الهيثم، قال: سمعت أبا سعيد يقول: "كأني انظر إلى بياض كشحي رسول الله ﵇ وهو ساجد". ش: أبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي ويحيى بن إسحاق البجلي أبو زكرياء السيلحيني روى له الجماعة سوى البخاري، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال،

стр. 1909

وعبيد الله بن المغيرة بن معيقيب السبائي أبو المغيرة المصري روى له الترمذي وابن ماجه، قال أبو حاتم: صدوق. وأبو الهيثم سليمان بن عمرو بن عبد المصري روى له الأربعة ووثقه ابن معين وابن حبان. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. و"الكَشح" بفتح الكاف الخصر، وقال الجوهري: الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، والكَشَح بالتحريك: دإء يصيب الإنسان في كشحه، فيكون قوله "وهو ساجد" جملة اسمية حالية. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق قال: "رأيت البراء إذا سجد خَوَّى ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان رسول الله ﷺ يفعل". ش: أبو أمية محمَّد بن مسلم، ويحيى بن عبد الحميد الحماني وثقه ابن معين، وعنه: صدوق مشهور ما بالكوفة مثله، ما يقال فيه إلا من حسد. ونسبته إلى حِمَّان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم- قبيلة من تميم. وشريك هو ابن عبد الله النخعي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، والبراء هو ابن عازب الصحابي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا الربيع بن نافع أبو توبة، ثنا شريك، عن أبي إسحاق قال: "وصف لنا البراء بن عازب فوضع يديه واعتمد على ركبتيه، ورفع عجيزته وقال: هكذا كان رسول الله ﵇ يسجد". وأخرجه النسائي (٢): أنا علي بن حجر المروزي، قال: أنا شريك، عن أبي إسحاق مال: "وصف لنا البراء السجود، فوضع يديه بالأرض ورفع عجيزته، وقال: هكذا رأيت النبي ﵇ يفعل".

стр. 1910

قوله: "خوَّى" بالخاء المعجمة وتشديد الواو، أي جافى بطنه عن الأرض، ورفعها وجافى عضديه عن جنبيه حتى يخوي ما بين ذلك، قال الجوهري: خَوَّى البعير تخوية إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه وكذلك الرجل في سجوده، والطائر إذا أرسل جناحيه. وجاء في رواية أخرى رواها النسائي (١): عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي، عن النضر بن شميل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن البراء: "أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى جخى". انتهى. قلت: يقال: جخى وجخ أيضًا: إذا فتح عضديه في السجود ورفع بطنه عن الأرض، قاله المطرزي. قوله: "ورفع عجيزته" العجيزة العجز، وهي للمرأة خاصة، فاستعارها للرجل، والعجز مؤخر الشيء. ص: حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن بحينة أنه حدثه: "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد فرج بين ذراعيه وبين جنبيه حتى يُرى بياض إبطيه". ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن شيبة. وأبو صالح عبد الله بن صالح، ويحيى بن أيوب الغافقي المصري، وجعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي أبو شرحبيل المصري، وعبد الله بن بحينة هو عبد الله بن مالك بن القشيب الأزدي الصحابي وبحينة أمه وهي بنت الأرت وهو الحارث بن المطلب بن عبد مناف.

стр. 1911

وأخرجه البخاري (١): ثنا يحيى بن بكير، قال: حدثني بكر بن مضر، عن جعفر، عن ابن هرمز، عن عبد الله بن مالك بن بحينة: "أن النبي ﵇ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه". وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة نحوه. وأخرجه مسلم (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا بكر هو ابن مضر ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة أيضًا نحوه. قوله: "ابن بحينة" في رواية البخاري ومسلم صفة لعبد الله أو بدل منه لا صفة لمالك، ولا له تعلق منه، فافهم؛ لأنا قلنا: إن بحينة اسم أمه، وشهرته باسم أمه ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الكعبي، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ وهو يصلي، فنظرت إلى عفرة إبطيه -يعني بياض إبطيه- وهو ساجد". ش: إسناده حسن، ويونس هو ابن عبد الأعلى، وعبد الله بن نافع الصائغ القرشي أبو محمَّد الكوفي روى له الجماعة البخاري في "الأدب" وداود بن قيس الفراء الدباغ أبو سليمان المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وعبيد الله بن عبد الله بن أقرم بن زيد الخزاعي وثقه النسائي وروى له والترمذي وابن ماجه، وأبوه عبد الله بن أقرم الخزاعي الصحابي يكنى أبا معبد روى عن النبي ﵇ هذا الحديث فقط روى عنه ابنه عبيد الله المذكور. وأخرجه الترمذي (٤): ثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الخزاعي، عن أبيه قال: "كنت مع أبي بالقاع

стр. 1912

من نمرة فمرت ركبة فإذا رسول الله ﵇ قام يصلي، قال: فكنت أنظر إلي عفرتي إبطيه إذا سجد وأرى بياضه". وقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن أقرم حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس، ولا يعرف لعبد الله بن أقرم عن النبي ﵇ غير هذا الحديث. وأخرجه النسائي (١): أنا علي بن حجر، قال: أبنا إسماعيل، قال: ثنا داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم، عن أبيه قال: "صليت مع رسول الله ﵇ فكنت أرى عفرة إبطيه إذا سجد". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الخزاعي، عن أبيه قال: "كنت مع أبي بالقاع من نمرة، فمر بنا ركب فأناخوا في ناحية الطريق فقال لي أبي: كن في بهمك حتى آتي هؤلاء القوم وأُسائلهم، قال: فخرج وجئت يعني دنوت، فإذا رسول الله ﵇، فحضرت الصلاة فصليت معهم، فكنت انظر إلى عفرتي إبطي رسول الله ﵇ كلما سجد". قوله: "إلى عفرة إبطيه العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفر الأرض وهو وجهها، ومنه "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء" (٣). قوله: "بالقاع" وهو مكان مستو واسع في وطأة من الأرض، يطؤه ماء السماء فيمسكه ويستوي نباته. قوله: "من نَمِرة" بفتح النون وكسر الميم، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم بعرفات.

стр. 1913

قوله: "فمرت رَكَبة" بفتح الكاف وهم أقل من الركب، والركب اسم من أسماء الجمع كنفر ورهط، وقيل: هو جمع راكب كصاحب وصَحْب، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة، وجمع الرَّكَبَة -بالتحريك-: الرَّكَبَات. قوله: "في بهمك" البهم بفتح الباء الموحدة جمع بَهْمة وهي ولد الضأن الذكر والأنثى، وجمع البهم بِهَام -بالكسر- وأولاد المعزى السخال فإذا اجتمعا أطلق عليها البهم والبهام. ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني نافع بن يزيد، قال: أخبرني خالد بن يزيد، عن عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن أبي هريرة أنه قال: "كأني انظر إلى بياض كشحي رسول الله ﵇ وهو ساجد". ش: إسناده حسن، وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن سالم المعروف بابن أبي مريم أبو محمَّد المصري شيخ البخاري، ونافع بن يزيد أبو يزيد المصري روى له الجماعة إلا الترمذي، وخالد بن يزيد ويقال: ابن أبي يزيد وهو الصواب، قال يحيى: لا بأس به. روى له ابن ماجه. وعبيد الله بن المغيرة بن معيقيب السبائي المصري، قال أبو حاتم: صدوق. وروى له الترمذي وابن ماجه. وأبو الهيثم اسمه سليمان بن عمرو بن عبد المصري، وثقه ابن معين، وروى له الأربعة. وقد مر تفسير "الكشح". قوله: "وهو ساجد" جملة حالية. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: ثنا أبو نعيم وصفان، قالا: ثنا عباد بن راشد، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثني أحمر صاحب النبي ﷺ قال: "إن كنا لنأوي لرسول الله ﵇ مما يجافي يديه عن جنبيه إذا سجد".

стр. 1914

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم وأبو عامر، عن عباد بن ميسرة، عن الحسن قال: أخبرني أحمر صاحب النبي ﵇ مثله. ش: هذان طريقان: الأول: عن محمَّد بن علي بن داود أبي بكر البغدادي المعروف بابن أخت غزال، وثقه ابن يونس، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، وصفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، كلاهما عن عباد بن راشد التميمي البصري البزاز، فيه مقال؛ فعن أحمد: شيخ ثقة صدوق صالح. وعن يحيى: ضعيف. وعنه: صالح. وعن أبي داود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له البخاري مقرونًا بغيره وأبو داود والنسائي وابن ماجه. عن الحسن هو البصري، عن أحمر بن جري -بفتح الجيم وكسر الراء- وقيل: بالتصغير، وقيل: حَرِي بالحاء المهملة، وقيل: جَزْء -بفتح الجيم وسكون الزاي وفي آخره همزة- وأحمر هذا له صحبة ولم يرو عنه غير الحسن البصري، روى عن النبي ﵇ هذا الحديث لا غير. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا عباد بن راشد، ثنا الحسن، نا أحمر بن جزء صاحب رسول الله ﵇: "أن رسول الله ﵇ كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأوي له". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، نا عباد بن راشد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): وقال الذهبي في "مختصره": هذا التجافي منه ﵇ كان لأنه كان إمامًا لا يزحمه أحد، فأما إذا كان الصف قصيًّا فهو أولى بهم من تحللهم فمع التراص لا يمكنهم التجافي.

стр. 1915

قوله: "إن كنا" "إن " هذه مخففة من المثقلة. قوله: "لنأوي" اللام فيه للتأكيد، ومعناه نرقّ له ونرثى يقال أويت للرجل آوي له إذا أصابه شيء فرثيت له. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد وأبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، كلاهما عن عباد بن ميسرة المنقري البصري، وعن أحمد: ضعيف، وعن يحيى: لا بأس به، عن الحسن البصري. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): أنا أبو موسى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عباد بن راشد، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أحمر صاحب رسول الله ﵇ قال: "إن كنا لنأوي لرسول الله ﵇ مما يجافي يديه عن جنبيه إذا سجد". وأخرجه الطبراني (٢) نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما كانت السنة فيما ذكرنا تفريق الأعضاء لا إلصاقها؛ كانت فيما ذكرنا أيضًا كذلك؛ فثبت بثبوت النسخ الذي ذكرنا، وبالنسخ الذي وصفنا انتقاء التطبيق، ووجوب وضع اليدين على الركبتين. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أراد من قوله فيما ذكره: ما ذكره من أحاديث ابن عباس وميمونة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري والبراء بن عازب وعبد الله بن بحينة وعبد الله بن أقرم وأبي هريرة وأحمر بن جَرِي ﵃ في التجافي في السجود، وأراد بقوله: "كانت فيما ذكرنا أيضًا" ما ذكره من وضع اليدين على الركبتين؛ لأن فيه أيضًا تفريق الأعضاء بخلاف التطبيق؛ لأن فيه إلصاق اليدين.

стр. 1916

وإيرادُه أحاديث هؤلاء الصحابة في هذا الباب؛ لأجل المعنى الذي ذكره. قوله: "وهذا" أي وضع اليدين على الركبتين هو قول أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، وهو قول مالك والشافعي وأحمد أيضًا وأصحابهم، وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كما ذكرناه مستقصى والله أعلم.

стр. 1917

ص: باب: مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه ش: أي هذا باب في بيان مقدار الركوع ومقدار السجود في الصلاة وحدُّهما الذي لا يجزئ أن يفعل بأقل منه، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا قال أحدكم في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا؛ فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا قال في سجوده: سبحان رب الأعلى ثلاثًا؛ فقد تم سجوده وذلك أدناه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا ابن أبي ذئب ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان إسنادان فيهما انقطاع على ما يأتي؛ لأن عون بن عبد الله لم يدرك عبد الله. قال أبو داود: هذا مرسل؛ عونٌ لم يدرك عبد الله. وقال البخاري في "تاريخه الكبير" (١)، وأحمد فيما حكاه الخلال والطوسي في "أحكامه": هذا منقطع. وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل؛ عون بن عبد الله لم يلق ابن مسعود ﵁. وخالد بن عبد الرحمن وثقه يحيى، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به. روى له أبو داود والنسائي. وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب. واسمه هشام بن شعبة المدني روى له الجماعة. وإسحاق بن يزيد الهذلي المدني وثقه ابن حبان.

стр. 1918

وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الفقيه الكوفي روى له الجماعة غير البخاري. وأبو بكرة بكّار القاضي، وأبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو وقد تكرر ذكره. فكالطريق الأول أخرجه الترمذي (١): ثنا علي بن حجر، أنا عيسى بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، أن النبي ﵇ قال: "إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات ... " إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه غير أن لفظه: "إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، فإذا فعل ذلك فقد تم ركوعه، وإذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، فإذا فعل ذلك فقد تم سجوده، وذلك أدناه". وكالطريق الثاني: أخرجه أبو داود (٣): ثنا عبد الملك بن مروان الأهوازي، نا أبو عامر وأبو داود، عن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود قال: قال: رسول الله ﷺ : "إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه". قوله: "وذلك أدناه" أي أدنى الكمال، كذا نقل عن الشافعي، وقال صاحب الهداية: أي أدنى كمال الجمع، وقال بعض أصحابنا: أي أدنى كمال السنة.

стр. 1919

قلت: كل هذا لا يفهم من التركيب، والذي يقتضيه التركيب: أن يكون الضمير في أدناه راجعًا إلى القول الذي يدل عليه قوله: "إذا قال أحدكم" ومعناه: قوله ذلك -يعني ثلاث مرات- أدنى القول، وأكثره ليس له حد معلوم إلى خمس أو سبع أو تسع، أوتارًا بحسب حال المصلين والزمان، وأقله محدود بثلاث ولا ينبغي أن ينقص عنه. ص: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هذا مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزى أقل منه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: إسحاق وداود وأحمد -في المشهور- وسائر الظاهرية؛ فإنهم قالوا: مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه هو القدر الذي أن يقول فيه: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى كل واحد ثلاث مرات. واحتجوا في ذلك بحديث ابن مسعود المذكور، وإنما قالوا بذلك؛ لأن القول بذلك في الركوع والسجود فرض عندهم، فمن ضرورة هذا يكون فرض الركوع والسجود مقدرًا بهذا المقدار. وفي "المغني" لابن قدامة: والمشهور عن أحمد أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول: واجب، وهو قول إسحاق وداود. وقال ابن حزم في "المحلى": والتكبير للركوع فرض، وقول سبحان ربي العظيم في الركوع فرض، والتكبير لكل سجدة فرض، وقول سبحان ربي الأعلى فرض في كل سجدة، ثم قال: وبإيجاب وفرض هذا قال أحمد بن حنبل وأبو سليمان وغيرهما. قلت: لكن الفرض عند أحمد هو أن يقول مرة واحدة، والزيادة عليها فضيلة. قال في مغنيهم: ويقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا وهو أدنى الكمال، وإن قال مرة واحدة أجزأه، وقال أحمد في رسالته: جاء الحديث عن الحسن البصري أنه قال:

стр. 1920

"التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث" وقال القاضي: الكامل في التسبيح إن كان منفردًا ما لا يخرجه إلى السهو، وفي حق الإِمام ما لا يشق على المأمومين، ويحتمل أن يكون الكمال عشر تسبيحات لأن أنسًا ﵁ روى أن النبي ﵇ كان يصلي كصلاة عمر بن عبد العزيز فحزروا ذلك بعشر تسبيحات. قلت: حديث أنس رواه أبو داود (١) ولفظه: "ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﵇ أشبه صلاة برسول الله ﵇ من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز ﵁ فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات". وقال القاضي: قال بعض أصحابنا: الكمال أن يسبح مثل قيامه، وإن قال: سبحان ربي العظيم وبحمده فلا بأس، وروي عن أحمد أنه قال: أما أنا فلا أقول: وبحمده، وحكى ذلك ابن المنذر عن الشافعي وأصحاب الرأي. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: مقدار الركوع أن يركع حتى يستوي راكعًا، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن ساجدًا؛ فهذا مقدار الركوع والسجود الذي لابد منه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: مقدار الركوع أن يركع حتى يستوي راكعًا، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن ساجد، وهذا المقدار الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به. ثم إن الطحاوي: لم ينصب ها هنا خلافًا بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف كما هو المذكور في كتب أصحابنا مثل "الهداية و"المبسوط" و"المحيط" وغيرها؛ فإنهم قالوا فيها: الطمأنينة في الركوع والسجود فرض عند أبي يوسف والشافعي، ثم احتجوا لها بحديث أبي هريرة ورفاعة بن رافع الآتي ذكره ها هنا عن قريب (٢)،

стр. 1921

وذكروا عن أبي حنيفة ومحمد أنهما قالا: إنها واجبة وليست بفرض، حتى قال في "الخلاصة": إنها سنة عندهما، وقالوا: لأن الركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض لغة، فتتعلق الركينة بالأدنى منهما، وقالوا أيضًا: قوله تعالى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١) أمر بالركوع والسجود وهما لفظان خاصان يراد بهما الانحناء والانخفاض، فيتأدى ذلك بأدنى ما ينطبق عليه من ذلك، وافتراض الطمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادة على مطلق النص، وهو نسخ وذا لا يجوز، وأجابوا عن الحديث الذي احتج به أبو يوسف والشافعي: أن في آخره: "وما انتقصت من ذلك فإنما ينقص من صلاتك". على ما يجيء في الحديث عن قريب؛ وأنه أطلق اسم الصلاة على التي ليست فها الطمأنينة، ولو كانت باطلة لما سماها صلاة؛ لأن الباطلة ليست بصلاة، وأيضًا وصفها بالنقص فدل أنها صحيحة ولكنها ناقصة، وكذا يأول، ويكون المراد من الحديث نفي الكمال لا نفي ذات الصلاة، فهذا ما قالوه، ولكن القول ما قال الطحاوي؛ لأنه أعلم الناس بمذاهب العلماء وخلافياتهم. إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى، عن عمّه رفاعة بن رافع: "أن النبي ﵇ كان جالسًا في المسجد، فدخل رجل فصلى والنبي ﵇ ينظر إليه، فقال: إذا قمت في صلاتك فكبر ثم أقرأ إن كان معك قرآن فإن لم يكن معك قرآن فأحمد الله وكبر وهلل، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم قم حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما تنقصه من صلاتك".

стр. 1922

حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع، عن رسول الله ﵇ نحوه. ش: هذا طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، ونسبته إلى وُحاظة -بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، والظاء المعجمة- ابن سعد بن عوف بن مالك. عن سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني روى له الجماعة، عن شريك بن أبي نمر -وهو شريك بن عبد الله بن أبي نمر- القرشي أبي عبد الله المدني، روى له الجماعة الترمذي في "الشمائل". عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان المدني روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. عن عمه رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الزرقي، شهد بدرًا هو وأبوه، وكان أبوه نقيبًا. وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه: "أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فصلى، فأمره رسول الله ﵇ فأعاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: يا رسول الله ما ألوت -بعد مرتين أو ثلاثًا- أن أتم صلاتي فقال رسول الله ﵇: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء

стр. 1923

مواضعه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يحمد الله ويثني عليه ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يكبر ويسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، فإذا لم يفعل ذلك لم تتم صلاته". وقال الحافظ زكي الدين المنذري في "مختصر السنن": والمحفوظ فيه: علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع. انتهى. وإنما قال ذلك كذلك لأنه رفاعة هذا ليس بعم علي بن يحيى وإنما هو عم أبيه؛ لأن خلادًا ورفاعة أخوين ابنا رافع، ويحيى هو ابن خلاد فيكون رفاعة عم يحيى، وعلي هو ابن يحيى، فيكون رفاعة عم أبيه. فافهم. وبهذا أخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد أبو يحيى بمكة وهو بصريّ، قال: ثنا أبي قال: ثنا همام قال: ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن علي بن يحيى بن خلاد بن مالك بن رافع بن مالك، حدثه عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع قال: "بينما رسول الله ﵇ جالس ونحن حوله إذ دخل رجل فأتى القبلة فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﵇ وعلى القوم، فقال له رسول الله ﵇: وعليك، اذهب فصل فإنك لم تصل. فذهب فصلى فجعل رسول الله ﵇ يرمق صلاته، ولا ندري ما يعيب منها، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﵇ وعلى القوم فقال له رسول الله ﵇: اذهب فصل فإنك لم تصل، فأعادها مرتين أو ثلاثًا فقال الرجل: يا رسول الله ما عبت في صلاتي؟ فقال رسول الله ﵇: إنها لن تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده ويمجده، وقال همام: وسمعته يقول: ويحمد الله ويمجده ويكبره قال: فكلاهما قد سمعته يقول، قال: ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله

стр. 1924

وأذن له فيه، ثم يكبر ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده ثم يستوي قائمًا حتلى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه -وقد سمعته يقول: جبهته- حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ويكبر فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتلى يمكن وجهه ويسترخي، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته". وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: ثنا الحسن بن علي، ثنا هشام بن عبد الملك، والحجاج بن المنهال، قالا: ثنا همام، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع ... الحديث. الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن أبي كثير هو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل المدينة، عن يحيى بن علي بن يحعرول بن خلاد الزرقي الأنصاري المدني وثقه ابن حبان، عن أبيه علي بن يحيى بن خلاد روى له البخاري، عن جده يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان الزرقي الأنصاري المدني قيل: إنه ولد على عهد النبي ﵇ فحنكه وقال: "لأسمينه اسمًا لم يسم به بعد يحيى بن زكرياء ﵉، فسماه يحيى". (٢) روى له الجماعة سوى مسلم. عن رفاعة بن رافع وهو عم يحيى المذكور. وأخرجه الترمذي (٣): ثنا علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع: "أن رسول الله ﵇ بينما هو جالس في المسجد يومًا قال رفاعة: ونحن معه إذ جاءه رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي ﵇، فقال

стр. 1925

النبي ﵇: وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل ففعل ذلك مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يأتي النبي ﵇ فيسلم على النبي ﵇، فيقول النبي ﵇: وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل، فخاف الناس وكَبُرَ عليهم أن يكون مَنْ أخف صلاته لم يصل، فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم أيضًا، فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وبره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعًا، ثم اعتدل قائمًا، ثم اسجد واعتدل ساجدًا، ثم اجلس فاطمئن جالسًا، ثم قم؛ فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك". وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: ثنا عباد بن موسى الختلي، ثنا إسماعيل يعني ابن جعفر، قال: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع: "أن رسول الله ﵇ ... " فقص هذا الحديث قال فيه: "فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فأحمد الله وبره وهلله، قال فيه: وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك". ويستفاد منه فوائد: أن الشروع في الصلاة لا يكون إلا بتكبير وهو فرض بلا خلاف، وقراءة القرآن وهي أيضًا فرض، وفيه دليل صريح على أن الفرض مطلق القراءة، وهو حجة لأبي حنيفة على عدم فرضية قراءة الفاتحة؛ إذ لو كانت فرضًا لأمره ﵇ لأن المقام مقام التعليم، وأن العاجز عن قراءة القرآن يحمد الله ويكبره ويهلله عوض القراءة فإنه يجزئه، ثم العجز عن القراءة أعم من أن يكون لمعنى في طبيعته أو لعذرآخر وأيا ما كان العاجز عن القرآن يجوز له أن يصلي بالأدعية ونحوها. وفي "المغني" لابن قدامة: فإن لم يحسن القراءة بالعربية لزمه التعلم، فإن لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته، فإن لم يقدر أو خشى ذوات الوقت وعرف من

стр. 1926

الفاتحة آية كررها سبعًا، قال القاضي: لا يجزئه غير ذلك؛ لأن الآية منها أقرب إليها من غيرها، وكذلك إن أحسن منها أكثر من ذلك كرره بقدره، وإن عوف بعض آية لم يلزمه تكرارها وعدل إلي غيرها، ويجب أن يقرأ بعدد آياتها، وهل يعتبر أن يكون في عدد حروفها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعتبر، والثاني: يلزمه ذلك، فإن لم يحسن شيئًا من القرآن ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا تلزمه الزيادة على هذه، وعن بعض الشافعية: يزيد عليها كلمتين حتى يكون مقام سبع آيات ولا يصح ذلك. انتهى. قلت: هذا كله على أصلهم أن قراءة الفاتحة فرض عندهم، وأما على أصل الحنفية: أنه يقرأ ما تيسر له من القرآن، فإن عجز عن ذلك بالكلية يدعو بما شَابَهَ ألفاظ القرآن فإن فرضنا أنه لا يقدر على إتيان شيء من الأدعية يصلي هكذا ولا يلزمه غير ذلك، وفيه بيان مقدار الركوع الذي لا بد منه، وهو أن يطمئن راكعًا. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (١): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن من سمع محمَّد بن علي يقول: "يجزئه من الركوع إذا وضع يديه على ركبتيه، ومن السجود إذا وضع جبهته على الأرض". ثنا (٢) ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "يجزئ من الركوع إذا أمكن يديه من ركبتيه، ومن السجود إذا أمكن جبهته من الأرض". وفيه بيان مقدار السجود الذي لا بد منه، وهو أن يطمئن جالسًا. فإن قيل: لم يبين في هذا الحديث بعض الواجبات كالنية، والقعدة الأخيرة، وترتيب الأركان، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير، والصلاة على النبي ﵇، وإصابة لفظة السلام.

стр. 1927

قلت: لعل هذه الأشياء كانت معلومة عند هذا الرجل فلذلك لم يبينها؛ فافهم. ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه. ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه الجماعة غير النسائي: فالبخاري (١): عن مسدد، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: ثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﵇ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﵇، فرد النبي ﵇ ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فصل ثم جاء فسلم على النب ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل -ثلاثًا- فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". ومسلم (٢): عن محمَّد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله ... إلي آخره نحوه. وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن أنس، يعني: ابن عياض. قال: ونا ابن المثني، قال: حدثني ابن سعيد، عن عبيد الله -وهذا لفظ ابن المثني- قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد ... " الحديث نحوه.

стр. 1928

والترمذي (١): عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، قال: أنا عبيد الله بن عمر، قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد ... " الحديث نحوه. وابن ماجه (٢): عن ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: "أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ورسول الله ﵇ في ناحية المسجد، فجاء فسلم، فقال: وعليك فأرجع فصل فإنك لم تصل ... " الحديث. قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ينافي فرضية قراءة فاتحة الكتاب؛ إذ لو كانت فرضًا لأمره النبي ﵇ بذلك، بل هو صريح في الدلالة على أن الفرض مطلق القراءة كما هو مذهب أبي حنيفة، وقال الخطابي: قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزئه غيرها، بدليل قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهذا في الإطلاق كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) ثم كان أقل ما يجزئ من الهدي معينًا معلوم المقدار ببيان السنة، وهو الشاة. قلت: يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلًا على حسب اختياره بكلام ينقض آخره أوله حيث اعترف أولًا أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير وحكم المطلق أن يجري على إطلاقه، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه الاحتمال. وقوله: "وهذا في الإطلاق كقوله تعالى ... " إلى آخره فاسد؛ لأن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم، وأقل ما يجزئ شاة، فيكون مرادًا بالسنة بخلاف قوله: "ما تيسر معك من القرآن" فإنه ليس كذلك، فإنه يتناول كل

стр. 1929

ما يطلق عليه اسم القرآن، فيتناول الفاتحة وغيرها، ثم تخصيصه بالفاتحة من غير مخصص ترجيح بلا مرجح، وهو باطل، ولا يجوز أن يكون قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" مخصصًا؛ لأنه ينافي معنى اليسر فينقلب الى عسر، وهو باطل. قوله: "ثم افعل ذلك" أي ما ذكرنا من الهيئات في صلاتك كلها. وقال الخطابي: وفيه دلالة على أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة. وقال أصحاب الرأي: إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ، وإن شاء أن يسبح سبح وإن لم يقرأ فيهما شيئًا أجزأه، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال: "يقرأ الأولين ويسبح في الأخريين" (١) من طريق الحارث عنه، وقد تكلم الناس في الحديث قديمًا، وممن طعن فيه الشعبي ورماه بالكذب، وتركه أصحاب الصحيح، ولو صح عن عليّ ﵁ لم يكن حجة؛ لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم: أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة ﵃ وغيرهم، وسنة رسول الله ﵇ أولى ما اتبع، بل قد ثبت عن عليّ ﵁ من طريق عبيد الله بن أبي رافع: "أنه كان يأمر أن يقرأ في الأولين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب" (٢). قلت: وإن دل قوله ذلك على أن يقرأ في كل ركعة، فقد دل غيره أن القراءة في الأولين قراءة في الأخريين، بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال: "شكى أهل الكوفة سعدًا ... " الحديث (٣)، وفيه: "واحذف في الأخريين" أي احذف القراءة في الأخريين، وتفسيره بقولهم: أقصر الصلاة ولا أحذفها؛ كلها خلاف الظاهر، وقوله: "لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه" غير مسلَّم؛ لأنه روي عن ابن مسعود مثله.

стр. 1930

على ما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله: "أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين". وكذا روي عن عائشة، وكذا روي عن إبراهيم (٢) والأسود (٣). وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٤): عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: "كان عليًّا ﵁ يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين". وهذا إسناد صحيح، وينافي قول الخطابي: "بل قد ثبت عن عليّ ﵁ من طريق عبيد الله ... " إلى آخره. وفي "التهذيب" لابن جرير الطبري: وقال حماد: عن إبراهيم، عن ابن مسعود: "أنه كان لا يقرأ في الركعتين الآخريين من الظهر والعصر شيئًا". وقال هلال بن سنان: "صليت إلى جنب عبد الله بن يزيد، فسمعته يسبح". وروى منصور، عن جرير، عن إبراهيم قال: "ليس في الركعتين الآخريين من المكتوبة قراءة، سبح الله واذكر الله". وقال سفيان الثوري: اقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخرين بفاتحة الكتاب -أو سبح فيهما بقدر الفاتحة-أيُّ ذلك فعلت أجزاك، وإن سبح في الآخرين أحب إليّ". والله أعلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فأخبر رسول الله ﷺ في هذين الحديثين بالفرض الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به ما هو، فعلمنا أن ما سوى ذلك إنما أريد به أدنى ما يبتغى به الفضل، وإن كان ذلك الحديث -الذي ذلك فيه منقطعًا- غير
следующие страницы →